← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

النبي ﷺ ؛ والتاء فاعل يعود على الله المتكلم؛ وأما السنة ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه» (١)؛ وعلى هذا فالعجب لله ثابت بالكتاب، والسنة؛ فلا مانع من أن الله يعجب من صبرهم؛ فإذا قال قائل: العجب يدل على أن المتعجب مباغَت بما تعجب منه؛ وهذا يستلزم أن لا يكون عالماً بالأمر من قبل - وهو محال على الله -؟ فالجواب: أن سبب العجب لا يختص بما ذكر؛ بل ربما يكون سببه الإنكار على الفاعل، حيث خرج عن نظائره، كما تقول: «عجبت من قوم جحدوا بآيات الله مع بيانها، وظهورها»؛ وهو بهذا المعنى قريب من معنى التوبيخ، واللوم؛ ومن المفسرين من قال: إن المراد بالعجب: التعجيب؛ كأنه قال: اعجب أيها المخاطب من صبرهم على النار؛ وهذا وإن كان له وجه لكنه خلاف ظاهر الآية. وأما الجواب عن السؤال الثاني: - وهو كيف يتعجب من صبرهم مع أنهم لم يصبروا على النار – فقال أهل العلم: إنهم لما صبروا على ما كان سبباً لها من كتمان العلم صاروا كأنهم صبروا عليها، مثلما يقال للرجل الذي يفعل أشياء ينتقد فيها: ما أصبرك على لوم الناس لك مع أنه ربما لم يلوموه أصلاً؛ لكن فعل ما يقتضي اللوم؛ يصير معنى: ﴿ما أصبرهم على النار﴾ أنهم لما كانوا يفعلون هذه الأفعال الموجبة للنار صاروا كأنهم يصبرون على النار؛ لأن الجزاء من جنس العمل، كما تفيده الآيات الكثيرة، فيعبر بالعمل عن الجزاء؛ لأنه سببه المترتب عليه؛ و ﴿النار﴾ هي الدار التي أعدها الله للكافرين والظالمين؛ لكن الظلم إن كان ظلم الكفر فهم مخلدون فيها؛ وإن كان ظلماً دون الكفر فإنهم مستحقون للعذاب بحسب حالهم" (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن سبب ضلال هؤلاء وكتمانهم الحق أنهم لم يريدوا الهدى؛ وإنما أرادوا الضلال والفساد - والعياذ بالله -؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا ... ﴾ إلخ. ٢ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لإضافة الفعل إلى الفاعل. ٣ - ومنها: أن كتمان العلم أو بيانه لغرض من الدنيا من الضلال؛ وذلك؛ لأنه جاهل بما يجب على العالم في علمه من النشر، والتبليغ، ولأنه جهل على نفسه، حيث منعها هذا الخير العظيم في نشر العلم؛ لأن من أفضل الأعمال نشر العلم؛ فإنه - أعني العلم - ليس كالمال؛ المال يفنى؛ والعلم يبقى؛ أرأيت الآن في الصحابة ﵃ أناس أغنياء أكثر غنًى من أبي هريرة ﵁ وذِكر أبي هريرة بين الخاص والعام الآن أكثر، والثواب الذي يأتيه مما روى عن النبي ﷺ من أحاديث أكثر وأعظم؛ ثم أرأيت منزلة الإمام أحمد بن حنبل، ونحوه من الأئمة مع من في عهدهم من الخلفاء، والوزراء، والأغنياء، هل بقي ذكرهم، كما بقي ذكر هؤلاء الأئمة؟ ! ! فكتمان العلم لا شك أنه ضلالة في الإنسان، وجهالة. ٤ - ومن فوائد الآية: أن عقوبة الله لهم ليست ظلماً منه؛ بل هم الذين تسببوا لها، حيث اشتروا الضلالة بالهدى؛ والله ليس بظلام للعبيد. ٥ - ومنها: أن نشر العلم، وإظهاره، وبيانه من أسباب المغفرة؛ لأنه جعل لهم العذاب في مقابلة الكتمان، واختيارهم العذاب على المغفرة، والضلالة على الهدى؛ فدل ذلك على أن نشر العلم من أسباب مغفرة الذنوب؛ كما أن الذنوب أيضاً تحول بين الإنسان، والعلم، فكذلك كتم العلم يحول بين الإنسان، والمغفرة؛ وقد

стр. 1262

استدل بعض العلماء بأن الذنوب تحول بين الإنسان، والعلم بقوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً * واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ١٠٥، ١٠٦]؛ فقال تعالى: ﴿لتحكم﴾، ثم قال تعالى: ﴿واستغفر الله﴾؛ فدل هذا على أن الاستغفار من أسباب فتح العلم - وهو ظاهر -؛ وبقوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به﴾ [المائدة: ١٣]؛ لأن الذنوب - والعياذ بالله - رين على القلوب، كما قال تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ [المطففين: ١٤]؛ فإذا كانت ريناً عليها فإن الاستغفار يمحو هذا الرين، وتبقى القلوب نيرة مدركة واعية. ٦ - ومن فوائد الآية: إثبات العجب لله ؛ لقوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ - على أحد الاحتمالين -؛ وهو من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته؛ وكل صفة من صفات الله تتعلق بمشيئته فهي من الصفات الفعلية. فإذا قال قائل: ما دليلكم على أن العجب يتعلق بمشيئته؟ فالجواب: أن له سبباً؛ وكل ما له سبب فإنه متعلق بالمشيئة؛ لأن وقوع السبب بمشيئة الله؛ فيكون ما يتفرع عنه كذلك بمشيئة الله. ٧ - ومنها: توبيخ هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله؛ لقوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾؛ وكان الأجدر بهم أن يتخذوا وقاية من النار لا وسيلة إليها. ٨ - ومنها: الإشارة إلى شدة عذابهم، كما يقال في شخص أصيب بمرض عظيم: «ما أصبره على هذا المرض»، أي أنه مرض عظيم يؤدي إلى التعجب من صبر المريض عليه. القرآن ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ [البقرة: ١٧٦] التفسير: ذلك العذاب الذي استحقوه بسبب أن الله تعالى نزَّل كتبه على رسله مشتملة على الحق المبين، فكفروا به. وإن الذين اختلفوا في الكتاب فأمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، لفي منازعة ومفارقة بعيدة عن الرشد والصواب. قوله تعالى تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ البقرة: ١٧٦]، " يعني: ذلك العذاب، بأن الله نزل الكتاب بالحق فأنكروه وكفروا به" (١). قال المراغي: أي: ذلكَ العذابُ لهم في الآخرة، "الذي تقرّر لهم بسبب أن الكتاب جاء بالحق، والحق لا يغالب، فمن غالبه غلب" (٢). قال ابن عثيمين: " و ﴿الكتاب﴾ المراد به الجنس: القرآن، والتوراة، والإنجيل، وغيرها من الكتب التي أنزلها الله" (٣). وقيلَ معنى قوله ﴿ذَلِكَ﴾: "ذلك الضلالُ" (٤). وقد اختلف أهل التفسير في دلالة اسم الإشارة ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: ١٧٦]، وذكروا ثلاثة أوجه (٥): أحدهما: أن معنى ﴿ذَلِكَ﴾: فعلُهم هذا الذي يفعلون من جراءتهم على عذاب النار، في مخالفتهم أمر الله، وكتمانهم الناسَ ما أنزل الله في كتابه، وأمرَهم ببيانه لهم من أمر محمد ﷺ وأمر دينه من أجل أن الله تبارك تعالى ﴿نزل الكتاب بالحق﴾، وتنزيله الكتاب بالحق هو خبرُه عنهم في قوله لنبيه محمد صلى

стр. 1263

الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٦ - ٧] فهم - مع ما أخبر الله عنهم من أنهم لا يؤمنون - لا يكون منهم غيرُ اشتراء الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة (١). الثاني: وقيل: معناه: ﴿ذَلِكَ﴾ معلومٌ لهم، بأن الله نزل الكتاب بالحق، لأنّا قد أخبرنا في الكتاب أنّ ذلك لهم، والكتابُ حَق. قال الطبري: "كأن قائلي هذا القول كان تأويل الآية عندهم: ذلك العذاب الذي قال الله تعالى ذكره، فما أصبرهم عليه معلومٌ أنه لهم. لأن الله قد أخبر في مواضع من تنزيله أن النار للكافرين، وتنزيله حق، فالخبر عن " ذلك " عندهم مُضمر" (٢). الثالث: وقيل: معنى ﴿ذَلِكَ﴾، أن الله وصف أهل النار، فقال: ﴿فما أصبرهم على النا﴾، ثم قال: هذا العذاب بكفرهم، و (هذا) هاهنا عندهم، هي التي يجوز مكانها ﴿ذَلِكَ﴾، كأنه قال: فعلنا ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق فكفروا به. قال: فيكون ﴿ذَلِكَ﴾ - إذا كان ذلك معناه - نصبًا، ويكون رفعًا بالباء. والصواب: أن الله تعالى ذكره أشار بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾، إلى جميع ما حواه قوله: ﴿إنّ الذين يَكتمونَ مَا أنزلَ الله من الكتاب﴾، إلى قوله: ﴿ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق﴾، من خبره عن أفعال أحبار اليهود، وذكره ما أعد لهم تعالى ذكره من العقاب على ذلك، فقال: هذا الذي فعلته هؤلاء الأحبارُ من اليهود بكتمانهم الناسَ ما كتموا من أمر محمد ﷺ ونبوته مع علمهم به، طلبًا منهم لعرَض من الدنيا خسيس - وبخلافهم أمري وطاعتي وذلك - من تركي تطهيرَهم وتزكيتهم وتكليمهم، وإعدادي لهم العذاب الأليم - بأني أنزلت كتابي بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه (٣). فيكون في ﴿ذَلِكَ﴾ حينئذ وجهان من الإعراب: رفعٌ ونصب: والرفع يكون بالابتداء (٤)، و"هو إشارة إلى الحكم، كأنه قال: ذلك الحكم بالنار" (٥)، المشار إليه ما ذكر من جزائهم؛ أي ذلك الجزاء الذي يجازون به. وأما النصب فمعنى: معناه فعلنا ذلك بهم، "بأني أنزلت كتابي بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه، وترك ذكر " فكفروا به واختلفوا "، اجتزاءً بدلالة ما ذكر من الكلام عليه" (٦). واختلفوا في قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١٧٦]، على قولين: (٧) أحدهما: أن المعنى: بالعذاب والصِّدقِ أو ببيان الحق (٨)، فحينئذ يكونُ ﴿ذَلِكَ﴾، في موضع الرفع (٩). والثاني: وقيل: هو في محل النصب؛ معناهُ: فعلنا ذلك بهم؛ بأنَّ الله أو لأن الله نزَّلَ الكتابَ بالحق فاختلفوا فيه وكفروا به؛ فَنُزِعَ الخافضُ. قال ابن كثير: " فهؤلاء فإنما استحقوا هذا العذاب الشديد لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد ﷺ وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوًا، فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونشره، فخالفوه وكذبوه. وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه ويجحدونه، ويكتمون صفته، فاستهزؤوا بآيات الله

стр. 1264

المنزلة على رسله؛ فلهذا استحقوا العذاب والنكال؛ ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ " (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٦]، "أي: إن الذين اختلفوا في الكتاب الذي نزله الله بحق" (٢). قا الصابوني: " أي اختلفوا في تأويله وتحريفه" (٣). قال الثعلبي: " فآمنوا ببعض وكفروا ببعض" (٤). قال ابن عثيمين: "أي: في الكتاب الذي نزله الله بحق؛ وهذا الاختلاف يشمل الاختلاف في أصله: فمنهم من آمن؛ ومنهم من كفر، والاختلافَ فيما بينهم أي فيما بين أحد الطرفين: فمنهم من استقام في تأويله؛ ومنهم من حرف في تأويله على غير مراد الله " (٥). واختلفوا في المراد بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٦]، وفيه وجهان: أحدهما: أنهم الكفار أجمع، اختلفوا في القرآن (٦). والثاني: أنهم أهل الكتاب: (اليهود والنصارى). قاله السدي (٧). قال الطبراني: "وأرادَ بالكتاب: التوراةَ والإنجيلَ وما فيهما من البشارةِ بمُحَمَّدٍ ﷺ وصحَّةِ أمرهِ ودينهِ" (٨). قال الإمام الطبري: " يعني بذلك اليهودَ والنصارى. اختلفوا في كتاب الله، فكفرت اليهودُ بما قصَّ الله فيه من قَصَص عيسى ابن مريم وأمه. وصَدقت النصارى ببعض ذلك، وكفروا ببعضه، وكفروا جميعًا بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق محمد ﷺ . فقال لنبيه محمد ﷺ : إن هؤلاء الذين اختلفوا فيما أنزلت إليك يا محمد لفي منازعة ومفارقة للحق بعيدة من الرشد والصواب، كما قال الله تعالى ذكره: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [سورة البقرة: ١٣٧] " (٩). والقول الثاني هو الراجح: لأن "الأقرب حمله على التوراة والإنجيل اللذين ذكرت البشارة بمحمد ﷺ فيهما، لأن القوم قد عرفوا ذلك وكتموه وحرفوا تأويله، فإذا أورد تعالى ما يجري مجرى العلة في إنزال العقوبة بهم فالأقرب أن يكون المراد كتابهم الذي هو الأصل عندهم دون القرآن الذي إذا عرفوه فعلى وجه التبع لصحة كتابهم" (١٠). وفي تفسير ﴿الكتاب﴾ [البقرة: ١٧٦]، ثلاثة وجوه (١١): الوجه الأول: أنه القرآن، إذ كان اختلافهم فيه أن بعضهم قال: إنه كهانة، وآخرون قالوا: إنه سحر، وثالث قال: رجز، ورابع قال: إنه أساطير الأولين وخامس قال: إنه كلام منقول مختلق. والوجه الثاني: أن المراد: التوراة والإنجيل، فالمراد باختلافهم يحتمل وجوها:

