← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥] ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦] ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ [البقرة: ١٤٧] ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨] ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ [البقرة: ١٤٩] ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾ [البقرة: ١٥٠] ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾ [البقرة: ١٥١] ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣] ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة: ١٥٤] ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة: ١٥٥] ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦] ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧] ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩] ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٦٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ [البقرة: ١٦١] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٦٢] ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤]

стр. 1227

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥] ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة: ١٦٦] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٧] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨] ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٩] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠]

стр. 1228

الكِفاية في التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية تأليف الفقير إلى رحمة ربه د. عبدالله خضر حمد الجزء الرابع سورة البقرة الآية (١٧١ - ٢٢٧) الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م

стр. 1229

حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم الرقم الدولي (ISBN): ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥ الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م الناشر: دار القلم بيروت - لبنان

стр. 1230

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾

стр. 1231

القرآن ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١] التفسير: وصفة الذين كفروا وداعيهم إلى الهدى والإيمان كصفة الراعي الذي يصيح بالبهائم ويزجرها، وهي لا تفهم معاني كلامه، وإنما تسمع النداء ودَوِيَّ الصوت فقط. هؤلاء الكفار صُمٌّ سدُّوا أسماعهم عن الحق، بُكْم أخرسوا ألسنتهم عن النطق به، عُمْي لا ترى أعينهم براهينه الباهرة، فهم لا يعملون عقولهم فيما ينفعهم. في سبب نزول الآية ذكر الطبري: أنها نزلت في اليهود، بدليل الآية التي قبلها والآيات التي بعدها (١). قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]، أي: " ومثل داعي الذين كفروا" (٢) "كمثل الراعي الذي ينادي" (٣) بالبهائم التي لا تسمع إلّا دعاء الناعق ونداءه" (٤). قال الزجاج: " ضرب الله لهم هذا المثل، وشبههم بالغنم المنعوق بها، بما لا يسمع منه إلا الصوت" (٥). قال الفراء: أي" مثل الذين كفروا كمثل البهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت" (٦). قال أبو السعود: " أي مثل الذين كفروا فيما ذكر من انهماكهم فيما هم فيه وعدم التدبر فيما ألقي إليهم من الآيات كمثل بهائم الذي ينعق بها وهي لا تسمع منه إلا جرس النغمة ودوي الصوت" (٧). قال الصابوني: " أي ومثل الكفار في عدم انتفاعهم بالقرآن وحججه الساطعة ومثل من يدعوهم إِلى الهدى كمثل الراعي الذي يصيح بغنمه ويزجرها، فهي تسمع الصوت والنداء دون أن تفهم الكلام" (٨). قال المراغي: " أي إن مثل الكافرين في تقليدهم لآبائهم ورؤسائهم، وإخلادهم إلى ما هم عليه من الضلال، وعدم تأملهم فيما يلقى إليهم من الأدلة، مثل البهائم التي ينعق عليها الراعي وهى لا تعقل مما يقول شيئا، ولا تفهم له معنى، وإنما تسمع أصواتا تقبل لسماع بعضها وتدبر لسماع بعض آخر بالتعود، ولا تعقل سببا للإقبال والإدبار" (٩). قال الزمخشري: " المعنى: ومثل داعيهم إلى الإيمان- في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوى الصوت، من غير إلقاء أذهان ولا استبصار- كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها" (١٠). قال البيضاوي: أي: " و [هي] تحس بالنداء ولا تفهم معناه" (١١).

стр. 1232

قال السعدي: " أخبر تعالى، أن مثلهم عند دعاء الداعي لهم إلى الإيمان كمثل البهائم التي ينعق لها راعيها وليس لها علم بما يقول راعيها ومناديها، فهم يسمعون مجرد الصوت، الذي تقوم به عليهم الحجة، ولكنهم لا يفقهونه فقها ينفعهم" (١). قال ابن عثيمين: "فهؤلاء الكفار مثلهم، كمثل إنسان يدعو بهائم لا تفهم إلا الصوت دعاءً، ونداءً؛ و «الدعاء» إذا كان يدعو شيئاً معيناً باسمه؛ و «النداء» يكون للعموم؛ هناك بهائم يسميها الإنسان باسمها بحيث إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه؛ والنداء العام لجميع البهائم هذا لا يختص به واحدة دون أخرى؛ فتقبل الإبل جميعاً؛ لكن مع ذلك لا تقبل على أساس أنها تعقل، وتفهم، وتهتدي؛ ربما يناديها لأجل أن ينحرها؛ هؤلاء الكفار مثلهم - في كونهم يتبعون آباءهم بدون أن يفهموا هذه الحال التي عليها آباؤهم - كمثل هذا الناعق بالماشية التي لا تسمع إلا دعاءً، ونداءً" (٢). وقوله: ﴿يَنعِق﴾، معناه: يُصوِّت بالغنم، النَّعيق، والنُّعاق، ومنه قول الأخطل (٣): فَانْعِقْ بِضَأْنِكَ يَا جَرِيرُ، فَإِنَّمَا ... مَنَّتْكَ نَفْسَكَ فِي الخَلاءِ ضَلالا يعني: صوِّت به (٤). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ على طريقين (٥): الطريق الأول في الآية: التفسير بإضمار في الآية. وقد اختلفوا في تقدير الإضمار على النحو الآتي: أولا: فقال: الأخفش (٦)، والزجاج (٧)، وابن قتيبة (٨): أن تقدير الآية: ومثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله ؛ فحذف أحد المثلين اكتفاء بالثاني، كقوله: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١]، وعلى هذا التقدير: شبه الكفار بالبهائم، وشبه داعيهم بالذي يصيح بها، وهي لا تعقل شيئا. ثانيا: وذكر الفراء: في هذه الآية قولين (٩): القول الأول: أن تقدير الآية: ومثل واعظ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بالغنم، فحذف كما قال: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]، أي: أهلها" (١٠). وهذا معنى قول ابن عباس (١١)، وعكرمة (١٢)، ومجاهد (١٣)، وقتادة (١٤)، والربيع (١٥)، وعطاء (١٦)، والسدي (١٧)، وهو اختيار الفراء (١٨).

стр. 1233

وعلى هذا القول: أضيف (المثل) إلى ﴿الذين كفروا﴾، وترك ذكر (الوعظ والواعظ)، لدلالة الكلام على ذلك، كما قال الشاعر (١): فَلَسْتُ مُسَلِّمًا مَا دُمْتُ حَيًّا ... عَلَى زَيْدٍ بِتَسْلِيمِ الأمِير يراد به: كما يُسلِّم على الأمير (٢). القول الثاني: أن معنى الآية: ومثل الذين كفروا في قلة فهمهم عن الله وعن رسوله، كمثل المنعوق به من البهائم، الذي لا يَفقه من الأمر والنهي غير الصوت. وذلك أنه لو قيل له: اعتلف، أورِدِ الماء، لم يدر ما يقال له غير الصوت الذي يسمعه من قائله، فكذلك الكافر، مَثله في قلة فهمه لما يؤمر به وينهى عنه - بسوء تدبُّره إياه وقلة نظره وفكره فيه - مَثلُ هذا المنعوق به فيما أمِر به ونُهِي عنه. فيكون المعنى للمنعوق به، والكلام خارجٌ على الناعق، كما قال نابغة بني ذبيان (٣): وَقَدْ خِفْتُ، حَتَّى مَا تَزِيدُ مَخَافَتِي ... عَلَى وَعِلٍ فِي ذِي المَطَارَة عَاقِلِ والمعنى: حتى مَا تزيدُ مخافة الوعل على مخافتي، وكما قال الآخر نابغة الجعدي (٤): كَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُولُ، كَمَا ... كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ والمعنى: كما كان الرجمُ فريضة الزنا، فجعل الزنا فريضة الرجم، لوضوح معنى الكلام عند سامعه، وكما قال الآخر (٥): إنّ سِرَاجًا لَكَرِيمٌ مَفْخَرُه ... تَحْلَى بِهِ العَيْنُ إذَا مَا تَجْهَرُهْ والمعنى: يَحلى بالعين، فجعله تحلى به العين.

стр. 1234

وعلى هذا حمل قوله تعالى: ﴿ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة﴾ [القصص: ٧٦]، المعنى: "أن العصبة تنوء بالمفاتح" (١). ونظائر ذلك من كلام العرب أكثرُ من أن تحصى، مما تُوجِّهه العرب من خبر ما تخبر عنه إلى ما صاحَبَه، لظهور معنى ذلك عند سامعه، فتقول: اعرِض الحوضَ على الناقة، وإنما تعرض الناقة على الحوض، وما أشبه ذلك من كلامها (٢). واعترض ابن قتيبة على هذا القول بأن قال: "لا يجوز لأحد أن يحكم بهذا على كتاب الله، لأن الشاعر يقلب اللفظ ويزيل الكلام عن الغلط، على طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة الوزن، والله تعالى لا يغلط ولا يضطر، وينبغي أن ينزه القرآن عنه؛ لأن الصحيح أن القلب لا يكون إلا في الشعر، أو إن جاء في الكلام فهو من القلة بحيث لا يقاس عليه" (٣). قال الواحدي: " وقول الفراء صحيح وإن أنكره ابن قتيبة، موافق لمذاهب العرب في فنون مخاطباتها، فإنهم يفعلون الشيء للضرورة، ثم يصير وجها ومذهبا لهم في الكلام، حتى يجيزوه وإن لم تدع إليه ضرورة" (٤). ثالثا: أن المعنى: مثل الكافر في دعاء آلهته التي يعبدها من دون الله كمثل راعي البهيمة يسمع صوتها ولا يفهمه، وهذا قول ابن زيد (٥). رابعا: أن المعنى: " ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءَهم، كمثل الناعق بغنم لهُ من حيث لا تسمعُ صوتَه غنمُه، فلا تنتفع من نَعقِه بشيء، غير أنه في عَناء من دعاء ونداء، فكذلك الكافر في دعائه آلهته، إنما هو في عناء من دعائه إياها وندائه لها، ولا ينفعه شيء" (٦). والقول الأول أولى بالصواب، وهو قول ابن عباس، وقد اختاره الإمام الطبري، إذ يقول: "وأولى التأويل عندي بالآية، التأويل الأول الذي قاله ابن عباس ومَن وافقه عليه. وهو أن معنى الآية: ومثل وَعظ الكافر وواعظه، كمثل الناعق بغنمه ونَعيقه، فإنه يسمع نَعقه ولا يعقل كلامه، على ما قد بينا قبل ... وإنما اخترنا هذا التأويل، لأن هذه الآية نزلت في اليهود، وإياهم عَنى الله تعالى ذكره بها، ولم تكن اليهود أهل أوثان يَعبدونها، ولا أهل أصنام يُعظمونها ويرجون نَفعها أو دَفع ضرها. ولا وجه - إذ كان ذلك كذلك - لتأويل من تأوّل ذلك أنه بمعنى: مَثل الذين كفروا في ندائهم الآلهة ودُعائهم إياها. فإن قال قائل: وما دليلك على أنّ المقصود بهذه الآية اليهود؟ قيل: دليلنا على ذلك مَا قبلها من الآيات وما بعدها، فإنهم هم المعنيون به. فكان ما بينهما بأن يكون خبرًا عنهم، أحق وأولى من أن يكون خبرًا عن غيرهم، حتى تأتي الأدلة واضحةً بانصراف الخبر عنهم إلى غيرهم. هذا، مع ما ذكرنا من الأخبار عَمن ذكرنا عنه أنها فيهم نزلت، والرواية التي روينا عن ابن عباس أنّ الآية التي قبل هذه الآية نزلت فيهم، وبما قُلنا من أن هذه الآية معنيّ بها اليهود كان عطاء يقول: حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال لي عطاء في هذه الآية: هم اليهود الذين أنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [سورة البقرة: ١٧٤ - ١٧٥] " (٧).

