← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

١ - من فوائد الآية: عظم خلق السموات، والأرض؛ لقوله تعالى: ﴿لآيات﴾؛ فلولا أنه عظيم ما كان آيات. ٢ - ومنها: أن السموات متعددة؛ لقوله تعالى: ﴿إن في خلق السموات﴾. ٣ - ومنها: أن السموات مخلوقة؛ فهي إذاً كانت معدومة من قبل؛ فليست أزلية. ويتفرع على هذه الفائدة الرد على الفلاسفة الذين يقولون بقدم الأفلاك - يعنون أنها غير مخلوقة، وأنها أزلية أبدية؛ ولهذا أنكروا انشقاق القمر في عهد النبي ﷺ ، وقالوا: إن الأفلاك العلوية لا تقبل التغيير، ولا العدم؛ وفسروا قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر: ١] بأن المراد ظهور العلم، والنور برسالة النبي ﷺ ؛ ولا شك أن هذا تحريف باطل مخالف للأحاديث المتواترة الصحيحة في انشقاق القمر انشقاقاً حسياً. ٤ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يتأمل في هذه السموات والأرض ليصل إلى الآيات التي فيها؛ فيكون من الموقنين. ٥ - ومنها: أن الآيات في خلق السموات، والأرض متنوعة بحسب ما تدل عليه من القدرة، والحكمة، والرحمة، وما إلى ذلك. ٦ - ومنها: ما في اختلاف الليل، والنهار من الآيات، والعبر التي سبق بيان شيء منها؛ لقوله تعالى: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾. ٧ - ومنها: أن اختلاف الليل، والنهار من رحمة الله، وحكمته. ٨ - ومنها: ما في الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس من آيات الله، ونعمه؛ وسبق تفصيل ذلك، وقال القرطبي: " هذه الآية وما كان مثلها دليل على جواز ركوب البحر مطلقا لتجارة كان أو عبادة، كالحج والجهاد" (١). ٩ - ومنها: ما تضمنه إنزال المطر من السماء؛ ففيه آيات عظيمة سبقت الإشارة إليها. ١٠ - ومنها: ما تضمنه قوله تعالى: ﴿فأحيا به الأرض بعد موتها﴾ من الآيات؛ وسبق الكلام عليها؛ وهي آيات عظيمة دالة على كمال القدرة، والرحمة، والعظمة، وعلى إحياء الله الموتى. ١١ - ومنها: ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وبث فيها من كل دابة﴾ من الآيات التي سبق بيان شيء منها. ١٢ - ومنها: ما في تصريف الرياح من الآيات التي سبق ذكر شيء منها. ١٣ - ومنها: ما في السحاب المسخر بين السماء، والأرض من الآيات العظيمة؛ وسبق ذكر شيء منها. ١٤ - ومنها: مدح العقل، وأنه به يستظهر الإنسان الآيات التي تزيده إيماناً، ويقيناً؛ لقوله تعالى: ﴿لقوم يعقلون ١٥ - ومنها: أن الناس ينقسمون في هذه الآيات إلى قسمين: قسم يعقل ما فيها من الآيات، ويستدل به على ما لله فيها من كمال الصفات؛ وقسم لا يعقلون ذلك، وقد وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]. القرآن ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥] التفسير: ومع هذه البراهين القاطعة يتخذ فريق من الناس من دون الله أصنامًا وأوثانًا وأولياء يجعلونهم نظراء لله تعالى، ويعطونهم من المحبة والتعظيم والطاعة، ما لا يليق إلا بالله وحده. والمؤمنون أعظم حبا لله من حب هؤلاء الكفار لله ولآلهتهم؛ لأن المؤمنين أخلصوا المحبة كلها لله، وأولئك أشركوا في المحبة. ولو يعلم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك في الحياة الدنيا، حين يشاهدون عذاب الآخرة، أن الله هو المتفرد بالقوة جميعًا، وأن الله شديد العذاب، لما اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونهم من دونه، ويتقربون بهم إليه.

стр. 1192

في سبب نزول الآية: قال ابن حجر: "قال مقاتل: نزلت في مشركي العرب" (١). قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، أي: ومن الناس من يتخذ من غير الله رؤساء وأَصناماً" (٢). قال البغوي: أي: "أصناما يعبدونها" (٣). قال ابن كثير: " أمثالا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ندَّ له، ولا شريك معه" (٤). قال المراغي: " أي ومن الناس من يتخذ من دون ذلك الإله الواحد الذي ذكرت أوصافه الجليلة أندادا وأمثالا وهم رؤساؤهم الذين يتبعونهم فيما يأتون وما يذرون" (٥). وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلَقَك" (٦). وقوله ﴿أَنْدَادًا﴾ جمع ندّ؛ وهو الشبيه النظير؛ لأنه من: نادّه ينادّه إذا كان نظيراً له مكافئاً له (٧). واختلف أهل التأويل في (الأنداد) التي كان القوم اتخذوها، على أقوال (٨): أحدها: أنها: آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. وهذا قول قتادة (٩)، ومجاهد (١٠)، والربيع (١١)، وابن زيد (١٢)، أبو العالية (١٣). فكانوا يعبدونهم "لتقربهم إلى الله زلفى، ورجوا من عندها النفع والضر، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور، وقربوا لها القرابين، وهو قول أكثر المفسرين، وعلى هذا الأصنام أنداد بعضها لبعض، أي أمثال ليس إنها أندادا لله، أو المعنى: إنها أنداد لله تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة" (١٤). الثاني: أنهم: سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله تعالى. قاله السدي (١٥)، وابن عباس (١٦). فيحلون لمكان طاعتهم ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله (١٧). والقائلون بهذا القول رجحوا هذا القول على الأول من وجوه (١٨): الأول: أن قوله: ﴿يحبونهم كحب الله﴾ الهاء والميم فيه ضمير العقلاء. الثاني: أنه يبعد أنهم كانوا يحبون الأصنام كمحبتهم الله تعالى مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع.

стр. 1193

الثالث: أن الله تعالى ذكره بعد هذه الآية: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ الرجال أنداد وأمثالا لله تعالى، يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم، ما يلتزمه المؤمنون من الإنقياد لله تعالى. الثالث: وقيل: "أن كل شيء شغلت قلبك به سوى الله تعالى، فقد جعلته في قلبك ندا لله تعالى وهو المراد من قوله: ﴿أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه﴾ (الفرقان: ٤٣) " (١). وأجاز البيضاوي القول الأخير، فقال البيضاوي: " ولعل المراد أعم منهما وهو ما يشغله عن الله" (٢). قلت: وهذا القول الأخير ولو أن معناه صحيح، لكنه بعيد عن سياق الآية إذ أنها تتحدث عن الكفار وشركهم بالله. والله أعلم. والقول الأول أصح؛ " أي فهم يحبون هذه الأصنام، ويعتقدون أنها تنفع، وتضر؛ ولا فرق في ذلك بين من يتخذ محبوباً إلى الله ، أو غير محبوب إليه؛ فمن اتخذ النبي ﷺ نداً لله في المحبة، والتعظيم، كمن اتخذ صنماً من شجر، أو حجر؛ لأن النبي ﷺ ، وهذا الصنم كلاهما لا يستحق أن يكون نداً لله ؛ ولهذا لما نزلت: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وكان ظاهر الآية يشمل الأنبياء الذين عُبدوا من دون الله، استثناهم الله في قوله: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ [الأنبياء: ١٠١]- ولو عُبِدوا من دون الله -؛ وقال النبي ﷺ لرجل قال له: «ما شاء الله وشئت»: «أجعلتني لله نداً! ! ! بل ما شاء الله وحده» (٣)؛ فأنكر عليه أن يجعله نداً لله" (٤). قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، " أي: " يحبونهم كحب الله ويسوّون بينه تعالى وبينهم في الطاعة والتعظيم" (٥). قال أبو العالية: " يقول: يحبون تلك الأوثان كحب الله، أي: كحب الذين آمنوا ربهم" (٦). وروي عن قتادة، والربيع، نحو ذلك (٧). قال الصابوني: أي: "يعظمونهم ويخضعون لهم كحب المؤمنين لله" (٨). قال الزجاج: " أي: يسوون بين هذه الأوثان وبين الله في المحبة" (٩). قال المراغي: أي" ويتقربون إليهم كما يتقربون إليه، إذ هم لا يرجون من الله شيئا إلا وقد جعلوا لأندادهم ضربا من التوسط الغيبى فيه، فهم مشركون بهذا الحب الذي لا يصدر من مؤمن موحّد" (١٠). قال البيضاوي: " أي يسوون بينه وبينهم في المحبة والطاعة، والمحبة: ميل القلب من الحب، استعير لحبة القلب، ثم اشتق منه الحب لأنه أصابها ورسخ فيها، ومحبة العبد لله تعالى إرادة طاعته والإِعتناء بتحصيل مراضيه، ومحبة الله للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة، وصونه عن المعاصي" (١١). وفي قوله: ﴿كحب الله﴾ [البقرة: ١٦٥] ثلاثة أقوال:

стр. 1194

أحدها: أن المعنى: " يحبونهم كحبكم أنتم لله" (١)، أي: يحبون الأصنام كما يحب المؤمنون ربهم، فأضيف المصدر إلى المحبوب. ومنه قول الشاعر (٢): ولست مسلما ما دمت حيا ... على زيدكتسليم الأمير أراد: كتسليمي على الأمير، وهذا قول الفراء (٣). ويوافقه تفسير ابن عباس، فإنه قال: "يريد: كحب الذين آمنوا الله " (٤). قال الواحدي: فكثير من العلماء (٥) على هذه الطريقة فلم يثبتوا للكفار حبا لله، وجعلوا حب الله للمؤمنين، وشبهوا حب الكفار للأصنام بحب المؤمنين لله" (٦). واعترض الزجاج على هذا الوجه، فقال: "وهذا قول ليس بشيء، ودليل نقضه قوله: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، والمعنى أن المخلصين الذين لا يشركون مع الله غيره هم المحبون حقا" (٧). الثالث: أن معناه: يحبون الأصنام حبا لا يستحق مثل ذلك الحب إلا الله، ويحبونهم كما ينبغي لهم أن يحبوا الله، فالمعنى فيه: كالحب المستحق لله. قاله أبو روق (٨). الثالث: أن المعنى: يسوون بين هذه الأصنام وبين الله في الحب، فيكون تقدير الآية: يحبونهم كحبهم الله، فيضاف الحب إلى الله ، والمشركون هم المحبون، وعلى المشركين في تسويتهم بين الله والأصنام في المحبة أعظم الحجج وأوكدها، إذ أحبوا وعبدوا ما لا ينفع ولا يضر، ولا يحيي ولا يميت. وقد بين الله -عز اسمه- ما يدل على هذا المعنى في قوله: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣]. وهذا القول اختيار الزجاج (٩)، وابن كيسان (١٠)، واختاره الرازي (١١)، وعلى هذا فقد أثبت للمشركين حبا لله، شبه حبهم الأصنام بحبهم الله تعالى (١٢). وقد جاء الضمير في قوله ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ جمعاً للعاقل دون أن يأتي بضمير المؤنث - مع أن الأكثر من هذه الأنداد أنها لا تعقل؛ وغير العاقل يكون ضميره مؤنثاً - باعتبار عقيدة عابديها؛ لأنهم يعتقدون أنها تنفع وتضر (١٣). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، أي: "أن الذين آمنوا أشد حباً لله من هؤلاء لأصنامهم" (١٤).