стр. 1265

أحدها: أنهم مختلفون في دلالة التوراة على نبوة المسيح فاليهود قالوا: إنها دالة على القدح في عيسى والنصارى قالوا إنها دالة على نبوته وثانيها: أن القوم اختلفوا في تأويل الآيات الدالة على نبوة محمد ﷺ فذكر كل واحد منهم له تأويلا آخر فاسدا لأن الشيء إذا لم يكن حقا واجب القبول بل كان متكلفا كان كل أحد يذكر شيئا آخر على خلاف قول صاحبه، فكان هذا هو الإختلاف. وثالثها: ما ذكره أبو مسلم فقال: قوله: ﴿اختلفوا﴾ من باب افتعل الذي يكون مكان فعل، كما يقال: كسب واكتسب، وعمل واعتمل، وكتب واكتتب، وفعل وافتعل، ويكون معنى قوله: ﴿الذين اختلفوا فى الكتاب﴾ الذين خلفوا فيه أي توارثوه وصاروا خلفاء فيه كقوله: ﴿فخلف من بعدهم خلف﴾ [الأعراف: ١٦٩] وقوله: ﴿إن فى اختلاف اليل والنهار﴾ [يونس: ٦]، أي كل واحد يأتي خلف الآخر، وقوله: ﴿وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر﴾ [الفرقان: ٦٢]، أي كل واحد منهما يخلف الآخر. والوجه الثالث: أن يكون المراد بـ ﴿الكتاب﴾: "جنس ما أنزل الله والمراد بالذين اختلفوا في الكتاب الذين اختلف قولهم في الكتاب، فقبلوا بعض كتب الله وردوا البعض وهم اليهود والنصارى حيث قبلوا بعض كتب الله وهو التوراة والإنجيل وردوا الباقي وهو القرآن" (١). قال شيخنا ابن عثيمين: " وقوله تعالى: ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦]، " أي في خلاف بعيد عن الحق والصواب" (٢). قال الثعلبي: أي: " لفي خلاف، وضلال طويل" (٣). قال الطبراني: "أي خلافٍ طويل" (٤). قال ابن عثيمين: "أي: لفي جانب بعيد عن الحق، وهذا البعد يختلف: فمنهم من يكون بعيداً جداً؛ ومنهم من يكون دون ذلك" (٥). قال الزجاج: أي: " بتباعد بعضهم في مَشَاقَّةِ بعض، لأن إليهود والنصارى هم الَّذين اختلفوا في الكتاب ومشاقتهم بعيدة" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إثبات العلل، والأسباب؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك بأن﴾؛ والباء للسببية؛ وقد ذكر بعض أهل العلم أن في القرآن أكثر من مائة موضع كلها تفيد إثبات العلة؛ خلافاً للجبرية - الذين يقولون: «إن فعل الله ليس لحكمة؛ بل لمجرد المشيئة». ٢ - ومنها: الثناء على كتب الله ؛ لقوله تعالى: ﴿بأن الله نزَّل الكتاب بالحق﴾. ٣ - ومنها: ثبوت العلو لله ؛ لقوله تعالى: ﴿بأن الله نزَّل الكتاب﴾. ٤ - ومنها: أن المختلفين في كتب الله لا يزالون في شقاق بعيد لا تتقارب أقوالهم - وإن تقاربت أبدانهم. ٥ - ومنها: أن الاختلاف ليس رحمة؛ بل إنه شقاق، وبلاء؛ وبه نعرف أن ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «اختلاف أمتي رحمة» (٧) لا صحة له؛ وليس الاختلاف برحمة؛ بل قال الله : ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك﴾ [هود: ١١٨] أي فإنهم ليسوا مختلفين؛ نعم؛ الاختلاف رحمة

стр. 1266

بمعنى: أن من خالف الحق لاجتهاد فإنه مرحوم بعفو الله عنه؛ فالمجتهد من هذه الأمة إن أصاب فله أجران؛ وإن أخطأ فله أجر واحد؛ والخطأ معفو عنه؛ وأما أن يقال هكذا على الإطلاق: «إن الاختلاف رحمة» فهذا مقتضاه أن نسعى إلى الاختلاف؛ لأنه هو سبب الرحمة على مقتضى زعم هذا المروي! ! ! فالصواب أن الاختلاف شر. القرآن ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧] التفسير: ليس الخير عند الله- تعالى- في التوجه في الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، وإنما الخير كل الخير هو إيمان من آمن بالله وصدَّق به معبودًا وحدَه لا شريك له، وآمن بيوم البعث والجزاء، وبالملائكة جميعًا، وبالكتب المنزلة كافة، وبجميع النبيين من غير تفريق، وأعطى المال تطوُّعًا -مع شدة حبه- ذوي القربى، واليتامى المحتاجين الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ، والمساكين الذين أرهقهم الفقر، والمسافرين المحتاجين الذين بَعُدوا عن أهلهم ومالهم، والسائلين الذين اضطروا إلى السؤال لشدة حاجتهم، وأنفق في تحرير الرقيق والأسرى، وأقام الصلاة، وأدى الزكاة المفروضة، والذين يوفون بالعهود، ومن صبر في حال فقره ومرضه، وفي شدة القتال. أولئك المتصفون بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم، وأولئك هم الذين اتقَوا عقاب الله فتجنبوا معاصيه. في سبب نزول الآية أقوال (١): أحدها: أخرج الطبري عن قتادة: "كانت اليهود تصلي قبَل المغرب والنصارى تصلي قبل المشرق، فنزلت: ﴿ليس البر أن تولوا وُجُوهكم قبل المشرق والمغرب﴾ " (٢). الثاني: وروي عن قتادة أيضا: " ذُكر لنا أن رَجلا سأل نبي الله ﷺ عن البر فأنزل الله هذه الآية، وذُكر لنا أن نبي الله ﷺ دعا الرجل فتلاها عليه، وقد كان الرجلُ قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ثم مات على ذلك يُرْجى له ويطمع له في خير، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، وكانت اليهود تَوجَّهت قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق ﴿ولكن البر من آمنَ بالله واليوم الآخر﴾ الآية" (٣). والراجح أن الآية نزلت في اليهود والنصارى، لأنه أليق بسياق الآية إذ أن الآيات قبلها مضت بتوبيخهم ولَومهم. والله تعالى أعلم. قال ابن كثير: " إن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولا بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم حوَّلهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة الله ، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق إلى المغرب بر ولا طاعة، إن لم يكن عن أمر الله وشرعه؛ ولهذا قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية، كما قال في الأضاحي والهدايا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] " (٤). قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، "أي ليس فعلُ الخير وعملُ الصالح محصوراً في أن يتوجه الإِنسان في صلاته جهة المشرق والمغرب" (٥). قال الزجاج: " المعنى: ليس البر كله في الصلاة" (٦). قال ابن عثيمين: " ليس الخير، أو كثرة الخير، والبركة أن يولي الإنسان وجهه جهة المشرق وجهة المشرق" (٧). قال الثعلبي: " والبر هنا الإيمان والتقوى" (٨). قال الراغب: " (البر) خلاف البحر، وتصور منه التوسع فاشتق منه البر، أي: التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تعالى تارة نحو: ﴿إنه هو البر الرحيم﴾ [الطور: ٢٨]، وإلى العبد تارة، فيقال: بر العبد ربه، أي: توسع في طاعته، فمن الله تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة. وذلك ضربان: ضرب في الاعتقاد" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا﴾ البقرة: ١٧٧]، وجهان من القراءة (١٠): أحدهما: ﴿لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا﴾. بنصب الراء. قرأ بها حَمْزَة وَحده. والثاني: ﴿لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا﴾. برفع الراؤ. قرأ بها الباقون. وروى حَفْص عَن عَاصِم ﴿لَيْسَ الْبر﴾ مثل حَمْزَة، وروى هُبَيْرَة عَن حَفْص عَن عَاصِم الْوَجْهَيْنِ بِالرَّفْع وَالنّصب (١١). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، "أي: ولكنَّ البِرَّ الصحيح هو الإِيمان بالله واليوم الآخر" (١٢). قال ابن عثيمين: " أي: وإنما البر الذي يجب الاهتمام به لأنه يؤدي إلى السعادة والفلاح - يكون في الإِيمان بالله (١٣). و(الإيمان) في اللغة: "بمعنى التصديق؛ لكنه إذا قرن بالباء صار تصديقاً متضمناً للطمأنية، والثبات، والقرار؛ فليس مجرد تصديق؛ ولو كان تصديقاً مطلقاً لكان يقال: آمنه - أي صدقه؛ لكن (آمن به) مضمنة معنى الطمأنينة، والاستقرار لهذا الشيء؛ وإذا عديت باللام - مثل: ﴿فآمن له لوط﴾ [العنكبوت: ٢٦]- فمعناه أنها تضمنت معنى الاستسلام والانقياد (١٤). وقوله - تعالى: ﴿﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ... ﴾ بيان لما هو البر الذي يجب أن تتجه إليه الأفكار، وتستجيب له النفوس.

стр. 1267

وفي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧]، قراءتان (١): الأولى: ﴿ولكنِ البرُّ﴾ بالرفع؛ وعلى هذا تكون ﴿لكن﴾ مهملة غير عاملة. والثانية التي في المصحف: ﴿ولكنَّ البرَّ﴾ بتشديد نون ﴿لكنَّ﴾، فتكون عاملة. وإذا قيل: أن ﴿البر﴾ عمل؛ و ﴿من آمن﴾ عامل؛ فكيف يصح أن يكون العامل خبراً عن العمل؟ في هذا أوجه (٢): الوجه الأول: أن الآية على تقدير مضاف؛ والتقدير: ولكن البر بر من آمن بالله. ومنه قولهم: إنما الجود حاتم والشجاعة عنترة، ومعناها: الجُود جود حاتم فتستغني بذكر (حاتم) إذ كان معروفًا بالجود، من إعادة ذكر (الجود) بعد الذي قد ذكرته، فتضعه موضع (جوده)، لدلالة الكلام على ما حذفته، استغناء بما ذكرته عما لم تذكره، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [سورة يوسف: ٨٢] والمعنى: أهل القرية، وكما قال الشاعر، وهو ذو الخِرَق الطُّهَوي (٣): حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا! ... وَمَا هي، وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ يريد: بُغَامَ عنَاق، أو صوتَ عناق، كما يقال: " حسبت صياحي أخاك "، يعني به: حسبتَ صياحي صياحَ أخيك (٤). الوجه الثاني: أن الآية على سبيل المبالغة؛ وليس فيها تقدير مضاف، كأنه جعل المؤمن هو نفس البر، مثلما يقال: (رجل عدل) بمعنى أنه عادل. الوجه الثالث: أن نجعل ﴿البر﴾ بمعنى البارّ؛ فيكون مصدراً بمعنى اسم الفاعل؛ أي: ولكن البارَّ من آمن بالله. وهذا قول أي عبيدة (٥)، وذكره الفراء (٦). قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، " أي: وأن يؤمن بالملائكة والكتب والرسل" (٧). و﴿والملائكة﴾ "جمع ملَك؛ وهم عالَم غيبي خلقهم الله من نور، وذللهم لعبادته، وهم لا يستكبرون عن عبادته، ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وهم أجسام ذوو عقول؛ لقوله تعالى: ﴿جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة﴾ [البقرة: ٣٠]؛ ولقوله تعالى في وصف جبريل: ﴿إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] " (٨).

стр. 1268

و ﴿َالْكِتَابِ﴾: "المراد به الجنس؛ فيشمل كل كتاب أنزله الله على كل رسول" (١). قال ابن كثير: ﴿َالْكِتَابِ﴾، هو "اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، حتى ختمت بأشرفها، وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب، الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ الله به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين" (٢). و﴿النبيين﴾: "يدخل فيهم الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبي، ولا عكس: قال الله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ [النساء: ١٦٣] " (٣). قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧]، " أي أعطى المال على محبته له ذوي قرابته" (٤). قال الطبري: أي: " وأعطى المال - وهو له محب، حريصٌ على جمعه، شحيح به - ذَوي قَرابته فوصل به أرحامهم" (٥). عن عبد الله بن مسعود: "أي: يؤتيه وهو صَحيحٌ شحيحٌ، يأمل العيش ويخشى الفقر" (٦). قال ابن كثير: أي: "أخرجه، وهو مُحب له، راغب فيه" (٧). و(المال): "كل عين مباحة النفع سواء كان هذا المال نقداً، أو ثياباً، وطعاماً، أو عقاراً، أو أي شيء" (٨). و﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾: "أي أصحاب القرابة؛ والمراد قرابة المعطي؛ وبدأ بهم قبل كل الأصناف؛ لأن حقهم آكد؛ وقد ذكروا أن القرابة ما جمع بينك وبينهم الجد الرابع" (٩). قال ابن كثير: "وهم أولى من أعطى من الصدقة، وقد سئل ﷺ حين: أيُّ الصَّدقة أفضَل؟ قال: جُهْد المُقِلّ على ذي القَرَابة الكاشح" (١٠)، وقال أيضا: " لصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ " (١١)، فهم أولى الناس بك وببرك وإعطائك. وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير ما موضع من كتابه العزيز" (١٢).

стр. 1269

وفي قوله تعالى: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وجوه من التفسير (١): أحدها: أن يعني أعطى المال في حال صحته ومحبته إياه ونفسه به. يدل عليه قول ابن مسعود" (٢). والثاني: أنه يعني: على حب الله سبحانه (٣). والثالث: على حب الإيتاء. قاله الحسين بن أبي الفضل (٤). والرابع: وقيل: الهاء راجعة إلى المعطي أي حب المعطي (٥). قوله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي وأعطى المال أيضاً لليتامى الذين فقدوا آباءهم، والمساكين الذين لا مال لهم، والمسافر المنقطع عن ماله" (٦). و﴿وَالْيَتَامَى﴾، وهم: "الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب، وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا مَعْمَر، عن جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يُتْم بعد حُلُم" (٧) (٨). و﴿الْمَسَاكِينَ﴾: "هم: الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تُسَدُّ به حاجتهم وخلتهم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي تَرده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فَيُتَصَدق عليه" (٩) " (١٠). و﴿الْمَسَاكِينَ﴾: " جمع مسكين؛ وهو الفقير؛ سمي بذلك لأن الفقر أسكنه، وأذله؛ والفقر - أعاذنا الله منه - لا يجعل الإنسان يتكلم بطلاقة؛ هذا في الغالب؛ لأنه يرى نفسه أنه ليس على المستوى الذي يمكنه من التكلم؛ ويرى نفسه أنه لا كلمة له، كما قال النبي ﷺ : طرب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" (١١) " (١٢). قال ابن عثيمين: " واعلم أن الفقير بمعنى المسكين؛ والمسكين بمعنى الفقير؛ إلا إذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى غير الآخر (١٣)؛ فالفقير أشد حاجة، كما في آية الصدقة: ﴿إنما الصدقات للفقراء

стр. 1270

والمساكين ... ﴾ [التوبة: ٦٠]؛ لأن الله بدأ به؛ ويُبدأ بالأحق فالأحق، والأحوج فالأحوج في مقام الإعطاء؛ ويجمعهما - أعني الفقير، والمسكين - أن كلاً منهما ليس عنده ما يكفيه وعائلته من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسكن، ومنكح، ومركوب" (١). و﴿َابْنَ السَّبِيلِ﴾، هو: "المسافر المجتاز بالرَّجل، "الذي قد فرغت نفقته فيعطى ما يوصله إلى بلده، وكذا الذي يريد سفرا في طاعة، فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه" (٢). وإنما قيل للمسافر ﴿ابْنَ السَّبِيلِ﴾، لملازمته الطريق (٣) - والطريق هو (السبيل) (٤) - فقيل لملازمته إياه في سفره: (ابنه)، كما يقال لطير الماء (ابن الماء) لملازمته إياه، وللرجل الذي أتت عليه الدهور (ابن الأيام والليالي والأزمنة)، ومنه قول ذي الرمة (٥):

