← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وفي قوله تعالى: ﴿أن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وجهان من القراءة (١): أحدهما: ﴿أن يطوّف﴾. قراءة الجمهور. والثاني: ﴿أن لا يطوّف﴾، قرأ بها أنس وابن عباس وابن سيرين وشهر، وكذلك هي في مصحف أبي وعبد الله، وخرج ذلك على زيادة (لا)، نحو: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا﴾؟ أي: "ما منعك أن تسجد" (٢). قال أبو عبيدة: " والعرب تضع (لا) فى موضع الإيجاب، وهى من حروف الزوائد، قال أبو النجم (٣): فما ألوم البيض ألّا تسخرا ... ممّا رأين الشمط القفندرا أي: ما ألوم البيض أن يسخرن، القفندر: القبيح السّمج، وقال الأحوص (٤): ويلحيننى فى اللهو ألّا أحبّه ... وللهو داع دائب غير غافل أراد: فى اللهو أن أحبه، قال العجاج (٥): فى بئر لا حور سرى وما شعر الحور: الهلكة، وقوله لا حور: أي فى بئر حور، و «لا» فى هذا الموضع فضل" (٦). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨]، " أي: ومن أكثر من الطاعة بالزيادة على الواجب" (٧). قال الصابوني: "أي: من تطوّع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته المفروضة عليه، أو فعل خيراً فرضاً كان أو نقلاً" (٨). قال مقاتل: أي: " ومن تطوع خيرا بعد الفريضة فزاد في الطواف" (٩). قال البيضاوي: " أي فعل طاعة فرضاً كان أو نفلاً، أو زاد على ما فرض الله عليه من حج أو عمرة، أو طواف أو تطوع بالسعي إن قلنا إنه سنة" (١٠). قال أبو السعود: " أي فعل طاعة فرضا كان أو نفلا أو زاد على ما فرض عليه من حج أو عمرة أو طواف" (١١). قال أبو حيان: " التطوّع: ما تترغب به من ذات نفسك مما لا يجب عليك" (١٢). وقد تعددت آراء العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨]، على وجوه (١٣): أحدها: قيل: بالنفل على واجب الطواف، قاله مجاهد (١٤).

стр. 1157

الثاني: وقيل بالعمرة. قاله ابن زيد (١). الثالث: وقيل: بالحج والعمرة بعد قضاء الواجب عليه (٢). الرابع: وقيل: بالسعي بين الصفا والمروة، وهذا قول من أسقط وجوب السعي، لما فهم الإباحة في التطوف بهما من قوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، حمل هذا على الطواف بهما، كأنه قيل: ومن تبرع بالطواف بينهما (٣). الخامس: بالسعي في الحجة الثانية التي هي غير واجبة (٤). السادس: وقيل: المراد تطوع خيرًا في سائر العبادات. قاله الحسن (٥). والقول الأخير أولى بالصواب، لأنه أوفق لعموم اللفظ. والله تعالى أعلم. قال الشيخ ابن عثيمين: " وتخصيص التطوع بالمستحب اصطلاح فقهي؛ أما في الشرع فإنه يشمل الواجب، والمستحب" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿تَطَوَّعَ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وجهان من القراءة (٧): أحدهما: ﴿يطوع﴾ بالياء وجزم العين، قرأ بها حمزة والكسائي ويعقوب، وتقديره: يتطوع، إلا أن التاء أدغمت في الطاء لتقاربهما، مثل يطوف (٨). قال الرازي: "وهذا أحسن، لأن المعنى على الاستقبال والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال، وإن كان يجوز أن يقال من أتاني أكرمته فيوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء، إلا أن اللفظ إذا كان يوافق المعنى كان أحسن" (٩). والثاني: ﴿تطوع﴾، قرأ بها الباقون، على وزن (تفعل)، ماضيا. وعلى هذه القراءة فإن قوله ﴿تطوع﴾، يحتمل أمرين (١٠): أحدهما: أن يكون موضع (تطوع) جزما. الثاني: أن لا يجعل (من) للجزاء، ولكن يكون بمنزلة (الذي) ويكون مبتدأ و (الفاء) مع ما بعدها في موضع رفع لكونها خبر المبتدأ الموصول والمعنى فيه معنى مبتدأ الخبر، إلا أن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة، أفادت أن الثاني إنما وجب لوجوب الأول كقوله: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [النحل: ٥٣]، فـ (ما) مبتدأ موصول، و (الفاء) مع ما بعدها خبر له (١١). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، أي: إن الله"مثيب على الطاعة، لا تخفى عليه" (١٢). قال الصابوني: "أي إِنه سبحانه شاكرٌ له طاعته ومجازيه عليها خير الجزاء، لأنه عليم بكل ما يصدر من عباده من الأعمال فلا يضيع عنده أجر المحسنين" (١٣).

стр. 1158

قال ابن كثير: أي: "يثيب على القليل بالكثير (عَلِيمٌ) بقدر الجزاء فلا يبخس أحدا ثوابه و ﴿لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] " (١). قال ابن عثيمين: "أي: فالله يشكر؛ وشكره تعالى أنه يثيب العامل أكثر من عمله؛ فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله ﴿عَلِيمٌ﴾، أي ذو علم؛ وعلمه تعالى محيط بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً﴾ [الطلاق: ١٢] " (٢). قال أبو السعود: " أي مجاز على الطاعة عبر عن ذلك بالشكر مبالغة في الإحسان إلى العباد، ﴿عليم﴾ مبالغ في العلم بالأشياء فيعلم مقادير أعمالهم وكيفياتها فلا ينقص من أجورهم شيئا" (٣). قال المراغي: أي: " فإن الله يجازيه على الإحسان إحسانا، وهو العليم بمن يستحق هذا الجزاء، وفي التعبير عن إحسان الله على عباده بالشكر - تعويدهم الآداب العالية والأخلاق السامية، إذ أن منفعة عملهم عائدة إليهم، وهو مع ذلك قد شكرهم عليه" (٤). قال الرازي: أي: "أنه يعلم قدر الجزاء فلا يبخس المستحق حقه لأنه تعالى عالم بقدره وعالم بما يزيد عليه من التفضل، وهو أليق بالكلام ليكون لقوله تعالى: ﴿عليم﴾ تعلق بشاكر، ويحتمل أنه يريد أنه عليم بما يأتي العبد فيقوم بحقه من العبادة والإخلاص وما يفعله لا على هذا الحد، وذلك ترغيب في أداء ما يجب على شروطه، وتحذير من خلاف ذلك" (٥). روي عن قتادة. قوله: ﴿شاكر عليم﴾، قال: إن الله لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا" (٦). وعنه كذلك: " لا شيء أشكر من الله، ولا أجزأ لخير من الله " (٧). وقرن (العلم) بـ (الشكر)، لاطمئنان العبد إلى أن عمله لن يضيع فإنه معلوم عند الله، ولا يمكن أن يضيع منه شيء؛ يعني: إذا عَلم العامل أن الله تعالى شاكر، وأنه عليم، فإنه سيطمئن غاية الطمأنينة إلى أن الله سيجزيه على عمله بما وعده به، ويعطيه أكثر من عمله (٨). قال أبو حيان: " وشكر الله العبد بأحد معنيين: إما بالثواب، وإما بالثناء. وعلمه هنا هو علمه بقدر الجزاء الذي للعبد على فعل الطاعة، أو بنيته وإخلاصه في العمل. وقد وقعت الصفتان هنا الموقع الحسن، لأن التطوّع بالخير يتضمن الفعل والقصد، فناسب ذكر الشكر باعتبار الفعل، وذكر العلم باعتبار القصد، وأخرت صفة العلم، وإن كانت متقدمة، على الشكر، كما أن النية مقدمة على الفعل لتواخي رؤوس الآي" (٩). وفي إعراب قوله تعالى: ﴿خيراً﴾ [البقرة: ١٥٨]، وجهان (١٠): الوجه الأول: أن تكون منصوبة بنزع الخافض؛ والتقدير: ومن تطوع بخير فإن الله شاكر عليم. والوجه الثاني: أن تكون مفعولاً لأجله - أي ومن تطوع لأجل الخير، وطلبه فإن الله شاكر عليم. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: مشروعية الطواف بين الصفا، والمروة؛ ويؤخذ ذلك من كونه من شعائر الله؛ وهل هو ركن، أو واجب، أو سنة؟ اختلف في ذلك أهل العلم على أقوال ثلاثة؛ فقال بعضهم: إنه ركن من أركان الحج

стр. 1159

لا يتم الحج إلا به؛ وقال بعضهم: إنه واجب من واجبات الحج يجبر بدم، ويصح الحج بدونه؛ وقال آخرون: إنه سنة، وليس بواجب. والقول بأنه سنة ضعيف جداً؛ لأن قوله تعالى: ﴿من شعائر الله﴾ يدل على أنه أمر مهم؛ لأن الشعيرة ليست هي السنة فقط؛ الشعيرة هي طاعة عظيمة لها شأن كبير في الدين. بقي أن يكون متردداً بين الركن، والواجب؛ والأظهر أنه ركن؛ لأن النبي ﷺ قال: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» (١)؛ وقالت عائشة: «والله! ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة» (٢). فالأقرب أنه ركن؛ وليس بواجب؛ وإن كان الموفق ﵀ وهو من مشائخ مذهب الإمام أحمد - اختار أنه واجب يجبر بدم. ٢ - من فوائد الآية: دفع ما توهمه بعض الصحابة من الإثم بالطواف بالصفا، والمروة؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾؛ وعلى هذا فلا ينافي أن يكون الطواف بينهما ركناً من أركان الحج، أو واجباً من واجباته، أو مشروعاً من مشروعاته؛ وذلك أن أناساً من الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية المذكورة في القرآن؛ وهي في المشلّل - مكان قرب مكة - فكانوا يتحرجون من الطواف بالصفا والمروة وقد أهلوا لمناة؛ فلما جاء الإسلام سألوا النبي ﷺ عن ذلك فأنزل الله هذه الآية: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾؛ فعلى هذا يكون النفي هنا لدفع ما وقع في نفوسهم من التحرج؛ لأنها من شعائر الله؛ وليس لبيان أصل الحكم. وفيه سبب آخر لتحرج الناس من الطواف بهما: وهو أنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، فكانوا يطوفون بهما كما كانوا يطوفون بالبيت أيضاً، فذكر الله الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بالصفا، والمروة؛ فقالوا: لو كان ذلك جائزاً لذكره الله ، فهذا دليل على أنه ليس بمشروع؛ لأنه من أعمال الجاهلية؛ فلا نطوف؛ فأنزل الله هذه الآية. وفيه أيضاً سبب ثالث؛ وهو أنه يقال: إنه كان فيهما صنمان: إساف، ونائلة؛ وقيل: إنهما كانا رجلاً وامرأة زنيا في جوف الكعبة؛ فمسخهما الله حجارة؛ فكان من جهل العرب أن قالوا: «هذان مسخا حجارة؛ إذاً لا بد أن هناك سراً، وسبباً، فاخرجوا بهما عن الكعبة، واجعلوهما على الجبلين - الصفا، والمروة نطوف بهما، ونتمسح بهما»؛ وقد كان؛ وعلى هذا يقول أبو طالب: وحيث يُنيخ الأشعرون ركابهم بمفضى السيول من إسافٍ ونائل و «مفضى السيول» مجرى الوادي المعروف الذي بين الصفا، والمروة؛ فالحاصل أن هذه ثلاثة أسباب في نزول الآية؛ وأظهرها السبب الأول؛ على أنه لا مانع من تعدد الأسباب. ٣ - ومن فوائد الآية: أن الطواف بالصفا والمروة من طاعة الله؛ لقوله تعالى: ﴿ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم﴾. ٤ - ومنها: أن الطاعة خير؛ لقوله تعالى: ﴿ومن تطوع خيراً﴾؛ ولا ريب أن طاعة الله خير للإنسان في حاله ومآله. ٥ - ومنها: إثبات اسم «الشاكر» لله؛ لقوله تعالى: ﴿شاكر﴾. ٦ - ومنها: إثبات «العليم» اسماً لله؛ لقوله تعالى: ﴿شاكر عليم﴾.

стр. 1160

٧ - ومنها: إثبات صفة الشكر، والعلم؛ لقوله تعالى: ﴿شاكر عليم﴾؛ لأنهما اسمان دالان على الصفة؛ وعلى الحكم إن كان متعدياً، فقوله تعالى: ﴿عليم﴾ يدل على العلم - وهذه هي الصفة؛ ويدل على الحكم بأنه يعلم كل شيء. القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩] التفسير: إن الذين يُخْفون ما أنزلنا من الآيات الواضحات الدالة على نبوة محمد ﷺ وما جاء به، وهم أحبار اليهود وعلماء النصارى وغيرهم ممن يكتم ما أنزل الله من بعد ما أظهرناه للناس في التوراة والإنجيل، أولئك يطردهم الله من رحمته، ويدعو عليهم باللعنة جميع الخليقة. اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية على قولين: أحدهما: قال مقاتل: " وذلك أن معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وحارثة بن زيد، سألوا اليهود عن أمر محمد- ﷺ وعن الرجم وغيره فكتموهم يعني اليهود، منهم كعب بن الأشرف، وابن صوريا، ما أنزلنا من البينات يعني ما بين الله- في التوراة يعني الرجم والحلال والحرام والهدى يعني أمر محمد- ﷺ في التوراة فكتموه الناس" (١). وذكره الماوردي، فزاد: " فيهم كعب بن أسيد وزيد بن التابوت" (٢). وأخرج الطبري عن ابن عباس قال: "سألَ مُعاذ بن جبل أخو بنى سَلِمة، وسعد بن مُعاذ أخو بني عبد الأشهل، وخارجة بن زيد أخو بني الحارث بن الخزرج، نفرًا من أحبار يَهود - قال أبو كريب: عما في التوراة، وقال ابن حميد: عن بَعض مَا في التوراة - فكتموهم إياه، وأبوْا أن يُخبروهم عنه، فأنزل الله تعالى ذكره فيهم: ﴿إنّ الذين يَكتمون مَا أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيَّناه للناس في الكتاب أولئك يَلعنهم الله وَيَلعنهم اللاعنون﴾ " (٣). وروي عن مجاهد (٤)، والربيع (٥)، وقتادة (٦)، والسدي (٧)، وأبو العالية (٨)، نحو ذلك. وهو قول الجمهور. الثاني: وقيل: المراد كل من كتم الحق، فهي عامة في كل من كتم علما من دين الله يحتاج إلى بثه، وذلك مفسر في قوله ﷺ : "من سُئِل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار" (٩). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]، قال الصابوني: " يخفون ما أنزلناه من الآيات البينات، والدلائل الواضحات التي تدل على صدق محمد ﷺ " (١٠). قال المراغي: " أي إن أهل الكتاب الذين كتموا أمر الإسلام وأمر محمد ﷺ " (١١).

