← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وقد ذكر الصبر في القرآن الكريم، في (اثنان وثمانون) موضعاً في المدح، وموضعان في الذم، أما موضعا الذم فقوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: ٦]. و(الاستعانة) هي "طلب العون؛ و "الاستعانة بالصبر" أن يصبر الإنسان على ما أصابه من البلاء، أو حُمِّل إياه من الشريعة" (١). قال الواحدي: "فالاستعانة بالصبر: هو أن يستعين على دينه بحبس النفس عن الشهوات والمحارم، وحبسها على الطاعات" (٢). قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]؛ أي: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، ونبرأ من كل معبود دونك ومن عابديه، ونبرأ من الحول والقوة إلا بك، فلا حَوْلَ لأحد عن معصيتك ولا قوة على طاعتك إلا بتوفيقك ومعونتك، وقال عن نبيه يعقوب ﵇: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [، وقال النبي ﷺ لابن عمه عبدالله بن عباس رضى الله عنهما: "إذا سألتَ فاسْألِ اللهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِن بالله" (٣)، وقال في دعائه: "اللَّهُمَ أعِنِّى عَلَى ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتِكَ " (٤). وفي سبب تخصيص الإستعانة بالصبر والصلاة وجهان (٥): أحدهما: أنه تعالى خصهما بذلك، لما فيهما من المعونة على العبادات، أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع، ومن حمل نفسه وقلبه على هذا التذليل سهل عليه فعل الطاعات وتحمل مشاق العبادات، وتجنب المحظورات ومن الناس من حمل الصبر على الصوم. والثاني: ومنهم من حمله على الجهاد لأنه تعالى ذكر بعده: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله﴾ [البقرة: ١٥٤] وأيضا فلأنه تعالى أمر بالتثبت في الجهاد فقال: ﴿إذا لقيتم فئة فاثبتوا﴾ [الأنفال: ٤٥] وبالتثبت في الصلاة أي في الدعاء فقال: ﴿وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين﴾ [آل عمران: ١٤٧]. والقول الأول أولى، وذلك لعموم اللفظ وعدم تقييده، والاستعانة بالصلاة لأنها يجب أن تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود والإخلاص له، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها وعلى ما يأتي فيها من قراءة فيتدبر الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ومن سلك هذه الطريقة في الصلاة فقد ذلل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات ولذلك قال: ﴿اتل ما أوحى إليك من الكتاب﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولذلك نرى أهل الخير عند النوائب متفقين على الفزع إلى الصلاة، وروي أنه ﵊ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (٦). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، أي إن الله مع الصابرين"بالنصر والمعونة والحفظ والتأييد" (٧).

стр. 1122

قال الواحدي: "قال عطاء عن ابن عباس: "يقول: إني معكم أنصركم ولا أخذلكم" (١). قال الزجاج: " أي يظهر دينه على سائر الأديان، لأن من كان الله معه فهو الغالب - كما قال : ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] " (٢). قال المراغي: " أي إن الله ناصرهم ومجيب دعوتهم، ومن كان الله ناصره فلا غالب له، أما الجازع فقلبه لاه عن ذكر الله، والقلب اللاهي ممتلاء بهموم الدنيا وأكدارها، وإن حاز الدنيا بحذافيرها" (٣). قال أبو حيان: "أي: بالمعونة والحفظ والتأييد، كما قال: اهجهم، وروح القدس معك. وقال تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ومن كان الله معه فهو الغالب" (٤). قال الرازي: "يعني في النصر لهم كما قال: ﴿فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم﴾ [البقرة: ١٣٧]، فكأنه تعالى ضمن لهم إذا هم استعانوا على طاعاته بالصبر والصلاة أن يزيدهم توفيقا وتسديدا وألطافا كما قال: ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى﴾ [مريم: ٧٦] " (٥). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن وهب، قال: "سمعت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: الصبر في بابين، الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره، وإن نازعت إليه الأهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله" (٦). وفي رواية أخرى: " سمعت ابن زيد وقال لي: الصبر في بابين: على ما أحب الله وإن ثقل. وصبر على ما تكره وإن نازعت إليه الهوى. فمن كان هكذا فهو من الصابرين" (٧). وعن علي بن الحسين قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين، ينادي مناد: أين الصابرون، ليدخلوا الجنة قبل الحساب. قال: فيقوم عنق من الناس، فتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين يا بني آدم؟ فيقولون: إلى الجنة قالوا: وقبل الحساب؟ قالوا نعم. قالوا: ومن أنتم؟ قالوا: الصابرون قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا عن معصية الله، حتى توفانا الله. قالوا: أنتم كما قلتم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين" (٨). وقال سعيد بن جبير: "الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر" (٩). ومن الصفات الثابتة لله (المَعِيَّة)، فهو مع عباده أينما كانوا، فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، وهذه معية عامة، فالمعية نوعان (١٠): أحدهما: مَعِيَّة عامَّة؛ كقوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]، ومعناها: إحاطته بهم عِلْمًا وقُدْرَةً، وهو إجماع الصحابة والتابعين. والثاني: مَعِيَّة خاصَّة، فَهِيَ مَعِيَّتُه سبحانه لأحْبابه وأوليائه، فتلك غير المعية العامة، فهو معهم بالرعايَة والإعانة والكفاية، والنصر والتأييد والهداية، والتوفيق وغير ذلك، مما تجفو عبارة المخلوق عنه، ويقصر

стр. 1123

تعريفه دونه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وقوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وكل ذلك لم يَنْفِ العلو؛ فهو مُسْتَوٍ على عَرْشِه، بائِن (مُنْفَصِل) مِن خَلْقِه، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وليس معنى مَعِيَّته مع عِبادِه أن يكون ذلك بالجوارح، أو أنه تعالى مختلط بالخَلْق؛ فهو خلاف ما أجمع عليه سَلَفُ الأُمَّة وخِلاف ما فَطَرَ اللهُ عليه الخَلْق، بل القمر آية من آيات الله، ومن أصْغَر مَخْلُوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المُسافر وغير المسافر، أينما كان ومن أشار إلى غير هذا، فإنما يشير إلى الإلحاد والحلول والاتحاد، والله ورسوله بَرِيئانِ مِنه (١). وقد قال تعالى: ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، لثلاثة وجوه (٢): الوجه الأول: أن الصلاة من الصبر؛ لأنها صبر على طاعة الله. الوجه الثاني: أن الاستعانة بالصبر أشق من الصلاة؛ لأن الصبر مُرّ: الصبر مثل اسمه مُرٌّ مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل فهو مرٌّ يكابده الإنسان، ويعاني، ويصابر، ويتغير دمه حتى من يراه يقول: هذا مريض. الوجه الثالث: أنه إذا كان مع الصابرين فهو مع المصلين من باب أولى بدليل أنه ثبت عن النبي ﷺ أن الإنسان المصلي يناجي ربه، وأن الله قِبل وجهه (٣) - وهو على عرشه . الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، وأنه من أشرف أوصاف الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ... ﴾. ٢ - ومنها: الإرشاد إلى الاستعانة بالصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿استعينوا بالصبر والصلاة﴾. ٣ - ومنها: بيان الآثار الحميدة للصلاة، وأن من آثارها الحميدة أنها تعين العبد في أموره. ٤ - ومنها: جواز الاستعانة بغير الله فيما يمكن أن يعين فيه؛ لقوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وجاء في الحديث: «وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة» (٤). ٥ - ومنها: أن الاستعانة بالصلاة من مقتضيات الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا ... ﴾ إلخ. ٦ - ومنها: فضيلة الصبر؛ لأنه يعين على الأمور؛ والصبر ثقيل جداً على النفس؛ لأن الإنسان إذا أصابه ضيق، أو بلاء ثقل عليه تحمله، فاحتاج إلى الصبر؛ ولهذا قال الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾ [هود: ٤٩]؛ فقال تعالى: ﴿فاصبر﴾ إشارة إلى أن هذا الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ يحتاج إلى صبر، وتحمل؛ لأنه سيجد من ينازع، ويضاد؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً * فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً﴾ [الإنسان: ٢٣، ٢٤]؛ إذاً الصبر شاق على النفوس؛ لكن يجب على الإنسان أن يصبر؛ ولهذا من لم يوفق للصبر فاته خير كثير؛ والذي يصبر أيضاً غالباً ينتظر الفرج لا سيما إذا صبر بإخلاص، وحسن نية؛ وانتظار الفرج عبادة، وباب للفرج؛ لقول النبي ﷺ : «واعلم أن النصر مع الصبر؛ وأن الفرج مع الكرب؛ وأن مع العسر يسراً» (٥)؛ لأنه إذا كان منتظراً للفرج هان عليه الصبر؛ لأنه يؤمل أن الأمور ستزول، وأن دوام الحال من المحال؛ فإذا كان يؤمل الأجر في الآخرة، ويؤمل الفرج في الدنيا هان عليه الصبر كثيراً؛ وهذه لا شك من الخصال الحميدة التي جاء بها

стр. 1124

الإسلام، ودليل على أن الأمور تسهل بالصبر؛ مهما بلغتك الأمور اصبر، فتهون؛ ولهذا جعل الله الصبر عوناً. ٧ - ومن فوائد الآية: أن في الصبر تنشيطاً على الأعمال، والثبات عليها؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله مع الصابرين﴾؛ فإذا آمن الإنسان بأن الله معه ازداد نشاطاً، وثباتاً؛ وكون الله مع الإنسان مسدداً له، ومؤيداً له، ومصبِّراً له، لا شك أن هذه درجة عالية كل يريدها؛ ولهذا لما جاء النبي ﷺ إلى قوم يتناضلون قال: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً وأنا مع بني فلان؛ قال الآخرون: يا رسول الله، إذا كنت معهم فلا نناضل؛ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم» (١). ٨ - ومن فوائد الآية: إثبات معية الله ؛ ومعيته تعالى نوعان: النوع الأول: عامة لجميع الخلق، ومقتضاها الإحاطة بهم علماً، وقدرة، وسلطاناً، وسمعاً، وبصراً، وغير ذلك من معاني ربوبيته؛ لقوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ [المجادلة: ٧]. والنوع الثاني: خاصة؛ ومقتضاها مع الإحاطة: النصر، والتأييد؛ وهي نوعان: مقيدة بوصف، كقوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٨]؛ ومقيدة بشخص، كقوله تعالى لموسى، وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]، وقوله عن نبيه محمد ﷺ : ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠]. القرآن ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة: ١٥٤] التفسير: ولا تقولوا -أيها المؤمنون- فيمن يُقتلون مجاهدين في سبيل الله: هم أموات، بل هم أحياء حياة خاصة بهم في قبورهم، لا يعلم كيفيتها إلا الله - تعالى-، ولكنكم لا تُحسُّون بها. وفي هذا دليل على نعيم القبر. في سبب نزول الآية: قولان: أحدهما: قال الواحدي: " نزلت في قتلى بدر من المسلمين، وكانوا بضعة عشر رجلا، ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين، وذلك أن الناس كانوا يقولون للرجل يقتل في سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها، فأنزل الله هذه الآية" (٢). وكذا ذكره الثعلبي (٣) بغير إسناد. وذكره مقاتل بن سليمان (٤)، وبه زيادة أن سمى الستة من المهاجرين وهم: عبيدة بن الحارث (٥)، وعمير بن أبي وقاص (٦)، وذو الشمالين (٧) بن عبد عمرو (٨) وعاقل بن البكير (٩)، ومهجع مولى عمر (١٠)، وصفوان بن بيضاء (١١)، وسمى الثمانية من الأنصار وهم: سعد بن خيثمة (١٢) ومبشر بن عبد المنذر (١٣)