стр. 1271

وَرَدْتُ اعْتِسَافًا وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا ... عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ مَاءٍ مُحَلِّقُ قال العلامة ابن عثيمين: "والمسافر يكون في حاجة غالباً، فيحتاج إلى من يعطيه المال؛ ولهذا جعل الله له حظاً من الزكاة؛ فابن السبيل هو المسافر؛ وزاد العلماء قيداً؛ قالوا: المسافر المنقطع به السفر - أي انقطع به السفر؛ فليس معه ما يوصله إلى بلده؛ لأنه إذا كان معه ما يوصله إلى بلده فليس بحاجة؛ فهو والمقيم على حدٍّ سواء؛ فلا تتحقق حاجته إلا إذا انقطع به السفر" (١). واختلف أهل العلم في صفة (ابن السبيل)، وفيه ثلاثة أقوال (٢): أحدهما: أنه الضيفُ. قاله ابن عباس (٣)، سعيد بن جبير (٤)، وقتادة (٥). الثاني: أنه المسافر يمر عليك. قاله أبو جعفر (٦)، ومجاهد (٧)، وقتادة في أحد قوليه (٨)، والحسن (٩)، والضحاك (١٠)، والزهري (١١)، والربيع بن أنس (١٢)، ومقاتل بن حيان (١٣). الثالث: أنه الذي يريد سفراً ولا يجد نفقة. حكاه ابن الجوزي وأبو حيان عن الماوردي والشافعي (١٤). قوله تعالى: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، " أي: الذين يسألون المعونة بدافع الحاجة (١٥). قال الطبري: " يعني به: المستطعمين الطالبين" (١٦). قال قيس بن كركم: "سألت ابن عباس عن (السائل)، قال: الذي يسأل" (١٧). قال ابن كثير: ﴿والسائلين﴾: "وهم: الذين يتعرضون للطلب فيعطون من الزكوات والصدقات، كما قال روي: "للسائل حق وإن جاء على فرس" (١٨) " (١٩).

стр. 1272

وقال الشيخ ابن عثيمين: "وهو المستجدي الذي يطلب أن تعطيه مالاً؛ وإنما كان إعطاؤه من البر؛ لأن معطيه يتصف بصفة الكرماء؛ ولذلك كان النبي ﷺ لا يُسأل على الإسلام شيئاً إلا أعطاه؛ والسائل نوعان؛ سائل بلسان المقال: وهو الذي يقول للمسؤول: أعطني كذا؛ وسائل بلسان الحال: وهو الذي يُعَرِّض بالسؤال، ولا يصرح به، مثل أن يأتي على حال تستدعي إعطاءه" (١). وقوله تعالى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، " أي: وفي تخليص الأسرى والأرقاء بالفداء" (٢). قال سعيد بن جبير: "يعني: فكاك الرقاب" (٣). قال الطبري: " بأداء كتاباتهم التي فارقوا عليها سادَاتهم" (٤). قال ابن كثير: " وهم: المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم." (٥). قال ابن عثيمين: " أي في إعتاق الرقاب، أو فكاكها من الأسر" (٦). وفي وقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم المكاتبون، يعطون من الصدقات ما يفكون به رقابهم. وهذا اختيار أكثر المفسرين (٧). الثاني: أن المراد بها جمع رقبة، والرقبة هي: العبد الذي يشترى فيعتق، قاله ابن عباس في رواية مجاهد عنه، ومالك وأبو عبيد وأبو ثور وأحمد في إحدى الروايتين عنه (٨). الثالث: أن المراد بها فداء الأسرى (٩). والأظهر في هذه الآية الحمل على الأقوال الثلاثة جميعها، وأن الآية تشمل كل ذلك، وسبب الخلاف خلاف أهل العلم في هل يجوز إعطاء الزكاة لغير المكاتب من هؤلاء الثلاثة أم لا، فمن قال: نعم عمم، ومن قال: لا قَصَر الرقاب على المكاتبين، وعندي أن الخلاف يمكن أن يكون في آية التوبة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]، أما هذه ففيها (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ... وهو عام في الزكاة والتطوع فقصره على الزكاة وتقييد عموم اللفظ به تحكم لا وجه له. والله أعلم (١٠)، قوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: "أدام العمل بالصلاة بحدودها" (١١). قال سعيد بن جبير: " يعني وأتم الصلاة المكتوبة" (١٢)، وروي عن مقاتل بن حيان (١٣) نحو ذلك. قال الثعلبي: أي: " وأقام الصلاة المفروضة" (١٤). قال ابن كثير: " أي: وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها، وسجودها، وطمأنينتها، وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي" (١٥). قال ابن عثيمين: يعني "الإتيان بها مستقيمة؛ لأن أقام الشيء يعني جعله قائماً مستقيماً؛ وليس المراد بإقامة الصلاة الإعلام بالقيام إليها؛ واعلم أن «الصلاة» من الكلمات التي نقلها الشارع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي؛ فمعناها في اللغة: الدعاء، كما قال تعالى: ﴿وصلّ عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣] أي ادْعُ لهم بالصلاة، فقل: صلى الله عليكم؛ ولكنها في الشرع: عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم" (١٦). قوله تعالى: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: "وأعطا الزكاة على مَا فَرضها الله عليه" (١٧). قال سعيد بن جبير: " يعني: الزكاة المفروضة" (١٨). وروي عن مقاتل بن حيان (١٩) نحو ذلك. قال الثعلبي: أي: " وآتى الزكاة الواجبة" (٢٠). وذكروا في قوله تعالى: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وجهين (٢١): أحدهما: أن يكون المراد به زكاة النفس، وتخليصها من الأخلاق الدنية الرذيلة، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠] وقول موسى لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨، ١٩] وقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧]. والثاني: أن يكون المرادُ زكاة المال. قاله سعيد بن جبير (٢٢)، ومقاتل بن حيان (٢٣)، ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين إنما هو التطوع والبر والصلة؛ وجاء في الحديث أن فاطمة بنت قيس قالت: " سألت أو سئل النبي ﷺ عن الزكاة، فقال: "إن في المال لحقا سوى الزكاة"، ثم تلا هذه الآية التي في البقرة ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾، الآية" (٢٤). والقول الثاني هو الأقرب الى الصواب، وذلك لأنه أليق سبياق الآية. والله أعلم. قال الشيخ ابن عثيمين: " و (الزكاة) أيضاً من الكلمات التي نقلها الشرع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي؛ فالزكاة في اللغة من زكا يزكو - أي نما، وزاد؛ وبمعنى الصلاح؛ ومنه قوله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ [الشمس: ٩] أي أصلحها، وقومها؛ لكن في الشرع «الزكاة» هي التعبد ببذل مال واجب في مال

стр. 1273

مخصوص لطائفة مخصوصة؛ وسميت زكاة؛ لأنها تنمي الخُلق وتنمي المال، وتنمي الثواب؛ تنمي الخُلُق بأن يكون الإنسان بها كريماً من أهل البذل، والجود، والإحسان؛ وهذا لا شك من أفضل الأخلاق شرعاً، وعادة؛ وتنمي المال بالبركة، والحماية، والحفظ؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «ما نقصت صدقة من مال» (١)؛ وتزكي الثواب، كما قال تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ [البقرة: ٢٦١]؛ وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب؛ فإن الله تعالى يأخذها بيمنيه، فيربيها، كما يربي الإنسان فلوه حتى تكون مثل الجبل" (٢) " (٣) قوله تعالى ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾، "أي ومن يوفون بالعهود ولا يخلفون الوعود" (٤). قال سعيد بن حبير: " يعني: فيما بينهم وبين الناس" (٥). قال الطبري: " معناه: "والذين لا ينقضون عَهد الله بعد المعاهدة، ولكن يوفُون به ويتمُّونه على ما عاهدوا عليه من عاهدوه عليه" (٦). قال ابن عثيمين: " يعني: الموفون بعهدهم وقت العهد" (٧). وعكس هذه الصفة النفاق، كما صح في الحديث: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". وفي الحديث الآخر: "إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (٨). قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: والصابرين في حال الفقر، وفي حال المرض والأسقام، وفي حال القتال والتقاء الأعداء" (٩). قال الصابوني: "أي والصابرين على الشدائد وحين القتال في سبيل الله" (١٠). قال المراغي: " أي: والصابرين لدى الفقر والشدة، وعند الضر من مرض وفقد أهل وولد ومال، وفي ميادين القتال، ولدى الضرب والطعان ومنازلة الأقران، وخص هذه المواطن الثلاثة مع أن الصبر محمود في جميع الأحوال، لأن من صبر فيها كان في غيرها أصبر فالفقر إذا اشتدت وطأته ضاق به الصدر، وكاد يفضى إلى الكفر، والضرّ إذا برّح بالبدن أضعف الأخلاق والهمم، وفي الحرب التعرض للهلاك بخوض غمرات المنيّة والظفر مقرون بالصبر، وبالصبر يحفظ الحقّ الذي يناضل صاحبه دونه" (١١). وفي تفسير ﴿الْبَأْسَاءِ﴾ (١٢) [البقرة: ١٧٧]، قولان:

стр. 1274

أحدهما: أنه الفقر. قاله عبدالله (١)، وروي عن ابن عباس وأبي العالية والحسن في أحد قوليه وسعيد بن جبير ومرة الهمداني ومجاهد وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٢). والثاني: أنه البلاء. قاله الحسن (٣). واختلف في قوله: ﴿الضَّرَّاءِ﴾ (٤) [البقرة: ١٧٧]، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه السقم. قاله السدي (٥)، وروي عن ابن عباس وأبي العالية ومرة وأبي مالك والحسن ومجاهد والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، والضحاك نحو ذلك (٦). الثاني: أنه الأمراض والجوع. قاله الحسن (٧). الثالث: أنه البلاء والشدة. قاله سعيد بن جبير (٨). وروي عن عبد الله: ﴿وحين البأس﴾، قال: حين القتال" (٩). وروي عن سعيد بن جبير والحسن ومجاهد وأبي العالية وقتادة ومرة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس وأبي مالك نحو ذلك (١٠). فهؤلاء الموصوفون: في حال الفقر؛ لا يحملهم فقرهم على الطمع في أموال الناس، ولا يشكون أمرهم لغير الله؛ بل يصبرون عن المعصية: لا يسرقون، ولا يخونون، ولا يكذبون، ولا يغشون؛ ولا تحملهم الضراء - المرض، وما يضر أبدانهم - على أن يتسخطوا من قضاء الله وقدره؛ بل هم دائماً يقولون بألسنتهم وقلوبهم: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً؛ كذلك حين البأس يصبرون، ولا يولون الأدبار - وهذا صبر على الطاعة؛ فتضمنت هذه الآية: ﴿الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس﴾ الصبر بأنواعه الثلاثة: الصبر عن المعصية؛ وعلى الأقدار المؤلمة؛ وعلى الطاعة؛ والترتيب فيها للانتقال من الأسهل إلى الأشد. قال الحافظ ابن حجر: إن" الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلة في مسمى ﴿البر﴾، كما هي داخلة في مسمى الإِيمان" (١١).

стр. 1275

و (الصبر) في اللغة: " الحبس؛ ومنه قولهم: فلان قُتل صبراً - أي حبساً؛ وأما في الشرع فإنه حبس النفس على طاعة الله، أو عن معصيته، أو على أقداره المؤلمة" (١). ومعنى (البأس) في اللغة: "الشدة، يقال: لا بأس عليكم في هذا، أي: لا شدة ولا حرج، ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]، شديد، ثم تسمى الحرب بأساء لما فيها من الشدة، والعذاب يسمى بأسًا لشدته، قال الله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤] وقال: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء: ١٢] وقال: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩] كل هذا معناه: العذاب" (٢). وقد اختلف أهل العربية في ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، على أقوال (٣): أحدها: أن ﴿البأساء والضراء﴾، مصدر جاء على (فعلاء) ليس له (أفعل)، لأنه اسم، كما قد جاء (أفعل) في الأسماء ليس له (فعلاء)، نحو (أحمد)، وقد قالوا في الصفة (أفعل)، ولم يجيء له (فعلاء)، فقالوا: أنت من ذلك أوْجل، ولم يقولوا: (وجلاء). والثاني: أنه اسم للفعل، فإن (البأساء): البؤس، و (الضراء): الضر، وهو اسم يقع إن شئت لمؤنث، وإن شئت لمذكر، كما قال زهير (٤): فَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ، كُلُّهُمْ ... كَأَحْمَرِ عَادٍ، ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ يعني فتنتج لكم غلمان شؤم. والثالث: أنه اسم قام مقام المصدر، والدليل على ذلك قوله: لئن طَلبت نُصرتهم لتجدنَّهم غير أبعدَ (٥)، بغير إجراء، وقال: إنما كان اسما للمصدر، لأنه إذا ذُكر علم أنه يُراد به المصدر. وفي نصب: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أقوال: أحدها: أنه منصوب بفعل محذوف، والتقدير: وأخص الصابرين أو وأعني الصابرين. والبلاغة من هذا أنه إذا تغير أسلوب الكلام كان ذلك أدعى للانتباه؛ فإن الإنسان إذا قرأ الكلام على نسق واحد لم يحصل له انتباه، كما يحصل عند تغير السياق، ويسمى في العربية بالتحول الأسلوبي، فهو يلفت انتباه القارئ الى النص (٦). والثاني: أنه منصوب على تطاول الكلام، ومن شأن العرب أن في تعير الاعراب إذا طال الكلام قاله أبو عيد (٧).