стр. 1195

قال البيضاوي: " لأنه لا تنقطع محبتهم لله تعالى، بخلاف محبة الأنداد فإنها لأغراض فاسدة موهومة تزول بأدنى سبب، ولذلك كانوا يعدلون عن آلهتهم إلى الله تعالى عند الشدائد، ويعبدون الصنم زماناً ثم يرفضونه إلى غيره" (١). قال الصابوني: " أي حب المؤمنين لله أشدُّ من حب المشركين للأنداد" (٢). روي عن أبي العالية، في قوله: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، قال: "من أهل الأوثان لأوثانهم" (٣). وروي عن الربيع، ومجاهد، وقتادة ونحو ذلك (٤). وقال ابن عباس في قوله: ﴿أشد حبا لله﴾: أي" أثبت وأدوم، وذلك أن المشركين كانوا يعبدون صنما فإذا رأوا شيئا أحسن منه تركوا ذلك، وأقبلوا على عبادة الأحسن" (٥). وقال عكرمة: "أشد حبا في الآخرة" (٦). وقال قتادة: " إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله لقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] " (٧). قال ابن عثيمين: "وإما أن المفضل عليه حب هؤلاء لله؛ فيكون المعنى: أن الذين آمنوا أشد حباً لله من هؤلاء لله؛ وكلا الاحتمالين صحيح؛ أما الأول فلأن حب المؤمنين لله يكون في السراء، والضراء؛ وحب هؤلاء لأصنامهم في السراء فقط؛ وعند الضراء يلجؤون إلى الله ؛ فإذاً ليس حبهم الأصنام كحب المؤمنين لله ؛ ثم إن بعضهم يصرح، فيقول: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»؛ وأما الاحتمال الثاني في الآية فوجه التفضيل ظاهر؛ لأن حب المؤمنين لله خالص لا يشوبه شيء؛ وحب هؤلاء لله مشترك: يحبون الله، ويجعلون معه الأصنام نداً" (٨). فالمؤمنون "لا يختارون على الله ما سواه والمشركون إذا اتخذوا صنما ثم رأوا أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني قال قتادة: إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله تعالى كما أخبر الله عنهم فقال: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾ (٦٥ - العنكبوت) والمؤمن لا يعرض عن الله في السراء والضراء والشدة والرخاء (٩). وقرأ أبو رجاء العطاردي: ﴿يَحبونهم﴾ بفتح الياء. وكذلك ما كان منه في القرآن، وهي لغة، يقال: حببت الرجل فهو محبوب (١٠). قال الفراء: أنشدني أبو تراب (١١): أحب لحبها السودان حتى ... حببت لحبها سود الكلاب قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، " أي لو رأى الظالمون حين يشاهدون العذاب المعدّ لهم يوم القيامة أَن القدرة كلها لله وحده" (١٢).

стр. 1196

قال الحسن: " يقول الله لمحمد: ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب، إنك ستراهم إذ يرون العذاب وحينئذ يعلمون أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب" (١). قال الربيع: " يقول: لو عاينوا العذاب" (٢)، وروي عن أبي العالية (٣) مثل ذلك. وقال قتادة: " العذاب أي: عقوبة الآخرة" (٤). قال ابن كثير: أي: "لو عاينوا العذاب لعلموا وأيقنوا حينئذ أن القوة لله جميعًا" (٥). قال السعدي: أي "يوم القيامة حين يرون العذاب عيانا بأبصارهم، فيعمون بأن المختص بالقوة الكاملة من جميع الوجوه هو الله" (٦). قال الطبري: أي: " ولو ترى، يا محمد، الذين ظلموا أنفسهم، فاتخذوا من دوني أندادًا يحبونهم كحبكم إياي، حين يُعاينون عَذابي يومَ القيامة الذي أعددتُ لهم، لعلمتم أن القوة كلها لي دُون الأنداد والآلهة، وأنّ الأنداد والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئًا" (٧). قال البيضاوي: أي: " ولو يعلم هؤلاء الذين ظلموا باتخاذ الأنداد، إِذ عاينوا العذاب يوم القيامة، لعلموا أن القوة لله كلها، لا ينفع ولا يضر غيره. وأجرى المستقبل مجرى الماضي لتحققه كقوله تعالى: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ " (٨). و(الظالمون): "أي الذين نقصوا الله حقه، حيث جعلوا له أنداداً؛ وهم أيضاً ظلموا أنفسهم - أي نقصوها حقها -؛ لأن النفس أمانة عندك يجب أن ترعاها حق رعايتها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها﴾ [الشمس: ٩، ١٠]؛ فالنفس أمانة عندك؛ فإذا عصيت ربك فإنك ظالم لنفسك" (٩). وأصل: (الظلم) في كلام العرب: "وضعُ الشيء في غير موضعه، ومنه قول نابغة بني ذبيان (١٠): إِلا أُوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ فجعل الأرض مظلومة، لأن الذي حفر فيها النؤى حَفر في غير موضع الحفر، فجعلها مظلومة، لموضع الحفرة منها في غير موضعها، ومن ذلك قول ابن قَميئة في صفة غيث (١١): ظَلَمَ الْبِطَاحَ بِهَا انْهِلالُ حَرِيصَةٍ ... فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ وظلمه إياه: مجيئه في غير أوانه، وانصبابه في غير مصبِّه. ومنه: ظَلم الرجلُ جَزوره، وهو نحره إياه لغير علة. وذلك عند العرب وَضْع النحر في غير موضعه" (١٢). والمشرك ظالم، لأنه وضع العبادة التي هي حق لله تعالى وحده، وضعها في المخلوق الضعيف الفقير، أو وضعها لصنم أو حجر أو شجر، ولأجل هذا البيان فإن القرآن يكثر الله فيه إطلاق الظلم على الشرك،

стр. 1197

كما قال تعالى عن العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ فسر قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال: " بشرك" (١)، ثم تلا قول لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، أي: "من المشركين بالله، الظالمي أنفسهم" (٢). ولم يأت الظلم في القرآن إلا بهذا المعنى، إلا في موضع واحد في سورة الكهف، بمعنى النقص، كما قال تعالى ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، أي و"لم تنقص" (٣). وقيل: ﴿أن﴾: "في موضع نصب مفعول من أجله، أي لأن القوة لله جميعا. وأنشد سيبويه (٤): وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما أي لادخاره، والمعنى: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأن القوة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حل بهم. ودخلت "إذ" وهي لما مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريبا للأمر وتصحيحا لوقوعه" (٥). وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله تعالى: ﴿ولو يرى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب﴾ [البقرة: ١٦٥]، على ثلاثة أوجه (٦): أحدها: ﴿ولو يرى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب﴾ بياء الغيبة في ﴿يرى﴾، وبفتح الياء في ﴿يَرَوْنَ﴾، على الإخبار عمن جرى ذكرهم كأنه قال: ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ الأنداد. الثاني: ﴿ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب﴾ بتاء الخطاب في ﴿ترى﴾، خطابا للنبي ﵇، كأنه قال: لو ترى يا محمد الذين ظلموا. وهي قراءة نافع وابن عامر ويعقوب. الثالث: وبفتح الياء في ﴿يَرون﴾؛ وبضمها: ﴿يُرون﴾. وهي قراءة ابن عامر، على التعدية وحجته قوله تعالى: ﴿كذالك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾ والباقون (يرون) بالفتح على إضافة الرؤية إليهم. وقد رجح بعضهم القراءة الأولى، "لأن النبي ﷺ والمسلمين قد علموا قدر ما يشاهده الكفار، ويعاينون من العذاب يوم القيامة، أما المتوعدون في هذه الآية فهم الذين لم يعلموا ذلك، فوجب إسناد الفعل إليهم (٧). وقرأ أبو جعفر ويعقوب ﴿إن القوة وإن الله﴾ بكسر الألف على الاستئناف والكلام تام عند قوله ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ مع إضمار الجواب" (٨)، وأما القراء السبع فعلى فتح الألف فيها (٩).

стр. 1198

قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، " أي وأنَّ عذاب الله شديد أليم" (١). قال ابن عثيمين: "أي قوي العقوبة" (٢). قال أبو حيان: " وتأخر وصفه تعالى بأنه شديد العذاب عن ذلك، لأن شدة العذاب هي من آثار القوة" (٣). قال الآلوسي: " وفائدة هذه الجملة المبالغة في تهويل الخطب وتفظيع الأمر، فإن اختصاص ﴿الْقُوَّةَ﴾ به تعالى لا يوجب شدة «العذاب» لجواز تركه عفوا مع القدرة عليه" (٤). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن بعض الناس يجعل لله نداً في المحبة يحبه كحب الله؛ لقوله تعالى: ﴿يحبونهم كحب الله﴾. ٢ - ومنها: أن محبة الله من العبادة؛ لأن الله جعل من سوّى غيره فيها مشركاً متخذاً لله نداً؛ فالمحبة من العبادة؛ بل هي أساس العبادة؛ لأن أساس العبادة مبني على الحب، والتعظيم؛ فبالحب يفعل المأمور؛ وبالتعظيم يجتنب المحظور؛ هذا إذا اجتمعا؛ وإن انفرد أحدهما استلزم الآخر. ٣ - ومنها: أن من جعل لله نداً في المحبة فهو ظالم؛ لقوله تعالى: ﴿ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب﴾. ٤ - ومنها: إثبات الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿إذ يرون العذاب﴾. ٥ - ومنها: إثبات القوة لله؛ لقوله تعالى: ﴿أن القوة لله جميعاً﴾؛ فإن قيل: كيف يتفق قوله تعالى: ﴿جميعاً﴾ مع أن للمخلوق قوة؟ فالجواب: أن قوة المخلوق ليست بشيء عند قوة الخالق؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فإن العزة لله جميعاً﴾ [النساء: ١٣٩ مع أن الله أثبت للمخلوق عزة؛ وهكذا نقول في بقية الصفات التي يشترك فيها الخالق والمخلوق في أصل الصفة. ٦ - ومنها: أن المؤمن محب لله أكثر من محبة هؤلاء لأصنامهم؛ لقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا أشد حباً﴾. ٧ - ومنها: أنه كلما ازداد إيمان العبد ازدادت محبته لله؛ وجه ذلك أن الله رتب شدة المحبة على الإيمان؛ وقد عُلم أن الحكم إذا عُلِّق على وصف فإنه يقوى بقوة ذلك الوصف، وينقص بنقصه؛ فكلما ازداد الإنسان إيماناً بالله ازداد حباً له. ٨ - ومنها: شدة عذاب الله لهؤلاء الظالمين؛ لقوله تعالى: ﴿وأن الله شديد العذاب﴾؛ فإن قيل: كيف يكون الله شديد العذاب مع أنه أرحم من الوالدة بولدها؟