стр. 1235

الطريق الثاني في الآية: إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار، وفيه وجهان (١): أحدهما: مثل الذين كفروا في قلة عقلهم في عبادتهم لهذه الأوثان، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أنه يقضى على ذلك الراعي بقلة العقل، فكذا هاهنا. الثاني: أن معناها: ومثل الكفار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم، فكما أن الكلام مع البهائم عبث عديم الفائدة، فكذا التقليد عبث عديم الفائدة. وعلى هذا التفسير لا تحتاج الآية إلى إضمار (٢). قوله تعالى: ﴿صُمٌّ﴾ [البقرة: ١٧١]، أي: "صُمٌّ عن سماع الحق" (٣). قال الصابوني: "أي هم كالصم لا يسمعون خيراً" (٤). قال الماوردي: " أي: صم عن الوعظ فلا يسمعونه" (٥). قال ابن عباس: " لا يسمعون الهدى" (٦). وروي نحوه عن السدي (٧)، وقتادة (٨)، وأبي مالك (٩). فهؤلاء "فى عدم سماعهم للحق الذى دعوا إليه، كالصم الذين لا يسمعون، وهو تشبيه حالهم المعنوية فى عدم سماعهم لدعوة الحق إذا نادى المنادى به بحال الأصم الذى لا يسمع شيئا" (١٠). و(الصمم) في كلام العرب: الانسداد، يقال: قناة صماء إذا لم تكن مجوفة، وصممت القارورة إذا سددتها. فالأصم: من انسدت خروق مسامعه. والأبكم: الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس. وقيل: الأخرس والأبكم واحد. ويقال: رجل أبكم وبكيم، أي أخرس بين الخرس والبكم، (١١) قال الشاعر (١٢): فليت لساني كان نصفين منهما ... بكيم ونصف عند مجرى الكواكب قوله تعالى: ﴿بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٧١]، أي: "بُكْمٌ لا يتفوهون بالحق" (١٣). فشبّه حالهم "فى عدم نطقهم بالحق، واستجابتهم له بحال الابكم الذى لا يتكلم" (١٤). قال الماوردي: أي: " بكم عن الحق فلا يذكرونه" (١٥). قال الثعلبي: أي: " بكم عن الخير فلا يقولونه" (١٦). قال الصابوني: أي" كالخرص لا يتكلمون بما ينفعهم" (١٧). قال قتادة: " بكم عنه [أي الحق]، فهم لا ينطقون به" (١٨).

стр. 1236

وقال أبو مالك: "يعني خرسا عن الكلام بالإيمان، فلا يستطيعون الكلام" (١). قوله تعالى: ﴿عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٧١]، أي: "عُمْيٌ عن رؤية طريق الحق ومسلكه" (٢). إذ " شبه عدم إدراكهم الحق الذي بدت معالمه، وظهر نوره بحال الأعمى الذى لا يبصر، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] " (٣). قال الماوردي: أي: " عمي عن الرشد فلا يبصرونه" (٤). قال الثعلبي: أي: " عمي عن الهدي فلا يبصرونه" (٥). قال الصابوني: أي: "كالعمي لا يبصرون الهدى ولا يتبعون سبيله" (٦). قال الزجاج: " لأنهم في تركهم ما يبصرون من الهداية بمنزلة العمي" (٧). قال ابن عباس: "لا يبصرونه" (٨). أي الهدى. وروي نحوه عن السدي (٩)، وقتادة" (١٠). والعمى: ذهاب البصر، وقد عمي فهو أعمى، وقوم عمي، وأعماه الله، وتعامى الرجل: أرى ذلك من نفسه. وعمي عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] (١١). وليس الغرض مما ذكرناه نفي الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها من جهة ما، تقول: فلان أصم عن الخنا، كما قالوا (١٢): أصم عما ساءه سميع أي: لا يسمع ما ساءه مع كونه سميعا، يضرب مثلا للرجل يتغافل عما يكره. وقال آخر (١٣): وَعَوْرَاءُ اللِّئَامِ صَمَمْتُ عَنْهَا ... وَإِنِّي لَوْ أَشَاءُ بِهَا سَمِيعُ وقال مسكين الدارمي (١٤): أَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي خَرَجَتْ ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي السِّتْرُ وَأَصَمُّ عَمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا ... سَمْعِي وَمَا بِالسَّمْعِ مِنْ وَقْرِ فوصف نفسه لتركه النظر والاستماع بالعمى والصمم.

стр. 1237

وبذلك فهم صم عن سماع الحق؛ ولكن سماع غيره لا فائدة منه؛ فهو كالعدم؛ وهم بُكم لا ينطقون بالحق؛ ونطقهم بغير الحق كالعدم؛ لعدم نفعه؛ وهم كذلك عُمي لا يبصرون الحق؛ وإبصارهم غير الحق لا ينتفعون به (١). قال الرازي: "فالله تعالى لما شبههم بالبهائم زاد في تبكيتهم، لأنهم صاروا بمنزلة الصم في أن الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه وبمنزلة البكم في أن لا يستجيبوا لما دعوا إليه وبمنزلة العمى من حيث أنهم أعرضوا عن الدلائل فصاروا كأنهم لم يشاهدوها" (٢). قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ! ٧١]، أي: فهم"لا يعقلون شيئًا ولا يفهمونه (٣). قال النسفي: أي: لايفهمون"الموعظة" (٤). قال الشيخ ابن عثيمين: " أي لكونهم صماً بكماً عمياً، فهم لا يعقلون عقل رشد - وإن كان عندهم عقل إدراك -؛ فلعدم انتفاعهم بعقولهم نفى الله عنهم الع قل؛ ورتب الله انتفاء العقل عنهم على كونهم صماً بكماً عمياً؛ لأن هذه الحواس وسيلة العقل والإدراك" (٥). قال الآلوسي: " أي لا يدركون شيئا لفقدان الحواس الثلاثة وقد قيل: من فقد حسا فقد فقد علما" (٦). قال أبو السعود: " لأن طريق التعقل هو التدبر في مبادي الأمور المعقولة والتأمل في ترتيبها وذلك إنما يحصل باستماع آيات الله ومشاهدة حججه الواضحة والمفاوضة مع من يؤخذ منه العلوم فإذا كانوا صما بكما عميا فقد انسد عليهم أبواب التعقل وطرق الفهم بالكلية" (٧). قال ابن عطية: " ولما تقرر فقدهم لهذه الحواس قضى بأنهم لا يَعْقِلُونَ إذ العقل كما قال أبو المعالي وغيره: علوم ضرورية تعطيها هذه الحواس، أو لا بد في كسبها من الحواس، وتأمل" (٨). قال الرازي: "والمراد العقل الاكتسابي، لأن العقل المطبوع كان حاصلا لهم، والعقل عقلان: مطبوع ومسموع، ولما كان طريق اكتساب العقل المكتسب هو الإستعانة بهذه القوى الثلاثة فلما أعرضوا عنها فقدوا العقل المكتسب ولهذا قيل: من فقد حسا فقد علما" (٩). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن هؤلاء في اتباع آبائهم مثل البهائم التي تستجيب للناعق وهي لا تسمع إلا صوتاً دعاءً، ونداءً؛ لا تسمع شيئاً تعقله، وتعرف فائدته، ومضرة مخالفته. ٢ - ومنها: أن هؤلاء قد طبع الله على قلوبهم فلا يسمعون ما يدعون إليه من حق، ولا يقولون به؛ فهُمْ: ﴿صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾. ٣ - ومنها: أن لهؤلاء أمثالاً يدعون بدعوى الجاهلية، كأولئك الذين يدعون إلى القومية: فإن مثلهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً، ونداءً؛ وهذه الدعوى لا يفكر الدعاة لها فيما يترتب عليها من تفريق المسلمين، وتمزيق وحدتهم، وكونهم يجعلون الرابطة هي اللغة، أو القومية، فيدخل فيها غير المسلم ممن تشملهم القومية، ويخرج بها مسلمون كثيرون ممن لا تشملهم القومية؛ لكن الرابطة الدينية التي قال الله فيها: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠]؛ هذه تدخل جميع المؤمنين - ولو من غير العرب -؛ وتخرج من ليس

стр. 1238

بمؤمن - ولو كان عربياً -؛ فهذا إبراهيم ﵇ قال الله عنه: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم﴾ [التوبة: ١١٤]؛ وقد حثنا الله على التأسي بإبراهيم ﵇، حيث قال : ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ [الممتحنة: ٤]، ولما قال نوح ﵇: ﴿رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق﴾ [هود: ٤٥] قال الله له: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ [هود: ٤٥]؛ فكون الناس انجرفوا في هذه الدعوى الباطلة - دعوى القومية - هو داخل في هذه الآية: أنهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢] التفسير: يا أيها المؤمنون كلوا من الأطعمة المستلَذَّة الحلال التي رزقناكم، ولا تكونوا كالكفار الذين يحرمون الطيبات، ويستحِلُّون الخبائث، واشكروا لله نعمه العظيمة عليكم بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم، إن كنتم حقًا منقادين لأمره، سامعين مطيعين له، تعبدونه وحده لا شريك له. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٧٢]، أي: "يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقروا لله بالعبودية، وأذعنوا له بالطاعة" (١). قال الصابوني: " خاطب المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بالتوجيهات الربانية" (٢). قال ابن عثيمين: " إن وصف الإيمان للمنادى؛ وتصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى" (٣). قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، أي: " كلوا من المستلذات وما طاب من الرزق الحلال الذي رزقكم الله إِياه" (٤). قال الطبري: أي: " اطعَموا من حَلال الرزق الذي أحللناهُ لكم، فطاب لكم بتحليلي إياه لكم، مما كنتم تحرِّمونَ أنتم، ولم أكن حرمته عليكم، من المطاعم والمشارب" (٥). قال الثعلبي: أي: " من حلالات ﴿ما رقناكم﴾، من الحرث والأنعام وسائر المأكولات والنعم" (٦). أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن، في قوله: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾، أما إنه لم يذكر أحمركم وأصفركم ولكنه قال: تنتهون إلى حلاله" (٧). وروي عن مقاتل (٨) نحو ذلك. والأمر في قوله ﴿كُلُوا﴾، هو للامتنان، والإباحة (٩).

стр. 1239

قال المفسرون: "هذا أمر إباحة لا ندب، ولا إيجاب، وأراد بالطيبات: الحلالات من الحرث والنعم وما حرمه المشركون على أنفسهم منها" (١). وقد اختلف في دلالة: ﴿مِن﴾ هنا على قولين (٢): أحدهما: الظاهر أنها لبيان الجنس؛ والمراد بـ (الطيب): الحلال في عينه، وكسبه. والثاني: وقيل: أنها للتبعيض، والمراد بـ (الطيب): المستلذ، والمستطاب. قال صاحب الكشاف: قوله: " ﴿مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾، من مستلذاته، لأنّ كل ما رزقه اللَّه لا يكون إلا حلال" (٣). قلت: وهذا عند المعتزلة. أما عند أهل السنة فقد يكون حراما (٤). قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢]، " أي واشكروا الله على نعمه" (٥). قال الثعلبي: أي: " على نعمته" (٦). قال البقاعي: أي: "وخصوا شكركم بالمنعم الذي لا نعمة إلا منه، وهذا بخلاف ما يأتي في سورة المؤمنين خطاباً لأعلى طبقات الخلّص وهم الرسل" (٧). قال الرازي: " قوله: ﴿واشكروا الله﴾ أمر: وليس بإباحة فإن قيل: الشكر إما أن يكون بالقلب أو باللسان أو بالجوارح، أما بالقلب فهو إما العلم بصدور النعمة عن ذلك المنعم، أو العزم على تعظيمه باللسان وبالجوارح، أما ذلك العلم فهو من لوازم كمال العقل، فإن العاقل لا ينسى ذلك فإذا كان ذلك العلم ضروريا فكيف يمكن إيجابه، وأما العزم على تعظيمه باللسان والجوارح فذلك العزم القلبي مع الإقرار بالسان والعمل بالجوارح، فإذا بينا أنهما لا يجيبان كان العزم بأن لا يجب أولى، وأما الشكر باللسان فهو إما أن يقر بالاعتراف له بكونه منعما أو بالثناء عليه فهذا غير واجب بالاتفاق بل هو من باب المندوبات، وأما الشكر بالجوارح والأعضاء فهو أن يأتي بأفعال دالة على تعظيمه، وذلك أيضا غير واجب، وإذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه لا يمكن القول بوجوب الشكر قلنا الذي تلخص في هذا الباب أنه يجب عليه اعتقاد كونه مستحقا للتعظيم وإظهار ذلك باللسان أو بسائر الأفعال إن وجدت هناك تهمة" (٨). و(الشكر) في اللغة: الثناء؛ وفي الشرع: القيام بطاعة المنعم؛ وإنما فسرناها بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: "إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾، وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله﴾ " (٩)؛ فالشكر الذي أُمر به المؤمنون بإزاء العمل الصالح الذي أُمر به المرسلون؛ والقرآن يفسر بعضه بعضاً (١٠).