стр. 1276

الثالث: أنه منصوب عطفًا على ﴿السائلين﴾ (١). ومعنى الآية: وآتى المال على حبه ذَوي القربَى واليتامَى والمساكين، وابنَ السبيل والسائلينَ والصابرين في البأساء والضراء. قال الطبري: " وهذا باطل، لأن ظاهر كتاب الله يدلّ على خطأ هذا القول " (٢). الرابع: أنه منصوب على قوله: ﴿ذي القربى﴾، والتقدير: وآتى المال على حبه ذوي القربي والصابرين. وهذا قول الكسائي (٣). الخامس: أنه منصوب على المدح، والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كانهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه بأول الكلام فينصبونه. قاله الخليل (٤)، والفراء (٥)، واختاره الطبري (٦)، وابن كثير (٧). ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، نص عليه سيبويه (٨)، وكما قال الشاعر (٩): إلَى المَلِكِ القَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثَ الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَمْ وَذَا الرَّأْيِ حِينَ تُغَمُّ الأمُورُ ... بِذَاتِ الصَّلِيلِ وذَاتِ اللُّجُمْ فنصب " ليث الكتيبة " وذا " الرأي " على المدح، والاسم قبلهما مخفُوضٌ لأنه من صفة واحد، ومنه قول الآخر (١٠): فَلَيْتَ الَّتِي فِيهَا النُّجُومُ تَوَاضَعَت ... عَلَى كُلِّ غَثٍّ مِنْهُمُ وسَمِينِ غيُوثَ الوَرَى فِي كُلِّ مَحْلٍ وَأَزْمَةٍ ... أُسُودَ الشَّرَى يَحْمِينَ كُلَّ عَرِينِ وقول الآخر (١١): لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ... سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْر النازلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطيبين معاقِدَ الأزْرِ فنصبوا (النازلين) و (الطيبين) على المدح (١٢).

стр. 1277

وقول الآخر (١): إلى الملك القَرْمِ وابنِ الهمام ... وليثَ الكتيبةِ في المُزْدَحمْ فنصب (ليثَ الكتيبة) على المدح، والاسم قبله مخفوض. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ "أي: أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم" (٢). قال ابن كثير: " أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صَدَقوا في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا" (٣). قال المراغي: " أي وأولئك هم الذين جعلوا بينهم وبين سخط الله وقاية، بالبعد عن المعاصي التي توجب خذلان الله في الدنيا، وعذابه في الآخرة" (٤). قال ابن عثيمين: " أي صدقوا الله، وصدقوا عباده بوفائهم بالعهد، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك؛ والصدق هو مطابقة الشيء للواقع؛ فالمخبر بشيء إذا كان خبره موافقاً للواقع صار صادقاً؛ والعامل الذي يعمل بالطاعة إذا كانت صادرة عن إخلاص، واتباع صار عمله صادقاً؛ لأنه ينبئ عما في قلبه إنباءً صادقاً، وهذه شهادة من الله ؛ وهي أعلى شهادة؛ لأنها شهادة من أعظم شاهد ؛ والمشار إليهم كل من اتصف بهذه الصفات؛ والإشارة بالبعيد لما هو قريب لأجل علو مرتبتهم" (٥). أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية: " ﴿أولئك الذين صدقوا﴾، يقول: تكلموا بكلام الإيمان وحققوا بالعمل. قال الربيع: فكان الحسن يقول: الإيمان كلام، فحقيقته العمل فإن لم يحقق القول بالعمل لم ينفعه القول" (٦). وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك (٧). وروي عن مقاتل بن حيان: ﴿أولئك الذين صدقوا﴾: إيمانهم وصبروا على طاعة ربهم" (٨). قال ابن أبي حاتم: " وفي رواية محمد بن مزاحم زيادة، يعني: النبي ﷺ وأصحابه" (٩). قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: " وأولئك هم الكاملون في التقوى" (١٠). قال سعيد بن جبير: " يعني: الذين فعلوا ما ذكر الله في هذه الآية، هم الذين صدقوا يعني المتقون" (١١). قال ابن كثير: " لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات" (١٢). قال ابن عثيمين: " أي: هم القائمون بالتقوى، فهؤلاء الموصوفون قد جمعوا بين البر والتقوى؛ البر: بالصدق؛ والتقوى: بهذا الوصف: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؛ وإنما قلنا: إن الصدق بر؛ لقول النبي ﷺ : "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر؛ وإن البر يهدي إلى الجنة" (١٣)؛ فجمعوا بين البر والتقوى؛

стр. 1278

فهذا ما أمر الله به في قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢]؛ وكرر الإشارة مرة ثانية من باب التأكيد، والمدح، والثناء كأن كل جملة من هاتين الجملتين مستقلة" (١). و(التقوى): "هي اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في تعريف التقوى" (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن البر حقيقة هو الإيمان بالله ... إلخ؛ والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده؛ والإيمان بربوبيته؛ والإيمان بألوهيته؛ والإيمان بأسمائه، وصفاته: أما الإيمان بوجوده: فإنه دل عليه الشرع، والحس، والعقل، والفطرة: أ - دلالة الشرع على وجوده واضحة من إرسال الرسل، وإنزال الكتب. ب - دلالة الحس: فإن الله يدعى، ويجيب؛ وهذا دليل حسي على وجوده ﵎، كما في سورة الأنبياء، وغيرها من إجابة دعوة الرسل فور دعائهم، كقوله تعالى: ﴿ونوحاً إذا نادى من قبل فاستجبنا له﴾ [الأنبياء: ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤]. ج - دلالة العقل: أنّ ما من حادث إلا وله محدث، كما قال : ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ [الطور: ٣٥]؛ هذا الكون العظيم بما فيه من النظام، والتغيرات، والأحداث لا بد أن يكون له موجِد مُحدِث يحدث هذه الأشياء - وهو الله ؛ إذ لا يمكن أن تَحدث بنفسها؛ لأنها قبل الوجود عدم؛ والعدم - كاسمه لا وجود له؛ ولا يمكن أن يحدثها مخلوق لِما فيها من العظم والعبر. د - دلالة الفطرة: فإن الإنسان لو ترك وفطرته لكان مؤمناً بالله؛ والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤]؛ حتى غير الإنسان مفطور على معرفة الرب . وأما الإيمان بربوبيته: فهو الإيمان بأنه وحده الخالق لهذا الكون المالك له المدبر له؛ وقد دل عليه ما سبق من الأدلة على وجوده؛ وقد أقر بذلك المشركون، كما في قوله تعالى: ﴿قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله﴾؛ إلى غيرها من الآيات الكثيرة. وأما الإيمان بألوهيته: فهو الإيمان بأنه لا إله في الوجود حق إلا الله وكل ما سواه من الآلهة باطلة، كما قال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾ [الحج: ٦٢]، فالله هو الإله الحق. وأما الإيمان بأسمائه، وصفاته: فهو الإيمان بما أثبته الله لنفسه، أو أثبتته له رسله من الأسماء والصفات إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل على حد قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]؛ وقوله تعالى: ﴿ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم﴾ [النحل: ٦٠] ووجه الدلالة: تقديم الخبر في الآيتين؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. ٢ - ومن فوائد الآية: أن طاعة الله من البر. ٣ - ومنها: أن الإيمان باليوم الآخر من البر؛ ويشمل كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، كفتنة القبر، ونعيمه، وعذابه، وقيام الساعة، والبعث، والحساب، والصراط، والميزان، والكتب

стр. 1279

باليمين، أو الشمال، والجنة، وما ذُكر من نعيمها، والنار، وما ذكر من عذابها، وغير ذلك مما جاء في الكتاب، والسنة عن هذه الأمور مفصلاً أحياناً، ومجملاً أحياناً. والإيمان باليوم الآخر يستلزم الاستعداد له بالعمل الصالح، ولهذا يقرن الله الإيمان أن يقوم العبد بطاعته ؛ فالذي يقول: إنه مؤمن باليوم الآخرة، ولكن لا يستعد له فدعواه ناقصة؛ ومقدار نقصها بمقدار ما خالف في الاستعداد؛ كما أنه لو قيل مثلاً لإنسان عنده حَبٌّ: إنه سينزل اليوم مطر، فظلَّل الحَبّ؛ معلوم أن الذي لا يؤمن بهذا الكلام لن يغطيه؛ كذلك لو قيل: سيأتي اليوم عدو، فشدد في الحراسة؛ إذا آمن بأنه سيأتي عدو شدَّد في الحراسة بجميع ما يمكن؛ فإذا لم يشدد في الحراسة علمنا أنه لم يؤمن به. ٤ - ومن فوائد الآية: أن الإيمان بالملائكة من البر؛ ويشمل الإيمان بذواتهم، وصفاتهم، وأعمالهم إجمالاً فيما علمناه إجمالاً، وتفصيلاً فيما علمناه تفصيلاً؛ واعلم أن الملائكة - عليهم الصلاة السلام - منهم من عُين لنا، وعرفناه باسمه؛ ومنهم من لم يعين؛ فمن عين لنا وجب علينا أن نؤمن باسمه كما عين، مثل «جبريل» ﵇؛ وإسرافيل؛ ومالك - خازن النار -؛ ومنكر ونكير إن صح الحديث بهذا اللفظ (١) - ففيه نظر -؛ وميكائيل؛ وملك الموت - ولكننا لا نعرف اسمه؛ بعض الناس يقولون: عزرائيل؛ ولكن لم يصح هذا؛ وهاروت، وماروت؛ ثم كذلك أعمالهم منهم من علمنا أعماله؛ ومنهم من لم نعلم؛ لكن علينا أن نؤمن على سبيل الإطلاق بأنهم عباد مكرمون، وممتثلون لأمر الله ، لهم نصيب من تدبير الخلق بإذن الله؛ منهم الموكل بالقطر، والبنات؛ والموكل بالنفخ في الصور؛ وفيهم ملائكة موكلة بالأجنة؛ وملائكة موكلة بكتابة أعمال بني آدم؛ وملائكة موكلة بحفظ بني آدم؛ كما قال تعالى: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد: ١١]؛ لكن كل هذا بأمر الله وبإذنه؛ وليس لهم منازعة لله ، ولا معاونة في أي شيء من الكون؛ قال الله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣ فنفى جميع ما يتعلق به المشركون: ﴿لا يملكون مثقال ذرة﴾ [سبأ: ٢٢] انفراداً؛ ﴿وما لهم فيهما من شرك﴾ [سبأ: ٢٢] مشاركة؛ ﴿وما له منهم من ظهير﴾ [سبأ: ٢٢] معاونة؛ ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سبأ: ٢٣]: فنفى الشفاعة، والوساطة إلا بإذنه، ثم قال تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ [سبأ: ٢٣]: وهم الملائكة إذا سمعوا الوحي صعقوا؛ فليس لهم أي شيء في التصرف في الكون؛ لكنهم يمتثلون أمر الله . ٥ - ومن فوائد الآية: أن الإيمان بالكتب من البر؛ وكيفيته أن نؤمن بأن كل كتاب أنزله الله على أحد من رسله فهو حق: صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام؛ ولكننا لا نكلف بالعمل بما فيها فيما جاءت شريعتنا بخلافه؛ واعلم أنه ما من رسول إلا معه كتاب؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ [الحديد: ٢٥] أي مع هؤلاء الرسل، وقوله تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ فما من رسول إلا معه كتاب؛ والكتب المعروفة لدينا هي التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى، والقرآن الكريم؛ وصحف موسى اختلف العلماء أهي التوراة أو غيرها، فمنهم من قال: إنها غيرها؛ ومنهم من قال: إنها هي؛ وأما ما لم نعلم به فنؤمن به إجمالاً؛ فتقول بقلبك، ولسانك: آمنت بكل كتاب أنزله الله على كل

стр. 1280

رسول؛ ثم إن المراد أن نؤمن بأن الله أنزل على موسى كتاباً يسمى التوراة؛ وعلى عيسى كتاباً يسمى الإنجيل؛ وعلى داود كتاباً يسمى الزبور؛ أما أن تؤمن بالموجود منها الآن فليس بواجب عليك؛ لأنه محرف، ومغير، ومبدل؛ لكن تؤمن بأن له أصلاً نزل على هؤلاء الرسل. ٦ - ومن فوائد الآية: أن الإيمان بالنبيين من البر؛ فنؤمن بكل نبي أوحى الله إليه؛ فمن علمنا منهم نؤمن به بعينه؛ والباقي إجمالاً؛ وقد ورد في حديث صححه ابن حبان أن عدة الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر رسولاً؛ وأن عدة الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفاً (١)؛ فإن صح الحديث فهو خبر معصوم يجب علينا الإيمان به؛ وإن لم يصح فإن الله تعالى يقول: ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ [غافر: ٧٨]؛ ونحن لا نكلف الإيمان إلا بما بلغنا؛ فالذين علمناهم من الرسل يجب علينا أن نؤمن بهم بأعيانهم؛ والذين لم نعلمهم نؤمن بهم إجمالاً، كما قال تعالى: ﴿كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾ [البقرة: ٢٨٥]؛ وقد ذكر في القرآن أربعة وعشرون رسولاً؛ قال تعالى: ﴿ووهبنا له﴾ [الأنعام: ٨٤] أي إبراهيم: ﴿إسحاق ويعقوب كلًّا هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلًّا فضلنا على العالمين﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٦]؛ فهؤلاء ثمانية عشر؛ ويبقى شعيب، وصالح، وهود، وإدريس، وذو الكفل، ومحمد ﷺ . ٧ - ومن فوائد الآية: أن إعطاء المال على حبه من البر؛ وكان ابن عمر ﵄ إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به وقال: إن الله يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]؛ وعندما سمع أبو طلحة هذه الآية تصدق ببستانه الذي هو أحب شيء إليه من ماله؛ لا لأنه بستانه فقط؛ ولكن لأن الرسول ﷺ كان يأتي إليه، ويشرب فيه من ماء طيب، وكان قريباً من مسجد الرسول ﷺ ؛ ولما نزلت الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ ذهب إلى الرسول ﷺ وقال: "يا رسول الله، إن الله أنزل هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾؛ وإن أحب مالي إليّ «بيرُحاء»؛ وإني أضعها صدقة إلى الله ورسوله؛ فقال النبي ﷺ : بخ! بخ! ذاك مال رابح! ذاك مال رابح! أرى أن تجعله في الأقربين" (٢). ٨ - ومن فوائد الآية: أن إعطاء ذوي القربى أولى من إعطاء اليتامى، والمساكين؛ لأن الله بدأ بهم، فقال تعالى: ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى﴾؛ فلو سأل سائل: هل الأفضل أن أعطي القرابة، أو اليتامى؟ لقلنا: أعطِ القرابة؛ اللهم إلا إن يكون هناك ضرورة في اليتامى ترجح إعطاءهم؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ تقديم صلة الرحم على العتق (٣)؛ واعلم أن الحكم إذا علق بوصف تختلف أفراده فيه قوة وضعفاً،

