← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

أحدها: قرأ الجمهور: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ من (أطاق) (١)، بكسر (الطاء) وسكون (الياء)، وأصله (يطوقونه) نقلت الكسرة إلى (الطاء) وانقلبت (الواو) (ياء) لانكسار ما قبلها. والثاني: قراءة ابن عباس وعائشة وابن المسيب وطاووس وابن جبير ومجاهد بخلاف عنه وعكرمة وأيوب السختياني وعطاء وأبوبكر الصديق: ﴿يُطَوَّقونه﴾ (٢) على معنى (يطيقونه) (٣)، أي: (يكلفونه) (٤)، مبنيا للمفعول من (طُوِّق)، أي يُجعل كالطوق في أعناقهم (٥). قال الحافظ ابن حجر: "وقع عند النسائي من طريق ابن أبي نجيح (٦) عن عمرو بن دينار (٧): ﴿يطوقونه﴾: يكلفونه (٨) وهو تفسير حسن، أي: يكلفون إطاقته إطاقته" (٩). والثالث: وقرأ مجاهد وابن عباس وعكرمة وعائشة وطاووس وعمرو بن دينار: ﴿يَطَّوَّقُونَه﴾ (١٠) على معنى (يتطوقونه). من (اطّوّق) وأصله: تطوّق على وزن تفعّل، ثم ادغموا التاء في الطاء، واجتلبوا همزة الوصل. والرابع: وقرأ مجاهد ﴿يَطِيقُونَه﴾ (١١) على (يكيلونه)، ورد القرطبي هذه القراءة، فقال: "وهي باطلة ومحال، لأن الفعل مأخوذ من الطوق، فالواو لازمة واجبة فيه ولا مدخل للـ (ياء) في هذا المثال. قال أبو بكر الأنباري: وأنشدنا أحمد بن يحيى النحوي لأبي ذؤيب (١٢): فقيل تحمل فوق طوقك إنها ... مطبعة من يأتها لا يضيرها فأظهر (الواو) في الطوق، وصح بذلك أن واضع (الياء) مكانها يفارق الصواب" (١٣). والخامس: وقرأت فرقة منهم ابن عباس وعكرمة ومجاهد وحكاها النقاش وأبو عمرو: ﴿يطّيّقونه﴾ (١٤) بتشديد الطاء والياء مفتوحتين، بمعنى يطيقونه، يقال: طاق وأطاق وأطيق. قال ابن عطية: "وتشديد الياء في هذه اللفظة ضعيف" (١٥).

стр. 1332

والسادس: وقرأ سعيد بن المسيب وابن عباس بخلاف ﴿يطِّيّقونه﴾ (١)، بالياء المشددة المكسورة. والسابع: ولابن عباس وعكرمة ومجاهد: ﴿يُطيِّقونه﴾ (٢) بضم الياء الأولى وكسر الثانية مشددة على البناء للمفعول. والثامن: وذكر ابن خالويه وجها آخر منسوبا الى مجاهد عن ابن عباس هو ﴿يُطَّيّقُونَه﴾ بضم الياء الأولى وتشديد الطاء والياء الثانية مكسورة (٣). والتاسع: وقراءة حميد: ﴿يُطْوِِِقونه﴾ من (أطوق)، (٤)، كقولهم" أطول في أطال، وهو الأصل (٥). والعاشر: وذكر ابن خالويه أن عطاء وابن عباس قرأا: ﴿يَتَطَوَّقُونه﴾ (٦) بالتاء. و﴿فِدْيَةٌ﴾: " فداء يفتدي به عن الصوم؛ والأصل أن الصوم لازم لك، وأنك مكلف به، فتفدي نفسك من هذا التكليف والإلزام بإطعام مسكين، قوله تعالى: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، عطف بيان لقوله تعالى: ﴿فدية﴾ أي عليهم لكل يوم طعام مسكين؛ وليس المعنى طعام مسكين لكل شهر؛ بل لكل يوم؛ ويدل لذلك القراءة الثانية في الآية: ﴿طعام مساكين﴾ بالجمع؛ فكما أن الأيام التي عليه جمع، فكذلك المساكين الذين يطعَمون لا بد أن يكونوا جمعاً" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ثلاث قراءات (٨): القراءة الأولى: ﴿فديةُ طعامِ مساكينَ﴾ بحذف التنوين في ﴿فديةُ﴾؛ وبجر الميم في ﴿طعام﴾؛ و ﴿مساكينَ﴾ (٩) بالجمع، وفتح النون بلا تنوين. وهي قراءة نافع وابن عامر. وفي إضافة فدية إلى طعام وجهان (١٠): أ- أن الفدية لها ذات وصفتها أنها طعام، فهذا من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، كقولهم: مسجد الجامع وبقله الحمقاء. ب- قال الواحدي: الفدية اسم للقدر الواجب، والطعام اسم يعم الفدية وغيرها، فهذه الإضافة من الإضافة التي تكون بمعنى ﴿من﴾ كقولك: ثوب خز وخاتم حديد، والمعنى: ثوب من خز وخاتم من حديد، فكذا ههنا التقدير: فدية من طعام فأضيفت الفدية إلى الطعام مع أنك تطلق على الفدية اسم الطعام. القراءة الثانية: ﴿فديةٌ طعامُ مسكينٍ﴾؛ بتنوين ﴿فديةٌ﴾ (١١) مع الرفع؛ و ﴿طعامُ﴾ بالرفع؛ و ﴿مسكينٍ﴾ بالإفراد، وكسر النون المنونة. قال القرطبي: "وقد قرأ ابن عباس ﴿طعامُ مسكينٍ﴾ بالإفراد، فيما ذكر البخاري وأبو داود والنسائي عن عطاء عنه (١٢)، وهي قراءة حسنة، لأنها بينت الحكم في اليوم، واختارها أبو عبيد، وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي (١٣) " (١٤).

стр. 1333

قال أبو عبيد: "فبينت أن لكل يوم إطعام واحد، فالواحد مترجم عن الجميع، وليس الجميع بمترجم عن واحد. وجمع المساكين لا يدري كم منهم في اليوم إلا من غير الآية" (١). القراءة الثالثة: ﴿فديةٌ طعامُ مساكينَ﴾؛ بتنوين ﴿فديةٌ﴾ مع الرفع؛ و ﴿طعامُ﴾ بالرفع؛ و ﴿مساكينَ﴾ بالجمع، وفتح النون بلا تنوين. قال أبو علي الفارسي: "إن الإفراد جاز وحسن لأن المعنى: على كل واحد طعام مسكين، فلهذا أفرد، ومثل هذا في المعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وليس جميع القاذفين يفرّق فيهم جلد ثمانين، إنّما على كلّ واحد منهم جلد ثمانين، وكذلك على كلّ واحد منهم طعام مسكين. فأفرد هذا كما جمع قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ " (٢). واختار قراءة الجمع النحاس قال: " وهذا مردود من كلام أبي عبيد لأن هذا إنّما يعرف بالدلالة فقد علم أنّ معنى ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين﴾، أنّ لكلّ يوم مسكينا فالاختيار هذه القراءة ليرد جمعا على جمع، واختار أبو عبيد أن يقرأ ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾، قال: "لأن الطعام هو الفدية"، ولا يجوز أن يكون الطعام نعتا لأنه جوهر ولكنه يجوز على البدل وأبين منه أن يقرأ فِدْيَةٌ طَعامُ بالإضافة لأن فدية مبهمة تقع للطعام وغيره فصار مثل قولك: هذا ثوب خزّ" (٣). والمراد بالـ ﴿مسكين﴾، "من لا يجد شيئاً يكفيه لمدة سنة؛ فيدخل في هذا التعريف الفقير؛ فإذا مر بك المسكين فهو شامل للفقير؛ وإذا مر بك الفقير فإنه شامل للمسكين؛ أما إذا جمعا فقد قال أهل العلم: إن بينهما فرقاً: فالفقير أشد حاجة من المسكين؛ الفقير هو الذي لا يجد نصف كفاية سنة؛ وأما المسكين فيجد النصف فأكثر دون الكفاية لمدة سنة" (٤). واختلف أهل العلم في مبلغ الطعام الذي كانوا يطعمون في ذلك إذا أفطروا، وفيه أقوال (٥): أحدها: أنه كان الواجبُ من طعام المسكين لإفطار اليوم الواحد نصف صاع من قمح. والثاني: أنه كان الواجب من طعام المسكين لإفطار اليوم، مدًّا من قمح ومن سائر أقواتهم. والثالث: أنه كان ذلك نصف صاع من قمح، أو صاعًا من تمر أو زبيب. والرابع: أنه ما كان المفطر يتقوَّته يومَه الذي أفطرَه. والخامس: أنه كان ذلك سحورًا وَعشاءً، يكون للمسكين إفطارًا. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ " أي فمن زاد على القدر المذكور في الفدية فذلك خير له" (٦). قال المراغي: " أي فمن زاد في الفدية فذلك خير له، لأن ثوابه عائد إليه ومنفعته له" (٧). قال ابن عثيمين: " أي فمن فعل الطاعة على وجه خير فهو خير له .. ومعلوم أن الفعل لا يكون طاعة إلا إذا كان موافقاً لمرضاة الله بأن يكون خالصاً لوجهه موافقاً لشريعته؛ فإن لم يكن خالصاً لم يكن