стр. 1199

فالجواب: أن هذا من كمال عزه، وسلطانه، وعدله، وحكمته؛ لأنه أنذر مستحق العذاب، وأعذر منهم بإرسال الرسل؛ فلم يبق لهم حجة توجب تخفيف العذاب عنهم؛ فلو رحم هؤلاء الكافرين به لكان لا فرق بينهم والمؤمنين به. وشدة عذاب الله لهؤلاء مذكور في القرآن، والسنة: قال الله تعالى: ﴿وإن يستغيثوا﴾ [الكهف: ٢٩] أي أهل النار ﴿يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه﴾ [الكهف: ٢٩]؛ فما بالك لو وصلت إلى الأمعاء؟ ! ! ؛ ولهذا قال تعالى في آية أخرى: ﴿وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: ١٥]؛ ومع ذلك تتقطع، وتلتئم بسرعة كما قال تعالى في جلودهم: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها﴾ [النساء: ٥٦]؛ و ﴿كلما﴾ تفيد التكرار؛ وجوابها يفيد الفورية؛ والحكمة: ﴿ليذوقوا العذاب﴾ [النساء: ٥٦]؛ وقال تعالى: ﴿إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم * خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم * ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٨]؛ ويقال له أيضاً: تبكيتاً، وتوبيخاً، وتنديماً، وتلويماً، ﴿ذق﴾؛ ويذكّر أيضاً بحاله في الدنيا فيقال له: ﴿إنك أنت العزيز الكريم﴾؛ فحينئذ يتقطع ألماً، وحسرة؛ ولا شك أن المؤمنين يسرون بعذاب أعداء الله؛ فعذابهم رحمة للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون﴾. القرآن ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة: ١٦٦] التفسير: عند معاينتهم عذاب الآخرة يتبرأ الرؤساء المتبوعون ممن اتبعهم على الشرك، وتنقطع بينهم كل الصلات التي ارتبطوا بها في الدنيا: من القرابة، والاتِّباع، والدين، وغير ذلك. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، أي إذ" تبرأ الرؤساء من الأتباع" (١). قال أبو العالية: " تبرأت القادة من الأتباع يوم القيامة إذا رأت العذاب" (٢). وروي عن الربيع (٣)، وعطاء (٤)، وقتادة (٥)، نحو ذلك. قال البيضاوي: " أي إِذ تبرأ المتبوعون من الأتباع" (٦). قال الزجاج: " يعني به: السادة والأشراف من الأتباع والسفلة" (٧). قال القرطبي: أي: "السادة والرؤساء تبرؤوا ممن اتبعهم على الكفر" (٨). قال ابن عطية: " وتبريرهم هو بأن قالوا إنّا لم نضل هؤلاء بل كفروا بإرادتهم، وتعلق العقاب على المتبعين بكفرهم ولم يتأت ما حاولوه من تعليق ذنوبهم على المضلين" (٩). وقد اختلف أهل التأويل في الذين عَنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾، على أقوال (١٠): أحدها: أن المعنى: "تبرأت القادةُ من الأتباع يوم القيامة". قاله الربيع (١١)، وعطاء (١٢)، وقتادة (١٣)، وأبو العالية (١٤).

стр. 1200

قال الثعلبي: " المتبوعون هم الجبابرة والقادة في الشرك والشر، والتابعون هم الأتباع والضعفاء والسفلة قاله أكثر أهل التفسير" (١). الثاني: أنهم الشياطين تبرأوا من الإنس. قال السدي" (٢). الثالث: وقيل: هم الملائكة تبرأوا من الإنس. قاله ابن كثير (٣). الرابع: أن "لفظ الآية يعم هذا كله". قاله ابن عطية (٤). والراجح أن الله قد عمّ المشركين جميعا دون تخصيص بعضهم دون بعض، عليه فإن كل متبوع على الكفر يتبرأ من أتباعه حين يرون عذاب الله. والله تعالى أعلم. وفي قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، قراءتان (٥): إحداهما: قرأ مجاهد: بتقديم الفاعل على المفعول. والثانية: وقرأ الباقون: بالعكس، " أي: تبرأ الأتباع من الرؤساء " (٦). قوله تعالى: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة: ١٦٦]، " أي: حين عاينوا العذاب" (٧). قال الزمخشري: " أى تبرؤا في حال رؤيتهم العذاب" (٨). قال الزجاج: " يعنى به التابعون والمتبوعون" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة: ١٦٦]، وجهان من التفسير (١٠): أحدهما: يعني: أن التابعين والمتبوعين، بتيقنهم له عند المعاينة في الدنيا. الثاني: وقيل: عند العرض والمساءلة في الآخرة. قال القرطبي: "كلاهما حاصل، فهم يعاينون عند الموت ما يصيرون إليه من الهوان، وفي الآخرة يذوقون أليم العذاب والنكال" (١١). قوله تعالى ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ﴾، " وتقطعت بينهم الروابط وزالت المودّات" (١٢). قال ابن عثيمين: " أي تقطعت بهم المودة" (١٣). قال القرطبي: أي: " أي الوصلات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من رحم وغيره" (١٤). قال النسفي: مثل "الاتفاق على دين واحد ومن الأنساب والمحاب" (١٥).

стр. 1201

قال الزجاج: " أي انقطع وصلهم الذى كان جمعهم، كما قال: ﴿لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون﴾، فبينهم وصلهم، والذي تقطع بينهم في الآخر كان وصل بينهم في الدنيا" (١). و﴿الأسْبَابُ﴾ جمع سبب؛ وهو ما يتوصل به إلى غيره؛ "وأصل السبب الحبل يشد بالشيء فيجذبه، ثم جعل كل ما جر شيئا سببا" (٢). قال شمر: "قال أبو عبيدة: السبب: كل حبل حدرته (٦) من فوق" (٣). وقال خالد بن جنبة: "السبب من الحبال: القوي الطويل، قال: ولا يدعى الحبل سببا حتى يصعد به وينزل، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فليمدد بسبب إلى السماء﴾ [الحج: ١٥] " (٤). قال ابن عطية: " والسبب في اللغة: الحبل الرابط الموصل، فيقال في كل ما يتمسك به فيصل بين شيئين" (٥). قال الثعلبي: " وأصل (السبب): كل شيء يتوصل به إلى شيء من ذريعة أو قرابة أو مودة، ومنه قيل للجهاد: سبب وللطريق سبب وللسلم سبب" (٦). قال الواحدي: " فالسبب: الحبل في هذا الموضع، ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها: سبب، يقال: ما بيني وبينك سبب، أي: آصرة رحم، أو عاطفة مودة. وقيل للطريق: سبب؛ لأنك بسلوكه تصل إلى الموضع الذي تريده، قال الله تعالى: ﴿فأتبع سببا﴾ [الكهف: ٨٥]، أي: طريقا، و (أسباب السماء): أبوابها؛ لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها، قال الله تعالى خبرا عن فرعون: ﴿لعلي أبلغ الأسباب (٣٦) أسباب السماوات﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، ومنه قول زهير (٧): وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الَمنَايَا يَنَلْنَهُ ... وَإِنْ يَرْقَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ كما أن المودة بين القوم تسمى: سببا؛ لأنهم بها يتواصلون، ومنه قول لبيد (٨): بل ما تذكر من نوار وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها والتي في هذه الآية يعني بها: وصلهم التي كانت تجمعهم" (٩). والمراد بـ (الأسباب) في الآية، "كل سبب يؤملون به الانتفاع من هؤلاء المتبوعين، مثل قولهم: ﴿اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ [العنكبوت: ١٢]، وقول فرعون لقومه: ﴿ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ [غافر: ٢٩]؛ فهذه الأسباب التي سلكها المتبعون ظناً منهم أنها تنقذهم من العذاب إذا كان يوم القيامة تقطعت بهم؛ ولا يجدون سبيلاً إلى الوصول إلى غاياتهم" (١٠). وقد اختلف أهل الفسير في معنى ﴿الأسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]، على وجوه (١١): أحدها: أن معناه: "الوصال الذي كان بينهم في الدنيا". قاله مجاهد (١٢)، روي عن ابن عباس (١٣)، وقتادة (١٤)، والربيع (١٥)، نحو ذلك.

стр. 1202

الثاني: أن معنى ﴿الأسْبَابُ﴾، "المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا". قاله ابن عباس (١)، والربيع بن أنس (٢). الثالث: أن ﴿الأسْبَابُ﴾: الأرحام. قاله ابن عباس (٣). الرابع: أن ﴿الأسْبَابُ﴾: "الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا". قاله السدي (٤)، وابن زيد (٥). الخامس: العهود التي كانت بينهم في الدنيا. قاله أبو روق (٦). وجميع المعاني السابقة تجمعها كلمة (الأسباب)، لأن كل هذه المعاني أسباب يتسبب في الدنيا بها إلى مطالب، فقطع الله منافعها في الآخرة عن الكافرين به، لأنها كانت بخلاف طاعته ورضاه، فهي منقطعة بأهلها. فلا خِلالُ بعضهم بعضًا نَفعهم عند ورُودهم على ربهم، ولا عبادتُهم أندادهم ولا طاعتهم شياطينهم؛ ولا دافعت عنهم أرحامٌ فنصرتهم من انتقام الله منهم، ولا أغنت عنهم أعمالهم، بل صارت عليهم حسرات. فكل أسباب الكفار منقطعة (٧). واختلف في (الباء) في قوله: ﴿وتقطعت بهم﴾ [البقرة: ١٦٦]، على وجوه (٨): أحدها: أنها بمعنى: (عن)، كقوله: ﴿فاسأل به خبيرا﴾ [الفرقان: ٥٩]، أي: عنه، قال علقمة بن عبدة (٩): فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب أي: عن النساء. وقال يزيد بن جهم (١٠): تسائل بي هوازن أين مالي ... وهل لي غير ما أتلفت مال أي: عني (١١). الثاني: أنها للسببية، والتقدير: وتقطعت بسبب كفرهم (١٢). الثالث: وقيل: إنها للحال، أي تقطعت موصولة بهم الأسباب (١٣). الرابع: وقيل: الباء للتعدية، والتقدير: قطعتهم الأسباب، كما تقول: تفرقت بهم الطرق، أي فرقتهم (١٤). وقرئ: ﴿وتقَطَّعَتْ﴾، على البناء للمفعول (١٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن المتبوعين بالباطل لا ينفعون أتباعهم؛ لقوله تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا﴾؛ ولو كانوا ينفعونهم لم يتبرؤوا منهم.