стр. 1161

قال ابن عطية: أي" أمر محمد ﷺ ، ثم يعم بعد كل ما يكتم من خير" (١). قال الزجاج: " هذا إخبار عن علماء إليهود الذين كتموا ما علموه من صحة أمر النبي ﷺ " (٢). قال البيضاوي: " ﴿الْبَيِّناتِ﴾: كالآيات الشاهدة على أمر محمد ﷺ ، ﴿وَالْهُدى﴾: وما يهدي إلى وجوب اتباعه والإِيمان به" (٣). قال ابن عثيمين: " ﴿الْهُدَى﴾: "العلم النافع الذي يهتدي به الخلق إلى الله " (٤). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٥٩]، "أي من بعد توضيحه لهم في التوراة أو في الكتب السماوية" (٥). قال البيضاوي: أي: من بعد ما" لخصناه في في التوراة" (٦). قال الزمخشري: أي: " لم ندع فيه موضع إشكال ولا اشتباه على أحد منهم، فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولبسوا على الناس" (٧). قال ابن عثيمين: " أي من بعد أن أظهرناه للناس عموماً المؤمن، والكافر؛ فإن الله تعالى بين الحق لعموم الناس، كما قال تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]؛ فكل الناس قد بين الله لهم الحق؛ لكن منهم من اهتدى؛ ومنهم من بقي على ضلاله" (٨). واختلف في والمراد بـ ﴿الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٥٩]، على قولين: أحدهما: يعني به القرآن. قاله الزجاج (٩). الثاني: أنه التوراة والإنجيل، بحكم سبب الآية وأنها في أمر محمد ﷺ ثم يدخل القرآن مع تعميم الآية". وهذا قول ابن عطية (١٠). قال ابن عثيمين: " فما من نبي أرسله الله إلا ومعه كتاب، كما قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ [الحديد: ٢٥]، وكما قال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ [البقرة: ٢١٣] " (١١). وفي كتمان أهل الكتاب بعض ما في كتبهم، وجهان (١٢): أحدهما: إما بعدم ذكر نصوصه للناس حين الحاجة إليه أو السؤال عنه، كالبشارة بالنبي ﷺ وصفاته مع وجودها في كتبهم. الثاني: وإما بتحريف الكلم عن مواضعه حين الترجمة، أو بحمله على غير معانيه بالتأويل اتباعا لأهوائهم. قال المراغي: "وقد فضحهم الله بهذه الآيات، وسجل عليهم اللعنات الدائمات الإيضاح" (١٣). وقرأ طلحة بن صرف: ﴿من بعد ما بينه﴾، على الإفراد (١٤).

стр. 1162

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٥٩]، أي: "أولئك يُبعدهم الله منه ومن رحمته" (١). قال السعدي: أي: "يبعدهم ويطردهم عن قربه ورحمته" (٢). قال ابن عثيمين: أي: " يطردهم ويبعدهم عن رحمته" (٣). قال الطبري: أي" قال أبو السعود: " أي يطردهم ويبعدهم من رحمته" (٤). قال الصابوني: "أي: أولئك الموصوفون بقبيح الأعمال، الكاتمون لأوصاف الرسول، المحرّفون لأحكام التوراة يلعنهم الله فيبعدهم من رحمته" (٥). قال القرطبي: "أي: يتبرأ منهم ويبعدهم من ثوابه ويقول لهم: عليكم لعنتي، كما قال للّعين: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ [ص: ٧٨] " (٦). وأصل (اللعن) في اللغة الإبعاد والطرد، كما قال الشماخ بن ضرار، وذكر ماءً ورَد عليه (٧): ذَعَرْتُ بِهِ القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ ... مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ الَّلعِينِ يعني: مقامَ الذئب الطريد. و (اللعين) من نعت (الذئب)، وإنما أراد: مقام الذئب الطريد واللعين كالرَّجل (٨). وقال النابغة (٩): فبت كانني خرج لعين ... نفاه الناس أو أدنف طعين قال الثعلبي: " فمعنى قولنا: لعنه الله: أي طرده وأبعده وأصل اللعنة ما ذكرنا ثم كثر ذلك حتى صار قولا" (١٠). قوله تعالى (وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [القرة: ١٥٩]، أي: " ويسألُ ربَّهم اللاعنون أنْ يلعنهم" (١١). قال الطبري والثعلبي: " أي: يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللهم العنهم" (١٢). قال أبو السعود: " أي الدعاء عليهم باللعن من الملائكة ومؤمني الثقلين والمراد بيان دوام اللعن واستمراره" (١٣). قال ابن عثيمين: " أي يسألون لهم اللعنة؛ وهم أيضاً بأنفسهم يبغضونهم، ويعادونهم، ويبتعدون عنهم" (١٤). قال الصابوني: أي: " وتلعنهم الملائكة والمؤمنون" (١٥). قال المراغي: أي: " ويستوجبون بأعمالهم الدعاء عليهم باللعن من الملائكة والناس أجمعين" (١٦). قال البيضاوي: " أي: الذين يتأتى منهم اللعن عليهم من الملائكة والثقلين" (١٧). قال السعدي: أي: "يسألون لهم اللعنة؛ وهم أيضاً بأنفسهم يبغضونهم، ويعادونهم، ويبتعدون عنهم، فتقع عليهم اللعنة من جميع الخليقة، لسعيهم في غش الخلق وفساد أديانهم، وإبعادهم من رحمة الله، فجوزوا من جنس عملهم، كما أن معلم الناس الخير، يصلي الله عليه وملائكته، حتى الحوت في جوف الماء، لسعيه في مصلحة الخلق، وإصلاح أديانهم، وقربهم من رحمة الله، فجوزي من جنس عمله، فالكاتم لما أنزل الله، مضاد لأمر الله، مشاق لله، يبين الله الآيات للناس ويوضحها، وهذا يطمسها فهذا عليه هذا الوعيد الشديد" (١٨). واختلفوا في هؤلاء اللاعنين على أقوال (١٩): أحدها: أنهم كل شيء في الأرض من حيوان وجماد إلا الثقلين الإنس والجن، وهذا قول ابن عباس (٢٠)، والضحاك (٢١)، والبراء بن عازب (٢٢)، ومقاتل بن سليمان (٢٣). والثاني: اللاعنون: الاثنان إذا تلاعنا لحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت اللعنة على اليهود، وهذا قول ابن مسعود (٢٤). والثالث: أنهم البهائم، إذا يبست الأرض قالت البهائم هذا من أجل عُصاةِ بني آدم، وهذا قول مجاهد (٢٥)، وعكرمة (٢٦). الرابع: أنهم: كل دابة والجن والإنس. قاله عطاء (٢٧). الخامس: أنهم عباد الله أجمعون. قاله الحسن (٢٨). السادس: أنهم المؤمنون من الإنس والجن، والملائكة يَلعنون مَنْ كَفَر بالله واليوم الآخر، وهذا قول قتادة (٢٩)، والربيع بن أنس (٣٠)، وأي العالية (٣١)، واختاره ابن عطية (٣٢)، والزجاج (٣٣)، وآخرون. قال ابن عطية: " وهذا ظاهر واضح جار على مقتضى الكلام ... [وأما الأقوال الأخرى]، فلا يقتضيها اللفظ ولا تثبت إلا بسند يقطع العذر" (٣٤).

стр. 1163

وقد اعترض القرطبي على القول الأخير، لكونه يخالف ما جاء في الحديث، في قوله تعالى: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾، قال-﵇: "دواب الأرض" (١). قال القرطبي: " فإن قيل: كيف جمع من لا يعقل جمع من يعقل؟ قيل: لأنه أسند إليهم فعل من يعقل، كما قال: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] ولم يقل ساجدات، وقد قال: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١]، وقال: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٩٨]، ومثله كثير" (٢). والصواب أن (اللاعنون)، هم: الملائكةُ والمؤمنون، "لأن الله تعالى ذكره قد وصف الكفار بأن اللعنة التي تحلّ بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين، فقال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، فكذلك اللعنة التي أخبر الله تعالى ذكره أنها حَالَّة بالفريق الآخر: الذين يكتمونَ ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس، هي لعنة الله، ولعنة الذين أخبر أن لعنتهم حالّة بالذين كفروا وماتوا وهم كفار، وهم " اللاعنون "، لأن الفريقين جميعًا أهلُ كفر" (٣). والله أعلم. وقد ورد في الحديث المسند من طرق يشد بعضها بعضًا، عن أبي هريرة، وغيره: أن رسول الله ﷺ قال: "من سُئِل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار" (٤). والذي في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: "لولا آية في كتاب الله ما حدثتُ أحدًا شيئًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية" (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن كتم العلم من كبائر الذنوب؛ يؤخذ من ترتيب اللعنة على فاعله؛ والذي يرتب عليه اللعنة لا شك أنه من كبائر الذنوب. قال الحافظ ابن حجر: إن"هذه الآية تحرض على التبليغ، وهي وإن نزلت في أهل الكتاب (٦)، لكن العبرة بعموم اللفظ" (٧).

стр. 1164

٢ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿يكتمون﴾؛ والكاتم مريد للكتم. ٣ - ومنها: أن ما أنزل الله من الوحي فهو بيِّن لا غموض فيه؛ وهدًى لا ضلالة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿من البينات والهدى من بعد ما بيَّنَّاه للناس في الكتاب﴾؛ والبيان ينقسم إلى قسمين: بيان مفصل؛ وبيان مجمل؛ فالمجمل هي القواعد العامة في الشريعة؛ والمفصل هو أن يبين الله قضية معينة مفصلة مثل آيات الفرائض في الأحكام؛ فإنها مفصلة مبيّنة لا يشذ عنها إلا مسائل قليلة؛ وهناك آيات مجملة عامة مثل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]: فهو بيان عام؛ وكذلك بعض القصص يذكرها الله مفصلة، وأحياناً مجملة؛ وكل هذا يعتبر بياناً. ٤ - ومن فوائد الآية: الرد على أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم بأهل التأويل؛ لأن لازم طريقهم ألا يكون القرآن بياناً للناس؛ لأن الله أثبت لنفسه في القرآن صفات ذاتية، وفعلية؛ فإذا صرفت عن ظاهرها صار القرآن غير بيان؛ يكون الله ذكر شيئاً لا يريده؛ وهذا تعمية لا بيان؛ فيستفاد من هذه الآية الرد على أهل التأويل؛ والحقيقة أنهم - كما قال شيخ الإسلام - أهل التحريف لا أهل التأويل؛ لأن التأويل منه حق، ومنه باطل؛ لكن طريقهم باطل لا حق فيه. ٥ - ومن فوائد الآية: الرد على أهل التفويض الذين يقولون: إن آيات الصفات وأحاديثها لا يعلم الخلق معناها؛ وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن قولهم من شر أقوال أهل البدع والإلحاد. ٦ - ومنها: بيان فضل الله على عباده بما أنزله من البينات، والهدى؛ لأن الناس محتاجون إلى هذا؛ ولولا بيان الله وهدايته ما عرف الناس كيف يتوضؤون، ولا كيف يصلون، ولا كيف يصومون، ولا كيف يحجون؛ ولكن من فضل الله أن الله بيّن ذلك. ٧ - ومنها: إثبات علو الله؛ لقوله تعالى: ﴿ما أنزلنا﴾؛ والنزول إنما يكون من أعلى؛ وعلو الله بذاته ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة. ٨ - ومنها: قبح هذ الكتمان الذي سلكه هؤلاء؛ لأنه كتمان بعد بيان؛ ليس لهم أن يقولوا: «ما تكلمنا؛ لأنّ الأمر مشتبه علينا»؛ فالإنسان الذي لا يتكلم بالشيء لاشتباه الأمر عليه قد يعذر؛ لكن الذي لا يتكلم مع أن الله بينه للناس يكون هذا أعظم قبحاً - والعياذ بالله. ٩ - ومنها: وجوب نشر العلم عند الحاجة إليه سواء ظهرت الحاجة بلسان الحال، أو بلسان المقال، ولسان الحال: أن ترى إنساناً يعمل عملاً ليس على الوجه المرضي؛ فهذا لسان حاله يدعو إلى أن تبين له الحق؛ ولسان المقال: أن يسألك سائل عن علم وأن تتعلمه؛ فيجب عليك أن تبلغه ما دمت تعلم؛ أما إذا كنت لا تعلم فإنه يجب أن تقول: «لا أدري»، أو «لا أعلم»؛ كذلك لو رأيت الناس عمّ فيهم الجهل في مسألة من أمور الدين؛ فهنا الحاجة داعية إلى البيان؛ فيجب أن تبين. ١٠ - ومن فوائد الآية: أن الكتب السماوية كلها بيان للناس، لأن قوله تعالى: ﴿في الكتاب﴾ المراد به الجنس لا العهد؛ فالله تعالى بين الحق في كل كتاب أنزله؛ لم يترك الحق غامضاً؛ بل بينه لأجل أن تقوم الحجة على الخلق؛ لأنه لو كان الأمر غامضاً لكان للناس حجة في أن يقولوا: ما تبين لنا الأمر. ١١ - ومنها: أن الرجوع في بيان الحق إلى الكتب المنزلة. ١٢ - ومنها: أن هؤلاء الكاتمين ملعونون؛ يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾. ١٣ - ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله ؛ وهي كل فعل يتعلق بمشيئته، مثل النزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده؛ والاستواء على العرش؛ والضحك؛ والكلام؛ والتعجب؛ وما إلى ذلك؛ كل

