← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

في أمور العبادة، أو في أمور العادة؛ فإن التشبه بأعداء الله حرام: وقد يؤدي إلى الكفر، والشرك - والعياذ بالله. ٨ - ومن فوائد الآية: أن اليهود والنصارى لا يتبع بعضهم بعضاً؛ بل يضلل بعضهم بعضاً؛ فاليهود يرون النصارى ليسوا على شيء من الدين؛ والنصارى يرون اليهود ليسوا على شيء من الدين أيضاً؛ كل منهم يضلل الآخر فيما بينهم؛ كل واحد منهم يرى أن الآخر ليس على ملة صحيحة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وما بعضهم بتابع قبلة بعض﴾ [البقرة: ١٤٥]؛ فقبلة اليهود إلى بيت المقدس - إلى الصخرة؛ وقبلة النصارى إلى المشرق يتجهون نحو الشمس؛ لكنهم على الإسلام يد واحدة بعضهم لبعض وليّ، كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ [المائدة: ٥١]؛ لأنهم كلهم أعداء للإسلام. ٩ - ومن فوائد الآية: أن اتباع اليهود والنصارى اتباع للهوى لا للهدى؛ لقوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾. ١٠ - ومنها: أن اليهود والنصارى ليسوا على هدى، حيث جعل الله ما هم عليه هوى، وليس بهدى. ١١ - ومنها: أن الإنسان لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد قيام الحجة؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾؛ فالإنسان قد يتابع غيره جهلاً؛ فلا يؤاخذ به - وإن كان يسمى ضالاً؛ لكنه ليس بظالم؛ لأنه لم يتعمد المخالفة؛ لا يتحقق الظلم إلا لمن عرف الحق وخالفه. ١٢ - ومنها: التلطف في الخطاب للرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿لمن الظالمين﴾؛ لأنك لو قلت لرجل: «أنت رجل ظالم» لكان أشد وقعاً من قولك له: أنت من الظالمين؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿عبس وتولى﴾ [عبس: ١ عندما تقرؤها تظن أن العابس والمتولي غير الرسول ﷺ ؛ تظن أنه رجل آخر؛ ولكن المراد به الرسول ﷺ . ١٣ - ومنها: بيان أن العلم حقيقة هو علم الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾: أتى بـ «أل» المفيدة للكمال؛ ولا شك أن العلم الكامل الذي هو محل الحمد والثناء هو العلم بالشريعة؛ ولذلك نقول: إن عصر النبوة هو عصر العلم؛ وليس عصرنا الآن هو عصر العلم الذي يمدح على الإطلاق؛ لكن ما كان منه نافعاً في الدين فإنه يمدح عليه لهذا. ١٤ - ومنها: أن الظلم، والعدل، وغير ذلك مقرون بالأعمال؛ لا بالأشخاص؛ بمعنى أنه ليس بين الله تعالى وأحد من الخلق شيء يحابيه، ويراعيه به؛ كل من خالفه فهو ظالم؛ فلا نقول مثلاً: هذا قريب من الرسول ﷺ تكفر سيئاته لقربه من الرسول ﷺ ؛ أو نقول: هذا إنسان من قريش من سلالة الأشراف - من سلالة بني هاشم - تكفّر عنه سيئاته؛ فإذا كان الرسول ﷺ يقول الله له: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين﴾؛ فما بالك بمن دون الرسول ﷺ ! ! ! فلا أحد يحابى من قِبل الله من أجل نسبه، أو حسبه، أو جاهه بين الناس: قال الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣]. ١٥ - ومن فوائد الآية: قد يرد التعليق على شرط لا يمكن تحققه؛ لقوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين﴾؛ فهذا الشرط لا يمكن أن يقع من رسول الله ﷺ . ١٦ - ومنها: تحذير الأمة من اتباع أهواء غير المؤمنين؛ وجه ذلك أنه إذا كان هذا الوصف يكون للرسول ﷺ لو اتبع أهواءهم فالذي دونه من باب أولى؛ فعلينا أن نحذر غاية الحذر من اتباع أهواء أعداء الله؛ فالواجب على علماء الأمة أن يحذِّروها مما وقعت فيها الآن من اتباع أهواء أعداء الله، ويبينوا لهم أن اتباع أهوائهم هو الظلم؛ والظلم ظلمات يوم القيامة؛ والظلم مرتع مبتغيه وخيم. ١٧ - دلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم لأن قوله: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ يدل على ذلك. القرآن

стр. 1087

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦] التفسير: الذين أعطيناهم التوراة والإنجيل من أحبار اليهود وعلماء النصارى يعرفون أنَّ محمدًا ﷺ رسول الله بأوصافه المذكورة في كتبهم، مثل معرفتهم بأبنائهم. وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون صِدْقه، وثبوت أوصافه. في سبب نزول الآية: قال الواحدي: " نزلت في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه كانوا يعرفون رسول الله ﷺ بنعته وصفته وبعثه في كتابهم كما يعرف أحدهم ولده إذا رآه مع الغلمان؛ قال عبد الله بن سلام: لأنا أشد معرفة برسول الله ﷺ مني بابني، فقال له عمر بن الخطاب: وكيف ذاك يا ابن سلام؟ قال: لأني أشهد أن محمدا رسول الله حقا يقينا، وأنا لا أشهد بذلك على ابني، لأني لا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام" (١). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، " أي إن اليهود والنصارى يعرفون أن محمدا النبي الأمى خاتم الرسل كما يعرفون أبناءهم" (٢). قال الثعلبي: " يعني محمدا كما يعرفون أبناءهم من بين النصارى" (٣). قال البيضاوي: " أي يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبناءهم لا يلتبسون عليهم بغيرهم" (٤). قال المراغي: " هذا كالدليل لما ذكر فى قوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، فكأنه قال: إن سبب العلم بأنه الحق، أنهم يعرفون النبي ﷺ بما في كتبهم من البشارة به ومن نعوته وصفاته التي لا تنطبق على غيره، كما يعرفون أبناءهم الذين يربّونهم ويحوطونهم بعنايتهم، فلا يفوتهم شاء من أمرهم" (٥). واختلف في عود الضمير في قوله تعالى ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ [البقرة: ١٤٦]، على ثلاثة أوجه (٦): أحدها: أنه عائد إلى رسول الله ﷺ ، أي: يعرفونه معرفة جلية، يميزون بينه وبين غيره كما يعرفون أبناءهم، لا تشتبه عليهم وأبناء غيرهم. قاله ابن عباس (٧)، مجاهد (٨) وقتادة (٩) وغيرهما، وهو قول أكثر المفسرين (١٠). قال البيضاوي: " الضمير لرسول الله ﷺ ، وإن لم يسبق ذكره لدلالة الكلام عليه" (١١). الثاني: أنه راجع إلى أمر القبلة: أي علماء أهل الكتاب يعرفون أمر تحويل القبلة التي نقلت إليها كما يعرفون أبناءهم. قاله أبوالعالية وقتادة والسدي ومقاتل وروي عن ابن عباس أيضا (١٢)، واختاره الإمام الطبري (١٣). الثالث: أنه يرجع إلى القرآن. حكاه البيضاوي (١٤).

стр. 1088

والقول الأول أولى بالصواب، وذلك للوجوه الآتية (١): أحدها: أن الضمير إنما يرجع إلى مذكور سابق، وأقرب المذكورات العلم في قوله: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ [البقرة: ١٤٥]، والمراد من ذلك العلم: النبوة، فكأنه تعالى قال: إنهم يعرفون ذلك العلم كما يعرفون أبناءهم، وأما أمر القبلة فما تقدم ذكره البتة. وثانيها: أن الله تعالى ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القبلة مذكور في التوراة والإنجيل، وأخبر فيه أن نبوة محمد ﷺ مذكورة في التوراة والإنجيل، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى. وثالثها: أن المعجزات لا تدل أول دلالتها إلا على صدق محمد ﵇، فأما أمر القبلة فذلك إنما يثبت لأنه أحد ما جاء به محمد ﷺ فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى. وفي سبب تخصيص ذكر الأبناء في المعرفة دون الأنفس في قوله تعالى ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، قال الرازي: " لأن الذكور أعرف وأشهر وهم بصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق" (٢). وقال القرطبي: "وخص الأبناء في المعرفة بالذكر دون الأنفس وإن كانت ألصق لأن الإنسان يمر عليه من زمنه برهة لا يعرف فيها نفسه، ولا يمر عليه وقت لا يعرف فيه ابنه. وروي أن عمر قال لعبدالله بن سلام: أتعرف محمدا ﷺ كما تعرف ابنك؟ فقال: نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه" (٣). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ [البقرة: ١٤٦]، "أي وإن جماعة منهم، ليخفون الحق ولا يعلنونه" (٤). قال مجاهد: " يكتمون محمدًا ﷺ ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل" (٥). قال الثعلبي: " يعني صفة محمد ﷺ وأمر الكعبة" (٦). قال الزجاج: " أي يكتمون صفته، ومن لا يعلم أمر النبي ﷺ وما جاء به" (٧). قال البيضاوي: " تخصيص لمن عاند واستثناء لمن آمن" (٨). قال ابن عطية: " والفريق الجماعة، وخص لأن منهم من أسلم ولم يكتم" (٩). وفي الحق الذي كتموه، قولان: أحدهما: أنه النبي محمد- ﷺ يكتمه اليهود والنصارى. قاله مجاهد (١٠)، وقتادة (١١)، وخصيف. ولهذا ذكر الله في سورة آل عمران أن بعضهم يقول لبعض: كيف تبينون الهدى لمحمد، وأصحابه؟ ! إذا بينتموه يحاجوكم به عند الله أفلا تعقلون! فهم يتواصون بالكتمان - والعياذ بالله (١٢). الثاني: وقيل المراد: استقبال الكعبة (١٣)، قاله الربيع (١٤)، والسدي (١٥)، ومقاتل (١٦).

стр. 1089

قال الطبري: "وذلك الحق هو القبلة التي وجَّه الله إليها نبيَّه محمدًا ﷺ . يقول: فَولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام التي كانت الأنبياء من قبل محمدٍ ﷺ يتوجَّهون إليها. فكتمتها اليهودُ والنصارى، فتوجَّه بعضُهم شرقًا، وبعضُهم نحو بيتَ المقدس، ورفضُوا ما أمرهم الله به، وكتموا مَعَ ذلك أمرَ محمد ﷺ وهم يجدونَه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. فأطلع الله محمدًا ﷺ وأمَّتَه على خيانتهم اللهَ ﵎، وخيانتهم عبادَه، وكتمانِهم ذلك، وأخبر أنهم يفعلون ما يَفعلون من ذلك على علم منهم بأن الحق غيرُه" (١). قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، أي: " يكتمون والحال أنهم يعلمون أنه الحق" (٢). قال الزجاج: أي" أنه الحق" (٣). قال الواحدي: " لأن الله بيّن ذلك في كتابهم" (٤). قال ابن عثيمين: "وهذا أبلغ في الذم، وأقبح في الفعل أن يكونوا كاتمين للحق وهم يعلمون، ومثله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وقوله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] " (٥). وفي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وجهان من التفسير (٦): أحدهما: وهم يعلمون أنه حق. والثاني: وهم يعلمون ما على مخالفه من العقاب. الفوائد ١ - من فوائد الآية: أن النبي ﷺ معروف عند أهل الكتاب معرفة تامة؛ وذلك كما جاء في كتبهم، كما قال الله ﵎: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ٢ - ومنها: أنه لا عذر ولا حجة لأهل الكتاب في إنكارهم رسالة النبي ﷺ ؛ لأنهم أوتوا من وصفه ما يعرفونه به كما يعرفون أبناءهم. ٣ - ومنها: بيان أن تعلق الإنسان بالابن أقوى من تعلقه بالبنت؛ لقوله تعالى: ﴿كما يعرفون أبناءهم﴾؛ فهو يعرف الابن أكثر مما يعرف البنت لقوة تعلقه به. ٤ - ومنها: الاحتراس في القرآن الكريم، حيث قال تعالى: ﴿وإن فريقاً منهم﴾؛ لأن كتمان الحق لم يكن من جميعهم؛ بل من فريق منهم؛ وطائفة أخرى لا تكتم الحق؛ فإن من النصارى من آمن، كالنجاشي؛ ومن اليهود - كعبد الله بن سلام - مَن آمن، ولم يكتم الحق. ٥ - ومنها: شدة اللوم، والذم لهؤلاء الذين يكتمون الحق؛ لأنهم يكتمونه مع العلم به؛ فهم عامدون ظالمون؛ وهذا أشد قبحاً من كتمان الإنسان ما يكون متردداً فيه. القرآن ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ [البقرة: ١٤٧] التفسير:

стр. 1090

الذي أنزل إليك -أيها النبي- هو الحق من ربك، فلا تكونن من الشاكين فيه. وهذا وإن كان خطابا للرسول ﷺ فهو موجه للأمة. قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، أي: " اعلم يا محمد أنّ الحق ما أعلمك ربك وأتاك من عنده، لا ما يقول لكَ اليهود والنصارى" (١). قال الربيع: " يقول: لا تكنْ في شك، فإنها قبلتُك وقبلةُ الأنبياء من قبلك" (٢). قال الثعلبي: "أي هذا الحق" (٣) من ربك (٤). قال الواحدي: " أي: هذا الحق من ربك" (٥). قال ابن عثيمين: "يعنى أن الحق ثابت، وحاصل من ربك؛ وقيل: هذا الحق من ربك" (٦). قال الطبري: " وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره خبر لنبيه ﵇: عن أن القبلة التي وجهه نحوها، هي القبلةُ الحقُّ التي كان عليها إبراهيم خليل الرحمن ومَنْ بعده من أنبياء الله " (٧). قال ابن كثير: " ثبّت تعالى نبيه والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك" (٨). وروي عن علي ﵁ أنه قرأ: ﴿الحق﴾، منصوبا بـ ﴿يعلمون﴾، أي ﴿يعلمون الحق﴾ (٩). قال النحاس: "فأما الذي في "الأنبياء" ﴿الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤] فلا نعلم أحدا قرأه إلا منصوبا، والفرق بينهما أن الذي في سورة (البقرة) مبتدأ آية، والذي في الأنبياء ليس كذلك" (١٠). قال القرطبي: " ويصح نصبه على تقدير (الزم الحق)، والرفع على الابتداء أو على إضمار مبتدأ والتقدير: (هو الحق)، أو على إضمار فعل، أي (جاءك الحق) " (١١). وأما الألف واللام في قوله ﴿الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٤٧]، ففيه وجهان (١٢): الأول: أن يكون للعهد، والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله ﷺ أو إلى الحق الذي في قوله: ﴿ليكتمون الحق﴾ أي هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك. والثاني: أن يكون للجنس على معنى: الحق من الله تعالى لا من غيره يعني إن الحق ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل. قوله تعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، أي: " فلا تكوننَّ من الشاكّين" (١٣). قال الطبري: "أي من الشاكين، في أن القبلة التي وجَّهتك نَحوها قبلةُ إبراهيم خليلي ﵇ وقبلة الأنبياء غيره" (١٤). قال ابن زيد: " قال: من الشاكين قال، لا تشكنّ في ذلك" (١٥).