стр. 1203

٢ - ومنها: أن الأمر لا يقتصر على عدم النفع؛ بل يتعداه إلى البراءة منهم، والتباعد عنهم؛ وهذا يكون أشد حسرة على الأتباع مما لو كان موقفهم سلبياً. ٣ - ومنها: ثبوت العقاب؛ لقوله تعالى: ﴿ورأوا العذاب﴾. ويتفرع عليه ثبوت البعث. ٤ - ومنها: أن الله يجمع يوم القيامة بين الأتباع والمتبوعين توبيخاً، وتنديماً لهم؛ ويتبرأ بعضهم من بعض؛ لأن هذا - لا شك - أعظم حسرة إذا صار متبوعه الذي كان يعظمه في الدنيا يتبرأ منه وجهاً لوجه. ٥ - ومنها: أن جميع الأسباب الباطلة التي لا تُرضي الله ورسوله، تتقطع بأصحابها يوم القيامة، وتزول، ولا تنفعهم. ٦ - ومنها: أن الإستغاثة (١) لا تكون إلا بالله، وأما الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، جائزة، والاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ كالاستعانة بالأموات، والاستغاثة بالأحياء، والاستعانة بهم في شفاء المرضى، وتفريج الكربات، ودفع الضر، فهذا النوع حرامٌ. القرآن ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٧] التفسير: وقال التابعون: يا ليت لنا عودة إلى الدنيا، فنعلن براءتنا من هؤلاء الرؤساء، كما أعلنوا براءتهم مِنَّا. وكما أراهم الله شدة عذابه يوم القيامة يريهم أعمالهم الباطلة ندامات عليهم، وليسوا بخارجين من النار أبدًا. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: أخرج ابن أبي حاتم عن " الأوزاعي، سمعت ثابت بن معبد قال: ما زال أهل النار يأملون الخروج منها حتى نزلت وما هم بخارجين من النار" (٢). الثاني: قال الواحدي: "قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في المشركين الذين أخرجوا النبي ﷺ من مكة" (٣). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة: ١٦٧]، أي: "وقال الأتباع ليت (٤) لنا رجعة إلى الدنيا " (٥). قال الصابوني: " أي تمنّى الأتباع لو أنّ لهم رجعة إِلى الدنيا" (٦). قال الزجاج: " أي عودة إلى الدنيا" (٧). قال البيضاوي: " أي ليت لنا كرة إلى الدنيا" (٨).

стр. 1204

و (الكرة): أي: "الرجعة والعودة إلى حال قد كانت" (١). قال قتادة: في قوله تعالى: ﴿لو أن لنا كرة﴾، "أي: لنا رجعةً إلى الدنيا" (٢). وروي عن الربيع (٣) مثل ذلك. قال ابن عثيمين: " والمراد هنا: الرجوع إلى الدنيا؛ فنتبرأ منهم في الدنيا إذا رجعنا كما تبرءوا منا هنا في الآخرة؛ فنجازيهم بما جازونا به؛ لكن أنى لهم ذلك! ! ! فهذا التمني لا ينفعهم" (٤). قال الطبري: "و (الكرَّة): المرة الواحدة، وذلك إذا حمل عليهم راجعًا عليهم بعد الانصراف عنهم" (٥)، ومنه قول الأخطل (٦): وَلَقَدْ عَطَفْنَ عَلَى فَزَارَةَ عَطْفَةً ... كَرَّ الْمَنِيحِ، وَجُلْنَ ثَمَّ مَجَالا قوله تعالى: ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة: ١٦٧]، أي: "لتبرأنا منهم كما تبرَّأوا منا في الآخرة" (٧). قال الطبري: " أرادوا أن يتبرأوا "من الذين من كانوا يطيعونهم في معصية الله، كما تبرأ منهم رؤساؤهم الذين كانوا في الدنيا، المتبوعون فيها على الكفر بالله، إذْ عاينوا عَظيم النازل بهم من عذاب الله" (٨). قال القرطبي: " والتبرؤ الانفصال" (٩). قال ابن كثير: " وهم كاذبون في هذا [التمني﴾، بل لو رُدّوا لعادوا لما نهوا عنه. كما أخبر الله تعالى عنهم بذلك؛ ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ أي: تذهب وتضمحل كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الآية [إبراهيم: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ الآية [النور: ٣٩] " (١٠). قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٧]، أي: "كما أراهم الله العذاب، فكذلك يُريهم أيضًا أعمالهم الخبيثة حسرات عليهم" (١١). قال الصابوني: " أي: أنه تعالى كما أراهم شدة عذابه كذلك يريهم أعمالهم القبيحة ندامات شديدة وحسرات تتردد في صدورهم كأنها شرر الجحيم" (١٢). قال الزجاج: " أي كتبري بعضهم من بعض يريهم الله أعمالهم حسراب عليهم لأن ما عمله الكافر غير نافعه مع كفره، قال الله : ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم﴾، وقال: [حبطت

стр. 1205

أعمالهم﴾، ومعنى ﴿أضل أعمالهم﴾: لم يجازهم على ما عملوا من خير، وهذا كما تقول لمن عمل عملا لم يعد عليه فيه نفع: لقد ضل سعيك" (١). قال الثعلبي: " أي كما أراهم العذاب، كذلك يريهم الله أعمالهم ندامات" (٢). قال الزمخشري: " معناه أن أعمالهم تنقلب حسرات عليهم فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم" (٣). وقوله ﴿كذلك﴾: أي: " مثل ذلك الآراء الفظيع" (٤)، فـ (الكاف): اسم بمعنى «مثل»؛ وهي مفعول مطلق عامله الفعل بعده؛ وهذا كثيراً ما يأتي في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وكذلك يفعلون﴾ [النمل: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] (٥). قال القرطبي: "و ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾ قيل: هي، من رؤية البصر، فيكون متعديا لمفعولين: الأول الهاء والميم في ﴿يريهم﴾، والثاني ﴿أعمالهم﴾، وتكون ﴿حسرات﴾ حال، ويحتمل أن يكون من رؤية القلب، فتكون "حسرات" المفعول الثالث" (٦). وقد ذكر الرازي: أن قوله تعالى ﴿كذالك يُرِيهِمُ﴾ فيه وجهان (٧): الأول: كتبرؤ بعضهم من بعض يريهم الله أعمالهم حسرات وذلك لانقطاع الرجاء من كل أحد. الثاني: كما أراهم العذاب يريهم الله أعمالهم حسرات، لأنهم أيقنوا بالهلاك. وكذلك اختلف أهل التفسير في المراد بقوله ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ [البقرة: ١٦٧]، على أقوال (٨): الأول: الطاعات، يتحسرون لم ضيعوها. قاله السدي (٩)، وعبدالله (١٠). واعترض عليه الإمام الطبري قائلا: " والذي قال السدي في ذلك، وإن كان مَذهبًا تحتمله الآية، فإنه مَنزع بعيد، ولا أثر - بأنّ ذلك كما ذكر - تقوم به حُجة فيسلم لها، ولا دلالة في ظاهر الآية أنه المراد بها. فإذْ كان الأمر كذلك، لم يُحَلْ ظاهر التنزيل إلى باطن تأويل" (١١). الثاني: المعاصي وأعمالهم الخبيثة، يتحسرون لم عملوها. قاله الربيع (١٢)، وابن زيد (١٣). واختاره الإمام الطبري قائلا: " كذلك يُرِي الله الكافرين أعمالهم الخبيثة حسرات عليهم، لم عملوا بها؟ وهلا عملوا بغيرها؟ فندموا على ما فرط منهم من أعمالهم الرديئة، إذ رأوا جزاءها من الله وعقابها، لأن الله أخبر أنه يريهم أعمالهم ندمًا عليهم، فالذي هو أولى بتأويل الآية، ما دلّ عليه الظاهرُ دون ما احتمله الباطن الذي لا دلالة له على أنه المعنيُّ بها" (١٤). الثالث: ثواب طاعاتهم التي أتوا بها فأحبطوه بالكفر. وهذا قول الأصم (١٥). الرابع: أعمالهم التي تقربوا بها إلى رؤسائهم من تعظيمهم والانقياد لأمرهم (١٦).

стр. 1206

قال الرازي: "والظاهر أن المراد: الأعمال التي اتبعوا فيها السادة، وهو كفرهم ومعاصيهم، وإنما تكون حسرة بأن رأوها في صحيفتهم، وأيقنوا بالجزاء عليها، وكان يمكنهم تركها والعدول إلى الطاعات، وفي هذا الوجه الإضافة حقيقية لأنهم عملوها، وفي الثاني مجاز بمعنى لزمهم فلم يقوموا به" (١). قال الطبري: "و ﴿حَسَرَاتٍ﴾ جمع حسرة؛ وكل اسم كان واحده على (فَعْلة) مفتوح الأول ساكن الثاني، فإن جمعه على (فَعَلات) مثل: شَهوة وتَمرة، تجمع (شَهوات وتَمرات) مثقَّلة الثواني من حروفها، فأما إذا كان نَعتًا فإنك تَدع ثانيَه ساكنًا مثل (ضخمة)، تجمعها (ضخْمات) و (عَبْلة) تجمعها (عَبْلات)، وربما سُكّن الثاني في الأسماء، كما قال الشاعر (٢): عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دُولاتِهَا ... يُدِلْنَنَا اللَّمَّة مِنْ لَمَّاتِهَا فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا فسكنّ الثاني من " الزفرات "، وهي اسم" (٣). و(الحسرة): "هي الندم مع الانكماش، والحزن؛ فهؤلاء الأتباع شعورهم بالندم، والخيبة، والخسران لا يتصور؛ فالأعمال التي عملوها لهؤلاء المتبوعين صارت - والعياذ بالله - خسارة عليهم، وندماً؛ ضاعت بها دنياهم، وآخرتهم؛ وهذا أعظم ما يكون من الحسرة" (٤). وقال الزجاج: " والحسرة: شدة الندم، حتى يبقى النادم كالحسير من الدواب الذي لا منفعة فيه، ويقال: حسر فلان يحسر حسرة وحسرا: إذا اشتد ندمه على أمر فاته، قال المرار (٥): ما أنا اليوم على شيء خلا ... يا ابنة القين تولى بحسر أي: بنادم" (٦). واختلف في أصل (الحسرة) في اللغة، على قولين (٧): أحدهما: أنها مشتقة من الشيء الحسير الذي قد انقطع وذهبت قوته كالبعير والبصر. والثاني: أنها: من حسر إذا كشف، ومنه قول النبي ﷺ : «يحسر الفرات عن جبل من ذهب» (٨). قال الواحدي: "وأصل الحسر: الكشف، يقال: حسر عن ذراعه، والحسرة: انكشاف عن حال الندامة، والحسور: الإعياء؛ لأنه انكشاف الحال عما أوجبه طول السفر، والمحسرة: المكنسة؛ لأنها تكشف عن الأرض، والطير تنحسر؛ لأنها تنكشف بذهاب الريش" (٩).

