← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

يريد: أنهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتابُ، وكَفُّوا عن القتل، فكان في ذلك حياة. أخذه المتمثلون فقالوا: بعض القتل أحيا للجميع، وقالوا: القتل أقل للقتل" (١). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، ثلاثة أوجه (٢): أحدها: إذا ذكره الظالم المعتدي، كف عن القتل فحيي، وهذا قول مجاهد (٣)، وقتادة (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، وأبي مالك (٦)، والحسن (٧)، والربيع بن أنس (٨)، ومقاتل بن حيان (٩)، وابن زيد (١٠)، وأبي العالية (١١)، وأبي صالح (١٢). والثاني: أن إيجاب القصاص على القاتل وترك التعدي إلى من ليس بقاتل حياة للنفوس، لأن القاتل إذا علم أن نفسه تؤخذ بنفس من قتله كف عن القتل فَحِيِيَ أن يقتل قوداً، أو حَيِيَ المقتول أن يقتل ظلماً. وهذا معنى قول السدي (١٣)، والثوري (١٤)، وأبي صالح (١٥) في أحد قوليه. الثالث: أنه" يعني: بالحياة الصلاح والعدل". وهذا قول الضحاك (١٦). الرابع: وقال عطاء عن ابن عباس: " ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، فرح". حكاه الواحدي (١٧). وأراد: "أن ولي الدم إذا استوفى القصاص تشفّى بذلك وطابت نفسه، فالتذ بالحياة، ولولا القصاص لتنغص بعيشه، فكأن حياته موتًا. وقد يبلغ بالإنسان القصور عن إدراك الثأر إلى أن يتمنى الموت، سيما العرب، فإنهم أشد الأمم حفاظًا، وأحرصهم على إدراك الثأر، والأخذ بالطوائل، وكل عيشٍ يراد الموتُ فيه موت، فإذا زال سبب تمني الموت بالقصاص كان فيه حياة" (١٨). الخامس: ويجوز أن يكون المعنى في هذا ما تذهب إليه العرب من أن قتل القاتل إحياء للمقتول، يقولون: أحيا فلان أباه، إذا قتل قاتله، ومنه قول عامر الخصفي (١٩): أحيا أباه هاشمُ بنُ حَرمَله ... إذ الملوكُ حوله مُرَعبله يعني: قتل قاتله، فسماه إحياءً، فعلى هذا في القصاص حياة للمقتول على معنى: أن المراد بالحياة قتل قاتله (٢٠).

стр. 1297

السادس: وقيل: "حياة لارتداع من يهم به في الآخرة إذ استوفى منه القصاص في الدنيا فإنه في الآخرة لا يقتص منه، وإن لم يقتص اقتص منه في الآخرة. فلا تحصل له تلك الحياة التي حصلت لمن اقتص منه". حكاه أبو حيان (١). قال الماوردي: " وفي المعنيين [الأول والثاني] تقارب، والثاني أعم، وهو معنى قول السدي " (٢). وقد نكَّر ﴿الحياة﴾، لإفادة التعظيم والتكثير، والمعنى: "حياة كبرى، أو عظمى" (٣). قال الزمخشري: " ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾، كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أنّ القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكانا وظرفا للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة لأنّ المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفنى بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أىّ حياة، أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل" (٤). وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبدالله الربعي ﴿ولكم في القصص حياة﴾ (٥)، وفي هذه القراءة وجوها من المعنى (٦): أحدها: أن المعنى: فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص. والثاني: أن ﴿القصص﴾: القرآن، أي: لكم في القرآن حياة القلوب، كقوله: ﴿رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وكقوله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. والثالث: أن يكون مصدراً كالقصاص، أي: أنه إذا قص أثر القاتل قصصاً قتل كما قتل. قاله ابن عطية (٧). قال النحاس: "قراءة أبي الجوزاء شاذة " (٨). قوله تعالى: ﴿يَا أُولِي الألْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، أي" يا أولي العقول" (٩). قال الثعلبي: " يا ذوي العقول" (١٠). قال ابن كثير: أي: "يا أولي العقول والأفهام والنهى" (١١). قال الماوردي: " يعني يا ذوي العقول، لأن الحياة في القصاص معقولة بالاعتبار " (١٢). قال الرازي: و"المراد به العقلاء الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف، فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعداءهم، وعلموا أنهم يطالبون بالقود صار ذلك رادعا لهم لأن العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف نفسه فإذا خاف ذلك كان خوفه سببا للكف والامتناع، إلا أن هذا الخوف إنما يتولد من الفكر الذي ذكرناه ممن

стр. 1298

له عقل يهديه إلى هذا الفكر فمن لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر لا يحصل له هذا الخوف، فلهذا السبب خص الله سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب" (١). قال الشيخ السعدي: "ولما كان هذا الحكم، لا يعرف حقيقته، إلا أهل العقول الكاملة والألباب الثقيلة، خصهم بالخطاب دون غيرهم، وهذا يدل على أن الله تعالى، يحب من عباده، أن يعملوا أفكارهم وعقولهم، في تدبر ما في أحكامه من الحكم، والمصالح الدالة على كماله، وكمال حكمته وحمده، وعدله ورحمته الواسعة، وأن من كان بهذه المثابة فقد استحق المدح بأنه من ذوي الألباب الذين وجه إليهم الخطاب، وناداهم رب الأرباب، وكفى بذلك فضلا وشرفا لقوم يعقلون" (٢). قال الواحدي: " (أولوا): واحدها ذو، وهو من الجموع التي لا يفرد واحدها من لفظه، كالنفر والرهط والقوم والخيل والإبل والنساء" (٣). و﴿الأَلْبَابِ﴾: "جمع لُبٍّ، ولُبُّ الشيء: خالصُه، وهو الذي يَتَركَّبُ عليه القِشْر، وكذلك اللُّبَاب، يُقال: لبابُ القَمح والفستق، ولُبّ اللَّوز والجوز، وسمى العقل لُبَّا تشبيهًا به؛ لأنه أشرف خصال المرءِ، وأصل لُبّ: اللزوم، يقال: أَلَبَّ بالمكان، إذا لزمه لزوم لُبِّ الشّيء له، واللَّبَبَ: الرمل المتراكم، سمي للزوم بعضه بعضًا، ومنه قولُ ذي الرمة (٤): براقةُ الجِيد واللبات واضحة ... كأنها ظبية أفضى بها لَبَبُ" (٥). وقال ابن المظفر: "اللَّبَابَةُ: مصدر اللَّبيب، وقد لَبِبْتَ تَلَبُّ" (٦). وقال الفراء وغيرُه: "لَبَّ يَلَبُّ: إذا عَقَل، ومنه قول صفية (٧) في ابنها الزبير (٨)، وضربته، فقيل لها: "لم ضربتيه؟ فقالت: أضربه كي يَلِبَ، ويقود الجيش ذا اللَّجَبْ" (٩) " (١٠). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، أي: "لعلكم تنزجرون فتتركون محارم الله ومآثمه" (١١). قال الواحدي: "أي: الدماء مخافة القصاص" (١٢). قال الثعلبي: أي" القتل مخافة القود" (١٣). قال الزمخشري: " أى أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس، [لعلكم] تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به. وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة" (١٤).

стр. 1299

والتقوى: "اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات" (١). وفي قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، تفسيران (٢): أحدهما: أن المراد: لعلكم تتقون نفس القتل بخوف القصاص. قاله الحسن والأصم. والثاني: أن المراد هو التقوى من كل الوجوه وليس في الآية تخصيص للتقوى. قال الرازي: وحمل القول "على الكل أولى: ومعلوم أن الله تعالى إنما كتب على العباد الأمور الشاقة من القصاص وغيره لأجل أن يتقوا النار باجتناب المعاصي ويكفوا عنها، فإذا كان هذا هو المقصود الأصلي وجب حمل الكلام عليه" (٣). واختاره القرطبي، فقال: "والمراد هنا ﴿تَتَّقُونَ﴾ القتل فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك، فإن الله يثيب بالطاعة على الطاعة" (٤). والصواب ما اختاره الرازي والقرطبي، وهو قول جمهور أهل التفسير، لما يعضده من الأخبار، فقد روي عن ابن زيد في قوله: ﴿لعلكم تتقون﴾، قال، "لعلك تَتقي أن تقتله، فتقتل به" (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الحكمة العظمى في القصاص؛ وهي الحياة الكاملة؛ لقوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾. فإن قيل: كيف يكون لنا في القصاص حياة مع أننا قتلنا القاتل؛ فزدنا إزهاق نفس أخرى؟ . فالجواب: نعم؛ يكون لنا في القصاص حياة بأن القتلة إذا علموا أنه سيقتص منهم امتنعوا عن القتل؛ فكان في ذلك تقليل للقتل، وحياة للأمة؛ ولهذا جاءت منكرة للدلالة على عظم هذه الحياة؛ فالتنكير هنا للتعظيم - يعني حياة عظيمة شاملة للمجتمع كله؛ أما بالنسبة للقاتل فيقتل؛ لكن قتل القاتل حياة للجميع. ٢ - ومن فوائد الآية: أن يُفعل بالجاني كما فَعل؛ لأن بذلك يتم القصاص؛ فإذا قتل بسكين قُتل بمثلها؛ أو بحجر قُتل بمثله؛ أو بسمّ قُتل بمثله؛ وهكذا. ٣ - ومنها: أن كون القصاص حياة يحتاج إلى تأمل وعقل، لقوله تعالى: ﴿يا أولي الألباب﴾. ٤ - ومنها: أنه يجب على الإنسان أن يؤمن بأحكام الشريعة دون تردد؛ وإذا رأى ما يستبعده في بادئ الأمر فليتأمل وليتعقل حتى يتبين له أنه عين الحكمة، والمصلحة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يا أولي الألباب﴾؛ فأتى بالنداء المقتضي للانتباه. ٥ - ومنها: أن من فوائد القصاص أن يتقي الجناة القتل؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ٢١]؛ واتقاؤهم للقتل من تقوى الله. ٦ - احتجت المعتزلة بهذه الآية على فساد قول أهل السنة في قولهم: إن المقتول لو لم يقتل لوجب أن يموت، فقالوا إذا كان الذي يقتل يجب أن يموت لو لم يقتل، فهب أن شرع القصاص يزجر من يريد أن يكون قاتلا عن الإقدام على القتل، لكن ذلك الإنسان يموت سواء قتله هذا القاتل أو لم يقتله، فحينئذ لا يكون شرع القصاص مفضيا إلى حصول الحياة. فإن قيل: أنا إنما نقول فيمن قتل لو لم يقتل كان يموت لا فيمن أريد قتله ولم يقتل فلا يلزم ما قلتم، قلنا أليس إنما يقال فيمن قتل لو لم يقتل كيف يكون حاله؟ فإذا قلتم: كان يموت فقد حكمتم في أن من حق كل وقت صح وقوع قتله أن يكون موته كقتله، وذلك يصحح ما ألزمناكم لأنه لا بد من أن يكون على قولكم المعلوم أنه لو لم

стр. 1300

يقتله إما لأن منعه مانع عن القتل، أو بأن خاف قتله أنه كان يموت وفي ذلك صحة ما ألزمناكم، هذا كله ألفاظ القاضي (١). ٧ - عدم الغلو في القصاص، إذ كثيرا ما نرى ولاسيما لدى أهل القرى بأن أهل القتيل يأخذون الثأر من ابن أخ القاتل أو والده أو أبن عمه، وهذا حرام شرعا، وقد فصل الإمام الشعراوي القول في هذه المسألة إذ يقول: "وفي صعيد مصر، مازلنا نعاني من الغفلة في تطبيق شريعة الله، فحين يقتل رجل من قوم فهم لا يثأرون من القاتل، وإنما يذهبون إلى أكبر رأس في عائلة القاتل ليقتلوه. فالذين يأخذون الثأر يريدون النكاية الأشد، وقد يجعلون فداء المقتول عشرة من العائلة الأخرى، وقد يمثلون بجثثهم ليتشفوا، وكل ذلك غير ملائم للقصاص. وفي أيام الجاهلية كانوا يغالون في الثأر، والحق يبلغ البشرية جمعاء بأن هذه المغالاة في الثأر تجعل نيران العداوة لا تخمد أبداً. لذلك فالحق يريد أمر الثأر إلى حده الأدنى، فإذا قتلت قبيلة عبداً فلا يصح أن تصعد القبيلة الأخرى الأمر فتأخذ بالعبد حراً. إذن، فالحق يشرع أمراً يخص تلك الحروب الجماعية القديمة، وما كان يحدث فيها من قتل جماعي، وما ينتج عنها بعد ذلك من مغالاة في الثأر، وهذا هو التشريع التدريجي، وقضى سبحانه أن يرد أمر الثأر إلى الحد الأدنى منه، فإذا قتلت قبيلة عبداً فلا يصح أن تصعد القبيلة الأخرى الثأر بأن تقتل حراً. والحق يشرع بعد ذلك أن القاتل في الأحوال العادية يتم القصاص منه بالقتل له أو بالدية، فقد جاءت آية أخرى يقول فيها الحق: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]. وهكذا يصبح القصاص في قتل النفس يتم بنفس أخرى، فلا تفرقة بين العبد أو الحر أو الأنثى، بل مطلق نفس بمطلق نفس، وهاهو ذا الحق يواجه بتقنين تشريع القصاص قضية يريد أن يميت فيها لدد الثأر وحنق الحقد. فساعة تسمع كلمة قصاص وقتل، فمعنى ذلك أن النفس مشحونة بالبغضاء والكراهية، ويريد أن يصفي الضغن والحقد الثأري من نفوس المؤَمنين. إن الحق جل وعلا يعط لولي الدم الحق في أن يقتل أو أن يعفو، وحين يعطي الله لولي الدم الحق في أن يقتل، فإن أمر حياة القاتل يصبح بيد ولي الدم، فإن عفا ولي الدم لا يكون العفو بتقنين، وإنما بسماحة نفس، وهكذا يمتص الحق الغضب والغيظ" (٢). تنبيه: اعلم بأن للقصاص شروطاً لثبوته؛ وشروطاً لاستيفائه مذكورة على التفصيل في كتب الفقه؛ فليرجع إليها. القرآن ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠] التفسير: فرض الله عليكم إذا حضر أحدكم علامات الموت ومقدماته -إن ترك مالا- الوصية بجزء من ماله للوالدين والأقربين مع مراعاة العدل؛ فلا يدع الفقير ويوصي للغني، ولا يتجاوز الثلث، وذلك حق ثابت يعمل به أهل التقوى الذين يخافون الله. وكان هذا قبل نزول آيات المواريث التي حدَّد الله فيها نصيب كل وارث. اختلف أهل العلم في ثبوت حكم هذه الآية على قولين (٣):