стр. 1240

قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]، أي" إِن كنتم تخصونه بالعبادة ولا تعبدون أحداً سواه" (١). قال الطبري: أي: "إن كنتم منقادين لأمره سامعين مطيعين" (٢). وقد ذكر الرازي لهذه الآية ثلاثة أوجه من التفسير (٣): أحدها: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ إن كنتم عارفين بالله وبنعمه، فعبر عن معرفة الله تعالى بعبادته، إطلاقا لإسم الأثر على المؤثر. ثانيها: معناه: إن كنتم تريدون أن تعبدوا الله فاشكروه، فإن الشكر رأس العبادات. وثالثها: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ الذي رزقكم هذه النعم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه سبحانه المنعم لا غيره. قال الواحدي: " أراد: إن كانت العبادة لله واجبة عليكم بأنه إلهكم، فالشكر له واجب بأنه محسن إليكم، فمعنى الشرط هاهنا: المظاهرة في الحجاج" (٤). قال قتادة: " كرامة أكرمكم الله بها، فاشكروا لله نعمته" (٥). و(العبادة) هي: التذلل لله بالطاعة؛ وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ مأخوذة من قولهم: طريق معبَّد - يعني مذللاً للسالكين -؛ يعني: إن كنتم تعبدونه حقاً فكلوا من رزقه، واشكروا له (٦). قال البقاعي: "ولما كان الشكر لا يصح إلا بالتوحيد علقه باختصاصهم إياه بالعبادة فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ﴾، أي وحده، ﴿تَعْبُدُونَ﴾، فإن اختصاصه بذلك سبب للشكر، فإذا انتفى الاختصاص الذي هو السبب انتفى الشكر، وأيضاً إذا انتفى المسبب الذي هو الشكر انتفى الاختصاص لأن السبب واحد، فهما متساويان يرتفع كل واحد منهما بارتفاع الآخر" (٧). قال الإمام الطبري: وأن هذه الآية "تأكيد للأمر الأول، وخص المؤمنين هنا بالذكر تفضيلا، والمراد بالأكل الانتفاع من جميع الوجوه. وقيل: هو الأكل المعتاد. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل يطيلُ السفر أشعث أغبر، يمدُّ يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك" (٨). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، حيث وجَّه الله الخطاب إلى المؤمنين، فهم أهل لتوجيه الخطاب إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. ٢ - ومنها: الأمر بالأكل من طيبات ما رزق الله؛ لقوله تعالى: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾؛ وهو للوجوب إن كان الهلاك، أو الضرر بترك الأكل.

стр. 1241

٣ - ومنها: أن الخبائث لا يؤكل منها؛ لقوله تعالى: ﴿من طيبات ما رزقناكم﴾؛ والخبائث محرمة؛ لقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾. ٤ - ومنها: أن ما يحصل عليه المرء من مأكول فإنه من رزق الله؛ وليس للإنسان فيه إلا السبب فقط؛ لقوله تعالى: ﴿ما رزقناكم﴾ [البقرة: ٥٧]. ٥ - ومنها: توجيه المرء إلى طلب الرزق من الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ما رزقناكم﴾؛ فإذا كان هذا الرزق من الله فلنطلبه منه مع فعل الأسباب التي أمرنا بها. ٦ - ومنها: وجوب الشكر لله؛ لقوله تعالى: ﴿واشكروا لله﴾. ٧ - ومنها: وجوب الإخلاص لله في ذلك؛ يؤخذ ذلك من اللام في قوله تعالى: ﴿لله﴾. ٨ - ومنها: أن الشكر من تحقيق العبادة؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾. ٩ - ومنها: وجوب الإخلاص لله في العبادة؛ يؤخذ ذلك من تقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿إياه تعبدون﴾. ١٠ - ومنها: إثبات رحمة الله بعباده من وجهين: أولاً: من أمره إياهم بالأكل من الطيبات؛ لأن بذلك حفظاً لصحتهم. ثانياً: من قوله تعالى: ﴿ما رزقناكم﴾؛ فإن الرزق بلا شك من رحمة الله. ١١ - ومنها: الرد على الجبرية من قوله تعالى: ﴿كلوا﴾، و ﴿اشكروا﴾، و ﴿تعبدون﴾؛ كل هذه أضيفت إلى فعل العبد؛ فدل على أن للعبد فعلاً يوجه إليه الخطاب بإيجاده؛ ولو كان ليس للعبد فعل لكان توجيه الخطاب إليه بإيجاده من تكليف ما لا يطاق. ١٢ - ومنها: التنديد بمن حرموا الطيبات، كأهل الجاهلية الذين حرموا السائبة، والوصيلة، والحام. القرآن ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣] التفسير: إنما حرم الله عليكم ما يضركم كالميتة التي لم تذبح بطريقة شرعية، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، والذبائح التي ذبحت لغير الله، ومِنْ فَضْلِ الله عليكم وتيسيره أنه أباح لكم أكل هذه المحرمات عند الضرورة. فمن ألجأته الضرورة إلى أكل شيء منها، غير ظالم في أكله فوق حاجته، ولا متجاوز حدود الله فيما أُبيح له، فلا ذنب عليه في ذلك. إن الله غفور لعباده، رحيم بهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، أي: " ما حرَّم عليكم إلا الميتة والدم ولحم الخنزير" (١). قال الصابوني: " أي: ما حرّم عليكم إلا الخبائث كالميتة والدم ولحم الخنزير" (٢). قال الحسن: " نعم، حرم الله الميتة والدم ولحم الخنزير" (٣). قال ابن عثيمين: أي حرم عليكم أكلها؛ والدليل أنه حرم أكلها الآية التي قبلها: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ١٧٢]؛ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾؛ فكأنه قال: «كلوا» ثم استثنى فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ... ﴾ أي فلا تأكلوها" (٤).

стр. 1242

قال الزجاج: أي" ما حرم عليكم إلا الميتة، والدم ولحم الخنزير، لأن (إنما)، تأتي إثباتا لما يذكر بعدها لما سواه، قال الشاعر (١): أنا الزائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي المعنى ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي" (٢). و(التحريم): "بمعنى المنع" (٣). و﴿الْمَيْتَةَ﴾ في اللغة: "ما مات حتف أنفه - يعني بغير فعل من الإنسان -؛ أما في الشرع: فهي ما مات بغير ذكاة شرعية (٤)، كالذي مات حتف أنفه؛ أو ذبح على غير اسم الله؛ أو ذبح ولم ينهر الدم؛ أو ذكاه من لا تحل تذكيته، كالمجوسي مثلا (٥). قال الواحدي: "الميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح" (٦).

стр. 1243

قال الجصاص: "الميتة في الشرع: اسم حيوان الميت غير المذكى، وقد يكون ميتة بأن يموت حتف أنفه من غير سبب لأدمي فيه، وقد يكون ميتة لسبب فعل آدمي إذا لم يكن فعله على وجه الذكاة المبيحة له" (١). و﴿الدم﴾: "أراد به الدم الجاري، يدل عليه قوله : ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] مقيد، وهذه الآية مخصوصة بالسنة" (٢). قال ابن عثيمين: " و «الدم» معروف؛ والمراد به هنا الدم المسفوح دون الذي يبقى في اللحم، والعروق، ودم الكبد، والقلب؛ لقوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥] " (٣). قال الراي: وأما ﴿الدم﴾: فكانت العرب تجعل الدم في المباعر وتشويها ثم تأكلها، فحرم الله الدم" (٤). و(الخنزير): "حيوان معروف قذر؛ قيل: إنه يأكل العذرات" (٥). قال الواحدي: "أراد الخنزير بجميع أجزائه، لكنه خص اللحم لأنه المقصود بالأكل" (٦). وقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣]، على وجهين (٧): أحدهما: ﴿الْمَيْتةَ﴾ بالتخفيف، ومعناه فيها التشديد، وهي لغة: مثل: هين وهين، ولين ولين، وكما قال الشاعر (٨): لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّمَا المَيْتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ فجمع بين اللغتين في بيت واحد، في معنى واحد (٩). قال الزجاج: " والأجود في القراءة: ﴿الميتة﴾، بالتخفيف" (١٠). والثاني: ﴿الْمَيّتَةَ﴾، بالتشديد، قرأ بها أبو جعفر (١١) في كل القرآن، وحملوها على الأصل، وقالوا: إنما هو (مَيْوِت)، (فيعل)، من الموت، ولكن (الياء) الساكنة و (الواو) المتحركة لما اجتمعتا، و (الياء) مع سكونها متقدمة، قلبت (الواو) (ياء) وشددت، فصارتا (ياء) مشددة، كما فعلوا ذلك في (سيد وجيد)، قالوا: ومن خففها، فإنما طلب الخفة، والقراءةُ بها على أصلها الذي هو أصلها أولى (١٢). قال الطبري: "الصواب أن التخفيف والتشديد في (ياء) (الميتة) لغتان معروفتان في القراءة وفي كلام العرب، فبأيهما قرأ ذلك القارئ فمصيب، لأنه لا اختلاف في معنييهما" (١٣).

стр. 1244

وفرّق أبو حاتم وغيره، بين لفتي (ميْت) و (ميّت)، من وجهين (١): أحدهما: أن (الميْت): بالتخفيف، الذي فارقه الروح. الثاني: أن (الميّت): بالتشديد، الذي لم يمت بعد وهو يموت، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، ومنه قول الشاعر (٢): لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّمَا المَيْتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ قال القرطبي: "ولم يقرأ أحد بتخفيف ما لم يمت، إلا ما روى البزي عن ابن كثير ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] والمشهور عنه التثقيل، وأما قول الشاعر (٣): إِذَا مَا مَاتَ مَيْتٌ مِنْ تَمِيمِ ... فَسَرَّكَ أنْ يَعِيشَ فَجِئْ بِزَادِ فلا أبلغ في الهجاء من أنه أراد الميت حقيقة، وقد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد من شارف الموت، والأول أشهر" (٤). كما اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣] على وجوه (٥): أحدها: قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: ﴿إنما حرُم﴾، خفيفة الراء مضمومة، و ﴿الميتةُ والدمُ ولحمُ الخنزير﴾، رفعا على أن الفعل لها. الثاني: وروى عن أبي جعفر: إنه قرأ: ﴿حُرِّم﴾ بضم الحاء وكسر الراء وتشديدها ورفع ما بعده وله وجهان (٦): أحدهما: إن الفاعل غير مسمى. والثاني: وإما على خبر (إن). قال الزجاج: " والذي أختاره أن يكون (ما) تمنع (إن) من العمل، فالاختيار ما عليه جماعة القراء لإتباع السنة، وصحته في المعنى" (٧). والثالث: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾، الرفع على خبر (إن)، وهي قراءة ابن أبي عبلة. الرابع: وقرأ الباقون: ﴿حرّم عليكم الميتةَ﴾، نصبا على إيقاع الفعل، وجعلوا ﴿إنما﴾، كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا. قوله تعالى: ﴿وما أهلَّ به لغير الله﴾ [البقرة: ١٧٣]، أي: "وما ذُبح للآلهة والأوثان يُسمى عليه بغير اسمه، أو قُصد به غيرُه من الأصنام" (٨). قال الصابوني: " أي وما ذبح للأصنام فذكر عليه اسم غير الله كقولهم باسم اللات والعزّى" (٩).

стр. 1245

قال ابن عثيمين: "المراد ما ذكر عليه اسم غير الله عند ذبحه مثل أن يقول: (باسم المسيح)، أو (باسم جبريل)، أو (باسم اللات)، ونحو ذلك" (١). قال الزجاج: " أي ما رفع فيه الصوت بتسمية غير الله عليه وهذا موجود في اللغة، ومنه الإهلال بالحج إنما هو رفع الصوت بالتلبية" (٢). و(الإهلال) هو رفع الصوت (٣). قال الأصمعي: "الإهلال: أصله رفع الصوت، فكل رافع صوته فهو مهل، قال ابن أحمر (٤): يهل بالفرقد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر هذا معنى الإهلال في اللغة، ثم قيل للمحرم: مهل، لرفعه الصوت بالتلبية، يقال: أهل فلان بحجة أو عمرة، أي: أحرم بها؛ وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، والذابح مهل، وذلك لأنه كان يسمي الأوثان عند الذبح، ويرفع صوته بذكرها" (٥). ومنه الحديث: "إذا استهل المولود ورث" (٦). قال الطبري: قيل أن العرب كانوا إذا أرادوا ذبح ما قرَّبوه لآلهتهم، سموا اسم آلهتهم التي قربوا ذلك لها، وجَهروا بذلك أصْواتَهم، فجرى ذلك من أمرهم على ذلك، حتى قيل لكل ذابح، سمَّى أو لم يُسمِّ، جهر بالتسمية أو لم يجهر: (مُهِلٌّ)، فرفعهم أصواتهم بذلك هو (الإهلال) الذي ذكره الله تعالى فقال: ﴿وما أهِلَّ به لغير الله﴾، ومن ذلك قيل للملبِّي في حَجة أو عمرة ﴿مُهِلّ﴾، لرفعه صوته بالتلبية، واستهلال المطر، وهو صوت وُقوعه على الأرض، كما قال الشاعر (٧): ظَلَمَ البِطَاحَ لَهُ انْهِلالُ حَرِيصَةٍ ... فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ المُقْلَعِ (٨) وقد تعددت عبارات أهلهم العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وما أهلَّ به لغير الله﴾ [البقرة: ١٧٣]، على وجهين: أحدهما: أنه يعني: ما ذبح لغير الله. وهذا قول ابن عباس (٩)، وقتادة (١٠)، ومجاهد (١١)، والضحاك (١٢)، وعطاء (١٣).