стр. 1207

قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]، " أي ليس لهم سبيل إِلى الخروج من النار" (١). قال الصابوني: أي: " هم في عذاب سرمدي وشقاء أبدي" (٢). قال ابن عثيمين: "أي أنهم خالدون فيها" (٣). قال البيضاوي: " أصله وما يخرجون، فعدل به إلى هذه العبارة، للمبالغة في الخلود والأقناط عن الخلاص والرجوع إلى الدنيا" (٤). قال القرطبي: "وهذا "دليل على خلود الكفار فيها وأنهم لا يخرجون منها. وهذا قول جماعة أهل السنة، لهذه الآية ولقوله تعالى: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] " (٥). قال الرازي: "وقد احتج به الأصحاب، على أن أصحاب الكبيرة من أهل القبلة يخرجون من النار، فقالوا: إن قوله ﴿وَمَا هُمْ﴾ تخصيص لهم بعدم الخروج على سبيل الحصر فوجب أن يكون عدم الخروج مخصوصا بهم، وهذه الآية تكشف عن المراد بقوله: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦)﴾ [الانفطار: ١٤ - ١٦]، وثبت أن المراد بالفجار ههنا الكفار لدلالة هذه الآية عليه" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن هؤلاء الأتباع يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا ليتبرءوا من متبوعيهم كما تبرأ هؤلاء منهم في الآخرة؛ وهو غير ممكن؛ وما يزيدهم هذا إلا حسرة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾. ٢ - ومنها: تحسر هؤلاء، وأمثالهم الذين فاتهم في هذه الدنيا العمل الصالح؛ فإنهم يتحسرون في الآخرة تحسراً لا نظير له لا يدور في خيالهم اليوم، ولا في خيال غيرهم؛ لأنه ندم لا يمكن العتبى منه. ٣ - ومنها: إثبات نكال الله بهم؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾.

стр. 1208

٤ - ومنها: أن المشركين مخلدون في النار لا يخرجون منها؛ لقوله تعالى: ﴿وما هم بخارجين من النار﴾؛ وقد ذكر الله الخلود الأبدي في النار في ثلاثة مواضع من القرآن: في سورة النساء؛ وفي سورة الأحزاب؛ وفي سورة الجن؛ وبه يبطل قول من ادعى أن النار تفنى؛ لأن خلود الماكث الأبدي يدل على خلود مكانه. ٥ - ومنها: إثبات النار، وأنها حق. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨] التفسير: يا أيها الناس كلوا من رزق الله الذي أباحه لكم في الأرض، وهو الطاهر غير النجس، النافع غير الضار، ولا تتبعوا طرق الشيطان في التحليل والتحريم، والبدع والمعاصي. إنه عدو لكم ظاهر العداوة. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: قال الواحدي: "قال الكلبي عن أبي صالح: نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي" (١). وذكره الرازي عن ابن عباس" (٢). وقال مقاتل: " نزلت في ثقيف، وفي بني عامر بن صعصعه، وخزاعة، وبني مدلج، وعامر، والحارث ابني عبد مناة" (٣). ونقل ابن عطية عن النقاش: أنها "نزلت في ثقيف وخزاعة وبني الحارث بن كعب" (٤). والثاني: قال ابن حجر: "قال ابن ظفر: ورُوي عن عطاء أنها نزلت في المؤمنين، وقيل في عثمان بن مظعون وأصحابه الذين عزموا على الترهب" (٥). وهذه الآية جاءت في سورة البقرة؛ وسورة البقرة مدنية؛ وقد سبق أنه جاء أيضاً مثلها: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ [البقرة: ٢١]؛ وقد ذكر كثير من المؤلفين في أصول التفسير أن الغالب في السور المدنية أن يكون الخطاب فيها بـ ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ [البقرة: ١٠٤]؛ لأن الرسول ﷺ لما هاجر إلى المدينة صارت المدينة بلاد إسلام؛ وهي أول بلد إسلامي يحكمه المسلمون في هذه الرسالة؛ فصار التوجه إليها بالخطاب بـ ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾؛ لكنها ليست قاعدة؛ ولكنها ضابط يخرج منه بعض المسائل؛ لأن من السور المدنية فيها ﴿يا أيها الناس﴾، كسورة النساء، وسورة الحجرات (٦). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، أي: يا أيها الناس "كلوا ممّا أحله الله لكم من الطيبات حال كونه مستطاباً في نفسه غير ضار بالأبدان والعقول" (٧). قال ابن كثير: "أي: كلوا من هذا ما شئتم؛ ويشمل كل ما في الأرض من أشجار، وزروع، وبقول، وغيرها؛ ومن حيوان أيضاً؛ لأنه في الأرض" (٨). قال الزجاج: " أي: لا تأكلوا مما يحرم" (٩). قال الواحدي معلقا على كلام الزجاج: " فعلى هذا: المعنى: كلوا حلالا من حيث يحل لكم، فأما أن يأكل مال غيره فهو حلال في جنسه، ولكن ليس يحل له أكله، فهو حلال وليس مما يطيب له" (١٠). و﴿النَّاسُ﴾ أصلها: " (الأناس)؛ وحذفت الهمزة منها تخفيفاً؛ والمراد بـ ﴿الناس﴾ بنو آدم" (١١). و﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾، أي: "مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول" (١٢). قال القرطبي: " وسمي الحلال حلالا، لانحلال عقدة الحظر عنه" (١٣). قال الواحدي: وأصل (الحلال): " من الحل الذي هو نقيض العقد، ومعنى الحلال: المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه. ومنه: حل بالمكان، إذا نزل به؛ لأنه حل شد الارتحال للنزول. وحل الدين: إذا وجب؛ لانحلال العقدة بانقضاء المدة، وحل من إحرامه؛ لأنه حل عقدة الإحرام. وحلت عليه العقوبة، أي: وجبت، لانحلال العقدة المانعة من العذاب، والحلة: الإزار والرداء؛ لأنها تحل عن الطي للبس، ومن هذا: تحلة اليمين؛ لأن عقدة اليمين تنحل به" (١٤). والطيب في اللغة: "الطاهر، والحلال يوصف بأنه طيب؛ لأن الحرام يوصف بأنه خبيث، قال الله تعالى: ﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب﴾ [المائدة: ١٠٠]. والأصل في الطيب: هو ما يستلذ ويستطاب، ووصف به الطاهر والحلال على جهة التشبيه؛ لأن النجس تكرهه النفس فلا يستلذ، والحرام غير مستلذ؛ لأن الشرع يزجر عنه" (١٥). وفي قوله تعالى: ﴿حلالًا طيباً﴾ [البقرة: ١٦٨]، وجهان (١٦): أحدهما: أنها منصوبة على الحال من «ما»؛ أي كلوه حال كونه حلالاً - أي محللاً -؛ فهي بمعنى اسم المفعول؛ و ﴿طيباً﴾ حال أخرى - يعني: حال كون طيباً - مؤكد لقوله تعالى: ﴿حلالًا﴾. والثاني: ويحتمل أن يكون المراد بـ «الحلال» ما كان حلالاً في كسبه؛ وبـ «الطيب» ما كان طيباً في ذاته (١٧)؛ لقول الله : ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى في الميتة، ولحم الخنزير: ﴿فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]. قال ابن عثيمين: وهذا القول الأخير أولى؛ لأن حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التوكيد" (١٨).

стр. 1209

وفي نوع (مِن) في قوله تعالى: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، وجهان (١): أحدهما: أن تكون لبيان الجنس. والثاني: أن تكون للتبعيض. قال ابن كثير: "كونها لبيان الجنس أولى؛ ويرجحه قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ [البقرة: ٢٩] " (٢). قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، " أي ولا تقتدوا بآثار الشيطان فيما يزينه لكم من المعاصي والفواحش" (٣). قال الزجاج: " أي لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان" (٤). قال مقاتل: " يعني تزيين الشيطان في تحريم الحرث والأنعام" (٥). قال البيضاوي: أي" لا تقتدوا به في اتباع الهوى، فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام" (٦). قال أبو السعود: " أي لا تقتدوا بها في اتباع الهوى" (٧) قال ابن عطية: " المعنى: النهي عن اتباع الشيطان وسلوك سبله وطرائقه ... وكل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي فهي خطوات الشيطان" (٨). و﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: هي: "طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البَحَائر والسوائب والوصائل ونحوها مما زَينه لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمَار الذي في صحيح مسلم، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: إن كل ما أمنحُه عبادي فهو لهم حلال" وفيه: "وإني خلقت عبادي حُنَفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم" (٩) " (١٠). قال ابن عثيمين: " و ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، أي: أعماله التي يعملها، ويخطو إليها؛ وهو شامل للشرك فما دونه؛ فإن الشيطان يأمر بالفحشاء، والمنكر؛ قال تعالى: ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر﴾ [النور: ٢١]؛ فكل شيء حرمه الله فهو من خطوات الشيطان سواء كان عن استكبار، أو تكذيب، أو استهزاء، أو غير ذلك؛ لأنه يأمر به، وينادي به، ويدعو إليه" (١١). قال الثعلبي: " والخطوة ما بين القدمين، والخطوة بالفتح الفعلة الواحدة من قول القائل: خطوت خطوة واحدة" (١٢). قال الطبري: "و ﴿خُطُوَاتِ﴾، جمع خطوة، والجمع خطوات-بالتحريك- وخطاء، مثل ركوة وركاء، قال امرؤ القيس (١٣): لها وثبات كوثب الظباء ... فواد خطاء وواد مطر" (١٤)

стр. 1210

واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿خُطُوَاتِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، على وجوه (١): أحدها: ﴿خطوات﴾، ثقيلة، بضم (الخاء) و (الطاء)، قرأ بها: ابن كثير وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم. الثاني: ﴿خطوات﴾، خفيفة، رواه ابن فليح عن أصحابه عن ابن كثير. الثالث: ﴿خطوات﴾، ساكنة خفيفة. قرأ بها: نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة. الرابع: ﴿خَطَوات﴾ بفتح (الخاء) و (الطاء)، قرأ بها: أبو السمال العدوي وعبيد بن عمير. الخامس: ﴿خُطُؤات﴾ بضم (الخاء) و (الطاء) و (الهمزة) على (الواو)، روي هذه الوجه عن علي بن أبي طالب وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون والأعمش. قيل: وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع (خطيئة)، من الخطأ لا من الخطو" (٢). والمعنى على قراءة الجمهور: "ولا تقفوا أثر الشيطان وعمله، وما لم يرد به الشرع فهو منسوب إلى الشيطان" (٣). قال عكرمة: "إنما سمي الشيطان: لأنه تشيطن" (٤). وقد تعددت أقوال أهل العلم في تفسير قوله تعالى ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، على وجوه (٥): أحدها: أنها طاعته. قاله السدي (٦)، والكلبي (٧). الثاني: أنها خطاياه. قاله مجاهد (٨). وروي عن قتادة (٩)، والضحاك (١٠) نحو ذلك. الثالث: أنها: النذور في المعاصي. رواه سعيد بن منصور (١١) عن أبي مِجْلزَ (١٢)، وروي عن الشعي (١٣)، وابن مسعود (١٤)، وعبدالله بن عمر (١٥)، نحو ذلك. الرابع: أنها نزغات الشيطان. قاله عكرمة (١٦). الخامس: أنها عمله. قاله ابن عباس (١٧). السادس: أنها طرقه. قاله القتيبي (١٨) والزجاج (١٩).