стр. 1301

أحدهما: أن العمل بها كان واجباً قبل فرض المواريث لئلا يضع الرجل ماله في البُعَدَاء طلباً للسمعة والرياء، فلما نزلت آية المواريث في تعيين المستحقين، وتقدير ما يستحقون، نسخ بها وجوب الوصية ومنعت السنّة من جوازها للورثة. وهذا مذهب الجمهور من التابعين والفقهاء. والثاني: أن حكمها كان ثابتاً في الوصية للوالدين، والأقربين حق واجب، فلما نزلت آي المواريث وفرض ميراث الأبوين نسخ بها الوصية للوالدين وكل وارث، وبقي فرض الوصية للأقربين الذين لا يرثون على حاله. وهذا قول ابن عباس (١)، والحسن (٢)، وعكرمة (٣)، وقتادة (٤)، وطاوس (٥)، وجابر بن زيد (٦)، وعلي بن أبي طلحة (٧)، والربيع (٨)، ومسلم بن يسار (٩)، وإياس بن معاوية (١٠). ومن ثم اختلفوا في تعيين ناسخ آية: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالأَقرَبِين﴾ [البقرة: ١٨٠]، وفيه ثلاثة أقوال (١١): أحدها: أنها نسخت بآية الفرائض. قاله قتادة (١٢)، والزهري (١٣)، وابن الجوزي (١٤)، وابن البازري (١٥). والثاني: وقيل: الحديث: "لا وصية لوارث" (١٦). والثالث: وقيل: دلّ الإِجماع على ذلك وان لم يتعين دليله (١٧).

стр. 1302

وإن أوصى أحدهم بثُلُثهِ لغير قرابته، فقد اختلف قائلوا هذا القول (١) في حكم وصيته على ثلاثة مذاهب (٢): أحدها: أن يرد ثلث الثلث على قرابته، ويكون ثلثا الثلث لمن أوصى له به، وهذا قول قتادة (٣). والثاني: أن يرد ثلثا الثلث على قرابته ويكون ثلثا الثلث لمن أوصى له به، وهذا قول جابر بن زيد (٤). والثالث: أنه يريد الثلث كله على قرابته، وهذا قول طاوس (٥). قال السعدي: " واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين، مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل، والأحسن في هذا أن يقال: إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة، ردها الله تعالى إلى العرف الجاري" (٦). قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٠]، أي: "فرض عليكم معشر المؤمنين" (٧). قال الصابوني: " أي فرض عليكم" (٨). قال الراغب: "ويعبر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والفرض والعزم، بالكتابة، ووجه ذلك: أن الشيء يراد، ثم يقال، ثم يكتب، فالإرادة مبدأ، والكتابة منتهى، ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى" (٩). قوله تعالى: ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، أي: " إِذا أشرف أحدكم على الموت" (١٠). قال البيضاوي: " أي حضرت أسبابه وظهرت أماراته" (١١). قال الثعلبي: " يعني اسباب الموت وآثاره ومقدماته من العلل والأمراض ولم يرد المعاينة" (١٢).

стр. 1303

قال المراغي: أي: "إذا حضرت أسباب الموت وعلله والأمراض المخوفة" (١). قال السعدي: " أي: أسباب [الموت]، كالمرض المشرف على الهلاك، وحضور أسباب المهالك" (٢). قال الشيخ ابن عثيمين: "يريد بذلك - والله أعلم - إذا مُرض الإنسان مرض الموت" (٣). قال الرازي: "ليس المراد منه معاينة الموت، لأن في ذلك الوقت يكون عاجزا عن الإيصاء" (٤). وذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وجهين (٥): الأول: أن المراد حضور أمارة الموت، وهو المرض المخوف وذلك ظاهر في اللغة، يقال فيمن يخاف عليه الموت: إنه قد حضره الموت كما يقال لمن قارب البلد إنه قد وصل. وهذا اختيار الأكثرين (٦). والثاني: أن المراد فرض عليكم الوصية في حالة الصحة بأن تقولوا: إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا قال القاضي: والقول الأول أولى لوجهين أحدهما: أن الموصي وإن لم يذكر في وصيته الموت جاز والثاني: أن ما ذكرناه هو الظاهر، وإذا أمكن ذلك لم يجز حمل الكلام على غيره. وهذا قول الأصم (٧). قال الحافظ ابن حجر: " وتقدير الآية: ﴿كُتِبَ﴾ عليكم ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ وقت حضور الموت، ويجوز أن تكون الوصية مفعول (٨) ﴿كُتِبَ﴾، أو ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ مبتدأ وخبره ﴿لِلوَالِدَين﴾ " (٩). قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، أي: " وقد ترك مالاً" (١٠). قال البيضاوي: " أي مالاً" (١١). قال القرطبي: "أي: مالا، بلا خلاف" (١٢). قال الثعلبي: أي: " مالا، نظيره قوله: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٧٢] " (١٣). قال السعدي: "أي مالا، وهو المال الكثير عرفا" (١٤). قال النسفي: أي: " مالاً كثيراً" (١٥). قال المراغي: أي: " وتركتم مالا كثيرا لورثتكم" (١٦). واختلف في قدر المال الذي يجب عليه أن يوصي منه على ثلاثة أقاويل (١٧):

стр. 1304

أحدها: أنه ألف درهم، تأويلاً لقوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً﴾، أن الخير ألف درهم وهذا قول عليّ (١)، وقتادة (٢). والثاني: من ألف درهم إلى خمسمائة درهم، وهذا قول إبراهيم النخعي (٣). والثالث: أنه غير مقدر وأن الوصية تجب في قليل المال وكثيره، وهذا قول الزهري (٤)، وأبي مجلز (٥)، وقد قال بذلك: الطبري (٦)، والبيضاوي (٧)، وابن العربي (٨)، وغيرهم. واحتجوا عليه بوجهين (٩): الأول: أن الله تعالى أوجب الوصية فيما إذا ترك خيرا، والمال القليل خير، يدل عليه القرآن والمعقول: أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة: ٧ ـ ٨]، وأيضا قوله تعالى: ﴿لما أنزلت إلى من خير فقير﴾، وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وأما المعقول: فهو أن الخير ما ينتفع به، والمال القليل كذلك فيكون خيرا. الحجة الثانية: أن الله تعالى اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر، بدليل قوله تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ [النساء: ٧] فوجب أن يكون الأمر كذلك في الوصية. والراجح-والله أعلم- هو قول الزهري ومن وافقه من أهل التفسير، وذلك لإطلاق الآية وعدم التقييد فيها بقلة أو كثرة، ونِعَم الله قليلها وكثيرها كلها خير ولا شك، فـ"قليلَ المال وكثيره يقع عليه ﴿خيرٌ﴾، ولم يحدّ الله ذلك بحدٍّ، ولا خص منه شيئًا فيجوز أن يحال ظاهر إلى باطن. فكلّ من حضرته منيَّته وعنده مالٌ قلّ ذلك أو كثر، فواجبٌ عليه أن يوصي منه لمن لا يرثه من آبائه وأمهاته وأقربائه الذين لا يرثونه بمعروف، كما قال الله جل ذكره وأمرَ به" (١٠). قوله تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، " أي وجب عليه الإِيصاء للوالدين والأقربين" (١١). قال السعدي: أي: " فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه" (١٢). قال المراغي: أي: " أن توصوا للوالدين وذوى القربى" (١٣). وقد اختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالأقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، على أقوال (١٤): أحدها: أنهم الأولاد، فعلى هذا أمر الله تعالى بالوصية للوالدين والأولاد وهو قول عبد الرحمن بن زيد عن أبيه، وهو قول المفسرين (١٥).

стр. 1305

والثاني: أن المراد من الأقربين من عدا الوالدين. وهو قول ابن عباس ومجاهد. والثالث: أنهم جميع القرابات من يرث منهم ومن لا يرث، وهذا معنى قول من أوجب الوصية للقرابة، ثم رآها منسوخة. والرابع: هم من لا يرثون من الرجل من أقاربه، فأما الوارثون فهم خارجون عن اللفظ. والراجع أن " ﴿الاقْرَبِينَ﴾ جمع (الأقرب)، وظاهره أنه (أفعل) تفضيل، فكل من كان أقرب إلى الميت دخل في هذا اللفظ، وأقرب ما إليه الوالدان، فصار ذلك تعميماً بعد تخصيص، فكأنهما ذكراً مرتين: توكيداً وتخصيصاً على اتصال الخير إليهما، هذا مدلول ظاهر هذا اللفظ" (١). قوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠]، " أي بما عرفه الشرع، وأقره؛ وهو الثلث فأقل" (٢). قال ابن كثير: " أي: بالرفق والإحسان" (٣). قال الصابوني: " أي بالعدل بأن لا يزيد على الثلث وألا يوصي للأغنياء ويترك الفقراء" (٤). قال أبو حيان: " أي: لا يوصى بأزيد من الثلث، ولا للغنيّ دون الفقير" (٥). قال السعدي: أي: " على قدر حاله من غير سرف، ولا اقتصار على الأبعد، دون الأقرب، بل يرتبهم على القرب والحاجة، ولهذا أتى فيه بأفعل التفضيل" (٦). قال الثعلبي: " يعني لا يزيد على الثلث ولا يوصي للغني ويدع الفقير. كما قال ابن مسعود: الوصيّة للأخل فالأخل أي الأحوج فالأحوج" (٧). قال المراغي: أي" بشىء من هذا الخير لا يعدّ في نظر الناس قليلا ولا كثيرا" (٨). والمراد بـ ﴿المعروف﴾: "أن يوصي لأقربيه وَصيَّةً لا تجحف بورثته، من غير إسراف ولا تقتير، كما ثبت في الصحيحين أن سعدا قال: يا رسول الله، إن لي مالا ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثُلُثَيْ مالي؟ قال: "لا" قال: فبالشَّطْر؟ قال: "لا" قال: فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير؛ إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" (٩) " (١٠). وفي صحيح البخاري: أن ابن عباس قال: لو أن الناس غَضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله ﷺ قال: "الثلث، والثلث كثير" (١١). وروى الإمام أحمد، عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن ذيال بن عبيد بن حنظلة، سمعت حنظلة بن حذيم بن حنيفة: "أن جده حنيفة أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشقّ ذلك على بنيه، فارتفعوا إلى رسول الله ﷺ . فقال حنيفة: إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل، كنا نسميها المطيبة. فقال

стр. 1306

النبي ﷺ ، "لا لا لا. الصدقة: خمس، وإلا فعَشْر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن أكثرت فأربعون". وذكر الحديث بطوله" (١). ويحتمل قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وجهان من التفسير (٢): أحدهما: بالعدل الوسط الذي لا بخس فيه ولا شطط. والثاني: يعني بالمعروف من ماله دون المجهول. قوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، أي: " حقاً لازماً على المتقين لله" (٣). قال سعيد بن جبير: " يقول تلك الوصية حق على المتقين" (٤). وقال مقاتل بن حيان: " ﴿حقا على المتقين﴾، يعني: المؤمنين" (٥). قال المراغي: " أي أوجب ذلك حقا على المتقين لى المؤمنين بكتابي" (٦). و(التقوى): "هي اتخاذ ما يقي من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه" (٧). قال أبو حيان: " ﴿المتقين﴾، قيل: معناه: من اتقى في أمور الورثة أن لا يسرف، وفي الأقربين أن يقدّم الأحوج فالأحوج، وقيل: من اتبعوا شرائع الإيمان العاملين بالتقوى قولاً وفعلاً، وخصهم بالذكر تشريفاً لهم وتنبيهاً على علو منزلة المتقين عنده، وقيل: من اتقى الكفر ومخالفة الأمر" (٨). وإن قيل: ظاهر الكلام في قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، يقتضي تخصيص هذا التكليف بالمتقين دون غيرهم. فالجواب: من وجهين (٩): الأول: أن المراد بقوله: ﴿حقا على المتقين﴾ أنه لازم لمن آثر التقوى، وتحراه وجعله طريقة له ومذهبا فيدخل الكل فيه الثاني: أن هذه الآية تقتضي وجوب هذا المعنى على المتقين والإجماع دل على أن الواجبات والتكاليف عامة في حق المتقين، وغيرهم، فبهذا الطريق يدخل الكل تحت هذا التكليف؛ فهذا جملة ما يتعلق بتفسير هذه الأية. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب الوصية للوالدين والأقربين لمن ترك مالاً كثيراً؛ لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم﴾؛ واختلف العلماء ﵏ هل هذا منسوخ بآيات المواريث؛ أم هو محكم، وآيات المواريث خصصت؟ على قولين؛ فأكثر العلماء على أنه منسوخ؛ ولكن القول الراجح أنه ليس بمنسوخ؛ لإمكان التخصيص؛ فيقال: إن قوله تعالى: ﴿للوالدين والأقربين﴾ مخصوص بما إذا كانوا وارثين؛ بمعنى أنهم إذا كانوا وارثين فلا وصية لهم اكتفاءً لما فرضه الله لهم من المواريث؛ وتبقى الآية على عمومها فيمن سوى الوارث. ٢ - ومن فوائد الآية: جواز الوصية للصحيح، والمريض، ومن حضره الموت؛ ولكن النصوص تدل على أن من حضره الموت ينقسم إلى قسمين: الأول: من بقي معه عقله ووعيه، فوصيته نافذة حسب الشروط الشرعية. الثاني: من فقد وعيه وعقله، فلا تصح وصيته.