стр. 1246

والثاني: أن معنى ذلك: ما ذكر عليه غير اسم الله. وهذا قول الربيع بن أنس (١)، وابن زيد (٢)، وعقبة بن مسلم التُّجيبي (٣)، وقيس بن رافع الأشجعي (٤). قال الكلبي: "وإن ذبحه مسلم لم يحل أكله، وقال أهل العلم: لو أن مسلما ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتدا، وذبيحته ذبيحة مرتد (٥)، وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، وذبائحهم تحل لنا، لقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥] " (٦). قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣]، أي: فمن "ألجأته الضرورة للأكل" (٧). قال الصابوني: " أي فمن ألجأته ضرورة إلى أكل شيء من المحرمات" (٨). قال الرازي: أي: فمن "أحوج وألجىء، وهو افتعل من الضرورة، وأصله من الضرر، وهو الضيق" (٩). قال ابن كثير: " ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها، عند فقد غيرها من الأطعمة" (١٠). قال الطبري: " والضرورة فوق الحاجة؛ فالحاجة كمال؛ والضرورة ضرورية يكون الضرر منها، قال الطبري: " فمن حَلَّت به ضَرورة مجاعة إلى ما حرَّمت عليكم من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله - وهو بالصفة التي وصفنا - فلا إثم عليه في أكله إن أكله" (١١). قال ابن كثير: "يقول: فمن أكره على أكله "بغير اختياره" (١٢)، فأكله. وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وجهان من التفسير (١٣): أحدهما: أن المراد: فمن أكره على أكله فأكله فلا إثم عليه، وهذا مذهب مجاهد، إذ قال: " الرجل يأخذُه العدو فيدعونه إلى معصية الله" (١٤). والثاني: أن المعنى: فمن احتاج إلى أكله لضرورة دعته من خوف على نفس فلا إثم عليه، وهو قول الجمهور. وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣]، قراءتان (١٥): إحداهما: ﴿فمنُ اضطر﴾ بضم النو، قرأ بها نافع، وابن كثير، وابن عامر والكسائي. والثانية: وقرأ الباقون بالكسر. فالضم للاتباع لضمة (الطاء)، والكسر على أصل الحركة لإلتقاء الساكنين، أنه إذا التقى ساكنان كسر الأول منهما (١٦). فلما حرم الله تعالى تلك الأشياء، استثنى عنها حال الضرورة، وهذه الضرورة لها سببان أحدهما: الجوع الشديد، وأن لا يجد مأكولا حلالا يسد به الرمق، فعند ذلك يكون مضطرا الثاني: إذا أكرهه على تناوله مكره، فيحل له تناوله (١٧). قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]، " أي: في غير بغي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد" (١٨). واختلف في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]، على ثلاثة أقاويل (١٩): أحدها: غير باغ على الإمام ولا عاد على الأمة بإفساد شملهم، فيدخل الباغي على الإمام وأمته والعادي: قاطع الطريق، وهو معنى قول مجاهد (٢٠)، وسعيد بن جبير (٢١). واعترض الإمام الطبري على هذا القول وقد ساق حجتين في ذلك (٢٢): إحداها: أن الباغي والعادي، وإن كان كلاهما قد أتى فعلا محرمًا، فإن إتيان هذا الفعل المحرم، لا يجعل قتل أنفسهما مباحًا لهما، إذ هو محرم عليهما قبل إتيانهما ما أتيا من محارم الله عليهما. والثانية: أن الله قد رخص لكل مضطر أن يأكل مما حرم عليه، فاستثناء الباغي والعادي من رخصة الله للمضطر. لا يعد عنده تحريمًا، بل هو رد إلى ما كان محرمًا عليهما قبل البغي أو العدوان. ومع ذلك فإن هذا الرد إلى ما كان محرمًا عليهما، وإن كان قد حرم عليهما ما كان مرخصًا لهما ولكل مضطر قبل البغي والعدوان، فإنه لا يرخص لهما قتل أنفسهما، وهو حرام عليهما قبل البغي والعدوان. إذن، فالواجب عليهما أن يتوبا، لا أن يقتلا أنفسهما بالمجاعة، فيزدادان إثمًا إلى إثمهما، وخلافًا إلى خلافهما بالبغي والعدوان أمر الله. والثاني: غير باغ في أكله فوق حاجته ولا عاد يعني متعدياً بأكلها وهو يجد غيرها، وهو قول قتادة (٢٣)، والحسن (٢٤)، وعكرمة (٢٥)، والربيع (٢٦)، وابن زيد (٢٧). والثالث: غير باغٍ في أكلها شهوة وتلذذاً ولا عاد باستيفاء الأكل إلى حد الشبع، وهو قول السدي (٢٨). والراجح أن ﴿الباغي﴾، هو الطالب لأكل الميتة من غير ضرورة؛ و (العادي) هو المتجاوز لقدر الضرورة؛ يؤيده قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].

стр. 1247

وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يحل للمضطر أكله من الميتة، على قولين (١): أحدهما: له أن يأكل منها مقدار ما يمسك به رمقه، وهو أحد قولي الشافعي واختيار المزني. والثاني: أن يأكل منها حتى يشبع. قال مقاتل بن حيان: "لا يزداد على ثلاث لقم" (٢). قال الشيخ ابن عثيمين: والله أباح لنا الميتة بثلاثة شروط (٣): ١ - الضرورة. ٢ - أن لا يكون مبتغياً – أي طاباً لها -. ٣ - أن لا يكون متجاوزاً للحد الذي تندفع به الضرورة. وبناءً على هذا ليس له أن يأكل حتى يشبع إلا إذا كان يغلب على ظنه أنه لا يجد سواها عن قرب؛ وهذا هو الصحيح؛ ولو قيل: بأنه في هذه الحال يأكل ما يسد رمقه، ويأخذ شيئاً منها يحمله معه - إن اضطر إليه أكل، وإلا تركه - لكان قولاً جيداً. وفي أصل (البغي) في اللغة أقوال (٤): أحدها: الفساد، وتجاوز الحد. قال الليث: "البغي في عدو الفرس اختيال ومروح، وأنه يبغي في عدوه ولا يقال: فرس باغ" (٥). قال الزجاج: "يقال: بغى الجرح يبغي بغيا، إذا ترامى إلى فساد، هذا إجماع أهل اللغة" (٦). قال الأصمعي: " يقال: بغى الجرح يبغي بغيا: إذا ترامى بالفساد" (٧). والثاني: الظلم والخروج عن الإنصاف. ومنه قوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون﴾ [الشورى: ٣٩]. قال الأصمعي: يقال: " بغت السماء: إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد" (٨). الثالث: الطلب. والعرب تقول خرج الرجل في بغاء إبلٍ له، أي في طلبها، ومنه قول الشاعر (٩): لا يمنعنّك من بغاء الخير تعقادُ التمائم ... إن الأشائم كالأيامن، والأيامن كالأشائم قال الزجاج: " ويقال: ابتغى لفلان أن يفعل كذا: أي صلح له أن يفعل كذا وكأنه قال: طلب فعل كذا فانطلب له، أي طاوعه، ولكن اجتزئ بقولهم - ابتغى" (١٠). وقوله ﴿ولا عاد﴾، فـ (العدو): "هو التعدي وتجاوز ما ينبغي له أن يقتصر عليه، يقال: عدا عليه عدوا وعدوا وعدوانا وعدا واعتداء وتعديا: ظلمه ظلما مجاوزا للقدر، وعدا طوره: جاوز قدره" (١١). قوله تعالى: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، "أي: فلا عقوبة عليه" (١٢).

стр. 1248

قال ابن كثير: " أي: في أكل ذلك" (١). قال الطبري: " يقول: من أكل ذلك على الصفة التي وصفنا، فلا تبعة عليه في أكله ذلك كذلك ولا حَرج" (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، أي: إن الله": " يغفر الذنوب ويرحم العباد" (٣). قال الصابوني: " ومن رحمته أن أباح المحرمات وقت الضرورة" (٤). قال البيضاوي: أي ﴿غَفُورٌ﴾: " لما فعل، ﴿رَحِيمٌ﴾ بالرخصة فيه" (٥). قال القاسمي: أي: إن الله ﴿غفور﴾ " لما فعل، ﴿رحيم﴾ بالرخصة" (٦). قال الواحدي: " أي: للمعاصي، وفيه إشارة إلى أنه إذا كان يغفر المعصية فإنه لا يأخذ بما جعل فيه الرخصة. ﴿رحيم﴾ حيث رخص للمضطر في أكل الميتة" (٧). قال النسفي: أي إن الله ﴿غفور﴾ " للذنوب الكبائر فأنى يؤاخذ بتناول الميتة عند الاضطرار ﴿رَّحِيمٌ﴾ حيث رخص" (٨). قال المراغي: " أي إن الله يغفر لعباده خطأهم في تقدير الضرورة، إذ وكل ذلك إلى اجتهادهم، رحيم بهم، إذ رخص لهم في تناولها ولم يوقعهم في الحرج والعسر، وجعل الضرورة تقدر بقدرها" (٩). قال السعدي: " وهذه الإباحة والتوسعة، من رحمته تعالى بعباده، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ولما كان الحل مشروطا بهذين الشرطين، وكان الإنسان في هذه الحالة، ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها - أخبر تعالى أنه غفور، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال، خصوصا وقد غلبته الضرورة، وأذهبت حواسه المشقة، وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة: "الضرورات تبيح المحظورات "فكل محظور، اضطر إليه الإنسان، فقد أباحه له، الملك الرحمن" (١٠). قال سعيد بن جبير: " ﴿غفور﴾ لما أكل من الحرام، ﴿رحيم﴾ إذ أحل له الحرام في الاضطرار" (١١). قال مسروق: "من اضطُرَّ فلم يأكل ولم يشرب، ثم مات دخل النار. وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة" (١٢). قال أبو الحسن الطبري - المعروف بالكيا الهراسي رفيق الغزالي في الاشتغال: وهذا هو الصحيح عندنا؛ كالإفطار للمريض في رمضان ونحو ذلك (١٣). قال ابن عثيمين: "هذا تعليل للحكم؛ فالحكم انتفاء الإثم؛ والعلة: ﴿إن الله غفور رحيم﴾؛ ﴿غفور﴾ يحتمل أن تكون صيغة مبالغة - وقد ورد أن من صيغ المبالغة (فعول) - لكثرة مغفرته ، وكثرة من

стр. 1249

يغفر لهم؛ فالكثرة هنا واقعة في الفعل، وفي المحل؛ في الفعل: كثرة غفرانه لذنوب عباده؛ وفي المحل: كثرة المغفور لهم؛ ويحتمل أن تكون صفة مشبهة؛ و ﴿الغفور﴾ مأخوذ من الغَفْر؛ وهو الستر مع الوقاية؛ وليس الستر فقط؛ ومنه سمي «المغفر» الذي يغطى به الرأس عند الحرب؛ لأنه يتضمن الستر، والوقاية؛ ويدل لذلك قوله تعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة، وحاسبه: "قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم" (١)، وقوله تعالى: ﴿رَحِيمٌ﴾، صيغة مبالغة، أو صفة مشبهة من الرحمة؛ والرحمة صفة من صفات الله الذاتية الفعلية؛ فهي باعتبار أصل ثبوتها لله صفة ذاتية؛ وباعتبار تجدد من يرحمه الله صفة فعلية؛ ولهذا علقها الله بالمشيئة في قوله تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء﴾ [العنكبوت: ٢١] فهي صفة حقيقية ثابتة لله ؛ وأهل التأويل - والأصح أن نسميهم أهل التحريف - يقولون: إن الرحمة غير حقيقية؛ وأن المراد برحمة الله إحسانه؛ أو إرادة الإحسان؛ فيفسرونها إما بالإرادة؛ وإما بالفعل؛ وهذا لا شك أنه خطأ؛ وحجتهم: أنهم يقولون: إن الرحمة رقة، ولين؛ والرقة، واللين لا تناسبان عظمة الخالق ؛ فنقول لهم: إن هذه الرحمة رحمة المخلوق؛ أما رحمة الخالق فإنها تليق به ؛ ولا تتضمن نقصاً؛ فهو ذو رحمة بالغة، وسلطان تام؛ فلا يرد بأسه عن القوم المجرمين" (٢). قال الرازي: "أما قوله تعالى: في آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ففيه إشكال وهو أنه لما قال: ﴿فلا إثم عليه﴾ فكيف يليق أن يقول بعده: ﴿إن الله غفور رحيم﴾ فإن الغفران إنما يكون عند حصول الإثم. والجواب: من وجوه أحدهما: أن المقتضى للحرمة قائم في الميتة والدم، إلا أنه زالت الحرمة لقيام المعارض، فلما كان تناوله تناولا لما حصل فيه المقتضى للحرمة عبر عنه بالمغفرة، ثم ذكر بعده أنه رحيم، يعني لأجل الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك وثانيها: لعل المضطر يزيد على تناول الحاجة، فهو سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة، رحيم حيث أباح في تناول قدر الحاجة وثالثها: أنه تعالى لما بين هذه الأحكام عقبها بكونه غفورا رحيما لأنه غفور للعصاة إذا تابوا، رحيم بالمطيعين المستمرين على نهج حكمه " (٣). وهنا مسائل تتعلق بالآية (٤): ١ - نجاسةُ الميتة حسيةٌ. ٢ - الذي يعيش في البر والبحر يعطى حكم البر تغليباً لجانب الحظر. ٣ - بالنسبة لميتة الآدمي - إذا اضطر إليها الإنسان - اختلف فيها أهل العلم -؛ فالمشهور عند الحنابلة أنه لا يجوز أن يأكلها - ولو اضطر -؛ وقالت الشافعية: «إنه يجوز أكلها عند الضرورة» - وهو الصحيح -. ٤ - كل المحرمات إذا اضطر إليها، وزالت بها الضرورة كانت مباحة؛ قلنا: «وزالت بها الضرورة» احترازاً مما لا تزول به الضرورة، كما إذا ما اضطر الإنسان إلى أكل سمّ - فلا يجوز أن يأكل -؛ لأنه لا تزول بها ضرورته؛ بل يموت به؛ ولو اضطر إلى شرب خمر لعطش لم يحل له؛ لأنه لا تزول به ضرورته؛ ولذلك لو احتاج إلى شربه لدفع لقمة غص بها حلّ له؛ لأنه تزول به ضرورته. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: تحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير لله. ٢ - ومنها: أن التحريم والتحليل إلى الله؛ لقوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم﴾.