стр. 1211

السابع: أنها: هي المحقرات من الذنوب. قاله أبو عبيد (١). الثامن: أنها زلاته وشهواته. حكاه الثعلبي عن ابن عباس (٢). قال الشوكاني: "والأولى التعميم، وعدم التخصيص بفرد أو نوع" (٣). وقال الحافظ ابن حجر: " واللفظ أعم من ذلك" (٤). قال أبو حيان: " وهذه أقوال متقاربة المعنى صدرت من قائلها على سبيل التمثيل. والمعنى بها كلها النهي عن معصية الله، وكأنه تعالى لما أباح لهم الأكل من الحلال الطيب، نهاهم عن معاصي الله وعن التخطي إلى أكل الحرام، لأن الشيطان يلقي إلى المرء ما يجري مجرى الشبهة، فيزين بذلك ما لا يحل، فزجر الله عن ذلك" (٥). وقال القرطبي: وكل هذه الأقوال "قريبٌ معنى بعضها من بعض، لأن كل قائلٍ منهم قولا في ذلك، فإنه أشار إلى نَهي اتباع الشيطان في آثاره وأعماله" (٦)، وقال القرطبي: " والصحيح أن اللفظ عام في كل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي" (٧). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]، " أي إِنه عظيم العداوة لكم وعداوته ظاهرة لا تخفى على عاقل" (٨). قال مقاتل: يعني بيّن" (٩). قال الماوردي: أي ظاهر العداوة" (١٠). قال ابن كثير: تنفير عنه وتحذير منه (١١). قال النسفي: أي: " ظاهر العداوة لاخفاءه به" (١٢). قال أبو السعود: " تعليل للنهي، أي ظاهر العدواة عند ذوي البصيرة، وإن كان يظهر الولاية لمن يغويه ولذلك سمي وليا في قوله تعالى ﴿أولياؤهم الطاغوت﴾ " (١٣). قال أبو حيان: " تعليل لسبب هذا التحذير من اتباع الشيطان، لأن من ظهرت عداوته واستبانت، فهو جدير بأن لا يتبع في شيء وأن يفرّ منه، فإنه ليس له فكر إلا في إرداء عدوه" (١٤). قال الطبري: يعني: "أنه قد أبان لكم عَداوته، بإبائه عن السجود لأبيكم، وغُروره إياه حَتى أخرجه من الجنة، واستزله بالخطيئة، وأكل من الشجرة" (١٥). قال الثعلبي: أي: " بين العداوة، وقيل: مظهر العداوة، قد أبان عداوته لكم بإبائه السجود لأبيكم آدم ﵇ وغروره إياه حين أخرجه من الجنة" (١٦).

стр. 1212

قال القرطبي: " أخبر تعالى بأن الشيطان عدو، وخبره حق وصدق، فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم، وبذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم، وقد أمر الله تعالى بالحذر منه فقال جل من قائل: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] وقال: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] وقال: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء: ٦٠] وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وقال: ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] " (١). قال البيضاوي: أي: " ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه، ولذلك سماه ولياً في قوله تعالى: ﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ " (٢). قال ابن عثيمين: "أي ظاهر العداوة؛ وقد كان عدواً لأبينا آدم ﷺ ؛ فما زالت عداوته إلى قيام الساعة؛ وقال تعالى عنه: ﴿لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً * ولأضلنَّهم ولأمنينَّهم ولآمرنَّهم فليبتكنَّ آذان الأنعام ولآمرنَّهم فليغيرنَّ خلق الله﴾ [النساء: ١١٨، ١١٩]، ثم قال تعالى: ﴿ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً﴾ [النساء: ١١٩] " (٣). وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]، وجهان من التفسير (٤): أحدهما: قد أبان عداوته لكم بإبائه السجود لآدم، وهو الذي أخرجه من الجنة، وعليه، فإن قوله ﴿مبين﴾: من أبان العداوة: إذا أظهرها. والثاني: أن يكون الـ ﴿مبين﴾ بمعنى: الظاهر هاهنا؛ لأن (أبان) يتعدى، وقد لا يتعدى. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إظهار منة الله على عباده، حيث أباح لهم جميع ما في الأرض من حلال طيب؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً﴾. ٢ - ومنها: أن الأصل فيما في الأرض الحل والطيب حتى يتبين أنه حرام. ٣ - ومنها: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾؛ وهم داخلون في هذا الخطاب؛ ومخاطبتهم بفروع الشريعة هو القول الصحيح؛ ولكن ليس معنى خطابهم بها أنهم ملزمون بها في حال الكفر؛ لأننا ندعوهم أولاً إلى الإسلام، ثم نلزمهم بأحكامه؛ وليس معنى كونهم مخاطبين بها أنهم يؤمرون بقضائها؛ والدليل على الأول قوله تعالى: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾ [التوبة: ٥٤]؛ فكيف نلزمهم بأمر لا ينفعهم؛ هذا عبث، وظلم؛ وأما الدليل على الثاني فقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]؛ ولهذا لم يأمر النبي ﷺ أحداً ممن أسلم بقضاء ما فاته من الواجبات حال كفره؛ والفائدة من قولنا: إنهم مخاطبون بها – كما قال أهل العلم – زيادة عقوبتهم في الآخرة؛ وهذا يدل عليه قوله تعالى: (إلا أصحاب اليمين* في جنات يتساءلون* عن المجرمين* ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين* ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين* وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين﴾ [المدثر: ٣٩ - ٤٧]. ٤ - ومن فوائد الآية: تحريم اتباع خطوات الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾؛ ومن ذلك الأكل بالشمال، والشرب بالشمال؛ لقول النبي ﷺ : «لا يأكل أحدكم بشماله،

стр. 1213

ولا يشرب بشماله؛ فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (١)؛ ومن اتباع خطوات الشيطان القياس الفاسد؛ لأن أول من قاس قياساً فاسداً هو إبليس؛ لأن الله لما أمره بالسجود لآدم عارض هذا الأمر بقياس فاسد: قال: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ [ص~: ٣٨]؛ يعني: فكان الأولى هو الذي يسجد؛ فهذا قياس في مقابلة النص؛ فاسد الاعتبار؛ ومن اتباع خطوات الشيطان أيضاً الحسد؛ لأن الشيطان إنما قال ذلك حسداً لآدم؛ وهو أيضاً دأب اليهود، كما قال تعالى: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم﴾ [البقرة: ١٠٩]؛ وكل خُلق ذميم، أو عمل سوء، فإنه من خطوات الشيطان. ٥ - ومن فوائد الآية: تأكيد عداوة الشيطان لبني آدم؛ لقوله تعالى: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾؛ فإن الجملة مؤكدة بـ «إن». ٦ - ومنها: ظهور بلاغة القرآن؛ وذلك لقرن الحُكم بعلته؛ فإن قرن الحكم بعلته له فوائد؛ منها معرفة الحكمة؛ ومنها زيادة طمأنينة المخاطب؛ ومنها تقوية الحكم؛ ومنها عموم الحكم بعموم العلة - يعني القياس -؛ مثاله قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ فإن مقتضى هذا التعليل أن كل ما كان نجساً فهو محرم. ٧ - ومنها: التحذير الشديد من اتباع خطوات الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾؛ وما أظن أحداً عاقلاً يؤمن بعداوة أحد ويتبعه أبداً. القرآن ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٩] التفسير: إنما يأمركم الشيطان بكل ذنب قبيح يسوءُكم، وبكل معصية بالغة القبح، وبأن تفتروا على الله الكذب من تحريم الحلال وغيره بدون علم. قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾، أي: إنما يأمركم الشيطان "بالإثم والمعاصي وما قبح من القول والفعل" (٢). قال ابن كثير: أي: "إنما يأمركم عدوّكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضًا" (٣). قال الصابوني: " أي لا يأمركم الشيطان بما فيه خير إِنما يأمركم بالمعاصي والمنكرات وما تناهي في القبح من الرذائل" (٤). قال المراغي: " أي إنما يوسوس الشيطان ويتسلط عليكم كأنه آمر مطاع بأن تفعلوا ما يسوءكم في دنياكم وآخرتكم وأن تجترحوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن" (٥). قال البيضاوي: " بيان لعداوته، ووجوب التحرز عن متابعته. واستعير الأمر لتزيينه وبعثه لهم على الشر تسفيهاً لرأيهم وتحقيراً لشأنهم" (٦). قال أبو حيان: " وأمر الشيطان، إما بقوله في زمن الكهنة وحيث يتصور، وإما بوسوسته وإغوائه. فإذا أطيع، نفذ أمره بالسوء، أي بما يسوء في العقبى" (٧).

стр. 1214

و ﴿السُّوءِ﴾: "كل ما يسوء من المعاصي الصغيرة؛ أي السيئات؛ و ﴿الْفَحْشَاءِ﴾ أي المعاصي الكبيرة، كالزنا؛ فهو يأمر بهذا، وبهذا؛ مع أن المعاصي الصغار تقع مكفّرة بالأعمال الصالحة إذا اجتنبت الكبائر؛ لكنه يأمر بها؛ لأنه إذا فعلها الإنسان مرة بعد أخرى فإنه يفسق، ويقسو قلبه؛ ثم لا ندري أتقوى هذه الأعمال الصالحة على تكفير السيئات، أم يكون فيها خلل، ونقص يمنع من تكفيرها السيئات" (١). وقال أبو السعود: " (السوء): يطلق على جميع المعاصي سواء كانت من أعمال الجوارح أو أفعال القلوب لاشتراك كلها في أنها تسوء صاحبها والفحشاء أقبح أنواعها وأعظمها مساءة" (٢). وقال القاسمي: " و ﴿بِالسُّوءِ﴾ يشكل جميع المعاصي، سواء كانت من أعمال الجوارح أو أفعال القلوب. ﴿والْفَحْشاءِ﴾، ما تجاوز الحدّ في القبح من العظائم" (٣). وقال الراغب: " السوء والفحشاء كل قبيح من نحو الزنا، والسرقة، والسكر، والقتل، والخيانة، والكذب والحسد والجهل [وكل ما يقال له سوء] يقال له فحشُ، لكن بنظرين مختلفين، فإنه سمي سوءاً لاغتمام العاقل به، والفحشاء بأن يستفحشه، ونبه تعالى بأن الشيطان داع إلى إتيان الشر والسوء والفحش والتقول على الله " (٤). وفي تفسير ﴿بالسوء﴾ [البقرة: ١٦٩]، قولان: أحدهما: المعصية. قاله السدي (٥). الثاني: أن السوء من الذنوب ما لا حد فيه. قاله ابن عباس (٦). وفي تفسير ﴿الفحشاء﴾ [البقرة: ١٦٩]، هاهنا أقوال أقاويل (٧): أحدها: الزنى. قاله السدي (٨). والثاني: المعاصي. قاله الثعلبي (٩). والثالث: كل ما فيه الحد، سمي بذلك لفحش فعله وقبح مسموعه. قاله ابن عباس (١٠). الرابع: البخل. قاله عطاء (١١). الخامس. منع الزكاة. قاله مقاتل (١٢). السادس: ما تفاحش ذكره (١٣). السابع: ما قبح قولاً أو فعلاً (١٤). الثامن: ما لا يعرف في شريعتة ولا سنة. قاله طاوس (١٥). وفي أصل ﴿السوء﴾ [البقرة: ١٦٩]، قولان: أحدهما: يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيئ، إذا قبح، والسوء: الاسم الجامع للآفات والداء. قاله الليث (١٦).