стр. 1307

٣ - ومنها: جواز الوصية بما شاء من المال؛ لكن هذا مقيد بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : «أتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا؛ قال: فالشطر؟ قال: لا؛ قال: فالثلث؟ قال: الثلث؛ والثلث كثير» (١)؛ وعلى هذا فلا يزاد في الوصية على ثلث المال؛ فتكون الآية مقيدة بالحديث. ٤ - ومنها: أن الوصية الواجبة إنما تكون فيمن خلّف مالاً كثيراً؛ لقوله تعالى: ﴿إن ترك خيراً﴾؛ فأما من ترك مالاً قليلاً فالأفضل أن لا يوصي إذا كان له ورثة؛ لقول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» (٢). ٥ - ومنها: أن الوصية ليست مقيدة بجزء معين من المال؛ بل هي بالمعروف. ٦ - ومنها: أهمية صلة الرحم، حيث أوجب الله الوصية للوالدين والأقربين بعد الموت؛ لأن صلة الرحم من أفضل الأعمال المقربة إلى الله؛ فهذه إحدى أمهات المؤمنين أخبرت النبي ﷺ : أنها أعتقت جارية لها؛ فقال: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» (٣)؛ فجعل النبي ﷺ صلة الرحم أعظم أجراً من العتق. ٧ - ومنها: تأكيد وجوب الوصية على من ترك مالاً كثيراً لمن ذُكر؛ وجه التوكيد قوله تعالى: ﴿حقاً على المتقين﴾. ٨ - ومنها: أن المتقين هم الذين يراعون فرائض الله؛ ولذلك وجه الخطاب إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿حقاً على المتقين﴾. مسألة: إذا قال قائل: كيف يكون الوالدان غير وارثين؟ . فالجواب: أن ذلك ممكن، مثل أن يكون الأب، أو الأم مخالفة في الدين؛ فإنه لا يرث فتوصي له. كذلك بالنسبة للأقربين فإنهم قد لا يرثون لحجبهم بمن هو أولى منهم. مسألة ثانية: فإن قال قائل: إن الله فرض للأب السدس مثلاً؛ وللأم السدس؛ وللزوجة الربع؛ وللزوج النصف؛ وما أشبه ذلك؛ وهذا يقتضي أن يكون لهم فرضهم كاملاً؛ ومع تنفيذ الوصية ينقص من فرضهم بقدر الوصية؟ . فالجواب: أن الله بين أن حق الورثة من بعد وصية يوصى بها، أو دين؛ وعلى هذا فلا إشكال في الآية في تقدير أنصباء الورثة؛ وهذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة. القرآن ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨١] التفسير: فمَن غَيَّر وصية الميت بعدما سمعها منه قبل موته، فإنما الذنب على مَن غيَّر وبدَّل. إن الله سميع لوصيتكم وأقوالكم، عليم بما تخفيه صدوركم من الميل إلى الحق والعدل أو الجور والحيف، وسيجازيكم على ذلك. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]، " أي من غيَّر هذه الوصية بعد ما علمها من وصيّ أو شاهد" (٤). قال سعيد بن جبير: " يقول: من بدل وصية الميت، بعد ما سمع من الميت، فلم يمض وصيته إذا كان عدلا" (٥). قال قتادة: " من بدل الوصيه بعد ما سمعها، قال: إثم ما بدل عليه" (٦). وروي عن الحسن (٧) مثل ذلك. قال الثعلبي: " أي فمن غيّر الوصيّة من الأوصياء والأولياء أو الشهود، بعدما سمعه من الميت" (٨). قال البيضاوي: أي: " غيّره من الأوصياء والشهودـ بَعْدَ ما وصل إليه وتحقق عنده" (٩). قال الزمخشري: أي: " فمن غيّر الإيصاء عن وجهه، إن كان موافقاً للشرع، من الأوصياء والشهود ﴿بَعْدَ ما سَمِعَهُ﴾ وتحققه" (١٠). قال الطبري: أي" فمن غيَّر ما أوصَى به الموصِي - من وصيته بالمعروف لوالديه أو أقربيه الذين لا يرثونه - بعد ما سمع الوصية، فإنما إثم التبديل على من بَدَّل وصيته" (١١). قال ابن عثيمين: " أي فمن غيّر الإيصاء من شاهد ووصىّ، بعدما عقله، وعرف طرقه وتنفيذه، والتغيير يكون" بنقص، أو زيادة، أو منعٍ؛ إن نقص فالضرر على الموصى له؛ وإن زاد فعلى الورثة؛ وإن منع فعلى الموصى له" (١٢). قال ابن كثير: " ويدخل في ذلك الكتمان لها" (١٣). أي ضمن التبديل. قال القرطبي: "و ﴿سَمِعَهُ﴾ يحتمل أن يكون سمعه من الوصي نفسه، ويحتمل أن يكون سمعه ممن يثبت به ذلك عنده، وذلك عدلان" (١٤). قال أهل العلم: "عبر بالسمع عن العلم؛ لأن السمع من الحواس الظاهرة؛ والعلم من الإدراكات الباطنة - أي فمن بدله بعد أن يعلمه علم اليقين، كما لو سمعه بنفسه؛ ومعلوم أن العلم بالوصية لا يتوقف على السماع؛ قد يكون بالكتابة؛ وقد يكون بالمشافهة، والسماع؛ وقد يكون بشهادة الشهود؛ وما إلى ذلك" (١٥). وفي عود الكناية في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]، ثلاثة أوجه (١٦): أحدها: أن الكناية تعود إلى (الإيصاء)؛ لأن الوصيةَ في معنى الإيصاء، ودالة عليه، كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أي: وعظ. والثاني: وقيل: أنها راجعة إلى الحكم والفرض، إذ كان تأويل ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾: فرض عليكم، فكأنه قال: فمن بدل فرض الله، فيدل ﴿كُتِبَ﴾ على الكَتْبِ فيُكْنى عنه. والثالث: وقيل: الكناية تعود إلى معنى الوصية، وهو قول أو فعل.

стр. 1308

قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]، أي: "إنما الإثم على المبدل المغير، وقد برئت منه ذمة الموصى وثبت له الأجر عند ربه" (١). قال ابن عباس: " وقد وقع أجر الميت على الله، برئ من إثمه" (٢). قال سعيد بن جبير: " ﴿فإنما إثمه﴾، يعني: إثم ذلك" (٣)، " ﴿على الذين يبدلونه﴾، يعني: الوصي، وبرئ منه الميت" (٤). قال البيضاوي: أي: " فما إثم الإِيصاء المغير أو التبديل، إلا على مبدليه لأنهم الذين خافوا وخالفوا الشرع" (٥). قال الماوردي: " أي: يسمعونه ويَعْدِلون به عن مستحقه، إما ميلاً أو خيانة، وللميت أجر قصده وثواب وصيته، وإن غُيّرت بعده " (٦). قال الزمخشري: أي: " فما إثم الإيصاء المغير أو التبديل إلا على مبدّليه دون غيرهم من الموصى والموصى له، لأنهما بريان من الحيف" (٧). قال الصابوني: " أي إِثم هذا التبديل على الذين بدّلوه لأنهم خانوا وخالفوا حكم الشرع" (٨). قال القرطبي: أي: "إن هذا الموصي إذا غير الوصية أو لم يجزها على ما رسم له في الشرع فعليه الإثم" (٩). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١]، " أي: إن الله "سميع لقول الموصِي، عليم بفعل الوصي (١٠). قال سعيد بن جبير: " ﴿إن الله سميع عليم﴾، يعني: الوصية للميت، عليم بها" (١١). قال الثعلبي: أي: " ﴿سَمِيعٌ﴾ لوصاياكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيّاتكم" (١٢). قال البيضاوي: " وعيد للمبدل بغير حق" (١٣). قال الواحدي: أي: " قد سمع ما قاله الموصي ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيته وما أراد، وعليم بما يفعله الوصي" (١٤). قال السعدي: أي" يسمع سائر الأصوات، ومنه سماعه لمقالة الموصي ووصيته، فينبغي له أن يراقب من يسمعه ويراه، وأن لا يجور في وصيته، ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيته، وعليم بعمل الموصى إليه، فإذا اجتهد الموصي، وعلم الله من نيته ذلك، أثابه ولو أخطأ، وفيه التحذير للموصى إليه من التبديل، فإن الله عليم به، مطلالتفسير البسيط: ٣/ ٥٥١. على ما فعله، فليحذر من الله، هذا حكم الوصية العادلة (١٥).

стр. 1309

قال الطبري: " ﴿إن الله سميع﴾ لوصيتكم التي أمرتكم أن تُوصوا بها لآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم حين توصون بها، أتعدلون فيها على ما أذِنت لكم من فعل ذلك بالمعروف، أم تَحيفون فتميلون عن الحق وتجورون عن القصد؟ ﴿عليم﴾ بما تخفيه صدوركم من الميل إلى الحق، والعدل، أم الجور والحيْف" (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن من فعل الخير، ثم غُيِّر بعده كُتب له ما أراد؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾. ٢ - ومنها: أن من بدل الوصية جهلاً فلا إثم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿بعد ما سمعه﴾؛ ويؤخذ من هذا - بل من باب أولى - أنه لو تصرف في الوصية تصرفاً خطأً وهو معتقد أنه على صواب فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه مُوَلَّى على التصرف فيها؛ فإذا أخطأ فلا ضمان إذا لم يكن هناك تفريط، أو تعدٍّ. ٣ - ومنها: تحريم تغيير الوصية؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾؛ فيجب العمل بوصية الموصي على حسب ما أوصى إلا أن يكون جنفاً أو إثماً. ٤ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «السميع» و «العليم»؛ وما تضمناه من الصفة؛ والحكم الذي هو الأثر؛ فالسميع اسم؛ والسمع صفة؛ وكونه يسمع هو الأثر - أو الحكم؛ والعليم كذلك. ٥ - ومنها: إحاطة الله بكل أعمال الخلق؛ لأن قوله تعالى: ﴿سميع عليم﴾ ذكر عقب التهديد في قوله تعالى: ﴿فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾؛ وهذا يدل على أن الله يسمع، ويعلم ما يبدله الوصي. ٦ - ومنها: الرد على الجبرية، وعلى القدرية؛ فالجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، ولا قدرة له، ولا اختيار؛ فأنكروا حكمة الله تعالى؛ لأنه إذا قيل بهذا القول الباطل انتفت حكمة الأمر، والنهي، والثواب، والعقاب؛ وصار من فعل ما أمر به، أو ترك ما نُهي عنه ليس أهلاً للمدح؛ لأنه كالآلة ليس عنده قدرة، ولا اختيار؛ وكذلك أبطلوا حكمة الله في الجزاء؛ لأنه - على أصلهم - يجزي المحسن وهو غير محسن؛ ويعاقب العاصي وهو غير عاصٍ؛ والرد عليهم في قوله تعالى: ﴿فمن بدله﴾؛ فأضاف التبديل إلى الإنسان. وأما القدرية فيقولون: «إن الإنسان مستقل بعمله، ولا تتعلق به إرادة الله، ولا قدرته، ولا خلقه»؛ وغلاتهم ينكرون العلم والكتابة، يقولون: «إن أفعال العبادة غير معلومة لله، ولا مكتوبة عنده»؛ وقالوا: «إن الأمر أُنُف أي مستأنف - لم يكن الله يعلم شيئاً مما نفعله؛ إلا إذا وقع علمه بعد رؤيته، أو سمعه»؛ وجه الرد عليهم إثبات العلم لله. قال الشافعي، وغيره من السلف: ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا؛ وإن أنكروه كفروا؛ فإما إذا قالوا: إن الله لا يعلم فكفرهم واضح لتكذيبهم القرآن؛ وأما إذا قالوا: إنه يعلم لكن لا يقدرها، ولا يخلقها، قيل لهم: هل وقعت على وفق معلومه، أو على خلاف معلومه؟ سيقولون: «على وفق معلومه»؛ وإذا كان على وفق معلومه لزم أن تكون مرادةً له؛ وإلا لما وقعت. فالحاصل أن في الآية رداً على القدرية، والجبرية؛ وكل منهم غلا في جانب من جوانب القدر؛ فالجبرية غلو في إثبات القدر، وفرطوا في أفعال العباد؛ والقدرية غلو في إثبات فعل العبد، وفرطوا في علم الله، وإرادته؛ والوسط هو الخير؛ فأهل السنة، والجماعة يثبتون لله العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق؛ كما يثبتون للإنسان إرادة، وقدرة - لكن ذلك تابع لإرادة الله؛ وخلقه -؛ وتفاصيل ذلك مبسوط في علم العقائد. القرآن ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة: ١٨٢] التفسير:

стр. 1310

فمَن علم مِن موصٍ ميلا عن الحق في وصيته على سبيل الخطأ أو العمد، فنصح الموصيَ وقت الوصية بما هو الأعدل، فإن لم يحصل له ذلك فأصلح بين الأطراف بتغيير الوصية؛ لتوافق الشريعة، فلا ذنب عليه في هذا الإصلاح. إن الله غفور لعباده، رحيم بهم. في سبب نزول الآية: قال الواحدي: " قال الكلبي: كان الأولياءُ والأوصياءُ يمضون وصية الميت بعد نزول هذه الآية وإن كانت مستغرقة للمال، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ أي: خشي، وقيل: علم" (١). وذكره الثعلبي في تفسيره، لكنه قال: "ثم نسختها هذه الآية: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ " (٢). وروى عبد الرزاق في المصنف، عن سفيان الثوري نحوه (٣). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢]، أي: فمن علم وتوقع وظن ميلاً في الوصية خطأ أو ميلاً فيها عمداً (٤). قال الزجاج: " أي ميلا، أو إثما، أو قصدا لإثم" (٥). قال الطبراني: "أي مَيْلاً عن الحقِّ على جهةِ الخطأ، أو مَيْلاً إلى جهة العمدِ؛ بأن زادَ في الوصيةِ على الثُّلث؛ أو أقرَّ بغيرِ الواجبٍ؛ أو جَحَدَ حقّاً عليه " (٦). قال السعدي: أي: " (الجنف): خو الميل بالوصية عن خطأ، من غير تعمد، و (الإثم): وهو التعمد لذلك" (٧). وهذا (الخطأ)، "يشمل أنواع الخطأ كلها، بأن زاد وارثا بواسطة أو وسيلة، كما إذا أوصى ببيعه الشيءَ الفُلانيّ محاباة، أو أوصى لابن ابنته ليزيدها، أو نحو ذلك من الوسائل، إما مخطئًا غير عامد، بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر، أو متعمدًا آثمًا في ذلك، فللوصيّ - والحالة هذه - أن يصلح القضية ويعدلَ في الوصية على الوجه الشرعي. ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به جمعا بين مقصود الموصي والطريق الشرعي. وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل في شيء. ولهذا عطف هذا - فبينه- على النهي لذلك، ليعلم أنّ هذا ليس من ذلك بسبيل، والله أعلم" (٨). وقوله: ﴿خاف﴾ [البقرة: ١٨٢]، يحتمل وجهان (٩): أحدهماأنه بمعنى (خشي). وتفسير الآية: "من حَضَر مَرِيضًا وهو يُوصي، فخاف أن يخطئ في وصيته فيفعل ما ليس له، أو يتعمد جورًا فيها فيأمر بما ليس له، فلا حَرَجَ عليه أن يُصلح بينه وبين ورثته، بأن يأمره بالعدل وهذا قول مجاهد (١٠) " (١١).

стр. 1311

والثاني: أنه بمعنى: (علم). قاله سعيد بن جبير (١)، ومنه قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي إلا أنْ يَعْلَمَا. وتفسير الآية: أن " الميت إذا أخطأ في وصيته، أو حاف فيها متعمدًا، فلا حَرَجَ على من علم ذلك أن يُغَيِّرَه، ويصلح بعد موتِه بين ورثته وبين المُوصَى لهم، من وليّ أو وصيّ أو والي أمر المسلمين، ويردَّ الوصيَة إلى العدل. وهذا معنى قول ابن عباس (٢)، وقتادة (٣)، والربيع (٤) " (٥). قال الواحدي: "و (الخوف) و (الخشية) يستعملان بمعنى العلم؛ لأن في الخشية والمخافة طرفًا من العلم؛ لأن القائل إذا قال: أخاف أن يقع أمر كذا، كأنه يقول: أعلم، وإنما يخاف لعلمه بوقوعه، فاستعمل الخوف في العلم، قال الله تعالى: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٠] أي: علمنا، ومنه ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١] وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] " (٦). وفي قوله تعالى: ﴿جَنَفاً أَوْ إِثْماً﴾ [البقرة: ١٨٢]، تأويلان (٧): أحدهما: أن الجنف الخطأ، والإثم العمد، وهذا قول ابن عباس (٨)، والسدي (٩)، والضحاك (١٠)، ومجاهد (١١)، والربيع (١٢)، وإبراهيم (١٣)، وعطية (١٤)، وطاوس (١٥). والثاني: أن الجنف الميل، والإثم أن يكون قد أثم في أَثَرةِ بعضهم على بعض، وهذا قول وعطاء (١٦)، وابن زيد (١٧). وفي اللغة العربية كلمة (الجنف): من جنف يجنف جنفاً إذا مال وجار (١٨)، أي: الجورُ والعدول عن الحق، قال تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، ومنه قول الشاعر (١٩): هُمُ المَوْلَى وَإِنْ جَنَفُوا عَلَيْنَا ... وَإِنَّا مِنْ لِقَائِهِمُ لَزُورُ يقال منه: جَنف الرجل على صاحبه يَجنَف، إذا مال عليه وجَار جَنفًا (٢٠). ومنه قول الأعشى (٢١):

стр. 1312

تجانف عن حجر اليمامة ناقتي ... وما قصدت من أهلها لسوائكا قوله تعالى: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ١٨٢]، أي: "فأصلح بين الموصي والموصَى له" (١). قال ابن عباس: " يقول: إذا أخطأ الميت في وصيته أو خاف فيها، فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب" (٢). وروي عن أبي العالية وطاوس والحسن وإبراهيم وسعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (٣). قال الثعلبي: "أي عمل بالإصلاح بين الموصى لهم" (٤). قال الزمخشري: "أي بين الموصي والموصي لهم بإجرائهم على طريق الشرع (٥). قال الطبراني: " بأن ردَّ الوصيةَ إلى المعروفِ الذي أمرَ اللهُ به" (٦). قال الواحدي: " يريد: بين الورثة والمختلفين في الوصية، وهم المُوصَى لهم. وسياق الآية وذكر الوصية يدل عليهم، فكنى عنهم" (٧). وقال الكسائي والفراء: "قوله: ﴿أصلح﴾، يدل على أن الصلح يكون بين الورثة والمُوصَى لهم، قال الكسائي: لأنّ أصلح لا يكون على واحد، لا تقول: أصلحت بينَه، ولكن بينهما، أو بينهم" (٨). قوله تعالى: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]، أي: " فلا ذنب عليه بهذا التبديل" (٩). قال الربيع بن أنس: " يقول: رده الوصي إلى الحق بعد موته فلا إثم عليه" (١٠). وروي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (١١). قال الزمخشري: أي: "فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ حينئذ، لأن تبديله تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدل بالباطل، ثم من يبدل بالحق ليعلم أن كل تبديل لا يؤثم" (١٢). قال الواحدي: " إنما قال للمتوسط للإصلاح: ليس عليه إثم، ولم يقل فله الأجر؛ لأنه ذكر إثم التبديل، ونفى الإثم عن المصلح، ليبين أنه ليس بمبدل" (١٣). قال الثعلبي: " أي: لأنه إنما يقصد إلى إصلاح بعد أن يكون الموصي قد جعل الوصية بغير المعروف مخالفا لأمر الله فإذا ردها الموصى إليه إلى المعروف، فقد ردها إلى ما أمر الله به" (١٤).

стр. 1313

قال الطبراني: " لِما توعَّدَ اللهُ المبدِّلَ؛ خافَ الأوصياءُ من التبديلِ، فكانوا ينفذونَ وصيةَ الميت وإن جارَ في وصيتهِ واستغرقت كلَّ المالِ، فأنزلَ اللهُ هذه الآية وبيَّن أن الإثم في تبديلِ الحقِّ بالباطل، وإذا غيَّر الوصيُّ من باطلٍ إلى حقٍّ على طريق الإصلاحِ فهو محسنٌ فلا أثمَ عليه" (١). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَينَهُم فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]، على خمسة أقاويل (٢): أحدها: أن تأويله فمن حضر مريضاً، وهو يوصي عند إشرافه على الموت، فخاف أن يخطئ في وصيته، فيفعل ما ليس له أو أن يتعمد جَوْراً فيها، فيأمر بما ليس له، فلا حرج على من حضره فسمع ذلك منه، أن يصلح بينه وبين ورثته، بأن يأمره بالعدل في وصيته، وهذا قول مجاهد (٣). والثاني: أن تأويلها فمن خاف من أوصياء الميت جنفاً في وصيته، فأصلح بين ورثته وبين المُوصَى لهم فيما أُوصِيَ به لهم حتى رد الوصية إلى العدل، فلا إثم عليه، وهذا قول ابن عباس (٤)، وقتادة (٥). والثالث: أن تأويلها فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً في عطيته لورثته عند حضور أجله، فأعطى بعضاً دون بعض، فلا إثم عليه أن يصلح بين ورثته في ذلك، وهذا قول عطاء (٦). والرابع: أن تأويلها فمن خاف من موصٍ جنفاً، أو إثماً في وصيته لغير ورثته، بما يرجع نفعه إلى ورثته فأصلح بين ورثته، فلا إثم عليه، وهذا قول طاووس (٧). والخامس: أن تأويلها فمن خاف من موصٍ لآبائه وأقربائه جنفاً على بعضهم لبعض، فأصلح بين الآباء والأقرباء، فلا إثم عليه، وهذا قول السدي (٨). والصواب في تفسير الآية، هو أن يوصي لوالديه والأقربين الذين لايرثونه بأكثر مما يجوز له في الوصية، مما لم يأذن به الله، وذلك بأن يوصي "مما جاوز الثلث أو بالثلث كله، وفي المال قلة، وفي الوَرَثة كثرةٌ فلا بأس على من حضره أن يصلح بين الذين يُوصَى لهم، وبين ورثة الميت، وبين الميت، بأن يأمرَ الميت في ذلك بالمعروف ويعرِّفه ما أباح الله له في ذلك وأذن له فيه من الوصية في ماله، وينهاه أن يجاوز في وصيته المعروف الذي قال الله تعالى ذكره في كتابه: " كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموتُ إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف "، وذلك هو " الإصلاح " الذي قال الله تعالى ذكره: " فأصلح بينهم فلا إثم عليه ". وكذلك لمن كان في المال فَضْل وكثرةٌ وفي الورثة قِلة، فأراد أن يقتصر في وصيته لوالديه وأقربيه عن ثلثه، فأصلح من حَضرَه بينه وبين ورثته وبين والديه وأقربيه الذين يريد أن يوصى لهم، بأن يأمر المريض أن يزيد في وصيته لهم، ويبلغ بها ما رَخّص الله فيه من الثلث. فذلك أيضًا هو من الإصلاح بينهم بالمعروف. وإنما اخترنا هذا القول، لأن الله تعالى ذكره قال: ﴿فمن خَاف من موص جَنفًا أو إثمًا﴾، يعني بذلك: فمن خاف من موص أن يَجْنَف أو يَأثم. فخوفُ الجنف والإثم من الموصي، إنما هو كائن قبل وقوع الجنف

стр. 1314

والإثم، فأما بعد وجوده منه، فلا وجه للخوف منه بأن يَجنف أو يأثم، بل تلك حال مَنْ قد جَنفَ أو أثم، ولوْ كان ذلك معناه لقيل: فمن تبيّن من مُوص جَنفًا أو إثمًا - أو أيقن أو علم - ولم يقل: فمن خَافَ منه جَنفًا" (١). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿مِنْ مُوصٍ﴾ [البقرة: ١٨٢]، على وجهين (٢): أحدهما: ﴿من موص﴾، خفيفة ساكنة الواو. ق بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، وحفص عن عاصم خفيفة أيضا. والثاني: ﴿من موص﴾ مثقلة مفتوحة الواو مشددة الصاد. وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي. وهما لغتان للعرب مشهورتان: وصَّيتك، وأوصيتك (٣)، فمن قرأ ذلك: ﴿مُوصِ﴾ بتخفيف (الصاد) وتسكين (الواو)، فإنما قرأه بلغة من قال: أوصيتُ فلانًا بكذا " (٤). ومن قرأ: ﴿مُوَصٍّ﴾ بتحريك (الواو) وتشديد (الصاد)، قرأه بلغة من يقول: وصَّيت فلانًا بكذا" (٥). قال القرطبي: والتشديد" أبين، لأن أكثر النحويين يقولون (موص) للتكثير" (٦). وقرأ عليٌّ -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ-: " (حَيْفاً) بالحاء والياء؛ أي ظُلماً"ُ (٧). والفرق بين الْجَنَفِ وَالْحَيْفِ: "أنَّ (الْجَنَفَ) عدول عن الشيء، و (الْحَيْفَ) حَمْلٌ عَلَى الشَّيْءِ حَتَّى يَنْتَقِصَهُ، وَعَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يَنْتَقِصَ حَقَّهُ "ُ (٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٢]؛ أي إن الله "واسع المغفرة والرحمة لمن قصد بعمله الإِصلاح" (٩). قال سعيد بن جبير: " يعني: الوصي حين أصلح بين الورثة رحيم يعني: رحيما به خبيرا به، حيث رخص له في خلاف جور وصية الميت" (١٠). قال الطبري: " والله ﴿غَفورٌ﴾ للموصي فيما كان حدَّث به نفسه من الجنف والإثم، إذا تَرَك أن يأثم ويَجنف في وصيته، فتجاوزَ له عما كان حدَّث به نفسه من الجور، إذ لم يُمْضِ ذلك فيُغْفِل أن يؤاخذه به، ﴿رحيمٌ﴾ بالمصلح بينَ المُوصي وبين من أراد أن يَحيف عليه لغيره، أو يَأثَم فيه له" (١١).