стр. 1334

طاعة، ولا يقبل؛ وإن كان خالصاً على غير الشريعة لم يكن طاعة، ولا يقبل؛ لأن الأول شرك؛ والثاني بدعة (١). وذكروا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٤]، ثلاثة أوجه من التفسير (٢): أحدها: فمن تطوع بأن زاد على مسكين واحد فهو خير له. وهذا قول ابن عباس (٣)، ومجاهد (٤)، وطاووس (٥)، والسدي (٦)، وعطاء (٧). والثاني: أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب. قاله مجاهد (٨). والثالث: فمن تطوع بأن صام مع الفدية فهو خير له. وهذا قول الزهري (٩)، ورواية ابن جريج عن مجاهد (١٠). والراجح أن الله تعالى ذكره عمم بقوله: ﴿فمن تطوع خيرًا﴾، فلم يخصص بعض معاني الخير دون بعض. فإنّ جَمْع الصَوْم مع الفدية من تطوُّع الخير، وزيادةُ مسكين على جزاء الفدية من تطوُّع الخير. وجائز أن يكون تعالى ذكره عنى بقوله: " فمن تطوع خيرًا "، أيَّ هذه المعاني تطوّع به المفتدي من صومه، فهو خير له. لأن كل ذلك من تطوع الخير، ونوافل الفضل (١١). والله أعلم. وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ [البقرة: ١٨٤]، قراءتان (١٢): إحداهما: ﴿يتطوّع﴾، بالتاء وتشديد الطاء وجزم العين على معنى يتطوّع. قرأ بها: عيسى بن عمر ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي. والثانية: وقرأ الآخرون: ﴿تَطَوْعَ﴾، بالتاء وفتح العين وتخفيف الطاء على الفعل الماضي. قوله تعالى: ﴿وَانْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُم﴾ [البقرة: ١٨٤]، " أي: والصوم خير لكم من الفطر والفدية" (١٣). قال الطبري: أي " ﴿وأنْ تَصوموا﴾، ما كتب عليكم من شهر رمضان، ﴿فهو خير لكم﴾ من أن تفطروه وتفتدوا " (١٤). قال الثعلبي: أي: " والصوم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الإفطار والفدية" (١٥). قال المراغي: " أي: وصومكم أيها المرضى والمسافرون والذين يطيقونه، خير لكم من الفدية، لما فيه من رياضة الجسد والنفس وتفدية الايمان بالتقوى ومراقبة الله" (١٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَانْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُم﴾ [البقرة: ١٨٤]، تفسيران (١٧):

стр. 1335

أحدهما: أن الصوم في السفر خير من الفطر فيه والقضاء بعده. والثاني: أن الصوم لمطيقه خير وأفضل ثواباً من التكفير لمن أفطر بالعجز. وقد اختلف في الخطاب في قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، على وجوه (١): أحدها: أن يكون هذا خطابا مع الذين يطيقونه فقط، فيكون التقدير: وأن تصوموا أيها المطيقون أو المطوقون وتحملتم المشقة فهو خير لكم من الفدية. والثاني: أن هذا خطاب مع كل من تقدم ذكرهم، أعني المريض والمسافر والذين يطيقونه، وهذا أولى لأن اللفظ عام، ولا يلزم من اتصاله بقوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ أن يكون حكمه مختصا بهم، لأن اللفظ عام ولا منافاة في رجوعه إلى الكل، فوجب الحكم بذلك وعند هذا يتبين أنه لا بد من الإضمار في قوله: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ وأن التقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر. والثالث: أن يكون قوله: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ عطفا عليه على أول الآية فالتقدير: كتب عليكم الصيام وأن تصوموا خير لكم. قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: " إِن كنتم تعلمون ما في الصوم من أجر وفضيلة" (٢). قال الطبري: أي: "إن كنتم تعلمون خيرَ الأمرين لكم أيها الذين آمنوا، من الإفطار والفدية، أو الصوم على ما أمركم الله به" (٣). قال المراغي: أي: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ " وجه الخيرية فيه وكونه لمصلحة المكلفين، لأن الله غنى عن العالمين" (٤). ويحتمل قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وجهين (٥): أحدهما: إن كنتم تعلمون ما شَرَّعْتُه فيكم وَبَيَّنْتُه من دينكم. والثاني: إن كنتم تعلمون فضل أعمالكم وثواب أفعالكم. قال ابن عثيمين: "وهذه جملة مستأنفة؛ والمعنى: إن كنتم من ذوي العلم فافهموا؛ و ﴿إن﴾ ليست شرطية فيما قبلها - يعني ليست وصلية - كما يقولون؛ لأنه ليس المعنى: خيراً لنا إن علمنا؛ فإن لم نعلم فليس خيراً لنا؛ بل هو مستأنف؛ ولهذا ينبغي أن نقف على قوله تعالى: ﴿خير لكم﴾ " (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الصوم أيامه قليلة؛ لقوله تعالى: ﴿أياماً معدودات﴾. ٢ - ومنها: التعبير بكلمات يكون بها تهوين الأمر على المخاطب؛ لقوله تعالى: ﴿أياماً معدودات﴾. ٣ - ومنها: رحمة الله بعباده؛ لقلة الأيام التي فرض عليهم صيامها. ٤ - ومنها: أن المشقة تجلب التيسير؛ لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ لأن المرض، والسفر مظنة المشقة. ٥ - ومنها: جواز الفطر للمرض؛ ولكن هل المراد مطلق المرض - وإن لم يكن في الصوم مشقة عليه؛ أو المراد المرض الذي يشق معه الصوم، أو يتأخر معه البرء؟ الظاهر الثاني؛ وهو مذهب الجمهور؛ لأنه لا وجه لإباحة الفطر بمرض لا يشق معه الصوم، أو لا يتأخر معه البرء؛ هذا وللمريض حالات (٧):

стр. 1336

الأولى: أن لا يضره الصوم، ولا يشق عليه؛ فلا رخصة له في الفطر. الثانية: أن يشق عليه، ولا يضره؛ فالصوم في حقه مكروه؛ لأنه لا ينبغي العدول عن رخصة الله. الثالثة: أن يضره الصوم؛ فالصوم في حقه محرم؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً﴾ [النساء: ٢٩]. ٦ - ومن فوائد الآية: جواز الفطر في السفر؛ لقوله تعالى: ﴿أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾؛ وللمسافر باعتبار صومه في سفره حالات ثلاث (١): الأولى: أن لا يكون فيه مشقة إطلاقاً؛ يعني: ليس فيه مشقة تزيد على صوم الحضر؛ ففي هذه الحال الصوم أفضل؛ وإن أفطر فلا حرج؛ ودليله أن الرسول ﷺ كان يصوم في السفر، كما في حديث أبي الدرداء ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحرّ؛ وما فينا صائم إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة» (٢)؛ ولأن الصوم في السفر أسرع في إبراء ذمته؛ ولأنه أسهل عليه غالباً لكون الناس مشاركين له، وثقلِ القضاء غالباً؛ ولأنه يصادف شهر الصوم - وهو رمضان. الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة غير شديدة؛ فهنا الأفضل الفطر؛ والدليل عليه أن النبي ﷺ كان في سفر، فرأى زحاماً، ورجلاً قد ظُلل عليه، فسأل عنه، فقالوا: صائم؛ فقال ﷺ : «ليس من البر الصيام في السفر» (٣)؛ فنفى النبي ﷺ البر عن الصوم في السفر. فإن قيل: إن من المتقرر في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ وهذا يقتضي نفي البر عن الصوم في السفر مطلقاً؟ . فالجواب: أن معنى قولنا: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» يعني أن الحكم لا يختص بعين الذي ورد من أجله؛ وإنما يعم من كان مثل حاله؛ وقد نص على هذه القاعدة ابن دقيق العيد في شرح الحديث في العمدة؛ وهو واضح. الحالة الثالثة: أن يشق الصوم على المسافر مشقة شديدة؛ فهنا يتعين الفطر؛ ودليله: ما ثبت في الصحيح أن الرسول ﷺ كان في سفر، فشُكي إليه أن الناس قد شق عليهم الصيام وإنهم ينتظرون ما يفعل؛ فدعا بماء بعد العصر، فشربه، والناس ينظرون؛ ثم جيء إلى النبي ﷺ ، وقيل له: إن بعض الناس قد صام فقال ﷺ : «أولئك العصاة! أولئك العصاة! » (٤)؛ والمعصية لا تكون إلا في فعل محرم؛ أو ترك واجب. ٧ - ومن فوائد الآية: أن السفر الذي يباح فيه الفطر غير مقيد بزمن، ولا مسافة؛ لإطلاق السفر في الآية؛ وعلى هذا يرجع فيه إلى العرف: فما عده الناس سفراً فهو سفر؛ وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن تحديده بزمن، أو مسافة يحتاج إلى دليل.