стр. 1281

فإنه يزداد قوة بقوة ذلك الوصف؛ فإذا كان معلقاً بالقرابة فكل من كان أقرب فهو أولى؛ وأقرب الناس إليك، وأحقهم بالبر: أمك، وأبوك. ٩ - ومن فوائد الآية: أن لليتامى حقاً؛ لأن الله امتدح من آتاهم المال؛ لقوله تعالى: ﴿واليتامى﴾ سواء كانوا فقراء، أم أغنياء. ١٠ - ومنها: إثبات رحمة الله ، حيث ندب إلى إتيان المال لليتامى، والمساكين؛ لأن هذا لا شك من الرحمة بهم. ١١ - ومنها: أن لابن السبيل حقاً - ولو كان غنياً في بلده. ١٢ - ومنها: أن إعطاء السائل من البر - وإن كان غنياً؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والسائلين﴾. فإذا قال قائل: إذا كان مؤتي المال للسائلين من أهل البر فكيف يتفق، والتحذير من سؤال الناس؟ فالجواب: أنه لا معارضة؛ لأن الجهة منفكة؛ فالممدوح: المعطي؛ والمحذَّر: السائل المعطى؛ فإذا انفكت الجهة فلا تعارض؛ فلو رأيت مبتلى بهذه المهنة - وهي مهنة سؤال الناس - فأعطه إذا سألك، ثم انصحه، وحذره؛ لتكون مؤتياً للمال، وناصحاً للسائل؛ لأن بعض الناس - والعياذ بالله - نعلم علم اليقين - أو يغلب على الظن المؤكد - أنه غني؛ وإنما سأل الناس تكثراً؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أن: «من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً؛ فليستقل، أو ليستكثر» (١)؛ وأن «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم» (٢). ١٣ - ومن فوائد الآية: أن إعتاق الرقاب من البر؛ لقوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾؛ والمال المبذول في الرقاب لا يعطى الرقبة؛ وإنما يعطى مالك الرقبة؛ فلهذا أتى بـ ﴿في﴾ الدالة على الظرفية؛ والرقاب ذكر أهل العلم أنها ثلاثة أنواع: أ - عبد مملوك تشتريه، وتعتقه. ب - مكاتب اشترى نفسه من سيده، فأعنته في كتابته. ج - أسير مسلم عند الكفار، فافتديته؛ وكذلك لو أسر عند غير الكفار، مثل الذين يختطفون الآن - والعياذ بالله؛ إذا طلب المختطفون فدية فإنه يفك من الزكاة؛ لأن فيها فك رقبة من القتل. ١٤ - ومنها: أن إقامة الصلاة من البر؛ لقوله تعالى: ﴿وأقام الصلاة﴾. ١٥ - ومنها: أن إيتاء الزكاة للمستحقين لها من البر. ١٦ - ومنها: الثناء على الموفين بالعهد، وأن الوفاء به في البر؛ والعهد عهدان: عهد مع الله ؛ وعهد مع الخلق. فالعهد الذي مع الله بينه بقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله تعالى: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [المائدة: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة: ٤٠]؛ فالعهد الذي عهد الله به إلينا أن نؤمن به رباً، فنرضى بشريعته؛ بل بأحكامه الكونية، والشرعية؛ هذا العهد الذي بيننا، وبين ربنا.

стр. 1282

أما العهد الذي بيننا، وبين الناس فأنواعه كثيرة جداً غير محصورة؛ منها العقود، مثل عقد البيع، وعقد الإجارة، وعقد الرهن، وعقد النكاح، وغير ذلك؛ لأنك إذا عقدت مع إنسان التزمت بما يقتضيه ذلك العقد؛ إذاً فكل عقد فهو عهد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]، وقال تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ ومن العهود بين الخلق؛ ما يجري بين المسلمين وبين الكفار؛ وهو ثلاثة أنواع: مؤبد؛ ومقيد؛ ومطلق؛ فأما المؤبد فلا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى إبطال الجهاد؛ وأما المقيد فبحسب الحاجة - وإن طالت المدة على القول الراجح - لأنه عهد دعت إليه الحاجة؛ فيتقيد بقدرها؛ وقيل: لا تجوز الزيادة فيه على عشرة سنوات؛ لأن الأصل وجوب قتال الكفار، وأبيح العهد في عشر سنوات تأسياً برسول الله ﷺ في صلح الحديبية؛ والصحيح الأول؛ ويجاب عن عهد الحديبية بأن الحادثة لا تقتضي الزيادة؛ وأما المطلق فهو الذي لم يؤبد، ولم يحدد؛ وهو جائز على القول الراجح عند الحاجة إليه؛ فمتى وجد المسلمون الحاجة إليه عقدوه؛ وإذا زالت الحاجة عاملوا الكفار بما تقتضيه الحال؛ ولا حجة للكفار فيه؛ لأنه مطلق. والمعاهدون من الكفار لهم ثلاث حالات؛ الحال الأولى: أن يستقيموا لنا؛ الحالة الثانية: أن يخونوا؛ الحال الثالثة: أن نخاف منهم الخيانة؛ فإن استقاموا لنا وجب علينا أن نستقيم لهم؛ ولا يمكن أن نخون أبداً؛ لقوله تعالى (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين) [التوبة: ٧]؛ وإن خانوا انقض عهدهم، ووجب قتالهم؛ لقوله تعالى: (وإن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم) [التوبة: ١٢]؛ وإن خفنا منهم الخيانة وجب أن ننبذ إليهم عهدهم على سواء؛ لقوله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال: ٥٨]: نخبرهم أن لا عهد بيننا ليكونوا على بصيرة؛ ومن العهد أيضاً ما يقع بين الإنسان وبين غيره من الالتزامات غير العقود، مثل الوعد؛ فإن الوعد من العهد؛ ولهذا اختلف أهل العلم هل يجب الوفاء بالوعد، أو لا يجب؛ والصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجب الوفاء بالوعد؛ لأنه داخل في العهد، ولأن إخلاف الوعد من علامات النفاق؛ وإذا كان كذلك فلا يجوز للمؤمن أن يتحلى بأخلاق المنافقين. ١٧ - ومن فوائد الآية: أن الصبر من البر؛ وهو ثلاثة أنواع: الأول: الصبر على طاعة الله، بأن يتحمل الصبر على الطاعة من غير ضجر، ولا كراهة. الثاني: الصبر عن معصية الله، بأن يحمل نفسه على الكف عن معصية الله إذا دعته نفسه إليها. الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة التي لا تلائم الطبيعة بأن لا يتسخط من المقدور، ولا يتضجر؛ بل يحبس نفسه عن ذلك: قال الله تعالى: ﴿وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمه وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. وأعلى هذه الأنواع: الصبر على طاعة الله؛ لأن فيه تحملاً، ونوعاً من التعب بفعل الطاعة؛ ثم الصبر عن المعصية؛ لأن فيه تحملاً، وكفاً عن المعصية؛ والكف أهون من الفعل؛ ثم الصبر على أقدار الله المؤلمة، لأنه على شيء لا اختيار للعبد فيه، ولهذا قيل: «إمّا أن تصبر صبر الكرام، وإمّا أن تسلوَ سلوّ البهائم». ١٨ - ومن فوائد الآية: أن ما ذُكر هو حقيقة الصدق مع الله، ومع الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك الذين صدقوا﴾؛ فصدقهم مع الله، حيث قاموا بهذه الاعتقادات النافعة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين؛ وأنهم أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وبذلوا المحبوب في هذه الجهات؛ وأما صدقهم مع الخلق يدخل في قوله تعالى: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾؛ وهذا من علامات الصدق؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أولئك الذين صدقوا﴾؛ فصدقوا في اعتقاداتهم، وفي معاملاتهم مع الله، ومع الخلق. ١٩ - ومن فوائد الآية أن ما ذكر من تقوى الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وأولئك هم المتقون﴾؛ وسبق أنها إذا جمعت مع البر صارت التقوى ترك المحرمات، وصار البر فعل المأمورات؛ وإذا افترقا دخل أحدهما في

стр. 1283

الآخر؛ وفي هذه الآية قال تعالى: ﴿وأولئك هم المتقون﴾ مع أنهم قائمون بالبر؛ فدل هذا على أن القيام بالبر من التقوى؛ لأن حقيقة الأمر أن القائم بالبر يرجو ثواب الله، ويخشى عقاب الله. ٢٠ - ومنها: أن هؤلاء فقط هم المتقون؛ ونفهم ذلك من الحصر وطريقه هنا أمران: أ - تعريف طرفي الجملة. ب - ضمير الفصل. تنبيه: ظاهر الآية الكريمة العموم في إتيان المال لهؤلاء المذكورين في الآية: القرابة، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والسائلين، وفي الرقاب؛ فظاهر الآية العموم للمسلمين، والكافرين؛ لكنه غير مراد؛ بل هي خاصة بالمسلم؛ وأما الكافر فلا بأس من بره، والإحسان إليه بشرط أن يكون ممن لا يقاتلوننا في ديننا، ولم يخرجونا من ديارنا؛ لقوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ [الممتحنة: ٨]؛ وعلى هذا فإذا كان الكافر يقاتلنا بنفسه بأن يكون هذا الرجل المعين مقاتلاً، أو يقاتلنا حكماً، مثل أن يكون من دولة تقاتل المسلمين فإنه لا يجوز بره، ولا إعطاؤه المال؛ لأنه مستعد حكماً للقتال: إذا أمرته دولته بقتال فإنه يلبي؛ وما دام حرباً للمسلمين فإنه يريد إعدام المسلمين، وليس أهلاً للإحسان إليه. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨] التفسير: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه فرض الله عليكم أن تقتصوا من القاتل عمدا بقتله، بشرط المساواة والمماثلة: يُقتل الحر بمثله، والعبد بمثله، والأنثى بمثلها. فمن سامحه ولي المقتول بالعفو عن الاقتصاص منه والاكتفاء بأخذ الدية -وهي قدر مالي محدد يدفعه الجاني مقابل العفو عنه- فليلتزم الطرفان بحسن الخلق، فيطالب الولي بالدية من غير عنف، ويدفع القاتل إليه حقه بإحسان، مِن غير تأخير ولا نقص. ذلك العفو مع أخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة بكم؛ لما فيه من التسهيل والانتفاع. فمَن قتل القاتل بعد العفو عنه وأَخْذِ الدية فله عذاب أليم بقتله قصاصًا في الدنيا، أو بالنار في الآخرة. اختلف في سبب نزول الآية على أقوال: أحدها: قال الشعبي: " نزلت قي قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا قتال عُمِّيَّة، فقالوا: نقتل بعبدنا فلانَ ابن فلان، وبفلانة فلانَ بن فلان، فأنزل الله: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ " (١). وروي عن قتادة (٢)، وعامر (٣)، ومجاهد (٤) نحو ذلك. الثاني: وقال أبو مالك: " كان بين حيين من الأنصار قتالٌ، كان لأحدهما على الآخر الطَّوْلُ، فكأنهم طلبوا الفضْل. فجاء النبي ﷺ ليصلح بينهم، فنزلت هذه الآية: ﴿الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبد والأنثى

стр. 1284

بالأنثى﴾، فجعل النبي ﷺ الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى (١) ". وروي عن السدي (٢)، والشعبي (٣)، نحوه. الثالث: وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ من الله تعالى ذكره بمقاصَّة دية الحرّ ودية العبد، ودية الذكر ودية الأنثى، في قتل العمد - إن اقتُصَّ للقتيل من القاتل، والتراجع بالفضل والزيادة بين ديتي القتيل والمقتص منه، وهذا قول الربيع (٤)، والحسن (٥)، والشعبي (٦). الرابع: وقال ابن عباس: " وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، فأنزل الله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾، فجعل الأحرار في القصاص سَواءً فيما بينهم، في العمد رجالهم ونساؤُهم، في النفس وما دون النفس. وجعل العبيد مستوين فيما بينهم في العمد، في النفس وما دون النفس، رجالهم ونساؤُهم" (٧). والصواب: أن الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصة أمر النبي ﷺ أن يجعل ديات قتلاهم قصَاصًا بعضها من بعض، كما قاله السدي. والله أعلم. قال الإمام الطبري: " وقد تظاهرت الأخبار عن رَسول الله ﷺ بالنقل العامِّ: أن نفس الرجل الحر قَوَدٌ قصَاصًا بنفس المرأة الحرة. فإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأمَّة مختلفة في التراجع بفضل مَا بين دية الرجل والمرأة - على ما قد بَيَّنا من قول عليّ وغيره - كان واضحًا فسادُ قول من قال بالقصاص في ذلك. والتراجع بفضل ما بين الديتين، بإجماع جميع أهل الإسلام: على أن حرامًا على الرجل أن يتلف من جَسده عضوًا بعوض يأخذه على إتلافه، فدعْ جميعَه وعلى أن حرامًا على غيره إتلاف شيء منه - مثل الذي حُرِّم من ذلك - بعوَض يُعطيه عليه، فالواجب أن تكون نفسُ الرجل الحر بنفس المرأة الحرة قَوَدًا، وإذ كان ذلك كذلك، كان بيّنًا بذلك أنه لم يرد بقوله تعالى ذكره: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ أن لا يقادَ العبدُ بالحرّ، وأن لا تُقتل الأنثى بالذكر ولا الذكر بالأنثى، وإذْ كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أن الآية معنيٌّ بها أحد المعنيين الآخرين. إمّا قولنا: من أنْ لا يُتَعدَّى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني، فيؤخذ بالأنثى الذكر وبالعبد الحر. وإمّا القول الآخر: وهو أن تكون الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصة أمِرَ النبي ﷺ أن يجعل ديات قتلاهم قصَاصًا بعضها من بعض، كما قاله السدي ومن ذكرنا قوله (٨).