стр. 1091

قال الزجاج: " أي من الشاكين والخطاب أيضا عام أي فلا تكونوا من الشاكين" (١). قال الصابوني: "والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته" (٢). قال الواحدي: "يعني: فلا تكونن من الممترين في الجملة التي أخبرتك من أمر القبلة، وعناد من كتم النبوة، وامتناعهم من الإيمان بك" (٣). قال الثعلبي: " والخطاب في هذه الآية: وفي ما قبلها للنبي ﷺ والمراد به غيره، وكل ما ورد عليك من هذا النحو فهو سبيله" (٤). قال ابن عثيمين: " والخطاب هنا للرسول ﷺ ؛ وهذا النهي يراد به التثبيت؛ إذ لا يمكن وقوع الامتراء من النبي ﷺ ؛ كما أن أمر المؤمن بالإيمان يراد به الثبوت، والاستمرار عليه، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل﴾ [النساء: ١٣٦]، كما أن الشرط قد يعلق بما لا يمكن وقوعه كما سبق في قوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين﴾ [البقرة: ١٤٥] " (٥). و(المرية): الشك، ومنه: الامتراء والتماري (٦)، وأنشد الطبري قول الأعشى (٧): تَدِرُّ عَلَى أَسْوُقِ المُمْتَرِينَ ... رَكْضًا، إِذَا مَا السَّرَابُ ارْجَحَنّ قال ابن عطية: " ووهم في ذلك لأن أبا عبيدة وغيره قالوا: الممترون في البيت هم الذين يمرون الخيل بأرجلهم همزا لتجري كأنهم يحتلبون الجري منها، فليس في البيت معنى من الشك كما قال الطبري" (٨). وقال الراغب: "المرية: التردد في الأمر، وهو أخصمن الشك، والامتراء والمماراة: المحاجة فيما فيه مرية" (٩). وقد اختلف العلماء في تحديد نوع (المرية) في قوله ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، على أقوال (١٠): أحدها: فلا تكونن من الممترين في أن الذين تقدم ذكرهم علموا صحة نبوتك، وأن بعضهم عاند وكتم، قاله الحسن. وثانيها: بل يرجع إلى أمر القبلة. قاله الربيع (١١). وثالثها: إلى صحة نبوته وشرعه. والقول الثالث هو الأقرب، "لأن أقرب المذكورات إليه قوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ فإذا كان ظاهره يقتضي النبوة وما تشتمل عليه من قرآن ووحي وشريعة، فقوله: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ وجب أن يكون راجعا إليه" (١٢). والله تعالى أعلم. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن ما جاء من عند الله فهو حق؛ لقوله تعالى: ﴿الحق من ربك﴾.

стр. 1092

٢ - ومنها: أنه ما دام الحق من الله فإنه يجب أن يؤمن الإنسان به، وأن لا يلحقه في ذلك شك، ولا مرية. ٣ - ومنها: أن كل شيء خالف ما جاء عن الله فهو باطل؛ لقوله تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون﴾ [يونس: ٣٢]. ٤ - ومنها: تقوية الرسول ﷺ على ما هو عليه من الحق - وإن كتمه أهل الكتاب - لأن الإنسان بشر؛ لما أنكر هؤلاء الذين أوتوا الكتاب الحق قد يعتري الإنسان شيء من الشبهة - وإن كان بعيداً؛ فبين الله أن ما جاء به هو الحق؛ لقوله تعالى: ﴿الحق من ربك﴾. ٥ - ومنها: عناية الله بالنبي بذكره بالربوبية الخاصة؛ لقوله تعالى: ﴿من ربك﴾. ٦ - ومنها: أن الشك ينافي الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾. ٧ - ومنها: أنه قد ينهى عن الشيء مع استحالة وقوعه؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾؛ فإن النبي ﷺ لا يمكن أن يكون من الممترين. ٨ - ومنها: عناية الله بالرسول ﷺ بالتثبيت؛ لأن قوله تعالى له: ﴿الحق من ربك﴾ يقتضي ثباته عليه؛ وقوله تعالى: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ يقتضي استمراره على هذا الثبات؛ ولا شك أن في هذا من تأييد الرسول ﷺ ، وتثبيته ما هو ظاهر. القرآن ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨] التفسير: ولكل أمة من الأمم قبلة يتوجَّه إليها كل واحد منها في صلاته، فبادروا - أيها المؤمنون- متسابقين إلى فِعْل الأعمال الصالحة التي شرعها الله لكم في دين الإسلام. وسيجمعكم الله جميعا يوم القيامة من أي موضع كنتم فيه. إن الله على كل شيء قدير. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]، "أي ولكل أمة جهة توليها في صلاتها" (١). قال ابن عباس: " يعني بذلك: أهل الأديان، يقول: لكل قبلة يرضونها. ووجه الله حيث توجه المؤمنون" (٢). قال أبو العالية: " قال: لليهودي وجهة هو موليها، (وللنصارى) وجهة هو موليها، وهداكم الله أنتم أيتها الأمة (القبلة) التي هي القبلة" (٣). وروي عن مجاهد في أحد قوليه. والضحاك، وعطاء، والسدي، والربيع نحو ذلك (٤). قال الثعلبي: " أي ولكل أهل ملة قبلة، مستقبلها ومقبل إليها" (٥). قال البيضاوي: " ولكل أمة قبلة، أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة" (٦). قال الصابوني: " أي لكل أمة من الأمم قبلةٌ هو مولّيها وجهه أي مائل إِليها بوجهه" (٧). وروي عن مجاهد في قوله ﴿لكل وجهة هو موليها﴾، قال: "أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة" (٨). وروي عن الحسن نحو ذلك (٩).

стр. 1093

وقال قتادة: " هي صلاتهم إلى بيت المقدس، وصلاتهم إلى الكعبة" (١). يقال: "وليته، ووليت إليه. إذا أقبلت إليه ووليت عنه إذا أدبرت عنه، وأصل التولية: الانصراف" (٢). قد ذكر أهل العلم في قوله: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ [البقرة: ١٤٨]، أربعة أوجه (٣): أحدها: أنه يتناول جميع الفرق، أعني المسلمين واليهود والنصارى والمشركين، وهو قول الاصم، قال: لأن في المشركين من كان يعبد الأصنام ويتقرب بذلك إلى الله تعالى كما حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨]. وثانيها: أن المراد: أهل الكتاب وهم: المسلمون واليهود والنصارى، والمشركون غير داخلين فيه. وهو قول ابن عباس (٤)، وأبي العالية (٥)، و"مجاهد في أحد قوليه. والضحاك، وعطاء، والسدي، والربيع" (٦). وثالثها: أن المراد: لكل قوم من المسلمين وجهة أي جهة من الكعبة يصلي إليها: جنوبية أو شمالية، أو شرقية أو غربية، واحتجوا على هذا القول بوجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿هو موليها﴾ يعني الله موليها وتولية الله لم تحصل إلا في الكعبة، لأن ما عداها تولية الشيطان. والثاني: أن الله تعالى عقبه بقوله: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ والظاهر أن المراد من هذه الخيرات ما لكل أحد من جهة، والجهات الموصوفة بالخيرية ليست إلا جهات الكعبة. ورابعها: أن المراد: لكل واحد من الرسل وأصحاب الشرائع جهة قبلة، فقبلة المقربين: العرش، وقبلة الروحانيين: الكرسي، وقبلة الكروبيين: البيت المعمور، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك الكعبة. واختلفوا في المراد بقوله تعالى ﴿وِجْهَةٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]، على قولين (٧): أحدهما: أن المراد المنهاج والشرع، قاله الحسن (٨)، وهو كقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج: ٦٧]، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] والمراد منه أن للشرائع مصالح، فلا جرم اختلفت الشرائع بحسب اختلاف الأشخاص، وكما اختلف بحسب اختلاف الأشخاص لم يبعد أيضا اختلافها بحسب اختلاف الزمان بالنسبة إلى شخص واحد، فلهذا صح القول بالنسخ والتغيير. الثاني: أن المراد منه أمر القبلة، قاله ابن عباس (٩)، وقالوا: لأنه تقدم قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فهذه الوجهة يجب أن تكون محمولة على ذلك. وذكروا في الضمير (هو) في قوله تعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]، وجهان (١٠): الأول: أنه عائد إلى الكل، أي ولكل أحد وجهة هو مولى وجهه إليها. الثاني: أنه عائد إلى اسم الله تعالى، أي: الله تعالى يوليها إياه. وتقرير الكلام على الوجه الثاني أعني أن يكون الضمير في قوله: ﴿هو موليها﴾ عائدا إلى الله تعالى فههنا وجهان:

стр. 1094

الأول: أن الله عرفنا أن كل واحدة من هاتين القبلتين اللتين هما بيت المقدس والكعبة جهة يوليها الله تعالى عباده، إذا شاء يفعله على حسب ما يعلمه صلاحا فالجهتان من الله تعالى وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما، فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمر الله في الحالتين، فإن انقيادكم خيرات لكم، ولا تلتفتوا إلى مطاعن هؤلاء الذين يقولون: ﴿ما ولاهم عن قبلتهم﴾ [البقرة: ١٤٢]، فإن الله يجمعكم وهؤلاء السفهاء جميعا في عرصة القيامة، فيفصل بينكم. الثاني: أنا إذا فسرنا قوله: ﴿ولكل وجهة﴾ بجهات الكعبة ونواحيها، كان المعنى: ولكل قوم منكم معاشر المسلمين وجهة، أي ناحية من الكعبة: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ بالتوجه إليها من جميع النواحي، فإنها وإن اختلفت بعد أن تؤدي إلى الكعبة فهي كجهة واحدة ولا يخفى على الله نياتهم فهو يحشرهم جميعا ويثيبهم على أعمالهم. واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]، على وجهين (١): أحدهما: ﴿هو مُولَّاها﴾، بفتح اللام، "أي مصروف إليها" (٢). قرأ بها ابن عباس وابن عامر وأبو رجاء وسليمان بن عبد الملك. الثاني: ﴿مُوَلِّيهَا﴾، بكسر اللام. قرأ بها الباقون. وقرئ: ﴿وَلِكُلّ وِجْهَةٍ﴾: بالإِضافة، والمعنى وكل وجهة الله موليها أهلها، واللام مزيدة للتأكيد جبراً لضعف العامل (٣). قال الثعلبي: " وفي حرف أبيّ: ﴿ولك قبلة هو موليها﴾، وفي حرف عبد الله: ﴿ولكل جعلنا قبلة هو موليها﴾ " (٤). قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، أي: " فبادروا وسارعوا أيها المؤمنون إِلى فعل الخيرات" (٥). قال أبو السعود: " أي تسابقوا إليها" (٦). قال البيضاوي: أي"من أمر القبلة وغيره مما ينال به سعادة الدارين، أو الفاضلات من الجهات وهي المسامتة للكعبة" (٧). قال المراغي: "أي فبادروا إلى فعل كل نوع من أنواع الخير، وليحرص كل منكم أن يكون سباقا إليه" (٨). قال الزجاج: " أي فبادروا إلى القبول من - الله ، وولوا وجوهكم حيث أمركم أن تولوا" (٩). قال الطبري: "أي: قد بيّنت لكم أيها المؤمنون الحقَّ، وهديتكم للقِبلة التي ضلَّت عنها اليهود والنصارى وسائرُ أهل الملل غيركم، فبادروا بالأعمال الصالحة، شكرًا لربكم، وتزوَّدوا في دنياكم لآخرتكم، فإني قد بيّنت لكم سبُل النجاة، فلا عذر لكم في التفريط، وحافظوا على قبلتكم، فلا تضيِّعوها كما ضَيَّعتها الأمم قبلكم، فتضلُّوا كما ضلت" (١٠).

стр. 1095

قال الثعلبي: أي" وبادروا فعل الخيرات، ومجازه فاستبقوا إلى الخيرات: أي يسبق بعضكم بعضا فحذف حرف الخبر. كقول الشاعر (١): ثنائي عليكم آل حرب ومن يمل ... سواكم فإني مهتد غير مائل أراد من يمل إلى سواكم" (٢). وذكروا في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وجهين من التفسير: أحدهما: أن المعنى: " سارعوا في الخيرات". قاله أبو العالية (٣)، وروي عن الربيع بن أنس (٤) نحو ذلك. الثاني: أن المراد: " اثبتوا على قبلتكم. قاله الحسن (٥). قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٤٨]، أي: "في أيّ مكان وبقعة تهلكون فيه، يأت بكم الله جميعًا يوم القيامة" (٦). قال أبو العالية: " يعني: يوم القيامة" (٧). وروي عن السدي، والربيع بن أنس، نحو ذلك (٨). قال الزجاج: " أي يرجعكم إليه" (٩). قال البيضاوي: " فيقدر على الإماتة والإحياء والجمع" (١٠). قال الواحدي: " أي: أينما تكونوا يجمعكم الله للحساب فيجزيكم بأعمالكم" (١١). قال أبو السعود: " أي في أيّ موضعٍ تكونوا من موافِقٍ أو مخالفٍ مجتمعِ الأجزاء أو متفرقِها يحشُرُكم الله تعالى إلى المَحْشَر للجزاء" (١٢). قال الثعلبي: " يريد أهل الكتاب، [فيجمعكم الله] يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم" (١٣). قال المراغي: " أي ففى أي مكان تقيمون فيه، فالله يأتي بكم ويجمعكم للحساب فعليكم أن تستبقوا إلى فعل الخيرات، فالبلاد والجهات لا شأن لها فى أمر الدين، وإنما الشأن لعمل البر، وفي هذا وعد لأهل الطاعة، ووعيد لأهل المعصية" (١٤). قال الصابوني: " أي في أي موضع تكونوا من أعماق الأرض أو قمم الجبال يجمعكم الله للحساب فيفصل يبن المحق والمبطل" (١٥). وعن السدي: قوله ﴿أينما تكونوا﴾، قال: من الأرض" (١٦). وعن الضحاك، في قوله: " ﴿أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا﴾،

стр. 1096

قال: البر والفاجر" (١). وذكر البيضاوي في قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٤٨]، ثلاثة أوجه (٢): أحدها: في أي موضع تكونوا من موافق ومخالف مجتمع الأجزاء ومفترقها، يحشركم الله إلى المحشر للجزاء. الثاني: أينما تكونوا من أعماق الأرض وقلل الجبال، يقبض أرواحكم. الثالث: أينما تكونوا من الجهات المتقابلة، يأت بكم الله جميعاً ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]، " أي إِنه تعالى قادر على كل شيء" (٣). قال ابن عثيمين: " أي: لا يعتريه عجز في كل شيء فعله" (٤). قال الزجاج: أي: "فتوفون ما عملتم" (٥). قال القرطبي: " ثم وصف نفسه تعالى بالقدرة على كل شيء لتناسب الصفة مع ما ذكر من الإعادة بعد الموت والبلى" (٦). قال المراغي: " فهو لا يعجزه أن يحشر الناس يوم الجزاء مهما بعدت بينهم المسافات. وتناءت بهم الديار والجهات" (٧). قال الصابوني: " أي هو قادر على جمعكم من الأرض وإن تفرقت أجسامكم وأبدانكم" (٨). قال أبو السعود: " فيقدِر على الإماتة والإحياء والجمعِ فهو تعليل للحكم السابق" (٩). قال محمد بن إسحاق: " ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾: أي إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير" (١٠). وعن محمد ابن إسحاق كذلك: " قوله: ﴿على كل شيء قدير﴾، أي لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك" (١١). الفوائد: ١ - من فوائد قوله تعالى ﴿فاستبقوا الخيرات﴾، الأمر بالبدار إلى الطاعة في وقتها، واعلم أن أداء الصلاة في أول الوقت عند الشافعي ﵁ أفضل، خلافا لأبي حنيفة. ٢ - ومن فوائد الآية: أن الأمم قد تختلف مناهجها - وإن اتفقت على أصل واحد؛ وهو الإسلام؛ ونعني بـ «الإسلام» المعنى العام؛ وهو الاستسلام لله بشرائعه القائمة التي لم تُنسَخ. ٣ - ومنها: أن الإنسان يجب عليه أن يتبع الحق أينما كان؛ ولا ينظر إلى كثرة المخالف؛ لا يقل: الناس على كذا فكيف أشذ عنهم! بل يجب عليه أن يتبع الحق؛ لأن قوله تعالى: ﴿ولكل وجهة﴾ يشمل الوجهة الشرعية، والوجهة القدرية؛ يعني ما وجه الله العباد إليه شرعاً، وما وجههم إليه قدراً؛ الوجهة القدرية معروفة: فمن الناس من يهديه الله تعالى فيكون اتجاهه إلى الحق؛ ومن الناس من يُخذَل فيَضل، ويكون اتجاهه إلى الباطل؛ فالوجهة التي يتبعها المشركون، واليهود، والنصارى، وما أشبه ذلك هذه وجهة قدرية؛ أما شرعية فلا؛ لأن