стр. 1315

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن من خاف جوراً أو معصية من موصٍ فإنه يصلح؛ وهذا يشمل ما إذا كان قبل موت الموصي، أو بعده؛ مثاله قبل موت الموصي: أن يستشهد الموصي، أو يستكتب شخصاً لوصيته، فيجد فيها جوراً، أو معصية، فيصلح ذلك؛ ومثاله بعد موته: أن يُطَّلع على وصية له تتضمن ما ذُكر فتُصْلح؛ مثال ذلك أن يوصي لوارث، فيُطَّلع على ذلك بعد موته، فتُصْلح الوصية إما باستحلال الوارث الرشيد؛ وإما بإلغائها إذا لم يمكن. ٢ - ومن فوائد الآية: رفع الإثم عن الوصي إذا أصلح لخوفه جنفاً، أو إثماً. ٣ - ومنها: فضيلة الإصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فأصلح بينهم﴾؛ فإن في الإصلاح درء الإثم عن الموصي، وإزالة العداوة، والشحناء بين الموصى إليهم والورثة. ٤ - ومنها: أنه قد يعبر بنفي الإثم، أو نفي الجناح دفعاً عن توهمه؛ وعليه فلا ينافي المشروعية، كما في قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوَّف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨ ولما كان تبديل الوصية إثماً نفى الله الإثم عمن أصلح؛ ثم تعود المسألة إلى القواعد العامة التي مقتضاها وجوب الإصلاح، ورفع الجنف، والإثم. ٥ - ومنها: أن تغيير الوصية لدفع الإثم جائز؛ بل هو واجب بدليل آخر؛ وأما تغيير الوصية لما هو أفضل ففيه خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه لا يجوز؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فمن بدله بعد ما سمعه﴾ [البقرة: ١٨١]؛ ولم يستثن إلا ما وقع في إثم فيبقى الأمر على ما هو عليه لا يغير؛ ومنهم من قال: بل يجوز تغييرها إلى ما هو أفضل؛ لأن الغرض من الوصية التقرب إلى الله ، ونفع الموصى له، فكلما كان أقرب إلى الله، وأنفع للموصى له كان أولى أيضاً؛ والموصي بشر قد يخفى عليه ما هو الأفضل؛ وقد يكون الأفضل في وقت ما غير الأفضل في وقت آخر؛ ولأن النبي ﷺ أجاز تحويل النذر إلى ما هو أفضل مع وجوب الوفاء به؛ فالرجل الذي جاء إليه، وقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس؛ فقال ﷺ : «صلِّ ها هنا» فأعاد عليه فقال: «صل ها هنا» فأعاد الثالثة فقال ﷺ : «شأنك إذاً» (١)؛ والذي أرى في هذه المسألة أنه إذا كانت الوصية لمعين فإنه لا يجوز تغييرها، كما لو كانت الوصية لزيد فقط؛ أو وقف وقفاً على زيد فإنه لا يجوز أن يغير لتعلق حق الغير المعين به؛ أما إذا كانت لغير معين - كما لو كانت لمساجد، أو لفقراء - فلا حرج أن يصرفها لما هو أفضل. ٦ - ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغفور» و «الرحيم»؛ وما تضمناه من وصف، وحكم. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، فرض الله عليكم الصيام كما فرضه على الأمم قبلكم؛ لعلكم تتقون ربكم، فتجعلون بينكم وبين المعاصي وقاية بطاعته وعبادته وحده. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٨٣]، أي: "يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا بهما وأقرُّوا" (٢). قال المراغي: " أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله" (٣).

стр. 1316

قال الصابوني: " هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه" (١). قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا كان على شريفها وأميرها" (٢). قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٣). وقال جعفر الصّادق ﵁: " لذة «يا» في النداء أزال تعب العبادة والعناء" (٤). قال ابن عثيمين: "إن تصدير الحكم بالنداء، دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (٥). قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، أي" "فرض عليكم الصيام" (٦). قال سعيد بن جبير: "يعني: فرض عليكم" (٧). قال ابن عثيمين: " والذي فَرضه هو الله " (٨). قال الحافظ ابن حجر: " والمراد بالمكتوب فيه: اللوح المحفوظ" (٩). قال الطبري: "وإن كان ﴿كتب﴾ بمعنى: فُرض، فإنه عندي مأخوذ من (الكتاب) الذي هو رسمٌ وخَط. وذلك أن الله تعالى ذكره قد كتب جميعَ ما فرَض على عباده وما هم عاملوه في اللوح المحفوظ، فقال تعالى ذكره في القرآن: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [سورة البروج: ٢١ - ٢٢] وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [سورة الواقعة: ٧٧ - ٧٨]. فقد تبين بذلك أن كل ما فرضه علينا، ففي اللوح المحفوظ مكتوبٌ" (١٠). والصوم والصيام لغة: الإمساك (١١)، يقال: صام النهار إذ وقف سير الشمس، قال الله تعالى إخباراً عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [المريم: ٢٦]، أي: صمتاً؛ لأنه إمساك عن الكلام، ويفسره قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [المريم: ٢٦]. وقال الشاعر النابغة الذبياني (١٢):

стр. 1317

خَيْلٌ صِيَامٌ، وخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ العَجَاجِ، وأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا يعني بالخيل الصائمة: القائمة بلا اعتلاف، وقيل: الممسكة عن الصهيل (١). والصيام: مصدر صام يصوم صوماً وصياماً (٢). والصوم شرعاً: قيل: "هو عبارة عن إمساك مخصوص: وهو الإمساك عن الأكل، والشرب، والجماع من الصبح إلى المغرب مع النية" (٣). وقيل: هو عبارة عن إمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص (٤). وقيل: "هو عبارة: عن إمساك مخصوص، في وقت مخصوص، على وجه مخصوص" (٥). وقيل: "هو الإمساك عن المفطر على وجه مخصوص" (٦). وقيل: "إمساكٌ بِنِيَّةٍ عن أشياء مخصوصة، في زمن معيَّن، من شخص مخصوص" (٧). وقيل: "هو: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وغيرها مما ورد به الشرع في النهار على الوجه المشروع" (٨) (٩). وقيل: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، وغيرها مما ورد به الشرع في النهار على الوجه المشروع، ويتبع ذلك الإمساك عن الرفث والجهل وغيرها من الكلام المحرم والمكروه (١٠). وقيل: إمساك مخصوص من شخص مخصوص، عن شيء مخصوص، في زمنٍ مخصوص (١١). والمختار في تعريف الصيام شرعاً: أن يُقال: "هو التعبد لله تعالى بالإمساك بنية: عن الأكل، والشرب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، من شخص مخصوص، بشروط مخصوصة " (١٢). وسمي الصيام صبراً؛ لحديث: "صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر" (١٣) (١٤). وقد قيل: إنه عُني بقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]؛ لأن الصائم يُصبِّر نفسه عن شهواتها (١٥). وسمي أيضاً: السياحة (١٦).

стр. 1318

قوله تعالى: ﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، " أي: فرض عليكم صيام شهر رمضان كما فرض على الأمم قبلكم" (١). قال البيضاوي: " يعني الأنبياء والأمم من لدن آدم ﵇، وفيه توكيد للحكم وترغيب في الفعل وتطييب على النفس" (٢). قال الطبري: " يعني فرض عليكم مثل الذي فرض على الذين منْ قبلكم" (٣). قال ابن كثير: " ذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة، وَليَجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨] " (٤). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وفيه ثلاثة أقاويل (٥): أحدها: أنهم النصارى، وهو قول الشعبي (٦)، والربيع (٧)، والسدي (٨)، والحسن (٩). والثاني: أنهم أهل الكتاب، وهو قول مجاهد (١٠). واختاره الطبري (١١). والثالث: أنهم جميع الناس، وهو قول قتادة (١٢). والراجح أن المعنيين في الآية هم أهل الكتاب، أما التشبيه فإنه وقع في الوقت، " وذلك أن مَنْ كان قبلنا إنما كان فرِض عليهم شهر رمضان، مثل الذي فُرض علينا سواء" (١٣). والله أعلم (١٤). واختلفوا في موضع التشبيه بين صومنا، وصوم الذين من قبلنا، على قولين (١٥): أحدهما: أن التشبيه في حكم الصوم وصفته، لا في عدده لأن اليهود يصومون من العتمة إلى العتمة، ولا يأكلون بعد النوم شيئاً، وكان المسلمون على ذلك في أول الإسلام، لا يأكلون بعد النوم شيئاً حتى كان من شأن عمر بن الخطاب وأبي قيس بن صرمة ما كان، فأجلّ الله تعالى لهم الأكل والشرب، وهذا قول الربيع بن أنس (١٦).

стр. 1319

وقد روي عن النبي- ﷺ -أنه قال: " بَيْنَ صَومِنَا وَصَومِ أهلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ " (١). والقول الثاني: أن التشبيه في عدد الصوم، وفيه قولان (٢): أحدهما: أن النصارى كان الله فرض عليهم صيام ثلاثين يوماً كما فرض علينا، فكان ربما وقع في القيظ، فجعلوه في الفصل بين الشتاء والصيف، ثم كفّروه بصوم عشرين يوماً زائدة، ليكون تمحيصاً لذنوبهم وتكفيراً لتبديلهم، وهذا قول الشعبي (٣). والثاني: أنهم اليهود كان عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر، إلى أن نسخ بصوم رمضان. وهذا قول ابن عباس (٤)، والضحاك بن مزاحم (٥)، وعطاء (٦)، وقتادة (٧). وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن معاذ بن جبل: "أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام يوم عاشوراء، فصام تسعة عشر شهرا من ربيع الأول إلى رمضان، ثم قال: إن الله قد افترض عليكم شهر رمضان" (٨). وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين فائدتين في غرض التشبيه في قوله تعالى: ﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] (٩): الفائدة الأولى: التسلية لهذه الأمة حتى لا يقال: كلفنا بهذا العمل الشاق دون غيرنا؛ لقوله تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ [الزخرف: ٣٩] يعني لن يخفف عنكم العذابَ اشتراكُكم فيه - كما هي الحال في الدنيا: فإن الإنسان إذا شاركه غيره في أمر شاق هان عليه؛ ولهذا قالت الخنساء ترثي أخاها صخراً (١٠): ولَوْلا كَثرَة ُ الباكينَ حَوْلي على اخوانهمْ لقتلتُ نفسي وما يَبكونَ مثلَ أخي ولكِنْ اعزّي النَّفسَ عنهُ بالتَّأسي الفائدة الثانية: استكمال هذه الأمة للفضائل التي سبقت إليها الأمم السابقة؛ ولا ريب أن الصيام من أعظم الفضائل؛ فالإنسان يصبر عن طعامه، وشرابه، وشهوته لله ؛ ومن أجل هذا اختصه الله لنفسه، فقال تعالى: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي" (١١). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، " أي لتكونوا من المتقين لله، المجتنبين لمحارمه" (١٢). قال ابن عباس: "يريد: كي تخافوني في حدودي وفرائضي" (١٣). قال الثعلبي: أي: " لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع" (١٤).