стр. 1165

فعل يتعلق بمشيئة الله فإنه من الأفعال الاختيارية؛ و «اللعن» منها؛ ويدل على أنه منها أن له سبباً؛ وما كان له سبب فإنه يوجَد بالسبب، ويعدم بعدمه؛ إذاً فاللعن من الأفعال الاختيارية. ١٤ - ومنها: جواز الدعاء باللعنة على كاتم العلم؛ لقوله تعالى: ﴿يلعنهم اللاعنون﴾؛ لأن من معنى ﴿يلعنهم اللاعنون﴾ الدعاء عليهم باللعنة؛ تقول: اللهم العنهم؛ ولا يلعن الشخص المعين؛ بل على سبيل التعميم؛ لأن الصحيح أن لعن المعين لا يجوز - ولو كان من المستحقين للعنة؛ لأنه لا يُدرى ماذا يموت عليه؛ قد يهديه الله، كما قال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم﴾ [آل عمران: ١٢٨]؛ وأما لعنه بعد موته أيجوز، أم لا يجوز؟ فقد يقال: إنه لا يجوز لقول النبي ﷺ : «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (١)؛ وهذا عام؛ ثم إنه قد يثير ضغائن، وأحقاد من أقاربه، وأصحابه، وأصدقائه؛ فيكون في ذلك مفسدة؛ ثم إن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» (٢)؛ وأيّ خير في كونك تلعن واحداً كافراً قد مات؛ وأما طريقته فالواجب التنفير عنها، والقدح فيها، وذمها؛ أما هو شخصياً فإنه لا يظهر لنا جواز لعنه - وإن كان المعروف عند جمهور أهل العلم أنه يجوز لعنه إذا مات على الكفر. ١٥ - ومن فوائد الآية: عظم كتم العلم، حيث كان من الكبائر؛ وكتم العلم يتحقق عند الحاجة إلى بيانه إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال؛ فإن من سُئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار إلا أن يكون السائل متعنتاً، أو يريد الإيقاع بالمسؤول، أو ضرب آراء العلماء بعضها ببعض، أو يترتب على إجابته مفسدة، فلا يجاب حينئذ؛ وليس هذا من كتم العلم؛ بل هو من مراعاة المصالح، ودرء المفاسد. مسألة (٣): دفع الفتوى - وهو أن يحوِّل المستفتي إلى غيره، فيقول: اسأل فلاناً، أو اسأل العلماء - اختلف فيها أهل العلم: هل يجوز، أو لا يجوز؟ والصحيح أنه لا يجوز؛ إلا عند الاشتباه فيجب؛ أما إذا كان الأمر واضحاً فإنه لا يجوز؛ لأنه يضيع الناس لا سيما إذا كان الإنسان يرى أنه إذا دفعها استُفتي أناس جهال يضلون الناس؛ فإنه هنا تتعين عليه الفتوى؛ ويستعين الله ، ويسأل الله الصواب والتوفيق. ١٦ - ومن فوائد الآية: استحقاق الكاتمين للعنة الله، ولعنة اللاعنين. قد يقول قائل: هذا تحصيل حاصل، لأنه كقول القائل: قام القائمون، أو يقوم القائمون، ويدخل الداخلون. فالجواب: لا، لأنه ليس كل من نسب إليه الوصف يكون قائماً به على الوجه الأكمل؛ قد تقول: «قام القائمون» بمعنى أنهم أتوا بالقيام على وجهه؛ فمعنى ﴿يلعنهم اللاعنون﴾ أي الذين يعرفون من يستحق اللعنة، ويوجهونها إلى أهلها؛ فهم ذوو علم بالمستحِق، وذوي حكمة في توجيه اللعنة إليه؛ ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ... ﴾ [النساء: ١٣٦] الآية؛ فناداهم باسم الإيمان، وأمرهم به؛ أي بتحقيقه، والثبات عليه. إذاً هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات، والهدى مع ظهوره، وبيانه يستحقون - والعياذ بالله - هذا الجزاء الوخيم من الله، ومن عباد الله؛ وعكس ذلك الذين يبينون الحق - نسأل الله أن يجعلنا منهم؛ فهؤلاء يكون لهم المودة، والمحبة من الله، ومن أولياء الله؛ وقد ورد في حديث أبي الدرداء الطويل أن العالم يستغفر له أهل السموات والأرض حتى الحيتان في الماء (٤) لأن الذي يبين شريعة الله يُلقي الله في

стр. 1166

قلوب عباده مودته، ومحبته، والقبول له حتى في السماء؛ ونحن نعلم ذلك - وإن لم يرد به نص خاص - عن طريق القياس الجلي: فإذا كان الله يعاقب الكاتمين بهذه العقوبة الواقعة منه، ومن عباده؛ وهو الذي سبقت رحمته غضبه، فالذين يبينون البينات، والهدى يستحقون أن يثني الله عليهم بدلاً من اللعنة، ويقربهم بدلاً من البعد. ١٧ - ومن فوائد الآية: أنه يجب على من قال قولاً باطلاً، ثم تبين له بطلانه أن يبينه للناس إلا إذا كان اختلاف اجتهاد فلا يلزمه أن يبين بطلان ما سبق؛ لأنه لا يدري أيّ الاجتهادين هو الصواب. القرآن ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٦٠] التفسير: إلا الذين رجعوا مستغفرين الله من خطاياهم، وأصلحوا ما أفسدوه، وبَيَّنوا ما كتموه، فأولئك أقبل توبتهم وأجازيهم بالمغفرة، وأنا التواب على من تاب من عبادي، الرحيم بهم؛ إذ وفقتُهم للتوبة وقبلتها منهم. قوله تعالى: ﴿ِإلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [القرة: ١٦٠]، "أي إِلا الذين ندموا على ما صنعوا" (١). قال أبو حيان: أي" عن الكفر إلى الإسلام، أو عن الكتمان ءلى الإظهار" (٢). قال البيضاوي: أي: " عن الكتمان وسائر ما يجب أن يتاب عنه" (٣). قال السعدي: أي: "رجعوا عما هم عليه من الذنوب، ندما وإقلاعا، وعزما على عدم المعاودة" (٤). قال ابن عطية: " توبة الله على عبده: رجوعه به عن المعصية إلى الطاعة" (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]، أي: "وأصلحوا ما أفسدوه بالكتمان" (٦). قال الواحدي: " أي: أصلحوا السريرة بإظهار أمر محمد ﷺ " (٧). قال أبو حيان: أي: " ما أفسدوا من قلوبهم بمخالطة الكفر لها، أو ما أفسدوا من أحوالهم مع الله، أو أصلحوا قومهم بالإِرشاد إلى الإِسلام بعد الإضلال" (٨). قال السعدي: أي: أصلحوا "ما فسد من أعمالهم، فلا يكفي ترك القبيح حتى يحصل فعل الحسن" (٩). قال البيضاوي: " ما أفسدوا بالتدارك" (١٠). قال قتادة: "يقول: أصلحوا فيما بينهم وبين الله" (١١). قوله تعالى: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]، أي "وبينوا للناس حقيقة ما أنزل الله" (١٢). قال ابن زيد: " ﴿بيّنوا﴾: ما في كتاب الله للمؤمنين، وما سألوهم عنه من أمر النبي ﷺ . وهذا كله في يهود" (١٣).

стр. 1167

قال ابن عثيمين: أي: "وضحوا للناس ما كتموا من العلم ببيانه، وبيان معانيه؛ لأنه لا يتم البيان إلا ببيان المعنى" (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]، وجوه: أحدها: وبينوا التوبة بإخلاص العمل. قاله الطبري (٢). الثاني: أنهم وبيَّنوا الذي جاءهم من الله، فلم يكتموه ولم يجحدوا به". قاله قتادة (٣)، وروي عن ابن زيد (٤) نحوه. الثالث: اعترفوا بتلبيسهم وزورهم (٥). الرابع: ما أحدثوا من توبتهم، ليمحوا سيئة الكفر عنهم ويعرفوا بضد ما كانوا يعرفون به، ويقتدي بهم غيرهم من المفسدين (٦). قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٠]، أي: " فأولئك يقبل الله توبتهم ويشملهم برحمته" (٧). قال أبو حيان: " أي أعطف عليهم، ومن تاب الله عليه لا تلحقه لعنة" (٨). قال ابن عثيمين: " يعني الذين تابوا، وأصلحوا، وبينوا، "أقبل منهم التوبة؛ لأن توبة الله على العبد لها معنيان؛ أحدهما: توفيق العبد للتوبة؛ الثاني: قبول هذه التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾ " (٩). قوله تعالى: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠]، "أي: كثير التوبة على عبادي، واسع الرحمة بهم" (١٠). قال أبو حيان: وختم الكلام بهاتين الصفتين "ترغيباً في التوبة وإشعاراً بأن هاتين الصفتين هما له، فمن رجع إليه عطف عليه ورحمه" (١١). و﴿التَّوَّابُ﴾، يعني: "الرجاع على عباده بالعفو والصفح، بعد الذنب إذا تابوا، وبالإحسان والنعم بعد المنع، إذا رجعوا" (١٢). و﴿الرَّحِيمُ﴾: "الذي اتصف بالرحمة العظيمة، التي وسعت كل شيء ومن رحمته أن وفقهم للتوبة والإنابة فتابوا وأنابوا، ثم رحمهم بأن قبل ذلك منهم، لطفا وكرما، هذا حكم التائب من الذنب" (١٣). قال ابن كثير: "وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر، أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه (١٤).

стр. 1168

وفي هذه الآية التفات من التكلم إلى الغيبة في قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ... ﴾ [البقرة: ١٥٩]، وقوله تعالى: ﴿أولئك يلعنهم الله﴾ [البقرة: ١٥٩]؛ ولم يقل: «نلعنهم»؛ وللالتفات فائدتان (١): الأولى: تنبيه المخاطب؛ لأنه إذا تغير نسق الكلام أوجب أن ينتبه المخاطب لما حصل من التغيير. والفائدة الثانية: تكون بحسب السياق: ففي هذه الآية: ﴿أولئك يلعنهم الله﴾ الفائدة: التعظيم؛ لأن قوله: ﴿يلعنهم الله﴾ أبلغ في التعظيم من «أولئك نلعنهم»؛ لأن المتكلم إذا تحدث عن نفسه بصيغة الغائب صار أشد هيبة، مثل قول الملك: إن الملك يأمركم بكذا، وكذا؛ وأمر الملك بكذا، وكذا - ويعني نفسه. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن توبة الكاتمين للعلم لا تكون إلا بالبيان، والإصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا﴾: ثلاثة شروط: الأول: التوبة؛ وهي الرجوع عما حصل من الكتمان. الثاني: الإصلاح لما فسد بكتمانهم؛ لأن كتمانهم الحق حصل به فساد. الثالث: بيان الحق غاية البيان. وبهذا تبدل سيئاتهم حسنات. ٢ - ومن فوائد الآية: أن كل ذنب - وإن عظم - إذا تاب الإنسان منه فإن الله يتوب عليه. ٣ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله ، وهما ﴿التواب﴾، و ﴿الرحيم﴾؛ ﴿التواب﴾ على من أذنب؛ ﴿الرحيم﴾ على من أخلص، وعمل؛ فالرحمة تجلب الخير؛ والتوبة تدفع الشر. ٤ - ومنها: إثبات صفتين من صفات الله؛ وهما التوبة، والرحمة. ٥ - ومنها: إثبات حكمين من هذين الاسمين: أن الله يتوب، ويرحم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فأولئك أتوب عليهم﴾. ٦ - ومنها: توكيد الحكم بما يوجبه؛ لقوله تعالى: ﴿وأنا التواب الرحيم﴾. ٧ - ومنها: كثرة توبة الله، وكثرة من يتوب عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿التواب﴾. والتوبة هي الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته؛ فيرجع من الشرك إلى التوحيد؛ ومن الزنى إلى العفاف؛ ومن الاستكبار إلى الذل، والخضوع؛ ومن كل معصية إلى ما يقابلها من الطاعة؛ وشروطها خمسة: الإخلاص لله ؛ والندم على الذنب؛ والإقلاع عنه في الحال؛ والعزم على أن لا يعود؛ وأن تكون التوبة في وقت تقبل فيه. الشرط الأول: الإخلاص لله بأن يكون قصده بالتوبة رضا الله، وثواب الآخرة، وألا يحمله على التوبة خوف مخلوق، أو رجاء مخلوق، أو علو مرتبة، أو ما أشبه ذلك. الشرط الثاني: الندم على ما جرى منه من الذنب؛ ومعنى «الندم» أن يتحسر الإنسان أن وقع منه هذا الذنب. الشرط الثالث: الإقلاع عن المعصية؛ وهذا يدخل فيه أداء حقوق العباد إليهم؛ لأن من لم يؤد الحق إلى العباد فإنه لم يقلع؛ فهو ليس شرطاً مستقلاً - كما قاله بعض العلماء؛ ولكنه شرط داخل في الإقلاع؛ إذ إن من لم يؤد الحق إلى أهله لم يقلع عن المعصية. الشرط الرابع: أن يعزم ألا يعود؛ فإن لم يعزم فلا توبة، وليس من الشرط ألا يعود فإذا صحت التوبة، ثم عاد إلى الذنب لم تبطل توبته الأولى؛ لكنه يحتاج إلى تجديد التوبة. الشرط الخامس: أن تقع التوبة في الوقت الذي تقبل فيه؛ يعني أن تكون في وقت قبول التوبة؛ وذلك بأن تكون قبل حضور الموت، وقبل طلوع الشمس من مغربها؛ فإذا كان بعد حضور الموت لم تقبل؛ لقوله تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾ [النساء: ١٨]؛ وإذا كانت بعد طلوع الشمس من مغربها لم تقبل؛ لقوله تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم

стр. 1169

تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]؛ وقول النبي ﷺ : "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة؛ ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" (١). وهل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ للعلماء في هذا ثلاثة أقوال؛ الأول: أنها تصح؛ والثاني: أنها تصح إن كان الذنب من غير الجنس؛ والثالث: لا تصح؛ والصحيح أنها تصح من ذنب مع الإصرار على غيره؛ لكن لا يستحق اسم التائبين على سبيل الإطلاق؛ فلا يستحق وصف التائب، ولا يدخل في مدح التائبين؛ لأن توبته مقيدة من هذا الذنب المعين؛ ومثال ذلك: إذا تاب رجل من الزنى لكنه يتتبع النساء بالنظر المحرم فإن توبته من الزنى تصح على القول الراجح؛ لكن لا يستحق وصف التائب على سبيل الإطلاق؛ وعلى القول بأنها تصح إذا كانت من غير الجنس: فإنها لا تصح؛ وإذا تاب من الزنى مع الإصرار على الربا فإنها تصح؛ لأن الربا ليس من جنسه؛ إلا على القول الثالث الذي يقول لا تصح إلا مع الإقلاع عن جميع الذنوب. ٨ - ومن فوائد الآية: عظم الكتمان؛ لأن الله ذكر لنجاتهم من هذه اللعنة ثلاثة شروط: التوبة، والإصلاح، والبيان؛ لأن كتمهم لِما أنزل الله يتضمن إفساداً في الأرض، وإضلالاً للخلق؛ فتوبتهم منه لا تكفي حتى يصلحوا ما فسد بسبب كتمانهم، مثال ذلك: قوم كتموا صفة النبي ﷺ ، وقالوا: «ليس هو بالرسول الذي سيبعث»؛ فسيضل من الناس بناءً على قولهم عالَم؛ فلا يكفي أن يتوبوا، ويندموا، ويقلعوا، ويُسْلِموا، حتى يصلحوا ما أفسدوا من الآثار التي ترتبت على كتمانهم الحق؛ وإلا لم تصح التوبة. ٩ - ومن فوائد الآية: عظم العلم، وأنه حمل ثقيل، وعبء عظيم على من حمَّله الله إياه، وأن الإنسان على خطر إذا لم يقم بواجبه من البيان؛ وسبق أن البيان حين يحتاج الناس إليه ويسألون، إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال. القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ [البقرة: ١٦١] التفسير: إن الذين جحدوا الإيمان وكتموا الحق، واستمروا على ذلك حتى ماتوا، أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين بالطرد من رحمته. ذكر ابن حجر في سبب نزول الآية قولين (٢): أحدهما: قال ابن حجر: قال الطبري: "نزلت في الذين جحدوا نبوة محمد وكذبوا، من اليهود والنصارى وغيرهم" (٣). الثاني: قال ابن حجر: "وقال مقاتل: نزلت فيمن مات من اليهود على الكفر" (٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٦١]، أي: إن الذين "كفروا بالله" (٥).