стр. 1337

٨ - ومنها: أن المتهيئ للسفر كالخارج فيه - وإن كان في بلده؛ فإنه يجوز أن يفطر؛ وكان أنس بن مالك يفعل ذلك، ويقول: «السنة» (١)؛ لكن هذا الحديث فيه مقال؛ على ذلك. ٩ - ومن فوائد الآية: أن الظاهرية استدلوا بها على أن من صام في السفر لم يجزئه؛ لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾، فأوجب الله على المريض، والمسافر عدة من أيام أخر؛ فمن صام وهو مريض، أو مسافر صار كمن صام قبل دخول رمضان، وقالوا: «إن الآية ليست فيها شيء محذوف»؛ وهذا القول لولا أن السنة بينت جواز الصوم لكان له وجه قوي؛ لأن الأصل عدم الحذف؛ لكن أجاب الجمهور عن هذا بأن الحذف متعين، وتقدير الكلام: فمن كان مريضاً، أو على سفر فأفطر فعليه عدة من أيام أخر؛ لأن النبي ﷺ صام في رمضان في السفر والصحابة معه منهم الصائم، ومنهم المفطر، ولم يعب أحد على أحد (٢)؛ ولو كان الصوم حراماً ما صامه النبي ﷺ ، ولأنكر المفطر على الصائم. ١٠ - ومن فوائد الآية: أنه لو صام عن أيام الصيف أيام الشتاء فإنه يجزئ؛ لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر وجهه: أن ﴿أيام﴾ نكرة. ١١ - ومنها: حكمة الله في التدرج بالتشريع، حيث كان الصيام أول الأمر يخير فيه الإنسان بين أن يصوم، ويطعم؛ ثم تعين الصيام كما يدل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع ﵁. ١٢ - ومنها: أن من عجز عن الصيام عجزاً لا يرجى زواله فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً؛ ووجه الدلالة أن الله جعل الإطعام عديلاً للصيام حين التخيير بينهما؛ فإذا تعذر الصيام وجب عديله؛ ولهذا ذكر ابن عباس ﵄ أن هذه الآية في الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يطيقان الصيام، فيطعمان عن كل يوم مسكيناً (٣). ١٣ - ومنها: أنه يرجع في الإطعام في كيفيته ونوعه إلى العرف؛ لأن الله تعالى أطلق ذلك؛ والحكم المطلق إذا لم يكن له حقيقة شرعية يرجع فيه إلى العرف. ١٤ - ومنها: أنه لا فرق بين أن يملّك الفقير ما يطعمه، أو يجعله غداءً، أو عشاءً؛ لأن الكل إطعام؛ وكان أنس بن مالك حين كبر يطعم أدُماً، وخبزاً (٤). ١٥ - ومنها: أن ظاهر الآية لا يشترط تمليك الفقير ما يطعم؛ وهو القول الراجح؛ وقال بعض أهل العلم: إنه يشترط تمليكه؛ فيعطى مداً من البر؛ أو نصف صاع من غيره؛ وقيل: يعطى نصف صاع من البر، وغيره؛ واستدل القائلون بالفرق بين البر وغيره بما قاله معاوية في زكاة الفطر: «أرى المد من هذه - يعني البر - يعدل مدين من الشعير» (٥) فعدل به الناس، وجعلوا الفطرة من البر نصف صاع (٦)؛ واستدل القائلون بوجوب نصف صاع من البر، وغيره بحديث كعب بن عجرة ﵁ حين أذن له النبي ﷺ

стр. 1338

بحلق رأسه وهو محرم أن النبي ﷺ قال له مبيناً المجمل في قوله تعالى: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقال في الصدقة: «أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» (١)؛ ولم يفرق النبي ﷺ بين طعام وآخر. ١٦ - ومن فوائد الآية: أن طاعة الله ﵎ كلها خير؛ لقوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيراً فهو خير له﴾. ١٧ - ومنها: ثبوت تفاضل الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾؛ وتفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل؛ فينبني على ذلك أن الناس يتفاضلون في الأعمال؛ وهو ما دل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والواقع؛ قال الله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًّا وعد الله الحسنى﴾ [الحديد: ١٠]، وقال تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلًّا وعد الله الحسنى وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً * درجات منه ومغفرة ورحمة﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦]؛ والنصوص في هذا كثيرة. ١٨ - ومن فوائد الآية: التنبيه على فضل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم تعلمون﴾. ١٩ - أما الذين يباح لهم الفطر من رمضان من أهل الأعذار، فهم أنواع، وفيما يأتي تفصيل كل نوع: أولا: - المريض: المرض: السُّقم، نقيض الصحة، ويقال: المرضُ والسُّقم في البدن والدِّين جميعاً، كما يُقال: الصحة في البدن والدين جميعاً، والمرض في القلب يطلق على كل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين، وأصل المرض: النقصان، يقال: بدن مريض: ناقص القوة، ويقال: قلب مريض: ناقص الدين، والمرض: فتورٌ عن الحق، وفي الأبدان: فتور الأعضاء (٢). والمرض: جمع أمراض: وهو فساد المزاج وسوء الصحة بعد اعتدالها، ومرض الموت: العلة التي يقرر الأطباء أنها علة مميتة (٣). وعلى هذا فالمريض: هو الذي اعتلت صحته، سواء كانت في جزء من بدنه أو في جميع بدنه (٤). يجب على المريض الصبر، ويحتسب الأجر على ما يصيبه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب﴾ [الزمر: ١٠]، وقال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُم﴾ [محمد: ٣١]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِير * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]، وقال : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، وقال الله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِين﴾ [البقرة: ١٥٣].

стр. 1339

وقال النبي ﷺ : " ... والصبر ضياء " (١)، وعن صهيب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "عجباً لأمر المؤمن إنَّ أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاءُ شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاءُ صبر فكان خيراً له" (٢). وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: "ما يصيب المسلم من نصبٍ (٣)، ولا وصبٍ (٤)، ولا همٍّ، ولا حزنٍ، ولا أذىً، ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه" (٥). وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يصيبه أذىً: من مرضٍ فما سواه إلا حَطَّ الله سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها" (٦). وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يُشاك شوكة فما فوقها إلا كُتب له بها درجة، ومُحيت عنه بها خطيئة" (٧). وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من يرد الله به خيراً يُصِبْ (٨) منه" (٩). وعن أنس ﵁ يرفعه: "إن عِظَمَ الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السُّخْط" (١٠). وعن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتدَّ بلاؤُه، وإن كان في دينه رقةٌ ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاءُ بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة" (١١). والمسلم يسأل الله العفو والعافية ولا يسأله البلاء، فإذا حصل له شيء صبر واحتسب؛ لحديث أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي ﷺ قال على المنبر: "سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحداً لم يُعطَ بعد اليقين خيراً من العافية" (١٢). وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله علمني شيئاً أسأله الله؟ قال: "سل الله العافية" فمكثت أياماً ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئاً أسأله الله؟ فقال لي: "يا عباس يا عمَّ رسول الله: سل الله العافية في الدنيا والآخرة" (١٣).

стр. 1340

وقد ذكر قال العلماء بأن المرض نوعان على النحو الآتي: النوع الأول: المريض الذي يُرجى برؤُ مرضِه، رخص الله له في الفطر، وأوجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها؛ لقول الله : ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ ولقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. والمريض في شهر رمضان له أربعة حالات: أ- المريض مرضاً يسيراً لا يلحقه فيه ضرر ولا مشقة، فيجب عليه الصوم؛ لأنه ليس له عذر يبيح له الفطر، لعدم لحوق المشقَّة والضرر مع قيامه؛ إذ هما المُبيحان للفطر، وذلك مثل الزكام اليسير، أو الصداع اليسير، أو وجع الضرس وما أشبه ذلك، فهذا لا يحل له أن يفطر (١)، لأن الله عندما رخص للصائم في الفطر ذكر العلة بقوله : ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فأي تيسير يحصل

стр. 1341

لمن مرضه يسير ولا يحصل به أدنى الضرر الذي يُزال، ولأنه شاهد للشهر لا يؤذيه الصوم فلزمه كالصحيح، قال الإمام النووي: "وأما المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا خلافاً لأهل الظاهر" (١)، وقال ابن قدامة: "والمرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه" (٢). ب- أن يشق (٣) عليه الصوم ولا يضره، فهذا يكره له أن يصوم ويسن له الفطر وهذا قول الجمهور (٤)، ويكره له الصوم مع المشقة؛ لأنه خروج عن رخصة الله تعالى، وتعذيب لنفسه؛ لقول النبي ﷺ : "إن الله يحب أن تُؤتَى رخصُه كما يكره أن تؤتى معصيته" (٥).

стр. 1342

قال ابن حزم ﵀: "واتفقوا على أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام أنه يجزِئه، واتفقوا على أن من آذاه المرض وضَعُف عن الصوم فله أن يفطر" (١). ج- إذا كان المرض يضرَّهُ الصوم، فيجب عليه الفطر، ولا يجوز له الصوم؛ فإذا كان الصوم يضره فإن الصوم حرام، والفطر واجب لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ والنهي هنا يشمل إزهاق الروح، ويشمل ما فيه الضرر، والدليل على أنه يشمل ما فيه الضرر، حديث عمرو بن العاص ﵁ إذ يقول: " احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا " (٢).

стр. 1343

ولقول سلمان لأبي الدرداء: " ... إن لربِّك عليك حقّاً، ولنفسك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه"، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال له النبي ﷺ : "صدق سلمان" (١)، ومن حق النفس على المسلم أن لا يضرَّها مع وجود رخصة الله تعالى؛ ولقول النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢)، والله تعالى أعلم، وأحكم، وأرحم (٣). عليه فإن من رحمة الله بعباده أن التكليف يسقط مع العجز عنه، لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وفيما يأتي بعض الأمراض التي رُخص بها للصائم الإفطار: ١ - بعض أمراض الكلى الحادة والمزمنة (٤).