стр. 1097

الله ما شرع الكفر أبداً؛ ولا شرع شيئاً من خصال الكفر؛ والوجهة الشرعية: اختلاف الشرائع بين الناس؛ فلا تظن أن اختلاف الشريعة الإسلامية عن غيرها معناه أنها ليست حقاً؛ فإنها الحق من الله. ٤ - ومن فوائد الآية: وجوب المسابقة إلى الخير؛ لقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾. ٥ - ومنها: أن الأمر يقتضي الفورية؛ لأن الاستباق إلى الخير لا يكون إلا بالمبادرة إلى فعله؛ فهذه الآية مما يستدل به على أن الأمر المطلق للفورية. ٦ - ومنها: البلاغة التامة في قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ دون «استبقوا إلى الخيرات» - وإن كان بعض الناس يقولون: إنها نُزِع منها حرف الجر؛ وليس بصحيح؛ لأن ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ يشمل الاستباق إليها، والاستباق فيها؛ فليس معناه: إذا وصلت إلى الخير فإنك تقف؛ بل حتى في نفس فعلك الخير كن مسابقاً؛ وهذا يشبهه قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]؛ فالمطلوب أن يصل الإنسان إلى الصراط، ويستمر فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]. ٧ - ومن فوائد الآية: إحاطة الله تعالى بالخلق أينما كانوا؛ لقوله تعالى: ﴿أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً﴾. ٨ - ومنها: الإشارة إلى البعث؛ لأن الإتيان بالجميع يكون يوم القيامة. ٩ - ومنها: إثبات عموم قدرة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً﴾ [فاطر: ٤]. وهناك كلمة يقولها بعض الناس فيقول: «إن الله على ما يشاء قدير»؛ وهذا لا ينبغي: أولاً: لأنه خلاف إطلاق النص؛ فالنص مطلق. ثانياً: لأنه قد يفهم منه تخصيص القدرة بما يشاء الله دون ما لم يشأ؛ والله قادر على ما يشاء، وعلى ما لا يشاء. ثالثاً: أنه قد يفهم منه مذهب المعتزلة القدرية الذين قالوا: «إن الله لا يشاء أفعال العبد؛ فهو غير قادر عليها». ولهذا ينبغي أن نطلق ما أطلقه الله لنفسه، فنقول: إن الله على كل شيء قدير؛ أما إذا جاءت القدرة مضافة إلى فعل معين فلا بأس أن تقيد بالمشيئة، كما في قوله تعالى: ﴿وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ [الشورى: ٢٩]؛ فإن ﴿إذا يشاء﴾ عائدة على «الجمع»؛ لا على «القدرة»؛ فهو قدير على الشيء شاءه، أم لم يشأه؛ لكن جمعه لا يقع إلا بالمشيئة؛ ومنه الحديث في قصة الرجل الذي أكرمه الله ، فقال: «ولكني على ما أشاء قادر» (١)؛ لأنه يتكلم عن فعل معين؛ ولهذا قال: «قادر»: أتى باسم الفاعل الدال على وقوع الفعل دون الصفة المشبهة - «قدير» - الدالة على الاتصاف بالقدرة. القرآن ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ [البقرة: ١٤٩] التفسير: ومن أي مكان خَرَجْتَ -أيها النبي- مسافرًا، وأردت الصلاة، فوجِّه وجهك نحو المسجد الحرام. وإنَّ توجُّهك إليه لهو الحق الثابت من ربك. وما الله بغافل عما تعملونه، وسيجازيكم على ذلك. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩]، معناه: "ومن أيّ موضع خرَجْت إلى أي موضع وجَّهتَ، فحوِّل يامحمد وَجْهك شطر المسجد الحرام" (٢). قال ابن عثيمين: " أي مستقبلاً له؛ وذلك عند الصلاة" (٣).

стр. 1098

قال مقاتل: " يعني الحرم كله فإنه مسجد كله" (١). قال البيضاوي: " ومن أي مكان خرجت للسفر ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾، إذا صليت" (٢). و(شطر المسجد) أي جهة المسجد؛ و (المسجد الحرام) هو المسجد الذي فيه الكعبة؛ لقول النبي ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ... " (٣)؛ بل لقوله تعالى: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله﴾ [الفتح: ٢٥]؛ ووصِف بالحرام لاحترامه، وتعظيمه (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، "أي وإن توليك إياه لهو الحق الثابت الموافق للحكمة والمصلحة" (٥). قال ابن أبي زمنين: " يعني: أن القبلة: الكعبة" (٦). قال الآلوسي: " أي: الاستقبال أو الصرف أو التولية، [هو الحق] الثابت الموافق للحكمة" (٧). قال الطبري: اي: "وإنّ التوجه شَطرَه للحق الذي لا شكّ فيه من عند ربك، فحافظوا عليه، وأطيعوا الله في توجهكم قِبَله" (٨). قال أبو حيان: " هذا إخبار من الله تعالى بأن استقبال هذه القبلة هو الحق، أي الثابت الذي لا يعرض له نسخ ولا تبديل" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، "أي فالله ليس بغافل عن أعمالكم، وسيجازيكم بذلك خير الجزاء" (١٠). قال الطبري: "أي: فإن الله تعالى ذكره لَيس بساهٍ عن أعمالكم، ولا بغافل عنها، ولكنه محصيها لكم، حتى يجازيكم بها يوم القيامة" (١١). قال المراغي: " ولا يخفى ما في هذا من الوعد والبشارة للمؤمنين بنيل المكافأة على ما يفعلون" (١٢). قال أبو حيان: " فالجهات كلها بالنسبة إلى الباراء تعالى مستوية، فكونه خص باستقبال هذه زماناً، ونسخ ذلك باستقبال جهة أخرى متأبدة، لا يظهر في ذلك في بادي الرأي إلا أنه تعبد محض. فلم يبق في ذلك إلا امتثال ما أمر الله به، فأخبر تعالى أنه لا يغفل عن أعمالكم، بل هو المطلع عليها، المجازي بالثواب من امتثل أمره، وبالعقاب من خالفه" (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، قراءتان (١٤): إحداهما: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء: خطاب للمسلمين.

стр. 1099

قال القاسمي: " فهو وعد للمؤمنين" (١). والثانية: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ بالياء، وهو قراءة أبو عمرو، خطاب لهؤلاء الذين اعترضوا على النبي ﷺ ؛ فإن الله تعالى ليس بغافل عنهم؛ بل سوف يجازيهم بما يستحقون. قال القاسمي: " فهو وعيد للكافرين" (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب التوجه إلى المسجد الحرام أينما كان الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾؛ وسبق ذكر ما يستثنى من ذلك عند قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء ... ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية. ٢ - ومنها: تكرار الأمر الهام لتثبيته، والثبات عليه، ودفع المعارضة فيه؛ لأنه كلما كرر كان مقتضاه أن الأمر ثابت محكم يجب الثبوت عليه؛ وكون المسلمين ينقلون من وجهة إلى وجهة في القبلة أمر هام له شأن عظيم؛ ولهذا ارتد من ارتد من الناس حين حوِّلت القبلة. ٣ - ومنها: إثبات حرمة المسجد الحرام، وتعظيمه؛ لقوله تعالى: ﴿المسجد الحرام﴾؛ فالمسجد محترم معظم؛ حتى ما حوله صار محترماً معظماً؛ فالبلد كله آمن حتى الأشجار التي لا إحساس لها آمنة في هذا المكان؛ ولهذا حرم النبي ﷺ أن يختلى خلاها، أو يعضد شوكها (٣)، أو يقطع شجرها (٤)، كل هذا لاحترام هذا المكان، وتعظيمه. ٤ - ومنها: أن التوجه إلى الكعبة هو الحق؛ لقوله تعالى: ﴿وإنه للحق من ربك﴾ فأثبت فيه الحقية مؤكداً بـ ﴿إن﴾، واللام. ٥ - ومنها: كمال علم الله ، ومراقبته لخلقه؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾. ٦ - ومنها: إضافة العمل إلى الإنسان، فيكون فيه رد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿عما تعملون﴾؛ ولا شك أن الإنسان يضاف إليه عمله؛ وعمله: كسبه - إن كان في الخير - واكتسابه - إن كان في الشر - كما قال تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦]. والناس في هذه المسألة - أعني مسألة أعمال العباد - ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: من يرون أن الإنسان مجبر على العمل؛ لا يفعل شيئاً باختيار أبداً؛ وما فعله الاختياري إلا كفِعله الاضطراري: فمن نزل من السطح على الدرج درجة درجة هو كمن سقط بدون علمه من أعلى السطح؛ وهذا مذهب الجبرية من الجهمية؛ وهو مذهب باطل ترده الأدلة السمعية، والعقلية. القسم الثاني: من يرون أن الإنسان مستقل بعمله، وأن الله لا يصرِّف العبد إطلاقاً؛ فالعبد له الحرية الكاملة في عمله، ولا تعلق لمشيئة الله به، ولا تعلق لتقدير الله، وخلقه بعمل الإنسان، وهذا مذهب المعتزلة القدرية؛ وهو مذهب باطل للأدلة السمعية، والعقلية. وكلا القسمين مع بطلانهما يلزم عليهما لوازم باطلة. القسم الثالث: يرون أن فعل العبد باختياره؛ وله تعلق بمشيئة الله؛ فمتى فعل العبد الفعل علمنا أن الله تعالى قد شاءه، وقدره؛ وأنه لا يمكن أن يقع في ملك الله ما لا يريد؛ بل كل ما وقع فهو مراد لله مخلوق له؛ ووجه كون فعل العبد مخلوقاً لله: أن الإنسان مخلوق لله؛ وفعله كائن بأمرين: بعزيمة صادقة؛ وقدرة؛ والله هو الذي خلق العزيمة الصادقة، والقدرة؛ فالإنسان بصفاته، وأجزائه، وجميع ما فيه كله مخلوق لله . هذا القول الوسط هو الذي تجتمع فيه الأدلة جميعاً؛ لأن الذين قالوا: «إن الإنسان مجبر» أخذوا بدليل واحد، وأطلقوا من أيديهم الدليل الآخر؛ والذين قالوا: «إنه مستقل» أخذوا بدليل واحد، وأطلقوا الدليل الثاني من أيديهم؛ لكن أهل السنة، والجماعة - والحمد لله - أخذوا بأيديهم بالدليلين؛ وقالوا: الإنسان يفعل باختياره؛ ولكن تصرفه تحت مشيئة الله ؛ ولهذا إذا وقع الأمر بغير اختياره رُفع عنه حكمه: فالنائم لا حكم لفعله، ولا لقوله؛ والمكره على الشيء لا حكم لفعله، ولا لقوله؛ بل أبلغ من ذلك: الجاهل بالشيء لا حكم لفعله مع أنه قد قصد الفعل؛ لكنه لجهله يعفى عنه؛ كل ذلك يدل على أن الله رحيم بعباده. القرآن ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾ [البقرة: ١٥٠] التفسير: ومن أى مكان خرجت -أيها النبي- فتوجَّه إلى المسجد الحرام، وحيثما كنتم -أيها المسلمون-، بأي قطر من أقطار الأرض فولُّوا وجوهكم نحو المسجد الحرام؛ لكي لا يكون للناس المخالفين لكم احتجاج عليكم بالمخاصمة والمجادلة، بعد هذا التوجه إليه، إلا أهل الظلم والعناد منهم، فسيظلُّون على جدالهم، فلا تخافوهم وخافوني بامتثال أمري، واجتناب نهيي؛ ولكي أتم نعمتي عليكم باختيار أكمل الشرائع لكم، ولعلكم تهتدون إلى الحق والصواب. في سبب نزول الآية: قال السدي: " السدي قال: كان النبي ﷺ يُصلي قِبَل بيت المقدس، فنسختها الكعبة. فلما وُجِّه قبل المسجد الحرام، اختلف الناس فيها، فكانوا أصنافًا، فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة زمانًا، ثم تركوها وتوجهوا إلى غيرها؟ وقال المسلمون: ليت شعرَنا عَن إخواننا الذين مَاتوا وهم يصلُّون قبَلَ بيت المقدس! هل تقبَّل الله منا ومنهم، أوْ لا؟ وقالت اليهود: إنّ محمدًا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر! وقال المشركون من أهل مكة: تَحيَّر على محمد دينُهُ، فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه، ويوشك أنْ يدخل في دينكم! فأنزل الله جل ثناؤه في المنافقين: " سَيقول السفهاء من الناس مَا ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " إلى قوله: " وإنْ كانتْ كبيرةً إلا على الذين هَدى الله "، وأنزل في الآخرين الآيات بعدها" (٥). قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٥٠]، أي: و"من أيّ مكان وبُقعة شَخصتَ فخرجت يا محمد، فولِّ وجهك تلقاء المسجد الحرام" (٦). قال المراغي: " أي ومن حيث خرجت في أسفارك في المنازل القريبة أو البعيدة، فولّ وجهك جهة المسجد الحرام" (٧). قال الصابوني: " أي من أيّ مكان خرجت إِليه للسفر فتوجه بوجهك في صلاتك جهة الكعبة" (٨). وفي تكرار قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٥٠]، قولان (٩): أحدهما: أن هذا تأكيد للأمر باستقبال الكعبة واهتمام بها، لأن موقع التحويل كان صعبا في نفوسهم جدا، فأكد الأمر ليرى الناس الاهتمام به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه.