стр. 1215

الثاني: يقال: ساءه يسوءه سوءا ومساءة، والسوء الاسم، بمنزلة الضر وهو كل ما يسوء صاحبه في العاقبة (١). قال الطبري: " وسمي (السوء) سوءا، لأنه يسوء صاحبه بسوء عواقبه، وهو مصدر: ساءه يسوءه سوءا ومساءة، إذا أحزنه، وسؤته فسيء، إذا أحزنته فحزن، قال الله تعالى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧]، وقال الشاعر (٢): إن يك هذا الدهر قد ساءني ... فطالما قد سرني الدهر الأمر عندي فيهما واحد ... لذاك شكر ولذاك صبر (٣) و(الفحشاء) أصله: قبح المنظر، كما قال امرؤ القيس (٤): وجِيدٍ كجِيدِ الرّئْمِ ليْسَ بفاحشٍ ... إِذا هيَ نَصَّتْهُ وَلا بمُعَطَّلِ ثم استعملت اللفظة فيما يقبح من المعاني. والشرع هو الذي يحسن ويقبح، فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء (٥). قال الواحدي: "و (الفحشاء): اسم الفاحشة، وكل شيء تجاوز قدره فهو فاحش، وكل أمر لا يكون موافقا للحق فهو فاحشة وفحشاء. ويقال: فحش الرجل يفحش صار فاحشا، وأفحش [قال] قولا فاحشا" (٦). قال صاحب الكشاف: " فإن قلت: كيف كان الشيطان آمرا مع قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾؟ قلت: شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر، كما تقول: أمرتنى نفسي بكذا، وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم وساوسه ولذلك قال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ وقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ لما كان الإنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت" (٧). قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [القرة: ١٦٩]، أي: "إن الشيطان يأمركم أن تنسبوا إلى الله القول من غير علم" (٨). قال الثعلبي: أي" من تحريم الحرث والأنعام" (٩). قال الطبري: وهو "ما كانوا يحرِّمون من البحائر والسوائب والوَصائل والحوامي، ويزعمون أن الله حرَّم ذلك" (١٠). وقال صاحب الكشاف: " وهو قولكم: هذا حلال وهذا حرام، بغير علم. ويدخل فيه كل ما يضاف إلى اللَّه تعالى مما لا يجوز عليه" (١١)،

стр. 1216

قال الصابوني: " أي وأن تفتروا على الله بتحريم ما أحل لكم وتحليل ما حرّم عليكم فتحلوا وتحرّموا من تلقاء أنفسكم" (١). قال القاسمي: " أي: بأن تفتروا عليه تعالى بأنه حرّم هذا وذاك بغير علم" (٢). قال البيضاوي: " كاتخاذ الأنداد وتحليل المحرمات وتحريم الطيبات، وفيه دليل على المنع من اتباع الظن رأساً. وأما اتباع المجتهد لما أدى إليه ظن مستند إلى مدرِك شرعي فوجوبه قطعي، والظن في طريقه كما بيناه في الكتب الأصولية" (٣). قال المراغي: " أي ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه ما لا تعلمون علم اليقين أنه شرعه لكم من عقائد وشعائر دينية، أو تحليل ما الأصل فيه التحريم، أو تحريم ما الأصل فيه الإباحة، ففى كل ذلك اعتداء على حق الربوبية بالتشريع، وهذا أقبح ما يأمر به الشيطان، فإنه الأصل في إفساد العقائد، وتحريف الشرائع" (٤). قال أبو السعود: "أي وبأن تفتروا على الله بأنه حرم هذا وذاك ومعنى مالا تعلمون مالا تعلمون إن الله تعالى أمر به" (٥). وقيل: "وظاهر هذا تحريم القول في دين الله بما لا يعلمه القائل من دين الله، فيدخل في ذلك الرأي والأقيسة والشبهية والاستحسان. قالوا: وفي هذه الآية إشارة إلى ذمّ من قلد الجاهل واتبع حكمه" (٦). قال السعدي: " فالقول على الله بلا علم، من أكبر المحرمات، وأشملها، وأكبر طرق الشيطان التي يدعو إليها، فهذه طرق الشيطان التي يدعو إليها هو وجنوده، ويبذلون مكرهم وخداعهم، على إغواء الخلق بما يقدرون عليه" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، وجهان (٨): أحدهما: أن تحرموا على أنفسكم ما لم يحرمه الله عليكم. والثاني: أن تجعلوا له شريكاً. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن للشيطان إرادة، وأمراً؛ لقوله تعالى: ﴿إنما يأمركم﴾. ٢ - ومنها: أن الشيطان لا يأمر بالخير؛ لقوله تعالى: ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء﴾؛ وهذا حصر بـ ﴿إنما﴾؛ وهو يوازن: ما يأمركم إلا بالسوء والفحشاء. ٣ - ومنها: أن الإنسان إذا وقع في قلبه همّ بالسيئة أو الفاحشة فليعلم أنها من أوامر الشيطان، فليستعذ بالله منه؛ لقوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. ٤ - ومنها: أن القول على الله بلا علم من أوامر الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾؛ والقول على الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قاله؛ هذا جائز؛ ويصل إلى حد الوجوب إذا دعت الحاجة إليه. القسم الثاني: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قال خلافه؛ فهذا حرام؛ وهذا أشد الأقسام لما فيه من محادة الله. القسم الثالث: أن يقول على الله ما لا يعلم أن الله قاله؛ وهذا حرام أيضاً.

стр. 1217

فصار القول على الله حراماً في حالين؛ إحداهما: أن يقول على الله ما لا يعلم أن الله قاله، أم لم يقله؛ والثانية: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قال خلافه. وقوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ يشمل القول على الله في ذاته، كالقائلين أنه ليس بداخل العالم، ولا خارجه، ولا متصل، ولا منفصل، ولا فوق العالم، ولا تحت؛ هؤلاء قالوا على الله بلا علم؛ بل بما يُعلم أن الأمر بخلافه. ويشمل القول على الله في أسمائه، مثل أن يقول: إن أسماء الله أعلام مجردة لا تحمل معاني، ولا صفات: فهو سميع بلا سمع؛ وبصير بلا بصر؛ وعليم بلا علم؛ فهو عليم بذاته - لا بعلم هو وصفه ويشمل أيضاً من قال في صفات الله ما لا يعلم، مثل أن يثبتوا بعض الصفات دون بعض، فيقولون فيما نفوه: أراد به كذا، ولم يرد به كذا؛ فقالوا على الله بلا علم من وجهين: الوجه الأول: أنهم نفوا ما أراد الله بلا علم. والثاني: أثبتوا ما لم يعلموا أن الله أراده؛ فقالوا مثلاً: ﴿استوى على العرش﴾ [الأعراف: ٥٤] بمعنى استولى عليه؛ قالوا على الله بلا علم من وجهين؛ الوجه الأول: نفيهم حقيقة الاستواء بلا علم؛ والثاني: إثباتهم أنها بمعنى الاستيلاء بلا علم. كذلك يشمل القول على الله بلا علم في أفعاله، مثل أن يثبتوا أسباباً لم يجعلها الله أسباباً، كمثل المنجمين، والخرَّاصين، وشبههم؛ هؤلاء قالوا على الله بلا علم في أفعاله، ومخلوقاته؛ فيقولون: سبب وجود هذا وهذا كذا؛ وهو لا يُعلم أنه سبب له كوناً، ولا شرعاً. ويشمل أيضاً القول على الله بلا علم في أحكامه؛ مثل أن يقول: «هذا حرام» وهو لا يعلم أن الله حرمه؛ أو «واجب» وهو لا يعلم أن الله أوجبه؛ وهم كثيرون جداً؛ ومنهم العامة، ومنهم أدعياء العلم الذي يظنون أنهم علماء وليس عندهم علم؛ ومن الأشياء التي مرت عليّ قريباً، وهي غريبة: أن رجلاً ذهب إلى إمام مسجد ليكتب له الطلاق؛ فقال له: «طلق امرأتك طلقتين؛ أنا لا أكتب طلقة واحدة؛ لأن الله يقول: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٩]»؛ فقال له الرجل: «اكتب أني طلقت امرأتي مرتين»؛ وهذا جهل مركب منافٍ لمعنى الآية؛ لأن معناها أن الطلاق الذي يملك فيه الرجعة هو الطلقة الأولى، والطلقة الثانية؛ فإن طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. فالقول على الله بلا علم في ذاته، أو أسمائه، أو صفاته، أو أفعاله، أو أحكامه، كل ذلك من أوامر الشيطان؛ والغالب أنه لا يحمل على ذلك إلا محبة الشرف، والسيادة، والجاه؛ وإلا لو كان عند الإنسان تقوى لالتزم الأدب مع الله ، ولم يتقدم بين يدي الله ورسوله، وصار لا يقول على الله إلا ما يعلم. فإذا قال قائل: ألستم تبيحون الفتوى بالظن عند تعذر اليقين؟ فالجواب: بلى؛ بشرط أن يكون لهذا الظن أساس شرعي - من اجتهاد، أو تقليد لمن هو أهل لذلك - يبنى عليه؛ فإذا أفتينا بالظن لتعذر اليقين فقد أفتينا بما أذن الله لنا فيه؛ لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ ومعلوم أن القول بغلبة الظن خير من التوقف؛ وكثير من مسائل الفقه التي تكلم فيها الفقهاء، واختلفوا فيها من هذا الباب؛ لأنها لو كانت يقينية لم يحصل فيها اختلاف؛ ثم إن الشيء قد يكون يقيناً عند شخص لإيمانه، وكثرة علمه، وقوة فهمه؛ ومظنوناً عند آخر لنقصه في ذلك. ٥ - ومنها: تحريم الفتوى بلا علم؛ فإن المفتي يقول على الله، ويعبر عن شرع الله؛ وقد جاء ذلك صريحاً في قوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣]. ٦ - ومنها: ضلال أهل التأويل في أسماء الله، وصفاته؛ لأنهم قالوا على الله بلا علم.