стр. 1344

٢ - السكري (١). ٣ - السرطانات (٢):

стр. 1345

حيث ان الصوم قد يسبب له الضرر فيجب عليه الفطر والله يحب ان تؤتي رخصه كما تؤتي عزائمه، ومرضى السرطان بشكل خاص يمرون بظروف صحية صعبة عند تلقيهم للعلاج الكيميائي أو الإشعاعي، ويعانون من الآثار الجانبية للعلاج، فيشق عليهم الصيام، بالاضافة الى انهم يجب عليهم تناول الأدوية الكيماوية إما عن طريق الفم أو عن طريق الوريد وفي كلتا الحالتين قد يشعرون بالتعب والإرهاق، فمن حقهم الأخذ برخصة الله تعالى في الإفطار، أما بعد ذلك اذا شعر المريض بقدرته التامة على الصيام دون تدهور لأعراض مرضهم فحينئذ لا بأس في ذلك. ٤ - الإسهال الحاد: يعدّ الإسهال الحاد والشديد، مبيحاً لإفطار الصائم، لأن المريض في مثل تلك الحالة في حاجة ماسة إلى السوائل والأملاح لتعويض ما يفقده منها وإلا أصابه الفشل الكلوي المميت أو الفشل في الدورة الدموية، فضلاً عن أن هذا المريض يحتاج إلى بعض الأدوية المتكررة الضرورية. ويضاف إلى ذلك حالات القيء التي تؤدي إلى فقدان السوائل وكذلك الأملاح. ٥ - الحمى الشديدة: أيضاً فإن من الأمراض المبيحة للإفطار في رمضان، حالات الحميات الشديدة، حيث ترتفع درجة حرارة الجسم، ويزيد الاحتراق، ويكون المريض في أمس الحاجة للدواء والغذاء المناسب في فترات متقاربة. ٦ - التهاب الصدر الحاد والسل الرئوي (١): خاصة في مراحله المتقدمة، لأن المريض في مسيس الحاجة لغذاء كاف، أما حالات الدرن المتماثلة للشفاء، ففي إمكان المريض أن يصوم. ٧ - قرحة المعدة (٢):

стр. 1346

ومن المعروف أنه في حالة إصابة الإنسان بقرحة المعدة، فإنه يشعر بآلام شديدة بسبب زيادة إفرازات الحامض المعدي، ومن ثم نراه في حاجة شديدة إلى تناول اللبن مثلاً أو بعض العقاقير الطبية الضرورية. ٨ - التهاب وتليف الكبد ومرض الاستسقاء: وفي هذه الحالات لا يستطيع الإنسان الصيام، ويكون الصوم خطراً على الصحة العامة للمريض. ينصح المصابون بأمراض الكبد المتقدمة كتشمع الكبد وأورام الكبد بالإفطار، كما ينصح بالإفطار أيضاً المصابون بالتهاب الكبد الفيروسي الحاد، أو الاستسقاء في البطن (الحبن). ٩ - الأنيميا أو فقر الدم: وهذا المرض له أسباب كثيرة، والمصابون به يحتاجون إلى غذاء قوي وعقاقير لا غنى عنها. ١٠ - تجلط الأوعية الدموية: وسبب امتناع المريض بهذا المرض عن صيام شهر رمضان، لأن الجفاف الناتج عن عدم شرب السوائل لفترة طويلة، قد يزيد هذه الحالة سوءاً. ١١ - أمراض القلب (١)

стр. 1347

١٢ - بعض أمراض الغدد (١). ١٣ - بعض حالات الأمراض العصبية والنفسية (٢). ١٤ - أمراض الجهاز الحركي: مثل: التهاب المفاصل الروماتيزمية الحادة أو التهاب المفاصل الروماتورية حيث ان المريض يحتاج لتناول جرعات من الدواء في مواعيد محددة للعلاج لتخفيف الآلام، كذلك فإن المريض يحتاج لكمية كافية من البروتينات لتقوية جهاز المناعة وتعويض الأنسجة التالفة نتيجة الاصابة بهذه الأمراض.

стр. 1348

كذلك الحالات الشديدة للنقرس الحاد «داء الملوك» تحتاج كمية كبيرة ومستمرة من السوائل لتقليل نسبة تركيز حمض البوليك «حمض اليوريك» في الدم والتخلص منه عن طريق افرازه في الكلى وتجنب مضار التركيز العالي لحمض اليوريك في الدم والذي يسبب ارتفاع ضغط الدم ويعمل على تكوين حصى الكلى والحالب. ١٥ - أمراض العيون: وذلك مثل العين المصابة بالمياه الزرقاء «الجلوكوما» قد يؤدي الصيام عن شرب الماء نهارا خصوصا في الأيام الحارة والأيام التي تزداد فيها الرطوبة فيكثر العرق وفقدان الماء من الجسم الذي يؤدي إلى تركيز الدم وزيادة خاصية الضغط الاسموزي والذي يعود إلى المستوى الطبيعي بعد الافطار عندما يتناول الإنسان كميات مناسبة من السؤال فإنه يؤدي إلى زيادة حجم الدم ونقص في الارتفاع الذي حدث لقوة الضغط الاسموزي أثناء الصيام. وفقد السوائل من الجسم والضغط الاسموزي هو الذي يعمل على توازن السوائل بين الأنسجة والأوعية الدموية ومريض الجلوكوما «المياه الزرقاء» لا يستطيع عمل هذه الموازنة بالإضافة إلى استعماله لقطرة خاصة مرات عدة في اليوم، كذلك مريض الشبكية الملتهبة نتيجة لارتفاع نسبة السكر في الدم والذي يحتاج للأدوية لعلاج هذا الالتهاب الحاد في الشبكية. كما ننبه المسلم بان تقرير إمكانية الصيام أو عدمه ليس بالأمر السهل، ولا يمكن تقرير قواعد عامة لجميع المرضى، بل ينبغي بحث كل مريض على حدة، ولا يتيَّسر ذلك الأمر إلا للطبيب المسلم المختص، فهو يملك ما يكفيه من المعطيات التي تمكنه من نصح مريضه بإمكانية الصوم أو عدمه. وإذا حدث له المرض في أثناء يوم من أيام رمضان وهو صائم وشقَّ عليه إتمامه جاز له الفطر؛ لوجود المبيح للفطر، وذلك إذا ما اشتد المرض بزيادة الألم والحمى والمشقة الفادحة، مع أن هذه الشدة لا يتيسر قياسها بمقياس علمي، ما عدا درجة الحرارة، وحتى هذه يمكن أن يسأل سائل: أية درجة حرارة يجوز أو يجب الفطر بسببها؟ وقد نقلت بعض الكتب مقياسا واحدا لشدة المرض: وهو إذا لم يستطع المريض الصلاة قائما. نقله القرطبي وعدة مراجع أخرى عن الحسن. وإذا برئ في نهار رمضان وقد أفطر أول النهار للعذر لم يصح صومه ذلك اليوم؛ لأنه كان مفطراً أول النهار؛ لأن الصوم لا يصح إلا بنية قبل طلوع الفجر، ثم الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وينبغي له الإمساك بقية يومه (١) ويجب عليه القضاء بعدد الأيام التي أفطرها؛ لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢). وإذا ثبت عن طريق الطبيب الثقة المسلم (٣) الحاذق الموثوق بدينه وأمانته أن الصوم يجلب له المرض أو يزيد مرضه، ويؤخر بُرْأَه؛ فإنه يجوز له الفطر، محافظةً على صحته، واتقاءً للمرض، ويقضي عن هذه الأيام التي أفطرها (٤)، والله تعالى أعلم (٥).

стр. 1349

وقد اختلف العلماء في حكم إجزاء الصوم ولو صام مع هذه الحالة: ١ - قال الجمهور: إن صام، وقَع صيامه، وأجْزَأه، وبه قال شيخ الإسلام إن تحمَّله وصام. ٢ - في حين ذهَب أهل الظاهر إلى أنه لا يُجزئه، وأنَّ فرْضَه هو أيَّام أُخَر. قال أبو محمد ابن حزم ﵀: لا يجزئه الصوم؛ لأن الله ـ تعالى ـ جعل للمريض عدة من أيام أخر، فلو صام في مرضه فهو كالقادر الذي صام في شعبان عن رمضان، فلا يجزئه ويجب عليه القضاء. وقول أبي محمد هذا مبني على القاعدة المشهورة، أن ما نهي عنه لذاته فإنه لا يقع مجزئاً، فإذا قلنا بالتحريم فإنَّ مقتضى القواعد أنه إذا صام لا يجزئه؛ لأنه صام ما نهي عنه كالصوم في أيام التشريق، وأيام العيدين لا يحل، ولا يصح، وبهذا نعرف خطأ بعض المجتهدين من المرضى الذين يشق عليهم الصوم وربما يضرهم، ولكنهم يأبون أن يفطروا فنقول: إن هؤلاء قد أخطأوا حيث لم يقبلوا كرم الله ، ولم يقبلوا رخصته، وأضروا بأنفسهم، والله يقول: ﴿﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾﴾ [النساء: ٢٩] (١). وسبب الاختلاف: تردّد قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة: ١٨٤] بين أن يُحمل على الحقيقة، فلا يكون هناك محذوف أصلاً، أو يُحمل على المجاز، فيكون التقدير: فأفطَر، فعِدَّة من أيَّام أُخر، وهذا الحذف هو الذي يعرفه أهل صناعة الكلام بلحن الخطاب، فمَن حمَل الآية على الحقيقة، ولَم يَحملها على المجاز، قال: إنَّ فرْضَ المريض عدَّةٌ من أيَّام أُخر؛ لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾، ومن قدَّر: "فأفطَر"، قال: إنما فرْضُه عدَّة من أيام أُخر إذا أفطَر. د- المريض الذي يخاف من زيادة المرض أو طوله أو بطء برئه أو ضرر فيجوز له الفطر (٢). قال القرطبي رحمه الله تعالى: "وقال جمهور من العلماء: إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه، أو يخاف تماديه، أو يخاف تزيده صح له الفطر" (٣). وهذا الرأي معناه أن المريض يفطر حتى لو كان عند فطره ليس بشدة، ولكنه يخشى إذا صام أن يشتد مرضه. وقد عبر محمود شلتوت عن هذا الرأي تعبيرا بليغا بقوله: "فإذا تعرض المسافر أو المريض للضرر ولو بالظن القوي وجب عليه الإفطار وكان الصوم حينئذ إعراضا عن رخصة الله، وإلقاء بالنفس إلى التهلكة باسم التدين والطاعة، وما ذلك إلا التنطع والعصيان" (٤). وعبر القرطبي عن هذا الرأي بوضوح بقوله: "أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل" (٥).