стр. 1285

وقد أجمع الجميع - لا خلاف بينهم - على أن المقاصَّة في الحقوق غير واجبة، وأجمعوا على أن الله لم يقض في ذلك قضاء ثم نَسخه. وإذ كان كذلك، وكان قوله تعالى ذكره: ﴿كُتب عليكم القصَاص﴾ ينبئ عن أنه فَرضٌ، كان معلومًا أن القول خلافُ ما قاله قائل هذه المقالة. لأن ما كان فرضًا على أهل الحقوق أن يفعلوه، فلا خيارَ لهم فيه. والجميع مجمعون على أنّ لأهل الحقوق الخيارَ في مقاصَّتهم حقوقهم بعضَها من بعض. فإذْ تبيَّنَ فسادُ هذا الوجه الذي ذكرنا، فالصحيح من القول في ذلك هو ما قلنا" (١). وأجمع المفسرون على نسخ قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، واختلفوا في ناسخها على أقوال (٢): أحدها: قال العراقيون وجماعة: ناسخها الآية التي في المائدة وهي قوله تعالى ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ الآية فإن قيل هذا كتب على بني إسرائيل كيف يلزمنا حكمه فالجواب على ذلك أن آخر الآية ألزمنا ذلك وهو قوله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾. الثاني: وقال الحجازيون وجماعة: إن ناسخها الآية التي في بني إسرائيل وهي قوله تعالى ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل﴾ وقتل المسلم بالكافر إسراف وكذلك قتل الحر بالعبد لا يجوز عند جماعة من الناس. الثالث: وقال العراقيون يجوز، واحتجوا بحديث ابن البيلماني أن النبي ﷺ قتل مسلما بكافر معاهد وقال: "أنا أحق من وفي بعهده" (٣)، وتمسكوا أيضا بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. قال الحافظ ابن حجر: " والآية المذكورة أصل في اشتراط التكافؤ في القصاص (٤)، وهو قول الجمهور (٥) " (٦). والأظهر هو قول الجمهور، ويمكن أن يجاب عن استدلال الكوفيين بآية المائدة بالنسبة لقتل الحر بالعبد بأجوبة منها: أولا: أن آية المائدة، حكاية لشريعة بني إسرائيل لقوله في أولها ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ بخلاف هذه الآية-أي: آية البقرة-فإنها خطاب لأمة محمد ﷺ ، وشريعة من قبلنا إنما تلزمنا إذا لم يثبت في شرعنا ما يخالفها، وهنا قد ثبت المخالف. ثالنيا: لو ثبت أن الآيتين تشريع لنا فإن آية البقرة مفسرة لما أبهم في آية المائدة، أو تكون آية المائدة مطلقة وآية البقرة مقيدة والمطلق يحمل على المقيد. أما بالنسبة لاستدلالهم بها على قتل المسلم بالكافر فيجاب عن

стр. 1286

ذلك بأن عمومها مخصص بحديث علي-﵁-عند البخاري وفيه: "وأن لا يقتل مسلم بكافر" (١)، وغيره من الأحاديث الثابتة الدالة على ذلك. على أن الخلاف بين الفريقين هو في قتل المسلم بالمعاهد، أما الحربي فمحل إجماع على عدم قتل المسلم به. والله أعلم (٢). قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٧٨]، " أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله" (٣). قال الصابوني: " هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه" (٤). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٥). قال ابن عثيمين: " تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان؛ قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأرعها سمعك- يعني استمع لها-؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٦) " (٧). قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، " أي: فرض عليكم أن تقتصوا للمقتول من قاتله بالمساواة دون بغي أو عدوان" (٨). قال الطبري: أي: " كتب عليكم في اللوح المحفوظ القصَاصُ في القتلى، فَرضًا، أن لا تقتلوا بالمقتول غير قاتله" (٩). قال ابن عثيمين: "وسمي الفرض مكتوباً؛ لأن الكتابة تثَبِّت الشيء، وتوثقه؛ قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢] " (١٠). قال الراغب: "ويعبر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والفرض والعزم، بالكتابة، ووجه ذلك: أن الشيء يراد، ثم يقال، ثم يكتب، فالإرادة مبدأ، والكتابة منتهى، ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى" (١١). وجاءت كلمة ﴿كتب﴾، في القرآن على وجوه (١٢): أحدها: المعنى المعجمي للكلمة، وهو الكتابة. الثاني: بمعنى: فُرض وأُوجب، كما في الآية موضع التفسير، وكقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠]. وفي اللغة العربية قد تأتي كلمة (فرض) بمعنى (كتب)، وهذا وارد في كلام العرب، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة (١٣):

стр. 1287

كُتِبَ القَتْلُ وَالقِتَالُ عَلَيْنَا ... وَعَلَى المُحْصَنَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ وكذلك قول نابغة الجعدي (١): يَا بِنْتَ عَمِّي، كِتَابُ اللهِ أَخْرَجَنِي ... عَنْكُم، فَهَلْ أَمْنَعَنَّ اللهَ مَا فَعَلا! (٢) واختلف في أصله على وجهين (٣): الوجه الأول: أن من أراد إحكام شيء والاستيثاق منه، كَتَبَه؛ لئلا ينساه، فقيل في كل مفروضٍ واجب: كتب، بمعنى: أحكم ذلك. والوجه الثاني: وقيل: أصلُه: ما كتبه الله في اللوح المحفوظ، ومن هذا قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، أي: قضى الله ذُلك، وفَرَغَ منه، وحَكَم به، ومثله قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر: ٣]، أي: حكم بإخراجهم من دورهم، وقوله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وقوله: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِب عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، كل هذا من القضاء. قال الطبري: "وإن كان [كتب] بمعنى: فُرض، فإنه عندي مأخوذ من (الكتاب) الذي هو رسمٌ وخَط، وذلك أن الله تعالى ذكره قد كتب جميعَ ما فرَض على عباده وما هم عاملوه في اللوح المحفوظ، فقال تعالى ذكره في القرآن: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [سورة البروج: ٢١ - ٢٢] وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [سورة الواقعة: ٧٧ - ٧٨]، فقد تبين بذلك أن كل ما فرضه علينا، ففي اللوح المحفوظ مكتوبٌ" (٤). الثاني: (كتب) بمعنى: جعل، كقوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] وقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. و﴿الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ هو: "المساواة فيه، وأن يقتل القاتل على الصفة، التي قتل عليها المقتول، إقامة للعدل والقسط بين العباد (٥). قال الواحدي: " وأراد بالقصاص هاهنا: المماثلة في النفوس والجروح" (٦). و﴿الْقِصَاصُ﴾ يشمل إزهاق النفس، وما دونها؛ قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال النبي ﷺ في كسر الربيع سن جارية من الأنصار: "كتاب الله القصاص" (٧)؛ ولكنه تعالى هنا قال: ﴿في القتلى﴾؛ وفي سورة المائدة: في القتل، وفيما دونه: ﴿أن النفس بالنفس والعين بالعين ... ﴾ [المائدة: ٤٥] (٨).

стр. 1288

وفي معنى (القصاص) في اللغة قولان: أحدهما: أنه من "المماثلة والمساواة، وأصله من قولهم: قصصت أثره، إذا تتبعته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، فكأن المفعول به يتبع ما عُمِلَ به فَيَعْمَلُ مثله" (١). والثاني: أن أصل القَصّ: القطع. يقال: قَصَصتُ ما بينهما، أي: قطعت، وأن القِصَاص في الجِرَاح مأخوذ من هذا، وهو أن يُجْرحَ مثلَ ما جَرَح، أو يُقْتل مثل ما قتل. وهذا قول الأزهري (٢). والقول الأول أشهر؛ ؟ لأن القصاص والمقاصة في غير الجراح، يقال: قَاصَّه في الحساب وغيره: إذا أخذ الشيء مكان غيره" (٣). و﴿الْقَتْلَى﴾ جمع قتيل، مثل (جرحى) جمع جريح؛ و (أسرى) جمع أسير؛ وقوله تعالى: ﴿فِي الْقَتْلَى﴾ أي في شأن القتلى؛ وليس في القتلى أنفسهم؛ لأن القتيل مقتول؛ فلا قصاص؛ لكن في شأنهم؛ والذي يُقتص منه هو القاتل (٤). قال الشيخ السعدي: "وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول، إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنعوا الولي من الاقتصاص، كما عليه عادة الجاهلية، ومن أشبههم من إيواء المحدثين" (٥). قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ يعني"" الحر يقتل بالحر" (٦). قال الواحدي: " أراد: الحر يقتص بالحر، فحذف لدلالة ذكر القصاص عليه" (٧). قال ابن عثيمين: " والباء هنا إما للبدلية؛ وإما للعوض؛ يعني الحر بدل الحر؛ أو الحر عوض الحر" (٨). و﴿الحر﴾: |هو الذي ليس بمملوك" (٩). والحر: "نقيض العبد، قال أهل الاشتقاق: أصله من الحَرِّ الذي هو ضد البرد، وذلك أن الحُرّ له من الأنفة وحرارة الحمية ما يبعثه على المكرمة، بخلاف العبد، ثم قيل للأكرم من كل شيء: حُرٌّ تشبيهًا بالرجل الحر" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، "أي: العبد يقتل بالعبد" (١١). و﴿العبد﴾: "هو المملوك" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، "أي: الأنثى تقتل بالأنثى" (١٣).

стр. 1289

قال الشيخ السعدي: وخرج من عموم هذا، الأبوان وإن علوا، فلا يقتلان بالولد، لورود السنة بذلك، مع أن في قوله: ﴿الْقِصَاصُ﴾ ما يدل على أنه ليس من العدل، أن يقتل الوالد بولده، ولأن في قلب الوالد من الشفقة والرحمة، ما يمنعه من القتل لولده إلا بسبب اختلال في عقله، أو أذية شديدة جدا من الولد له، وخرج من العموم أيضا، الكافر بالسنة، مع أن الآية في خطاب المؤمنين خاصة ... وأيضا فليس من العدل أن يقتل ولي الله بعدوه، والعبد بالعبد، ذكرا كان أو أنثى، تساوت قيمتهما أو اختلفت، ودل بمفهومها على أن الحر، لا يقتل بالعبد، لكونه غير مساو له، والأنثى بالأنثى، أخذ بمفهومها بعض أهل العلم فلم يجز قتل الرجل بالمرأة" (١). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة: ١٧٨]: يعني: "فأيّ قاتل عفي له من دم أخيه شيء سقط القصاص"" (٢) (٣). قال ابن عثيمين: " وحينئذ على العافي اتباع بالمعروف عند قبض الدية، بحيث لا يتبع عفوه منًّا، ولا أذًى؛ فـ (المعفو عنه) هو القاتل؛ فقوله ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ المراد به المقتول - أي من دم أخيه، و ﴿شَيْءٌ﴾ نكرة في سياق الشرط؛ فتعم كل شيء قليلاً كان، أو كثيرا ً (٤) ... والاتباع بالمعروف يكون على ورثة المقتول؛ يعني إذا عفوا فعليهم أن يَتَّبعوا القاتل بالمعروف" (٥). قال الشيخ السعدي: " أي: عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية، أو عفا بعض الأولياء، فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية، وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي، وفي قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ "ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأحسن من ذلك العفو مجانا" (٦). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ثلاثة أقوال (٧): أحدها: فمن عفي له عن القصاص منه فاتّباع بمعروف وهو أن يطلب الولي الدية بمعروف ويؤدي القاتلُ الدية بإحسان، وهذا قول ابن عباس (٨)، ومجاهد (٩)، والحسن (١٠)، والشعبي (١١)، وقتادة (١٢)، والربيع (١٣)، وعطاء (١٤)، وابن زيد (١٥). والثاني: أن معنى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، بمعنى: فمن فضل له فضل، وهذا تأويل من زعم أن الآية نزلت في فريقين كانا على عهد رسول الله ﷺ قتل من كلا الفريقين قتلى فتقاصّا

стр. 1290

ديات القتلى بعضهم من بعض، فمن بقيت له بقية فليتبعها بمعروف، وليرد من عليه الفاضل بإحسان، ويكون معنى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: أي فضل له قِبل أخيه القاتل شيء، وهذا قول السدي (١). والثالث: أن هذا محمول على تأويل عليّ -ضي الله عنه- في أول الآية؟ في القصاص بين الرجل والمرأة والحر والعبد وأداء ما بينهما من فاضل الدية (٢). والصواب: أن معنى قوله تعالى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: فمن صُفح له عن شيء من الواجب، على دية يأخذها منه، فاتباعٌ بالمعروف من العافي عن الدم، الراضي بالدية من دم وليه وأداء إليه - من القاتل - ذلك بإحسان، لأن أنّ معنى قوله تعالى: ﴿كُتب عليكم القصاص﴾، إنما هو القصَاص من النفوس القاتلة أو الجارحة أو الشاجَّة عمدًا. فكذلك (العفو) أيضًا عن ذلك (٣). قوله تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، " أي فعلى العافي اتباعٌ للقاتل بالمعروف بأن يطالبه بالدية بلا عنفٍ ولا إِرهاق" (٤). قال السعدي: "أي: " يتبع القاتل ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ من غير أن يشق عليه، ولا يحمله ما لا يطيق، بل يحسن الاقتضاء والطلب، ولا يحرجه" (٥). وذكر الزجاج في (الاتباع بالمعروف والأداء إليه بإحسان) وجهان (٦): أحدهما: أن الاتباع بالمعروف عائد إلى ولي المقتول أن يطالب بالدية بمعروف، والأداء عائد إلى القاتل أن يؤدي الدية بإحسان. والثاني: أنهما جميعاً عائدان إلى القاتل أن يؤدي الدية بمعروف وبإحسان. قوله تعالى: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، أي: " وعلى القاتل أداءٌ للدية إِلى العافي - ولي المقتول - بلا مطل ولا بخس" (٧). قال السعدي: "أي: وعلى القاتل إيصال إلى العافي عن القصاص من غير مطل ولا نقص، ولا إساءة فعلية أو قولية، فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو، إلا الإحسان بحسن القضاء، وهذا مأمور به في كل ما ثبت في ذمم الناس للإنسان، مأمور من له الحق بالاتباع بالمعروف، ومن عليه الحق، بالأداء بإحسان" (٨). قال ابن عثيمين: "وإنما نص على «الإحسان» هنا؛ و (المعروف) هناك؛ لأن القاتل المعتدي لا يكفّر عنه إلا الإحسان ليكون في مقابلة إساءته؛ أما أولئك العافون فإنهم لم يجنوا؛ بل أحسنوا حين عدلوا عن القتل إلى الدية" (٩). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، "أي ما شرعته لكم من العفو إِلى الدية تخفيف من ربكم عليكم ورحمة منه بكم" (١٠). قال الماوردي: " يعني خيار الولي في القود أو الدية" (١١).