стр. 1125

وحارثة بن سراقة (١)، وعوف (٢) ومعوذ (٣) ابنا عفراء (٤)، وهي أمهما، واسم أبيهما الحارث بن مالك ويزيد بن الحارث (٥)، وعمير بن الحمام (٦) ورافع بن المعلى (٧). وذكره ابن عطية (٨)، والرازي (٩)، والقاسمي (١٠) وغيرهم من المفسرين. وذكره الماوردي مختصرا ولفظه: "وسبب ذلك أنهم كانوا يقولون لقتلى بدر وأُحُد: مات فلان، ومات فلان، فنزلت الآية" (١١). الثاني: وقال ابن عطية في سبب نزولها: أن" المؤمنين صعب عليهم فراق إخوانهم وقراباتهم فنزلت الآية مسلية لهم، تعظم منزلة الشهداء، وتخبر عن حقيقة حالهم، فصاروا مغبوطين لا محزونا لهم" (١٢). الثالث: وقيل: أن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلبا لمرضاة محمد من غير فائدة، فنزلت هذه الآية (١٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة: ١٥٤]، " أي لا تقولوا للشهداء إنهم أموات" (١٤). أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى: " ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله﴾، يعني: الذين قتلوا في طاعة الله في قتال المشركين" (١٥). قال سعيد بن جبير: " يقول الله: لا تحسبهم أمواتا" (١٦). قال مقاتل: أي" ولا تقولوا معشر المؤمنين لمن يقتل في سبيل الله أموات" (١٧). قال ابن عثيمين: أي: "لا تقولوا: هم أموات، والذي يقتل في سبيل الله هو الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا" (١٨). قال المراغي: " أي ولا تتحدثوا في شأنهم، فتقولوا: إنهم أموات" (١٩). قال أبو حيان: " نهوا عن قولهم عن الشهداء أموات، وأخبر تعالى أنهم أحياء" (٢٠). قال ابن عاشور: "نهي عن القول الناشاء عن اعتقاد، ذلك لأن الإنسان لا يقول إلاّ ما يَعتقد فالمعنى ولا تعتقدوا، والظاهر أن هذا تكميل لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] كما تقدَّم من حديث البراء فإنه قال: "قتل أناس قبل تحويل القبلة"، فأعقب قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ بأن فضيلة شهادتهم غير منقوصة" (٢١). قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤]، " أي بل هم أحياءً عند ربهم يرزقون ولكن لا تشعرون بذلك" (٢٢). قال مقاتل: " مرزوقون في الجنة عند الله، ومساكن أرواح الشهداء سدرة المنتهى في جنة المأوى" (٢٣). قال المراغي: أي: " بل هم أحياء في عالم غير عالمكم، ولكن لا تشعرون بحياتهم" (٢٤). قال الصابوني: " لأنهم في حياةٍ برزخية أسمي من هذه الحياة" (٢٥). قال ابن عثيمين: " وهي حياة برزخية لا نعلم كيفيتها" (٢٦). قال البيضاوي: " وهو تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي" (٢٧). قال أبو السعود: " وفيه رمز إلى أنها ليست مما يشعر به بالمشاعر الظاهرة من الحياة الجسمانية وإنما هي أمر روحاني لا يدرك بالعقل بل بالوحي" (٢٨). قال الطبري: أي: "ولكنكم لا تَرونهم فتعلموا أنهم أحياءٌ، وإنما تعلمون ذلك بخبري إياكم به" (٢٩). قال ابن عثيمين: " أي لا تشعرون بحياتهم؛ لأنها حياة برزخية غيبية؛ ولولا أن الله أخبرنا بها ما كنا نعلم بها" (٣٠). قال أبو العالية: " يقول هم أحياء في صدور طير خضر، يطيرون في الجنة حيث شاءوا، ويأكلون من حيث شاءوا" (٣١). واختلف في حقيقة الموت والحياة في الآية، على قولين (٣٢): أحدهما: أن المراد حقيقة الموت والحياة.

стр. 1126

والثاني: وقيل: ذلك مجاز. والظاهر هو القول الأول. والله أعلم. قال أبو حيان: " وإذا حمل الموت والحياة على الحقيقة فاختلفوا، فقال قوم: معناه النهي عن قول الجاهلية أنهم لا يبعثون، فالمعنى: أنهم سيحيون بالبعث، فيثابون ثواب الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله. وأكثر أهل العلم على أنهم أحياء في الوقت. ومعنى هذه الحياة: بقاء أرواحهم دون أجسادهم، إذ أجسادهم نشاهد فسادها وفنائها. واستدلوا على بقاء الأرواح بعذاب القبر، وبقوله: ﴿وَلَاكِن لا تَشْعُرُونَ﴾ معناه: لا تشعرون بكيفية حياتهم، ولو كان المعنى بإحياء أنهم سيحيون يوم القيامة، أو أنهم على هدى ونور، لم يظهر لنفي الشعور معنى، إذ هو خطاب للمؤمنين، وهم قد علموا بالبعث، وبأنهم كانوا على هدى. فلا يقال فيه: ولكن لا تشعرون، لأنهم قد شعروا به وبقوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾، وقد ذهب بعض الناس إلى أن الشهيد حي الجسد والروح، ولا يقدح في ذلك عدم الشعور به من الحي غيره. فنحن نراهم على صفة الأموات وهم أحياء، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، وكما ترى النائم على هيئته، وهو يرى في منامه ما ينعم به أو يتألم به" (١). فإن قال قائل: كيف لا نقول أموات وقد ماتوا؟ فالجواب: أن المراد هنا: لا تقولوا: أموات موتاً مطلقاً - دون الموت الذي هو مفارقة الروح للجسد؛ فهذا موجود؛ ولولا أن أرواحهم فارقت أجسادهم لما دفناهم، ولكانوا باقين يأكلون، ويشربون؛ ولكن الموت المطلق لم يقع منهم بدليل الإضراب الإبطالي في قوله تعالى: ﴿بل أحياء﴾ يعني: بل هم أحياء .. والمراد: أحياء عند ربهم" (٢). قال ابن عاشور: "وإنما قال: (وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ)، للإشارة إلى أنها حياةٌ غير جسمية ولا مادِّيَّة بل حياة روحية، لكنها زائدة على مطلق حياة الأرواح، فإن للأرواح كلها حياة وهي عدم الاضمحلال وقبول التجسد في الحَشْر مع إحساس ما بكونها آيلة إلى نعيم أو جحيم، وأما حياة الذين قتلوا في سبيل الله فهي حياة مشتملة على إدراكات التنعم بلذات الجنة والعوالم العلوية والانكشافات الكاملة، ولذلك ورد في الحديث إن أرواح الشهداء تجعل في حواصل طيور خضر ترعى من ثمر الجنة وتشرب من مائها (٣)، والحكمة في ذلك أن اتصال اللذات بالأرواح متوقف على توسط الحواس الجسمانية، فلما انفصلت الروح عن الجسد عُوِّضت جسداً مناسباً للجنة ليكون وسيلة لنعميها" (٤). واختلف في مستقر أرواح الشهداء على أقوال (٥): أحدها: قيل: قبورهم يرزقون فيها. والثاني: وقيل: في قباب بيض في الجنة يرزقون فيها، قاله أبو بشار السلمي (٦). الثالث: أن أرواح الشهداء تعارف في طَير بيض يأكلن من ثمار الجنة، وأن مساكنهم سِدرة المنتهى، قاله قتادة (٧). الرابع: وقيل: يأكلون من ثمر الجنة ويجدون ريحها، وليسوا فيها، قاله مجاهد (٨).

стр. 1127

الخامس: وروي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: "" الشهداءُ على بَارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء " (١). وجاء في صحيح مسلم: "إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل مُعَلَّقة تحت العرش، فاطَّلع عليهم ربك اطِّلاعَة، فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا، وأيّ شيء نبغي، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ ثم عاد إليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يُتْرَكُون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا، فنقاتل في سبيلك، حتى نقتل فيك مرة أخرى؛ لما يرون من ثواب الشهادة - فيقول الرب ﷻ : إني كتبتُ أنَّهم إليها لا يرجعون" (٢). وروي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "نَسَمَةُ المؤمن طائر تَعْلَقُ في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" (٣). قال ابن كثير: "ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضًا، وإن كان الشهداء قد خصِّصُوا بالذكر في القرآن، تشريفًا لهم وتكريمًا وتعظيما" (٤). وقد اختلف العلماء في هذا الوصف الذي اتصف به الشهيد، هل هو خاص به، أم أنه يشمل عموم المؤمنين؟ : القول الأول: أن هذا الوصف لم يخص مؤمنًا شهيدًا من غير شهيد. روى كعب بن مالك قال: قال رسول الله? : "إنما نسمة (٥) المؤمن طير يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" (٦). ففي هذا الحديث لم يخص مؤمنًا شهيدًا من غير شهيد (٧). قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٨) ﵀: "الصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة: أن الحياة، والرزق، ودخول الأرواح الجنة، ليس مختصًا بالشهيد. كما دلت على ذلك النصوص الثابتة، ويختص الشهيد بالذكر، لكون الظان يظن أنه يموت، فينكل عن الجهاد، فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة، كما نُهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق، لأنه هو الواقع، وإن كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق" (٩). وقد تابع ابن تيمية على قوله هذا: تلميذه ابن القيم في كتابه الروح (١٠)، وابن كثير في تفسيره (١١)،

стр. 1128

وشارح الطحاوية (١). القول الثاني: أن هذا الوصف خاص بالشهداء لا غيرهم. وإن الآيات والأحاديث السابقة تدل على أنهم الشهداء دون غيرهم، وأما حديث: «إنما نسمة المؤمن ... »، فتأويله: إنما نسمة المؤمن من الشهداء (٢). ونقل القرطبي عن ابن العربي أنه حكى إجماع الأمة على اختصاص الشهيد بهذا الوصف (٣). والذي يظهر أن هذا الإجماع غير صحيح، لمعارضته النص الصريح، والصحيح عن النبي? في قوله: «إنما نسمة المؤمن ... »، بل حكى شيخ الإسلام ﵀ خلاف ذلك وأن جماهير أهل السنة على أن هذا الوصف ليس مختصًا به، وبهذا قال بعض كبار العلماء من الشافعية كابن كثير والحنفية كابن أبي العز كما سبق، والله أعلم. قال الراغب: إن الحياة تقال على أوجه، وكل واحدة يقابلها موت (٤): الأول: في القوة النامية التي بها الغذاء والشهوة إليها، وذلك موجود في النبات والحيوان والإنسان، ولذلك يقال: نبات حي. والثاني: في القوة الحساسة التي بها الحركة المكانية وهي موجودة في الحيوان والإنسان دون النبات. والثالث: القوة العاملة العاقلة [وبها يكون العقل والعلم] وهي في الإنسان دون الحيوانات والنبات وبها يتعلق التكليف، وقد يقال للعلم المستفاد الحقيقي، والعمل الصالح حياة، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. و(الشهيد) في اللغة: على وزن "فَعِيْل"، مشتق من الفعل شَهِدَ يَشْهُد شهادةً، فهو شاهد وشهيد، فشاهد وشهيد بمعنى واحد، مثل عالم وعليم، وناصر ونصير (٥). إلا أن صيغة فعيل أبلغ (٦)، وفعيل من أبنية المبالغة في فاعل (٧). وقيل: الشهيد: فعيل، بمعنى مفعول (٨). والشهيد: القتيل في سبيل الله، وقد استشهد فلان على ما لم يُسَمَّ فاعله (٩). والشين والهاء والدال أصل يدلّ على حضور، وعلم، وإعلام، ومن ذلك الشهادة، يجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور، والعلم، والإعلام (١٠). والشاهد، والشهيد: الحاضر، والجمع شهداء، وشهَّد، وأشهاد، وشهود (١١). ومما يدل على أن من معانيه الحضور: ما جاء في الحديث: «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه» (١٢).

стр. 1129

ومن ذلك قول الشاعر: كأني، وإن كانت شهودًا عشيرتي ... إذا غبت عني يا عثيم غريب (١) ويقال: قوم شهود، أي حضور (٢). وهذا معروف في لسان العرب معرفة يستغنى بها عن الاستشهاد عليها بشيء، ولكن لتأكيد هذا أوردنا بعض الشواهد في ذلك. وقد اختلف في اشتقاق كلمة (شهيد)، هل هو من الشهادة؟ أو من المشاهدة، أو هو فعيل بمعنى مفعول؟ أو بمعنى فاعل؟ (٣). فإن كان الاشتقاق من الشهادة، فهو شهيد، بمعنى: مشهود، أي مشهود عليه، ومشهود له بالجنة، ويجوز أن يكون من الشهادة، وتكون فعيل بمعنى فاعل، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]، أي تشهدون عليهم، وهذا وإن كان عامًا في جميع أمة محمد? ، فالشهداء أولى بهذا الاسم، فهذان وجهان في معنى الشهيد إذا جعلته مشتقًا من الشهادة. وإن كان من المشاهدة، فهو فعيل، بمعنى: فاعل، على معنى أنه يشاهد من ملكوت الله، وقد يكون بمعنى مفعول، من المشاهدة، أي أن الملائكة تشاهد قبضه والعروج بروحه، ونحو ذلك، فيكون فعيلاً بمعنى مفعول (٤). وبناء على عدم الاتفاق في تقدير معنى الفعل؛ افترقت الأقوال، وتشعبت الآراء في سبب التسمية، وكان اختلاف بعض هذه الأقوال يرجع إلى تباين وتضاد، وبعضها ليس كذلك، بل الأقوال فيها متقاربة. ونلاحظ عند استقراء هذه الأقوال أنها تفرعت عن قولين رئيسين هما: القول الأول: أن الشهيد بمعنى شاهد، أي فعيل بمعنى فاعل، وشاهد قد تكون بمعنى الإخبار والإعلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١]. فالشهادة هنا بمعنى الإخبار. وقد ترد ويراد منها الحضور والمشاهدة، كما في قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ [المدثر: ١٣]. أي حضورًا (٥). وهؤلاء اختلفوا أيضًا في سبب التسمية على أقوال: أحدها: لأنه ممن يستشهد يوم القيامة مع النبي? على الأمم الخالية، قال تعالى: ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣] (٦). الثاني: لأن أرواحهم شهدت دار السلام، أي حضرتها، وأما أرواح غيرهم فلا تحضرها إلى يوم البعث (٧). قال الأزهري (٨): «وقال ابن شميل في تفسير الشهيد الذي يستشهد: الشهيد: الحي. قلت: أراه تأول قول الله جل وعز: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. كأن أرواحهم أحضرت دار السلام أحياءً، وأرواح غيرهم أخرت إلى يوم البعث، وهذا قول حسن» (٩). الثالث: لقيامه بشهادة الحق في أمر الله حتى قتل (١٠).