стр. 1100

والثاني: أنه أراد بالأول: ولّ وجهك شطر الكعبة، أي عاينها إذا صليت تلقاءها. ثم قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة وغيرها ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ثم قال ﴿ومن حيث خرجت﴾، يعني: وجوب الاستقبال في الأسفار، فكان هذا أمرا بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض. والقول الثاني أحسن من الأول، لأن فيه حمل كل آية على فائدة والله تعالى أعلم. قال الواحدي: " إنما كرر هذا؛ لأن هذا من مواضع التوكيد؛ لأجل النسخ الذي نُقلوا فيه من جهة إلى جهة للتقرير" (١). قال الصابوني: " وفائدة هذا التكرار أن القبلة كان أول ما نسخ من الأحكام الشرعية، فدعت الحاجة إِلى التكرار لأجل والتقرير وإِزالة الشبهة" (٢). قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]، " أي: وحيثما كنتم أيها المؤمنون فتوجهوا في صلاتكم نحو الكعبة" (٣). قال المراغي: أي: " وحيثما كنتم من أقطار الأرض مقيمين أو مسافرين وصليتم فولوا وجوهكم شطره" (٤). قوله تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠]، " أي لئلا يكون لأولئك المحاجين في أمر القبلة وهم أهل الكتاب والمشركون وتبعهما المنافقون - حجة وسلطان عليكم" (٥). قال أبو العالية: " يعني به أهل الكتاب حين قالوا: صرف محمد ﷺ إلى الكعبة، وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه، وكان حجتهم على النبي ﷺ عند انصرافه إلى البيت الحرام، أن قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا" (٦). قال ابن أبي حاتم: " وروي عن مجاهد، وعطاء، والسدي وقتادة والربيع بن أنس والضحاك، قالوا: قد رجعت إلى قبلتنا" (٧). قال ابن عطية: "المعنى: عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم" (٨). قال الزمخشري: "معناه: لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا للمعاندين منهم القائلين: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحباً لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء" (٩). قال الزجاج: " أي: قد عرفكم الله أمر الاحتجاج في القبلة مما قد بيناه لئلا يكون للناس على الله حجة في قوله: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ " (١٠). قال الصابوني: " أي عرّفكم أمر القبلة لئلا يحتج عليكم اليهود فيقولوا: يجحد ديننا ويتبع قبلتنا فتكون لها حجة عليكم أو كقول المشركين: يدعى محمد ملة إِبراهيم ويخالف قبلته " (١١). واختلف في المعنيين بـ (الناس)، في الآية على ثلاثة أقوال: (١٢):

стр. 1101

أحدها: أنهم مشركو العرب. قاله مجاهد (١)، وعطاء (٢). وحجتهم قولهم: "قدر رجعتت إلى قبلتنا! " (٣)، وقد أجيبوا عن هذا بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢]. الثاني: أنهم أهل الكتاب. قاله قتادة (٤)، والربيع (٥). وفي حجتهم قولان: القول الأول: "أنهم كانوا يقولون: ما درَى مُحمد وأصحابهُ أين قبلتهم حتى هديناهم نحن! وقولهم: يُخالفنا مُحمد في ديننا ويتبع قبلتنا! فهي الحجة التي كانوا يحتجُّون بها عَلى رسول الله ﷺ وأصحابه، على وجه الخصومة منهم لهم، والتمويه منهم بها على الجهالّ وأهل الغباء من المشركين" (٦). قاله الطبري. القول الثاني: " ذلك أنهم كانوا قد عرفوا أن الكعبة قبلة إبراهيم، وقد كانوا وجدوا في التوراة أن محمدا سيحول إليها، فحوله الله إليها لئلا يكون لهم حجة فيحتجون. بأن هذا النبي الذى نجده في كتابنا سيحول إليها ولم تحول أنت فلما حول النبي ﷺ ذهبت حجتهم ثم قال: إلا الذين ظلموا منهم يعني إلا أن يظلموكم فيكتموا ما عرفوا" (٧). قاله أبو روق. الثالث: أنهم المنافقون. إذ قالوا: " إن هذا الرجل لا يثبت على دينه؛ ولو كان نبياً حقاً لثبت على دينه" (٨). قال ابن عطية: " وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، عموم في اليهود والعرب وغيرهم" (٩). قال شيخنا ابن عثيمين: "وهذه عادة أهل الباطل يموِّهون، ويقلبون الحق باطلاً؛ لأنهم يريدون غرضاً سيئاً؛ بل إن تحوله إلى استقبال الكعبة مع هذه الاعتراضات، والمضايقات دليل على أنه رسول الله حقاً فاعل ما يؤمر به" (١٠). و(الحجة): "من الحج الذي هو القصد، لأنها مقصودة للمخاصم، ومنه: المحجّة: لأنها تقصد بالسلوك. والمخاصمةُ يقال لها: المحاجّة؛ لقصد كل واحد من الخصمين إلى إقامة بينته وإبطال ما في يد صاحبه" (١١). قال الطبري: "وإنما (الحجة) في هذا الموضع: الخصومة والجدال" (١٢). قال الثعلبي: " ومعنى (الحجة) في [الآية]: الخصومة والجدل، والدعوى بالباطل كقوله ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]، : أي لا خصومة، وقوله ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٩]، وليحاجوكم وتحاجون وحاججتم كلها بمعنى المجادلة والمخاصمة، لا بمعنى الدليل والبرهان" (١٣). قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف أطلق اسم الحجة على قول المعاندين؟ قلت: لأنهم يسوقونه سياق الحجة" (١٤).

стр. 1102

وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠]، قرأ نافع وحده بتسهيل الهمزة، وقرأ الباقون ﴿لِئَلَّا﴾، بالهمز (١). قوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، أي: " لكن الذين ظلموا منهم لن تنجوا من محاجتهم، ومخاصمتهم" (٢). قال الحسن: " يقول: لن يحتج عليكم بذلك إلا ظالم، فولوا وجوهكم شطره، لئلا يحتج عليكم الظلمة" (٣). قال أبو العالية: " يعني: مشركي قريش، يقول: إنهم سيحتجون عليكم بذلك" (٤). وروي عن مجاهد، وعطاء وقتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك (٥). قال الزجاج: " المعنى: "إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له" (٦). قال الزمخشري: " وهم أهل مكة حين يقولون: بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم" (٧). قال ابن عثيمين: " المراد بهم المعاندون المكابرون الذين لا يَرْعَوون للحق مهما تبين" (٨). قال المراغي: " أي لكن الذين ظلموا منهم بالعناد، فإن لهم عليكم حجة، إذ يقول اليهود: ما تحوّل إلى الكعبة إلا ميلا لدين قومه، وحبّا لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء قبله، ويقول المشركون: رجع إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا، ويقول المنافقون: إنه متردد مضطرب لا يثبت على قبلة، إلى نحو هذا من الآراء التي سداها ولحمتها الهوى، ولا مرجع فيها لحجة وبرهان، بل هى جدل في دين الله وشرعه بلا هدى ولا كتاب منير، ومثل هؤلاء لا يقام لقولهم وزن" (٩). واختلف في نوع الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وفيه ثلاثة أوجه (١٠): أحدها: أنه استثناء متصل. فيكون ﴿الذين ظلموا﴾ مستثنى من (الناس)؛ لأن الناس منهم ظالم؛ ومنهم من ليس بظالم. قال ابن عطية: " والمعنى أنه لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة للذين ظلموا، يعني اليهود وغيرهم من كل من تكلم في النازلة في قولهم ما وَلَّاهُمْ استهزاء، وفي قولهم: تحير محمد في دينه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو من يهودي أو من منافق" (١١). وممن صحّح الإستثناء على ظاهره: أبو العالية (١٢)، ومجاهد (١٣)، وعطاء (١٤)، وقتادة (١٥)، والربيع (١٦)، والسدي (١٧)، وأبو روق (١٨) (١٩)، وقال به أبو حيان (٢٠)، ونسبه إلى ابن عباس (٢١)، قال: "واختاره الطبري (٢٢)، وبدأ به ابن عطية (٢٣)، ولم يذكر الزمخشري (٢٤) غيره، وذلك أنه متى أمكن الاستثناء المتصل إمكانًا حسنًا كان أولى من غيره" (٢٥). الثاني: أنه منقطع، و (إلا) بمعنى (لكن)؛ يعني: لئلا يكون للناس عليكم حجة؛ لكن الذين ظلموا منهم لن تنجوا من محاجتهم، ومخاصمتهم. وهذا مذهب الأخفش (٢٦)، والمؤرج (٢٧)، والفراء (٢٨). وهذا "كقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] يعني: لكن الذين يتبعون الظن ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]، يعني: لكن يبتغي، فيكون منقطعًا من الكلام الأول" (٢٩). الثالث: وقيل أن (إلا) ههنا بمعنى (الواو)، وهذا مذهب أبو عبيدة (٣٠)، ومعمر بن المثنى (٣١). والمعنى: والذين ظلموا لا يكون لهم أيضا حجة، فهو استثناء بمعنى (الواو)، ومنه قول الشاعر (٣٢): ما بالمدينة دار غير واحدة ... دار الخليفة إلا دار مروانا كأنه قال: إلا دار الخليفة ودار مروان، ووأنشدوا قول الآخر (٣٣): كل أخٍ مفارقُهُ أخوه ... لَعَمْرُ أبيك إلا الفرقدان فقال: أراد: والفرقدان أيضًا يفترقان. وقول الشاعر (٣٤): وأرى لها دارًا بأغْدِرَةِ السِّيـ ... ـدَانِ لم يَدْرُس لها رَسْمُ إلّا رَمَادًا خامدًا دَفَعَتْ ... عنهُ الرِّياحَ خَوَالِد سُحْمُ أراد: أرى دارًا ورمادًا (٣٥).

стр. 1103

وكذا قيل في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أي الذين آمنوا (١)، قال الثعلبي: " يؤيد هذا القول ما روى أبو بكر بن مجاهد عن بعضهم إنه قرأ بعضهم: ﴿إلى الذين ظلموا﴾، مخففا يعني: مع الذين ظلموا" (٢). ومعنى الآية على هذا القول: "لئلا يكون للناس، يعني اليهود عليكم حجة في أمر الكعبة حيث لا يستقبلونها وهي قبلة إبراهيم فيقولون لكم تزعمون إنكم على دين إبراهيم ولم تستقبلوا قبلته ولا للذين ظلموا وهم مشركوا مكة لأنهم قالوا: إن الكعبة قبلة جدنا إبراهيم فما بال محمد تحول عنها فلا يصلي إليها ويصلي إلى قبلة اليهود" (٣). وأبطل الزجاج والفراء هذا الوجه الثالث: فقال الزجاج: "هذا خطأ عند الحذاق من النحويين، وفيه بطلان المعاني" (٤). وقال الفراء: " هذا صواب فِي التفسير، خطأ فِي العربية، إنما تكون (إلا) بمنزلة (الواو)، إذا عطفتها على استثناء قبلها، فهنالك تصير بمنزلة (الواو) " (٥). والأقرب - والله أعلم - أن الاستثناء منقطع؛ "لأن قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ هذا عام شامل؛ لكن من ظلَم من اليهود، أو المشركين، فإنه لن يرعوي بهذه الحكمة التي أبانها الله " (٦). وقرأ زيد بن على رضى اللَّه عنهما: ﴿ألا الذين ظلموا منهم﴾، على أنّ ألا للتنبيه ووقف على ﴿حجة﴾، ثم استأنف منبها (٧). قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، أي: " فلا تخافوهم" (٨). قال السدي: " يقول: لا تخشوا أن أردَّكم في دينهم" (٩). قال الزمخشري: أي: " فلا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضرونكم" (١٠). قال الثعلبي: أي: فلا تخافوهم" في انصرافكم إلى الكعبة وفي تظاهرهم عليكم في المحاجة والمجاوبة فاني وليكم أظهركم عليهم بالحجة والنصرة" (١١). قال الواحدي: أي: " لا تخشوهم في انصرافكم إلى الكعبة، وفي تظاهرهم عليكم في المحاجّة والمحاربة" (١٢). قال المراغي: " أي فلا تخشوا الظالمين في توجهكم إلى الكعبة، لأن كلامهم لا يستند إلى حجة من برهان عقلى ولا هدى سماوى" (١٣). قال ابن كثيرأي: "لا تخشوا شُبَهَ الظلمة المتعنتين" (١٤). قال أبو السعود: أي: " فإن مطاعنهم لاتضركم شيئا" (١٥).

стр. 1104

قال ابن عثيمين: " يعني مهما قال الذين ظلموا من كلام، ومهما قالوا من زخارف القول، ومهما ضايقوا من المضايقات فلا تخشوهم" (١). قال الشيخ السعدي: " لأن حجتهم باطلة، والباطل كاسمه مخذول، مخذول صاحبه، وهذا بخلاف صاحب الحق، فإن للحق صولة وعزا، يوجب خشية من هو معه، وأمر تعالى بخشيته، التي هي أصل كل خير، فمن لم يخش الله، لم ينكف عن معصيته، ولم يمتثل أمره" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠]، أي: "وخافوني" (٣). قال أبو السعود: أي: " فلا تخالفوا أمرى" (٤). قال الزمخشري: أي: " فلا تخالفوا أمرى وما رأيته مصلحة لكم" (٥). قال ابن كثير: أي: "وأفْرِدُوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه" (٦). قال ابن عثيمين: " الأمر هنا للوجوب بلا شك؛ الواجب على المرء أن يخشى الله وحده." (٧). قال المراغي: أي: " فلا تخالفوا ما جاءكم به رسولى عنى، فأنا القادر على جزائكم بما وعدتكم" (٨). قال أهل العلم: "وفي هذا إيماء إلى أن صاحب الحق هو الذي يخشى جانبه، وأن المبطل ينبغي ألا يؤبه له، فإن الحق دائما يعلو، وما آفة الحق إلا ترك أهله له، وخوفهم من أهل الباطل" (٩). قال القرطبي: "الخشية أصلها طمأنينة في القلب تبعث على التوقي، والخوف: فزع القلب تخف له الأعضاء، ولخفة الأعضاء به سمي خوفا، ومعنى الآية التحقير لكل من سوى الله تعالى، والأمر بإطراح أمرهم ومراعاة أمر الله تعالى (١٠). قوله تعالى: ﴿وَلأتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، " أي وأمرتكم بما مر، لإتمام النعمة عليكم لما أنه نعمة جليلة" (١١). قال الزمخشري: أي: " ولإتمامى النعمة عليكم، أمرتكم بذلك، " (١٢). قال ابن كثير: أي: "ولأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها" (١٣). قال الصابوني: " أي أتمّ فضلي عليكم بالهداية إِلى قبلة أبيكم إبراهيم والتوفيق لسعادة الدارين" (١٤). قال الثعلبي: أي: " ولكن أتم نعمتي بهدايتي اياكم إلى قبلة إبراهيم فتتم لكم الملة الحنيفية" (١٥). قال ابن عثيمين: أي" في هذه الشريعة الخاصة ــ وهي استقبال الكعبة بدلاً عن بيت المقدس" (١٦).

стр. 1105

قال المراغي: " بإعطائكم قبلة مستقلة في بيت ربكم الذي وضع قواعده جدكم، وجعل الأمم الأخرى تبعا لكم فيه، وطهره من عبادة الأوثان والأصنام، ووجّه شعوب العالم جميعا إلى بلادكم، وفي ذلك من الفوائد المادية والمعنوية ما يجلّ حصره وفي الحق أن كل أمر من الله فامتثاله نعمة، وتكون النعمة أتمّ، والمنة أكمل، إذا كان فيه حكمة ظاهرة، وشرف للأمة، وأثر حميد نافع لها" (١). قال القرطبي: "أي ولأن أتم، قاله الأخفش. وقيل: مقطوع في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر، التقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي، قاله الزجاج. وإتمام النعمة الهداية إلى القبلة، وقيل: دخول الجنة. قال سعيد بن جبير: ولم تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة (٢). وإتمام الشيء: بلوغ غايته؛ والغالب أنه يكون في الكمال؛ و «النعمة» هي ما ينعَم به الإنسان؛ ويقال: «نِعمة» بكسر النون؛ ويقال: «نَعمة» بالفتح؛ لكن الغالب في نعمة الخير أن تكون بالكسر؛ و «النَّعمة» بالفتح: التنعم من غير شكر، كما قال تعالى: ﴿ونعمة كانوا فيها فاكهين﴾ [الدخان: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وذرني والمكذبين أولي النَّعمة﴾ [المزمل: ١ ونزلت هذه الآية في أول الهجرة عند تحويل القبلة - يعني في السنة الثانية - ولا يعارضها قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ [المائدة: ٣]؛ وقد نزلت في يوم عرفة في حجة الوداع؛ لأن المراد في آية المائدة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ الإتمام العام في كل الشريعة؛ أما هنا: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ [البقرة: ١٥٠]: في هذه الشريعة الخاصة - وهي استقبال الكعبة بدلاً عن بيت المقدس؛ لأنه سبق أن الرسول ﷺ كان يقلب وجهه في السماء ينتظر متى يؤمر بالتوجه إلى الكعبة؛ فلا شك أنه من نعمة الله أن أنعم على المسلمين بأن يتجهوا إلى هذا البيت الذي هو أول بيت وضع للناس، والذي - كما قال بعض أهل العلم - هو قبلة جميع الأنبياء، كما ذكره شيخ الإسلام ﵀ ويحتمل وجهاً آخر في الجمع بين الآيتين: بأن هذه الآية جاءت بصيغة المضارع الدال على الاستمرار؛ وآية المائدة بصيغة الماضي الدال على الانتهاء (٣). وقد أضاف الله النعمة إليه؛ لأنه صاحبها: هو الذي يسديها، ويولِيها على عباده؛ ولولا نعم الله العظيمة ما بقي الناس طرفة عين؛ وانظر إلى قوله تعالى: ﴿إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم﴾ [الفاتحة]؛ في النعمة قال: ﴿أنعمت عليهم﴾؛ لأن النعمة من الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [النحل: ٥٣]؛ وأما الغضب على المخالف في دين الله فيكون من الله، ومن أولياء الله من الرسل، وأتباعهم (٤). قال الواحدي: "قال عطاء: عن ابن عباس: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ يريد: في الدنيا والآخرة، أما الدنيا: فأنصركم على عدوكم، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأولادهم، وأما في الآخرة: ففي رحمتي وجنتي، وأزوجكم من الحور العين " (٥). قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠]، أي: " ولإرادتي اهتدائكم لما أنه صراط مستقيم مؤد إلى سعادةِ الدَّارينِ" (٦). قال ابن كثير: أي: "إلى ما ضَلّت عنه الأمم هديناكم إليه، وخَصصْناكم به، ولهذا كانت هذه الأمة أشرفَ الأمم وأفضلها (٧). قال الزمخشري: أي" ولإرادتى اهتداءكم أمرتكم بذلك" (٨).