стр. 1250

٣ - ومنها: حصر المحرمات في هذه الأشياء الأربعة: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله؛ لقوله تعالى: ﴿إنما﴾؛ لأنها أداة حصر؛ لكن هذا الحصر قد بُين أنه غير مقصود؛ لأن الله حرم في آية أخرى غير هذه الأشياء: حرم ما ذبح على النصب - وليس من هذه الأشياء -؛ وحرم النبي ﷺ كل ذي ناب من السباع (١)، وكل ذي مخلب من الطير (٢) - وليس داخلاً في هذه الأشياء -؛ وحرم النبي ﷺ الحمر الأهلية (٣) - وليس داخلاً في هذه الأشياء -؛ فيكون هذا الحصر غير مقصود بدلالة القرآن، والسنة. ٤ - ومن فوائد الآية: تحريم جميع الميتات؛ لقوله تعالى: ﴿والميتة﴾؛ و «أل» هذه للعموم إلا أنه يستثنى من ذلك السمك، والجراد - يعني ميتة البحر، والجراد -؛ للأحاديث الواردة في ذلك؛ والمحرم هنا هو الأكل؛ لقول النبي ﷺ في الميتة: «إنما حرم أكلها» (٤)؛ ويؤيده أن الله قال هنا: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ٥٧]، ثم قال تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾؛ لأن السياق في الأكل؛ ويدخل في تحريم أكل الميتة جميع أجزائها. ٥ - ومن فوائد الآية: تحريم الدم المسفوح؛ لقوله تعالى: ﴿والدم﴾. ٦ - ومنها: تحريم لحم الخنزير؛ لقوله تعالى: ﴿ولحم الخنزير﴾؛ وهو شامل لشحمه، وجميع أجزائه؛ لأن اللحم المضاف للحيوان يشمل جميع أجزائه؛ لا يختص به جزء دون جزء؛ اللهم إلا إذا قُرن بغيره، مثل أن يقال: «اللحم، والكبد»، أو «اللحم، والأمعاء»، فيخرج منه ما خصص. ٧ - ومنها: تحريم ما ذكر اسم غير الله عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾. ٨ - ومنها: تحريم ما ذبح لغير الله - ولو ذكر اسم الله عليه -، مثل أن يقول: «بسم الله والله أكبر؛ اللهم هذا للصنم الفلاني»؛ لأنه أهل به لغير الله. ٩ - ومنها: أن الشرك قد يؤثر الخبثَ في الأعيان - وإن كانت نجاسته معنوية -؛ هذه البهيمة التي أَهل لغير الله بها نجسة خبيثة محرمة؛ والتي ذكر اسم الله عليها طيبة حلال؛ تأمل خطر الشرك، وأنه يتعدى من المعاني إلى المحسوسات؛ وهو جدير بأن يكون كذلك؛ لهذا قال الله : ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨] مع أن بدن المشرك ليس بنجس؛ لكن لقوة خبثه المعنوي، وفساد عقيدته وطويته صار مؤثراً حتى في الأمور المحسوسة. ١٠ - ومن فوائد الآية: فضيلة الإخلاص لله. ١١ - ومنها: أن الضرورة تبيح المحظور؛ لقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾؛ ولكن هذه الضرورة تبيح المحرم بشرطين: الشرط الأول: صدق الضرورة بحيث لا يندفع الضرر إلا بتناول المحرم. الشرط الثاني: زوال الضرورة به حيث يندفع الضرر. فإن كان يمكن دفع الضرورة بغيره لم يكن حلالاً، كما لو كان عنده ميتة ومذكاة، فإن الميتة لا تحل حينئذ؛ لأن الضرورة تزول بأكل المذكاة؛ ولو كان عطشان، وعنده كأس من خمر لم يحل له شربها؛ لأن

стр. 1251

ضرورته لا تزول بذلك؛ إذا لا يزيده شرب الخمر إلا عطشاً؛ ولهذا لو غص بلقمة، وليس عنده ما يدفعها به إلا كأس خمر كان شربها لدفع اللقمة حلالاً. ١٢ - ومن فوائد الآية: إثبات رحمة الله ؛ لأن من رحمة الله أن أباح المحَرَّمَ للعبد لدفع ضرورته. ١٣ - ومنها: أن الأعيان الخبيثة تنقلب طيبة حين يحكم الشرع بإباحتها على أحد الاحتمالين؛ فإن حل الميتة للمضطر يحتمل حالين: الأولى: أن نقول: إن الله على كل شيء قدير؛ فالذي جعلها خبيثة بالموت بعد أن كانت طيبة حال الحياة قادر على أن يجعلها عند الضرورة إليها طيبة، مثل ما كانت الحمير طيبة تؤكل حال حلها، ثم أصبحت بعد تحريمها خبيثة لا تؤكل؛ فالله هو خالق الأشياء، وخالق صفاتها، ومغيرها كيف يشاء؛ فهو قادر على أن يجعلها إذا اضطر عبده إليها طيبة. الحال الثانية: أنها ما زالت على كونها خبيثة؛ لكنه عند الضرورة إليها يباح هذا الخبيث للضرورة؛ وتكون الضرورة واقية من مضرتها؛ فتناولها للضرورة مباح؛ وضررها المتوقع تكون الضرورة واقية منه. والحالان بينهما فرق؛ لأنه على الحال الأولى انقلبت من الرجس إلى الطهارة؛ وعلى الحال الثانية هي على رجسيتها لكن هناك ما يقي مضرتها - وهو الضرورة -؛ وهذه الحال أقرب؛ لأنه لو كان عند الضرورة يزول خبثها لكانت طيبة تحل للمضطر، وغيره؛ ويؤيده الحس: فإن النفس كلما كانت أشد طلباً للشيء كان هضمه سريعاً، بحيث لا يتضرر به الجسم؛ وانظر إلى نفسك إذا أكلت طعاماً على طعام يتأخر هضم الأول، والثاني - مع ما يحصل فيه من الضرر -؛ لكن إذا أكلت طعاماً وأنت جائع فإنه ينهضم بسرعة؛ ويشهد لهذا ما يروى عن صهيب الرومي أنه كان في عينيه رمد؛ فجيء إلى النبي ﷺ بتمر وهو حاضر؛ فأكل منه النبي ﷺ ، فأراد صهيب أن يأكل منه، فقال له النبي ﷺ : «تأكل تمراً وبك رمد» ـ لأن المعروف أن التمر يزيد في وجع العين - فقال: «إني أمضَغ من ناحية أخرى» (١) أي إذا كانت اليمنى هي المريضة بالرمد أمضغه على الجانب الأيسر؛ فضحك النبي ﷺ ، ومكنه من أكله؛ قال ابن القيم ﵀: «إن الحكمة في أن الرسول مكنه - مع أن العادة أن هذا ضرر -؛ لأن قوة طلب نفسه له يزول بها الضرر: ينهضم سريعاً، ويتفاعل مع الجسم، ويذهب ضرره» (٢). ١٤ - ومن فوائد الآية: أن من تناول المحرم بدون عذر فهو آثم؛ لقوله تعالى: ﴿فلا إثم عليه﴾؛ فعُلم منها أن من كان غير مضطر فعليه إثم. ١٥ - ومن فوائد الآية عند بعض أهل العلم: أن العاصي بسفره لا يترخص؛ لقوله تعالى: ﴿غير باغ ولا عاد﴾، فإنهم قالوا: إن المراد بـ «الباغي» الخارج عن الإمام؛ و «العادي» العاصي بسفره؛ وقالوا: إن العاصي بسفره؛ أو الباغي على الإمام لا يترخص بأي رخصة من رخص السفر: فلا يقصر الصلاة، ولا يمسح الخف ثلاثة أيام، ولا يأكل الميتة، ولا يفطر في رمضان؛ وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم تفصيله في كتب الفقه. تنبيه: قد يقال إنه يستفاد من إباحة المحرم عند الضرورة: وجوب تناوله؛ لأن المحرم لا ينتهك إلا بواجب؛ وهذه قاعدة ذهب إليها بعض أهل العلم: قال: إن المحرم إذا انتهك فهو دليل على الوجوب، مثلما قالوا في

стр. 1252

وجوب الختان: فقد أخذ بعض العلماء الوجوب من هذه القاعدة، قالوا: إن الأصل أن قطع الإنسان شيئاً من بدنه حرام؛ والختان قطع شيء من بدنه؛ ولا ينتهك المحرم إلا لشيء واجب؛ فقرروا وجوب الختان من هذه القاعدة؛ ولكنها غير مطردة؛ ولهذا يجوز للمسافر أن يفطر في رمضان؛ والفطر انتهاك محرم مع أن الفطر ليس بواجب. ١٧ - ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغفور» و «الرحيم»، وما تضمناه من صفة. ١٨ - ومنها: إثبات ما ذكره أهل السنة والجماعة من أن أسماء الله المتعدية يستفاد منها ثبوت تلك الأحكام المأخوذة منها؛ فالأسماء المتعدية تتضمن الاسم، والصفة، والأثر - الذي هو الحكم المترتب عليه -؛ والعلماء يأخذون من مثل هذه الآية ثبوت الأثر - وهو الحكم -؛ لأنه لكونه غفوراً رحيماً غفر لمن تناول هذه الميتة لضرورته، ورحمه بحلها؛ فيكون في هذا دليل واضح على أن أسماء الله تدل على «الذات» الذي هو المسمى؛ و «الصفة»؛ و «الحكم»، كما قال بذلك أهل العلم ﵏. تنبيه: ما أهل به لغير الله أنواع: النوع الأول: أن يهل بها لغير الله فقط، مثل أن يقول: باسم جبريل، أو محمد، أو غيرهما؛ فالذبيحة حرام بنص القرآن - ولو ذبحها لله -. النوع الثاني: أن يهل بها لله، ولغيره، مثل أن يقول: «باسم الله واسم محمد»؛ فالذبيحة حرام أيضاً؛ لأنه اجتمع مبيح، وحاظر؛ فغلب جانب الحظر. النوع الثالث: أن يهل بها باسم الله، وينوي به التقرب، والتعظيم لغيره؛ فالذبيحة حرام أيضاً؛ لأنه شرك. وهل يكون ذبح الذبيحة للضيف إهلالاً بها لغير الله؟ الجواب: إن قصد بها إكرام الضيف فلا يدخل بلا شك، كما لو ذبح الذبيحة لأولاده ليأكلوها، وإن قصد بذلك التقرب إليه، وتعظيمه تعظيم عبادة فإنه شرك، كالمذبوح على النصب تماماً، فلا يحل أكلها؛ وقد كان بعض الناس - والعياذ بالله - إذا قدم رئيسهم أو كبيرهم يذبحون بين يديه القرابين تعظيماً له - لا ليأكلها، ثم تترك للناس -؛ وهذا يكون قد ذبح على النصب؛ فلا يحل أكله - ولو ذكر اسم الله عليه -. النوع الرابع: أن لا يهل لأحد - أي لم يذكر عليها اسم الله، ولا غيره؛ فالذبيحة حرام أيضاً؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]، ولقول النبي ﷺ : "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا" (١). القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ [البقرة: ١٧٤] التفسير: إن الذين يُخْفون ما أنزل الله في كتبه من صفة محمد ﷺ وغير ذلك من الحق، ويحرصون على أخذ عوض قليل من عرض الحياة الدنيا مقابل هذا الإخفاء، هؤلاء ما يأكلون في مقابلة كتمان الحق إلا نار جهنم تتأجج في بطونهم، ولا يكلمهم الله يوم القيامة لغضبه وسخطه عليهم، ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم، ولهم عذاب موجع. في سبب نزول الآية أقوال:

стр. 1253

أحدها: قال الواحدي: " قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ فغيروها ثم أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبي الذي يخرج في آخر الزمان، لا يشبه نعت هذا النبي الذي بمكة فإذا نظرت السفلة إلى النعت المتغير وجدوه مخالفا لصفة محمد ﷺ فلا يتبعونه" (١). وذكره الثعلبي في تفسيره (٢). الثاني: قال الثعلبي: " قال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: سئلت الملوك اليهود قبل مبعث محمد ﷺ عن الذي يجدونه في التوراة فقالت اليهود: إنا لنجد في التوراة إن الله يبعث نبيا من بعد المسيح يقال له: محمد، يحرم الزنى والخمر والملاهي وسفك الدماء، فلما بعث الله محمدا ﷺ ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: أهذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك: ليس هذا بذلك النبي ﷺ ، فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لليهود" (٣). والثالث: أخرج الطبري عن قتادة مرسلا: "قوله: ﴿إنّ الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب﴾، الآية كلها، هم أهل الكتاب، كتموا ما أنزل الله عليهم وبَين لهم من الحق والهدى، من بعث محمد ﷺ وأمره" (٤)، وروي عن الربيع (٥) والسدي (٦) وعكرمة (٧) وأبو العالية (٨)، نحو ذلك. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلَ اللَّهٍٍُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٤]، " أي إن الذين يخفون ما أنزل الله من وحيه على رسله" (٩). قال الصابوني: " أي يخفون صفة النبي ﵇ المذكورة في التوراة وهم اليهود" (١٠). قال ابن عثيمين: أي: إن الذين يخفون ما أنزل الله على رسله، إذ أن كل رسول معه كتاب من الله يهدي به الناس، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥]. قال ابن كثير: " يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ في كتبهم التي بأيديهم، مما تشهد له بالرسالة والنبوة" (١١). قال الطبري: أي: " أحبارَ اليهود الذين كتموا الناس أمرَ محمد ﷺ ونبوّته، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة، برُشًى كانوا أُعطوها على ذلك" (١٢). قال السعدي: " هذا وعيد شديد لمن كتم ما أنزل الله على رسله، من العلم الذي أخذ الله الميثاق على أهله، أن يبينوه للناس ولا يكتموه" (١٣).