стр. 1130

الرابع: لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعد الله له من الثواب والكرامة بالقتل (١). الخامس: لأنه شهد المغازي (٢). السادس: لأنه شهد لله بالوجود والإلهية بالفعل، كما شهد غيره بالقول (٣). السابع: لأنه يشاهد الملائكة عند احتضاره (٤). الثامن: لأنه يشاهد الدارين: دار الدنيا، ودار الآخرة (٥). القول الثاني: أن الشهيد بمعنى مشهود، أي فعيل بمعنى مفعول، واختلف في تحديد سبب التسمية إلى أقوال: أحدها: لأن ملائكة الرحمة تشهده (٦)، وصحح هذا القول الرازي (٧) في كتابه "حلية الفقهاء" (٨). فالشهيد: هو المحتضر، فتسميته بذلك لحضور الملائكة إياه، إشارة إلى ما قال الله : ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا﴾ [فصلت: ٣٠] (٩). الثاني: لأن الله وملائكته شهود له بالجنة (١٠)، أو بالخير (١١). الثالث: لأنه شهد له بالإيمان، وحسن الخاتمة بظاهر حاله (١٢). الرابع: لأن عليه شاهدًا يشهد بشهادته؛ وهو دمه (١٣). هذه أغلب الأقوال التي قيلت في سبب التسمية، وما لم نذكره فإنه يدخل في بعض هذه الأقوال، ولا يخرج عنها في الغالب. وأقرب الأقوال إلى الصحة -والله أعلم- هو ما رجّحه الإمام السهيلي (١٤) ﵀ حيث قال -بعد ذكره بعض هذه الأوجه-: «وأولى هذه الوجوه كلها بالصحة: أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول، ويكون معناه: مشهودًا له بالجنة، أو يشهد عليه النبي ﵇، كما قال: «هؤلاء أنا شهيد عليهم»، أي: قّيم عليهم بالشهادة لهم، وإذا حشروا تحت لوائه، فهو وال عليهم، وإن كان شاهدًا لهم، فمن ههنا اتصل الفعل بعلى، فتقوى هذا الوجه من جهة الخبر، ومن وجه آخر من العربية؛ وهو أن النبي? حين ذكر الشهداء قال: «والمرأة تموت بجمع شهيد» (١٥)، ولم يقل: شهيدة، وفي رواية أخرى قال: «والنفساء شهيد، يجرها جنينها بسرره إلى الجنة» (١٦)، ولم يقل: شهيدة، وفعيل إذا كان صفة لمؤنث كان بغير هاء إذا كان بمعنى مفعول، نحو امرأة قتيل وجريح، وإن كان بمعنى فاعل، كان بالهاء، كقولهم: امرأة عليمة ورحيمة، ونحو ذلك.

стр. 1131

فدل على أن الشهيد مشهود له، ومشهود عليه، وهذا استقراء من اللغة صحيح، واستنباط من الحديث بديع، فقف عليه (١). وقد أشاد بهذا القول الزبيدي (٢) ﵀ فقال - بعد ذكره الخلاف في ذلك-: «وذكر أكثر من ذلك محررًا مهذبًا: الشيخ أبو القاسم السهيلي في الروض الأنف بما لا مزيد عليه» (٣). وتعدّ لفظة "شهيد" لفظة عامة يدخل تحتها جميع من أثبت له الشارع صفة الشهادة، لكن الفقهاء ﵏ لهم اصطلاح خاص في تسمية الشهيد الذي يأخذ أحكامًا تخصه عن سائر الموتى. وقد اختلفوا في تحديد الشروط والضوابط التي تحدد مفهوم الشهيد بالمعنى الاصطلاحي، ولذا فإنهم قد اختلفت تعريفاتهم حسب شرط كل مذهب، وسوف نعرض هنا لبعض هذه التعريفات -إن شاء الله- على وجه الاختصار والإجمال: أولا: التعريف الاصطلاحي للشهيد عند الحنفية: اختلفت عبارات الحنفية في تحديد مفهوم الشهيد عندهم، ولعل أحسنها وأشملها: تعريف ابن عابدين (٤)، الذي عرفه بقوله: «هو كل مكلف، مسلم، طاهر، قتل ظلمًا، بجارحة، ولم يجب بنفس القتل مال، ولم يرتث (٥)» (٦)، «وكذا لو قتله باغ أو حربي أو قاطع طريق ولو تسببًا أو بغير آلة جارحة» (٧). ثانيا: التعريف الاصطلاحي للشهيد عند المالكية: جاء في وصف الشهيد الذي لا يغسل ولا يصلى عليه قول خليل (٨)، هو: «شهيد معترك فقط، ولو ببلد الإسلام أو لم يقاتل، وإن أجنب على الأحسن، إلا إن رفع حيًا، وإن أنفذت مقاتله، إلا المغمور ... » (٩). ثالثا: التعريف الاصطلاحي للشهيد عند الشافعية: عرفه الإمام النووي (١٠) ﵀ بأنه: «من مات بسبب قتال الكفار حال قيام القتال» (١١). رابعا: التعريف الاصطلاحي للشهيد عند الحنابلة: عرّف ابن مفلح (١٢) ﵀ الشهيد بأنه: «من قتل بأيدي الكفار في معركتهم» (١٣).

стр. 1132

وتعاريف الفقهاء ﵏ للشهيد بالمعنى الاصطلاحي ليست بجامعة ولا مانعة عدا الحنفية، ولعل ذلك -والله أعلم- لكثرة الخلاف في ضابط الشهيد، والاختلاف في أكثر صوره. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: النهي عن القول بأن الذين قتلوا في سبيل الله أموات؛ وهو يشمل القول بالقلب - وهو الاعتقاد، والقول باللسان - وهو النطق. ٢ - ومنها: التنبيه على الإخلاص في القتال؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾؛ وقد سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (١)؛ وهذه مسألة مهمة؛ لأن كثيراً من الناس قد يقصد أن هذا جهاد، فيخرج؛ لأنه جهاد وقتال لأعداء الله؛ لكن كونه يشعر بأن هذا في سبيل الله - أي في الطريق الموصل إلى الله أبلغ. ٣ - ومن فوائد الآية: إثبات حياة الشهداء؛ لكنها حياة برزخية لا تماثل حياة الدنيا؛ بل هي أجلّ، وأعظم، ولا تعلم كيفيتها. ٤ - ومنها: أن ثواب الله للعامل أجلُّ، وأعلى؛ وذلك؛ لأن الشهيد عرض نفسه للموت ابتغاء ثواب الله؛ فأثابه الله، حيث جعله حياً بعد موته حياة برزخية أكمل من حياة الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩]. ٥ - ومنها: إثبات الحياة البرزخية؛ لقوله تعالى: ﴿بل أحياء﴾؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه إذا دفن الإنسان رد الله عليه روحه، وجاءه ملكان يسألانه عن ربه، ودينه، ونبيه (٢). ٦ - ومنها: إثبات نعيم القبر؛ لقوله تعالى: ﴿بل إحياء﴾. ٧ - ومنها: أن أحوال البرزخ، وعالم الغيب غير معلومة لنا، ولا نشعر بها إلا ما علمنا الله ورسوله. القرآن ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة: ١٥٥] التفسير: ولنختبرنكم بشيء يسير من الخوف، ومن الجوع، وبنقص من الأموال بتعسر الحصول عليها، أو ذهابها، ومن الأنفس: بالموت أو الشهادة في سبيل الله، وبنقص من ثمرات النخيل والأعناب والحبوب، بقلَّة ناتجها أو فسادها. وبشِّر -أيها النبي- الصابرين على هذا وأمثاله بما يفرحهم ويَسُرُّهم من حسن العاقبة في الدنيا والآخرة. في سبب نزول الآية: قال الماوردي: " لما تقدم من دعاء النبي ﷺ أن يجعلها عليهم سنين كسني يوسفَ (٣) حين قحطوا سبع سنين، فقال الله تعالى مجيباً لدعاء نبيه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالجُوعِ﴾، الخوف يعني الفزع في القتال، والجوع يعني المجاعة بالجدب " (٤).

стр. 1133

وعبّر عنه أبو حيان بقوله: " وقيل: هؤلاء أهل مكة، خاطبهم بذلك إعلاماً أنه أجاب دعوة نبيه ﷺ فيهم، وليبقوا يتوقعون المصيبة، فتضاعف عليهم المصيبات" (١). قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٥]، " أي ولنختبرنكم (٢). قال الثعلبي: أي: " ولنختبرنكم يا أمة محمد" (٣). قال ابن عطية: "معناه: لنمتحننكم" (٤). قال المراغي: " أي والله لنمتحننكم" (٥). قال أبو السعود: أي: " لنصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم، أتصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء" (٦). قال القرطبي: أي: "لنمتحننكم لنعلم المجاهد والصابر علم معاينة حتى يقع عليه الجزاء، والبلاء يكون حسنا ويكون سيئا. وأصله المحنة" (٧). قال ابن كثير: "إذ "أخبر تعالى أنه يبتلي عباده المؤمنين، أي: يختبرهم ويمتحنهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] فتارة بالسراء، وتارة بالضراء" (٨). قال ابن عباس: " أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دارُ بلاء، وأنه مبتليهم فيها، وأمرَهم بالصبر وبَشّرهم فقال: ﴿وبشر الصابرين﴾، ثم أخبرهم أنه فعل هكذا بأنبيائه وصَفوته، لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ " (٩). واختلف النحويون في فتح (الواو) في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٥]، على قولين (١٠): أحدهما: . أنها مفتوحة لالتقاء الساكنين. قاله سيبويه (١١). الثاني: وقال آخرون: أنها مبنيه علي الفتح. قال الزجاج: "فالذين قالوا إنها مبنية على الفتح غير خارجين من قول سيبويه، وكلا القولين جائز" (١٢). قوله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ﴾ [البقرة: ١٥٠]، " بشيءٍ يسير من ألوان البلاء" (١٣). قال الزمخشري: أي: "بِشَيْءٍ قليل (١٤) من كل واحد من هذه البلايا، و (شيء) هنا للتقليل؛ ويحتمل أن يكون للتكثير. قال أبو السعود: " أي بقليل من ذلك فإن ما وقاهم عنه أكثر بالنسبة إلى ما أصابهم بألف مرة وكذا ما يصيب به معانديهم وإنما أخبر به قبل الوقوع ليوطنوا عليه نفوسهم ويزداد يقينهم عند مشاهدتهم له حسبما أخبر به وليعلموا أنه شيء يسير له عاقبة حميدة" (١٥).