стр. 1170

قال الطبري: أي: "إن الذين جَحدوا نبوة محمد ﷺ وكذبوا به من اليهود والنصارى وسائر أهل الملل، والمشركين من عَبدة الأوثان" (١). قال الزمخشري: " يعنى الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين" (٢). قال ابن عثيمين: "والمراد بالكُفر في القرآن والسنة: جحد ما يجب لله من الطاعة، والانقياد؛ وهو نوعان: إما تكذيب؛ وإما استكبار" (٣). و(الكَفْر) في اللغة: "بمعنى الستر؛ ومنها كُفُرَّى النخل - أي وعاء طلعه - لستره الطلع" (٤). قال الطبري: " وأصْلُ (الكفر) عند العرب: تَغطيةُ الشيء، ولذلك سمَّوا الليل: كافرًا، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه، كما قال الشاعر (٥): فَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا، بَعْدَ مَا ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ وقال لبيدُ بن ربيعة (٦): يَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا يعني: غَطَّاها" (٧). قوله تعالى: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١]، أي: "وماتوا وهم على جُحودهم ذلك وتكذيبهم محمدًا ﷺ " (٨). قال الزجاج: " يعني لم يتوبوا قبل موتهم من كفرهم" (٩). قال الصابوني: أي: " واستمرّوا على الكفر حتى داهمهم الموت وهم على تلك الحالة" (١٠). قال الزمخشري: أي: " ولم يتوبوا" (١١). قال ابن عثيمين: أي: " استمروا على كفرهم إلى الموت، فلم يزالوا على الكفر، ولم يتوبوا، ولم يرجعوا" (١٢). قال البيضاوي: " أي ومن لم يتب من الكاتمين حتى مات" (١٣). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦١]، أي: أولئك" أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته" (١٤). قال الطبري: "أي: الذين كفروا وماتوا وهم كفار، عليهم لعنة الله، بمعنى: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته، قال البيضاوي: أي: " استقر عليهم اللعن من الله" (١٥).

стр. 1171

قال الزجاج: " واللعنة هي إبعاد الله، وإبعاده عذابه" (١). قال ابن عطية: " واللعنة في هذه الآية تقتضي العذاب" (٢). قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]، يعني "ولَعنهم الملائكةُ والناس أجمعون" (٣). قال الطبري: " ولعنة الملائكة والناس إياهم قولهم: عليهم لعنة الله" (٤). قال الثعلبي: " أي ولعنة الملائكة، والناس أجمعين" (٥). قال الزجاج: " المعنى لعنة الملائكة ولعنة الناس أجمعين ... قيل: إنهم يلعنونه في الآخرة، كما قال : ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] " (٦). قال أبو العالية: "إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون" (٧). وروي عن قتادة (٨) نحوه. قال المراغي: " والسر في التعبير بلعن الملائكة والناس، مع أن لعن الله وحده يكفى في خزيه، الدلالة على أن جميع من يعلم أحواله من العوالم العلوية والسفلية يراه أهلا للعن الله ومقته، فلا يشفع له شافع ولا يرحمه راحم، فهو قد استحق اللعن لدى جميع من يعقل ويعلم، ومن استحق النكال من الرب الرءوف الرّحيم، فماذا يرجو من سواه من عباده؟ " (٩). و(الملائكة): "عالم غيبي خُلِقوا من نور؛ وهم محجوبون عن الإنس؛ وربما يرونهم إما على الصورة التي خلقوا عليها، كما رأى النبي ﷺ جبريل على صورته التي خلِق عليها له ستمائة جناح (١٠) قد سد الأفق (١١)؛ وإما على صورة أخرى، كما رأى النبي ﷺ جبريل على صورة دحية الكلبي (١٢)؛ وهم عباد لله لا يستكبرون عن عبادته، ولا يستحسرون؛ يسبحون الليل والنهار لا يفترون؛ لا يأكلون، ولا يشربون؛ صُمْدٌ - أي لا أجواف لهم؛ والملائكة ﵈ لهم وظائف، وأعمال خصهم الله بها؛ فإسرافيل، وميكائيل، وجبريل موكلون بما فيه الحياة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يستفتح صلاة الليل بقوله: «اللهم رب جَبرائيل وميكائيل وإسرافيل ... » (١٣) الحديث؛ لأن هؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه الحياة؛ والبعث من النوم حياة؛ ولهذا ناسب أن يكون هذا الاستفتاح في أول عمل يعمله الإنسان بعد أن توفاه الله بالنوم؛ وهؤلاء الثلاثة أحدهم مكلف بما فيه حياة القلوب - وهو جبريل - والثاني بما فيه حياة الأبدان - وهو إسرافيل - والثالث بما فيه حياة النبات - وهو ميكائيل - وأفضلهم جبريل - ولهذا امتدحه الله بقوله تعالى: ﴿إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ [التكوير:

стр. 1172

١٩، ٢٠]، وبقوله تعالى: ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً﴾ [مريم: ١٧]؛ فجبريل أفضل الملائكة على الإطلاق" (١). وإن قيل: فليس يلعنهم جميع الناس لأن قومهم لا يلعنونهم، قيل: عن هذا جوابان (٢): أحدهما: أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة جميع الناس، فغلب حكم الأكثر على الأقل. والثاني: أن المراد به يوم القيامة يلعنهم قومهم مع جميع الناس كما قال تعالى: ﴿يَومَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضِ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥]. واختلف في تفسير قوله تعالى ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]، على وجوه (٣): أحدها: أن المراد بـ ﴿النَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: أهلَ الإيمان به وبرسوله خاصة، دون سائر البشر. قاله قتادة (٤)، والربيع (٥). وضعّفه الطبري فقال: هذا" قولٌ ظاهرُ التنزيل بخلافه، ولا برهان على حقيقته من خبر ولا نظر. فإن كان ظن أن المعنيَّ به المؤمنون، من أجل أن الكفار لا يَلعنون أنفسهم ولا أولياءهم، فإن الله تعالى ذكره قد أخبر أنهم يَلعنونهم في الآخرة. ومعلومٌ منهم أنّهم يَلعنون الظَّلمة، وداخلٌ في الظَّلمة كل كافر، بظلمه نفسه، وجحوده نعمةَ ربه، ومخالفته أمرَه" (٦). الثاني: أن ذلك يومَ القيامة، يُوقَفُ على رءوس الأشهاد الكافرُ فيلعنه الناس كلهم. قاله أبو العالية " (٧)، وقتادة (٨). الثالث: أن ذلك قول القائل كائنًا من كان: " لَعنَ الله الظالم "، فيلحق ذلك كل كافر، لأنه من الظَّلمة. وهذا قول السدي (٩). والراجح أنه عنى الله بذلك جَميعَ الناس، وهو قولهم: " (لعن الله الظالم - أو الظالمين)، لأن كلّ أحد من بني آدم لا يمتنع من قيل ذلك كائنًا من كان، ومن أي أهل ملة كان، فيدخل بذلك في لعنته كلّ كافرٍ كائنًا من كان، لأن الله تعالى ذكره أخبر عمن شَهدهم يوم القيامة أنهم يلعنونهم فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] " (١٠). وقرئ ﴿والملائكةُ والناسُ أجمعون﴾، عطفاً على محل اسم الله، لأنه فاعل في المعنى، كقولك أعجبني ضرب زيدٍ وعمرو، أو فاعلاً لفعل مقدر نحو وتلعنهم الملائكة (١١). قال الزجاج: " وهو جيد في العربية إلا أني أكرهه لمخالفته - المصحف، والقراءة، إنما ينبغي أن يلزم فيها السنة، ولزوم السنة فيها أيضا أقوى غند أهل العربية، لأن الإجماع في القراءة إنما يقع على الشيء الجيد البالغ ورفع الملائكة في قراءة الحسن على تأويل: أولئك جزاؤهم أن لعنهم الله والملائكة، فعطف الملائكة على موضع إعراب لله في التأويل" (١٢).

стр. 1173

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الكافر مستحق للعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين. ٢ - ومنها: أنه تشترط لثبوت هذا أن يموت على الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾؛ فلو رجعوا عن الكفر إلى الإسلام ارتفعت عنهم هذه العقوبة. ٣ - ومنها: إثبات الملائكة. ٤ - ومنها: أن الكافر يلعنه الكافر؛ لقوله تعالى: ﴿والناس أجمعين﴾؛ وقد أخبر الله تعالى عن أهل النار أنه كلما دخلت أمة لعنت أختها، وقال تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب﴾ [البقرة: ١٦٦] إلخ؛ فالكافر - والعياذ بالله - ملعون حتى ممن شاركه في كفره. القرآن ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٦٢] التفسير: دائمين في اللعنة والنار، لا يخفف عنهم العذاب، ولا هم يمهلون بمعذرة يعتذرون بها. قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: ١٦٢]، " أي: خالدين في النار" (١). قال البيضاوي: " أي في اللعنة أو في النار" (٢). قال الثعلبي: " مقيمين في اللعنة والنار" (٣). قال الزجاج: " أي في اللعنة، وخلودهم فيها خلود في العذاب" (٤). قال أبو العالية: " يعني: ﴿في النار﴾: في اللعنة" (٥). وروي عن الربيع بن أنس (٦) نحو ذلك. و(الخلود): "اللزوم أبدًا، ومنه يقال: أخلد إلى كذا، أي: لزمه، وركن إليه" (٧). وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: ١٦٢]، على قولين (٨): أحدهما: أي: خالدين في اللعنة. قاله الزجاج (٩) وآخرون. قال ابن عثيمين: " والمراد فيما يترتب عليها؛ فإنهم خالدون في النار التي تكون بسبب اللعنة" (١٠). والثاني: وقيل خالدين في النار، إلا أنها أضمرت تفخيما لشأنها وتهويلا كما في قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه فى ليلة القدر﴾ [القدر: ١]. والقول الأول أولى لوجوه (١١):

стр. 1174

الأول: أن الضمير إذا وجد له مذكور متقدم فرده إليه أولى من رده إلى ما لم يذكر. الثاني: أن حمل هذا الضمير على اللعنة أكثر فائدة من حمله على النار، لأن اللعنة هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة وإيجاده في الدنيا فكان اللعن يدخل فيه النار وزيادة فكان حمل اللفظ عليه أولى. الثالث: أن قوله: ﴿خالدين فيها﴾ إخبار عن الحال، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلا في الحال، وفي حمله على النار لا يكون حاصلا في الحال، بل لا بد من التأويل؛ فكان ذلك أولى. قوله تعالى: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة: ١٦٢]، "أي لا يهوَّن عنهم، لا زمناً، ولا شدة، ولا قوة" (١). قال الصابوني: "أي: إن عذابهم في جهنم دائم لا ينقطع" (٢). قال الثعلبي: " لا يرفه عنهم العذاب" (٣)، وقال أيضا: لا" يهون" (٤). قال ابن كثير: أي: "لا ينقص عَمَّا هم فيه" (٥). وقال أيضا: ": " أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة" (٦). قال الطبري: " فإنه خبرٌ من الله تعالى ذكره عن دَوَام العذاب أبدًا من غير توقيت ولا تخفيف، كما قال تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [سورة فاطر: ٣٦]، وكما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [سورة النساء: ٥٦] " (٧). قوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢]، " أي لا يمهلون ولا يؤجلون" (٨). قال أبو حيان: " نفى الأنظار، وهو تأخير العذاب" (٩). قال ابن عباس: " لا يؤخرون" (١٠). وقال عطاء عن ابن عباس: "يريد: للرجعة ولا للتوبة ولا للمعذرة" (١١). قال الطبري: يعني: "ولا هُم يُنظرون بمعذرة يَعتذرون، كقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [سورة المرسلات: ٣٥ - ٣٦] " (١٢). وهذا قول أبي العالية (١٣). قال البيضاوي: " أي لا يمهلون، أو لا ينتظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة" (١٤). قال الزمخشري: " أى: لا يمهلون ولا يؤجلون، أو لا ينتظرون ليعتذروا. ولا ينظر إليهم نظر رحمة" (١٥).

стр. 1175

قال ابن كثير: أي: "لا يغير عنهم ساعة واحدة، ولا يفتَّر، بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك" (١). قال الصابوني: "أي ولا يمهلون أو يؤجلون بل يلاقيهم العذاب حال مفارقة الحياة الدنيا" (٢). وقال الشيخ ابن عثيمين: "أي لا يمهلون؛ بل يؤخذون بالعقاب؛ من حين ما يموتون وهم في العذاب؛ ويحتمل أن المراد لا ينظرون بالعين؛ فلا ينظرون نظر رحمة، وعناية بهم؛ وهذا قد يؤيَّد بقوله تعالى: ﴿قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]؛ فإن هذا من احتقارهم، وازدرائهم أنهم يوبخون بهذا القول. قال المراغي: أي: "ولا يمهلون ليتوبوا ويعملوا صالح الأعمال، لأن الكفر الذي استحقوا به هذا العذاب هو غاية ما يكتسبه المرء من ظلمات الروح، ومتى مات انقطع عمله وتعذر عليه أن يجلّى تلك الظلمة، ويرجع إلى الحق، ويزكى نفسه، ولا يمهل إذ هو الجاني على نفسه، فأىّ شاء يرجو من غيره؟ " (٣). قال الرازي: " والإنظار هو التأجيل والتأخير قال تعالى: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠] والمعنى: إن عذابهم لا يؤجل، بل يكون حاضرا متصلا بعذاب مثله فكأنه تعالى أعلمنا أن حكم دار العذاب والثواب بخلاف حكم الدنيا فإنهم يمهلون فيها إلى آجال قدرها الله تعالى، وفي الآخرة لا مهلة البتة فإذا استمهلوا لا يمهلون، وإذا استغاثوا لا يغاثون وإذا استعتبوا لا يعتبون، وقيل لهم؛ ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، نعوذ بالله من ذلك، والحاصل أن هذه الصفات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى للعقاب في هذه الآية دلت على يأس الكافر من الإنقطاع والتخفيف والتأخير" (٤). وذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢]، وجهان (٥): أحدهما: معناه: يؤخرون عن العذاب. والثاني: ويحتمل أن يكون من النظر، نحو قوله تعالى: ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]. قال ابن عطية: " والأول أظهر، لأن النظر بالعين إنما يعدى بإلى إلا شاذا في الشعر" (٦). الفوائد: ١ - ومنها: أن الذين يموتون وهم كفار مخلدون في لعنة الله، وطرده، وإبعاده عن رحمته. ٢ - ومنها: أن العذاب لا يخفف عنهم، ولا يوماً واحداً؛ ولهذا يقول الله : ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب﴾ [غافر: ٤٩]؛ لم يسألوا أن يرفع العذاب؛ ولم يسألوا أن يخفف دائماً؛ بل يخفف ولو يوماً واحداً من أبد الآبدين؛ يتمنون هذا؛ يتوسلون بالملائكة إلى الله أن يخفف عنهم يوماً واحداً من العذاب؛ ولكن يوبخون إذا سألوا هذا: ﴿قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى﴾ [غافر: ٥٠]؛ فما يستطيع أحد أن يتصور كيف تكون حسرتهم حينئذٍ؛ يقولون: ليتنا فعلنا؛ ليتنا صدقنا؛ ليتنا اتبعنا الرسول؛ ولهذا يقولون: ﴿بلى﴾؛ لا يستطيعون أن ينكروا أبداً؛ ﴿قالوا فادعوا﴾ [غافر: ٥٠] أي أنتم؛ ولكن دعاء لا يقبل، كما قال تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ [غافر: ٥٠] أي في ضياع - والعياذ بالله؛ والمقصود أنه لا يخفف عنهم العذاب. ٣ - من فوائد الآية: أنهم لا ينظرون؛ إما أنه من النظر؛ أو من الإنظار؛ فهم لا يمهلون ولا ساعة واحدة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧١]؛ فمن يوم يجيئونها تفتح؛ أما أهل الجنة فإذا