стр. 1350

واتفق علماء المذاهب الأربعة أن الصائم يفطر إذا زاد مرضه بالصيام وتأخر شفاؤه، وتعرض لمشقة شديدة أو خطر على حياته (١). النوع الثاني من المرض: المريض العاجز عن الصيام عجزاً مستمراً لا يُرجى زواله، كالكبير الهرم، والمريض الذي لا يُرجى برؤه، وذلك بإخبار الطبيب المسلم الثقة الحاذق، فحينئذٍ لا يجب على هذا العاجز الصيام؛ لأنه لا يستطيعه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الإمام ابن المنذر ﵀: "وأجمعوا على أن للشيخ الكبير والعجوز العاجِزَيْن عن الصوم أن يفطرا" (٢)، لكن يجب عليه أن يطعم بدل الصيام عن كل يوم مسكيناً؛ لأن الله تعالى جعل الإطعام معادلاً للصيام حين كان التخيير بينهما أوَّل ما فرض الصيام، فتعيَّن أن يكون بدلاً من الصيام عند العجز عنه؛ لأنه معادل له (٣). قال ابن عباس ﵄: " ... الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً" (٤)، وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس بن مالك بعدما كبر، عاماً أو عامين، كلَّ يومٍ مسكيناً: خبزاً ولحمًا، وأفطر" (٥). ويُخيَّر العاجز عن الصيام، لكبرٍ، أو مرضٍ لا يُرجى برؤه في صفة الإطعام بين أمرين: الأمر الأول: يفرِّق طعاماً على المساكين، لكل مسكين نصف صاعٍ على الصحيح؛ لأن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة: " ... أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع" (٦)، والصاع النبوي أربع حفنات بكَفَّيْ الرجل المعتدل، وهو يزن تقريباً ثلاثة كيلو، أما نصف الصاع فيزن كيلو ونصف كيلو تقريباً، وهو اختيار الشيخ ابن باز ﵀، إذ قال: "عن كل يومٍ نصف صاعٍ من قوت البلد: من تمرٍ، أو أرزٍ، أو غيرهما، ومقداره بالوزن كيلو ونصف على سبيل التقريب" (٧)، وهو اختيار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء حيث قالوا: " ... وهو نصف صاعٍ عن كل يومٍ من قوت البلد، وهو كيلو ونصف تقريباً" (٨). الأمر الثاني: يجوز أن يُصلحَ طعاماً، ويدعوَ إليه من المساكين بقدر الأيام التي عليه؛ لأن أنس بن مالك ﵁ "أطعم بعد ما كبر عاماً أو عامين كل يوم مسكيناً: خبزاً ولحماً وأفطر" (٩). قال ابن باز ﵀: "إذا كان الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يشق عليهما الصوم فلهما الإفطار ويطعمان عن يوم مسكيناً: إما بتشريكه معهما في الطعام، أو دفع نصف صاع من التمر، أو الحنطة، أو الأرز للمسكين كل يوم ... " (١٠).

стр. 1351

وقال الشيخ ابن باز في فدية الإطعام عن الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، والمريض الذي لا يُرجى برؤه، الذين لا يُطيقون الصيام: قال ﵀: "يدفع الطعام للفقراء والمساكين، ويجوز دفعه كله إلى مسكين واحد ... " (١)، وقال ﵀ في موضع آخر: "وهذه الكفارة يجوز دفعها لواحد أو أكثر في أول الشهر، أو وسطه، أو آخره ... " (٢). والله تعالى أعلم (٣). وأما صوم المسن، فقد اتفق العلماء على عدم وجوب الصيام على المسن الذي لا يستطيعه، أو يشق عليه مشقة شديدة تجهده أو يتضرر منها بالهلاك أو فوات عضو من الأعضاء، أو بالمرض (٤). وقد نقل الإجماع على ذلك عدد من العلماء، ومنهم: - ابن المنذر -رحمه الله تعالى- فقال: "وأجمعوا على أن للشيخ الكبير والعجوز العاجزين عن الصوم أن يفطروا" (٥). - ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- فقال: "أجمع العلماء على أن للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يطيقان الصوم الإفطار، ثم اختلفوا في الواجب عليهما" (٦). - ابن رشد -رحمه الله تعالى- فقال: "وأما الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا (٧). استدل أهل العلم على جواز الفطر للمسن الذي لا يستطيع الصيام أو يشق عليه مشقة شديدة بأدلة من الكتاب (٨) والأثر (٩) والإجماع (١٠) والمعقول.

стр. 1352

وقد صرح العلماء في المذهبين الحنفي والشافعي على أن المسن الذي يشق عليه الصوم ومع ذلك صام فإن صومه صحيح ويجزئه، وهو قياس مذهب المالكية والحنابلة (١). قال السرخسي -رحمه الله تعالى-: "وأما الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم نصف صاع من حنطة ... ولنا أن الصوم قد لزمه لشهود الشهر، حتى لو تحمل المشقة وصام كان مؤدياً للفرض" (٢). وقال النووي -رحمه الله تعالى-: "واتفقوا على أنه لو تكلف – أي المسن – الصوم فصام فلا فدية، والعجوز كالشيخ في جميع هذا، وهو إجماع" (٣). وهو مقتضى مذهب المالكية وقياسه في مسألة صوم المريض الذي يشق عليه الصوم ويصوم. قال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-: "أن المريض الحامل على نفسه إذا صام فإن ذلك يجزئ عنه، فدل ذلك أنه رخصة له" (٤). فهذا قولهم في المريض، ويقاس عليه المسن الذي يتحمل المشقة ويصوم بجامع وقوع المشقة والجهد وتحمل ذلك في الكل، وهو كذلك مفهوم مذهبهم في المسن الذي يشق عليه الصوم أن له أن يفطر. قال ابن رشد -رحمه الله تعالى-: "وأما الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا" (٥).

стр. 1353

فقولهم: «أن لهما أن يفطرا» يدل على أنهم لا يوجبون الإفطار عليهما، وبناء عليه فالصوم يكون جائزاً إذن. وهذا القول أيضاً قياس مذهب الحنابلة في المريض؛ إذ إنهم يرون أن المريض الذي يجوز له الفطر لو تكلف وصام فإن صومه يجزئه، ويسقط عنه الفرض مع الكراهية (١). قال ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: "فإن تحمل المريض وصام مع هذا، فقد فعل مكروهاً، لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله –تعالى- وقبول رخصته، ويصح صومه ويجزئه" (٢). وبناء على هذا، يمكن القول أنه لا خلاف بين المذاهب الأربعة في صحة صيام المسن الذي يجوز له الفطر بسبب المشقة وإجزائه مع الكراهة عند الحنابلة خاصة. استدل أهل العلم لقولهم بصحة صيام المسن الذي يجوز له الفطر بسبب المشقة، وأن ذلك يجزئه بما يأتي: ١ - ... أن الصوم في هذه الحالة واجب على المسن، وجواز الفطر له إنما كان لرفع الحرج، فإذا تحمل وأتى بالواجب فقد أخذ بالعزيمة وترك الرخصة، فيجوز له ذلك ويجزئه (٣). ٢ - ... أنه يجزئه الصوم ويصح منه كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة إذا حضرها (٤). ٣ - ... أنه يجزئه الصوم ويصح منه كما تجزئ الصلاة قائماً للمعذور الذي تجوز له الصلاة قاعداً، ويتكلف ويصلي قائما (٥). وهذان الدليلان الأخيران ذكرهما ابن قدامة -رحمه الله تعالى- لجواز الصيام للمريض وإجزائه له مع تحمل المشقة، ويصح الاستدلال بهما هنا بجامع تحمل المشقة في كلا الحالين، ولكون ترك الجمعة، والقيام، والصيام رخصة في جميع هذه الحالات، والإتيان بها عزيمة. والله أعلم. وفي سؤال هل الصوم أفضل للمسن أم الفطر؟ نقول بأن العلماء أجمعوا على جواز الفطر للمسن الذي لا يستطيع الصوم أو يشق عليه ذلك مشقة شديدة، وعُرف أنه لا خلاف بينهم في صحة صيامه مع تحمل المشقة، وأن ذلك يجزئه، ولكن هل الصوم أفضل له أم الفطر؟ لم أجد للعلماء في المذاهب الأربعة قولاً في هذه المسألة المتعلقة بالمسن خاصة -فيما اطلعت عليه- ولكنهم اختلفوا في الأفضلية بالنسبة للمريض والمسافر. والمسن الذي يشق عليه الصيام يأخذ حكمهما بجامع المشقة والجهد؛ وعليه يمكن قياس مسألتنا على ما ذكروه فيهما، وقد اختلفوا في بيان الأفضلية بالنسبة للمسافر والمريض على ثلاثة أقوال: القول الأول (٦): أن الفطر أفضل، وإلى هذا ذهب الشافعية (٧)، وهو قول الحنابلة مع كراهية الصوم (٨).