стр. 1218

٧ - ومنها: وجوب تعظيم الله ؛ لأنه تعالى حرم القول عليه بلا علم تعظيماً له، وتأدباً معه؛ وقد قال الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم﴾ [الحجرات: ١]. القرآن ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠] التفسير: وإذا قال المؤمنون ناصحين أهل الضلال: اتبعوا ما أنزل الله من القرآن والهدى، أصرُّوا على تقليد أسلافهم المشركين قائلين: لا نتبع دينكم، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. أيتبعون آباءهم ولو كانوا لا يعقلون عن الله شيئًا، ولا يدركون رشدًا؟ في سبب نزول الآية: أخرج ابن إسحاق (١)، والطبري (٢)، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: دعا رسول الله ﷺ اليهود إلى الإسلام، فرغبهم فيه، وحذرهم عذاب الله ونقمته، فقال له رافع بن خارجة ومالك بن عوف بل نتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا أعلم وخيرا منا، فأنزل الله ﵎ في ذلك من قولهما: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون" (٣). قوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٠]، أي: إذا قيل لهؤلاء الكفرة من المشركين: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله واتركوا ما أنتم فيه من الضلال والجهل (٤). قال الطبري: أي: "فأحِلُّوا حلاله، وحرِّموا حرامه، واجعلوه لكم إمامًا تأتمون به، وقائدًا تَتبعون أحكامه" (٥). قال القرطبي: " أي بالقبول والعمل" (٦). وقد اختلف أهل التفسير في الضمير في قوله تعالى ﴿لَهُمُ﴾ على ثلاثة أقوال (٧): أحدها: أنه عائد على ﴿مَنْ﴾ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً﴾ [البقرة: ١٦٥] وهم مشركو العرب، وقد سبق ذكرهم. وثانيها: أن الضمير عائد على ﴿الناس﴾ من قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مما في الأرض حَلالا طيبًا﴾، وعدل بالخطاب عنهم للنداء على ضلالهم، كأنه التفت إلى العقلاء وقال لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون (٨).وهذا اختيار الطبري (٩)، والبيضاوي (١٠). وثالثها: قال ابن عباس: "نزلت في اليهود، وذلك حين دعاهم رسول الله إلى الإسلام، فقالوا: نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا خير منا، وأعلم منا" (١١)، فعلى هذا الآية مستأنفة، والكناية في ﴿لهم﴾ تعود إلى غير مذكور، إلا أن الضمير قد يعود على المعلوم، كما يعود على المذكور.

стр. 1219

قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]، أي: قالوا: " بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا" (١). قال البيضاوي: أي: " ما وجدناهم عليه" (٢). قال ابن كثير: أي من: "عبادة الأصنام والأنداد" (٣). قال ابن عثيمين: يعني، بل نتّبع ما وجدنا آباءنا عليه من العقيدة والعمل، حقاً كان أو باطلاً" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]، وجهان (٥): أحدهما: أن المعنى: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا من عبادة الأصنام. وعلى هذا الوجه، يكون الخطاب لكفار قريش من بني عبدالدار، فتكون (الهاء والميم) في قوله ﴿لهم﴾، عائدة على من في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥]. الثاني: أن المعنى: بل نتبع ما ألفينا وجدنا عليه آباؤنا من التحريم والتحليل والدين والمنهاج. وعلى هذا القول تكون (الهاء والميم) في قوله ﴿لهم﴾، راجعة إلى ﴿الناس﴾ في قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا﴾ [البقرة: ١٦٨]. واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿ألفينا﴾ [البقرة: ١٧٠]، على وجهين: أحدهما: أنه بمعنى وجدنا. قاله أبو العالية (٦)، وقتادة (٧)، والربيع (٨)، وهو قول الجمهور (٩). ودليله: قوله تعالى في آية أخرى ﴿بل نتبع ما وجدنا عليه ءاباءنا﴾ ﴿لقمان: ٢١﴾، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾ [يوسف: ٢٥] وقوله: ﴿إنهم ألفوا ءاباءهم ضالين﴾ [الصافات: ٦٩] " (١٠)، ومنه قول الشاعر (١١):

стр. 1220

فَأَلْفَيْتُهُ غيرَ مُسْتَعْتِبٍ ... ولا ذاكر اللهَ إلا قليلًا الثاني: أن معناه: صادفنا. قاله الزجاج (١). و﴿آباءنا﴾: "يشمل الأدنى منهم، والأبعد؛ وجوابهم هذا باطل خطأ؛ ولهذا أبطله الله تعالى في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ " (٢). وقرأ الكسائي: ﴿بل نتبع﴾ بإدغام (اللام) في (النون)، وكذلك يدغم لام (هل) و (بل) في (التاء والثاء والزاي والسين والصاد والطاء والظاء) ووافق حمزة في (التاء والثاء والسين) (٣). قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، أي: "أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالا لا يعقلون شيئا" (٤)، ولا يهتدون "للصواب" (٥). قال الثعلبي: أي: "من التوحيد ومعرفه الرحمن ولا يهتدون للحجة البالغة" (٦). قال ابن كثير: أي: "ليس لهم فهم ولا هداية! ! " (٧). قال البغوي: " لفظه عام ومعناه الخصوص" (٨). قال الصابوني: " أي أيتبّعون آباءهم ولو كانوا سفهاء أغبياء ليس لهم عقل يردعهم عن الشر ولا بصيرة تنير لهم الطريق؟ " (٩). قال ابن عثيمين: أي: " أيتبعون آباءهم ولو كان آباؤهم في هذه الحال التي لا يستحقون أن يُتَّبعوا فيها لا يعقلون شيئا، ولا يعملون عمل العالم المهتدي؛ وبهذا انتفى عنهم الرشد في العمل؛ والعلم في طريق لا يستحقون أن يتبعوا" (١٠). قال البيضاوي: " أي لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين، ولا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم. وهو دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر والاجتهاد. وأما اتباع الغير في الدين إذا علم بدليل ما أنه محق كالأنبياء والمجتهدين في الأحكام، فهو في الحقيقة ليس بتقليد بل اتباع لما أنزل الله" (١١). قال ابن عطية: " وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد، وأجمعت الأمة على إبطاله في العقائد" (١٢). والمراد بالعقل هنا عقل الرشد؛ لا عقل الإدراك؛ فآباؤهم أذكياء، ويدركون ما ينفعهم، وما يضرهم؛ لكن ليس عندهم عقل رشد، وهو حسن تصرف (١٣).

стр. 1221

وإذا قال قائل: إذا كانت للعموم فمعنى ذلك أنهم لا يعقلون شيئاً حتى من أمور الدنيا مع أنهم في أمور الدنيا يحسنون التصرف: فهم يبيعون، ويشترون، ويتحرون الأفضل، والأحسن لهم؟ فيقال: " ﴿لا يعقلون شيئا﴾، لفظ عام ومعناه الخصوص لأنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا، [ومعناه] لا يعقلون شيئا من أمر الدين ولا يهتدون" (١). قال ابن عثيمين: المعنى: " أنهم لا يعقلون شيئاً من أمور دينهم، لأن المقام هنا مقام منهاج، وعمل، وليس مقام دنيا، وبيع، وشراء؛ فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿شيئاً﴾ شيئاً من أمور الآخرة؛ وكلا الاحتمالين يرجع إلى معنى واحد" (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: ذم التعصب بغير هدى؛ لقوله تعالى: ﴿بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾؛ مع أن آباءهم لا عقل عندهم، ولا هدى. ٢ - ومنها: أن من تعصب لمذهب مع مخالفة الدليل ففيه شبه من هؤلاء؛ والواجب أن الإنسان إذا قيل له: «اتبع ما أنزل الله» أن يقول: «سمعنا، وأطعنا». ٣ - ومنها: أنه لا يجب الانقياد إلا لما أنزل الله - وهو الكتاب، والحكمة -. ٤ - ومنها: بيان عناد هؤلاء المستكبرين الذين إذا قيل لهم: ﴿اتبعوا ما أنزل الله﴾ قالوا: ﴿بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾ دون أن يقيموا برهاناً على صحته. ٥ - ومنها: أن كل من خالف الحق، وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدًى؛ لقوله تعالى: ﴿لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون﴾. ٦ - قال علماؤنا: وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد، ونظيرها: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة: ١٠٤] الآية. وهذه الآية والتي قبلها مرتبطة بما قبلهما، وذلك أن الله سبحانه أخبر عن جهالة العرب فيما تحكمت فيه بآرائها السفيهة في البحيرة والسائبة والوصيلة، فاحتجوا بأنه أمر وجدوا عليه آباءهم فاتبعوهم في ذلك، وتركوا ما أنزل الله على رسوله وأمر به في دينه، فالضمير في "لهم" عائد عليهم في الآيتين جميعا، وقد تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار باتباعهم لآبائهم في الباطل، واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية. وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر. واختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول على ما يأتي، وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح، والتقليد عند العلماء حقيقته قبول قول بلا حجة، وعلى هذا فمن قبل قول النبي ﷺ من غير نظر في معجزته يكون مقلدا، وأما من نظر فيها فلا يكون مقلدا (٣). ----------------------------------------------- انتهى المجلد الثالث من التفسير ويليه المجلد الرابع بإذن الله، وبدايته تفسير الآية (١٧١) من سورة البقرة.

стр. 1222

فهرست المجلد الثالث الموضوع ... الصفحة ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾ [البقرة: ٩١] ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾ [البقرة: ٩٢] ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾ [البقرة: ٩٣] ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 1223

صَادِقِينَ (٩٤)﴾ [البقرة: ٩٤] ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾ [البقرة: ٩٥] ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة: ٩٦] ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾ [البقرة: ٩٧] ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨] ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾ [البقرة: ٩٩] ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾ [البقرة: ١٠٠] ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [البقرة: ١٠١] ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ [البقرة: ١٠٣] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤] ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [البقرة: ١٠٥] ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦] ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٧] ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾ [البقرة: ١٠٨] ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ [البقرة: ١١٠] ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١] ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ

стр. 1224

يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾ [البقرة: ١١٣] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ [البقرة: ١١٤] ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥] ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ [البقرة: ١١٦] ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٧] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾ [البقرة: ١١٨] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾ [البقرة: ١١٩] ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠] ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ [البقرة: ١٢١] ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢)﴾ [البقرة: ١٢٢] ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾ [البقرة: ١٢٣] ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤] ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة: ١٢٦] ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧] ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ

стр. 1225

أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨] ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩] ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة: ١٣٠] ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١] ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢] ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٣] ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤] ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥] ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦] ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة: ١٣٧] ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨] ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾ [البقرة: ١٣٩] ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)﴾ [البقرة: ١٤٠] ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾ [البقرة: ١٤١] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣] ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤] ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا

стр. 1226

بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥] ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦] ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ [البقرة: ١٤٧] ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨] ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ [البقرة: ١٤٩] ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾ [البقرة: ١٥٠] ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾ [البقرة: ١٥١] ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣] ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة: ١٥٤] ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة: ١٥٥] ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦] ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧] ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩] ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٦٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ [البقرة: ١٦١] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٦٢] ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤]

стр. 1227

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥] ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة: ١٦٦] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٧] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨] ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٩] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠]

стр. 1228

الكِفاية في التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية تأليف الفقير إلى رحمة ربه د. عبدالله خضر حمد الجزء الرابع سورة البقرة الآية (١٧١ - ٢٢٧) الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م

стр. 1229

حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم الرقم الدولي (ISBN): ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥ الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م الناشر: دار القلم بيروت - لبنان

стр. 1230

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾
следующие страницы →