стр. 1134

قال ابن عطية: " فالمراد بشيء من هذا وشيء من هذا فاكتفى بالأول إيجازا ولذلك وحد" (١). وقرأ الضحاك: ﴿بأشياء﴾، على الجمع، والمعنى قريب بعضه من بعض (٢). وإنما قال ﴿بِشَيْءٍ﴾ على الوحدان، ولم يقل بأشياء على الجمع لوجهين (٣): الأول: لئلا يوهم بأشياء من كل واحد، فيدل على ضروب الخوف والتقدير بشيء من كذا وشيء من كذا. الثاني: معناه بشيء قليل من هذه الأشياء. وقال الإمام الطبري: "وإنما قال تعالى ذكره: " بشيء من الخوف " ولم يقل بأشياء، لاختلاف أنواع ما أعلم عبادَه أنه مُمتحنهم به. فلما كان ذلك مختلفًا - وكانت " مِن " تَدلّ على أنّ كل نوع منها مُضمر " شيء "، فإنّ معنى ذلك: ولنبلونكم بشيء من الخوف، وبشيء من الجوع، وبشيء من نقص الأموال - اكتفى بدلالة ذكر " الشيء " في أوله، من إعادته مع كل نوع منها، ففعل تعالى ذكره كل ذلك بهم، وامتحنهم بضروب المحَن" (٤). قوله تعالى: ﴿مِنَ الْخَوْفِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، أي: "وشيء من الخوف" (٥). قال ابن عطية: " يعني من الأعداء في الحروب" (٦). قال الطبري: يعني: من الخوف من العدو" (٧). قال ابن عثيمين: معناه: "الذُّعْر؛ وهو شامل للخوف العام، والخوف الخاص؛ الخوف العام: كأن تكون البلاد مهددة بعدو؛ والخوف الخاص: كأن يكون الإنسان يبتلى بنفسه بمن يخيفه ويروعه" (٨). قال ابن عباس: " ﴿الخوف﴾: يعني: خوف العدو" (٩). قال الشافعي: "خوف العدو" (١٠). قال النسفي: " خوف الله والعدو" (١١). قوله تعالى: ﴿وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، أي: "وشيء من الجوع"" (١٢). قال الطبري: "وهو القحط، يقول: وبسَنه تُصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة، وتتعذر المطالب عليكم" (١٣). وفي قوله تعالى: : ﴿وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، وجهان: أحدهما: أن المراد: الجوع بسبب يعني المجاعة والقحط. وهذا في قول ابن عباس (١٤). والثاني: أنه الجوع في شهر رمضان. قاله الشافعي (١٥).

стр. 1135

قال ابن عطية: أي: " الجدب والسنة، وأما الحاجة إلى الأكل فإنما اسمها الغرث، وقد استعمل فيه المحدثون الجوع اتساعا" (١). قال النسفي: أي: " أي القحط أو صوم شهر رمضان" (٢). و﴿الْجُوعِ﴾: "هو خلو البطن من الطعام مع شدة اشتهائه؛ وهو ضد «الشِّبع»؛ وله أسباب؛ السبب الأول: قلة الطعام؛ والسبب الثاني: قلة المال الذي يحصل به الطعام؛ والسبب الثالث: أن يصاب الإنسان بمرض يمنعه من الطعام إما لقلة الشهية؛ وإما للعجز عن استساغه لسدَدٍ في الحلق، أو قروح في المعدة، أو غير ذلك؛ والجوع لا يدرك أثره إلا من جربه؛ بل كل المصائب لا يدرك أثرها إلا من جربها؛ أما من لم يجرب فإنه لا يشعر بآثار المصائب؛ ولهذا قيل: وبضدها تتبين الأشياء" (٣). قوله تعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، أي: و"وذهاب بعض الأموال" (٤). قال الزجاج: أي"وشيء من تقص الأموال" (٥). قال ابن عطية: أي: " بالجوائح والمصائب" (٦). قال أبو السعود: أي: بـ" الزكاة والصدقات" (٧). قال ابن كثير: "أي "ذهاب بعضها" (٨). قال الثعلبي: " يعني الخسران والنقصان في المال، وهلاك المواشي" (٩). قال النسفي: " بموت المواشي أو الزكاة، وهو عطف على شيء، أو على الخوف أي وشيء من نقص الأموال" (١٠). أخرج ابن أبي حاتم عن رجاء بن حيوة: " ﴿ونقص من الثمرات﴾، قال: حتى لا تحمل النخلة إلا ثمرة واحدة" (١١). وفي سبب نقص الأموال أقوال: أحدها: أن ذلك بسبب الاشتغال بقتال الكفار (١٢). الثاني: وقيل: بالجوائح المتلفة. الثالث: بالزكاة المفروضة. قاله الشافعي (١٣). و﴿الأموال﴾: "جمع (مال)؛ وهو كل ما يتموله الإنسان من نقود، ومتاع، وحيوان" (١٤). قوله تعالى: ﴿وَالأَنْفُسِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، أي: " وموت بعض الأحباب" (١٥).

стр. 1136

قال ابن عطية: اي: " بالموت والقتل" (١). قال أبو السعود: أي بـ" الأمراض" (٢). قال الطبري: أي: "موتُ ذراريكم وأولادكم" (٣). قال النسفي: أي: " بالقتل والموت، أو بالمرض والشيب" (٤). وفي نقص الأنفس، ثلاثة أقوال: أحدهما: يعني: بالقتل والموت في الجهاد. قاله ابن عباس (٥). الثاني: يعني بالأمراض. قاله الشافعي (٦). الثالث: وقيل: الشيب (٧). و﴿الأنفس﴾: "جمع (نفس)؛ والمراد: الأرواح، كالأمراض الفتاكة التي تهلك بها أمم، مثل الطاعون، وغيره" (٨). قوله تعالى: ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، أي: " وضياع بعض الزروع والثمار" (٩). قال ابن عباس: "المراد: قلة النبات وانقطاع البركات" (١٠). قال الطبري: " وجُدوب تحدُث، فتنقص لها ثماركم " (١١). قال ابن عطية: أي: " بالعاهات ونزع البركة" (١٢). قال الثعلبي: " يعني [الحوائج]، وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج" (١٣). قال ابن كثير: فـ"لا تُغِلّ الحدائق والمزارع كعادتها، كما قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة. وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه الله ومن قنط أحل الله به عقابه" (١٤). قال النسفي: أي: " ثمرات الحرث أو موت الأولاد لأن الولد ثمرة الفؤاد" (١٥). و﴿الثمرات﴾: "جمع (ثمرة)؛ وهي "ما ينتج من أشجار النخيل، والأعناب، وغيرهما، بأن تأتي كوارث تنقص بها هذه الثمار، أو تتلف" (١٦). وفي نقص ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾، قولان: أحدهما: أنها نقص من ثمار الأشجار.

стр. 1137

قال القاسمي: " أي بأن لا نغلّ الحدائق كعادتها، للغيبة عنها في سبيل الله، وفقد من يتعاهدها، وخصت بالذكر لأنها أعظم أموال الأنصار الذين هم أخص الناس بهذا الذكر، لا سيما في وقت نزول هذه الآيات. وهو أول زمان الهجرة" (١). الثاني: أن"المراد موت الأولاد". قاله الشافعي (٢)، وولد الرجل ثمرة قلبه (٣). والقول الثاني ضعيف، لأنه صرف عن ظاهر اللفظ، وقد اعترض عليه ابن كثير (٤)، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، " أي: وبشر الصابرين على المصائب والبلايا بجنات النعيم" (٥). قال سعيد بن جبير: " يعني: بشرهم بالجنة" (٦). قال الطبري: أي" يا محمد، بشّر الصابرين على امتحاني بما أمتحنهم به" (٧). قال الثعلبي: أي الصابرين"على البلايا والرزايا" (٨). قال القرطبي: أي "بالثواب على الصبر، والصبر أصله الحبس، وثوابه غير مقدر" (٩). قال الزجاج: أي: " بالصلاة عليهم من ربهم والرحمة وبأنهم المهتدون" (١٠). قال الزمخشري: " والخطاب لرسول اللَّه ﷺ ، أو لكل من يتأتى منه البشارة" (١١). قال أبو حيان: " خطاب للنبي ﷺ ، أو لكل من تتأتى منه البشارة، أي على الجهاد بالنصر، أو على الطاعة بالجزاء، أو على المصائب بالثواب، أقوال: والأحسن عدم التقييد، أي كل من صبر صبراً محموداً شرعاً، فهو مندرج في الصابرين" (١٢). وأصل (التبشير): "إخبار الرجل الرجلَ الخبرَ، يَسرّه أو يسوءه، لم يسبقه به إلى غيره" (١٣).

стр. 1138

ونرى بأن هذه المصائب الخمس (الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ) والجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: (القسم، واللام، والنون)؛ والتقدير: واللَّهِ لنبلونكم؛ والفعل هنا مع نون التوكيد مبني على الفتح؛ و (نبلو) بمعنى نختبر. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: ابتلاء العباد بما ذكر الله من الخوف، والجوع، ونقص الأموال، والأنفس، والثمرات، وهو لمن وقع به ظاهر؛ ولغيرهم يكون الابتلاء بالاعتبار، والخوف أن يقع بهم مثل ما وقع بالذين ابتلوا. ٢ - ومنها: أن الناس ينقسمون عند المصائب إلى قسمين: صابر، وساخط؛ وقد جاء في الحديث: «من رضي فله الرضا؛ ومن سخط فله السخط» (١)؛ فالصبر على المصائب واجب؛ وقد ذكر العلماء أن للإنسان عند المصيبة أربعة مقامات: المقام الأول: الصبر - وهو واجب. المقام الثاني: الرضا - وهو سنة على القول الراجح؛ والفرق بينه، والصبر، أن الصابر يتجرع مرارة الصبر، ويشق عليه ما وقع؛ ولكنه يحبس نفسه عن السخط؛ وأما الراضي: فإن المصيبة باردة على قلبه لم يتجرع مرارة الصبر عليه؛ فهو أكمل حالاً من الصابر. المقام الثالث: الشكر: بأن يشكر الله على المصيبة. فإن قيل: كيف يشكره على المصيبة؟ فالجواب: أن ذلك من وجوه: منها: أن ينسبها إلى ما هو أعظم منها؛ فينسب مصيبة الدنيا إلى مصيبة الدين؛ فتكون أهون؛ فيشكر الله أن لم يجعل المصيبة في الأشد. ومنها: احتساب الأجر على المصيبة بأنه كلما عظم المصاب كثر الثواب؛ ولهذا ذكروا عن بعض العابدات أنها أصيبت بمصيبة، ولم يظهر عليها أثر الجزع؛ فقيل لها في ذلك، فقالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها. المقام الرابع: السخط - وهو محرم - بل من كبائر الذنوب؛ فقد قال النبي ﷺ : «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٢). ٣ - ومن فوائد الآية: البشرى للصابرين. القرآن ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦] التفسير: من صفة هؤلاء الصابرين أنهم إذا أصابهم شيء يكرهونه قالوا: إنَّا عبيد مملوكون لله، مدبَّرون بأمره وتصريفه، يفعل بنا ما يشاء، وإنا إليه راجعون بالموت، ثم بالبعث للحساب والجزاء. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦]، "أي نزل بهم كرب أو بلاء أو مكروه" (٣). قال مقاتل: " يعني فيما ذكر من هذه الآية" (٤). قال الآلوسي: " إشارة إلى أن الأجر لمن صبر وقت إصابتها، كما

стр. 1139

في الخبر «إنما الصبر عند أول صدمة» (١) " (٢). قال البيضاوي: " الخطاب للرسول ﷺ ، أو لمن تتأتى منه البشارة" (٣). قال الراغب: " المصيبة: من: أصاب السهم، إذا بلغ على صواب، وهي في الأصل صفة، وليس يريد بالقول اللفظ فقط، فإن التلفظ بذلك مع الجزع القبيح والسخط للقضاء ليس يعني شيئاً وإنما يريد تصور ما خلق الإنسان لأجله، والقصد له والاستهانة بما يعرض في طريق الوصول، فأمر تعالى ببشارة من اكتسب العلوم الحقيقية وتصورها، وتصور بها المقصد ووطن نفسه عليه" (٤). قال القرطبي: "و (المصيبة): كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه، يقال: أصابه إصابة ومصابة ومصابا. والمصيبة واحدة المصائب. والمصوبة "بضم الصاد" مثل المصيبة. وأجمعت العرب على همز المصائب، وأصله الواو، كأنهم شبهوا الأصلي بالزائد، ويجمع على مصاوب، وهو الأصل. والمصاب الإصابة، قال الشاعر (٥): أَظُلَيْمُ إن مُصَابَكم رَجُلا ... أَهْدَى السّلامَ تحيَّةً ظُلْمُ وصاب السهم القرطاس يصيب صيبا، لغة في أصابه (٦)، والمصيبة: النكبة ينكبها الإنسان وإن صغرت، وتستعمل في الشر" (٧). قال أبو حيان: " و (المصيبة): كل ما أذى المؤمن في نفس أو مال أو أهل، صغرت أو كبرت، حتى انطفاء المصباح لمن يحتاجه يسمى: مصيبة. وروي ذلك عن النبي ﷺ ، أنه استرجع عند انطفاء مصباحه (٨) " (٩). وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁، سمع رسول الله ﷺ يقول: " ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب، ولا همٍ، ولا حزن، ولا أذىً، ولا غم, حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه" (١٠)، والنصب التعب، والوصب: المرض، وقيل هو المرض اللازم (١١). وإن قيل: ولم قلت إن الأمر بالصبر يقتضي العلم، وما الصبر من العلم؟ قيل: "الصبر على الحقيقة إنما يكون لمن عرف فضيلة مطلوبة، ولهذا قال الخضر لموسى لما علم أن ليس يرف مقصده في فعله قال: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧ - ٦٨]، فدل أن حقيقة تحمل الصبر لأبد له من معرفة المقصود به" (١٢). قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا للَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٦]، أي: إنا لله" عبيدا وملكا" (١٣). قال الصابوني: "أي استرجعوا وأقروا بأنهم عبيد الله يفعل بهم ما يشاء" (١٤).