стр. 1320

قال الزمخشري: أي: " بالمحافظة عليها وتعظيمها لأصالتها وقدمها" (١). قال ابن كثير في تفسيره: "لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان" (٢). قال ابن عثيمين: "فيها بيان الحكمة من فرض الصوم؛ أي تتقون الله ؛ هذه هي الحكمة الشرعية التعبدية للصوم؛ وما جاء سوى ذلك من مصالح بدنية، أو مصالح اجتماعية، فإنها تبع" (٣). قال الزجاج: " و ﴿لعل﴾ ههنا على ترجي العباد، والله من وراء العلم أتتقون أم لا. ولكن المعنى أنه ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رجاؤكم في التقوى" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ثلاثة أوجه من التفسير (٥): أحدها: معناه أن الصوم سبب يؤول بصاحبه إلى تقوى الله، لما فيه من قه النفس، وكسر الشهوة، وإذهاب الأشر، وهو معنى قول الزجاج (٦). والثاني: لعلكم تتقون ما حرم عليكم في الصيام، من أكل الطعام، وشرب الشراب، ووطء النساء، وهو قول أبي جعفر الطبري (٧). قال القرطبي: "فإنه كلما قل الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت، الشهوة قلت المعاصي وهذا وجه مجازي حسن" (٨). والثالث: وقيل: "هو على العموم، لأن الصيام كما قال ﵇: "الصيام جنة" (٩)، و"وجاء" (١٠)، وسبب تقوى، لأنه يميت الشهوات" (١١).

стр. 1321

والقول الثاني داخل في القول الأول، لأن تناول المفطرات وقت الصوم من جملة المعاصي والمنهيات، فالأول أولى وأظهر لعدم التقييد في قوله- : ﴿تَتَّقُون﴾، والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر: " وفي قوله: ﴿لَعَلَّكُم تَتَّقُون﴾، إشارة إلى أن من قبلنا كان فرض الصوم عليهم من قبيل الآصار والأثقال التي كلفوا بها (١)، وأما هذه الأمة فتكليفها بالصوم ليكون سبباً لاتقاء المعاصي وحائلاً بينهم وبينها، فعلى هذا المفعول المحذوف يقدر بالمعاصي أو بالمنهيات (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أهمية الصيام؛ لأن الله تعالى صدره بالنداء؛ وأنه من مقتضيات الإيمان؛ لأنه وجه الخطاب إلى المؤمنين؛ وأنّ تركه مخل بالإيمان. ٢ - ومنها: فرضية الصيام؛ لقوله تعالى: ﴿كتب﴾. ٣ - ومنها: فرض الصيام على من قبلنا من الأمم؛ لقوله تعالى: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾. ٤ - ومنها: تسلية الإنسان بما ألزم به غيره ليهون عليه القيام به؛ لقوله تعالى: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم ٥ - ومنها: استكمال هذه الأمة لفضائل من سبقها، حيث كتب الله عليها ما كتب على من قبلها لتترقى إلى درجة الكمال كما ترقى إليها من سبقها. ٦ - ومنها: الحكمة في إيجاب الصيام؛ وهي تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾. ٧ - ومنها: فضل التقوى، وأنه ينبغي سلوك الأسباب الموصلة إليها؛ لأن الله أوجب الصيام لهذه الغاية؛ إذاً هذه الغاية غاية عظيمة؛ ويدل على عظمها أنها وصية الله للأولين، والآخرين؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾ [النساء: ١٣١]. ويتفرع على هذه الفائدة اعتبار الذرائع؛ يعني ما كان ذريعة إلى الشيء فإن له حكم ذلك الشيء؛ فلما كانت التقوى واجبة كانت وسائلها واجبة؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يبتعد عن مواطن الفتن: لا ينظر إلى المرأة الأجنبية؛ ولا يكلمها كلاماً يتمتع به معها؛ لأنه يؤدي إلى الفتنة، ويكون ذريعة إلى الفاحشة؛ فيجب اتقاء ذلك؛ حتى إن الرسول ﷺ أمر من سمع بالدجال أن يبتعد عنه حتى لا يقع في فتنته (٣). ٨ - ومن فوائد الآية: حكمة الله بتنويع العبادات؛ لأننا إذا تدبرنا العبادات وجدنا أن العبادات متنوعة؛ منها ما هو مالي محض؛ ومنها ما هو بدني محض؛ ومنها ما هو مركب منهما: بدني، ومالي؛ ومنها ما هو كفّ - ليتم اختبار المكلف؛ لأن من الناس من يهون عليه العمل البدني دون بذل المال؛ ومنهم من يكون بالعكس؛ ومن الناس من يهون عليه بذل المحبوب؛ ويشق عليه الكف عن المحبوب ومنهم من يكون بالعكس؛ فمن ثَم نوَّع الله بحكمته العبادات؛ فالصوم كف عن المحبوب قد يكون عند بعض الناس أشق من بذل المحبوب؛ ومن العجائب في زمننا هذا أن من الناس من يصبر على الصيام، ويعظمه؛ ولكن لا يصبر على الصلاة، ولا يكون في قلبه من تعظيم الصلاة ما في قلبه من تعظيم الصيام؛ تجده يصوم رمضان لكن الصلاة لا يصلي إلا من رمضان إلى رمضان - إن صلى في رمضان؛ وهذا لا شك خطأ في التفكير؛

стр. 1322

لكن الصلاة حيث إنها تتكرر كل يوم صار هيناً على هذا الإنسان تركها؛ والصوم يكون عنده تركه صعباً؛ ولهذا إذا أرادوا ذم إنسان قالوا: إنه لا يصوم، ولا يصلي - يبدؤون بالصوم. القرآن ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤] التفسير: فرض الله عليكم صيام أيام معلومة العدد وهي أيام شهر رمضان. فمن كان منكم مريضًا يشق عليه الصوم، أو مسافرًا فله أن يفطر، وعليه صيام عدد من أيام أُخَر بقدر التي أفطر فيها. وعلى الذين يتكلفون الصيام ويشقُّ عليهم مشقة غير محتملة كالشيخ الكبير، والمريض الذي لا يُرْجَى شفاؤه، فدية عن كل يوم يفطره، وهي طعام مسكين، فمن زاد في قدر الفدية تبرعًا منه فهو خير له، وصيامكم خير لكم -مع تحمُّل المشقة- من إعطاء الفدية، إن كنتم تعلمون الفضل العظيم للصوم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أيامًا معدودات﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: "كتب عليكم أيها الذين آمنوا الصيامُ أيامًا معدودات" (١). قال البيضاوي: أي: " مؤقتات بعدد معلوم، أو قلائل" (٢). قال المراغي: " أي أياما معيّنات بالعدد وهى أيام رمضان" (٣). قال الصابوني: " أي والصيام أيامه معدودات وهي أيام قلائل، فلم يفرض عليكم الدهر كله تخفيفاً ورحمةً بكم" (٤). قال الثعلبي: " يعني شهر رمضان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرون يوما" (٥). قال الزمخشري: أي: " موقتات بعدد معلوم. أو قلائل، كقوله: (دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) وأصله أنّ المال القليل يقدّر بالعدد ويتحكر فيه. والكثير يهال هيلا ويحثى حثيا" (٦). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وجهين (٧): أحدهما: أنها أيام شهر رمضان التي أبانها من بعد، وهو قول ابن أبي ليلى (٨)، وجمهور المفسرين (٩). والثاني: أنها صيام ثلاثة أيام من كل شهر، كانت مفروضة قبل صيام شهر رمضان، ثم نسخت به، وهي الأيام البيض من كل شهر، وهو قول ابن عباس (١٠)، وقتادة (١١)، وعطاء (١٢). والراجح في تفسير قوله تعالى: ﴿أيامًا معدودات﴾ [البقرة: ١٨٤]، أن يقال بأنه أيامَ شهر رمضان، وهذا قول جمهور أهل التفسير. والله أعلم. وفي الأيام البيض وجهان (١٣):

стр. 1323

أحدهما: أنه الثاني عشر وما يليه. الوجه الثاني: أنها الثالث عشر وما يليه. قال الماوردي: " وهو [أي: الوجه الثاني] أظهر الوجهين، لأن أيام الشهر مجزأة عند العرب عشرة أجزاء، كل جزء منها ثلاثة أيام، تختص باسم، فأولها ثلاث غرر، ثم ثلاث شهب، ثم ثلاث بهر، ثم ثلاث عشر، ثم ثلاث بيض، ثم ثلاث درع، والدرع هو سواد مقدم الشاة، وبياض مؤخرها، فقيل لهذه الثلاث درع، لأن القمر يغيب في أولها، فيصير ليلها درعاً، لسواد أوله، وبياض آخره، ثم ثلاث خنس، لأن القمر يخنس فيها، أي يتأخر، ثم ثلاث دهم، وقيل حنادس لإظلامها، ثم ثلاث فحم، لأن القمر يتفحم فيها، أي يطلع آخر الليل، ثم ثلاث رادي، وهي آخر الشهر، مأخوذة من الرادة، أن تسرع نقل أرجلها حتى تضعها في موضع أيديها" (١). واختلف في انتصاب قوله: ﴿أَيَّامًا﴾ [البقرة: ١٨٤]، وفيه وجوه (٢): الأول: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: صوموا أيّاما معدودات. وهذا قول أبو حيان (٣)، والسمين الحلبي (٤)، وابن حجر (٥). الثاني: أنه منصوب بالصيام، وهو اختيار الزمخشري، إذ لم يذكره غيره، ونظره بقولك: «نويت الخروج يوم الجمعة» (٦). قال السمين الحلبي: " وهذا ليس بشيء، لأنه يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي، وهو قوله: «كما كتب» لأنه ليس معمولا للمصدر على أي تقدير قدرته. فإن قيل: يجعل «كما كتب» صفة للصيام، وذلك على رأي من يجيز وصف المعرف بأل الجنسية بما يجري مجرى النكرة فلا يكون أجنبيا. قيل: يلزم من ذلك وصف المصدر قبل ذكر معموله، وهو ممتنع" (٧). وكذا ضعّفه أبو حيان (٨)، وأبو علي الفارسي، إذ يقول هذا الأخير: " ولا يستقيم أن ينتصب أيام بالصيام على أن يكون المعنى: كتب عليكم الصيام في أيام، لأنّ ذلك، وإن كان مستقيما في المعنى فهو في اللفظ ليس كذلك، ألا ترى أنّك إن حملته على ذلك فصلت بين الصلة والموصول بالأجنبي منهما! وذلك أن أياما تصير من صلة الصيام، وقد فصلت بينهما بمصدر: كتب، لأنّ التقدير: كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على من كان قبلكم، فالكاف في (كما) متعلقة بكتب، وقد فصلت بها بين المصدر وصلته، وليس من واحد منهما. فإن قلت: أضمر (الصِّيامُ) لتقدّم ذكر المتقدم عليه، كأنّه صيام أيّاما، فإنّ ذلك لا يستقيم، لأنّك لا تحذف بعض الاسم، ألا ترى أنّه قد قال (٩): في قوله (١٠):

стр. 1324

لعمر أبيك إلا الفرقدان إنه لا يكون على: إلا أن يكون الفرقدان، لحذفك الموصول، فكذلك الآية" (١). الثالث: أنه منصوب بالصيام على أن تقدر الكاف نعتا لمصدر من الصيام، كما قد قال به بعضهم، وإن كان ضعيفا، فيكون التقدير: «الصيام صوما كما كتب» فجاز أن يعمل في «أياما» «الصيام» لأنه إذ ذاك عامل في «صوما» الذي هو موصوف ب «كما كتب» فلا يقع الفصل بينهما بأجنبي بل بمعمول المصدر. الرابع: أن ينتصب بـ ﴿كتب﴾: إما على الظرف، وإما على المفعول به توسعا، وإليه نحا الفراء (٢) وتبعه الزجاج (٣)، وأبو البقاء. قال السمين الحلبي: " وكلا القولين خطأ: أما النصب على الظرف فإنه محل للفعل، والكتابة ليست واقعة في الأيام، لكن متعلقها هو الواقع في الأيام. وأما النصب على المفعول اتساعا فإن ذلك مبني على كونه ظرفا لكتب، وقد تقدم أنه خطأ" (٤). وأظهرها-والله أعلم-: أنه منصوب بعامل مقدر يدل عليه سياق الكلام تقديره: صوموا أياما، ويحتمل هذا النصب وجهين: إما الظرفية وإما المفعول به اتساعا (٥). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، " أي من كان به مرضٌ أو كان مسافراً فأفطر فعليه قضاء عدة ما أفطر من أيام غيرها" (٦). قال الطبري: "يعني: من كان منكم مريضًا، ممن كلِّف صَومه أو كان صحيحًا غير مريض وكان على سَفر، فعليه صوم عدة الأيام التي أفطرها في مرضه أو في سفره، من أيام أخر غير أيام مرضه أو سفره" (٧). قال النسفي: أي: "يخاف من الصوم زيادة المرض، أو راكب سفر، فعليه صيام عدد أيام فطره، والعدة بمعنى المعدود أي أمر أن يصوم أياماً معدودة مكانها" (٨). قال المراغي: " أي فمن كان على إحدى الحالين فالواجب عليه - إذا أفطر - القضاء بقدر عدد الأيام التي لم يصمها لأن كلتيهما عرضة لاحتمال المشقة بالصوم" (٩). ويعني بالمرض: " مرضاً يشق به الصوم؛ أو يتأخر به البرء؛ أو يفوت به العلاج، كما لو قال له الطبيب: خذ حبوباً كل أربع ساعات، وما أشبه ذلك؛ ودليل التخصيص بمرض يشق به الصوم ما يُفهم من العلة" (١٠). قال القرطبي: "للمريض حالتان:

стр. 1325

إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجبا. الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل" (١). والحكمة في التعبير بقوله: ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ - والله أعلم- "أن المسافر قد يقيم في بلد أثناء سفره عدة أيام، ويباح له الفطر؛ لأنه على سفر، وليست نيته الإقامة، كما حصل للرسول ﷺ في غزوة الفتح فإنه أقام في مكة تسعة عشر يوماً وهو يقصر الصلاة (٢)، وأفطر حتى انسلخ الشهر (٣) " (٤). واختلف العلماء في السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر، وفيه ثلاثة أوجه (٥): أحدهما: إجماع العلماء على جواز الفطر والقصر في سفر الطاعة، كالحج والجها. قال ابن عطية: " ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري" (٦). والثاني: واختلفوا في سفر التجارات والمباحات بالمنع والإجازة. قال ابن عطية: " والقول بالجواز أرجح"" (٧). الثالث: . وأما سفر العاصي، فيختلف فيه بالجواز والمنع. قال ابن عطية: " والقول بالمنع أرجح" (٨). وفي قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وجهان (٩): أحدهما: أنه مع وجود السفر، يلزمه القضاء سواء صام في سفره أو أفطر، وهذا قول داود الظاهري (١٠). والثاني: أن في الكلام محذوفاً وتقديره: فأفطر فعدة من أيام أخر، ولو صام في مرضه وسفره لم يعد، لكون الفطر بهما رُخْصَة لا حتماً، وهذا قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وجمهور الفقهاء (١١). وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: ﴿فَعِدَّةً﴾، نصبا أي: فليصم عدّة (١٢). قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، " أي وعلى الذين يستطيعون صيامه مع المشقة لشيخوخةٍ أو ضعفٍ، إِذا أفطروا عليهم فدية بقدر طعام مسكين لكل يوم" (١٣). واختلف في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها وردت في أول الإسلام، خيّر الله تعالى بها المطيقين للصيام من الناس كلهم بين أن يصوموا ولا يكفروا، وبين أن يفطروا ويكفروا كل يوم بإطعام مسكين، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وقيل بل نسخ بقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَّكُم﴾، وهذا قول ابن عمر، وعكرمة، والشعبي، والزهري، وعلقمة، والضحاك، وهو قول الجمهور (١٤).