стр. 1106

قال المراغي: " أي وليعدّكم بذلك إلى الاهتداء بالثبات على الحق" (١). قال الشيخ السعدي: "أي: تعلمون الحق، وتعملون به، فالله ﵎ من رحمته - بالعباد، قد يسر لهم أسباب الهداية غاية التيسير، ونبههم على سلوك طرقها، وبينها لهم أتم تبيين، حتى إن من جملة ذلك أنه يقيض للحق، المعاندين له فيجادلون فيه، فيتضح بذلك الحق، وتظهر آياته وأعلامه، ويتضح بطلان الباطل، وأنه لا حقيقة له، ولولا قيامه في مقابلة الحق، لربما لم يتبين حاله لأكثر الخلق، وبضدها تتبين الأشياء، فلولا الليل، ما عرف فضل النهار، ولولا القبيح، ما عرف فضل الحسن، ولولا الظلمة ما عرف منفعة النور، ولولا الباطل ما اتضح الحق اتضاحا ظاهرا، فلله الحمد على ذلك" (٢). قال ابن عثيمين: " و ﴿لعل﴾ هنا للتعليل؛ أي: تكتسبون علماً، وعملاً؛ وهذه هي العلة الثانية؛ العلة الأولى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾؛ والعلة الثانية: ﴿ولأتم نعمتي عليكم والثالثة: ﴿ولعلكم تهتدون﴾؛ وسيأتي بيان أنواع الهداية. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: تكرير الأمر الهام؛ وذلك لتثبيته، وتَسِرَّ به النفوس، وبيان أهميته. ٢ - ومنها: وجوب استقبال الكعبة أينما كان الإنسان؛ قال أهل العلم: من أمكنه مشاهدة الكعبة فالواجب إصابة عينها؛ ومن لم تمكنه كفى استقبال جهتها؛ لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؛ وسبق ذكر ما يستثنى من ذلك عند قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية. ٣ - ومنها: دفع ملامة اللائمين ما أمكن؛ تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾. ٤ - ومنها: أن الظالم لا يدفع ملامته شيء؛ بمعنى أنه سيلوم وإن لم يكن محل لوم؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾. ٥ - ومنها: أن أهل الباطل يحاجون في الحق لإبطاله؛ ولكن حججهم باطلة. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يعرف شبه المخالفين التي يدعونها حججاً لِيَنْقَضَّ عليهم منها، فيبطلها؛ قال الله تعالى: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون﴾ [الأنبياء: ١٨]. ٦ - ومن فوائد الآية: وجوب تنفيذ شريعة الله ، وألا يخشى الإنسان لومة لائم. ٧ - ومنها: وجوب خشية الله تعالى؛ لأنه هو الذي بيده النفع، والضرر. ٨ - ومنها: نعمة الله ﵎ على هذه الأمة، وفضله، وإحسانه؛ لقوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾. ٩ - ومنها: إثبات حكمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولأتم ... ولعلكم تهتدون﴾. ١٠ - ومنها: أن تنفيذ أوامر الله، وخشيته سبب للهداية؛ والهداية نوعان: هداية علمية؛ وهداية عملية؛ ويقال: هداية الإرشاد؛ وهداية التوفيق. فـ «الهداية العلمية» معناها أن الله يفتح على الإنسان من العلم ما يحتاج إليه لأمور دينه ودنياه. و«الهداية العملية» أن يوفق للعمل بهذا العلم. الأولى: وسيلة، والثانية: غاية؛ ولهذا لا خير في علم بدون عمل؛ بل إن العلم بدون عمل يكون وبالاً على صاحبه؛ والهداية هنا شاملة للعلمية، والعملية؛ ووجه كونها شاملة: أنهم لم يعلموا أن مرضاة الله بالتوجه إلى الكعبة إلا بما علمهم الله؛ ثم إن الله وفقهم للعمل به؛ فلم يمانعوا أبداً؛ بل إن أهل قباء أتاهم الخبر وهم يصلون صلاة الفجر وكانوا متجهين إلى بيت المقدس، فاستداروا إلى الكعبة؛ فصار الإمام نحو الجنوب، والمأمومون نحو الشمال؛ هذه هداية عملية عظيمة؛ لأن انتقال الإنسان إلى ما أمره الله به بهذه السهولة مع توقع المعارضات، والمضايقات يدل على قوة إيمانهم، وثقتهم بربهم ؛ وهكذا يجب على كل مؤمن إذا

стр. 1107

جاء أمر الله أن يمتثل الأمر؛ وسيجعل الله له من أمره يسراً؛ لأن تقوى الله فيها تيسير الأمور؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً﴾. ١١ - ومنها: إثبات الحكمة في أفعال الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولعلكم تهتدون﴾. القرآن ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾ [البقرة: ١٥١] التفسير: كما أنعمنا عليكم باستقبال الكعبة أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم الآيات المبينة للحق من الباطل، ويطهركم من دنس الشرك وسوء الأخلاق، ويعلمكم الكتاب والسنة وأحكام الشريعة، ويعلمكم من أخبار الأنبياء، وقصص الأمم السابقة ما كنتم تجهلونه. قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا﴾ [البقرة: ١٥١]، أي: " كما اتممت عليكم نعمتي كذلك أرسلت فيكم رسولاً منكم" (١). قال مقاتل: " يعنى محمدا- ﷺ " (٢)، وروي عن ابي العالية (٣)، والربيع بن أنس (٤) مثل ذلك. قال أبو السعود: أي"كإتمامي لنعمتي عليكم بإرسال رسولٍ كائنٍ منكم فإن" (٥). قال البيضاوي: " أي ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة، أو في الآخرة كما أتممتها بإرسال رسول منكم، أو بما بعده كما ذكرتكم بالإِرسال فاذكروني" (٦). قال ابن عثيمين: " هذه أيضاً منّة رابعة وجهت إلى المؤمنين؛ والثلاث قبلها هي: قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقوله تعالى: ﴿ولعلكم تهتدون﴾ [البقرة: ١٥٠] " (٧). و(الكاف) في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا﴾ [البقرة: ١٥١]، للتشبيه (٨)، وتحتاج إلى شيء يرجع إليه، وللعلماء فيه أقوال (٩): أحدها: أنها ترجع إلى ما قبلها، ومعناه: ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا فيكم رسولا، وفيه وجوه (١٠): الوجه الأول: أنه راجع إلى قوله: ﴿ولاتم نعمتى عليكم﴾ [البقرة: ١٥٠]، أي ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف، وفي الآخرة بالفوز بالثواب، كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول. قال الثعلبي: " فيكون إرسال الرسول شرطا للخشية مزيدا بإتمام النعمة" (١١). الوجه الثاني: أن إبراهيم ﵇ دعى بدعوتين: الأولى: قوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]، فهذه الدعوة الأولى.

стр. 1108

والثانية قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]. فبعث الله الرسول وهو محمد ﷺ ووعد في هذه الآية أن يجيب الدعوة الثانية أن يجعل من ذريته أمة مسلمة لك فمعنى الآية: ولأتم نعمتي عليكم: ببيان شرائع ملتكم الحنيفية وأهديكم لدين خليلي إبراهيم، كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يعني فكما أجبت دعوته بانبعاث الرسول كذلك أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين (١). قال الإمام الطبري: " فبعث الله الرسول وهو محمد ﷺ ووعد إجابة الدعوة الثانية بأن يجعل في ذريته أمة مسلمة، يعني كما أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وأتم نعمتي عليكم ببيان شرائع الملة الحنيفية" (٢). قال الثعلبي: " وهذا على قول من يجعله متصلا بما قبلها وجوابا للآية الأولى" (٣). وهو إختيار الفراء (٤)، إذ قال: " "وقوله: ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ ... ﴾ [البقرة: ١٥٠]، جواب لقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]: ﴿كَما أَرْسَلْنا﴾، فهذا جواب مقدم ومؤخر" (٥). الوجه الثالث: أن التقدير: وكذلك جعلناكم أمة وسطا كما أرسلنا فيكم رسولا، أي كما أرسلنا فيكم رسولا من شأنه وصفته كذا وكذا، فكذلك جعلناكم أمة وسطا. وهو قول أبي مسلم الأصفهاني (٦). الثاني: أن (الكاف) متعلقة بما بعدها وهو قوله: ﴿فاذكروني أذكركم﴾، معناه: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم فاذكروني (٧)، وهذه الآية خطاب لأهل مكة والعرب، يعني: كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب رسولا منكم محمد ﷺ (٨). وهذا قول مجاهد (٩)، وعطاء (١٠)، وأبي نجيح (١١)، والكلبي (١٢)، ومقاتل (١٣)، والأخفش (١٤)، وابن كيسان (١٥). واختاره الزجاج، فقال: " والأجود أن تكون (كما) معلقة بقوله : ﴿فاذكروني أذكركم﴾، أي فاذكروني بالشكر والإخلاص كما أرسلنا فيكم" (١٦).

стр. 1109

ثم قال: " فإن قال قائل فكيف يكون جواب " (كما أرسلنا) (فاذكروني أذكركم)، فالجواب ههنا إنما يصلح أن يكون جوابين لأن قوله، (فاذكروني) أمر، وقوله (أذكركم) جزاء اذكروني: والمعنى إن تذكروني أذكركم" (١). وإن قيل: (كما) هل يجوز أن يكون جوابا؟ قلنا: جوّزه الفراء (٢) وجعل لأذكروني جوابين: أحدهما: ﴿كما﴾. والثاني: ﴿أذكركم﴾، ووجه ذلك لأنه أوجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته، ولما سلف من نعمته (٣). قال الرازي: "والوجه الأول أولى، لأنه قبل الكلام إذا وجد ما يتم به الكلام من غير فصل فتعلقه به أولى" (٤). وقد ذكروا في وجه التشبيه في قوله ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا﴾ [البقرة: ١٥١]، قولان (٥): الأول: إن قلنا الكاف متعلق بقوله ولأتم نعمتي كان المعنى أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة لأنه تعالى يفعل الأصلح. الثاني: وإن قلنا إنه متعلق بقوله تعالى: ﴿اذكروني﴾ دل ذلك على أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بالرسالة. قوله تعالى: ﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ [البقرة: ١٥١]، "أي يقرأ عليكم القرآن" (٦). قال مقاتل: أي"القرآن" (٧). قال الثعلبي: " يعني: القرآن" (٨). قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١]، "أي ويطهركم، وينمي أخلاقكم، ودينكم" (٩). قال مقاتل بن سليمان: " يعنى: ويطهركم من الشرك والكفر" (١٠). قال مقاتل بن حيان: "ويطهركم من الذنوب" (١١). قال الثعلبي: " أي يعلمون من الأحكام وشرائع الإسلام" (١٢). قال ابن كثير: " أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق ودَنَس النفوس وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور" (١٣). قال البيضاوي: " أي يحمِلُكم على ما تصيرون به أزكياءَ (١٤)، قدمه باعتبار القصد وأخره في دعوة إبراهيم ﵇ باعتبار الفعل" (١٥). قال الصابوني: " أي يطهركم من الشرك وقبيح الفعال" (١٦).

стр. 1110

قال السعدي أي: يطهر أخلاقكم ونفوسكم، بتربيتها على الأخلاق الجميلة، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة، وذلك كتزكيتكم من الشرك، إلى التوحيد ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الخيانة إلى الأمانة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع، إلى التحاب والتواصل والتوادد، وغير ذلك من أنواع التزكية (١). قال المراغي: " أي يطهر نفوسكم من أدران الرذائل التي كانت فاشية في العرب من وأد البنات، وقتل الأولاد تخلصا من النفقة، وسفك الدماء لأوهن الأسباب، ويغرس فيها فاضل الأخلاق وحميد الآداب، وبهذه الزكاة التي زكّوا بها أنفسهم فتحوا الممالك الكبرى، وكانوا أئمة الأمم التي كانت تحتقر هذا الجنس، وعرفوا لهم فضلهم بعدلهم وسياستهم للأمم سياسة حكيمة أنستهم سياسة الأمم التي قبلهم، وجعلت لذلك الدين أثرا عميقا في نفوسهم، فدانوا لحكمه خاضعين، واهتدوا بهديه راشدين" (٢). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١]، وجوها (٣): أحدها: أنه ﵊ يعلمهم ما إذا تمسكوا به صاروا أزكياء. عن الحسن. وثانيها: يزكيهم بالثناء والمدح، أي يعلم ما أنتم عليه من محاسن الأخلاق فيصفكم به، كما يقال: إن المزكي زكي الشاهد، أي وصفه بالزكاء. وثالثها: أن التزكية عبارة عن التنمية، كأنه قال يكثركم، كما قال: ﴿إذ كنتم قليلا فكثركم﴾ [الأعراف: ٨٦]، وذلك بأن يجمعهم على الحق فيتواصلوا ويكثروا، عن أبي مسلم. قال الرازي: "وهذه الوجوه غير متنافية فلعله تعالى يفعل بالمطيع كل ذلك" (٤). قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ﴾ [البقرة: ١٥١]، أي "ويعلمكم القرآن الكريم" (٥). قال الصابوني: " أي يعلمكم أحكام الكتاب المجيد" (٦). قال مقاتل: " يعني القرآن" (٧). قال ابن كثير: " وهو القرآن" (٨). قال المراغي: أي: "ويبين لكم ما انطوى عليه من الحكم الإلهية، والأسرار الربانية التي لأجلها وصف بأنه هدى ونور، فالنبى ﷺ كان يتلوه عليهم ليحفظوا نظمه ولفظه، حتى يبقى مصونا من التحريف والتصحيف، ويرشدهم إلى ما فيه من أسرار وحكم ليهتدوا بهديه، ويستضيئوا بنوره" (٩). قوله تعالى: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٥١]، أي: ويعلمكم السنة النبوية المطهرة" (١٠). قال مقاتل بن سليمان: "يعني: الحلال والحرام" (١١). قال ابن كثير: " وهي السنة " (١٢).