стр. 1140

قال ابن عثيمين: أي قالوا: بقلوبهم، وألسنتهم إنا ملك لله يفعل بنا ما يشاء، " (١). قال الزجاج: " أي نحن وأموالنا لله ونحن عبيده يصنع بنا ما شاء، وفي ذلك صلاح لنا وخير" (٢). قال أبو حيان: " معناه الإقرار بالملك والعبودية لله، فهو المتصرّف فينا بما يريد من الأمور" (٣). قال أهل العلم: "إن إسناد الإصابة إلى المصيبة، لا إلى الله تعالى، ليعم ما كان من الله، وما كان من غيره. فما كان من الله فهو داخل تحت قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾، لأن في الإقرار بالعبودية تفويضاً للأمور إليه، وما كان من غيره فتكليفه أن يرجع إلى الله في الإنصاف منه، ولا يتعدى" (٤). وقد أمال نصير (النون) في قوله ﴿إنا لله﴾، فأمال قتيبة ﴿النون واللام﴾ جميعا، فخمها الباقون (٥). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، أي: " وإنا إليه صائرون فنرجو ثوابه" (٦). قال الزجاج: " أي نحن مصدقون بأنا نبعث ونعطي الثواب على تصديقنا، والصبر على ما ابتلانا به" (٧). قال الثعلبي: أي" ﴿وإنا إليه راجعون﴾ في الآخرة" (٨). قال ابن كثير: " أي: تسلَّوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنَّهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثْقال ذرَّة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة" (٩). قال أبو حيان: " إقرار بالبعث وتنبيه على مصيبة الموت التي هي أعظم المصائب، وتذكير أن ما أصاب الإنسان دونها فهو قريب ينبغي أن يصير له" (١٠). قال البيضاوي: " وليس الصبر بالاسترجاع باللسان، بل به وبالقلب بأن يتصور ما خلق لأجله، وأنه راجع إلى ربه، ويتذكر نعم الله عليه ليرى أن ما أبقى عليه أضعاف ما استرده منه فيهون على نفسه، ويستسلم له" (١١). قال أبو السعود: " وليس الصبر هو الاسترجاع باللسان بل بالقلب بأن يتصور ما خلق له وأنه راجع إلى ربه ويتذكر نعم الله تعالى عليه ويرى أن ما أبقى عليه اضعاف ما استرده منه فيهون ذلك على نفسه ويستسلم" (١٢). قال ابن عطية: " جعل هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب وعصمة للممتحنين لما جمعت من المعاني المباركة، وذلك توحيد الله والإقرار له بالعبودية والبعث من القبور واليقين بأن رجوع الأمر كله إليه كما هو له" (١٣).

стр. 1141

وقال سعيد بن جبير: " مَا أعطِيَ أحدٌ ما أعطيت هذه الأمة: ﴿الذينَ إذا أصابتهم مصيبه قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صَلواتٌ من رَبهم وَرحمة﴾، ولو أعطيها أحدٌ لأعطيها يعقوب ﵇، ألم تسمعْ إلى قوله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [سورة يوسف: ٨٤] " (١). قال أبو بكر الوراق: " ﴿إنا لله﴾: اقرار منا له بالملك، ﴿وإنا إليه راجعون﴾: في الآخرة، إقرار على أنفسنا بالهلاك" (٢). قال ﵇: " من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلقاً يرضاه " (٣). وعن جويبر، عن الضحاك، قال: "كتب إليه رجل يسأله عن هذه الآية الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أخاصة هي؟ أو عامة؟ قال: هي لمن آمن بالتقوى وأدى الفرائض" (٤). قال الراغب: "وحقيقة الرجوع إليه تتبين في قوله- ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ فهو أدق معنى مما قدره من قال: (إنا راجعون) إلى أن لا يملك أمورنا غيره كما كنا في الابتداء، فجعل ذلك رجوعأ لهم" (٥). قال القرطبي: جعل الله تعالى هذه الكلمات: ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين: لما جمعت من المعاني المباركة، فإن قوله: (إِنَّا لِلَّهِ) توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له" (٦). وللمفسرين في هاتين الجملتين المقولتين: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، أقوال (٧): أحدها: أن نفوسنا وأموالنا وأهلينا لله لا يظلمنا فيما يصنعه بنا. الثاني: أسلمنا الأمر لله ورضينا بقضائه، ﴿وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ يعني: للبعث لثواب المحسن ومعاقبة المسيء. الثالث: راجعون إليه في جبر المصاب وإجزال الثواب. الرابع: أن معناه إقرار بالمملكة في قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾، وإقرار بالهلكة في قوله: ﴿وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. قال أبو حيان: " واشتملت الآية على فرض ونفل. فالفرض: التسليم لأمر الله، والرضا بقدره، والصبر على أداء فرائضه. والنفل: إظهاراً لقول ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وفي إظهاره فوائد منها: غيظ الكفار لعلمهم بجده في طاعة الله" (٨). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن من سمة الصابرين تفويض أمرهم إلى الله بقلوبهم، وألسنتهم إذا أصابتهم المصائب؛ لقوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾. ٢ - ومنها: مشروعية هذا القول؛ وقد جاءت السنة بزيادة: «اللهم أْجُرني في مصيبتي» - أي أثبني عليها - «وأخلف لي» بقطع الهمزة - أي اجعل لي خلفاً «خيراً منها» (٩) والدليل على هذا قصة أم سلمة رضي الله

стр. 1142

عنها: كانت تحب زوجها ابن عمها أبا سلمة محبة شديدة؛ ولما مات - وكان النبي ﷺ قد حدثها بهذا الحديث - قالت: «اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها»؛ فكانت تفكر في نفسها، وتقول: من يصير خيراً من أبي سلمة! ! ! وهي مؤمنة في نفسها أن ما قاله النبي ﷺ حق؛ لكن لا تدري من هو؛ وما كان يجول في فكرها أن الرسول ﷺ سيكون هو الخلف؛ فأخلف الله لها خيراً من زوجها؛ فإذا قالها الإنسان مؤمناً محتسباً أجرَه الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها (١). القرآن ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧] التفسير: أولئك الصابرون لهم ثناء من ربهم ورحمة عظيمة منه سبحانه، وأولئك هم المهتدون إلى الرشاد. قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، " أي أولئك الموصوفون بما ذكر لهم ثناء وتمجيد ورحمة من الله" (٢). قال أبو العالية: " يقول: فالصلوات والرحمة على الذين صبروا واسترجعوا" (٣). وروي عن الربيع (٤) مثل ذلك. وعن سعيد بن جبير في قوله: " ﴿ورحمة﴾، يعني: رحمة لهم وأمنة من العذاب" (٥). قال المراغي: أي "أولئك الصابرون لهم من ربهم مغفرة ومدح على ما فعلوا، ورحمة يجدون أثرها في برد القلوب عند نزول المصيبة" (٦). قال الثعلبي: " أي أهل هذه الصفة، ﴿عليهم صلوات﴾ " (٧). وقيل: أراد بالرحمة كشف الكربة وقضاء الحاجة (٨). قال ابن عطية: " وصلوات الله على عبده: عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة، وكرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيدا، وهي من أعظم أجزاء الصلاة منه تعالى، وشهد لهم بالاهتداء" (٩).

стр. 1143

قال القرطبي: " وصلاة الله على عبده: عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة. وقال الزجاج: الصلاة من الله الغفران والثناء الحسن. ومن هذا الصلاة على الميت إنما هو الثناء عليه والدعاء له" (١). قال الطبري: " وصلوات الله على عباده، غُفرانه لعباده، كالذي روي عن النبي ﷺ أنه قال: " اللهم صَلِّ على آل أبي أوْفى" (٢)، يعني: اغفر لَهم" (٣). قال البيضاوي: " الأصل [في الصلاة]: الدعاء، ومن الله تعالى التزكية والمغفرة، وجمعها للتنبيه على كثرتها وتنوعها. والمراد بالرحمة اللطف والإِحسان" (٤). قال الزجاج: " الصلاة في اللغة على ضرببن: أحدهما الركوع والسجود. والآخر: الرحمةوالثناء والدعاء. فصلاة الناس على الميت إنما معناها الدعاء، والثناء على الله صلاة، والصلاة من الله على أنبيائه وعباده معناها الرحمة لهم، والثناء عليهم" (٥). وقد اختلف في أصل (الصلاة)، على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنها: الدُّعاءُ، كما قال الأعشى (٦): لَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَهَا ... وَإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا يعني بذلك: دعا لها، وكقول الأعشى أيضًا (٧): وَقَابَلَهَا الرِّيحَ فِي دَنِّهَا ... وصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ قال الطبري: " وأرى أن الصلاة المفروضة سُمِّيت " صلاة "، لأنّ المصلِّي متعرِّض لاستنجاح طَلِبتَه من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل رَبَّه من حاجاته، تعرُّضَ الداعي بدعائه ربَّه استنجاحَ حاجاته وسؤلَهُ" (٨). الثاني: أنها من الرحمة. قاله أبو عبية (٩)، واحتجّ بقول الأعشى (١٠): تقولُ بنتي وقد قَرّبْتُ مُرْتَحِلًا ... يا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأوصابَ والوجعا عليكِ مِثْلُ الذي صلَّيتِ فاغتمضي ... نومًا فإنّ لجنب المرء مضطجَعا قال: عليك مثل دعائك، أي: ينالك من الخير مثل الذي أردت لي. فأبو عبيدة يجعل صليت بمعنى: ترحمت (١١).

стр. 1144

والقولان الأول والثاني: قريبان من البعض، " لأن المترحم على الإنسان داعٍ له، والداعي للإنسان مترحّم عليه" (١). والثالث: أنها: مأخوذة من: الصّلا، وهو عرق في وسط الظهر، ويفترق عند العجب فيكتنفه، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل، لأنه يأتي مع صلوي السابق، فاشتقّت الصلاة منه، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلّي من الخيل، وإما لأن الراكع والساجد صلواه" (٢). قال ابن عطية: " والقول إنها من الدعاء أحسن (٣). قال ابن عثيمين: "وجاءت بلفظ الإشارة ﴿أُولئِكَ﴾، للبعيد للدلالة على علو مرتبتهم، ومنزلتهم" (٤). وقد تعددت عبارات المفسرين في قوله تعالى: ﴿صَلَواتٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، هاهنا، على أقوال: أحدها: يعني مغفرة من ربهم. قاله ابن جبير (٥)، ومقاتل (٦)، وابن عباس (٧). ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] يعني "استغفر لهم إن استغفارك سكن لهم" (٨). الثاني: أنها الثناء. قاله ابن كيسان (٩). الثالث: أنها: الغفران والثناء الحسن. قاله الزجاج (١٠). وأصح الأقوال فيها أن المراد بها الثناء عليهم في الملأ الأعلى؛ والمعنى أن الله يثني على هؤلاء في الملأ الأعلى رفعاً لذكرهم، وإعلاءً لشأنهم (١١). والله أعلم. وفي قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، وجهان: أحدهما: ونعمة. قاله ابن عباس (١٢). الثاني: أن الصلاة والرحمة معناهما واحد، وإنما ذكرهما لاختلاف اللفظين كقول الحطيئة (١٣): ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد والنأي: هو البعد بعينه. وهذا قول ابن كيسان (١٤). ومنه قول ذي الرمة (١٥): لمياءُ في شفتيها حوَّة لَعَسٌ ... وفي اللثات وفي أنيابها شَنَبُ فاللعَس حُوَّة، فكرر لما اختلف اللفظان (١٦).