стр. 1326

والثاني: وقال بعض أهل العلم: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أي يطوَّقونه؛ أي يتكلفونه، ويبلغ الطاقة منهم حتى يصبح شاقاً عليهم، ويقصد به العجوز الكبير الذي لا يستطيع الصوم والمريض مرضا مزمنا لا يبرأ منه ولا يستطيع معه الصوم فإنهما تجب عليهما الفدية ولا يكلفان بالصوم. وهذا قول سعيد بن المسيب، والسدي. والثالث: أن في الآية حذفاً؛ والتقدير: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وهؤلاء مثلوا له بالرجل والمرأة العجوزين اللذين لا يقدران على الصوم (١). وهذا الرأي فيه علة واضحة، وهي قلب صريح لظاهر الآية من الإثبات إلى النفي، فلا يمكن التسليم له بالقبول، وممن انتقد هذا الرأي محمد عبد (٢). والراجح ما قاله الجمهور، لأنه الأقرب لما ثبت عن سلمة أنها منسوخة وإن احتمل أن يكون النسخ هناك بمعنى التخصيص فكثيرا ما يطلق المتقدمون النسخ بمعناه. وأما القولين الأخيرين كلاهما ضعيف؛ والثاني أضعف؛ "لأن هذا القول يقتضي تفسير المثبت بالمنفي؛ وتفسير الشيء بضده لا يستقيم؛ وأما القول الأول منهما فله وجه؛ لكن ما ثبت في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع يدل على ضعفه: "أنه أول ما كتب الصيام كان الإنسان مخيراً بين أن يصوم؛ أو يفطر، ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ... ﴾ " (٣)؛ وكذلك ظاهر الآية يدل على ضعفه؛ لأن قوله بآخرها: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ يدل على أنهم يستطيعون الصيام، وأنه خوطب به من يستطيع فيكون ظاهر الآية مطابقاً لحديث سلمة؛ وهذا هو القول الراجح أن معنى ﴿يطيقونه﴾: يستطيعونه" (٤). قال الحافظ ابن حجر: "تضعف تأويل من زعم أن (لا) محذوفة من القراءة المشهورة، وأن المعنى: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وأنه كقول الشاعر: فقلت يمين الله أبرح قاعداً (٥) أي: لا أبرح قاعداً، ورد بدلالة القسم على النفي بخلاف الآية (٦)، ويثبت هذا التأويل أن الأكثر على أن الضمير في قوله: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ للصيام (٧)، فيصير تقدير الكلام: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية، والفدية لا تجب على المطيق، وإنما تجب على غيره (٨)، والجواب عن ذلك أن في الكلام حذفاً تقديره: وعلى الذين

стр. 1327

يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية (١)، وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نسخ وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر (٢)، وقد تقدم في الصيام (٣) حديث ابن أبي ليلى قال: "حدثنا أصحاب محمد لما نزل رمضان شق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك، فنسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وأما على قراءة ابن عباس فلا نسخ؛ لأنه يجعل الفدية على من تكلف الصوم وهو لا يقدر عليه فيفطر ويكفر، وهذا الحكم باق" (٤). واختلف في نسخ وحكم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وفيه ثلاثة أقوال (٥): أحدها: أنه كان ذلك في أول ما فرض الصوم، وكان من أطاقه من المقيمين صامَه إن شاء، وإن شاء أفطره وَافتدى، فأطعم لكل يوم أفطره مسكينًا، حتى نُسخ ذلك، وقد قال بكونها منسوخة جمع من العلماء (٦). وهذا قول عن علقمة (٧)، وعكرمة (٨)، والحسن البصري (٩)، والأعمش (١٠)، وابن عمر (١١)، والشعبي (١٢)، وعطاء (١٣)، وابن شهاب (١٤)، وابن عباس (١٥)، وسلمة بن الأكوع (١٦)، وابراهيم (١٧)، وابن سيرين (١٨)، والضحاك (١٩). والثاني: أن لقوله: ﴿وَعلى الذينَ يُطيقونه فدية طعامُ مسكين﴾، حُكمًا خاصًّا للشيخ الكبير والعجوز الذين يُطيقان الصوم، كان مرخصًا لهما أن يَفديا صومهما بإطعام مسكين ويفطرا، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فمن شَهد منكم الشهرَ فليصمه﴾، فلزمهما من الصوم مثل الذي لزم الشاب إلا أن يعجزا عن الصوم، فيكون ذلك الحكم الذي كان لهما قبلَ النسخ ثابتًا لهما حينئذ بحاله.

стр. 1328

وهذا مذهب ابن عباس (١)، وعكرمة (٢) -في أحد قوليه- وقتادة (٣)، والربيع (٤)، وخالفهم الأكثرون (٥). والثالث: أنه لم ينسخ ذلك ولا شيء منه، وهو حكم مثبتٌ من لَدُنْ نزلت هذه الآية إلى قيام الساعة، وقالوا: إنما تأويل ذلك: وعلى الذين يطيقونه - في حال شبابهم وَحداثتهم، وفي حال صحتهم وقوتهم - إذا مَرضوا وكبروا فعجزوا من الكبر عن الصوم، فدية طعام مسكين لا أنَّ القوم كان رُخِّص لهم في الإفطار - وهم على الصوم قادرون - إذا افتدوا. وهذا قول السدي (٦)، وابن عباس (٧) في أحد قوليه، وسعيد بن مسيب (٨). والرابع: إنه الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان قد كبرا عن الصوم، فهما يكلفان الصوم ولا يطيقانه، فلهما أن يفطرا ويطعما مكانَ كلّ يوم أفطراه مسكينًا. وقالوا: الآية ثابتة الحكم منذ أنزلت، لم تنسخ، وأنكروا قول من قال: إنها منسوخة. وهذا قول ابن عباس (٩)، وعلي (١٠)، وعكرمة (١١)، وطاوس (١٢)، والضحاك (١٣)، وعطاء (١٤)، وسعيد بن جبير (١٥). والراجح أن قوله تعالى ﴿وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين﴾، هو تيسير من الله تعالى على عباده وتدرج في فرض الصوم، والمعنى أن الذين يستطيعون الصوم إذا أفطروا فإن عليهم فدية، وكان هذا في أول الأمر حيث جعل الله تعالى الصيام على التخيير من شاء صام، ومن شاء أفطر وفدى، فمعنى الآية: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية، ثم نسخت (١٦) هذه الآية في قول جمهور أهل العلم بقوله تعالى ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ويدل على هذا المعنى ما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع (١٧). والله تعالى أعلم.

стр. 1329

وقال ابن كثير: "فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه، بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وأما الشيخ الفاني [الهرم] الذي لا يستطيع الصيام فله أن يفطر ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه [إذا أفطر] أن يطعم عن كل يوم مسكينًا إذا كان ذا جِدة؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما: لا يجب عليه إطعام؛ لأنه ضعيف عنه لسنّه، فلم يجب عليه فدية كالصبي؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعي. والثاني - وهو الصحيح، وعليه أكثر العلماء -: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البخاري فإنه قال: "وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس - بعد أن كبر عامًا أو عامين - كل يوم مسكينًا خبزًا ولحما، وأفطر" (١). وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده، فقال: حدثنا عُبَيد الله بن مُعَاذ، حدثنا أبي، حدثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة قال: ضعف أنس [بن مالك] عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فدعا ثلاثيِن مسكينًا فأطعمهم (٢). ومما يلتحق بهذا المعنى: الحامل والمرضع، إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير بين العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان. وقيل: يفديان فقط، ولا قضاء. وقيل: يجب القضاء بلا فدية. وقيل: يفطران، ولا فدية ولا قضاء" (٣). وكان فرض الصوم على رُتَبٍ ثلا ث على النحو الآتي (٤): الرتبة الأولى: فُرِضَ أولاً على وجه التخيير بينه وبين أن يُطعم عن كل يوم مسكيناً مع الترغيب في الصوم؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾ (٥). وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "لمّا نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي (٦) حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها"، وفي رواية لمسلم: "كُنَّا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى أُنْزِلت هذه الأية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٧) (٨) وعن ابن عمر ﵄ أنه قرأ "فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ". قال: "هي منسوخة" (٩) قال الحافظ ابن حجر ﵀: "والمراد بالطعام: الإطعام، قوله: "قال هي منسوخة" هوصريح في دعوى النسخ، ورجحه

стр. 1330

ابن المنذر من جهة قوله: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لايطيق الصيام لم يناسب أن يقال له: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ مع أنه لايطيق الصيام" (١). وحكي عن ابن باز رحمه الله تعالى أنه قال: "والصواب أن الآية منسوخة" (٢) (٣)، والله تعالى أعلم (٤). ومما يؤكد أن الآية منسوخة حديث ابن أبي ليلى قال: "حدثنا أصحاب محمد ﷺ لما نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم ممن يُطيقه ورُخص لهم في ذلك فنسختها ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ فأمروا بالصيام" (٥) قال ابن حجر ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: "في الكلام حذف تقديره: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نسخ وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر" (٦) (٧). الرتبة الثانية: تحتم الصيام؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٨) لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حَرُم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة (٩). الرتبة الثالثة: تحتم الصيام ووجوبه من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وهذه الرتبة نسخت الرتبة الثانية، وهي التي استقر عليها الشرع في الصيام إلى يوم القيامة (١٠)، فعن البراء بن عازب ﵄، قال: "كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندكِ طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل فغلبته عيناه - فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبةً لك (١١)، فلما انتصف النهار غُشي عليه فَذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَد﴾ " (١٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، عشرة أوجه من القراءات (١٣):

стр. 1331

أحدها: قرأ الجمهور: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ من (أطاق) (١)، بكسر (الطاء) وسكون (الياء)، وأصله (يطوقونه) نقلت الكسرة إلى (الطاء) وانقلبت (الواو) (ياء) لانكسار ما قبلها. والثاني: قراءة ابن عباس وعائشة وابن المسيب وطاووس وابن جبير ومجاهد بخلاف عنه وعكرمة وأيوب السختياني وعطاء وأبوبكر الصديق: ﴿يُطَوَّقونه﴾ (٢) على معنى (يطيقونه) (٣)، أي: (يكلفونه) (٤)، مبنيا للمفعول من (طُوِّق)، أي يُجعل كالطوق في أعناقهم (٥). قال الحافظ ابن حجر: "وقع عند النسائي من طريق ابن أبي نجيح (٦) عن عمرو بن دينار (٧): ﴿يطوقونه﴾: يكلفونه (٨) وهو تفسير حسن، أي: يكلفون إطاقته إطاقته" (٩). والثالث: وقرأ مجاهد وابن عباس وعكرمة وعائشة وطاووس وعمرو بن دينار: ﴿يَطَّوَّقُونَه﴾ (١٠) على معنى (يتطوقونه). من (اطّوّق) وأصله: تطوّق على وزن تفعّل، ثم ادغموا التاء في الطاء، واجتلبوا همزة الوصل. والرابع: وقرأ مجاهد ﴿يَطِيقُونَه﴾ (١١) على (يكيلونه)، ورد القرطبي هذه القراءة، فقال: "وهي باطلة ومحال، لأن الفعل مأخوذ من الطوق، فالواو لازمة واجبة فيه ولا مدخل للـ (ياء) في هذا المثال. قال أبو بكر الأنباري: وأنشدنا أحمد بن يحيى النحوي لأبي ذؤيب (١٢): فقيل تحمل فوق طوقك إنها ... مطبعة من يأتها لا يضيرها فأظهر (الواو) في الطوق، وصح بذلك أن واضع (الياء) مكانها يفارق الصواب" (١٣). والخامس: وقرأت فرقة منهم ابن عباس وعكرمة ومجاهد وحكاها النقاش وأبو عمرو: ﴿يطّيّقونه﴾ (١٤) بتشديد الطاء والياء مفتوحتين، بمعنى يطيقونه، يقال: طاق وأطاق وأطيق. قال ابن عطية: "وتشديد الياء في هذه اللفظة ضعيف" (١٥).