стр. 1111

قال الطبري: أي " ويعلمكم من أخبار الأنبياء، وقَصَص الأمم الخالية، والخبر عما هو حادثٌ وكائن من الأمور التي لم تكن العرب تعلمها، فعلِموها من رسول الله ﷺ . فأخبرهم جل ثناؤه أنّ ذلك كله إنما يدركونه برَسوله ﷺ " (١). قال الرازي في معنى ﴿الحكمة﴾: " فهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها، ولذلك قال الشافعي ﵁ (الحكمة) هي سنة الرسول ﵇" (٢). قال ابن عثيمين: ﴿والحكمة﴾: هي أسرار الشريعة، وحسن التصرف بوضع كل شيء في موضعه اللائق به - بعد أن كانوا في الجاهلية يتصرفون تصرفاً أهوج من عبادة الأصنام، وقتل الأولاد، والبغي على العباد" (٣). قال المراغي في تفسير ﴿الحكمة﴾: وهى "العلم المقترن بأسرار الأحكام ومنافعها، الباعث على العمل بها، ذاك أن سنة الرسول العملية وسيرته ﷺ في بيته، ومع أصحابه في السلم والحرب، والسفر والإقامة، فى القلة والكثرة، جاءت مفصلة لمجمل القرآن، مبيّنة لمبهمه، كاشفة لما في أحكامه من الأسرار والمنافع، ولولا هذا الإرشاد العملي لما كان البيان القولى كافيا في انتقال الأمة العربية من طور الشتات والفرقة والعداء، والجهل إلى الائتلاف والاتحاد، والتآخى والعلم، وسياسة الأمم، فالنبى ﷺ وقف أصحابه على فقه الدين، ونفذ بهم إلى سرّه، فكانوا حكماء علماء عدولا أذكياء، حتى إن أحدهم كان يحكم المملكة العظيمة ويقيم فيها العدل ويحسن السياسة، وهو لم يحفظ من القرآن إلا بعضه، لكنه فقهه وعرف أسرار أحكامه" (٤). وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ﴾، فليس بتكرار، "لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم" وَيُعَلِّمُكُمُ. قال البيضاوي: وكرر الفعل ليدل على أنه جنس آخر" (٥). قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١]، "أي ويعلمكم من أمور الدنيا والدين الشيء الكثير الذي لم تكونوا تعلمونه" (٦). قال ابن عثيمين: " أي من أمور الدين، والدنيا؛ وهذه الجملة لتقرير ما سبق من تعليمهم الكتاب، والحكمة" (٧). قال المراغي: أي: "ويعلمكم مع الكتاب والحكمة ما ليس مصدر علمه النظر والفكر، بل طريق معرفته الوحى كأخبار عالم الغيب وسير الأنبياء وأحوال الأمم التي كانت مجهولة عندكم، وأكثرها كان مجهولا عند أهل الكتاب أيضا، وقد بلغوا في هذا النوع من العلم مبلغا فاقوا به سائر الأمم" (٨). قال الرازي: "فهذا تنبيه على أنه تعالى أرسله على حين فترة من الرسل وجهالة من الأمم، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم فبعث الله تعالى محمدا بالحق حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم وذلك من أعظم أنواع النعم" (٩). قال ابن كثير: " فكانوا في الجاهلية الجَهْلاء يُسفَهُون بالقول الفرَى، فانتقلوا ببركة رسالته، ويُمن سفارته، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرهم قلوبًا، وأقلهم تكلفًا، وأصدقهم لهجة. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ

стр. 1112

وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٤]. وذم من لم يعرف قدر هذه النعمة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] " (١). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: " ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾، يعني: كما علمكم أن يصلي الراكب على دابته والرجل على راحلته" (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بيان نعمة الله تعالى علينا بإرسال الرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولاً﴾؛ لأن هذه الآية متعلقة بقوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ [البقرة: ١٥٠]؛ فإن هذا من تمام النعمة؛ وذلك أن الله خلق الخلق ليُعبَد بما شرع؛ ولا يمكن أن نعرف أن هذا مما يرضاه الله أن نتعبده به، وهذا مما لا يرضاه إلا بواسطة الرسل؛ ولو أن الإنسان وكِل إلى عقله في العبادة ما عرف كيف يعبد الله؛ ولو وكِل إلى عقله في العبادة ما اجتمع الناس على عبادة الله: لكان كل واحد يقول: هذا هو الصواب؛ ولو أن الإنسان وكل إلى عقله في العبادة ما كانت أمتنا أمة واحدة؛ فعلى كل حال لا يمكن لنا بمجرد عقولنا أن ندرك كيف نعبد الله؛ ومَثَل يسير يبين ذلك: لو أُمرنا بالتطهر للصلاة - ولم يبين لنا الكيفية - لتنازع الناس في ذلك؛ وأخذ كلٌّ برأيه؛ فافترقت الأمة؛ فلولا أن الله أبان لنا كيف نعبده ما عرفنا كيف نعبده، فهذا من نعمة الله علينا من إرسال هذا الرسول محمداً ﷺ الذي بين لنا كل شيء؛ ولهذا قال أبو ذر ﵁: «تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا عندنا منه علم» (٣)؛ حتى الطيور في السماء علمنا عنها الرسول ﷺ . ٢ - ومن فوائد الآية: أن كون الرسول مِنّا يقتضي أن تكون قريش أول من يصدق به؛ لأنهم يعرفونه، ويعرفون نسبه، ويعرفون أمانته؛ ولهذا وبخهم الله تعالى على الكفر به، ووصْفِه بالضلال، والجنون، فقال جل وعلا: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ [النجم: ٢]، وقال جل وعلا: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ [التكوير: ٢٢]. ٣ - ومنها: أن النبي ﷺ بلغ جميع ما أوحي إليه على وجه الكمال؛ لقوله تعالى: ﴿يتلو عليكم آياتنا﴾؛ فإن هذا يدل على أن جميع الآيات التي أوحاها الله إليه قد تلاها؛ ولهذا القرآن - والحمد لله - مبين لفظه، ومعناه؛ ليس فيه شيء يشتبه على الناس إلا اشتباهاً نسبياً بحيث يشتبه على شخص دون الآخر، أو في حال دون الأخرى؛ قال الله تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٧ - ١٩]. ٤ - ومنها: أن من فوائد رسالة النبي ﷺ حصول العلم؛ لأن هذه الآيات كلها علم؛ لقوله تعالى: ﴿يتلو عليكم آياتنا﴾. ٥ - ومنها: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو من آيات الله الدالة على كمال ربوبيته، وسلطانه، ورحمته، وحكمته سواء كان من الآيات الكونية، أو الشرعية؛ لكن منها ما هو بيِّن ظاهر؛ ومنها ما يخفى على كثير من الناس إلا الراسخين في العلم؛ ومنها ما هو بيْن ذلك. ٦ - ومنها: أن الشريعة التي جاء بها النبي ﷺ كلها تزكية للأمة، وتنمية لأخلاقها، ودعوة إلى الأخلاق الفاضلة؛ ولهذا كان من القواعد المقررة في الشريعة أنها تأتي بالمصالح الخالصة، أو الراجحة، وتنهى عن المفاسد الخالصة، أو الراجحة؛ فالخمر فيه مصالح، ومفاسد؛ لكن مفاسده راجحة؛ ولهذا حرم؛ الحجر على السفيه فيه مصالح، وفيه مفاسد؛ لكن مصالحه راجحة؛ فلذلك قدمت المصالح؛ أو مصالح خالصة - فليس فيها مفاسد، كعبادة الله مثلاً؛ هذه قاعدة الشريعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ويزكيكم﴾.

стр. 1113

٧ - ومن فوائد الآية: أن كل ما فيه تزكية للنفوس فإن الشريعة قد جاءت به؛ لقوله تعالى: ﴿ويزكيكم ٨ - ومنها: أن وظيفة الرسول ﷺ ، ومهمته التي جاء بها أنه يعلمنا الكتاب والحكمة. ٩ - ومنها: الرد على أهل التأويل، وأهل التجهيل؛ لقوله تعالى: ﴿يعلمكم الكتاب﴾ - أهل التأويل الذين يؤولون آيات الصفات - لأنه لو كان هذا التأويل من العلم لعلمنا إياه النبي ﷺ ؛ فلما لم يعلمنا إياه علمنا أنه ليس من العلم الذي جاء به الرسول ﷺ ؛ وأهل التجهيل - وهم طائفة يقولون: «إن الرسول ﷺ ، وأصحابه، والأمة كلها لا تعلم معاني آيات الصفات، وأحاديثها؛ فلا يدرون ما معناها؛ حتى النبي ﷺ يتكلم بالحديث من صفات الله ولا يدري معناها»! ! ! ١٠ - ومن فوائد الآية: أن الرسول ﷺ علم الأمة لفظ القرآن، ومعناه؛ ولهذا إذا استشكل الصحابة شيئاً من المعنى سألوه، فعلمهم؛ ولكن الغالب أنهم لا يستشكلون؛ لأنه نزل بلغتهم، وفي عصرهم، يعرفون معناه، ومغزاه، وأسبابه. ١١ - ومنها: اشتمال الشريعة على الحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم الكتاب والحكمة﴾؛ فالشريعة متضمنة للحكمة تضمناً كاملاً؛ فما من شيء من مأموراتها، ولا منهياتها، إلا وهو مشتمل على الحكمة؛ لكن هنا حكمة لازمة لكل حكم؛ وهو طاعة الله ورسوله؛ فإن هذه أعظم حكمة؛ وهي ثابتة فيما نعقل حكمته، وفيما لا نعقلها؛ ولهذا لما قالت المرأة لعائشة ﵂: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (١)؛ فبينت الحكمة من ذلك؛ وهو طاعة الله، ورسوله؛ وهذه حكمة لازمة في كل حكم سواء عقل معناه، أو لم يُعقَل. ١٢ - ومن فوائد الآية: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾؛ وهو مما يدل على نقص الإنسان، حيث كان الأصل فيه الجهل؛ قال تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً﴾ [النحل: ٧٨]؛ ثم قال : ﴿وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾ [النحل: ٧٨]؛ فبين طرق العلم: ﴿السمع والبصر﴾؛ وبهما الإدراك؛ و ﴿الأفئدة﴾؛ وبها الوعي، والحفظ. ١٣ - ومنها: فضل الله ، حيث علمنا ما لم نكن نعلم؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾؛ وهذا عام في كل ما نحتاج إلى العلم به من أمور الدنيا، والآخرة. إذا قال قائل: «اضربوا لنا مثلاً» فماذا نقول؟ فالجواب: أن كل الشريعة مثال؛ فإننا لا نعرف كيف نصلي إلا بتعليم الرسول ﷺ ؛ ولا كيف نتوضأ، ولا مقدار الواجب في الأموال من الزكاة، ولا مَن تُصرف إليهم الزكاة، ولا غير ذلك من أمور الشريعة إلا بتعليم الرسول ﷺ ؛ وهناك أحكام قدرية لا نعرفها أيضاً علمنا الله إياها، كابتداء الكون، ونهايته: كخلق السموات، والأرض؛ واليوم الآخر؛ إذاً فعلومنا الشرعية، والقدرية متلقاة من الرسول ﷺ ؛ وليس لنا علم بها قبل تعليم النبي ﷺ . القرآن ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢] التفسير: أمر تعالى المؤمنين بذكره، ووعد عليه أفضل الجزاء، وهو الثناء في الملأ الأعلى على مَنْ ذكره، وخصوني -أيها المؤمنون- بالشكر قولا وعملا ولا تجحدوا نعمي عليكم. قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، "أي اذكروني بالعبادة والطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة" (٢).

стр. 1114

قال مقاتل بن سليمان: " يقول فاذكروني بالطاعة أذكركم بخير" (١). قال الزجاج: " المعنى: إن تذكروني أذكركم" (٢). قال الطبري: أي: " فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكرْكم برحمتي إياكم ومغفرَتي لكم" (٣). قال البيضاوي: " ﴿فَاذْكُرُونِي﴾: بالطاعة، ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾: بالثواب" (٤). أصل الذكر في اللغة: "التنبيه على الشيء، ومن ذكّرك شيئا فقد نبهك عليه، وإذا ذكرته فقد تنبهت عليه، والذَّكرُ أَنْبَهُ من الأنثى. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي: شرف لك، من النباهة. ومعنى الذكر: حضور المعنى للنفس، ثم يكون تارة بالقلب، وتارة بالقول، وليس موجبه أن يكون بعد النسيان؛ لأنه يستعمل كثيرًا دون أن يتقدمه نسيان" (٥). وقال الراغب: " الذكر ذكران: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وكل واحد منهما ضربان، ذكر عن نسيان، وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقال له ذكر" (٦). قال ابن عثيمين: "وذِكر الله يكون بالقلب، واللسان، والجوارح" (٧). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، على وجوه (٨): أحدها: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي. قاله سعيد بن جبير (٩)، وفي رواية" أذكركم برحمتي" (١٠). الثاني: اذكروني فيما افترضت عليكم، أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي. قاله الحسن (١١). الثالث: فاذكروني - بتوحيدي، وتصديقه ﷺ ، أذكركم برحمتي ومغفرتي والثناء عليكم. قاله الزجاج (١٢). الرابع: يعني: " إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذب من كفره". قاله أبو العالية (١٣)، وروي عن الحسن، والسدي، والربيع بن أنس، نحو ذلك (١٤). الخامس: اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء. عن سعيد بن جبير (١٥)، وبيانه: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]. السادس: ذكر الله إياكم أكثر من ذكركم إياه. قاله ابن عباس (١٦). السابع: اذكروني بالإجابة والإحسان وهو بمنزلة قوله: ﴿ادعونى أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]، إذ أمر الخلق بأن يذكروه راغبين راهبين، وراجين خائفين ويخلصوا الذكر له عن الشركاء، فإذا هم ذكروه بالإخلاص في عبادته وربوبيته ذكرهم بالإحسان والرحمة والنعمة في العاجلة والآجلة. وهذا قول أبي مسلم (١٧).

стр. 1115

وبذلك فإن قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، عمل، وجزاء؛ العمل: ما أفاده قوله تعالى: ﴿اذكروني﴾؛ والجزاء: ما أفاده قوله تعالى: ﴿أذكركم﴾ (١). وفي قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ [البقرة: ١٥٢]، قراءتان (٢): إحداهما: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾، بفتح الياء. والثانية: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ بإسكان الياء؛ لأن ياء المتكلم من حيث اللغة العربية يجوز إسكانها، وفتحها، وحذفها تخفيفاً؛ لكنها في القرآن تتوقف على السماع. قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ [البقرة: ١٥٢]، "أي اشكروا نعمتي عليكم" (٣). قال مقاتل: "يقول اشكروا الله- في هذه النعم" (٤). قال ابن كثير: أي: " اشكروا لي أيها المؤمنون فيما أنعمت عليكم من الإسلام، والهداية للدين الذي شرعته لأنبيائي وأصفيائي، إذ "أمر الله تعالى بشكره، ووعده على شكره بمزيد الخير، فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] " (٥). قال ابن عثيمين: " أي قوموا بالشكر، و «الشكر» هو القيام بطاعة المنعم" (٦). قال أبو العالية: "إن الله يزيد من شكره" (٧). وروي عن زيد بن أسلم: "أن موسى ﷺ قال لربه: أي رب أخبرني كيف أشكرك. قال له ربه: تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني" (٨). قال ابن منظور: يقال: شكرته، وشكرت له، وباللام أفصح" (٩). وقال الفراء: "العرب لا تكاد تقول شكرتك، إنما تقول: شكرت لك، ونصحت لك، ولا يقولون: نصحتك، وربما قيلتا" (١٠). قال أبو حيان: "وهو من الأفعال التي ذكر أنها تارة تتعدى بحرف الجر، وتارة تتعدى بنفسها وقالوا: إذا قلت شكرت لزيد، فالتقدير: شكرت لزيد صنيعه، فجعلوه مما يتعدى لواحد بحرف جر ولآخر بنفسه، ولذلك فسر الزمخشري هذا الموضع بقوله. واشكروا لي ما أنعمت به عليكم" (١١). وقال ابن عطية: " واشكروا لي، واشكروني بمعنى واحد، ولي أفصح وأشهر مع الشكر" (١٢). قال الواحدي: " تقول العرب: شكرته وشكرت له، ونصحته ونصحت له، في أحرف تسمع ولا تقاس، فمن قال: شكرتك، أوقع اسم المنعم موقع النعمة، فعدّى الفعل بغير وسيطة، والأجود: شكرت لك؛ لأنه الأصل في الكلام، والأكثر في الاستعمال" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، أي: " ولا تكفروا نعمتي بالجحود والعصيان" (١٤).