стр. 1145

ومثله قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠]. فذكر السر والنجوى، لإشباع المعنى، والاتساع في اللفظ (١). وكما قال: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]، فعطف قوله: ﴿وبينات﴾، على ﴿هدى﴾، هو من عطف الخاص على العام؛ لأن (الهدى) منه خفي ومنه جلي، فنص بـ (البينات) على الجلي من الهدى؛ لأن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، فذكر عليه أشرف أنواعه، وهو الذي يتبين الحلال والحرام والموعظة. قال السمين الحلبي معللاً الغرض من هذا العطف: "لأن الهدى يكون بالأشياء الخفية والجلية، والبينات من الأشياء الجلية" (٢). فيمكن القول بأن تكرار ﴿لرحمة﴾ في قوله تعالى: ﴿صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، هو لما اختلف اللفظ، تأكيدا وإشباعا للمعنى، أي: "من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الثناء عليهم في الملأ الأعلى من الرحمة" (٣). والصلاة منّا: دعاء، ومن الله تعالى: رحمة، وأنشد الأزهري في تفسير هذه الآية قول الشاعر (٤): صلّى على يحيى وأشياعه ... ربٌّ كريمٌ وشفيعٌ مُطاعْ معناه: ترحم عليه على الدعاء، لا على الخبر (٥). قال ثعلب عن ابن الأعرابي: "الصلاة من الله رحمة، ومن المخلوقين: الملائكة والإنس والجن القيام والركوع والسجود والدعاء والتسبيح، ومن الطير والهوام: التسبيح، ومنه قوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] " (٦). قال الواحدي: " فالصلاة لها معانٍ بالتدريج، أصلها: الدعاء، ثم صارت الرحمة، لما ذكرنا من أن الداعي مترحّم، ثم صارت للمغفرة؛ لأن الترحم يوجب المغفرة، ومن ترحم الله عليه غفر له" (٧). قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]، أي وأولئك" هم المهتدون إِلى طريق السعادة" (٨). قال سعيد بن جبير: " يعني: من المهتدين بالاسترجاع عند المصيبة" (٩). قال البيضاوي: مهتدون" للحق والصواب حيث استرجعوا وسلموا لقضاء الله تعالى" (١٠). قال الطبري: أي: أولئك الموصوفون بالصبر المذكور هم "المصيبون طريق الحقّ" (١١). قال ابن عثمين: " أي الذين اهتدوا إلى طريق الحق؛ فإن هذا الكلام الذي يقولونه مع الصبر هو الهداية" (١٢). واختلف في قوله تعالى: : ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]، على وجوه (١٣):

стр. 1146

أحدها: أنهم المهتدون إلى الاسترجاع. وهذا قول سعيد بن جبير (١)، ومقاتل (٢). الثاني: وقيل: إلى الجنة والثواب. الثالث: وقيل: إلى الحق والصواب. الرابع: المهتدون إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن (٣). الخامس: المهتدون إلى استحقاق الثواب وإجزال الأجر (٤). وكان عمر بن الخطاب إذا قرأ هذه الآية قال: " نعم العدلان، ونعم العلاوة" (٥). قال ابن عطية: " أراد بالعدلين: الصلاة والرحمة، وبالعلاوة: الاهتداء" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بيان حكمة الله فيما يبتلي به العباد. ٢ - ومنها: عظم ثواب الصبر؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾. ٣ - ومنها: إثبات رحمة الله ؛ وهي صفة حقيقية ثابتة لله؛ بها يرحم من يشاء من عباده؛ ومن آثارها حصول النعم، واندفاع النقم. ٤ - ومنها: الثناء على الصابرين بأنهم هم المهتدون الذين اهتدوا إلى ما فيه رضا الله وثوابه. ٥ - قال الشيخ السعدي: " ودلت هذه الآية، على أن من لم يصبر، فله ضد ما لهم، فحصل له الذم من الله، والعقوبة، والضلال والخسار، فما أعظم الفرق بين الفريقين وما أقل تعب الصابرين، وأعظم عناء الجازعين، فقد اشتملت هاتان الآيتان على توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها، لتخف وتسهل، إذا وقعت، وبيان ما تقابل به، إذا وقعت، وهو الصبر، وبيان ما يعين على الصبر، وما للصابر من الأجر، ويعلم حال غير الصابر، بضد حال الصابر، وأن هذا الابتلاء والامتحان، سنة الله التي قد خلت، ولن تجد لسنة الله تبديلا وبيان أنواع المصائب" (٧). القرآن ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨] التفسير: إن الصفا والمروة- وهما جبلان صغيران قرب الكعبة من جهة الشرق- من معالم دين الله الظاهرة التي تعبَّد الله عباده بالسعي بينهما. فمَن قصد الكعبة حاجًّا أو معتمرًا، فلا إثم عليه ولا حرج في أن يسعى بينهما، بل يجب عليه ذلك، ومن فعل الطاعات طواعية من نفسه مخلصًا بها لله تعالى، فإن الله تعالى شاكر يثيب على القليل بالكثير، عليم بأعمال عباده فلا يضعها، ولا يبخس أحدًا مثقال ذرة. اختلف في سبب نزول هذه الآية على أقوال (٨): أحدها: قالت: عائشة-﵂: "أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٩).

стр. 1147

الثاني: قال الشعبي: "أن وَثَنًا كان في الجاهلية على الصفا يسمى (إسافًا)، ووثنًا على المرْوة يسمى (نائلة)، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مَسحوا الوثَنين. فلما جاء الإسلام وكُسرت الأوثان، قال المسلمون: إنّ الصفا والمرْوة إنما كانَ يُطاف بهما من أجل الوَثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر! قال: فأنزل الله: إنهما من الشعائر، " فمن حَجّ البيتَ أو اعتمر فلا جُناحَ عليه أن يطوّف بهما " (١). وروي عن عامر (٢)، ويزيد (٣)، وأنس بن مالك (٤)، وابن عمر (٥)، ومجاهد (٦)، وابن زيد (٧)، نحو ذلك. وقد ذكر ابن إسحاق في كتاب السيرة أن إسافا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة فمسخا حجرين فنصبتهما قُريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا، ثم حولا إلى الصفا والمروة، فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالب، في قصيدته المشهورة: وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم ... بمفضى السيول من إساف ونائل (٨) الثالث: وقال قتادة: "قوله: ﴿إنّ الصفا والمرْوَة من شعائر الله﴾، الآية، فكان حَيٌّ من تهامة في الجاهلية لا يسعون بينهما، فأخبرهم الله أنّ الصفا والمروة من شعائر الله، وكانَ من سُنة إبراهيم وإسماعيلَ الطواف بينهما" (٩). وروي عن عائشة (١٠)، نحو ذلك. الرابع: وقال مقاتل بن سليمان: " وذلك أن الخمس: وهم قريش، وكنانة، وخزاعة، وعامر بن صعصعة، قالوا: ليست الصفا والمروة من شعائر الله، وكان على الصفا صنم يقال له نائلة، وعلى المروة صنم يقال له يساف في الجاهلية. قالوا، إنه حرج علينا في الطواف بينهما، فكانوا لا يطوفون بينهما فأنزل الله- ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ " (١١). الخامس: وقال ابن كثير: "قال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت، ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١٢). السادس: قال ابن عباس: " أنه كانَ في الجاهلية شَياطين تعزِفُ الليل أجمعَ بين الصفا والمروة، وكانت بَينهما آلهة، فلما جاء الإسلام وظَهر، قال المسلمون: يا رَسولَ الله، لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه شركٌ كنا نفعله في الجاهلية! فأنزل الله: ﴿فلا جُناح عليه أن يطوَّف بهما﴾ " (١٣). والصواب: "إنّ الله تعالى ذكره قد جعل الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، كما جعل الطواف بالبيت من شعائره، فأما قوله: ﴿فلا جناحَ عليه أن يطَّوَّف بهما﴾، فجائزٌ أن يكون قيل لكلا الفريقين

стр. 1148

اللذين تخوَّف بعضهم الطواف بهما من أجل الصنمين اللذين ذكرهما الشعبي، وبَعضُهم من أجل ما كان من كراهتهم الطواف بهما في الجاهلية، على ما رُوي عن عائشة، وأيُّ الأمرين كان من ذلك، فليس في قول الله تعالى ذكره: ﴿فلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما﴾، الآية، دلالةٌ على أنه عَنى به وَضعَ الحرَج عَمن طاف بهما، من أجل أن الطواف بهما كان غير جائزٍ بحظر الله ذلك، ثم جُعل الطواف بهما رُخصة، لإجماع الجميع على أن الله تعالى ذكره لم يحظُر ذلك في وقت، ثم رخص فيه بقوله: ﴿فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما﴾ " (١). وروي عن حَبِيبة بنت أبي تجراة، قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: "اسعَوا، فإن الله كتب عليكم السعي" (٢). وفي رواية أخرى عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي ﷺ بين الصفا والمروة يقول: "كتب عليكم السعي، فاسعوا" (٣). وقد استُدلّ بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج (٤)، لأنه ﵇ طاف بينهما، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم". فكل ما فعله في حَجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج، إلا ما خرج بدليل، والله أعلم (٥).

стр. 1149

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، أي إن الصفا والمروة من: " من أعلام دينه ومناسكه" (١). قال البيضاوي: أي: "إن الصفا والمروة-وهما علما جبلين بمكة- من أعلام مناسكه" (٢). قال الطبري: أي أنهما: "من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده مَعلمًا ومَشعَرًا يعبدونه عندها، إما بالدعاء، وإما بالذكر، وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها" (٣). قال المراغي: " أي إن هذين الموضعين من علامات دين الله، وكذلك الأعمال والمناسك التي تعمل بينهما وهى السعى بينهما هى أيضا من الشعائر، لأن القيام بها علامة الخضوع لله والإيمان به وعبادته إذعانا وتسليما" (٤). قال أبو حيان: " وليس الجبلان لذاتهما من شعائر الله، بل ذلك على حذف مضاف، أي إن طواف الصفا والمروة" (٥). و(الصفا): "جمع (صَفاة)، وهي الصخرة الصلبة الملساء" (٦)، ومنه قول الطرمَّاح (٧): أَبَى لِي ذُو القُوَى وَالطَّوْلِ ألا ... يُؤَبِّسَ حَافِرٌ أَبَدًا صَفَاتِي وقال امرؤ القيس (٨):

стр. 1150

لها كفل كصفا المسيل ... أبرز عنها جحاف مضر وقالوا إن (الصفا) واحد، وأنه يثنى (صَفَوان)، ويجمع (أصفاء) و (صُفِيًّا)، (وصِفِيًّا)، واستشهدوا على ذلك بقول الراجز (١): كأنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ ... مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ وقالوا: هو نظير: عَصَا وعُصِيّ وعِصِيّ، وأَعْصاء، ورَحَا ورُحِيّ وَرِحِيّ وأرْحاء (٢). وأما (المروة)، فإنها الحصاةُ الصغيرة، يجمع قليلها (مَرَوات)، وكثيرها (المرْو)، مثل (تمرة وتمَرات وتمر)، قال الأعشى ميمون بن قيس (٣): وَتَرَى بالأرْضِ خُفًّا زائِلا ... فَإِذَا مَا صَادَفَ المَرْوَ رَضَح يعني بـ (المرو): الصخرَ الصغار، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي (٤): حَتَّى كأنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ ... بِصَفَا المُشَرِّقِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ أي صخرة رخوة صغيرة (٥). وإنّ ﴿الصفا والمروة﴾، في هذا الموضع: الجبلين المسمَّيَين بهذين الاسمين اللذين في حَرَمه (٦)، دون سائر الصفا والمرو، ولذلك أدخل فيهما: (الألف واللام)، ليعلم عباده أنه عنى بذلك الجبلين المعروفين بهذين الاسمين، دون سائر الأصفاء والمرْوِ (٧). قال البيضاوي: ﴿شَعائِرِ﴾: "جمع شعيرة وهي العلامة" (٨). قال الثعلبي: "وكل كان معلما لقربان يتقرب به إلى الله من دعاء وصلاة من ذبيحة وأداء فرض وغير ذلك فهو شعيرة" (٩) .. قال الواحدي: " شعائر الله: متعبداته التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلامًا لنا، وهي كلّ ما كان من مَشعر، أو موقف، أو مسعًى، أو منحر قال الزجاج: وإنما قيل شعائر لكل علم لما تعبد به، لأن قولهم شعرت به: علمته، فلهذا سميت الأعلام التي هي متعبدات شعائر" (١٠). واختلف في أصل (الشعائر) (١١) على أقوال (١٢):