стр. 1254

وتحتمل (أل) في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٤]، وجهان (١): أحدهما: أنها للعهد، والمراد بها التوراة؛ ويكون المراد بـ ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ اليهود؛ لأنهم كتموا ما علموه من صفات النبي ﷺ . والثاني: أنها للجنس؛ فيشمل جميع الكتب: التوراة، والإنجيل، وغيرها؛ ويكون ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ يشمل اليهود، والنصارى، وغيرهما. قال ابن عثيمين: "وهذا الثاني أرجح، لعمومه" (٢). قوله تعالى: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [البقرة: ١٧٤]، " أي: ويأخذون بدله عوضا حقيرا" (٣). قال الثعلبي: أي: " عرضا يسيرا يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم" (٤). قال الزجاج: " أي كتموه لأنهم أخذوا على كتمانه الرشى" (٥). قال ابن عثيمين: "هذا الثمن إما المال؛ وإما الجاه، والرياسة؛ وكلاهما قليل بالنسبة لما في الآخرة" (٦). وقد اختلفوا في الشيء الذي كانوا يكتمونه، وفيه قولان (٧): أحدهما: أنهم كانوا يكتمون صفة محمد ﷺ ونعته والبشارة به، وهو قول ابن عباس (٨)، وقتادة (٩) والسدي (١٠) والأصم (١١) وأبي مسلم (١٢). الثاني: أنهم كتموا الأحكام، وهو قوله تعالى: ﴿إن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله﴾ [التوبة: ٣٤]. قاله الحسن (١٣). وأما غرضهم في الكتمان، ففيه قولان (١٤): أحدهما: أخذ الأموال من عوامهم وأتباعهم. قاله الثعلبي (١٥). والثاني: كان غرضهم من ذلك أخذهم الأموال من كبرائهم وأغنيائهم الذين كانوا ناصرين لذلك المذهب. قال الرازي: "وليس في الظاهر أكثر من اشترائهم بذلك الكتمان الثمن القليل، وليس فيه بيان من طمعوا فيه وأخذوا منه، فالكلام مجمل وإنما يتوجه الطمع في ذلك إلى من يجتمع إليه الجهل، وقلة المعرفة المتمكن من المال والشح على المألوف في الدين فينزل عليه ما يلتمس منه فهذا هو معلوم بالعادة" (١٦).

стр. 1255

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ﴾ أي: "إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارا تأجج في بطونهم يوم القيامة" (١). ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. وفي الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة، إنما يُجَرْجرُ في بطنه نار جهنم" (٢). قال الزجاج: " المعنى: أن الذين يأكلونه يعذبون به، فكأنهم إنما أكلوا النار وكذلك قوله : ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ أي يصيرهم أكله في الآخرة إلى مثل هذه الحالة" (٣). قال المراغي: " أي إن أولئك الكاتمين لكتاب الله المتّجرين به، ما يأكلون في بطونهم من ثمنه إلا ما يكون سببا لدخول النار، وانتهاء مطامعهم بعذابها، وقد يكون المعنى: إنه لا تملأ بطونهم إلا النار أي لا يشبع جشعهم إلا النار التي يصيرون إليها على نحو ما جاء في الحديث «ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» (٤)، وهذا الحكم عامّ يصدق على المسلمين كما يصدق على غيرهم، فسنة الله مطردة في تأييد أنصار الحق وخذلان أهل الباطل" (٥). قال ابن عثيمين: "والإشارة للبعيد ﴿أُولَئِكَ﴾ لبعد مرتبتهم، وانحطاطها، والتنفير منها" (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤]، " يعني: أولئك لا يكلمهم الله تكليم رضا" (٧). قال ابن عثيمين: " فالنفي هنا ليس نفياً لمطلق الكلام؛ ولكنه للكلام المطلق - الذي هو كلام الرضا" (٨). قال المراغي: " أي إن الله يعرض عنهم ويغضب عليهم، وقد جرت عادة الملوك إذا غضبوا أعرضوا عن المغضوب عليهم ولم يكلموهم، كما أنهم حين الرضا يلاطفون من يرضون عنه، ويقابلونه بالبشاشة والبشر" (٩). قال القرطبي: "عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم، يقال: فلان لا يكلم فلانا إذا غضب عليه" (١٠). قال الطبري: "ولا يكلمهم بما يحبون ويشتهون، فأما بما يسُوءهم ويكرَهون، فإنه سيكلمهم، لأنه قد أخبر تعالى ذكره أنه يقول لهم - إذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ الآيتين [سورة المؤمنون: ١٠٧ - ١٠٨] " (١١). قال الصابوني: " أي لا يكلمهم كلام رضىً كما يكلم المؤمنين بل يكلمهم كلام غضب كقوله ﴿اخسئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] " (١٢).

стр. 1256

وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤]، وجوه (١): أحدها: معناه: يغضب عليهم، كما تقول: فلان لا يكلم فلانا، تريد هو غضبان عليه. الثاني: وقيل: المعنى: ولا يرسل إليهم الملائكة بالتحية. الثالث: أن المعنى: لا يسمعهم الله كلامه، ويكون الأبرار وأهل المنزلة الذين ﵃ يسمعون كلامه. أجازه الزجاج (٢). قوله تعالى: ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٤]، أي: " ولا يطهِّرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم" (٣). وقال الزجاج: "لا يثني عليهم خيرا ولا يسميهم أزكياء" (٤). قال الصابوني: " أي لا يطهرهم من دنس الذنوب" (٥). قال ابن عثيمين: " أي لا يثني عليهم بخير" (٦). قال المراغي: "أي ولا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة والصفح عنهم إذا ماتوا وهم مصرّون على كفرهم" (٧). قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٤]؛ " أي: ولهم عذاب شديد الألم موجع" (٨). قال الطبري: أي "موجع" (٩). قال ابن عثيمين: " والعذاب هو النكال، والعقوبة" (١٠). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب نشر العلم؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون﴾؛ ويتأكد وجوب نشره إذا دعت الحاجة إليه بالسؤال عنه؛ إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال. ٢ - ومنها: أن الكتب منزلة من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿ما أنزل الله من الكتاب﴾. ٣ - ومنها: علو الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ما أنزل الله﴾؛ فإن لازم النزول من عنده أن يكون عالياً. ٤ - ومنها: أن هذا الوعيد على من جمع بين الأمرين: ﴿يكتمون﴾، و ﴿يشترون﴾؛ فأما من كتم بدون اشتراء؛ أو اشترى بدون كتم فإن الحكم فيه يختلف؛ إذا كتم بدون اشتراء فقد قال الله : ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ [البقرة: ١٥٩]؛ وهذا يدل على أن كتمان ما أنزل الله من كبائر الذنوب؛ ولكن لا يستحق ما ذُكر في الآية التي نحن بصدد تفسيرها؛ وأما الذين يشترون بما أنزل الله من الكتاب ثمناً قليلاً بدون كتمان فقد قال الله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ [هود: ١٥، ١٦]. فالناس في كتمان ما أنزل الله ثلاثة أقسام:

стр. 1257

القسم الأول: من يكتم العلم بخلاً به، ومنعاً لانتفاع الناس به. والقسم الثاني: من يكتم العلم، ولا يبينه إلا لغرض دنيوي من مال، أو جاه، أو رئاسة، أو غير ذلك. والقسم الثالث: من يكتم العلم بخلاً به، ولا يبينه إلا لغرض دنيوي؛ فيجمع بين الأمرين؛ وهذا شر الأقسام؛ وهو المذكور في الآية التي نحن بصدد تفسيرها؛ وقد تبين عقوبة كل واحد من هذه الأقسام فيما سبق. أما من أظهر العلم لله، وتعلم لله، فهذا هو خير الأقسام؛ وهو القسم الرابع الذي يبين بلسانه، وحاله، وقلمه، ما أنزل الله ؛ والذي يكتم خوفاً إذا كان سيبين في موضع آخر فلا بأس؛ أما الذي يكتم مطلقاً فهذا لا يجوز؛ فيجب أن يبين ولو قُتل - إذا كان يتوقف بيان الحق على ذلك -، كما جرى لبعض أهل السنة الذين صبروا على القتل في بيانها لتعينه عليهم. ٥ - ومن فوائد الآية: أن متاع الدنيا قليل - ولو كثر -؛ لقوله تعالى: ﴿ويشترون به ثمناً قليلاً﴾. ٦ - ومنها: إطلاق المسبَّب على السبب؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾ هم لا يأكلون النار؛ ولكن يأكلون المال؛ لكنه مال سبب للنار. ٧ - ومنها: إقامة العدل في الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾؛ فجعل عقوبتهم من النار بقدر ما أكلوه من الدنيا الذي أخذوه عوضاً عن العلم. ٨ - ومنها: إثبات كلام الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يكلمهم الله﴾؛ لأنه لو كان لا يتكلم لا معهم، ولا مع غيرهم، لم يكن في نفي تكليمه إياهم فائدة؛ فنفيه لتكليمه هؤلاء يدل على أنه يكلم غيرهم؛ وقد استدل الشافعي ﵀ بقوله تعالى: ﴿كلا إنهم﴾ [المطففين: ١٥] أي الفجار ﴿عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥] برؤية الأبرار له؛ لأنه ما حجب هؤلاء في حال السخط إلا لرؤية الأبرار في حال الرضا؛ إذ لو كان لا يُرى مطلقاً لم يكن لذكر حجب الفجار فائدة؛ وكلام الله هو الحرف، والمعنى؛ فالله يتكلم بكلام بحروف، وصوت؛ وأدلة هذا، وتفصيله مذكور في كتب العقائد. ٩ - ومن فوائد الآية: أن الكلام من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾؛ لأن تخصيصه بيوم القيامة يدل على أنه يتعلق بمشيئته؛ وهذه هي الصفات الفعلية؛ لكن أصل الكلام صفة ذاتية؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلماً. ١٠ - ومنها: إثبات يوم القيامة. ١١ - ومنها: أن يوم القيامة يُزَكى فيه الإنسان؛ وذلك بالثناء القولي، والفعلي؛ فإن الله يقول لعبده المؤمن حين يقرره بذنوبه: «سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (١)؛ وأما الفعلي فإن علامة الثناء أنه يعطى كتابه بيمينه، ويَشهد الناسُ كلهم على أنه من المؤمنين؛ وهذه تزكية بلا شك. ١٢ - ومنها: غلظ عقوبة هؤلاء بأن الله تعالى لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يزكيهم؛ والمراد كلام الرضا؛ وأما كلام الغضب فإن الله تعالى يكلم أهل النار، كما قال تعالى: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾. ١٣ - ومنها: إثبات الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿ولهم عذاب أليم﴾. ١٤ - ومنها: أن عذاب هؤلاء الكافرين عذاب مؤلم ألماً نفسياً، وألماً جسمانياً؛ فأما الألم النفسي فدليله قوله تعالى: ﴿قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾؛ فهذا من أبلغ ما يكون من الإذلال الذي به الألم النفسي؛ وأما الألم البدني فدليله قول الله تعالى: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً﴾ [النساء: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد * كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق﴾ [الحجر: ٢١، ٢٢]. القرآن