стр. 1332

والسادس: وقرأ سعيد بن المسيب وابن عباس بخلاف ﴿يطِّيّقونه﴾ (١)، بالياء المشددة المكسورة. والسابع: ولابن عباس وعكرمة ومجاهد: ﴿يُطيِّقونه﴾ (٢) بضم الياء الأولى وكسر الثانية مشددة على البناء للمفعول. والثامن: وذكر ابن خالويه وجها آخر منسوبا الى مجاهد عن ابن عباس هو ﴿يُطَّيّقُونَه﴾ بضم الياء الأولى وتشديد الطاء والياء الثانية مكسورة (٣). والتاسع: وقراءة حميد: ﴿يُطْوِِِقونه﴾ من (أطوق)، (٤)، كقولهم" أطول في أطال، وهو الأصل (٥). والعاشر: وذكر ابن خالويه أن عطاء وابن عباس قرأا: ﴿يَتَطَوَّقُونه﴾ (٦) بالتاء. و﴿فِدْيَةٌ﴾: " فداء يفتدي به عن الصوم؛ والأصل أن الصوم لازم لك، وأنك مكلف به، فتفدي نفسك من هذا التكليف والإلزام بإطعام مسكين، قوله تعالى: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، عطف بيان لقوله تعالى: ﴿فدية﴾ أي عليهم لكل يوم طعام مسكين؛ وليس المعنى طعام مسكين لكل شهر؛ بل لكل يوم؛ ويدل لذلك القراءة الثانية في الآية: ﴿طعام مساكين﴾ بالجمع؛ فكما أن الأيام التي عليه جمع، فكذلك المساكين الذين يطعَمون لا بد أن يكونوا جمعاً" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ثلاث قراءات (٨): القراءة الأولى: ﴿فديةُ طعامِ مساكينَ﴾ بحذف التنوين في ﴿فديةُ﴾؛ وبجر الميم في ﴿طعام﴾؛ و ﴿مساكينَ﴾ (٩) بالجمع، وفتح النون بلا تنوين. وهي قراءة نافع وابن عامر. وفي إضافة فدية إلى طعام وجهان (١٠): أ- أن الفدية لها ذات وصفتها أنها طعام، فهذا من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، كقولهم: مسجد الجامع وبقله الحمقاء. ب- قال الواحدي: الفدية اسم للقدر الواجب، والطعام اسم يعم الفدية وغيرها، فهذه الإضافة من الإضافة التي تكون بمعنى ﴿من﴾ كقولك: ثوب خز وخاتم حديد، والمعنى: ثوب من خز وخاتم من حديد، فكذا ههنا التقدير: فدية من طعام فأضيفت الفدية إلى الطعام مع أنك تطلق على الفدية اسم الطعام. القراءة الثانية: ﴿فديةٌ طعامُ مسكينٍ﴾؛ بتنوين ﴿فديةٌ﴾ (١١) مع الرفع؛ و ﴿طعامُ﴾ بالرفع؛ و ﴿مسكينٍ﴾ بالإفراد، وكسر النون المنونة. قال القرطبي: "وقد قرأ ابن عباس ﴿طعامُ مسكينٍ﴾ بالإفراد، فيما ذكر البخاري وأبو داود والنسائي عن عطاء عنه (١٢)، وهي قراءة حسنة، لأنها بينت الحكم في اليوم، واختارها أبو عبيد، وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي (١٣) " (١٤).

стр. 1333

قال أبو عبيد: "فبينت أن لكل يوم إطعام واحد، فالواحد مترجم عن الجميع، وليس الجميع بمترجم عن واحد. وجمع المساكين لا يدري كم منهم في اليوم إلا من غير الآية" (١). القراءة الثالثة: ﴿فديةٌ طعامُ مساكينَ﴾؛ بتنوين ﴿فديةٌ﴾ مع الرفع؛ و ﴿طعامُ﴾ بالرفع؛ و ﴿مساكينَ﴾ بالجمع، وفتح النون بلا تنوين. قال أبو علي الفارسي: "إن الإفراد جاز وحسن لأن المعنى: على كل واحد طعام مسكين، فلهذا أفرد، ومثل هذا في المعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وليس جميع القاذفين يفرّق فيهم جلد ثمانين، إنّما على كلّ واحد منهم جلد ثمانين، وكذلك على كلّ واحد منهم طعام مسكين. فأفرد هذا كما جمع قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ " (٢). واختار قراءة الجمع النحاس قال: " وهذا مردود من كلام أبي عبيد لأن هذا إنّما يعرف بالدلالة فقد علم أنّ معنى ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين﴾، أنّ لكلّ يوم مسكينا فالاختيار هذه القراءة ليرد جمعا على جمع، واختار أبو عبيد أن يقرأ ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾، قال: "لأن الطعام هو الفدية"، ولا يجوز أن يكون الطعام نعتا لأنه جوهر ولكنه يجوز على البدل وأبين منه أن يقرأ فِدْيَةٌ طَعامُ بالإضافة لأن فدية مبهمة تقع للطعام وغيره فصار مثل قولك: هذا ثوب خزّ" (٣). والمراد بالـ ﴿مسكين﴾، "من لا يجد شيئاً يكفيه لمدة سنة؛ فيدخل في هذا التعريف الفقير؛ فإذا مر بك المسكين فهو شامل للفقير؛ وإذا مر بك الفقير فإنه شامل للمسكين؛ أما إذا جمعا فقد قال أهل العلم: إن بينهما فرقاً: فالفقير أشد حاجة من المسكين؛ الفقير هو الذي لا يجد نصف كفاية سنة؛ وأما المسكين فيجد النصف فأكثر دون الكفاية لمدة سنة" (٤). واختلف أهل العلم في مبلغ الطعام الذي كانوا يطعمون في ذلك إذا أفطروا، وفيه أقوال (٥): أحدها: أنه كان الواجبُ من طعام المسكين لإفطار اليوم الواحد نصف صاع من قمح. والثاني: أنه كان الواجب من طعام المسكين لإفطار اليوم، مدًّا من قمح ومن سائر أقواتهم. والثالث: أنه كان ذلك نصف صاع من قمح، أو صاعًا من تمر أو زبيب. والرابع: أنه ما كان المفطر يتقوَّته يومَه الذي أفطرَه. والخامس: أنه كان ذلك سحورًا وَعشاءً، يكون للمسكين إفطارًا. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ " أي فمن زاد على القدر المذكور في الفدية فذلك خير له" (٦). قال المراغي: " أي فمن زاد في الفدية فذلك خير له، لأن ثوابه عائد إليه ومنفعته له" (٧). قال ابن عثيمين: " أي فمن فعل الطاعة على وجه خير فهو خير له .. ومعلوم أن الفعل لا يكون طاعة إلا إذا كان موافقاً لمرضاة الله بأن يكون خالصاً لوجهه موافقاً لشريعته؛ فإن لم يكن خالصاً لم يكن

стр. 1334

طاعة، ولا يقبل؛ وإن كان خالصاً على غير الشريعة لم يكن طاعة، ولا يقبل؛ لأن الأول شرك؛ والثاني بدعة (١). وذكروا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٤]، ثلاثة أوجه من التفسير (٢): أحدها: فمن تطوع بأن زاد على مسكين واحد فهو خير له. وهذا قول ابن عباس (٣)، ومجاهد (٤)، وطاووس (٥)، والسدي (٦)، وعطاء (٧). والثاني: أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب. قاله مجاهد (٨). والثالث: فمن تطوع بأن صام مع الفدية فهو خير له. وهذا قول الزهري (٩)، ورواية ابن جريج عن مجاهد (١٠). والراجح أن الله تعالى ذكره عمم بقوله: ﴿فمن تطوع خيرًا﴾، فلم يخصص بعض معاني الخير دون بعض. فإنّ جَمْع الصَوْم مع الفدية من تطوُّع الخير، وزيادةُ مسكين على جزاء الفدية من تطوُّع الخير. وجائز أن يكون تعالى ذكره عنى بقوله: " فمن تطوع خيرًا "، أيَّ هذه المعاني تطوّع به المفتدي من صومه، فهو خير له. لأن كل ذلك من تطوع الخير، ونوافل الفضل (١١). والله أعلم. وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ [البقرة: ١٨٤]، قراءتان (١٢): إحداهما: ﴿يتطوّع﴾، بالتاء وتشديد الطاء وجزم العين على معنى يتطوّع. قرأ بها: عيسى بن عمر ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي. والثانية: وقرأ الآخرون: ﴿تَطَوْعَ﴾، بالتاء وفتح العين وتخفيف الطاء على الفعل الماضي. قوله تعالى: ﴿وَانْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُم﴾ [البقرة: ١٨٤]، " أي: والصوم خير لكم من الفطر والفدية" (١٣). قال الطبري: أي " ﴿وأنْ تَصوموا﴾، ما كتب عليكم من شهر رمضان، ﴿فهو خير لكم﴾ من أن تفطروه وتفتدوا " (١٤). قال الثعلبي: أي: " والصوم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الإفطار والفدية" (١٥). قال المراغي: " أي: وصومكم أيها المرضى والمسافرون والذين يطيقونه، خير لكم من الفدية، لما فيه من رياضة الجسد والنفس وتفدية الايمان بالتقوى ومراقبة الله" (١٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَانْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُم﴾ [البقرة: ١٨٤]، تفسيران (١٧):

стр. 1335

أحدهما: أن الصوم في السفر خير من الفطر فيه والقضاء بعده. والثاني: أن الصوم لمطيقه خير وأفضل ثواباً من التكفير لمن أفطر بالعجز. وقد اختلف في الخطاب في قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، على وجوه (١): أحدها: أن يكون هذا خطابا مع الذين يطيقونه فقط، فيكون التقدير: وأن تصوموا أيها المطيقون أو المطوقون وتحملتم المشقة فهو خير لكم من الفدية. والثاني: أن هذا خطاب مع كل من تقدم ذكرهم، أعني المريض والمسافر والذين يطيقونه، وهذا أولى لأن اللفظ عام، ولا يلزم من اتصاله بقوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ أن يكون حكمه مختصا بهم، لأن اللفظ عام ولا منافاة في رجوعه إلى الكل، فوجب الحكم بذلك وعند هذا يتبين أنه لا بد من الإضمار في قوله: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ وأن التقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر. والثالث: أن يكون قوله: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ عطفا عليه على أول الآية فالتقدير: كتب عليكم الصيام وأن تصوموا خير لكم. قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: " إِن كنتم تعلمون ما في الصوم من أجر وفضيلة" (٢). قال الطبري: أي: "إن كنتم تعلمون خيرَ الأمرين لكم أيها الذين آمنوا، من الإفطار والفدية، أو الصوم على ما أمركم الله به" (٣). قال المراغي: أي: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ " وجه الخيرية فيه وكونه لمصلحة المكلفين، لأن الله غنى عن العالمين" (٤). ويحتمل قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وجهين (٥): أحدهما: إن كنتم تعلمون ما شَرَّعْتُه فيكم وَبَيَّنْتُه من دينكم. والثاني: إن كنتم تعلمون فضل أعمالكم وثواب أفعالكم. قال ابن عثيمين: "وهذه جملة مستأنفة؛ والمعنى: إن كنتم من ذوي العلم فافهموا؛ و ﴿إن﴾ ليست شرطية فيما قبلها - يعني ليست وصلية - كما يقولون؛ لأنه ليس المعنى: خيراً لنا إن علمنا؛ فإن لم نعلم فليس خيراً لنا؛ بل هو مستأنف؛ ولهذا ينبغي أن نقف على قوله تعالى: ﴿خير لكم﴾ " (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الصوم أيامه قليلة؛ لقوله تعالى: ﴿أياماً معدودات﴾. ٢ - ومنها: التعبير بكلمات يكون بها تهوين الأمر على المخاطب؛ لقوله تعالى: ﴿أياماً معدودات﴾. ٣ - ومنها: رحمة الله بعباده؛ لقلة الأيام التي فرض عليهم صيامها. ٤ - ومنها: أن المشقة تجلب التيسير؛ لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ لأن المرض، والسفر مظنة المشقة. ٥ - ومنها: جواز الفطر للمرض؛ ولكن هل المراد مطلق المرض - وإن لم يكن في الصوم مشقة عليه؛ أو المراد المرض الذي يشق معه الصوم، أو يتأخر معه البرء؟ الظاهر الثاني؛ وهو مذهب الجمهور؛ لأنه لا وجه لإباحة الفطر بمرض لا يشق معه الصوم، أو لا يتأخر معه البرء؛ هذا وللمريض حالات (٧):
следующие страницы →