стр. 1151

أحدها: أن أصلها من الإشعار، وهي الأعلام على الشيء. قاله الثعلبي (١). ومنه: الشعائر بمعنى العلامة؛ ولهذا تسمى الهدايا: شعائر؛ لأنها تُشْعَر بحديدة في سنامها من جانبها الأيمن حتى يخرج الدم، قال الكميت (٢): نُقَتِّلُهُمْ جِيَلا فَجِيلا تَرَاهُمُ ... شَعَائِرَ قُرْبَانٍ بِهِمْ يُتَقَرَّبُ الثاني: أنها جمع شعيرة؛ وهي التي تكون عَلَماً في الدين (٣). وهذا قول الزجاج (٤)، والأكثرين، وهو الأقرب. الثالث: وقيل: جمع شعارة. قال الرازي: إن (الشعائر) " هي أعلام طاعته وكل شيء جعل علما من أعلام طاعة الله فهو من شعائر الله، قال الله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ [الحج: ٣٦]، أي علامة للقربة، وقال: ﴿ذالك ومن يعظم شعائر الله﴾ [الحج: ٣٢] وشعائر الحج: معالم نسكه ومنه المشعر الحرام، ومنه إشعار السنام: وهو أن يعلم بالمدية فيكون ذلك علما على إحرام صاحبها، وعلى أنه قد جعله هديا لبيت الله، ومنه الشعائر في الحرب، وهو العلامة التي يتبين بها إحدى الفئتين من الأخرى والشعائر جمع شعيرة، وهو مأخوذ من الإشعار الذي هو الإعلام" (٥). قال الواحدي: يحتمل أن يكون (الشعائر) من الإعلام بالشيء" (٦). وهذا قول مجاهد (٧). واعترض عليه الطبري، فقال: " وذلك تأويل من المفهوم بعيد، وإن كان مَخرجُه مَخرجَ الخبر، فإنه مرادٌ به الأمر، لأن الله تعالى ذكره قد أمر نبيه محمدًا ﷺ باتباع ملة إبراهيم ﵇، فقال له: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [سورة النحل: ١٢٣] " (٨). وقال أهل العلم: أن الأحكام الشرعية قسمان (٩): أحدهما: نوع يسمى بالشعائر، وهى ما تعبّدنا الله تعالى به كالصلاة على وجه مخصوص، والتوجه فيها إلى مكان معين سماه بيته، مع أنه من خلقه كسائر العالم، وكمناسك الحج وأعماله، فمثل هذا شرعه الله لنا لمصلحة لا نفهم سرها تمام الفهم، ولا نزيد فيه ولا ننقص، ولا يؤخذ فيه برأى أحد ولا باجتهاده، إذ لو أبيح لهم ذلك لزادوا فيه، فلا يفرق بين الأصل المشترع والدخيل المبتدع، ويصبح المسلمون كالنصارى ويصدق عليهم قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. والثاني: ما لا يسمى بالشعائر، كأحكام المعاملات من بيع وإجارة وهبة ونحوها، وهذه قد شرعت لمصالح البشر، ولها علل وأسباب يسهل على الإنسان فهمها.

стр. 1152

قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ [البقرة: ١٥٨]، " أي من قصد بيت الله للحج أو العمرة" (١). قال المراغي: " أي فمن أدى فريضة الحج أو اعتمر" (٢). قال ابن عثيمنن: أي: فمن "قصده لأداء مناسك الحج؛ و (الْبَيْتَ) هو بيت الله؛ أي الكعبة" (٣). قال الطبري: أي"فمن أتاه عائدًا إليه بَعدَ بدء" (٤). وكل من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو (حَاجٌّ إليه)، ومنه قول الشاعر (٥): لأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولا كثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا فقوله: (يحجون)، يكثرون التردد إليه لسُودده ورياسته. وإنما قيل للحاج " حاجّ "، لأنه يَأتي البيت قَبل التعريف، ثم يعود إليه لطَواف يوم النحر بعد التعريف، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطوَاف الصَّدرَ، فلتكراره العودَ إليه مرّة بعد أخرى قيل له: " حاجٌّ (٦). واختلف في أصل (الحج)، على أقوال: الأول: أن الحج في اللغة: كثرة الاختلاف إلى شيء والتردد إليه، فمن زار البيت للحج فإنه يأتيه أولا ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر. وهذا قول الطبري (٧)، وكثير من أهل اللغه. الثاني: أن أصل الحجّ: القصد، وكلّ من قصد شيئًا فقد حجّه. وهذا اختيار الزجاج (٨)، والبيضاوي (٩)، وغيرهما.

стр. 1153

ومنه قول الشاعر (١): يحج مأمومة في قعرها لجف ... قاست الطبيب قذاها كالمغاريد وقال العجاج (٢): لقد سما ابن معمر حين اعتمر ... مغزى بعيدا من بعيد وضبر قوله: اعتمر، أي قصد. الثالث: أن أصل الحج في اللغة: زيارة شيء تعظّمه. قاله الليث (٣). الرابع: أن الحج: الحلق، يقال: احجج شجتك، وذلك أن يقطع الشعر من نواحي الشجة ليدخل المحجاج في الشجة، فيكون المعنى: حج فلان أي حلق. قاله قطرب (٤). قال القفال: "وهذا محتمل لقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] أي حجاجا وعمارا، فعبر عن ذلك بالحلق فلا يبعد أن يكون الحج مسمى بهذا الاسم لمعنى الحلق" (٥). والقول الأول أولى بالصواب، وعليه الجمهور، لأن قولهم رجل محجوج إنما هو فيمن يختلف إليه مرة بعد أخرى، وكذلك محجة الطريق هو الذي كثر السير إليه" (٦).والله أعلم. و(أو) في قوله: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾، للتنويع؛ لأن قاصد البيت إما أن يكون حاجاً؛ وإما أن يكون معتمراً" (٧). وقي أصل (العمرة)، في اللغة: أقوال: أحدهما: أنها من القصد. قاله الزجاج (٨). قال الأزهري: "وقد يقال: الاعتمار القصد، وأنشد للعجاج (٩): لَقَدْ سَمَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْ ... غْزًى بَعِيدًا من بَعِيدٍ وَضَبَرْ يعنى: حين قصد مغزًى بعيدًا " (١٠) ومن ذلك قول أعشى باهلة (١١):

стр. 1154

وجاشت النفس لما جاء جمعهم ... وراكب جاء من تثليث معتمر الثاني: أنها من الزيارة (١). وهو اختيار الطبري (٢)، وبه قال البيضاوي (٣). وإنما قيل له: (معتمر)، لأنه إذا طاف به انصرف عنه بعد زيارته إياه، وإنما يعني تعالى ذكره بقوله: (أو اعتمر)، أو اعتمرَ البيت (٤). قال القفال: "ولا شبهة في العمرة إذا أضيفت إلى البيت أن تكون بمعنى الزيارة، لأن المعتمر يطوف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم ينصرف كالزائر" (٥). الثالث: أن: اعتمر: أي حل بمكة بعد الطواف والسعي، ففعل ما يفعل الحلال. قاله المفضل بن سلمة (٦). والراجح أن (العمرة) في اللغة: الزيارة؛ والمراد بها: زيارة البيت لأداء مناسك العمرة (٧). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، " أي: لا حرج ولا إِثم عليه أن يسعى بينهما" (٨). قال الطبري: أي: "فلا حَرَج عليه ولا مَأثم في طَوَافه بهما" (٩). قال المراغي: أي" فلا يتخوفنّ من الطواف بهما" (١٠). و(الجناح) الإثم. قاله السدي (١١). وإنما نفى الإثم؛ لأنهم كانوا يتحرجون من الطواف بهما، "من أجل أن المشركين كانوا يطوفون بهما" (١٢). قال ابن عباس: " وذلك أنّ ناسًا كانوا يتحرجون أن يَطوفوا بين الصفا والمروة، فأخبر الله أنهما من شعائره، والطواف بينهما أحبُّ إليه، فمضت السُّنة بالطَّواف بينهما" (١٣). قال الرازي: وأما الجناح فهو من قولهم: جنح إلى كذا أي مال إليه، قال الله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ [الأنفال: ٦١]، وجنحت السفينة، إذا لزمت الماء فلم تمض، وجنح الرجل في الشيء يعلمه بيده، إذا مال إليه بصدره وقيل للأضلاع: جوانح لاعوجاجها، وجناح الطائر من هذا، لأنه يميل في أحد شقيه ولا يطير على مستوى خلقته فثبت أن أصله من الميل، ثم من الناس من قال إنه بقي في عرف القرآن كذلك أيضا فمعنى: لا جناح عليه أينما ذكر في القرآن: لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء، ومنهم من قال: بل هو مختص بالميل إلى الباطل وإلى ما يأثم به" (١٤). قال البيضاوي: "والإِجماع على أنه [أي الصفا والمروة]، مشروع في الحج والعمرة" (١٥).

стр. 1155

قال المراغي: " والسرّ في التعبير بنفي الجناح الذي يصدق بالمباح، مع أن السعى بينهما إما فرض كما هو رأى مالك (١) والشافعي (٢) أو واجب كما هو رأى أبي حنيفة (٣)، الإشارة إلى بيان خطأ المشركين الذين كانوا ينكرون كون الصفا والمروة من الشعائر، وأن السعى بينهما من مناسك إبراهيم، وذلك لا ينافي الطلب الجازم" (٤). واختلف أهل العلم في وجوب طواف (الصفا والمروة)، على ثلاثة أقوال (٥): أحدها: أنه سنة، قاله احمد، وبه قال أنس وابن عباس (٦)، عبدالله بن الزبير (٧)، وعطاء (٨)، ومجاهد (٩)، وعاصم (١٠)، وأنس بن مالك (١١) ﵃ (١٢). وحجتهم: قوله تعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ﴾، فإنه يفهم منه التخيير. قال البيضاوي: " وهو ضعيف، لأن نفي الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى الوجوب، فلا يدفعه" (١٣). الثاني: أنه واجب، يجبر بالدم. وهذا مذهب أبي حنيفة (١٤)، والثوري (١٥). الثالث: أنه ركن. وهذا قول مالك (١٦)، والشافعي (١٧) رحمهما الله (١٨). واجتجوا بقوله ﵊: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" (١٩). قال أبو حيان: " ومن ذهب إلى أنه ركن، أو واجب يجبر بالدم، أو إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، أو ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين، يحتاج إلى نص جلي ينسخ هذا النص القرآن" (٢٠). والراجح: "أنّ الطواف بهما فرض واجب، وأن على من تركه العوْد لقضائه، ناسيًا كان، أو عامدًا. لأنه لا يُجزيه غير ذلك، لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه حج بالناس، فكان مما علمهم من مناسك حَجّهم الطوافُ بهما" (٢١). والله أعلم.

стр. 1156

وفي قوله تعالى: ﴿أن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وجهان من القراءة (١): أحدهما: ﴿أن يطوّف﴾. قراءة الجمهور. والثاني: ﴿أن لا يطوّف﴾، قرأ بها أنس وابن عباس وابن سيرين وشهر، وكذلك هي في مصحف أبي وعبد الله، وخرج ذلك على زيادة (لا)، نحو: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا﴾؟ أي: "ما منعك أن تسجد" (٢). قال أبو عبيدة: " والعرب تضع (لا) فى موضع الإيجاب، وهى من حروف الزوائد، قال أبو النجم (٣): فما ألوم البيض ألّا تسخرا ... ممّا رأين الشمط القفندرا أي: ما ألوم البيض أن يسخرن، القفندر: القبيح السّمج، وقال الأحوص (٤): ويلحيننى فى اللهو ألّا أحبّه ... وللهو داع دائب غير غافل أراد: فى اللهو أن أحبه، قال العجاج (٥): فى بئر لا حور سرى وما شعر الحور: الهلكة، وقوله لا حور: أي فى بئر حور، و «لا» فى هذا الموضع فضل" (٦). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨]، " أي: ومن أكثر من الطاعة بالزيادة على الواجب" (٧). قال الصابوني: "أي: من تطوّع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته المفروضة عليه، أو فعل خيراً فرضاً كان أو نقلاً" (٨). قال مقاتل: أي: " ومن تطوع خيرا بعد الفريضة فزاد في الطواف" (٩). قال البيضاوي: " أي فعل طاعة فرضاً كان أو نفلاً، أو زاد على ما فرض الله عليه من حج أو عمرة، أو طواف أو تطوع بالسعي إن قلنا إنه سنة" (١٠). قال أبو السعود: " أي فعل طاعة فرضا كان أو نفلا أو زاد على ما فرض عليه من حج أو عمرة أو طواف" (١١). قال أبو حيان: " التطوّع: ما تترغب به من ذات نفسك مما لا يجب عليك" (١٢). وقد تعددت آراء العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨]، على وجوه (١٣): أحدها: قيل: بالنفل على واجب الطواف، قاله مجاهد (١٤).