стр. 1354

القول الثاني (١): أن الصوم أفضل لهما، وإلى هذا ذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣).

стр. 1355

القول الثالث (١): استواء الأمرين الفطر والصوم وإلى هذا ذهب بعض العلماء (٢). وهذا يقتضي أن يكون لهم في المسن هذه الأقوال الثلاثة بجامع أن الفطر في الحالات الثلاثة رخصة، وبجامع وجود المشقة فيهما كما سبق بيانه. ولعل الراجح -والله تعالى أعلم- هو القول الأول القائل بأن الفطر أفضل لأنه الأيسر للمسن حال تحقق المشقة نظراً لقواعد الشريعة العامة ومقاصدها في التيسير ورفع الحرج وإذا كانت المشقة يتحملها المسن ولا تضره فالصيام في حقه أفضل لأدلة القول الثاني. وتجدر الإشارة بأن المفتي في مسألةٍ ما، تستدعي مزيد خبرة واختصاص، لا علاقة بها بالعلم الشرعي في الغالب، وإنما بالعلم التجريبي، أو الفني، أو المهني، ونحو ذلك، هو بمثابة القاضي في الأحكام، يلزمه الرجوع للخبراء، واستشارة أهل الفن والمعرفة. قال تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، فلا يخبر المرء بحقيقة الأمر، وبواطنه وغوامضه، مثل من هو عالم بدقائقه، بصير بتفاصيله، ومن كانت هذه حاله وجب الرجوع إليه في ذلك، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، كما هو مقرر في الأصول. قال الماوردي: "يرجع الحاكم (٣) في التقويم (٤) إلى غيره؛ لأن لكل جنسٍ ونوعٍ: أهل خبرةٍ، وهم أعلم بقيمته من غيرهم" (٥). وعقد ابن فرحون في تبصرة الحكام باباً في القضاء بقول أهل المعرفة، وقال: "ويجب الرجوع إلى قول أهل البصر والمعرفة" (٦)، وتبعه على ذلك الطرابلسي الحنفي في معين الحكام (٧). ومما يشهد لذلك في السنة؛ اعتبار قول القائف لخبرته وعلمه بهذا الفن. يقول ابن القيم معلقاً على الاستناد إلى القافة: "والقياس وأصول الشريعة تشهد للقافة؛ لأن القول بها حكمٌ يستند إلى درْك أمورٍ خفية وظاهرة، توجب للنفس سكوناً؛ فوجب اعتباره، كنقد الناقد، وتقويم المقوّم" (٨). فتبين مما تقدم أن المفتي في بعض المسائل، لا يستطيع أن يحرر فتوىً، أو يصدر حكماً شرعياً، بدون تصور المسألة، وإفادة أهل الاختصاص له في ذلك.

стр. 1356

ومن ذلك ما طرأ في الطب الحديث، من كثير من الأدوية والعقاقير، وما حصل أيضاً من تنوّع للأمراض وتجددها، وتفاوت أحوالها من حيث الخطورة والتوسط والاعتدال، مما لا يمكن معها إصدار وصفٍ منضبطٍ لها من غير الأطباء المتخصصين في هذه المجالات. وقد ذهب كثير من الباحثين المعاصرين، إلى أن الأمر في ذلك يعود لتقدير الطبيب ورأيه، في كثير من الحالات، مهما أصدرنا أحكاماً إجمالية، أو أُطراً عامة (١)، وهذا حق، لا ينبغي أن يكون مجالاً للخلاف عليه، فالحكم على المريض بأن الصوم يضره، أو يؤثر فيه؛ يحتاج إلى طبيب عالج ذات المريض، وتابع حالته التي هو عليها، فتلك قضايا أعيان وأفراد. يقول أحد الباحثين الأطباء، بعد أن فصّل أحوال مريض السكري مع الصيام: "وبصفة عامة، فإن السماح بالصيام أو عدمه، إضافة إلى تنظيم الدواء وأوقات تناوله، يعود إلى الطبيب المعالج دون غيره (٢). وقال بعد أن تحدث عن حال الحامل والمرضع مع الصيام: "لا يمكن إطلاق قول حاسم على كل الحوامل والمرضعات، بحيث نقول: إن هناك حامل أو مرضع تستطيع الصيام، وأخرى لا تقدر عليه" (٣). وقال في خاتمة جزلة لبحثه: "إن تقرير إمكانية الصيام أو عدمه ليس بالأمر السهل، ولا يمكن تقرير قواعد عامة لجميع المرضى، بل ينبغي بحث كل مريض على حدة، ولا يتيسّر ذلك الأمر إلا للطبيب المسلم المختص" (٤). وكل ما تقدم يأكّد شأن الرجوع إلى الطبيب، واعتبار قوله، والاستناد إلى رأيه واجتهاده. إلا أن ذلك ليس حكماً مطلقاً، بل لا بد من توافر شروط، إذا قامت في الطبيب، وجب الرجوع له، منها: ١ - الصدق والأمانة. ٢ - الحذق والمهارة. ٣ - الإسلام (٥). ٤ - الذكورة (٦). ٥ - العدد (٧). ومنشأ الخلاف في المسائل المتقدمة (٨): هل (الخبرة) من باب الشهادة أم الرواية؟ . - ... فمن ذهب إلى أنها من باب الشهادة اشترط لها الإسلام، والذكورية، والعدد اثنين، وقال بهذا بعض العلماء (٩).

стр. 1357

- ... ومن رأى أنها من باب الرواية، أجاز الاستفادة بخبرة الكافر، والمرأة، واكتفى بواحد. وهو اختيار آخرين، كابن القيم (١)، وبعض المالكية (٢)، وذهب إليه جمعٌ من العلماء المعاصرين (٣). وفيما يظهر أن الشرطين الأولين كافيان، وهما الصدق والأمانة، والحذق والمهارة، ولا يضير بعد ذلك كونه كافراً، أو امرأة، أو واحداً، وما من شك أن الطبيب المسلم أفضل، واتفاق طبيبين أبلغ من الواحد، وأبعد عن الغلط والوهم. ولا يخفى ما في اشتراط هذه الشروط مجتمعة، من ضيق وعنت، لا يقوى عليه كثيرٌ من المفتين، فضلاً عن المرضى المحتاجين لمن يرشدهم، ويبين لهم الحكم اللائق بحالتهم المرضية، وكيف نطالبهم وهم على هذه الحال من الضعف، بطبيبين رجلين مسلمين، مع ما هو معلوم من انتشار مهنة الطب والتمريض بين النساء، وندرة توافر طبيبين يعاينان حالة واحدة من المرضى. فهذا النبي ﷺ استعان بخبيرٍ كافر، في ظرفٍ حالك، وأمرٍ عصيب، ولم يمنعه كفره، من الاستعانة به، والوثوق برأيه، وذلك عندما هاجر من مكة إلى المدينة. فقد أخرج البخاري من حديث عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ ، ومعه أبو بكر، استأجر رجلاً هادياً خرّيتاً، والخريت: الماهر بالهداية، وهو على دين كفار قريش، فأمِنَاه؛ فدفعا إليه راحلتيهما، فأخذ بهم أسفل مكة، وهو طريق الساحل" (٤). ويظهر من الحديث، أهمية شرطي: (الصدق والأمانة، والحذق والمهارة). بقي أن يُضاف هنا، أن الطبيب يمكن له مع إنارة الطريق للمفتي؛ أن يرشد المريض بنفسه، إذا كان لديه من العلم الشرعي في مجال الصيام والرُّخص الشرعية، ما يؤهّله لذلك، فمن المتقرر عند المحققين من أهل العلم جواز تجزؤ الاجتهاد، ولا شك أن إسناد الحكم الشرعي إلى أهله أولى، مُكتفين من أهل الطب والتطبيب؛ تبصيرَ المفتين والفقهاء، بما يحتاجونه من دقائق المهنة الطبية وتفاصيلها، في الحالات المرضية التي تتطلب بيان حكم فقهي، أو فتوى شرعية. وإنما قصدت من هذه الإضافة؛ لفت انتباه الباحثين، وأنظار المجتهدين، إلى أن ثمة حالات قد تضيق على المريض المستفتي، ولا يجد أمامه من خيار سوى استفتاء الخبير، وهو الطبيب المختص، وهذا يجعل التبعة على الأطباء الفضلاء أكبر، في سعيهم إلى التفقه في شرع الله تعالى، ما يكفي تأهيلهم لذلك، مُستشعرين مكانتهم، وحاجة الناس لهم. ثَانِيًا: السَّفَرُ: السُّفْر جمع سافر، والمسافرون جمع مسافر، والسفر والمسافرون، بمعنىً. وسُمِّيَ المسافر مسافراً؛ لكشفه قناع الكنِّ عن وجهه، ومنازل الحضر عن مكانه، ومنزل الخفض عن نفسه، وبروزه إلى الأرض الفضاء، وسُمِّيَ السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيُظهِر ما كان خافياً منها (٥).