стр. 1116

قال مقاتل: أي"لا تكفروا بها" (١). قال الزمخشري: " ولا تجحدوا نعمائي" (٢). قال البيضاوي: "بجحد النعم وعصيان الأمر" (٣). قال أبو حيان: " أي ولا تكفروا نعمتي" (٤). قال الطبري: أي "لا تجحدوا إحساني إليكم، فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم، ولكن اشكروا لي عليها، وأزيدكم فأتمم نعمتي عليكم، وأهديكم لما هديت له من رَضيت عنه من عبادي، فإنّي وعدت خلقي أنّ من شكر لي زدته، ومن كفرني حَرمته وسلبته ما أعطيتُه" (٥). قال ابن عثيمين: " أي لا تجحدوني، أو تجحدوا نعمتي؛ بل قوموا بشكرها، وإعلانها، وإظهارها" (٦). قال المراغي: وهذا تحذير من الله لهذه الأمة حتى لا تقع فيما وقعت فيه الأمم السابقة، إذ كفرت بأنعم الله فلم تستعمل العقل والحواس فيما خلقت لأجله، فسلبها ما كان قد وهبها تأديبا لها ولغيرها، وقد امتثل المسلمون هذه الأوامر حينا من الدهر ثم تركوها بالتدريج فحلّ بهم ما ترى من النكال والوبال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] " (٧). قال الواحدي: "وأصل الكفر إنما هو ستر النعمة لا ستر المنعم" (٨). وقد ختم بجملة النهي: ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾، "لأنه لما أمر بالشكر، لم يكن اللفظ ليدل على عموم الأزمان، ولا يمكن التكليف باستحضار الشكر في كل زمان، فقد يذهل الإنسان عن ذلك في كثير من الأوقات. ونهى عن الكفران، لأن النهي يقتضي الامتناع من المنهي عنه في كل الأزمان، وذلك ممكن لأنه من باب التروك" (٩). روي عن أبي العالية، "يعني قوله: ﴿ولا تكفرون﴾، قال: إن الله يعذب من كفره" (١٠). وروي، عن الربيع بن أنس نحو ذلك (١١). وعن زيد بن أسلم: "أن موسى ﷺ قال له ربه: تذكرني ولا تنساني، فإذا نسيتني فقد كفرتني" (١٢). قال الزجاج: " قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، الأكثر الذي أتى به القراء حذف الياءات مع النون" (١٣). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب ذكر الله؛ للأمر به؛ مطلق الذكر واجب: يجب على كل إنسان أن يذكر ربه؛ بل كل مجلس يجلسه الإنسان ولا يذكر الله فيه، ولا يصلي على النبي إلا كان عليه ترة - أي خسارة، وحسرة يوم القيامة؛ فالعبد مأمور بذكر الله؛ لكن ذكر الله ينقسم إلى فريضة من فرائض الإسلام؛ وإلى واجب من واجباته؛ وإلى سنة من سننه - بحسب ما تقتضيه الأدلة؛ إنما مطلق الذكر حكمه أن واجب.

стр. 1117

٢ - ومنها: أن مَنْ ذَكر الله ذكره الله؛ لقوله تعالى: ﴿أذكركم﴾؛ وكون الله يذكرك أعظم من كونك تذكره؛ ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي؛ ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه» (١)؛ وذكر الله يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح؛ فالأصل ذكر القلب كما قال ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله؛ وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (٢) فالمدار على ذكر القلب؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه﴾ [الكهف: ٢٨؛ وذكر الله باللسان، أو بالجوارح بدون ذكر القلب قاصر جداً، كجسد بلا روح؛ وصفة الذكر بالقلب التفكر في آيات الله، ومحبته، وتعظيمه، والإنابة إليه، والخوف منه، والتوكل عليه، وما إلى ذلك من أعمال القلوب؛ وأما ذكر الله باللسان فهو النطق بكل قول يقرب إلى الله؛ وأعلاه قول: «لا إله إلا الله»؛ وأما ذكر الله بالجوارح فبكل فعل يقرب إلى الله: القيام في الصلاة، والركوع، والسجود، والجهاد، والزكاة، كلها ذكر لله؛ لأنك عندما تفعلها تكون طائعاً لله؛ وحينئذٍ تكون ذاكراً لله بهذا الفعل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ قال بعض العلماء: أي لما تضمنته من ذكر الله أكبر؛ وهذا أحد القولين في هذه الآية. ٣ - ومن فوائد الآية: فضيلة الذكر؛ لأن به يحصل ذكر الله للعبد؛ وذكر الله للعبد أمر له شأن كبير عظيم؛ فليس الشأن بأن تذكر الله، أو أن تحب الله؛ ولكن الشأن أن يذكرك الله ، وأن يحبك الله ؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]؛ فقال تعالى: ﴿يحببكم الله﴾ لأن هذا هو الغاية المطلوبة. ٤ - ومنها: وجوب الشكر؛ لقوله تعالى: ﴿واشكروا لي﴾؛ و «الشكر» يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح؛ ولا يكون إلا في مقابلة نعمة؛ فسببه أخص من سبب «الحمد»؛ ومتعلَّقه أعم من متعلق «الحمد»؛ فيختلفان إذاً من حيث السبب؛ ويختلفان من حيث المتعلق؛ سبب «الحمد» كمال المحمود، وإنعام المحمود؛ فإذا كان سببه إنعام المحمود كان «الحمد» من «الشكر»؛ أما «الشكر» فسببه واحد؛ وهو نعمة المشكور؛ وأما متعلق «الحمد» فيكون باللسان فقط؛ وأما متعلق «الشكر» فثلاثة: يكون باللسان، والقلب، والجوارح؛ وعليه قول الشاعر: أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا فـ «يدي» هذا الشكر بالجوارح؛ و «لساني» هذا الشكر باللسان - يعني القول؛ و «الضمير المحجبا» يعني القلب. والشكر بالقلب أن يعتقد الإنسان بقلبه أن هذه النعمة من الله وحده؛ فيحب الله لهذا الإنعام؛ ولهذا ورد في الحديث: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه» (٣)؛ فإن الإنسان إذا شعر بأن هذه النعمة من الله أحب الله ؛ لأن النفوس مجبولة على محبة من يحسن إليها. وأما الشكر باللسان فأن يتحدث الإنسان بنعمه لا افتخاراً؛ بل شكراً؛ قال الله تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى: ١١]؛ وقال رسول الله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر» (٤).

стр. 1118

وأما الشكر بالجوارح فأن يقوم الإنسان بطاعة الله، ويصرف هذه النعمة لما جعلت له؛ فإن هذا من شكر النعمة. ٥ - ومن فوائد الآية: وجوب ملاحظة الإخلاص؛ لقوله تعالى: ﴿واشكروا لي﴾ يعني مخلصين لله ؛ لأن الشكر طاعة؛ والطاعة لا بد فيها من الإخلاص، كما قال تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ [الكهف: ١١٠]. ٦ - ومنها: تحريم كفر النعمة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تكفرون﴾ ولهذا إذا أنعم الله على عبده نعمة فإنه يحب أن يرى أثر نعمته عليه؛ فإذا أنعم الله عليه بعلم فإن الله يحب من هذا العالم أن يظهر أثر هذه النعمة عليه: أولاً: على سلوكه هو بنفسه بحيث يكون معروفاً بعلمه، وعمله به. ثانياً: بنشر علمه ما استطاع، سواء كان ذلك على وجه العموم، أو الخصوص. ثالثاً: أن يدعو إلى الله على بصيرة بحيث إنه في كل مجال يمكنه أن يتكلم في الدعوة إلى الله بقدر ما يستطيع حتى في المجالس الخاصة فيما إذا دعي إلى وليمة مثلاً، ورأى من المصلحة أن يتكلم فليتكلم؛ وبعض أهل العلم يكون معه كتاب، فيقرأ الكتاب على الحاضرين، فيستفيد، ويفيد؛ وهذا طيب إذا علم من الناس قبول هذا الشيء بأن يكون قد عوَّدهم على هذا، فصاروا يرقبونه منه؛ أما إذا لم يعوِّدهم فإنه قد يثقل عليهم بهذا، ولكن من الممكن أن يفتح المجال بإيراد يورده - سؤالاً مثلاً - حتى ينفتح المجال للناس، ويسألون، وينتفعون؛ لأن بعض طلبة العلم تذهب مجالسهم كمجالس العامة لا ينتفع الناس بها؛ وهذا لا شك أنه حرمان - وإن كانوا لا يأثمون إذا لم يأتوا بما يوجب الإثم؛ فالذي ينبغي لطالب العلم - حتى وإن لم يُسأل - أن يورد هو سؤالاً لأجل أن يفتح الباب للحاضرين، فيسألوا؛ وقد جاء جبريل إلى النبي ﷺ يسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وأماراتها؛ وقال النبي ﷺ : «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» (١)؛ مع أن الذي يجيب الرسول ﷺ ؛ ولكن جعله معلماً وهو يسأل؛ لأنه هو السبب في هذا التعليم. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣] التفسير يا أيها المؤمنون اطلبوا العون من الله في كل أموركم: بالصبر على النوائب والمصائب، وترك المعاصي والذنوب، والصبر على الطاعات والقربات، والصلاة التي تطمئن بها النفس، وتنهى عن الفحشاء والمنكر. إن الله مع الصابرين بعونه وتوفيقه وتسديده. وفي الآية: إثبات معيَّة الله الخاصة بالمؤمنين، المقتضية لما سلف ذكره؛ أما المعية العامة، المقتضية للعلم والإحاطة فهي لجميع الخلق. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٥٣]، " أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله" (٢). قال الصابوني: " هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه" (٣). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٤). قال ابن عثيمين: "إن تصدير الحكم بالنداء، دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (٥).

стр. 1119

قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (١). قوله تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣]، أي: "استعينوا على أمور دنياكم وآخرتكم، بالصبر والصلاة" (٢). قال ابن جريج: " إنهما معونتان على رحمة الله" (٣). قال الصابوني: " فبالصبر تنالون كل فضيلة، وبالصلاة تنتهون عن كل رذيلة" (٤). قال مقاتل: أي: " استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلوات في مواقيتها نحو الكعبة، حين عيرتهم اليهود بترك قبلتهم" (٥). قال الزجاج: " أي أنكم إذا صليتم تلوتم في صلاتكم ما تعرفون به فضل ما أنتم عليه، فكان ذلك لكم عونا" (٦). قال المراغي: " أي استعينوا على إقامة دينكم والدفاع عنه، وعلى سائر ما يشق عليكم من مصايب الحياة، بالصبر وتوطين النفس على احتمال المكاره، وبالصلاة التي تكبر بها الثقة بالله عزّ اسمه، وتصغر بمناجاته فيها كل المشاقّ" (٧). قال النسفي: أي: استعينوا على حوائجكم إلى الله، بالجمع بينهما، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب ودفع الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ومراعاة الآداب والخشوع واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات والأرض، أو استعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها" (٨). قال الجصاص: " ينصرف الأمر بالصبر على أداء الفرائض التي فرضها الله واجتناب معاصيه وفعل الصلاة المفروضة" (٩). قال الراغب: وخصها [أي الصلاة] برد الضمير إليها دون الصبر، وأما الصلاة التي تخفف على غير الخاشع، فإنها مسماة باسمها، وليس هي في حكمها، بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، ومثلها، وقل ما ترى صلاة غير الخاشع تنهاه عن الفحشاء والمنكر" (١٠). وقال المفسرون وأصحاب المعاني: "إن جميع العبادات داخلة تحت قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ لأنه أراد الصبر عليها، ولكن خصت الصلاة بالذكر تخصيصا وتفضيلا، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] " (١١). و(الصبر) في اللغة: "الحبس" (١٢).

стр. 1120

قال الطبري: و (الصبر): "حبس النفس على ما تكره ومنعها محابّها وكفها عن هواها (١)، والصبر لغة: الحبس، يقال قتل فلان صبرا أي أمسك وحبس حتى أتلف، وصبرت نفسي على الشيء: حبستها، قال الحطيئة (٢): قُلْتُ لها أَصْبِرُها جاهِداً: ... وَيْحَك، أَمْثالُ طَرِيفٍ قَلِيلْ والمصبورة التي نهي عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت، وهي المجثَّمة، قال عنترة يذكر حربا كان فيها (٣): فَصَبَرْتُ عارِفَةً لذلك حُرَّةً ... تَرْسُو، إِذا نَفْسُ الجبان تَطَلَّعُ يقول: حَبَست نفساً صابِرة. قال أَبو عبيد: يقول إِنه حَبَس نفسَه (٤). وقال الراغب، الصبر ضربان: "صبر عن المشتهى، وهو العفة، وصبر على المكروه وهو الشجاعة " (٥). وفي الآية قدّم الصبر على الصلاة "لأنها لا تكمل إلا به، أو لمناسبته لحال المخاطبين، ويجوز أن يراد بالصبر نوع منه وهو الصوم بقرينة ذكره مع الصلاة" (٦). وفي الاصطلاح الشرعي (الصبر): "هو كَفُّ النَّفْس عن الجَزَع والسَّخَط، وحبسها عن شهواتها، وكف اللسان عن الشكوى، والثبات على أحكام الكتاب والسنة" (٧). وقال السعدي: " (الصبر) على ثلاثة أقسام: أحدها: صبرها على طاعة الله حتى تؤديها. والثاني: وعن معصية الله حتى تتركها. والثالث: وعلى أقدار الله المؤلمة فلا تتسخطها. فـ (الصبر): "هو المعونة العظيمة على كل أمر، فلا سبيل لغير الصابر، أن يدرك مطلوبه، خصوصا الطاعات الشاقة المستمرة، فإنها مفتقرة أشد الافتقار، إلى تحمل الصبر، وتجرع المرارة الشاقة، فإذا لازم صاحبها الصبر، فاز بالنجاح، وإن رده المكروه والمشقة عن الصبر والملازمة عليها، لم يدرك شيئا، وحصل على الحرمان، وكذلك المعصية التي تشتد دواعي النفس ونوازعها إليها وهي في محل قدرة العبد، فهذه لا يمكن تركها إلا بصبر عظيم، وكف لدواعي قلبه ونوازعها لله تعالى، واستعانة بالله على العصمة منها، فإنها من الفتن الكبار. وكذلك البلاء الشاق، خصوصا إن استمر، فهذا تضعف معه القوى النفسانية والجسدية، ويوجد مقتضاها، وهو التسخط، إن لم يقاومها صاحبها بالصبر لله، والتوكل عليه، واللجأ إليه، والافتقار على الدوام" (٨).