стр. 1258

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾ [البقرة: ١٧٥] التفسير: أولئك المتصفون بهذه الصفات استبدلوا الضلالة بالهدى وعذاب الله بمغفرته، فما أشد جراءتهم على النار بعملهم أعمال أهل النار! ! يعجب الله من إقدامهم على ذلك، فاعجبوا -أيها الناس- من جراءتهم، ومن صبرهم على النار ومكثهم فيها. وهذا على وجه الاستهانة بهم، والاستخفاف بأمرهم. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٧٥]، أي: " أولئك الذين أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى" (١). قال الصابوني: " أي أولئك أخذوا الضلالة بدل الهدى والكفر بدل الإِيمان" (٢). قال ابن كثير: " أي: اعتاضوا عن الهدى، وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه، استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه بالضلالة، وهو تكذيبه والكفر به وكتمان صفاته في كتبهم" (٣). و(الباء) في قوله ﴿بِالْهُدَى﴾: " للعوض؛ ويقول الفقهاء: إن ما دخلت عليه الباء هو الثمن؛ سواء كان نقداً، أم عيناً غير نقد؛ فإذا قلت: اشتريت منك ديناراً بثوب، فالثمن الثوب؛ وقال بعض الفقهاء: الثمن هو النقد مطلقاً" (٤). قال ابن عثيمين: "والصحيح الأول؛ والثمن الذي دفعه هؤلاء هو الهدى؛ فهم دفعوا الهدى - والعياذ بالله - لأخذ الضلالة" (٥). قوله تعالى: ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، "أي: اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب" (٦). قال ابن كثير: "وهو ما تعاطَوْه من أسبابه المذكورة" (٧). قال الصابوني: " أي: واستبدلوا الجحيم بالجنة" (٨). قال الطبري: أي: " وأخذوا ما يوجب لهم عذاب الله يوم القيامة، وتركوا ما يُوجب لهم غفرانه ورضْوَانه" (٩). قال ابن عثيمين: "فهم أيضاً اشتروا العذاب بالمغفرة؛ ولو أنهم بينوا، وأظهروا العلم لَجُوزوا بالمغفرة؛ ولكنهم كتموا، فجُوزوا بالعذاب" (١٠). قال المراغي: " أي إن متبع الضلال استحق العذاب بدل المغفرة، وهو باختياره إياه بعد قيام الحجة قد اشترى العذاب بالمغفرة، وكان هو الجاني على نفسه حين اغترّ بالعاجل واستهان بالآجل" (١١). قال ابن عثيمين: "فكأن هؤلاء - والعياذ بالله - طالبون راغبون في الضلالة بمنزلة المشتري؛ و ﴿الضلالة﴾ هنا كتمان العلم؛ فإنه ضلال؛ وأما «الهدى» فهو بيان العلم ونشره" (١٢).

стр. 1259

قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، " أي: ما أشدَّ صبرهم على نار جهنم؟ " (١). قال الصابوني: "وهو تعجيب للمؤمنين من جراءة أولئك الكفار على اقتراف أنواع المعاصي" (٢). قال أهل المعاني: "وإنما جاز استعمال الصبر بمعنى الجرأة؛ لأن الصبر حبس النفس على الشدة، والجريء يصبر نفسه على الشدة، فلما كانت الجرأة تقتضي الصبر سميت به" (٣). وقال السدي: "هذا على وجه الاستهانة" (٤). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، على وجوه (٥): أحدها: فما أجرأهم وأدومهم على العمل الذي يقرِّبُهم إلى النار. قاله قتادة (٦)، والحسن (٧)، وسعيد بن جبير (٨)، والربيع (٩). الثاني: أن المعنى: فما أعملهم بأعمال أهل النار. وهذا قول مجاهد (١٠). الثالث: وقيل: يخبر تعالى أنَّهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجَّبُ من رآهم فيها من صبرهم على ذلك، مع شدة ما هم فيه من العذاب، والنكال، والأغلال عياذًا بالله من ذلك (١١). كما اختلفوا في إعراب ﴿ما﴾ التي في قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥، وفيه وجهان (١٢): أحدهما: أنها تفيد الاستفهام، ومعناه: التوبيخ، أي: ما الذي صبرهم؟ وأي شيء صبرهم على النار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل؟ فقيل هذا على وجه الاستهانة. وهذا قول السدي (١٣)، وعطاء (١٤)، وأبو العالية (١٥)، وأبوبكر بن عياش (١٦)، وابن زيد (١٧)، ويزيد بن أبي حبيب (١٨). ومعنى الآية على هذا القول: "هؤلاء الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، فما أصبرهم على النار - والنار لا صبر عليها لأحد - حتى استبدلوها بمغفرة الله فاعتاضوها منها بدلا؟ " (١٩). الثاني: أنها تفيد التعجُّب. واختلفوا في معناه على النحو الآتي: أولا: فقال الحسن (٢٠)، وقتادة (٢١)، والربيع (٢٢): والله ما لهم عليها من صبر، ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار. قال: وهذه لغة يمانية.

стр. 1260

ثانيا: وقال الفراء: "أخبرني الكسائي، أخبرني قاضي اليمن: إن خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال خصمه: ما أصبرك على الله ... ! " (١) أي ما أجرأك عليه (٢). ثالثا: وقال المورج: "فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النار لأن هؤلاء كانوا علماء، فان من عاند النبي ﷺ صار من أهل النار" (٣). ونسبه ابن الجوزي إلى عكرمة والربيع (٤). رابعا: قال الكسائي وقطرب: " معناه ما أصبرهم على عمل أهل النار أي ما أدومهم عليه ... كما تقول: ما أشبه سخاك بحاتم: أي بسخاء حاتم" (٥). خامسا: وقال مجاهد: "ما أعلمهم بأعمال أهل النار! " (٦). سادسا: وقيل: "ما أبقاهم في النار! كما يقال: ما أصبر فلانا على الضرب والحبس ... ! " (٧). وتفسير الآية على وجه التعجب: " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذابَ بالمغفرة "، فما أشد جراءتهم - بفعلهم ما فعلوا من ذلك - على ما يوجب لهم النار! كما قال تعالى ذكره: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [سورة عبس: ١٧]، تعجبًا من كفره بالذي خَلقه وسَوَّى خلقه (٨). والراجح -والله أعلم- أن (ما) تعجبية، والمعنى: شيء عظيم أصبرهم؛ أو ما أعظم صبرهم على النار، فلا شكّ بأن "انهماكهم في العمل الذي يوصلهم إلى النار المبين فى الآيتين السالفتين هو مثار العجب، فسيرهم في الطريق التي يجرهم إليها، وعدم مبالاتهم بمآل أعمالهم، دليل على أنهم يطيقون الصبر عليها، وتلك حال تستحق العجب أشد العجب، وأعجب من ذلك أن يرضاها عاقل لنفسه ومثل هذا الأسلوب ما يقال لمن يتعرض لما يوجب غضب ملك من الملوك: ما أصبرك على القيد والسجن! أي إنه لا يتعرض لمثل هذا إلا من هو شديد الصبر على العذاب" (٩). قال الشيخ ابن عثيمين: "وهذا التعجب يتوجه عليه سؤالان: السؤال الأول: أهو تعجب من الله أم تعجيب منه؛ بمعنى: أيرشدنا إلى أن نتعجب - وليس هو موصوفاً بالعجب؛ أو أنه من الله -؟ السؤال الثاني: أن قوله: ﴿فما أصبرهم﴾ يقتضي أنهم يصبرون، ويتحملون مع أنهم لا يتحملون، ولا يطيقون؛ ولهذا يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب﴾ [غافر: ٤٩]؛ وينادون: ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧] أي ليهلكنا؛ ومن قال هكذا فليس بصابر؟ والجواب عن السؤال الأول: - وهو أهو تعجب، أو تعجيب -: فقد اختلف فيه المفسرون؛ فمنهم من رأى أنه تعجب من الله ؛ لأنه المتكلم به هو الله؛ والكلام ينسب إلى من تكلم به؛ ولا مانع من ذلك لا عقلاً، ولا سمعاً - أي لا مانع يمنع من أن الله يعجب؛ وقد ثبت لله العجب بالكتاب، والسنة؛ فقال الله تعالى في القرآن: ﴿بل عجبتُ ويسخرون﴾ [الصافات: ١٢] بضم التاء؛ وهذه القراءة سبعية ثابتة عن

стр. 1261

النبي ﷺ ؛ والتاء فاعل يعود على الله المتكلم؛ وأما السنة ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه» (١)؛ وعلى هذا فالعجب لله ثابت بالكتاب، والسنة؛ فلا مانع من أن الله يعجب من صبرهم؛ فإذا قال قائل: العجب يدل على أن المتعجب مباغَت بما تعجب منه؛ وهذا يستلزم أن لا يكون عالماً بالأمر من قبل - وهو محال على الله -؟ فالجواب: أن سبب العجب لا يختص بما ذكر؛ بل ربما يكون سببه الإنكار على الفاعل، حيث خرج عن نظائره، كما تقول: «عجبت من قوم جحدوا بآيات الله مع بيانها، وظهورها»؛ وهو بهذا المعنى قريب من معنى التوبيخ، واللوم؛ ومن المفسرين من قال: إن المراد بالعجب: التعجيب؛ كأنه قال: اعجب أيها المخاطب من صبرهم على النار؛ وهذا وإن كان له وجه لكنه خلاف ظاهر الآية. وأما الجواب عن السؤال الثاني: - وهو كيف يتعجب من صبرهم مع أنهم لم يصبروا على النار – فقال أهل العلم: إنهم لما صبروا على ما كان سبباً لها من كتمان العلم صاروا كأنهم صبروا عليها، مثلما يقال للرجل الذي يفعل أشياء ينتقد فيها: ما أصبرك على لوم الناس لك مع أنه ربما لم يلوموه أصلاً؛ لكن فعل ما يقتضي اللوم؛ يصير معنى: ﴿ما أصبرهم على النار﴾ أنهم لما كانوا يفعلون هذه الأفعال الموجبة للنار صاروا كأنهم يصبرون على النار؛ لأن الجزاء من جنس العمل، كما تفيده الآيات الكثيرة، فيعبر بالعمل عن الجزاء؛ لأنه سببه المترتب عليه؛ و ﴿النار﴾ هي الدار التي أعدها الله للكافرين والظالمين؛ لكن الظلم إن كان ظلم الكفر فهم مخلدون فيها؛ وإن كان ظلماً دون الكفر فإنهم مستحقون للعذاب بحسب حالهم" (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن سبب ضلال هؤلاء وكتمانهم الحق أنهم لم يريدوا الهدى؛ وإنما أرادوا الضلال والفساد - والعياذ بالله -؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا ... ﴾ إلخ. ٢ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لإضافة الفعل إلى الفاعل. ٣ - ومنها: أن كتمان العلم أو بيانه لغرض من الدنيا من الضلال؛ وذلك؛ لأنه جاهل بما يجب على العالم في علمه من النشر، والتبليغ، ولأنه جهل على نفسه، حيث منعها هذا الخير العظيم في نشر العلم؛ لأن من أفضل الأعمال نشر العلم؛ فإنه - أعني العلم - ليس كالمال؛ المال يفنى؛ والعلم يبقى؛ أرأيت الآن في الصحابة ﵃ أناس أغنياء أكثر غنًى من أبي هريرة ﵁ وذِكر أبي هريرة بين الخاص والعام الآن أكثر، والثواب الذي يأتيه مما روى عن النبي ﷺ من أحاديث أكثر وأعظم؛ ثم أرأيت منزلة الإمام أحمد بن حنبل، ونحوه من الأئمة مع من في عهدهم من الخلفاء، والوزراء، والأغنياء، هل بقي ذكرهم، كما بقي ذكر هؤلاء الأئمة؟ ! ! فكتمان العلم لا شك أنه ضلالة في الإنسان، وجهالة. ٤ - ومن فوائد الآية: أن عقوبة الله لهم ليست ظلماً منه؛ بل هم الذين تسببوا لها، حيث اشتروا الضلالة بالهدى؛ والله ليس بظلام للعبيد. ٥ - ومنها: أن نشر العلم، وإظهاره، وبيانه من أسباب المغفرة؛ لأنه جعل لهم العذاب في مقابلة الكتمان، واختيارهم العذاب على المغفرة، والضلالة على الهدى؛ فدل ذلك على أن نشر العلم من أسباب مغفرة الذنوب؛ كما أن الذنوب أيضاً تحول بين الإنسان، والعلم، فكذلك كتم العلم يحول بين الإنسان، والمغفرة؛ وقد