стр. 1291

قال ابن كثير: معناه: "إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفًا من الله عليكم ورحمة بكم، مما كان محتوما على الأمم قبلكم من القتل أو العفو" (١). قال الطبري: أي: "مما كنت ثَقَّلته على غيركم، بتحريم ذلك عليهم ورحمة، مني لكم" (٢). وقد ذكر ابن عباس (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، ﵃، أن بني إسرائيل فرض الله عليهم القصاص فرضاً؛ وهذه الأمة خفف عنها؛ فلم يجب عليها القصاص؛ لأن الإنسان قد يكون لديه رحمة بالقاتل؛ وقد يكون القاتل من أقاربه؛ وقد يكون اعتبارات أخرى فلا يتمكن من تنفيذ القصاص في حقه؛ فخفف على هذه الأمة - ولله الحمد (٦). و(الرب) معناه" "الخالق المالك المدبر لخلقه كما يشاء على ما تقتضيه حكمته" (٧). وقوله تعالى: [وَرَحْمَةٌ﴾، "أي بالجميع: بالقاتل - حيث سقط عنه القتل، وبأولياء المقتول - حيث أبيح لهم أن يأخذوا العوض؛ لأن من الجائز أن يكون الواجب إما القصاص؛ أو العفو مجاناً؛ لكن من رحمة الله أنه أباح هذا، وهذا؛ فهو رحمة بالجميع" (٨). قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ١٧٨] "" أي فمن اعتدى على القاتل بعد قبول الدية" (٩). قال الثعلبي: أي: " ظلم وتجاوز الحد" (١٠). قال الطبري: "أي: فمن تجاوز ما جَعله الله له بعدَ أخذه الدّية، اعتداءً وظلمًا إلى ما لم يُجعل له من قتل قاتِل وليه وسفك دمه (١١). قال الزجاج: " أي: بعد أخذ الدية، ومعنى اعتدى: ظلم، فوثب فقتل قاتل صاحبه بعد أخذ الدية" (١٢). قال ابن كثير: أي: " فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها" (١٣). قال السعدي: " أي: بعد العفو" (١٤). وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ١٧٨]، يحتمل وجهين من المعنى: أحدهما: أن المراد: فمن اعتدى من أولياء المقتول. وهو المشهور. قال مجاهد: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾، بعد أخذ الدية" (١٥). وقد روي عن الرسول ﷺ : " لا أعافي رجلا قَتل بَعد أخذه الدية (١٦). والثاني: وقيل: "يحتمل أن يكون المراد: من اعتدى من أولياء المقتول، ومن القاتل" (١٧). قوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، أي: " فله عذاب أليم في الآخرة" (١٨). قال الضحاك": يُقتل، وهو العذاب الأليم يقول: العذاب المُوجع" (١٩). قال الثعلبي: " يقتل في الدّنيا ولا يعفى عنه" (٢٠). قال ابن كثير: أي: " فله عذاب من الله أليم موجع شديد" (٢١). قال الطبري: أي: "فله بفعله ذلك وتعدِّيه إلى ما قد حرمته عليه، عذابٌ أليم" (٢٢). قال الزجاج: " أي موجع" (٢٣). واختلف في قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، على قولين (٢٤): أحدهما: أنه القتلُ بمن قتله بعد أخذ الدية منه، وعفوه عن القصاص منه بدم وليِّه. وهذا قول الضحاك (٢٥)، وسعيد بن جبير (٢٦)، وعكرمة (٢٧). والثاني: أن ذلك العذابُ: عقوبة يعاقبه بها السلطان على قدر ما يَرَى من عقوبته. وهذا قول الحسن (٢٨). وقد اعترض الإمام الطبري على هذا الرأي وقال بأنه"خلافٌ لما دلَّ عليه ظاهرُ كتاب الله، وأجمع عليه علماء الأمة، وذلك أنّ الله جعل لوليّ كل مقتول ظلمًا السلطانَ دون غيره، من غير أن يخصّ من ذلك قتيلا دون قتيل. فسواءٌ كان ذلك قتيلَ وليّ من قتله أو غيره. ومن خص من ذلك شيئًا سئل البرهان عليه من أصلٍ أو نظير، وعُكِس عليه القول فيه، ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله. ثم في إجماع الحجة على خلاف ما قاله في ذلك، مكتفًى في الاستشهاد على فساده بغيره" (٢٩).

стр. 1292

والصواب هو الرأي الأول، وهو قول الجمهور، "لأن جنايته لا تزيد على جناية غيره" (١). وقد رجّح الإمام الطبري القول الأول أيضا، وهو القتل، "لأن الله تعالى جعل لكل وليِّ قتيلٍ قُتل ظلمًا، سلطانًا على قاتل وليه، فقال تعالى ذكره ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [سورة الإسراء: ٣٣]. فإذ كان ذلك كذلك: وكان الجميع من أهل العلم مجمعين على أن من قَتل قاتلَ وليه بعد عفوه عنه وأخذِه منه دية قتيله، أنه بقتله إياه له ظالم في قتله - كان بَيِّنًا أن لا يولِّي من قَتله ظُلمًا كذلك، السلطانَ عليه في القصاص والعفو وأخذ الدية، أيّ ذلك شاء، وَإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن ذلك عذابُه، لأن من أقيم عليه حدُّه في الدنيا، كان ذلك عقوبته من ذنبه، ولم يكن به متَّبَعًا في الآخرة، على ما قد ثبت به الخبر (٢) عن رسول الله ﷺ " (٣). قال الثعلبي: " وفي هذه الآية دليل على إنّ القاتل لا يصير كافرا ولا يبقى خالدا في النّار لأنّ الله تعالى، خاطبهم فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ولا خلاف إنّ القصاص واقع في العمد فلم يسقط عنه أسم الأيمان بارتكاب هذه الكبيرة، وقال في آخر الآية فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فسمى القاتل أخا المقتول، وقال ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وهما [يخصّان] المؤمنين دون الكافرين" (٤). وقال الواحدي: " وفي هذه الآية أدلة على القدرية: أحدها: قوله في افتتاح الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ ولا خلاف أن القصاص واقع في قتل العمد، فلم يسقط اسم الإيمان عن القاتل بارتكاب هذه الكبيرة. والثاني: ما ذكرنا في قوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾. والثالث: قوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ وهما يلحقان المؤمنين" (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أهمية القصاص؛ لأن الله وجه الخطاب به إلى المؤمنين؛ وصدره بالنداء المستلزم للتنبيه؛ وتصدير الخطاب بالنداء فائدته التنبيه، وأهمية الأمر. ٢ - ومنها: أن تنفيذ القصاص من مقتضى الإيمان؛ لأن الخطاب موجه للمؤمنين. ٣ - ومنها: أن ترك تنفيذه نقص في الإيمان؛ فما كان من مقتضى الإيمان تنفيذه فإنه يقتضي نقص الإيمان بتركه. ٤ - ومنها: وجوب التمكين من القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص﴾. ٥ - ومنها: مراعاة التماثل بين القاتل، والمقتول؛ لقوله تعالى: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾. ٦ - ومنها: أن الحر يقتل بالحر - ولو اختلفت صفاتهما، كرجل عالم عاقل غني جواد شجاع قتل رجلاً فقيراً أعمى أصم أبكم زمِناً جباناً جاهلاً فإنه يقتل به؛ لعموم قوله تعالى: ﴿الحر بالحر﴾. ٧ - ومنها: أن العبد يقتل بالحر؛ لأنه إذا قُتل الحر بالحر فمن باب أولى أن يقتل العبد بالحر.

стр. 1293

٨ - ومنها: أن العبد يقتل بالعبد - ولو اختلفت قيمتهما؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والعبد بالعبد﴾؛ فلو قتل عبد يساوي مائة ألف عبداً لا يساوي إلا عشرة دراهم فإنه يقتل به؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والعبد بالعبد﴾. ٩ - ومنها: أن العبد إذا قتل وكان قاتله حراً فإنه لا يقتل به؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿الحر بالحر﴾؛ وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن الحر يقتل بالعبد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥]، وقول النبي ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس ... » (١)؛ وهذا القول هو الصواب؛ والقول الثاني: أن الحر يقتل بالعبد إذا كان مالكاً له؛ لقول النبي ﷺ : «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه» (٢)؛ وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر: «أولاً»: للاختلاف فيه؛ و «ثانياً»: أن يقال: إذا كان السيد يقتل بعبده وهو مالكه فمن باب أولى أن يقتل به من ليس بسيد له؛ وأما حديث: «لا يقتل حر بعبد» (٣) فضعيف. ١٠ - ومنها: أن الأنثى تقتل بالأنثى - ولو اختلفت صفاتهما - لعموم قوله تعالى: ﴿والأنثى بالأنثى﴾. ١١ - ومنها: أن الأنثى تقتل بالرجل؛ لأنها إذا قتلت بالأنثى فإنها من باب أولى تقتل بالرجل؛ ودلالة الآية عليه من باب مفهوم الأولوية. ١٢ - ومنها: أن الرجل لا يقتل بالمرأة؛ لأنه أعلى منها؛ هذا مفهوم الآية؛ والصواب أنه يقتل بها؛ لأن النبي ﷺ قتل يهودياً كان قتل جارية على أوضاح لها – رض رأسها بين حجرين (٤)؛ فرض النبي ﷺ رأسه بين حجرين؛ وهذا يدل أن قتله كان قصاصاً؛ لا لنقض العهد – كما قيل به. ١٣ - ومنها: جواز العفو عن القصاص إلى الدية؛ لقوله تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ... ) إلخ؛ وهل له أن يعفو مجاناً؟ الجواب: نعم؛ له ذلك؛ لأن الله ندب إلى العفو فقال: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم﴾ [التغابن: ١٤]، وقال في وصف أهل الجنة: ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾ [آل عمران: ١٣٤]؛ لكن العفو المندوب إليه ما كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠]؛ فإذا كان في العفو إصلاح، مثل أن يكون القاتل معروفاً بالصلاح؛ ولكن بدرت منه هذه البادرة النادرة؛ ونعلم، أو يغلب على ظننا أنا إذا عفونا عنه استقام، وصلحت حاله، فالعفو أفضل لا سيما إن كان له ذرية ضعفاء، ونحو ذلك؛ وإذا علمنا أن القاتل معروف بالشر، والفساد، وإن عفونا عنه لا يزيده إلا فساداً، وإفساداً فترك العفو عنه أولى؛ بل قد يجب ترك العفو عنه. ١٤ - ومن فوائد الآية: أنه إذا عفا بعض الأولياء عن القصاص سقط القصاص في حق الجميع؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾؛ وهي نكرة تعم القليل، والكثير؛ لأنها في سياق الشرط؛ وعلى هذا فلو كان

стр. 1294

لأحد ورثة المقتول جزء من ألف جزء من التركة، ثم عفا عن القصاص انسحب العفو على الجميع؛ لأن الجزء الذي عفا عنه لا قصاص فيه؛ والقصاص لا يتبعض؛ إذ لا يمكن قتل القاتل إلا جزءاً من ألف جزء منه. ١٥ - ومنها: أن دية العمد على القاتل؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾؛ ولا شك أن المعفو عنه هو القاتل؛ وقد أمر بالأداء. ١٦ - ومنها: أن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾؛ فجعل الله المقتول أخاً للقاتل؛ ولو خرج من الإيمان لم يكن أخاً له. ١٧ - ومنها: الرد على طائفتين مبتدعتين؛ وهما الخوارج، والمعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة خارج من الإيمان؛ لكن الخوارج يصرحون بكفره؛ والمعتزلة يقولون: إنه في منزلة بين المنزلتين: الإيمان، والكفر - فلا هو كافر؛ ولا هو بمؤمن؛ لكن اتفق الجميع على أنه مخلد في النار. ١٨ - ومنها: أنه يجب الاتباع بالمعروف - يعني يجب على أولياء المقتول إذا عفوا إلى الدية ألا يتسلطوا على القاتل؛ بل يتبعونه بالمعروف بدون أذية، وبدون منة؛ لقوله تعالى: ﴿فاتباع بالمعروف﴾؛ والخطاب لأولياء المقتول. ١٩ - ومنها: وجوب الأداء على القاتل بالإحسان، لقوله تعالى: ﴿وأداء إليه بإحسان﴾. ٢٠ - ومنها: أن الله خفف عن هذه الأمة بجواز العفو، ورحمهم بجواز أخذ العوض؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾: تخفيف على القاتل؛ ورحمة بأولياء المقتول، حيث أذن لهم أن يأخذوا عوضاً؛ وإلا لقيل لهم: إما أن تعفوا مجاناً؛ وإما أن تأخذوا بالقصاص. ٢١ - ومنها: إثبات الرحمة لله؛ وهي رحمة حقيقية تستلزم حصول النعم، واندفاع النقم؛ وأهل التعطيل يفسرونها بـ «الإنعام» الذي هو مفعول الرب؛ أو بـ «إرادة الإنعام»؛ وينكرون حقيقة الرحمة؛ وقد ضلوا في ذلك: فإن الإنعام، أو إرادته من آثار الرحمة، وليسا إياها. ٢٢ - ومنها: أن المعتدي بعد انتهاء القصاص، أو أخذ الدية متوعد بالعذاب الأليم سواء كان من أولياء المقتول، أو من القاتل؛ لقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾. القرآن ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩] التفسير: ولكم في تشريع القصاص وتنفيذه حياة آمنة -يا أصحاب العقول السليمة-؛ رجاء تقوى الله وخشيته بطاعته دائمًا. قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، " أي ولكم فيما شرعت من القصاص حياةٌ" (١). قال أبو العالية: "جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتُل، فتمنعه مخافة أن يُقتل" (٢). قال الثعلبي: أي: " بقاء، لأنّه إذا علم أنّه إن قتل أمسك وارتدع عن القتل. ففيه حياة للّذي يهمّ بقتله، وحياة للهام ولهذا قيل في المثل: القتل قلّل القتل" (٣).

стр. 1295

قال الطبري: أي" ولكم، فيما فرضتُ عليكم وأوجبتُ لبعضكم على بعض، من القصاص في النفوس والجراح والشجاج، مَا مَنع به بعضكم من قتل بعض، وقَدَع بعضكم عن بعض، فحييتم بذلك، فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة" (١). قال ابن كثير: أي" وفي شَرْع القصاص لكم - وهو قتل القاتل - حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء المُهَج وصَوْنها؛ لأنه إذا علم القاتلُ أنه يقتل انكفّ عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس، وفي الكتب المتقدمة: القتلُ أنفى للقتل، فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح، وأبلغ (٢)، وأوجز" (٣). قال الصابوني: " وأيُّ حياة لأنه من علم أنه إِذا قتل نفساً قُتل بها يرتدع وينزجر عن القتل، فيحفظ حياته وحياة من أراد قتله وبذلك تُصان الدماء وتحفُظ حياة الناس" (٤). قال أبو حيان: " الحياة التي في القصاص هي: أن الإنسان إذا علم أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ، أمسك عن القتل، فكان ذلك حياة له، للذي امتنع من قتله، فمشروعية القصاص مصلحة عامة، وإبقاء القاتل والعفو عنه مصلحة خاصة به، فتقدّم المصلحة العامة لتعذر الجمع بينهما" (٥). قال السعدي: "تنحقن بذلك [أي القصاص] الدماء، وتنقمع به الأشقياء، لأن من عرف أنه مقتول إذا قتل، لا يكاد يصدر منه القتل، وإذا رئي القاتل مقتولا انذعر بذلك غيره وانزجر، فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل، لم يحصل انكفاف الشر، الذي يحصل بالقتل، وهكذا سائر الحدود الشرعية، فيها من النكاية والانزجار، ما يدل على حكمة الحكيم الغفار" (٦). قال الواحدي: " إن سافكَ الدم إذا أُقيد منه ارتدع من كان يهمّ بالقتل، فكان في القصاص بقاءٌ؛ لأنه إذا علم أنه إن قَتَل قُتِلَ أَمْسَكَ وارتدع عن القتل، ففيه حياةٌ للذي همّ بقتله، وحياةٌ للهامّ أيضًا، وقد أخذ الشاعر هذا المعنى ونقله عن القصاص إلى العتاب فقال (٧): أبلغ أبا مالك عنى مُغَلغَلةً ... وفي العتاب حياة بين أقوام