стр. 1121

وقد ذكر الصبر في القرآن الكريم، في (اثنان وثمانون) موضعاً في المدح، وموضعان في الذم، أما موضعا الذم فقوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: ٦]. و(الاستعانة) هي "طلب العون؛ و "الاستعانة بالصبر" أن يصبر الإنسان على ما أصابه من البلاء، أو حُمِّل إياه من الشريعة" (١). قال الواحدي: "فالاستعانة بالصبر: هو أن يستعين على دينه بحبس النفس عن الشهوات والمحارم، وحبسها على الطاعات" (٢). قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]؛ أي: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، ونبرأ من كل معبود دونك ومن عابديه، ونبرأ من الحول والقوة إلا بك، فلا حَوْلَ لأحد عن معصيتك ولا قوة على طاعتك إلا بتوفيقك ومعونتك، وقال عن نبيه يعقوب ﵇: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [، وقال النبي ﷺ لابن عمه عبدالله بن عباس رضى الله عنهما: "إذا سألتَ فاسْألِ اللهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِن بالله" (٣)، وقال في دعائه: "اللَّهُمَ أعِنِّى عَلَى ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتِكَ " (٤). وفي سبب تخصيص الإستعانة بالصبر والصلاة وجهان (٥): أحدهما: أنه تعالى خصهما بذلك، لما فيهما من المعونة على العبادات، أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع، ومن حمل نفسه وقلبه على هذا التذليل سهل عليه فعل الطاعات وتحمل مشاق العبادات، وتجنب المحظورات ومن الناس من حمل الصبر على الصوم. والثاني: ومنهم من حمله على الجهاد لأنه تعالى ذكر بعده: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله﴾ [البقرة: ١٥٤] وأيضا فلأنه تعالى أمر بالتثبت في الجهاد فقال: ﴿إذا لقيتم فئة فاثبتوا﴾ [الأنفال: ٤٥] وبالتثبت في الصلاة أي في الدعاء فقال: ﴿وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين﴾ [آل عمران: ١٤٧]. والقول الأول أولى، وذلك لعموم اللفظ وعدم تقييده، والاستعانة بالصلاة لأنها يجب أن تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود والإخلاص له، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها وعلى ما يأتي فيها من قراءة فيتدبر الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ومن سلك هذه الطريقة في الصلاة فقد ذلل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات ولذلك قال: ﴿اتل ما أوحى إليك من الكتاب﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولذلك نرى أهل الخير عند النوائب متفقين على الفزع إلى الصلاة، وروي أنه ﵊ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (٦). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، أي إن الله مع الصابرين"بالنصر والمعونة والحفظ والتأييد" (٧).

стр. 1122

قال الواحدي: "قال عطاء عن ابن عباس: "يقول: إني معكم أنصركم ولا أخذلكم" (١). قال الزجاج: " أي يظهر دينه على سائر الأديان، لأن من كان الله معه فهو الغالب - كما قال : ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] " (٢). قال المراغي: " أي إن الله ناصرهم ومجيب دعوتهم، ومن كان الله ناصره فلا غالب له، أما الجازع فقلبه لاه عن ذكر الله، والقلب اللاهي ممتلاء بهموم الدنيا وأكدارها، وإن حاز الدنيا بحذافيرها" (٣). قال أبو حيان: "أي: بالمعونة والحفظ والتأييد، كما قال: اهجهم، وروح القدس معك. وقال تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ومن كان الله معه فهو الغالب" (٤). قال الرازي: "يعني في النصر لهم كما قال: ﴿فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم﴾ [البقرة: ١٣٧]، فكأنه تعالى ضمن لهم إذا هم استعانوا على طاعاته بالصبر والصلاة أن يزيدهم توفيقا وتسديدا وألطافا كما قال: ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى﴾ [مريم: ٧٦] " (٥). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن وهب، قال: "سمعت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: الصبر في بابين، الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره، وإن نازعت إليه الأهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله" (٦). وفي رواية أخرى: " سمعت ابن زيد وقال لي: الصبر في بابين: على ما أحب الله وإن ثقل. وصبر على ما تكره وإن نازعت إليه الهوى. فمن كان هكذا فهو من الصابرين" (٧). وعن علي بن الحسين قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين، ينادي مناد: أين الصابرون، ليدخلوا الجنة قبل الحساب. قال: فيقوم عنق من الناس، فتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين يا بني آدم؟ فيقولون: إلى الجنة قالوا: وقبل الحساب؟ قالوا نعم. قالوا: ومن أنتم؟ قالوا: الصابرون قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا عن معصية الله، حتى توفانا الله. قالوا: أنتم كما قلتم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين" (٨). وقال سعيد بن جبير: "الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر" (٩). ومن الصفات الثابتة لله (المَعِيَّة)، فهو مع عباده أينما كانوا، فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، وهذه معية عامة، فالمعية نوعان (١٠): أحدهما: مَعِيَّة عامَّة؛ كقوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]، ومعناها: إحاطته بهم عِلْمًا وقُدْرَةً، وهو إجماع الصحابة والتابعين. والثاني: مَعِيَّة خاصَّة، فَهِيَ مَعِيَّتُه سبحانه لأحْبابه وأوليائه، فتلك غير المعية العامة، فهو معهم بالرعايَة والإعانة والكفاية، والنصر والتأييد والهداية، والتوفيق وغير ذلك، مما تجفو عبارة المخلوق عنه، ويقصر

стр. 1123

تعريفه دونه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وقوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وكل ذلك لم يَنْفِ العلو؛ فهو مُسْتَوٍ على عَرْشِه، بائِن (مُنْفَصِل) مِن خَلْقِه، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وليس معنى مَعِيَّته مع عِبادِه أن يكون ذلك بالجوارح، أو أنه تعالى مختلط بالخَلْق؛ فهو خلاف ما أجمع عليه سَلَفُ الأُمَّة وخِلاف ما فَطَرَ اللهُ عليه الخَلْق، بل القمر آية من آيات الله، ومن أصْغَر مَخْلُوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المُسافر وغير المسافر، أينما كان ومن أشار إلى غير هذا، فإنما يشير إلى الإلحاد والحلول والاتحاد، والله ورسوله بَرِيئانِ مِنه (١). وقد قال تعالى: ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، لثلاثة وجوه (٢): الوجه الأول: أن الصلاة من الصبر؛ لأنها صبر على طاعة الله. الوجه الثاني: أن الاستعانة بالصبر أشق من الصلاة؛ لأن الصبر مُرّ: الصبر مثل اسمه مُرٌّ مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل فهو مرٌّ يكابده الإنسان، ويعاني، ويصابر، ويتغير دمه حتى من يراه يقول: هذا مريض. الوجه الثالث: أنه إذا كان مع الصابرين فهو مع المصلين من باب أولى بدليل أنه ثبت عن النبي ﷺ أن الإنسان المصلي يناجي ربه، وأن الله قِبل وجهه (٣) - وهو على عرشه . الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، وأنه من أشرف أوصاف الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ... ﴾. ٢ - ومنها: الإرشاد إلى الاستعانة بالصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿استعينوا بالصبر والصلاة﴾. ٣ - ومنها: بيان الآثار الحميدة للصلاة، وأن من آثارها الحميدة أنها تعين العبد في أموره. ٤ - ومنها: جواز الاستعانة بغير الله فيما يمكن أن يعين فيه؛ لقوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وجاء في الحديث: «وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة» (٤). ٥ - ومنها: أن الاستعانة بالصلاة من مقتضيات الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا ... ﴾ إلخ. ٦ - ومنها: فضيلة الصبر؛ لأنه يعين على الأمور؛ والصبر ثقيل جداً على النفس؛ لأن الإنسان إذا أصابه ضيق، أو بلاء ثقل عليه تحمله، فاحتاج إلى الصبر؛ ولهذا قال الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾ [هود: ٤٩]؛ فقال تعالى: ﴿فاصبر﴾ إشارة إلى أن هذا الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ يحتاج إلى صبر، وتحمل؛ لأنه سيجد من ينازع، ويضاد؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً * فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً﴾ [الإنسان: ٢٣، ٢٤]؛ إذاً الصبر شاق على النفوس؛ لكن يجب على الإنسان أن يصبر؛ ولهذا من لم يوفق للصبر فاته خير كثير؛ والذي يصبر أيضاً غالباً ينتظر الفرج لا سيما إذا صبر بإخلاص، وحسن نية؛ وانتظار الفرج عبادة، وباب للفرج؛ لقول النبي ﷺ : «واعلم أن النصر مع الصبر؛ وأن الفرج مع الكرب؛ وأن مع العسر يسراً» (٥)؛ لأنه إذا كان منتظراً للفرج هان عليه الصبر؛ لأنه يؤمل أن الأمور ستزول، وأن دوام الحال من المحال؛ فإذا كان يؤمل الأجر في الآخرة، ويؤمل الفرج في الدنيا هان عليه الصبر كثيراً؛ وهذه لا شك من الخصال الحميدة التي جاء بها

стр. 1124

الإسلام، ودليل على أن الأمور تسهل بالصبر؛ مهما بلغتك الأمور اصبر، فتهون؛ ولهذا جعل الله الصبر عوناً. ٧ - ومن فوائد الآية: أن في الصبر تنشيطاً على الأعمال، والثبات عليها؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله مع الصابرين﴾؛ فإذا آمن الإنسان بأن الله معه ازداد نشاطاً، وثباتاً؛ وكون الله مع الإنسان مسدداً له، ومؤيداً له، ومصبِّراً له، لا شك أن هذه درجة عالية كل يريدها؛ ولهذا لما جاء النبي ﷺ إلى قوم يتناضلون قال: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً وأنا مع بني فلان؛ قال الآخرون: يا رسول الله، إذا كنت معهم فلا نناضل؛ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم» (١). ٨ - ومن فوائد الآية: إثبات معية الله ؛ ومعيته تعالى نوعان: النوع الأول: عامة لجميع الخلق، ومقتضاها الإحاطة بهم علماً، وقدرة، وسلطاناً، وسمعاً، وبصراً، وغير ذلك من معاني ربوبيته؛ لقوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ [المجادلة: ٧]. والنوع الثاني: خاصة؛ ومقتضاها مع الإحاطة: النصر، والتأييد؛ وهي نوعان: مقيدة بوصف، كقوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٨]؛ ومقيدة بشخص، كقوله تعالى لموسى، وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]، وقوله عن نبيه محمد ﷺ : ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠]. القرآن ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة: ١٥٤] التفسير: ولا تقولوا -أيها المؤمنون- فيمن يُقتلون مجاهدين في سبيل الله: هم أموات، بل هم أحياء حياة خاصة بهم في قبورهم، لا يعلم كيفيتها إلا الله - تعالى-، ولكنكم لا تُحسُّون بها. وفي هذا دليل على نعيم القبر. في سبب نزول الآية: قولان: أحدهما: قال الواحدي: " نزلت في قتلى بدر من المسلمين، وكانوا بضعة عشر رجلا، ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين، وذلك أن الناس كانوا يقولون للرجل يقتل في سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها، فأنزل الله هذه الآية" (٢). وكذا ذكره الثعلبي (٣) بغير إسناد. وذكره مقاتل بن سليمان (٤)، وبه زيادة أن سمى الستة من المهاجرين وهم: عبيدة بن الحارث (٥)، وعمير بن أبي وقاص (٦)، وذو الشمالين (٧) بن عبد عمرو (٨) وعاقل بن البكير (٩)، ومهجع مولى عمر (١٠)، وصفوان بن بيضاء (١١)، وسمى الثمانية من الأنصار وهم: سعد بن خيثمة (١٢) ومبشر بن عبد المنذر (١٣)

стр. 1125

وحارثة بن سراقة (١)، وعوف (٢) ومعوذ (٣) ابنا عفراء (٤)، وهي أمهما، واسم أبيهما الحارث بن مالك ويزيد بن الحارث (٥)، وعمير بن الحمام (٦) ورافع بن المعلى (٧). وذكره ابن عطية (٨)، والرازي (٩)، والقاسمي (١٠) وغيرهم من المفسرين. وذكره الماوردي مختصرا ولفظه: "وسبب ذلك أنهم كانوا يقولون لقتلى بدر وأُحُد: مات فلان، ومات فلان، فنزلت الآية" (١١). الثاني: وقال ابن عطية في سبب نزولها: أن" المؤمنين صعب عليهم فراق إخوانهم وقراباتهم فنزلت الآية مسلية لهم، تعظم منزلة الشهداء، وتخبر عن حقيقة حالهم، فصاروا مغبوطين لا محزونا لهم" (١٢). الثالث: وقيل: أن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلبا لمرضاة محمد من غير فائدة، فنزلت هذه الآية (١٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة: ١٥٤]، " أي لا تقولوا للشهداء إنهم أموات" (١٤). أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى: " ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله﴾، يعني: الذين قتلوا في طاعة الله في قتال المشركين" (١٥). قال سعيد بن جبير: " يقول الله: لا تحسبهم أمواتا" (١٦). قال مقاتل: أي" ولا تقولوا معشر المؤمنين لمن يقتل في سبيل الله أموات" (١٧). قال ابن عثيمين: أي: "لا تقولوا: هم أموات، والذي يقتل في سبيل الله هو الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا" (١٨). قال المراغي: " أي ولا تتحدثوا في شأنهم، فتقولوا: إنهم أموات" (١٩). قال أبو حيان: " نهوا عن قولهم عن الشهداء أموات، وأخبر تعالى أنهم أحياء" (٢٠). قال ابن عاشور: "نهي عن القول الناشاء عن اعتقاد، ذلك لأن الإنسان لا يقول إلاّ ما يَعتقد فالمعنى ولا تعتقدوا، والظاهر أن هذا تكميل لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] كما تقدَّم من حديث البراء فإنه قال: "قتل أناس قبل تحويل القبلة"، فأعقب قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ بأن فضيلة شهادتهم غير منقوصة" (٢١). قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤]، " أي بل هم أحياءً عند ربهم يرزقون ولكن لا تشعرون بذلك" (٢٢). قال مقاتل: " مرزوقون في الجنة عند الله، ومساكن أرواح الشهداء سدرة المنتهى في جنة المأوى" (٢٣). قال المراغي: أي: " بل هم أحياء في عالم غير عالمكم، ولكن لا تشعرون بحياتهم" (٢٤). قال الصابوني: " لأنهم في حياةٍ برزخية أسمي من هذه الحياة" (٢٥). قال ابن عثيمين: " وهي حياة برزخية لا نعلم كيفيتها" (٢٦). قال البيضاوي: " وهو تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي" (٢٧). قال أبو السعود: " وفيه رمز إلى أنها ليست مما يشعر به بالمشاعر الظاهرة من الحياة الجسمانية وإنما هي أمر روحاني لا يدرك بالعقل بل بالوحي" (٢٨). قال الطبري: أي: "ولكنكم لا تَرونهم فتعلموا أنهم أحياءٌ، وإنما تعلمون ذلك بخبري إياكم به" (٢٩). قال ابن عثيمين: " أي لا تشعرون بحياتهم؛ لأنها حياة برزخية غيبية؛ ولولا أن الله أخبرنا بها ما كنا نعلم بها" (٣٠). قال أبو العالية: " يقول هم أحياء في صدور طير خضر، يطيرون في الجنة حيث شاءوا، ويأكلون من حيث شاءوا" (٣١). واختلف في حقيقة الموت والحياة في الآية، على قولين (٣٢): أحدهما: أن المراد حقيقة الموت والحياة.
следующие страницы →