стр. 1157

الثاني: وقيل بالعمرة. قاله ابن زيد (١). الثالث: وقيل: بالحج والعمرة بعد قضاء الواجب عليه (٢). الرابع: وقيل: بالسعي بين الصفا والمروة، وهذا قول من أسقط وجوب السعي، لما فهم الإباحة في التطوف بهما من قوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، حمل هذا على الطواف بهما، كأنه قيل: ومن تبرع بالطواف بينهما (٣). الخامس: بالسعي في الحجة الثانية التي هي غير واجبة (٤). السادس: وقيل: المراد تطوع خيرًا في سائر العبادات. قاله الحسن (٥). والقول الأخير أولى بالصواب، لأنه أوفق لعموم اللفظ. والله تعالى أعلم. قال الشيخ ابن عثيمين: " وتخصيص التطوع بالمستحب اصطلاح فقهي؛ أما في الشرع فإنه يشمل الواجب، والمستحب" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿تَطَوَّعَ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وجهان من القراءة (٧): أحدهما: ﴿يطوع﴾ بالياء وجزم العين، قرأ بها حمزة والكسائي ويعقوب، وتقديره: يتطوع، إلا أن التاء أدغمت في الطاء لتقاربهما، مثل يطوف (٨). قال الرازي: "وهذا أحسن، لأن المعنى على الاستقبال والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال، وإن كان يجوز أن يقال من أتاني أكرمته فيوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء، إلا أن اللفظ إذا كان يوافق المعنى كان أحسن" (٩). والثاني: ﴿تطوع﴾، قرأ بها الباقون، على وزن (تفعل)، ماضيا. وعلى هذه القراءة فإن قوله ﴿تطوع﴾، يحتمل أمرين (١٠): أحدهما: أن يكون موضع (تطوع) جزما. الثاني: أن لا يجعل (من) للجزاء، ولكن يكون بمنزلة (الذي) ويكون مبتدأ و (الفاء) مع ما بعدها في موضع رفع لكونها خبر المبتدأ الموصول والمعنى فيه معنى مبتدأ الخبر، إلا أن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة، أفادت أن الثاني إنما وجب لوجوب الأول كقوله: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [النحل: ٥٣]، فـ (ما) مبتدأ موصول، و (الفاء) مع ما بعدها خبر له (١١). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، أي: إن الله"مثيب على الطاعة، لا تخفى عليه" (١٢). قال الصابوني: "أي إِنه سبحانه شاكرٌ له طاعته ومجازيه عليها خير الجزاء، لأنه عليم بكل ما يصدر من عباده من الأعمال فلا يضيع عنده أجر المحسنين" (١٣).

стр. 1158

قال ابن كثير: أي: "يثيب على القليل بالكثير (عَلِيمٌ) بقدر الجزاء فلا يبخس أحدا ثوابه و ﴿لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] " (١). قال ابن عثيمين: "أي: فالله يشكر؛ وشكره تعالى أنه يثيب العامل أكثر من عمله؛ فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله ﴿عَلِيمٌ﴾، أي ذو علم؛ وعلمه تعالى محيط بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً﴾ [الطلاق: ١٢] " (٢). قال أبو السعود: " أي مجاز على الطاعة عبر عن ذلك بالشكر مبالغة في الإحسان إلى العباد، ﴿عليم﴾ مبالغ في العلم بالأشياء فيعلم مقادير أعمالهم وكيفياتها فلا ينقص من أجورهم شيئا" (٣). قال المراغي: أي: " فإن الله يجازيه على الإحسان إحسانا، وهو العليم بمن يستحق هذا الجزاء، وفي التعبير عن إحسان الله على عباده بالشكر - تعويدهم الآداب العالية والأخلاق السامية، إذ أن منفعة عملهم عائدة إليهم، وهو مع ذلك قد شكرهم عليه" (٤). قال الرازي: أي: "أنه يعلم قدر الجزاء فلا يبخس المستحق حقه لأنه تعالى عالم بقدره وعالم بما يزيد عليه من التفضل، وهو أليق بالكلام ليكون لقوله تعالى: ﴿عليم﴾ تعلق بشاكر، ويحتمل أنه يريد أنه عليم بما يأتي العبد فيقوم بحقه من العبادة والإخلاص وما يفعله لا على هذا الحد، وذلك ترغيب في أداء ما يجب على شروطه، وتحذير من خلاف ذلك" (٥). روي عن قتادة. قوله: ﴿شاكر عليم﴾، قال: إن الله لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا" (٦). وعنه كذلك: " لا شيء أشكر من الله، ولا أجزأ لخير من الله " (٧). وقرن (العلم) بـ (الشكر)، لاطمئنان العبد إلى أن عمله لن يضيع فإنه معلوم عند الله، ولا يمكن أن يضيع منه شيء؛ يعني: إذا عَلم العامل أن الله تعالى شاكر، وأنه عليم، فإنه سيطمئن غاية الطمأنينة إلى أن الله سيجزيه على عمله بما وعده به، ويعطيه أكثر من عمله (٨). قال أبو حيان: " وشكر الله العبد بأحد معنيين: إما بالثواب، وإما بالثناء. وعلمه هنا هو علمه بقدر الجزاء الذي للعبد على فعل الطاعة، أو بنيته وإخلاصه في العمل. وقد وقعت الصفتان هنا الموقع الحسن، لأن التطوّع بالخير يتضمن الفعل والقصد، فناسب ذكر الشكر باعتبار الفعل، وذكر العلم باعتبار القصد، وأخرت صفة العلم، وإن كانت متقدمة، على الشكر، كما أن النية مقدمة على الفعل لتواخي رؤوس الآي" (٩). وفي إعراب قوله تعالى: ﴿خيراً﴾ [البقرة: ١٥٨]، وجهان (١٠): الوجه الأول: أن تكون منصوبة بنزع الخافض؛ والتقدير: ومن تطوع بخير فإن الله شاكر عليم. والوجه الثاني: أن تكون مفعولاً لأجله - أي ومن تطوع لأجل الخير، وطلبه فإن الله شاكر عليم. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: مشروعية الطواف بين الصفا، والمروة؛ ويؤخذ ذلك من كونه من شعائر الله؛ وهل هو ركن، أو واجب، أو سنة؟ اختلف في ذلك أهل العلم على أقوال ثلاثة؛ فقال بعضهم: إنه ركن من أركان الحج

стр. 1159

لا يتم الحج إلا به؛ وقال بعضهم: إنه واجب من واجبات الحج يجبر بدم، ويصح الحج بدونه؛ وقال آخرون: إنه سنة، وليس بواجب. والقول بأنه سنة ضعيف جداً؛ لأن قوله تعالى: ﴿من شعائر الله﴾ يدل على أنه أمر مهم؛ لأن الشعيرة ليست هي السنة فقط؛ الشعيرة هي طاعة عظيمة لها شأن كبير في الدين. بقي أن يكون متردداً بين الركن، والواجب؛ والأظهر أنه ركن؛ لأن النبي ﷺ قال: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» (١)؛ وقالت عائشة: «والله! ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة» (٢). فالأقرب أنه ركن؛ وليس بواجب؛ وإن كان الموفق ﵀ وهو من مشائخ مذهب الإمام أحمد - اختار أنه واجب يجبر بدم. ٢ - من فوائد الآية: دفع ما توهمه بعض الصحابة من الإثم بالطواف بالصفا، والمروة؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾؛ وعلى هذا فلا ينافي أن يكون الطواف بينهما ركناً من أركان الحج، أو واجباً من واجباته، أو مشروعاً من مشروعاته؛ وذلك أن أناساً من الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية المذكورة في القرآن؛ وهي في المشلّل - مكان قرب مكة - فكانوا يتحرجون من الطواف بالصفا والمروة وقد أهلوا لمناة؛ فلما جاء الإسلام سألوا النبي ﷺ عن ذلك فأنزل الله هذه الآية: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾؛ فعلى هذا يكون النفي هنا لدفع ما وقع في نفوسهم من التحرج؛ لأنها من شعائر الله؛ وليس لبيان أصل الحكم. وفيه سبب آخر لتحرج الناس من الطواف بهما: وهو أنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، فكانوا يطوفون بهما كما كانوا يطوفون بالبيت أيضاً، فذكر الله الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بالصفا، والمروة؛ فقالوا: لو كان ذلك جائزاً لذكره الله ، فهذا دليل على أنه ليس بمشروع؛ لأنه من أعمال الجاهلية؛ فلا نطوف؛ فأنزل الله هذه الآية. وفيه أيضاً سبب ثالث؛ وهو أنه يقال: إنه كان فيهما صنمان: إساف، ونائلة؛ وقيل: إنهما كانا رجلاً وامرأة زنيا في جوف الكعبة؛ فمسخهما الله حجارة؛ فكان من جهل العرب أن قالوا: «هذان مسخا حجارة؛ إذاً لا بد أن هناك سراً، وسبباً، فاخرجوا بهما عن الكعبة، واجعلوهما على الجبلين - الصفا، والمروة نطوف بهما، ونتمسح بهما»؛ وقد كان؛ وعلى هذا يقول أبو طالب: وحيث يُنيخ الأشعرون ركابهم بمفضى السيول من إسافٍ ونائل و «مفضى السيول» مجرى الوادي المعروف الذي بين الصفا، والمروة؛ فالحاصل أن هذه ثلاثة أسباب في نزول الآية؛ وأظهرها السبب الأول؛ على أنه لا مانع من تعدد الأسباب. ٣ - ومن فوائد الآية: أن الطواف بالصفا والمروة من طاعة الله؛ لقوله تعالى: ﴿ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم﴾. ٤ - ومنها: أن الطاعة خير؛ لقوله تعالى: ﴿ومن تطوع خيراً﴾؛ ولا ريب أن طاعة الله خير للإنسان في حاله ومآله. ٥ - ومنها: إثبات اسم «الشاكر» لله؛ لقوله تعالى: ﴿شاكر﴾. ٦ - ومنها: إثبات «العليم» اسماً لله؛ لقوله تعالى: ﴿شاكر عليم﴾.

стр. 1160

٧ - ومنها: إثبات صفة الشكر، والعلم؛ لقوله تعالى: ﴿شاكر عليم﴾؛ لأنهما اسمان دالان على الصفة؛ وعلى الحكم إن كان متعدياً، فقوله تعالى: ﴿عليم﴾ يدل على العلم - وهذه هي الصفة؛ ويدل على الحكم بأنه يعلم كل شيء. القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩] التفسير: إن الذين يُخْفون ما أنزلنا من الآيات الواضحات الدالة على نبوة محمد ﷺ وما جاء به، وهم أحبار اليهود وعلماء النصارى وغيرهم ممن يكتم ما أنزل الله من بعد ما أظهرناه للناس في التوراة والإنجيل، أولئك يطردهم الله من رحمته، ويدعو عليهم باللعنة جميع الخليقة. اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية على قولين: أحدهما: قال مقاتل: " وذلك أن معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وحارثة بن زيد، سألوا اليهود عن أمر محمد- ﷺ وعن الرجم وغيره فكتموهم يعني اليهود، منهم كعب بن الأشرف، وابن صوريا، ما أنزلنا من البينات يعني ما بين الله- في التوراة يعني الرجم والحلال والحرام والهدى يعني أمر محمد- ﷺ في التوراة فكتموه الناس" (١). وذكره الماوردي، فزاد: " فيهم كعب بن أسيد وزيد بن التابوت" (٢). وأخرج الطبري عن ابن عباس قال: "سألَ مُعاذ بن جبل أخو بنى سَلِمة، وسعد بن مُعاذ أخو بني عبد الأشهل، وخارجة بن زيد أخو بني الحارث بن الخزرج، نفرًا من أحبار يَهود - قال أبو كريب: عما في التوراة، وقال ابن حميد: عن بَعض مَا في التوراة - فكتموهم إياه، وأبوْا أن يُخبروهم عنه، فأنزل الله تعالى ذكره فيهم: ﴿إنّ الذين يَكتمون مَا أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيَّناه للناس في الكتاب أولئك يَلعنهم الله وَيَلعنهم اللاعنون﴾ " (٣). وروي عن مجاهد (٤)، والربيع (٥)، وقتادة (٦)، والسدي (٧)، وأبو العالية (٨)، نحو ذلك. وهو قول الجمهور. الثاني: وقيل: المراد كل من كتم الحق، فهي عامة في كل من كتم علما من دين الله يحتاج إلى بثه، وذلك مفسر في قوله ﷺ : "من سُئِل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار" (٩). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]، قال الصابوني: " يخفون ما أنزلناه من الآيات البينات، والدلائل الواضحات التي تدل على صدق محمد ﷺ " (١٠). قال المراغي: " أي إن أهل الكتاب الذين كتموا أمر الإسلام وأمر محمد ﷺ " (١١).
следующие страницы →