стр. 1262

استدل بعض العلماء بأن الذنوب تحول بين الإنسان، والعلم بقوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً * واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ١٠٥، ١٠٦]؛ فقال تعالى: ﴿لتحكم﴾، ثم قال تعالى: ﴿واستغفر الله﴾؛ فدل هذا على أن الاستغفار من أسباب فتح العلم - وهو ظاهر -؛ وبقوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به﴾ [المائدة: ١٣]؛ لأن الذنوب - والعياذ بالله - رين على القلوب، كما قال تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ [المطففين: ١٤]؛ فإذا كانت ريناً عليها فإن الاستغفار يمحو هذا الرين، وتبقى القلوب نيرة مدركة واعية. ٦ - ومن فوائد الآية: إثبات العجب لله ؛ لقوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ - على أحد الاحتمالين -؛ وهو من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته؛ وكل صفة من صفات الله تتعلق بمشيئته فهي من الصفات الفعلية. فإذا قال قائل: ما دليلكم على أن العجب يتعلق بمشيئته؟ فالجواب: أن له سبباً؛ وكل ما له سبب فإنه متعلق بالمشيئة؛ لأن وقوع السبب بمشيئة الله؛ فيكون ما يتفرع عنه كذلك بمشيئة الله. ٧ - ومنها: توبيخ هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله؛ لقوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾؛ وكان الأجدر بهم أن يتخذوا وقاية من النار لا وسيلة إليها. ٨ - ومنها: الإشارة إلى شدة عذابهم، كما يقال في شخص أصيب بمرض عظيم: «ما أصبره على هذا المرض»، أي أنه مرض عظيم يؤدي إلى التعجب من صبر المريض عليه. القرآن ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ [البقرة: ١٧٦] التفسير: ذلك العذاب الذي استحقوه بسبب أن الله تعالى نزَّل كتبه على رسله مشتملة على الحق المبين، فكفروا به. وإن الذين اختلفوا في الكتاب فأمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، لفي منازعة ومفارقة بعيدة عن الرشد والصواب. قوله تعالى تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ البقرة: ١٧٦]، " يعني: ذلك العذاب، بأن الله نزل الكتاب بالحق فأنكروه وكفروا به" (١). قال المراغي: أي: ذلكَ العذابُ لهم في الآخرة، "الذي تقرّر لهم بسبب أن الكتاب جاء بالحق، والحق لا يغالب، فمن غالبه غلب" (٢). قال ابن عثيمين: " و ﴿الكتاب﴾ المراد به الجنس: القرآن، والتوراة، والإنجيل، وغيرها من الكتب التي أنزلها الله" (٣). وقيلَ معنى قوله ﴿ذَلِكَ﴾: "ذلك الضلالُ" (٤). وقد اختلف أهل التفسير في دلالة اسم الإشارة ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: ١٧٦]، وذكروا ثلاثة أوجه (٥): أحدهما: أن معنى ﴿ذَلِكَ﴾: فعلُهم هذا الذي يفعلون من جراءتهم على عذاب النار، في مخالفتهم أمر الله، وكتمانهم الناسَ ما أنزل الله في كتابه، وأمرَهم ببيانه لهم من أمر محمد ﷺ وأمر دينه من أجل أن الله تبارك تعالى ﴿نزل الكتاب بالحق﴾، وتنزيله الكتاب بالحق هو خبرُه عنهم في قوله لنبيه محمد صلى

стр. 1263

الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٦ - ٧] فهم - مع ما أخبر الله عنهم من أنهم لا يؤمنون - لا يكون منهم غيرُ اشتراء الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة (١). الثاني: وقيل: معناه: ﴿ذَلِكَ﴾ معلومٌ لهم، بأن الله نزل الكتاب بالحق، لأنّا قد أخبرنا في الكتاب أنّ ذلك لهم، والكتابُ حَق. قال الطبري: "كأن قائلي هذا القول كان تأويل الآية عندهم: ذلك العذاب الذي قال الله تعالى ذكره، فما أصبرهم عليه معلومٌ أنه لهم. لأن الله قد أخبر في مواضع من تنزيله أن النار للكافرين، وتنزيله حق، فالخبر عن " ذلك " عندهم مُضمر" (٢). الثالث: وقيل: معنى ﴿ذَلِكَ﴾، أن الله وصف أهل النار، فقال: ﴿فما أصبرهم على النا﴾، ثم قال: هذا العذاب بكفرهم، و (هذا) هاهنا عندهم، هي التي يجوز مكانها ﴿ذَلِكَ﴾، كأنه قال: فعلنا ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق فكفروا به. قال: فيكون ﴿ذَلِكَ﴾ - إذا كان ذلك معناه - نصبًا، ويكون رفعًا بالباء. والصواب: أن الله تعالى ذكره أشار بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾، إلى جميع ما حواه قوله: ﴿إنّ الذين يَكتمونَ مَا أنزلَ الله من الكتاب﴾، إلى قوله: ﴿ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق﴾، من خبره عن أفعال أحبار اليهود، وذكره ما أعد لهم تعالى ذكره من العقاب على ذلك، فقال: هذا الذي فعلته هؤلاء الأحبارُ من اليهود بكتمانهم الناسَ ما كتموا من أمر محمد ﷺ ونبوته مع علمهم به، طلبًا منهم لعرَض من الدنيا خسيس - وبخلافهم أمري وطاعتي وذلك - من تركي تطهيرَهم وتزكيتهم وتكليمهم، وإعدادي لهم العذاب الأليم - بأني أنزلت كتابي بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه (٣). فيكون في ﴿ذَلِكَ﴾ حينئذ وجهان من الإعراب: رفعٌ ونصب: والرفع يكون بالابتداء (٤)، و"هو إشارة إلى الحكم، كأنه قال: ذلك الحكم بالنار" (٥)، المشار إليه ما ذكر من جزائهم؛ أي ذلك الجزاء الذي يجازون به. وأما النصب فمعنى: معناه فعلنا ذلك بهم، "بأني أنزلت كتابي بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه، وترك ذكر " فكفروا به واختلفوا "، اجتزاءً بدلالة ما ذكر من الكلام عليه" (٦). واختلفوا في قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١٧٦]، على قولين: (٧) أحدهما: أن المعنى: بالعذاب والصِّدقِ أو ببيان الحق (٨)، فحينئذ يكونُ ﴿ذَلِكَ﴾، في موضع الرفع (٩). والثاني: وقيل: هو في محل النصب؛ معناهُ: فعلنا ذلك بهم؛ بأنَّ الله أو لأن الله نزَّلَ الكتابَ بالحق فاختلفوا فيه وكفروا به؛ فَنُزِعَ الخافضُ. قال ابن كثير: " فهؤلاء فإنما استحقوا هذا العذاب الشديد لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد ﷺ وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوًا، فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونشره، فخالفوه وكذبوه. وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه ويجحدونه، ويكتمون صفته، فاستهزؤوا بآيات الله

стр. 1264

المنزلة على رسله؛ فلهذا استحقوا العذاب والنكال؛ ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ " (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٦]، "أي: إن الذين اختلفوا في الكتاب الذي نزله الله بحق" (٢). قا الصابوني: " أي اختلفوا في تأويله وتحريفه" (٣). قال الثعلبي: " فآمنوا ببعض وكفروا ببعض" (٤). قال ابن عثيمين: "أي: في الكتاب الذي نزله الله بحق؛ وهذا الاختلاف يشمل الاختلاف في أصله: فمنهم من آمن؛ ومنهم من كفر، والاختلافَ فيما بينهم أي فيما بين أحد الطرفين: فمنهم من استقام في تأويله؛ ومنهم من حرف في تأويله على غير مراد الله " (٥). واختلفوا في المراد بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٦]، وفيه وجهان: أحدهما: أنهم الكفار أجمع، اختلفوا في القرآن (٦). والثاني: أنهم أهل الكتاب: (اليهود والنصارى). قاله السدي (٧). قال الطبراني: "وأرادَ بالكتاب: التوراةَ والإنجيلَ وما فيهما من البشارةِ بمُحَمَّدٍ ﷺ وصحَّةِ أمرهِ ودينهِ" (٨). قال الإمام الطبري: " يعني بذلك اليهودَ والنصارى. اختلفوا في كتاب الله، فكفرت اليهودُ بما قصَّ الله فيه من قَصَص عيسى ابن مريم وأمه. وصَدقت النصارى ببعض ذلك، وكفروا ببعضه، وكفروا جميعًا بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق محمد ﷺ . فقال لنبيه محمد ﷺ : إن هؤلاء الذين اختلفوا فيما أنزلت إليك يا محمد لفي منازعة ومفارقة للحق بعيدة من الرشد والصواب، كما قال الله تعالى ذكره: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [سورة البقرة: ١٣٧] " (٩). والقول الثاني هو الراجح: لأن "الأقرب حمله على التوراة والإنجيل اللذين ذكرت البشارة بمحمد ﷺ فيهما، لأن القوم قد عرفوا ذلك وكتموه وحرفوا تأويله، فإذا أورد تعالى ما يجري مجرى العلة في إنزال العقوبة بهم فالأقرب أن يكون المراد كتابهم الذي هو الأصل عندهم دون القرآن الذي إذا عرفوه فعلى وجه التبع لصحة كتابهم" (١٠). وفي تفسير ﴿الكتاب﴾ [البقرة: ١٧٦]، ثلاثة وجوه (١١): الوجه الأول: أنه القرآن، إذ كان اختلافهم فيه أن بعضهم قال: إنه كهانة، وآخرون قالوا: إنه سحر، وثالث قال: رجز، ورابع قال: إنه أساطير الأولين وخامس قال: إنه كلام منقول مختلق. والوجه الثاني: أن المراد: التوراة والإنجيل، فالمراد باختلافهم يحتمل وجوها:

стр. 1265

أحدها: أنهم مختلفون في دلالة التوراة على نبوة المسيح فاليهود قالوا: إنها دالة على القدح في عيسى والنصارى قالوا إنها دالة على نبوته وثانيها: أن القوم اختلفوا في تأويل الآيات الدالة على نبوة محمد ﷺ فذكر كل واحد منهم له تأويلا آخر فاسدا لأن الشيء إذا لم يكن حقا واجب القبول بل كان متكلفا كان كل أحد يذكر شيئا آخر على خلاف قول صاحبه، فكان هذا هو الإختلاف. وثالثها: ما ذكره أبو مسلم فقال: قوله: ﴿اختلفوا﴾ من باب افتعل الذي يكون مكان فعل، كما يقال: كسب واكتسب، وعمل واعتمل، وكتب واكتتب، وفعل وافتعل، ويكون معنى قوله: ﴿الذين اختلفوا فى الكتاب﴾ الذين خلفوا فيه أي توارثوه وصاروا خلفاء فيه كقوله: ﴿فخلف من بعدهم خلف﴾ [الأعراف: ١٦٩] وقوله: ﴿إن فى اختلاف اليل والنهار﴾ [يونس: ٦]، أي كل واحد يأتي خلف الآخر، وقوله: ﴿وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر﴾ [الفرقان: ٦٢]، أي كل واحد منهما يخلف الآخر. والوجه الثالث: أن يكون المراد بـ ﴿الكتاب﴾: "جنس ما أنزل الله والمراد بالذين اختلفوا في الكتاب الذين اختلف قولهم في الكتاب، فقبلوا بعض كتب الله وردوا البعض وهم اليهود والنصارى حيث قبلوا بعض كتب الله وهو التوراة والإنجيل وردوا الباقي وهو القرآن" (١). قال شيخنا ابن عثيمين: " وقوله تعالى: ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦]، " أي في خلاف بعيد عن الحق والصواب" (٢). قال الثعلبي: أي: " لفي خلاف، وضلال طويل" (٣). قال الطبراني: "أي خلافٍ طويل" (٤). قال ابن عثيمين: "أي: لفي جانب بعيد عن الحق، وهذا البعد يختلف: فمنهم من يكون بعيداً جداً؛ ومنهم من يكون دون ذلك" (٥). قال الزجاج: أي: " بتباعد بعضهم في مَشَاقَّةِ بعض، لأن إليهود والنصارى هم الَّذين اختلفوا في الكتاب ومشاقتهم بعيدة" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إثبات العلل، والأسباب؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك بأن﴾؛ والباء للسببية؛ وقد ذكر بعض أهل العلم أن في القرآن أكثر من مائة موضع كلها تفيد إثبات العلة؛ خلافاً للجبرية - الذين يقولون: «إن فعل الله ليس لحكمة؛ بل لمجرد المشيئة». ٢ - ومنها: الثناء على كتب الله ؛ لقوله تعالى: ﴿بأن الله نزَّل الكتاب بالحق﴾. ٣ - ومنها: ثبوت العلو لله ؛ لقوله تعالى: ﴿بأن الله نزَّل الكتاب﴾. ٤ - ومنها: أن المختلفين في كتب الله لا يزالون في شقاق بعيد لا تتقارب أقوالهم - وإن تقاربت أبدانهم. ٥ - ومنها: أن الاختلاف ليس رحمة؛ بل إنه شقاق، وبلاء؛ وبه نعرف أن ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «اختلاف أمتي رحمة» (٧) لا صحة له؛ وليس الاختلاف برحمة؛ بل قال الله : ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك﴾ [هود: ١١٨] أي فإنهم ليسوا مختلفين؛ نعم؛ الاختلاف رحمة
следующие страницы →