стр. 1176

جاءوها لم تفتح فور مجيئهم، كما قال تعالى: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧١]؛ لأنهم لا يدخلونها إلا بالشفاعة، وبعد أن يقتص من بعضهم لبعض؛ فإذا جاءوها هذبوا، ونقوا، ثم شفع النبي ﷺ في دخول الجنة؛ وحينئذ تفتح أبوابها. القرآن ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] التفسير: وإلهكم -أيها الناس- إله واحد متفرد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وعبودية خلقه له، لا معبود بحق إلا هو، الرحمن المتصف بالرحمة في ذاته وأفعاله لجميع الخلق، الرحيم بالمؤمنين. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: قال ابن حجر: "قال ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: " قالت كفار قريش: يا محمد صف أو انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وسورة الإخلاص" (١). وكذا نقله الواحدي في "الوسيط" (٢)، والثعلبي في تفسيره (٣). والثاني: قال ابن حجر: "ومن طريق جويبر عن الضحاك: كان للمشركين ثلاثمائة وستون صنما يعبدونها من دون الله فبين الله تعالى أنه إله واحد فأنزل هذه الآية" (٤). وكذا ذكره الثعلبي (٥). قوله تعالى: : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، أي "أيها الناس معبودكم الحقيق بالعبادة إله واحد، فلا تشركوا به أحدا" (٦). قال مقاتل: " يقول ربكم رب واحد فوحد نفسه تبارك اسمه" (٧). قال المراغي: " أي وإلهكم الحقيق بالعبادة إله واحد، فلا تشركوا به أحدا" (٨). قال الصابوني: " أي إِلهكم المستحق للعبادة إِلهٌ واحد، لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله" (٩). قال الزجاج: " أخبر بوحدانيته" (١٠). قال ابن عثيمين: " الخطاب للبشر كلهم" (١١). قال أبو السعود: " خطاب عام لكافة الناس، أي المستحق منكم للعبادة، فرد في الإلهيه لاصحة لتسمية غيره إلها أصلا" (١٢). قال الراغب: " يجوز أن يكون خطاباً عاماً أي المستحق منكم العبادة وهو إله واحد لا أكثر، ويجوز أن يكون خطاباً للمؤمنين، والمعنى: الذي يقصدونه إله واحد تنبيهاً أنكم لستم كالكفار الذين يعبدون آلهة من الأصنام والشيطان والهوى وغير ذلك" (١٣).

стр. 1177

قال أبو حيان: " وظاهر الخطاب أنه لجميع المخلوقات المتصور منهم العبادة، فهو إعلام لهم بوحدانية الله تعالى، ويحتمل أن يكون خطاباً لمن قال: صف لنا ربك وانسبه، أو خطاباً لمن يعبد مع الله غيره من صنم ووثن ونار" (١). و(إله): "بمعنى مألوه؛ فهي بمعنى اسم المفعول؛ و (المألوه) معناه المعبود حباً، وتعظيماً - وهو إله واحد؛ ووحدانيته بالألوهية متضمنة لوحدانيته بالربوبية؛ إذ لا يُعبد إلا من يُعلم أنه رب" (٢). وأراد بقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، أراد أمرين (٣): أحدهما: أن إله جميع الخلق واحد، لا كما ذهبت إليه عبدة الأصنام من العرب وغيرهم أن لكل قوم إلَهاً غير إله من سواهم. والثاني: أن الإله وإنْ كان إلهاً لجميع الخلق فهو واحد لا ثاني له ولا مثل له. وقد اختُلِف في معنى وَحدانيته تعالى ذكره، على وجهين (٤): أحدهما: نَفي الأشباه والأمثال عنه. الثاني: انفراده من الأشياء، وانفراد الأشياء منه. والشرك به ضربان (٥): أحدهما: شرك في الألوهية والعبادة، بأن يعتقد المرء أن في الخلق من يشارك الله أو يعينه في أفعاله، أو يحمله على بعضها ويصدّه عن بعض، فيتوجه إليه في الدعاء عند ما يتوجه إلى الله، ويدعوه معه، أو يدعوه من دون الله، ليكشف عنه ضرا أو يجلب له نفعا. والثاني: شرك به في الربوبية، بأن يسند الخلق والتدبير إلى غيره معه، أو أخذ أحكام الدين من عبادة وتحليل وتحريم من غير كتبه ووحيه الذي بلّغه عنه الرسل، استنادا إلى أن من يؤخذ عنهم الدين، هم أعلم بمراد الله، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣]، "أي لا معبود بحق إِلا هو جلّ وعلا" (٦). قال محمد بن إسحاق: " أي ليس معه غيره شريكا في أمره" (٧). قال المراغي: أي: " الذي وسعت رحمته كل شيء، فحسب المرء أن يرجوها" (٨). قال الطبري: أي: "لا رب للعالمين غيرُه، ولا يستوجبُ على العبادِ العبادةَ سواه، وأنّ كلّ ما سواه فهُم خَلقه، والواجبُ على جميعهم طاعته والانقيادُ لأمره، وتركُ عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، وهجْر الأوثان والأصنام" (٩). قال ابن عطية: " إعلام بالوحدانية، وواحِدٌ في صفة الله تعالى معناه نفي المثيل والنظير والند، وقال أبو المعالي: هو نفي التبعيض والانقسام" (١٠). قال أبو حيان: " توكيد لمعنى الوحدانية ونفي الإلهية عن غيره. وهي جملة جاءت لنفي كل فرد فرد من الآلهة، ثم حصر ذلك المعنى فيه ﵎" (١١).

стр. 1178

وقد زعم بعضهم أن تقدير الخبر في قوله ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، أي: «موجود»؛ وهذا غلط واضح؛ لأنه يختل به المعنى اختلالاً كبيراً من وجهين (١): الوجه الأول: أن هناك آلهة موجودة سوى الله؛ لكنها باطلة، كما قال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [الحج: ٦٢]، وكما قال تعالى: ﴿فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك﴾ [هود: ١٠١]، وكما قال تعالى: ﴿فلا تدع مع الله إلهاً آخر﴾ [الشعراء: ٢١٣]. الوجه الثاني: أنه يقتضي أن الآلهة المعبودة من دون الله هي الله، ولا يخفى فساد هذا؛ وعليه فيتعين أن يكون التقدير: «لا إله حق»، كما فسرناه. قال الراغب: " إن قيل: ما فائدة الجمع بين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وبين ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وأحدهما يبنى على الآخر؟ قيل: لما بين بقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أنه المقصود بالعبادة أو المستحق لها، وكان يجوز أن يتوهم أن يوجد إله غيره ولكن لا يعبد أولا يستحق العبادة أكده بقوله: (لأ إله إلاً هو)، وحق لهذا المعنى أن يكون مؤكدا ويكرر عليه الألفاظ [الملخصة]، إذ هو مبدأ مقصود العبادة ومنتهاه" (٢). قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، "أي: المولى لجميع النعم أصولها وفروعها" (٣). قال السعدي: أي" المتصف بالرحمة العظيمة" (٤). قال الصابوني: أي: " مُولي النعم ومصدر الإِحسان" (٥). قال الماوردي: " ثم وصف فقال: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، ترغيباً في عبادته وحثاً على طاعته" (٦). قال أبو حيان: " ذكر هاتين الصفتين منبهاً بهما على استحقاق العبادة له، لأن من ابتدأك بالرحمة إنشاء بشراً سوياً عاقلاً وتربية في دار الدنيا موعوداً الوعد الصدق بحسن العاقبة في الآخرة، جدير بعبادتك له والوقوف عند أمره ونهيه، وأطمعك بهاتين الصفتين في سعة رحمته. وجاءت هذه الآية عقيب آية مختومة باللعنة والعذاب لمن مات غير موحد له تعالى، إذ غالب القرآن أنه إذا ذكرت آية عذاب، ذكرت آية رحمة، وإذا ذكرت آية رحمة، ذكرت آية عذاب" (٧). قال ابن عثيمين: "وأسماء الله لها ثلاث دلالات: دلالة مطابقة؛ ودلالة تضمن؛ ودلالة التزام؛ فدلالة الاسم على الذات، والصفة دلالة مطابقة؛ ودلالته على الذات وحدها، أو الصفة وحدها دلالة تضمن؛ ودلالته على ما يستلزمه من الصفات الأخرى دلالة التزام؛ مثال ذلك «الخالق»: فهو دال على ذات متصفة بالخلق؛ وعلى صفة الخلق؛ فدلالتها على الأمرين دلالة مطابقة؛ وعلى أحدهما دلالة تضمن؛ وهي تدل على صفة العلم، والقدرة دلالة التزام؛ إذ لا خلق إلا بعلم وقدرة" (٨). قال الرازي: " واعلم أنه سبحانه إنما خص هذا الموضع بذكر هاتين الصفتين لأن ذكر الإلهية الفردانية يفيد القهر والعلو فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة ترويحا للقلوب عن هيبة الإلهية، وعزة الفردانية وإشعارا بأن رحمته سبقت غضبه وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان" (٩).

стр. 1179

قال المراغي: " وإنما ذكر الوحدة والرحمة دون غيرهما من صفاته، لأن الوحدة تذكر أولئك الكافرين الكاتمين للحق، بأنهم لا يجدون ملجأ غير الله يقيهم عقوبته ولعنته، والرحمة بعدها ترغبهم في التوبة وتحول بينهم وبين اليأس من فضله، بعد أن اتخذوا الوسطاء والشفعاء عنده" (١). وفي الحديث عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ و ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١، ٢] " (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن إله الخلق إله واحد - وهو الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد﴾. ٢ - ومنها: إثبات اسم «الإله»، و «الواحد» لله ؛ لقوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد﴾؛ وقد جاء في قوله تعالى: ﴿لله الواحد القهار﴾ [إبراهيم: ٤٨]: فأثبت اسم «الواحد» . ٣ - ومنها: اختصاص الألوهية بالله ؛ لقوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾. فإن قال قائل: إن هؤلاء المشركين قد يفتنون بهذه الآلهة، فيدعونها، ثم يأتيهم ما دعوا به؛ فما هو الجواب؟ فالجواب: عن هذا أن هذه الأصنام لم توجِد ما دعوا به قطعاً؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم من دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]، ولقوله تعالى: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾ [فاطر: ١٤]؛ فيكون حصول ما دعوا به من باب الفتنة التي يضل بها كثير من الناس؛ والذي أوجدها هو الله ؛ لكن قد يُمتحَن الإنسان بتيسير أسباب المعصية ابتلاءً من الله ؛ فيكون هذا الشيء حصل عند دعاء هذه الأصنام لا به. ٤ - ومنها: كفر النصارى القائلين بتعدد الآلهة؛ لأن قولهم تكذيب للقرآن؛ بل وللتوراة، والإنجيل؛ بل ولجميع الرسل؛ وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ" (٣).

стр. 1180

٥ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما ﴿الرحمن الرحيم﴾. ٦ - ومنها: إثبات ما تضمنه هذان الاسمان من الصفة - وهو الرحمة - والحكم: أنه يرحم بهذه الرحمة. ٧ - ومنها: أنه قد يكون للاسم من أسماء الله معنًى إذا انفرد؛ ومعنًى إذا انضم إلى غيره؛ لأن ﴿الرحمن﴾ لو انفرد لدل على الصفة، والحكم؛ وإذا جمع مع ﴿الرحيم﴾ جُعل ﴿الرحمن﴾ للوصف؛ و ﴿الرحيم﴾ للفعل. القرآن ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤] التفسير: إن في خلق السماوات بارتفاعها واتساعها، والأرض بجبالها وسهولها وبحارها، وفي اختلاف الليل والنهار من الطول والقصر، والظلمة والنور، وتعاقبهما بأن يخلف كل منهما الآخر، وفي السفن الجارية في البحار، التي تحمل ما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء المطر، فأحيا به الأرض، فصارت مخضرَّة ذات بهجة بعد أن كانت يابسة لا نبات فيها، وما نشره الله فيها من كل ما دبَّ على وجه الأرض، وما أنعم به عليكم من تقليب الرياح وتوجيهها، والسحاب المسيَّر بين السماء والأرض -إن في كل الدلائل السابقة لآياتٍ على وحدانية الله، وجليل نعمه، لقوم يعقلون مواضع الحجج، ويفهمون أدلته سبحانه على وحدانيته، واستحقاقه وحده للعبادة. اختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية الكريمة على أقوال (١): أحدها: أنزلها عليه احتجاجًا له على أهل الشرك به من عبدة الأوثان. قال عطاء: "نزل على النبي ﷺ بالمدينة: ﴿وإلهكم إله واحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾، فقال كفار قريش بمكة: كيف يَسعُ الناسَ إله واحد؟ فأنزل الله تعالى ذكره: " إنّ في خَلق السموَات والأرض واختلاف الليل والنهار "، إلى قوله: " لآياتٍ لقوم يَعقلون "، فبهذا تعلمُون أنه إله واحدٌ، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء" (٢). الثاني: أنها نزلت على النبي ﷺ ، من أجل أنّ أهلَ الشرك سألوا رسول الله ﷺ [آية]، فأنزل الله هذه الآية، يعلمهم فيها أنّ لهم في خَلق السموات والأرض وسائر ما ذكر مع ذلك، آيةً بينةً على وحدانية الله، وأنه لا شريك له في ملكه، لمن عَقل وتدبَّر ذلك بفهم صحيح. أخرج ابن مَرْدُويه عن ابن عباس قال: "أتت قريش محمدًا ﷺ فقالوا: يا محمد إنما نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، فنشتري به الخيل والسلاح، فنؤمن بك ونقاتل معك. قال: "أوثقوا لي لئِنْ دعوتُ ربي فجعلَ لكم الصفا ذهبًا لتُؤْمنُنّ بي" فأوثقوا له، فدعا ربه، فأتاه جبريل فقال: إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهبًا على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذبهم عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين. قال محمد ﷺ : "ربّ لا بل دعني وقومي فلأدعهم يومًا بيوم". فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الآية" (٣). وأخرج الطبري عن أبي الضحى (٤)، وعطاء بن أبي رباح (٥)، وسعيد (٦)، والسدي (٧)، نحو ذلك.