стр. 1296

يريد: أنهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتابُ، وكَفُّوا عن القتل، فكان في ذلك حياة. أخذه المتمثلون فقالوا: بعض القتل أحيا للجميع، وقالوا: القتل أقل للقتل" (١). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، ثلاثة أوجه (٢): أحدها: إذا ذكره الظالم المعتدي، كف عن القتل فحيي، وهذا قول مجاهد (٣)، وقتادة (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، وأبي مالك (٦)، والحسن (٧)، والربيع بن أنس (٨)، ومقاتل بن حيان (٩)، وابن زيد (١٠)، وأبي العالية (١١)، وأبي صالح (١٢). والثاني: أن إيجاب القصاص على القاتل وترك التعدي إلى من ليس بقاتل حياة للنفوس، لأن القاتل إذا علم أن نفسه تؤخذ بنفس من قتله كف عن القتل فَحِيِيَ أن يقتل قوداً، أو حَيِيَ المقتول أن يقتل ظلماً. وهذا معنى قول السدي (١٣)، والثوري (١٤)، وأبي صالح (١٥) في أحد قوليه. الثالث: أنه" يعني: بالحياة الصلاح والعدل". وهذا قول الضحاك (١٦). الرابع: وقال عطاء عن ابن عباس: " ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، فرح". حكاه الواحدي (١٧). وأراد: "أن ولي الدم إذا استوفى القصاص تشفّى بذلك وطابت نفسه، فالتذ بالحياة، ولولا القصاص لتنغص بعيشه، فكأن حياته موتًا. وقد يبلغ بالإنسان القصور عن إدراك الثأر إلى أن يتمنى الموت، سيما العرب، فإنهم أشد الأمم حفاظًا، وأحرصهم على إدراك الثأر، والأخذ بالطوائل، وكل عيشٍ يراد الموتُ فيه موت، فإذا زال سبب تمني الموت بالقصاص كان فيه حياة" (١٨). الخامس: ويجوز أن يكون المعنى في هذا ما تذهب إليه العرب من أن قتل القاتل إحياء للمقتول، يقولون: أحيا فلان أباه، إذا قتل قاتله، ومنه قول عامر الخصفي (١٩): أحيا أباه هاشمُ بنُ حَرمَله ... إذ الملوكُ حوله مُرَعبله يعني: قتل قاتله، فسماه إحياءً، فعلى هذا في القصاص حياة للمقتول على معنى: أن المراد بالحياة قتل قاتله (٢٠).

стр. 1297

السادس: وقيل: "حياة لارتداع من يهم به في الآخرة إذ استوفى منه القصاص في الدنيا فإنه في الآخرة لا يقتص منه، وإن لم يقتص اقتص منه في الآخرة. فلا تحصل له تلك الحياة التي حصلت لمن اقتص منه". حكاه أبو حيان (١). قال الماوردي: " وفي المعنيين [الأول والثاني] تقارب، والثاني أعم، وهو معنى قول السدي " (٢). وقد نكَّر ﴿الحياة﴾، لإفادة التعظيم والتكثير، والمعنى: "حياة كبرى، أو عظمى" (٣). قال الزمخشري: " ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾، كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أنّ القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكانا وظرفا للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة لأنّ المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفنى بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أىّ حياة، أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل" (٤). وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبدالله الربعي ﴿ولكم في القصص حياة﴾ (٥)، وفي هذه القراءة وجوها من المعنى (٦): أحدها: أن المعنى: فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص. والثاني: أن ﴿القصص﴾: القرآن، أي: لكم في القرآن حياة القلوب، كقوله: ﴿رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وكقوله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. والثالث: أن يكون مصدراً كالقصاص، أي: أنه إذا قص أثر القاتل قصصاً قتل كما قتل. قاله ابن عطية (٧). قال النحاس: "قراءة أبي الجوزاء شاذة " (٨). قوله تعالى: ﴿يَا أُولِي الألْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، أي" يا أولي العقول" (٩). قال الثعلبي: " يا ذوي العقول" (١٠). قال ابن كثير: أي: "يا أولي العقول والأفهام والنهى" (١١). قال الماوردي: " يعني يا ذوي العقول، لأن الحياة في القصاص معقولة بالاعتبار " (١٢). قال الرازي: و"المراد به العقلاء الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف، فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعداءهم، وعلموا أنهم يطالبون بالقود صار ذلك رادعا لهم لأن العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف نفسه فإذا خاف ذلك كان خوفه سببا للكف والامتناع، إلا أن هذا الخوف إنما يتولد من الفكر الذي ذكرناه ممن

стр. 1298

له عقل يهديه إلى هذا الفكر فمن لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر لا يحصل له هذا الخوف، فلهذا السبب خص الله سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب" (١). قال الشيخ السعدي: "ولما كان هذا الحكم، لا يعرف حقيقته، إلا أهل العقول الكاملة والألباب الثقيلة، خصهم بالخطاب دون غيرهم، وهذا يدل على أن الله تعالى، يحب من عباده، أن يعملوا أفكارهم وعقولهم، في تدبر ما في أحكامه من الحكم، والمصالح الدالة على كماله، وكمال حكمته وحمده، وعدله ورحمته الواسعة، وأن من كان بهذه المثابة فقد استحق المدح بأنه من ذوي الألباب الذين وجه إليهم الخطاب، وناداهم رب الأرباب، وكفى بذلك فضلا وشرفا لقوم يعقلون" (٢). قال الواحدي: " (أولوا): واحدها ذو، وهو من الجموع التي لا يفرد واحدها من لفظه، كالنفر والرهط والقوم والخيل والإبل والنساء" (٣). و﴿الأَلْبَابِ﴾: "جمع لُبٍّ، ولُبُّ الشيء: خالصُه، وهو الذي يَتَركَّبُ عليه القِشْر، وكذلك اللُّبَاب، يُقال: لبابُ القَمح والفستق، ولُبّ اللَّوز والجوز، وسمى العقل لُبَّا تشبيهًا به؛ لأنه أشرف خصال المرءِ، وأصل لُبّ: اللزوم، يقال: أَلَبَّ بالمكان، إذا لزمه لزوم لُبِّ الشّيء له، واللَّبَبَ: الرمل المتراكم، سمي للزوم بعضه بعضًا، ومنه قولُ ذي الرمة (٤): براقةُ الجِيد واللبات واضحة ... كأنها ظبية أفضى بها لَبَبُ" (٥). وقال ابن المظفر: "اللَّبَابَةُ: مصدر اللَّبيب، وقد لَبِبْتَ تَلَبُّ" (٦). وقال الفراء وغيرُه: "لَبَّ يَلَبُّ: إذا عَقَل، ومنه قول صفية (٧) في ابنها الزبير (٨)، وضربته، فقيل لها: "لم ضربتيه؟ فقالت: أضربه كي يَلِبَ، ويقود الجيش ذا اللَّجَبْ" (٩) " (١٠). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، أي: "لعلكم تنزجرون فتتركون محارم الله ومآثمه" (١١). قال الواحدي: "أي: الدماء مخافة القصاص" (١٢). قال الثعلبي: أي" القتل مخافة القود" (١٣). قال الزمخشري: " أى أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس، [لعلكم] تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به. وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة" (١٤).

стр. 1299

والتقوى: "اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات" (١). وفي قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، تفسيران (٢): أحدهما: أن المراد: لعلكم تتقون نفس القتل بخوف القصاص. قاله الحسن والأصم. والثاني: أن المراد هو التقوى من كل الوجوه وليس في الآية تخصيص للتقوى. قال الرازي: وحمل القول "على الكل أولى: ومعلوم أن الله تعالى إنما كتب على العباد الأمور الشاقة من القصاص وغيره لأجل أن يتقوا النار باجتناب المعاصي ويكفوا عنها، فإذا كان هذا هو المقصود الأصلي وجب حمل الكلام عليه" (٣). واختاره القرطبي، فقال: "والمراد هنا ﴿تَتَّقُونَ﴾ القتل فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك، فإن الله يثيب بالطاعة على الطاعة" (٤). والصواب ما اختاره الرازي والقرطبي، وهو قول جمهور أهل التفسير، لما يعضده من الأخبار، فقد روي عن ابن زيد في قوله: ﴿لعلكم تتقون﴾، قال، "لعلك تَتقي أن تقتله، فتقتل به" (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الحكمة العظمى في القصاص؛ وهي الحياة الكاملة؛ لقوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾. فإن قيل: كيف يكون لنا في القصاص حياة مع أننا قتلنا القاتل؛ فزدنا إزهاق نفس أخرى؟ . فالجواب: نعم؛ يكون لنا في القصاص حياة بأن القتلة إذا علموا أنه سيقتص منهم امتنعوا عن القتل؛ فكان في ذلك تقليل للقتل، وحياة للأمة؛ ولهذا جاءت منكرة للدلالة على عظم هذه الحياة؛ فالتنكير هنا للتعظيم - يعني حياة عظيمة شاملة للمجتمع كله؛ أما بالنسبة للقاتل فيقتل؛ لكن قتل القاتل حياة للجميع. ٢ - ومن فوائد الآية: أن يُفعل بالجاني كما فَعل؛ لأن بذلك يتم القصاص؛ فإذا قتل بسكين قُتل بمثلها؛ أو بحجر قُتل بمثله؛ أو بسمّ قُتل بمثله؛ وهكذا. ٣ - ومنها: أن كون القصاص حياة يحتاج إلى تأمل وعقل، لقوله تعالى: ﴿يا أولي الألباب﴾. ٤ - ومنها: أنه يجب على الإنسان أن يؤمن بأحكام الشريعة دون تردد؛ وإذا رأى ما يستبعده في بادئ الأمر فليتأمل وليتعقل حتى يتبين له أنه عين الحكمة، والمصلحة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يا أولي الألباب﴾؛ فأتى بالنداء المقتضي للانتباه. ٥ - ومنها: أن من فوائد القصاص أن يتقي الجناة القتل؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ٢١]؛ واتقاؤهم للقتل من تقوى الله. ٦ - احتجت المعتزلة بهذه الآية على فساد قول أهل السنة في قولهم: إن المقتول لو لم يقتل لوجب أن يموت، فقالوا إذا كان الذي يقتل يجب أن يموت لو لم يقتل، فهب أن شرع القصاص يزجر من يريد أن يكون قاتلا عن الإقدام على القتل، لكن ذلك الإنسان يموت سواء قتله هذا القاتل أو لم يقتله، فحينئذ لا يكون شرع القصاص مفضيا إلى حصول الحياة. فإن قيل: أنا إنما نقول فيمن قتل لو لم يقتل كان يموت لا فيمن أريد قتله ولم يقتل فلا يلزم ما قلتم، قلنا أليس إنما يقال فيمن قتل لو لم يقتل كيف يكون حاله؟ فإذا قلتم: كان يموت فقد حكمتم في أن من حق كل وقت صح وقوع قتله أن يكون موته كقتله، وذلك يصحح ما ألزمناكم لأنه لا بد من أن يكون على قولكم المعلوم أنه لو لم

стр. 1300

يقتله إما لأن منعه مانع عن القتل، أو بأن خاف قتله أنه كان يموت وفي ذلك صحة ما ألزمناكم، هذا كله ألفاظ القاضي (١). ٧ - عدم الغلو في القصاص، إذ كثيرا ما نرى ولاسيما لدى أهل القرى بأن أهل القتيل يأخذون الثأر من ابن أخ القاتل أو والده أو أبن عمه، وهذا حرام شرعا، وقد فصل الإمام الشعراوي القول في هذه المسألة إذ يقول: "وفي صعيد مصر، مازلنا نعاني من الغفلة في تطبيق شريعة الله، فحين يقتل رجل من قوم فهم لا يثأرون من القاتل، وإنما يذهبون إلى أكبر رأس في عائلة القاتل ليقتلوه. فالذين يأخذون الثأر يريدون النكاية الأشد، وقد يجعلون فداء المقتول عشرة من العائلة الأخرى، وقد يمثلون بجثثهم ليتشفوا، وكل ذلك غير ملائم للقصاص. وفي أيام الجاهلية كانوا يغالون في الثأر، والحق يبلغ البشرية جمعاء بأن هذه المغالاة في الثأر تجعل نيران العداوة لا تخمد أبداً. لذلك فالحق يريد أمر الثأر إلى حده الأدنى، فإذا قتلت قبيلة عبداً فلا يصح أن تصعد القبيلة الأخرى الأمر فتأخذ بالعبد حراً. إذن، فالحق يشرع أمراً يخص تلك الحروب الجماعية القديمة، وما كان يحدث فيها من قتل جماعي، وما ينتج عنها بعد ذلك من مغالاة في الثأر، وهذا هو التشريع التدريجي، وقضى سبحانه أن يرد أمر الثأر إلى الحد الأدنى منه، فإذا قتلت قبيلة عبداً فلا يصح أن تصعد القبيلة الأخرى الثأر بأن تقتل حراً. والحق يشرع بعد ذلك أن القاتل في الأحوال العادية يتم القصاص منه بالقتل له أو بالدية، فقد جاءت آية أخرى يقول فيها الحق: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]. وهكذا يصبح القصاص في قتل النفس يتم بنفس أخرى، فلا تفرقة بين العبد أو الحر أو الأنثى، بل مطلق نفس بمطلق نفس، وهاهو ذا الحق يواجه بتقنين تشريع القصاص قضية يريد أن يميت فيها لدد الثأر وحنق الحقد. فساعة تسمع كلمة قصاص وقتل، فمعنى ذلك أن النفس مشحونة بالبغضاء والكراهية، ويريد أن يصفي الضغن والحقد الثأري من نفوس المؤَمنين. إن الحق جل وعلا يعط لولي الدم الحق في أن يقتل أو أن يعفو، وحين يعطي الله لولي الدم الحق في أن يقتل، فإن أمر حياة القاتل يصبح بيد ولي الدم، فإن عفا ولي الدم لا يكون العفو بتقنين، وإنما بسماحة نفس، وهكذا يمتص الحق الغضب والغيظ" (٢). تنبيه: اعلم بأن للقصاص شروطاً لثبوته؛ وشروطاً لاستيفائه مذكورة على التفصيل في كتب الفقه؛ فليرجع إليها. القرآن ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠] التفسير: فرض الله عليكم إذا حضر أحدكم علامات الموت ومقدماته -إن ترك مالا- الوصية بجزء من ماله للوالدين والأقربين مع مراعاة العدل؛ فلا يدع الفقير ويوصي للغني، ولا يتجاوز الثلث، وذلك حق ثابت يعمل به أهل التقوى الذين يخافون الله. وكان هذا قبل نزول آيات المواريث التي حدَّد الله فيها نصيب كل وارث. اختلف أهل العلم في ثبوت حكم هذه الآية على قولين (٣):
следующие страницы →