стр. 1358

فظهر أن السفر: قطع المسافة، سُمِّيَ بذلك؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ومنه قولهم: سفرت المرأة عن وجهها: إذا أظهرته، والسفر: هو الخروج عن عمارة موطن الإقامة قاصداً مكاناً يبعد مسافة يصحُّ فيها قصر الصلاة (١). وقيل: السفر لغة: قطع المسافة. وشرعاً: هو الخروج على قصد مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فما فوقها بسير الإبل، ومشي الأقدام (٢). والمسافر: هو من قصد سيراً وسطاً ثلاثة أيام ولياليها وفارق بيوت بلده (٣). والسفر أنواع: أ- سفرٌ حرامٌ، وهو أن يسافر لفعل ما حرمه الله، أو حرمه رسوله ﷺ ، مثل: من يسافر للتجارة في الخمر، والمحرمات، وقطع الطريق، أو سفر المرأة بدون محرم (٤). ب- سفر واجب، مثل السفر لفريضة الحج، أو السفر للعمرة الواجبة، أو الجهاد الواجب. ج- سفر مستحب، مثل: السفر للعمرة غير الواجبة، أو السفر لحج التطوع، أو جهاد التطوع. د- سفر مباح، مثل: السفر للتجارة المباحة، وكل أمر مباح. هـ- سفر مكروه، مثل: سفر الإنسان وحده بدون رفقة، إلا في أمر لا بد منه (٥)؛ لقول النبي ﷺ : "لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكبٌ بليلٍ وحده" (٦). فهذه أنواع السفر التي ذكرها أهل العلم، فيحرم على كل مسلم أن يسافر إلى سفر محرم، وينبغي له أن لا يتعمَّد السفر المكروه، بل يقتصر في جميع أسفاره على السفر الواجب، والسفر المستحب، والمباح، وله أن يأخذ برخص السفر من: الفطر في شهر رمضان، وقصر الصلاة، وغير ذلك من الرخص التي شرعها رسول الله ﷺ (٧). ويشترط في السفر المرخص في الفطر ما يأتي: أ - أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ طَوِيلا مِمَّا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ.

стр. 1359

ب - أَنْ لَا يَعْزِمَ الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ خِلَالَ سَفَرِهِ. ج - أَنْ لَا يَكُونَ سَفَرُهُ فِي مَعْصِيَةٍ , بَلْ فِي غَرَضٍ صَحِيحٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ , وَذَلِكَ: لِأَنَّ الْفِطْرَ رُخْصَةٌ وَتَخْفِيفٌ , فَلَا يَسْتَحِقُّهَا عَاصٍ بِسَفَرِهِ , بِأَنْ كَانَ مَبْنَى سَفَرِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ , كَمَا لَوْ سَافَرَ لِقَطْعِ طَرِيقٍ مَثَلًا. وللمسافر أن يفطر في رمضان وغيره، بدلالة الكتاب والسنة، الإجماع: - أما الكتاب؛ فلقول الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. - وأما السنة؛ فلقول النبي ﷺ : "إن الله وضع عن المسافر الصوم " (١)، وأحاديث كثيرة. - وأما الإجماع، فأجمع المسلون على إباحة الفطر للمسافر في الجملة؛ وإنما يباح الفطر في السفر الطويل الذي يبيح القصر (٢). قال الإمام البخاري ﵀: "باب في كم يقصر الصلاة؟ وسمَّى النبي ﷺ ، يوماً وليلةً سفراً، وكان ابن عمر وابن عباس ﵃ يقصران ويفطران في أربعة بُرُدٍ، وهي ستة عشر فرسخاً" (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قوله: بابٌ: في كم يقصر الصلاة؟ يريد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر ولا يسوغ له في أقلَّ منها ... وقد أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام، وأورد ما يدل على اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة" (٤)، وكأن البخاري ﵀ يشير إلى حديث أبي هريرة ﵁ المذكور عنده في الباب (٥)، وهو قول النبي ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة" (٦) (٧). وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ من قوله: "لاتقصر إلى عرفة، وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان (٨)، والطائف، وجدة، فإذا قدمت على أهلٍ أو ماشية فأتمّ" (٩)، والمسافة من مكة إلى الطائف ثمانية وثمانون كيلو، ومن مكة إلى جدة تسعة وسبعون كيلو، ومن مكة إلى عسفان ثمانية وأربعون ميلاً. وهذه المسافة عليها الجمهور من أهل العلم، ومنهم الأئمة الثلاثة: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي والإمام مالك رحمهم الله تعالى (١٠). يقول ابن باز: "الأولى في هذا أن ما يعدُّ سفراً تلحقه أحكام السفر: من قصرٍ، وجمعٍ، وفطرٍ، وثلاثة أيام للمسح على الخفين؛ لأنه يحتاج إلى الزاد والمزاد: أي ما يعد سفراً، وما لا فلا، ولكن إذ عمل المسلم بقول الجمهور، وهو أن ما يعدُّ سفراً: هو يومين قاصدين ... فلو عمل الإنسان بهذا القول فهذا حسن من باب الاحتياط؛ لئلا يتساهل الناس فيصلوا قصراً فيما لا ينبغي لهم ... لكثرة الجهل، وقلة البصيرة، ولا سيما عند

стр. 1360

وجود السيارات؛ فإن هذا قد يفضي إلى التساهل، حتى يفطر في ضواحي البلد، واليومان: هي سبعون كيلو أو ثمانون كيلو تقريباً" (١). وقال ﵀ أيضاً: "وقال بعض أهل العلم: إنه يحدد بالعرف ولا يحدد بالمسافة المقدرة بالكيلوات، فما يُعدُّ سفراً في العرف يُسَمَّى سفراً، وما لا فلا، والصواب ما قرره جمهور أهل العلم، وهو التحديد بالمسافة التي ذكرت (٢)، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم (٣)، فينبغي الالتزام بذلك " (٤)، والله أعلم (٥). وأما المسافة الني تناط بها الرخصة، فيقدر البريد بأربعة فراسخ، والفرسخ يقدر بثلاثة أميال. وعلى ذلك فتكون المسافة مقدرة بثمانية وأربعون ميلاً، و (الميل) - وهو فارسي معرب- فقد اختلف في تقديره اختلافا كبيرا وفيما يلي إشارة إلى أهم أقوال العلماء في بيانه وما شهر أو صحح منها وبيان المراد منه بالمتر المعروف الآن: القول الأول: الميل: هو منتهى مدّ البصر من الأرض؛ لأن البصر يميل عن وجه الأرض حتى يفنى إدراكه وبذلك جزم الجوهري. الثاني: أن ينظر إلى شخص بعيد يقف على أرض مستوية فلا يدرى أرجل هو أو امرأة. الثالث: ما قاله النووي: أنه ستة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة، وشهر هذا القول الحافظ ابن حجر ثم قال: قد حرر بذراع الحديد المشهور في مصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجد ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن. فعلى هذا: يكون الميل -بذراع الحديد في القول المشهور-خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعاً. الرابع: هو اثنا عشر ألف قدم بقدم الإنسان. الخامس: هو أربعة آلاف ذراع. السادس: ثلاثة آلف وخمسمائة ذراع، قاله الخرشي، وصححه بعض العلماء. السابع: ثلاثة آلاف ذراع. الثامن: ألفا ذراع.

стр. 1361

التاسع: خمسمائة ذراع وصححه ابن عبد البر (١). وإذا ما رجعنا إلى الأقوال المشهورة أو المصححة وهى الأقوال المنسوبة إلى النووي والخرشي وابن عبد البر، فإننا نجد أن أصح هذه الأقوال -من حيث مطابقته للواقع-: هو قول الخرشي. ونبين ذلك فيما يلي: أ- طول المسافة على ما قاله النووي -إذا عرفنا أن الذراعين يقدران بمتر واحد، وأنّ كل ألف متر تقدر بكيلو متر واحد- هو ١٢٧ كم (سبعة وعشرون ومائة كيلو متراً). ب- وعلى ما قاله الخرشي فإن طول المسافة هو ٨٤ كم (أربعة وثمانون كيلو متراً). جـ- وعلى ما صححه ابن عبد البر يكون طول المسافة هو (١٢) كم (اثنا عشر كيلو متراً). وإذا ما راجعنا هذه الأطوال على العلامات المادية التي ضبطت عليها المسافة التي أنيطت بها الرخصة، وهى من مكة إلى جدة، ومن مكة إلى الطائف، ومن مكة إلى عسفان، فإننا نجد أن المسافة مقدرة الآن بين مكة وجدة بـ ٧٥ كيلو متراً (خمسة وسبعون) كيلومتراً، وبين مكة وعسفان بحوالي ٨٠ كم (ثمانون) كيلومتراً، وبين مكة والطائف من ٨٠ إلى ٨٥ كم (من ثمانين إلى خمسة وثمانين) كيلومتراً. وإذا لاحظنا الاتساع العظيم لمكة وجدة، مما جعل العمران يزحف إلى الطريق الموصل بينهما فيقتطع منها حوالي ١٠ كم عشرة كيلومترات؛ أي خمسة من كل ناحية، إذا عرفنا ذلك: وجدنا أن أمثل الأقوال هنا في تحديد مقدار الميل: هو قول الخرشي. وبناء على هذا فإنه يمكننا القول: بأن المسافة التي تناط بها رخصة الفطر والقصر هي ٨٤ كم (أربعة وثمانون) كيلو مترا أو ما يقاربها. والله أعلم. ثالثا: - الحائض والنفساء: إذا حاضت المرأة أو نفست: أفطرت، فإن صامت لم يجزئها، فقد أجمع أهل العلم على أن الحائض والنفساء، لايحل لهما الصوم، وأنهما يفطران رمضان ويقضيان، وأنهما إذا صامتا لم يجزئهما الصوم، وقد قالت عائشة ﵂: "كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (٢)، والأمر إنما هو للنبي ﷺ ، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أليس إذا حاضت لم تصلِ ولم تصم" (٣)، والحائض والنفساء سواءٌ؛ لأن دم النفاس هو دم الحيض، وحكمه حكمه، ومتى وُجدَ الحيض أو النفاس في جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم، سواء وجد في أوله بعد طلوع الفجر أو في آخره، قبل غروب الشمس، ولو صامت الحائض أو النفساء مع علمها بتحريم ذلك أثمت ولم يجزئها (٤). وإذا طهرت الحائض أو النفساء في أثناء نهار رمضان لم يصحَّ صومها بقيةَ اليوم؛ لوجود ما ينافي الصيام في حقها في أول النهار، وعليها الإمساك بقية اليوم في أصح قولي العلماء؛ لزوال العذر الشرعي الذي أبيح لها الفطر من أجله" (٥)، وإذا طهرت الحائض أو النفساء في الليل في رمضان ولو قبل الفجر بلحظة وجب