стр. 1181

والراجح" أنّ الله تعالى ذكره نَبَّه عباده على الدلالة على وَحدانيته وتفرده بالألوهية، دون كل ما سواه من الأشياء بهذه الآية. وجائزٌ أن تكون نزلت فيما قاله عطاء، وجائزٌ أن تكون فيما قاله سعيد بن جبير وأبو الضحى، ولا خبرَ عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العذرَ، فيجوز أن يقضيَ أحدٌ لأحد الفريقين بصحة قولٍ على الآخر. وأيُّ القولين كان صحيحًا، فالمراد من الآية ما قلت" (١). قوله تعالى: ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ الأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، أي "إن في إنشاء السموات والأرض وابتداعهما" (٢). قال الصابوني: " أي إِن في إِبداع السماوات والأرض بما فيهما من عجائب الصنعة ودلائل القدرة" (٣). قال ابن عثيمين: "أي إيجادهما من عدم؛ ويشمل ذلك بقاءهما، وكيفيتهما، وكل ما يتعلق بهما من الشيء الدال على علم الله ، وقدرته، وحكمته، ورحمته" (٤). قال الشيخ السعدي: أي: "في ارتفاعها واتساعها، وإحكامها، وإتقانها، وما جعل الله فيها من الشمس والقمر، والنجوم، وتنظيمها لمصالح العباد، وفي خلق (الأرْضِ) مهادا للخلق، يمكنهم القرار عليها والانتفاع بما عليها، والاعتبار. ما يدل ذلك على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير، وبيان قدرته العظيمة التي بها خلقها، وحكمته التي بها أتقنها، وأحسنها ونظمها، وعلمه ورحمته التي بها أودع ما أودع، من منافع الخلق ومصالحهم، وضروراتهم وحاجاتهم. وفي ذلك أبلغ الدليل على كماله، واستحقاقه أن يفرد بالعبادة، لانفراده بالخلق والتدبير، والقيام بشئون عباده" (٥). و(السموات) جمع سماء، وتقدم أنها سبع؛ و (الأرض) مفرد يراد به الجنس؛ فيشمل السبع. قال البيضاوي: " إنما جمع ﴿السموات﴾، وأفرد ﴿الأرض﴾، لأنها طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين" (٦). قوله تعالى: ﴿اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، " أي: تعاقبهما بنظام محكم" (٧). قال البيضاوي: أي" تعاقبهما، والقصد به إلى الاستدلال بالبحر وأحواله" (٨). قال السعدي: " وهو تعاقبهما على الدوام، إذا ذهب أحدهما، خلفه الآخر، وفي اختلافهما في الحر، والبرد، والتوسط، وفي الطول، والقصر، والتوسط، وما ينشأ عن ذلك من الفصول، التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم، وجميع ما على وجه الأرض، من أشجار ونوابت، كل ذلك بانتظام وتدبير، وتسخير، تنبهر له العقول، وتعجز عن إدراكه من الرجال الفحول، ما يدل ذلك على قدرة مصرفها، وعلمه وحكمته، ورحمته الواسعة، ولطفه الشامل، وتصريفه وتدبيره، الذي تفرد به، وعظمته، وعظمة ملكه وسلطانه، مما يوجب أن يؤله ويعبد، ويفرد بالمحبة والتعظيم، والخوف والرجاء، وبذل الجهد في محابه ومراضيه" (٩). وفي تفسير ﴿وَاخْتِلَافِ﴾، في قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ وجهان (١٠): أحدهما: أنه (إفتعال)، من (خُلوف) كل واحد منهما الآخر، من قولهم: خلَفه يخلُفه، إذا ذهب الأول وجاء الثاني خلافه، أي: بعده، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ

стр. 1182

شُكُورًا﴾ [سورة الفرقان: ٦٢]، بمعنى: أن كل واحد منهما يخلف مَكان صاحبه، إذا ذهب الليل جَاء النهارُ بعده، وإذا ذهب النهارُ جاء الليل خلفه. ومن ذلك قيل: خلف فلانٌ فلانًا في أهله بسوء، ومنه قول زهير (١): بِهَا العِينُ وَالآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ... وَأَطْلاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَم الثاني: أنه أراد: اختلافهما في الطول والقصر، والنور والظلمة، والزيادة والنقصان. قاله ابن كيسان (٢)، وعطاء (٣). قال ابن عثيمين: " واختلاف الليل، والنهار أيضاً في الطول، والقصر، كما قال تعالى: ﴿يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل﴾ [الحج: ٦١] على وجه خفي لا يشعر الناس به: يزداد شيئاً فشيئاً، وينقص شيئاً فشيئاً - ليست الشمس تطلع فجأة من مدار السرطان، وفي اليوم التالي مباشرة من مدار الجدي! ولكنها تنتقل بينهما شيئاً فشيئاً حتى يحصل الالتئام، والتوازن، وعدم الكوارث؛ فلو انتقلت فجأة من مدار السرطان إلى مدار الجدي لهلك الناس من حر شديد إلى برد شديد؛ والعكس بالعكس؛ ولكن الله - جل وعلا - بحكمته، ورحمته جعلها تنتقل حتى يختلف الليل والنهار على حسب ما تقتضيه حكمته ورحمته" (٤). قوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، أي: إن في السفن التي تسير في البحر (٥). قال أبو مالك: " ﴿الفلك﴾: السفينة" (٦). وروي عن سعيد بن جبير مثله (٧). قال مقاتل: " يعني السفن التي في البحر" (٨). قال الصابوني: " أي السفن الضخمة الكبيرة التي تسير في البحر على وجه الماء وهي موقرةٌ بالأثقال" (٩). و(الفلك): "هي السفن والمراكب ونحوها، مما ألهم الله عباده صنعتها، وخلق لهم من الآلات الداخلية والخارجية ما أقدرهم عليها" (١٠). واختلف في مفرد (الفلك) على قولين (١١): أحدهما: أن واحدُه وجمعه بلفظ واحد، فتطلق على المفرد، كما في هذه الآية؛ وعلى الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾ [يونس: ٢٢]، ويذكَّر ويؤنث كما قال تعالى ذكره في تذكيره في آية أخرى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [سورة يس: ٤١]، فذكَّره (١٢).

стр. 1183

والثاني: وقيل: واحده: فلك، مثل أسد وأسد، وخشب وخشب، وأصله من الدوران، ومنه: فلك السماء التي تدور عليه النجوم. وفلكت الجارية استدار ثديها، ومنه فلكة المغزل، وسميت السفينة فلكا، لأنها تدور بالماء أسهل دور (١). وتخصيص ﴿الْفُلْكِ﴾ بالذكر، "لأنه سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه، ولذلك قدمه على ذكر المطر والسحاب، لأن منشأهما البحر في غالب الأمر، وتأنيث الْفُلْكِ لأنه بمعنى السفينة" (٢). قال القرطبي: " ووجه الآية في الفلك: تسخير الله إياها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها فوقه مع ثقلها" (٣). ويحتمل ﴿في﴾، في قوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وجهان (٤): أحدهما: أن المعنى تسير؛ في جوف البحر، على الأصل. قال ابن عثيمين: "فالغواصات تجري في البحر بما ينفع الناس وهي في جوفه؛ لأنه يقاتل بها الأعداء، وتحمى بها البلاد؛ وهذا مما ينفع الناس. الثاني: ويجوز أن تكون (في) بمعنى (على)، أي على سطح البحر، كقوله تعالى: ﴿ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام﴾ [الشورى: ٣٢]. قال ابن عثيمين: " وهذه أيضاً من آيات الله؛ سفن محملة بالآدميين، والأمتعة، والأرزاق، تجري على سطح الماء بدون تقلب، أو إزعاج غالباً! هذا من آيات الله؛ وقد حدث في عصرنا هذا ما هو أعظم آية، وأكبر منه؛ وهو الفلك الذي يجري في الهواء؛ فإذا أشار الله إلى شيء من آياته في أمر فما هو أعظم منه يكون أقوى دلالة على ذلك؛ وها هو الطير مسخراً في جو السماء لا يمسكه إلا الله من آيات الله، كما قال تعالى: ﴿ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾ [النحل: ٧٩]؛ هذه الطيور لا تحمل إلا نفسها، فجعلها الله آية؛ فكيف بهذه الطائرات! تكون أعظم، وأعظم" (٥). وقرئ ﴿الْفُلُكِ﴾ بضمتين على الأصل، أو الجمع، وضمة الجمع غير ضمة الواحد عند المحققين" (٦). قوله تعالى: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، "أي بما فيه مصالح الناس" (٧). قال مقاتل: " في معايشهم" (٨). قال الواحدي: " أي: بالذي ينفعهم، من ركوبها، والحمل عليها في التجارات، وينفع الحامل؛ لأنه يريح، والمحمول إليه؛ لأنه ينتفع بما حمل إليه" (٩). قال القرطبي: أي: " أي بالذي ينفعهم من التجارات وسائر المآرب التي تصلح بها أحوالهم" (١٠). قال ابن عطية: " هي التجارات وسائر المآرب التي يركب لها البحر من غزو وحج، والنعمة بالفلك هي إذا انتفع بها، فلذلك خص ذكر الانتفاع إذ قد تجري بما يضر" (١١).

стр. 1184

و (الباء) هنا للمصاحبة - أي مصحوبة بما ينفع الناس من الأرزاق، والبضائع، والأنفس، والذخائر، وغيرها؛ لأن ﴿ما﴾ اسم موصول يفيد العموم؛ فالفلك آية من آيات الله الدالة على كمال قدرته، وكمال رحمته، وتسخيره، كما قال تعالى في أخرى: ﴿وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار﴾ [إبراهيم: ٣٢] (١). ومن حكمة الله أنه قدر في الأرض أقواتها - يعني جعل قدْراً هنا، وقدْراً هنا، وقدْراً هنا؛ لأجل أن ينتفع الناس؛ فهناك ناس لا تكثر عندهم البقول، والخضروات، وما أشبه ذلك؛ يأتيهم من أرض أخرى؛ وهناك ناس يكثر عندهم نوع من النخيل لا يوجد في مكان آخر، فينقل إلى المكان الآخر، فيتبادل الناس الأرزاق، وينتفع الناس، ويتحركون - كل فيما قدر له (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، " أي وما أنزل الله من السحاب من المطر" (٣). قال مقاتل: يعنى بالماء" (٤). قال السعدي: "وهو المطر النازل من السحاب (٥). قال ابن عطية: " يعني به الأمطار التي بها إنعاش العالم وإخراج النبات والأرزاق" (٦). قال ابن عثيمين: أي" وفيما أنزل الله من السماء من ماء؛ والمراد بـ (السماء) هنا العلو؛ لأن المطر ينزل من السحاب المسخر بين السماء، والأرض؛ وليس من السماء نفسها" (٧). قال أبو هريرة: "ما نزل قطر إلا بميزان" (٨). والمطر الذي أنزله الله من السماء؛ وفيه آيات عظيمة، منها (٩): أحدها: كونه ينزل رذاذاً هذا من آيات الله الدالة على رحمته؛ لأنه لو كان ينزل صباً لأهلك العالم. الثاني: كونه ينزل من السماء لا يجري من الأرض هذا أيضاً من آيات الله؛ لأجل أن ينتفع به سهول الأرض، وجبالها؛ ولو كان يجري من الأرض لغرق الأسفل قبل أن يصل إلى الأعلى. الثالث: كذلك من آيات الله كونه ينزل لا حاراً، ولا بارداً؛ البردَ ذكره الله تعالى في سياق يدل على أنه نوع من الانتقام، فقال تعالى: ﴿وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار﴾ [النور: ٤٣]؛ وإن كان الله قد يجعله رحمة؛ لكن الغالب أنه انتقام. قوله تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [القرة: ١٦٤]، "أي أحيا بهذا الماء الزروع والأشجار، بعد أن كانت يابسة مجدبة ليس فيها حبوب ولا ثمار" (١٠). قال مقاتل: أي بعد" يبسها" (١١). قال السعدي: "أي: فأظهرت من أنواع الأقوات، وأصناف النبات، ما هو من ضرورات الخلائق، التي لا يعيشون بدونها" (١٢).

стр. 1185

قال قتادة: " كما أحيا الله الأرض الميتة بهذا الماء، كذلك [يحيي] الله الناس يوم القيامة" (١). قال الواحدي: " أراد بموت الأرض: جدوبتها ويبوستها، فسماها موتا مجازا، وذلك أن الأرض إذا لم يصبها مطر لم تنبت، ولم تنم نباتا، وكانت من هذا الوجه كالميت، وإذا أصابها المطر أنبتت، ونحو هذا قوله: ﴿وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ [الحج: ٥]، فلما وصفت بالاهتزاز وهو الحركة عند نزول الماء، توصف عند إمساك الماء بالسكون، والعرب تسمي السكون موتا، قال الشاعر (٢): إني لأرجو أن تموت الريح ... فأسكن اليوم وأستريح فيجوز أن يراد بالموت في هذه الآية: ضد الاهتزاز الذي وصفت به عند نزول الماء، ولما سمى ذلك موتا سمى إزالتها إحياء ليتجانس اللفظ " (٣). قال الشيخ ابن عثيمين: " وفي إحياء النبات آيات كثيرة: آيات دالة على الرحمة؛ وآيات دالة على الحكمة؛ وآيات دالة على القدرة" (٤): الأول: آيات دالة على الرحمة: لما في هذا الإحياء من المنافع العظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها * متاعاً لكم ولأنعامكم﴾ [النازعات: ٣١، ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا الماء صباً ... ﴾ [عبس: ٢٤] إلى قوله تعالى: ﴿متاعاً لكم ولأنعامكم﴾؛ فكم من نعم كثيرة في هذه الزروع التي أحياها الله بالمطر لنا، ولأنعامنا قوتاً، ودواءً، وغير ذلك. والثاني: وآيات دالة على الحكمة: وهو أن حياة الأرض جاءت بسبب - وهو الماء الذي نزل؛ فمنه نأخذ أن الله - جل وعلا - يخلق بحكمة، ويقدّر بحكمة؛ الله - جل وعلا - قادر على أن يقول للأرض: «أنبتي الزرع» فتنبت بدون ماء؛ لكن كل شيء مقرون بسبب؛ فكونه جلا وعلا ربط إحياء الأرض بنزول الماء يدل على الحكمة، وأن كل شيء له نظام خاص لا يتعداه منذ خُلق إلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم. الثالث: وآيات دالة على القدرة: وهي أنك ترى الأرض خاشعة هامدة سوداء شهباء ما فيها شيء؛ فإذا أنزل الله عليها المطر؛ تأتي إليها بعد نحو شهر تجدها تهتز أزهاراً، وأوراقاً، وأشجاراً: قال تعالى: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير﴾ [فصلت: ٣٩]؛ وهذه قدرة عظيمة؛ واللَّهِ! لو أن البشر من أولهم إلى آخرهم اجتمعوا على أن يخرجوا ورقة واحدة من حبة لما استطاعوا؛ وحبة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة؛ أليس هذا دليلاً على القدرة العظيمة! ! ! (٥). قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، " أي نشر في الأرض من الدواب المتنوعة" (٦). قال الصابوني: " أي نشر وفرّق في الأرض من كل ما يدب عليها من أنواع الدواب، المختلفة في أحجامها وأشكالها وألوانها وأصواتها" (٧). قال ابن كثير: أي: نشر من الدواب المتنوعة، "على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه لا يخفى عليه شيء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] " (٨). قال السعدي: "وهو دليل على قدرته وعظمته، ووحدانيته وسلطانه العظيم، وسخرها للناس، ينتفعون بها بجميع وجوه الانتفاع، فمنها: ما يأكلون من لحمه، ويشربون من دره، ومنها: ما يركبون، ومنها: ما هو

стр. 1186

ساع في مصالحهم وحراستهم، ومنها: ما يعتبر به، ومع أنه بث فيها من كل دابة، فإنه سبحانه هو القائم بأرزاقهم، المتكفل بأقواتهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها" (١). وفي تفسير (البث) في قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وجوها: أحدها: أن معنى" ﴿بث﴾: خلق". قاله السدي (٢)، وروي عن مقاتل بن حيان (٣)، مثل ذلك. الثاني: أنه يعني: بسط". قاله مقاتل بن سليمان (٤). الثالث: أن" معناه: فرق وبسط". قاله ابن عطية (٥). وجميع المعاني متقاربة، والله أعلم. قال الواحدي: " البث: النشر والتفريق، ومنه قوله تعالى: ﴿وبث منهما رجالا كثيرا ونساء﴾ [النساء: ١]، ومنه: ﴿كالفراش المبثوث﴾ [القارعة: ٤]، ويقال: بثثته سري أبثثته، إذا أطلعته عليه؛ لأنك فرقت بين سرك وبينك، ويقال للحزن: بث؛ لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يظهره" (٦). قال الشيخ ابن عثيمين: "وأتى بـ (كل) لإفادة العموم الشامل لجميع الأجناس، والأنواع، والأفراد؛ ففي الأرض دواب لا يَعلَم بأنواعها، ولا أجناسها - فضلاً عن أفرادها - إلا الذي خلقها يعلم هذه الأجناس، وأنواعها، وأفرادها، وأحوالها، وكل ما يصلحها؛ ففيها من آيات الله الدالة على كمال قدرته، ورحمته، وعلمه، وحكمته ما يبهر العقول؛ تجد هذه الدواب المختلفة المتنوعة، والحشرات الصغيرة كيف هداها الله لما خلقت له؛ قال تعالى: ﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] حتى إنك لترى الماء يدخل في جحر النمل، فترى النملة تخرج من هذا الجحر حاملة أولادها! ماذا ترجو من هذه الأولاد؟ ! لكن رحمة أرحم الراحمين أن جعل في قلب هذه النملة رحمة لتحمل أولادها عن الغرق؛ كذلك أيضاً السباع الضارية التي تأكل ما دون أولادها من الحيوان: تجدها تحنو على ولدها، وتربيه؛ حتى إذا استقل بنفسه صار عدواً لها، أو صارت عدوة له؛ فالهرة تربي أولادها؛ فإذا استغنوا عنها طردتهم، وصارت عدوة لأولادها؛ فهذا من آيات الله ؛ ترى بعض الدواب تدب على الأرض؛ ولكن لا تكاد تدرك جسمها صغراً فضلاً عن أعضائها، وعما في جوفها؛ ومع ذلك فهي عايشة، وتعرف مصالحها، وتعرف جحرها تأوي إليه؛ فهذه من آيات الله ؛ ومن درس في علم الأحياء وجد من هذا ما يبهر العقول؛ فما بث الله في الأرض من الدواب من أجناسها، وأنواعها، وأفرادها فيه من آيات الله ما لا يحصى؛ لأن في كل شيء منه آية؛ وهو لا يحصى أنواعاً، أو أجناساً فضلاً عن أفرادٍ؛ وهذه الدواب تنقسم باعتبار مصالح الخلق إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما فيه مصلحة خالصة، أو راجحة. الثاني: ما فيه مضرة خالصة، أو راجحة؛ لكن مضرتها لها حِكَم كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. الثالث: ما لا مضرة فيه، ولا مصلحة؛ ولكن فيه دلالة على كمال الله " (٧). والآية فيها مع ظهور القدرة على إنشاء ﴿الدابة﴾ من ثلاثة أوجه (٨): أحدها: تباين خلقها. والثاني: اختلاف معانيها. والثالث: إلهامها وجوه مصالحها. واختلف في تفسير ﴿دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، على قولين:

стр. 1187

أحدهما: أنها تجمع الحيوان كله. وهذا قول الأكثرين (١). قال الماوردي: " يعني جميع الحيوان الذي أنشأه فيها، سماه ﴿دابة﴾ لدبيبه عليها" (٢). الثاني: أن الدابة اسم لكل ذي روح كان، غير طائر بجناحيه لدبيبه على الأرض، وهو قول الطبري (٣)، وظاهر كلام الرازي (٤). وقد رد القول الثاني جماعة من أهل العلم كابن عطية (٥)، وأبي حيان (٦)، والقرطبي (٧). قال القرطبي: "وقد أخرج بعض الناس الطير، وهو مردود قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] فإن الطير يدب على رجليه في بعض حالاته" (٨)، ومنه قول الأعشى (٩): نياف كغض البان ترتجّ إنْ مشتْ ... دبيب قطا البطحاء في كل منهل وقال علقمة بن عبدة (١٠): فكأنما صَابَتْ عليه سحابة ... صواعقها لطيرهن دبيب وقال الحافظ ابن حجر: " الدابة: ما دبّ من الحيوان" (١١)، واستثنى بعضهم (١٢) الطير لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، لقوله تعالى لقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦]، وعرفاً: ذوات الأربع (١٣)، وقيل: يختص بالفرس (١٤)، وقيل: بالحمار (١٥)، والمراد هنا المعنى اللغوي" (١٦)، أي: كل ما دب على الأرض من كائن له روح ليفيد العموم. قوله تعالى: ﴿وتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، "أي وتوجيه الرياح وتصريفها بحسب الإرادة ووفق النظام على السنن الحكيمة" (١٧). قال ابن عثيمين: "أي: تنويعها في اتجاهها، وشدتها، ومنافعها" (١٨). قال مقاتل: أي" في العذاب والرحمة" (١٩).

стр. 1188

قال ابن كثير: "تارة تأتي بالرحمة وتارة تأتي بالعذاب، تارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه" (١). عن أبي بن كعب، قال: "كل شيء في القرآن من الرياح فهي رحمة، وكل شيء في القرآن من الريح فهو عذاب" (٢). و(الرِّيَاحِ) جمع ريح؛ وهي الهواء؛ وفي قراءة: ﴿الريح﴾ بالإفراد (٣)؛ والمراد به الجنس؛ والتصريف يشمل تصريفها من حيث الاتجاه؛ تصريفها من حيث الشدة، وعدمها؛ تصريفها من حيث المنافع، وعدمها؛ فمن حيث الاتجاه جعلها الله متجهة جنوباً، وشمالاً، وغرباً، وشرقاً؛ وهذه هي أصول الجهات؛ وهناك جهات أخرى تكون بينها؛ وتسمى النكبة؛ لأنها ليست في الاستقامة في الشرق، أو الغرب، أو الشمال، أو الجنوب؛ فهي نكباء - ناكبة عن الاتجاه الأصلي (٤). قال ابن الأنباري: "إنما سميت الريح ريحا؛ لأن الغالب عليها في هبوبها المجيء بالروح والراحة، وانقطاع هبوبها يكسب الكرب والغم، فهي مأخوذة من الروح. وأصلها: روح، فصارت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، كما فعلوا في الميزان والميعاد والعيد، والدليل على أن أصلها الواو: قولهم في الجمع: أرواح. قال زهير (٥): قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم ويقال: رحت الريح أراحها، وأرحتها أريحها: إذا وجدتها، ومنه الحديث: "من استرعي رعية فلم يحطهم بنصيحة، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة مائة عام" (٦) " (٧). وفي قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفَ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وجهان (٨): أحدهما: اختلاف هبوبها في انتقال الشمال جنوبها، والصبا دبوراً، فلا يعلم لانتقالها سبب، ولا لانصرافها جهة. والثاني: ما جعله في اختلافها من إنعام ينفع، وانتقام يؤذي. واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفَ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، على وجهين (٩): أحدهما: قرأ حمزة والكسائي: ﴿الريح﴾ على الإفراد، وكذا في: (الأعراف والكهف وإبراهيم والنمل والروم وفاطر والشورى والجاثية)، لا خلاف بينهما في ذلك، ووافقهما ابن كثير في: (الأعراف والنمل والروم وفاطر والشورى)، وأفرد حمزة ﴿الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]. وأفرد ابن كثير ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [الفرقان: ٤٨]. الثاني: وقرأ الباقون ﴿الرِّيَاحِ﴾، بالجمع في جميعها سوى الذي في: (إبراهيم والشورى) فلم يقرأهما بالجمع سوى نافع، ولم يختلف السبعة فيما سوى هذه المواضع.

стр. 1189

قال ابن عثيمين: "وفي تصريف هذه الرياح آيات: لو بقيت الريح في اتجاه واحد لأضرت بالعالم؛ لكنها تتقابل، فيكسر بعضها حدةَ بعض، ويذهب بعضها بما جاء به البعض الآخر من الأذى، والجراثيم، وغيرها؛ كذلك أيضاً في تصريفها آيات بالنسبة للسحاب فبعضها يجمع السحاب؛ وبعضها يفرقه؛ وبعضها يلقحه؛ وبعضه يدره، فيمطر، كما قال تعالى: ﴿الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء﴾ [الروم: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماءً فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين﴾ [الحجر: ٢٢]؛ قال المفسرون: تلقح في السحاب؛ وفي تصريف الرياح أيضاً آيات للسفن الشراعية؛ وفيه أيضاً آيات في إهلاك الناس، وإنجاء آخرين: أهلك الله به عاداً، وطرد به الأحزاب عن رسول الله ﷺ ؛ وأنجى الله رسول الله ﷺ بهذه الريح من شر الأحزاب؛ ومن تدبر هذا عرف ما فيها من قدرة الله، ورحمته، وعزته، وحكمته؛ لو أن جميع مكائن الدنيا كلها اجتمعت، وصارت على أقوى ما يكون من نَفْث هواء لا يمكن أن تحرك ساكناً إلا فيما حولها فقط؛ لكن أن تصل من أقصى الشمال إلى الجنوب، أو بالعكس فلا؛ والله - جل وعلا - يقول للشيء إذا أراده: ﴿كن فيكون﴾ [البقرة: ١١٧]؛ فتجد الرياح شديدة شمالية؛ وفي لحظة تنعكس، وتكون جنوبية شديدة؛ هذه تمام القدرة العظيمة، حيث يدبر الله هذه الرياح بأمر لا يستطيعه البشر؛ ولهذا صار تصريف الرياح آية من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته؛ ثم إن في تصريفها أيضاً مصالح للسفن الجوية؛ لأن لها تأثيراً على الطائرات - كما يقولون؛ وكذلك بالنسبة للسيارات لها تأثير" (١). قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، "أي: وفي السحاب المسخر بين السماء والأرض" (٢). قال ابن كثير: أي: "سائر بين السماء والأرض يُسَخَّر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه تعالى" (٣). قال المراغي: " أي الغيم الذي ذلل وسحب فى الجواء لإنزال الأمطار في مختلف البلاد" (٤). قال الواحدي: " سمي السحاب لانسحابه في الهواء، ومعنى التسخير: التذليل، ﴿والسحاب المسخر﴾: المطيعة لله تعالى" (٥). قال ابن عثيمين: " و (وَالسَّحَابِ) هو هذا الغمام، والمزن؛ وسمي سحاباً؛ لأنه ينسحب انسحاباً في الجو بإذن الله؛ و (الْمُسَخَّرِ)، أي المذلل بأمر الله لمصالح الخلق؛ ومن الآيات فيه أنه دال على: القدرة (٦)، والرحمة (٧)، والحكمة (٨). والمراد بـ (السماء): "السقف المرفوع؛ و ﴿الأرض﴾: أرضنا هذه؛ وهذه البينية لا تقتضي الملاصقة، ولا المماسة - كما هو ظاهر؛ وبهذا يعرف الرد على الذين أنكروا قول الرسول ﷺ : «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن» (٩)، وقالوا: «لو كان هذا حقيقة للزم أن تكون أصابع الرحمن

стр. 1190

داخل أجوافنا؛ وهذا مستحيل؛ فيكون ظاهر الخبر مستحيلاً، ويصرف إلى معنى أن الله يقلب القلوب دون أن تكون بين أصابعه»؛ ولا شك أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ وقد تبين بهذه الآية الكريمة أن البينية لا تستلزم الملاصقة، والمماسة؛ وعليه فلا يكون من لازم كون القلوب بين أصابع الرحمن أن تكون أصابعه داخل أجوافنا؛ ويقال أيضاً: بدر بين مكة والمدينة - هذا في المكان، وبينهما مسافة واضحة" (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، ثلاثة أوجه (٢): أحدها: ابتداء نشوئه وانتهاء تلاشيه. والثاني: ثبوته بين السماء والأرض من غير عَمَد ولا علائق. والثالث: تسخيره وإرساله إلى حيث يشاء الله . قوله تعالى: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، "أي في كل هذه الظواهر عبر ومواعظ لمن يعقل ويتدبر وينظر في الأسباب" (٣). قال أبو الضحى: " يقول: في هذه الآيات لقوم يعقلون" (٤). قال ابن كثير: "أي: في هذه الأشياء، دلالات بينة على وحدانية الله تعالى" (٥). قال الصابوني: " أي لدلائل وبراهين عظيمة دالة على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة، والرحمة الواسعة لقوم لهم عقول تعي وأبصار تدرك، وتتدبر بأن هذه الأمور من صنع إِله قادر حكيم" (٦). قال القرطبي: " أي دلالات تدل على وحدانيته وقدرته، ولذلك ذكر هذه الأمور عقيب قوله: ﴿وإلهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ليدل على صدق الخبر عما ذكره قبلها من وحدانيته سبحانه، وذكر رحمته ورأفته بخلقه. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها" أي لم يتفكر فيها ولم يعتبرها" (٧). و﴿آيات﴾: "جمع آية؛ وهي العلامة المعيِّنة لمعلومها؛ وصارت تلك آيات؛ لأنها دالة على كمال علم الله، وقدرته، ورحمته، وحكمته، وسلطانه، وغير ذلك من مقتضى ربوبيته" (٨). قال ابن طية: " فهذه آيات أن الصانع موجود. والدليل العقلي يقوم أن الصانع للعالم لا يمكن أن يكون إلا واحدا لجواز اختلاف الاثنين فصاعدا" (٩). قال ابن عثيمين: " فالإنسان العاقل حقاً إذا تأمل هذه الأشياء وجد أن فيها آيات تدل على خالقها - جل وعلا -، وموجدها، وعلى ما تضمنته من صفات كماله؛ أما الإنسان المعرض - وإن كان ذكاؤه قوياً - فإنه لا ينتفع بها - ولهذا وصف الله الكفار بأنهم لا يعقلون مع أنهم في العقل الإدراكي - يدركون به ما ينفعهم، وما يضرهم - عقلاء؛ لكن نفاه الله عنهم لعدم انتفاعهم به، وعدم عقلهم الرشدي الذي يرشدهم إلى ما فيه مصلحتهم" (١٠). قال الماوردي: " وهذه الآية قد جمعت من آياته الدالة على وحدانيته وقدرته ما صار لذوي العقول مرشداً وإلى الحق قائداً. فلم يقتصر الله بنا على مجرد الإخبار حتى قرنه بالنظر والاعتبار " (١١). الفوائد:

стр. 1191

١ - من فوائد الآية: عظم خلق السموات، والأرض؛ لقوله تعالى: ﴿لآيات﴾؛ فلولا أنه عظيم ما كان آيات. ٢ - ومنها: أن السموات متعددة؛ لقوله تعالى: ﴿إن في خلق السموات﴾. ٣ - ومنها: أن السموات مخلوقة؛ فهي إذاً كانت معدومة من قبل؛ فليست أزلية. ويتفرع على هذه الفائدة الرد على الفلاسفة الذين يقولون بقدم الأفلاك - يعنون أنها غير مخلوقة، وأنها أزلية أبدية؛ ولهذا أنكروا انشقاق القمر في عهد النبي ﷺ ، وقالوا: إن الأفلاك العلوية لا تقبل التغيير، ولا العدم؛ وفسروا قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر: ١] بأن المراد ظهور العلم، والنور برسالة النبي ﷺ ؛ ولا شك أن هذا تحريف باطل مخالف للأحاديث المتواترة الصحيحة في انشقاق القمر انشقاقاً حسياً. ٤ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يتأمل في هذه السموات والأرض ليصل إلى الآيات التي فيها؛ فيكون من الموقنين. ٥ - ومنها: أن الآيات في خلق السموات، والأرض متنوعة بحسب ما تدل عليه من القدرة، والحكمة، والرحمة، وما إلى ذلك. ٦ - ومنها: ما في اختلاف الليل، والنهار من الآيات، والعبر التي سبق بيان شيء منها؛ لقوله تعالى: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾. ٧ - ومنها: أن اختلاف الليل، والنهار من رحمة الله، وحكمته. ٨ - ومنها: ما في الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس من آيات الله، ونعمه؛ وسبق تفصيل ذلك، وقال القرطبي: " هذه الآية وما كان مثلها دليل على جواز ركوب البحر مطلقا لتجارة كان أو عبادة، كالحج والجهاد" (١). ٩ - ومنها: ما تضمنه إنزال المطر من السماء؛ ففيه آيات عظيمة سبقت الإشارة إليها. ١٠ - ومنها: ما تضمنه قوله تعالى: ﴿فأحيا به الأرض بعد موتها﴾ من الآيات؛ وسبق الكلام عليها؛ وهي آيات عظيمة دالة على كمال القدرة، والرحمة، والعظمة، وعلى إحياء الله الموتى. ١١ - ومنها: ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وبث فيها من كل دابة﴾ من الآيات التي سبق بيان شيء منها. ١٢ - ومنها: ما في تصريف الرياح من الآيات التي سبق ذكر شيء منها. ١٣ - ومنها: ما في السحاب المسخر بين السماء، والأرض من الآيات العظيمة؛ وسبق ذكر شيء منها. ١٤ - ومنها: مدح العقل، وأنه به يستظهر الإنسان الآيات التي تزيده إيماناً، ويقيناً؛ لقوله تعالى: ﴿لقوم يعقلون ١٥ - ومنها: أن الناس ينقسمون في هذه الآيات إلى قسمين: قسم يعقل ما فيها من الآيات، ويستدل به على ما لله فيها من كمال الصفات؛ وقسم لا يعقلون ذلك، وقد وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]. القرآن ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥] التفسير: ومع هذه البراهين القاطعة يتخذ فريق من الناس من دون الله أصنامًا وأوثانًا وأولياء يجعلونهم نظراء لله تعالى، ويعطونهم من المحبة والتعظيم والطاعة، ما لا يليق إلا بالله وحده. والمؤمنون أعظم حبا لله من حب هؤلاء الكفار لله ولآلهتهم؛ لأن المؤمنين أخلصوا المحبة كلها لله، وأولئك أشركوا في المحبة. ولو يعلم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك في الحياة الدنيا، حين يشاهدون عذاب الآخرة، أن الله هو المتفرد بالقوة جميعًا، وأن الله شديد العذاب، لما اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونهم من دونه، ويتقربون بهم إليه.

стр. 1192

في سبب نزول الآية: قال ابن حجر: "قال مقاتل: نزلت في مشركي العرب" (١). قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، أي: ومن الناس من يتخذ من غير الله رؤساء وأَصناماً" (٢). قال البغوي: أي: "أصناما يعبدونها" (٣). قال ابن كثير: " أمثالا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ندَّ له، ولا شريك معه" (٤). قال المراغي: " أي ومن الناس من يتخذ من دون ذلك الإله الواحد الذي ذكرت أوصافه الجليلة أندادا وأمثالا وهم رؤساؤهم الذين يتبعونهم فيما يأتون وما يذرون" (٥). وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلَقَك" (٦). وقوله ﴿أَنْدَادًا﴾ جمع ندّ؛ وهو الشبيه النظير؛ لأنه من: نادّه ينادّه إذا كان نظيراً له مكافئاً له (٧). واختلف أهل التأويل في (الأنداد) التي كان القوم اتخذوها، على أقوال (٨): أحدها: أنها: آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. وهذا قول قتادة (٩)، ومجاهد (١٠)، والربيع (١١)، وابن زيد (١٢)، أبو العالية (١٣). فكانوا يعبدونهم "لتقربهم إلى الله زلفى، ورجوا من عندها النفع والضر، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور، وقربوا لها القرابين، وهو قول أكثر المفسرين، وعلى هذا الأصنام أنداد بعضها لبعض، أي أمثال ليس إنها أندادا لله، أو المعنى: إنها أنداد لله تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة" (١٤). الثاني: أنهم: سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله تعالى. قاله السدي (١٥)، وابن عباس (١٦). فيحلون لمكان طاعتهم ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله (١٧). والقائلون بهذا القول رجحوا هذا القول على الأول من وجوه (١٨): الأول: أن قوله: ﴿يحبونهم كحب الله﴾ الهاء والميم فيه ضمير العقلاء. الثاني: أنه يبعد أنهم كانوا يحبون الأصنام كمحبتهم الله تعالى مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع.

стр. 1193

الثالث: أن الله تعالى ذكره بعد هذه الآية: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ الرجال أنداد وأمثالا لله تعالى، يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم، ما يلتزمه المؤمنون من الإنقياد لله تعالى. الثالث: وقيل: "أن كل شيء شغلت قلبك به سوى الله تعالى، فقد جعلته في قلبك ندا لله تعالى وهو المراد من قوله: ﴿أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه﴾ (الفرقان: ٤٣) " (١). وأجاز البيضاوي القول الأخير، فقال البيضاوي: " ولعل المراد أعم منهما وهو ما يشغله عن الله" (٢). قلت: وهذا القول الأخير ولو أن معناه صحيح، لكنه بعيد عن سياق الآية إذ أنها تتحدث عن الكفار وشركهم بالله. والله أعلم. والقول الأول أصح؛ " أي فهم يحبون هذه الأصنام، ويعتقدون أنها تنفع، وتضر؛ ولا فرق في ذلك بين من يتخذ محبوباً إلى الله ، أو غير محبوب إليه؛ فمن اتخذ النبي ﷺ نداً لله في المحبة، والتعظيم، كمن اتخذ صنماً من شجر، أو حجر؛ لأن النبي ﷺ ، وهذا الصنم كلاهما لا يستحق أن يكون نداً لله ؛ ولهذا لما نزلت: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وكان ظاهر الآية يشمل الأنبياء الذين عُبدوا من دون الله، استثناهم الله في قوله: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ [الأنبياء: ١٠١]- ولو عُبِدوا من دون الله -؛ وقال النبي ﷺ لرجل قال له: «ما شاء الله وشئت»: «أجعلتني لله نداً! ! ! بل ما شاء الله وحده» (٣)؛ فأنكر عليه أن يجعله نداً لله" (٤). قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، " أي: " يحبونهم كحب الله ويسوّون بينه تعالى وبينهم في الطاعة والتعظيم" (٥). قال أبو العالية: " يقول: يحبون تلك الأوثان كحب الله، أي: كحب الذين آمنوا ربهم" (٦). وروي عن قتادة، والربيع، نحو ذلك (٧). قال الصابوني: أي: "يعظمونهم ويخضعون لهم كحب المؤمنين لله" (٨). قال الزجاج: " أي: يسوون بين هذه الأوثان وبين الله في المحبة" (٩). قال المراغي: أي" ويتقربون إليهم كما يتقربون إليه، إذ هم لا يرجون من الله شيئا إلا وقد جعلوا لأندادهم ضربا من التوسط الغيبى فيه، فهم مشركون بهذا الحب الذي لا يصدر من مؤمن موحّد" (١٠). قال البيضاوي: " أي يسوون بينه وبينهم في المحبة والطاعة، والمحبة: ميل القلب من الحب، استعير لحبة القلب، ثم اشتق منه الحب لأنه أصابها ورسخ فيها، ومحبة العبد لله تعالى إرادة طاعته والإِعتناء بتحصيل مراضيه، ومحبة الله للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة، وصونه عن المعاصي" (١١). وفي قوله: ﴿كحب الله﴾ [البقرة: ١٦٥] ثلاثة أقوال:

стр. 1194

أحدها: أن المعنى: " يحبونهم كحبكم أنتم لله" (١)، أي: يحبون الأصنام كما يحب المؤمنون ربهم، فأضيف المصدر إلى المحبوب. ومنه قول الشاعر (٢): ولست مسلما ما دمت حيا ... على زيدكتسليم الأمير أراد: كتسليمي على الأمير، وهذا قول الفراء (٣). ويوافقه تفسير ابن عباس، فإنه قال: "يريد: كحب الذين آمنوا الله " (٤). قال الواحدي: فكثير من العلماء (٥) على هذه الطريقة فلم يثبتوا للكفار حبا لله، وجعلوا حب الله للمؤمنين، وشبهوا حب الكفار للأصنام بحب المؤمنين لله" (٦). واعترض الزجاج على هذا الوجه، فقال: "وهذا قول ليس بشيء، ودليل نقضه قوله: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، والمعنى أن المخلصين الذين لا يشركون مع الله غيره هم المحبون حقا" (٧). الثالث: أن معناه: يحبون الأصنام حبا لا يستحق مثل ذلك الحب إلا الله، ويحبونهم كما ينبغي لهم أن يحبوا الله، فالمعنى فيه: كالحب المستحق لله. قاله أبو روق (٨). الثالث: أن المعنى: يسوون بين هذه الأصنام وبين الله في الحب، فيكون تقدير الآية: يحبونهم كحبهم الله، فيضاف الحب إلى الله ، والمشركون هم المحبون، وعلى المشركين في تسويتهم بين الله والأصنام في المحبة أعظم الحجج وأوكدها، إذ أحبوا وعبدوا ما لا ينفع ولا يضر، ولا يحيي ولا يميت. وقد بين الله -عز اسمه- ما يدل على هذا المعنى في قوله: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣]. وهذا القول اختيار الزجاج (٩)، وابن كيسان (١٠)، واختاره الرازي (١١)، وعلى هذا فقد أثبت للمشركين حبا لله، شبه حبهم الأصنام بحبهم الله تعالى (١٢). وقد جاء الضمير في قوله ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ جمعاً للعاقل دون أن يأتي بضمير المؤنث - مع أن الأكثر من هذه الأنداد أنها لا تعقل؛ وغير العاقل يكون ضميره مؤنثاً - باعتبار عقيدة عابديها؛ لأنهم يعتقدون أنها تنفع وتضر (١٣). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، أي: "أن الذين آمنوا أشد حباً لله من هؤلاء لأصنامهم" (١٤).

стр. 1195

قال البيضاوي: " لأنه لا تنقطع محبتهم لله تعالى، بخلاف محبة الأنداد فإنها لأغراض فاسدة موهومة تزول بأدنى سبب، ولذلك كانوا يعدلون عن آلهتهم إلى الله تعالى عند الشدائد، ويعبدون الصنم زماناً ثم يرفضونه إلى غيره" (١). قال الصابوني: " أي حب المؤمنين لله أشدُّ من حب المشركين للأنداد" (٢). روي عن أبي العالية، في قوله: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، قال: "من أهل الأوثان لأوثانهم" (٣). وروي عن الربيع، ومجاهد، وقتادة ونحو ذلك (٤). وقال ابن عباس في قوله: ﴿أشد حبا لله﴾: أي" أثبت وأدوم، وذلك أن المشركين كانوا يعبدون صنما فإذا رأوا شيئا أحسن منه تركوا ذلك، وأقبلوا على عبادة الأحسن" (٥). وقال عكرمة: "أشد حبا في الآخرة" (٦). وقال قتادة: " إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله لقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] " (٧). قال ابن عثيمين: "وإما أن المفضل عليه حب هؤلاء لله؛ فيكون المعنى: أن الذين آمنوا أشد حباً لله من هؤلاء لله؛ وكلا الاحتمالين صحيح؛ أما الأول فلأن حب المؤمنين لله يكون في السراء، والضراء؛ وحب هؤلاء لأصنامهم في السراء فقط؛ وعند الضراء يلجؤون إلى الله ؛ فإذاً ليس حبهم الأصنام كحب المؤمنين لله ؛ ثم إن بعضهم يصرح، فيقول: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»؛ وأما الاحتمال الثاني في الآية فوجه التفضيل ظاهر؛ لأن حب المؤمنين لله خالص لا يشوبه شيء؛ وحب هؤلاء لله مشترك: يحبون الله، ويجعلون معه الأصنام نداً" (٨). فالمؤمنون "لا يختارون على الله ما سواه والمشركون إذا اتخذوا صنما ثم رأوا أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني قال قتادة: إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله تعالى كما أخبر الله عنهم فقال: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾ (٦٥ - العنكبوت) والمؤمن لا يعرض عن الله في السراء والضراء والشدة والرخاء (٩). وقرأ أبو رجاء العطاردي: ﴿يَحبونهم﴾ بفتح الياء. وكذلك ما كان منه في القرآن، وهي لغة، يقال: حببت الرجل فهو محبوب (١٠). قال الفراء: أنشدني أبو تراب (١١): أحب لحبها السودان حتى ... حببت لحبها سود الكلاب قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، " أي لو رأى الظالمون حين يشاهدون العذاب المعدّ لهم يوم القيامة أَن القدرة كلها لله وحده" (١٢).
следующие страницы →