стр. 1362

عليها الصوم؛ لأنها أصبحت من أهل الصيام، وليس فيها ما يمنعه، ويصح صومها حينئذٍ ولو لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، كالجنب إذا صام ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ لقول عائشة وأم سلمة ﵄: كان رسول الله ﷺ يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم" (١) (٢). رابعا: - الشيخوخة والهرم ويقصد به كبير السن الذي لا يستطيع الصيام، أو يشقُّ عليه الصيام مشقةً ظاهرةً يجوز له أن يفطر، ويجب عليه أن يُطعِم مسكينًا عن كل يوم من رمضان، وإذا وصل الكبير إلى درجة الخرَف فلم يَعُد يَعقل شيئًا، فإنه يزول عنه التكليف، ولا يلزمه شيء، فلا يُصام عنه، ولا يُطعَم عنه. والله أعلم. خامسا: - الحامل والمرضع وذلك لحديث أنس بن مالك الكعبي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام" (٣). قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولد هما تفطران ثم تقضيان" (٤). والحامل والمرضع لهما ثلاث حالات: الحالة الأولى: إذا خافتا على أنفسهما فقط، فحكمهما كالمريض: مع عدم المشقة مطلقاً: أي لا يشق عليها الصيام فيحرم عليها الإفطار، ويجب الصوم، ومع المشقة التي تتحملها يكره الصيام، ومع المشقة التي لا تتحملها أو تضرها يحرم عليها الصيام. وعليها أن تقضي عدد الأيام التي أفطرتها فقط بلا خلاف في هذه الحال. الحالة الثانية: إذا خافتا على ولديهما الضرر، فتفطران؛ لإنقاذ معصومٍ، وتقضيان الأيام التي أفطرتهما فقط على الصحيح بدون إطعام. الحالة الثالثة: إذا خافتا على أنفسهما وولديهما أفطرتا، وتقضيان عدد الأيام التي أفطرتهما فقط على الصحيح. وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: "والصواب أنهما إذا خافتا على ولديهما أو نفسيهما أفطرتا وقضتا بدون إطعام" (٥).

стр. 1363

والراجح أنه لايجب الإطعام مع الصيام، لأن حكم الحامل والمرضع كالمريض في جميع الأحوال على الصحيح من أقوال أهل العلم، والله أعلم (١).

стр. 1364

سادسا: -الإكراه ويقصد به المكره على الفطر إكراهاً ملجئاً، بحيث ألزمه غيره: أن يتناول شيئاً من مفسدات الصوم، فأفطر بذلك دفعاً للضرر أو الهلاك عن نفسه، أو يعتدي عليه عدوٌّ ويهدده بالقتل إن لم يفطر، أو يتوعّده بقطع عضو منه، أو بإلحاق الضرر بولده أو ماله، فيفطر ولا شيء عليه، ولكن بشرط أن يكون المُكْرِه قادراً على إنزال الهلاك به؛ لقول الله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ [النحل: ١٠٦]، فقد رفع الله الحكم عمَّن كفر مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان، فإذا رفع الله حكم الكفر عمَّن أكره عليه فما دونه أولى؛ ولقول النبي ﷺ من حديث أبي ذر ﵁: "إن الله تجاوزلي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" (١)، وعن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عما توسس به صدورها، ما لم تعمل به أو تتكلّم به، وما استكرهوا عليه" (٣) من الإكراه أن يُكره الرجل الفاسق زوجته إكراهاً ملجئاً، على الجماع في نهار رمضان وهي صائمة، فصيامها صحيح، ولا قضاء عليها ولا كفارة [على الصحيح من قولي العلماء] (٤)، ولا يحل له إكراهها، ويأثم عند الله تعالى إثماً عظيماً يهلك به نفسه. ويُلحق بالإكراه: الصائم إذا طار إلى جوفه غبار بغير اختياره، أو دخل في بطنه شيء بغير اختياره، كأن يتمضمض أو يستنشق فينزل إلى جوفه شيء من الماء بغير اختياره، فصيامه صحيح ولا قضاء عليه (٥) فالمكره مضطر لدفع الضرر أو الهلاك عن نفسه، فجاز له الإفطار، والله تعالى أعلم. سابعا: - الفطر لدفع ضرورة: من احتاج للفطر؛ لدفع ضرورة غيره، كإنقاذ معصومٍ: من غرقٍ، أو حريقٍ، أو هدمٍ، أو نوعٍ من أنواع الهلاك، فإذا لم يستطع إنقاذ المعصوم إلا بالإفطار أفطر، وأنقذه؛ لأنَّ إنقاذ المعصوم من الهلكة

стр. 1365

واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويلزمه قضاء ما أفطره، وليس عليه إطعام على الصحيح من قولي العلماء إنما عليه قضاء لذلك اليوم الذي أفطره لإنقاذ المعصوم، ويدخل في ذلك إنقاذ المعصوم بالتبرع بالدم إذا خشي عليه الهلاك إلا بالتبرع، والله تعالى أعلم (١). ثامنا: -إرهاق الجوع والعطش: من غلبه الجوع أو العطش الشديد الذي يخاف معه الهلاك على نفسه (٢)، أو نقصان العقل، أو ذهاب البصر أو السمع أو بعض الحواس الأخرى، فيجوز أن يفطر بما يسدّ رمقه، ثم يُكمل صيامه ويقضي؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٥)، وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٦)؛ وقضى رسول الله ﷺ أن: "لا ضرر ولا ضرار" (٧)، وهذا بمنزلة من فقد الطعام والشراب، ثم وجد الميتة، فله أن يأكل منها ما يسد رمقه ثم يُمسك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (٨)؛ ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (٩) وغير ذلك من الأدلة (١٠). تاسعا: - الفطر بسبب الجهاد: من احتاج إلى الفطر للتقوي به على الجهاد في سبيل الله تعالى في قتاله العدُوَّ فإنه يفطر، ويقضي عدد الأيام التي أفطرها، سواء كان الجهاد في السفر، أو في بلده إذا حضره العدو ولم يستطع الجهاد إلا بالتقوّي عليه بالإفطار؛ لأن في ذلك دفاعاً عن المسلمين، وإعلاءً لكلمة الله ؛ ولقول النبي ﷺ في غزوة فتح مكة: "إنكم قد دنوتم من عدوِّكم والفطر أقوى لكم" قال أبو سعيد ﵁ "فكانت رخصةً، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: إنكم مصبِّحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا" وكانت عزمة فأفطرنا (١١). قال الإمام ابن القيم ﵀: "فلو اتفق مثل هذا في الحضر، وكان في الفطر قوة لهم على لقاء عدوِّهم، فهل لهم الفطر؟ فيه قولان، أصحُّهما دليلاً، أن لهم ذلك، وهو اختيار ابن تيمية، وبه أفتى العساكر الإسلامية، لما لقوا العدو بظاهر دمشق (١٢)، ولا ريب أن الفطر لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر في السفر تنبيه على إباحته في هذه الحالة؛ فإنها أحق بجوازه؛ لأن القوة هناك تختصّ بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين؛ ولأنّ مشقّة الجهاد أعظم من مشقة السفر؛ ولأنّ المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم

стр. 1366

من المصلحة بفطر المسافر؛ ولأنّ الله تعالى قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (١) , والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة ... وبالجملة فتنبيه الشارع وحكمته يقتضي أن الفطر لأجل الجهاد أولى من مجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة، ونبَّه عليها، وصرح بحكمها، وعزم عليهم أن يفطروا لأجلها ... " (٢)، والله تعالى أعلم، وأحكم (٣). فهذه أنواع تسعة لمن يباح لهم الفطر من رمضان من أهل الأعذار، وقد جمعها بعضهم بقوله (٤): وعوارض الصوم التي قد يُغتفر للمرء فيها تسع تستطر حَبَلٌ، وإرضاعٌ، وإكراهٌ، سَفَر ... مرضٌ، جهاد، جوعة، عطش، كِبَر وأما مقدار الفدية، فعند أبي حنيفة والثوري - ونقل أيضاً عن ابن عباس -: مدان من البر أو أربعة من الشعير أو التمر (٥). أما الفدية عند أكثر الفقهاء، فهي مد من الطعام من غالب قوت أهل البلد، وسواء كان التأخير لعام أو لعامين، وهناك وجه عند الشافعية، أنه يجب دفع مُدَّيْنِ عن كل يوم، إذا كان قد مضى عليه رمضانان، وصححه المتأخرون منهم (٦). واختلف في من مات وعليه صيام وقد فرط فيه، وذكروا وجوها: أحدها: أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدٌّ من طعام من غالب قوت البلد، وممن قال بذلك، ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبو عبيد وابن علية والخزرجى ومالك وأبو حنيفة وأحمد والثوري والليث والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه، إلا أن الحنفية يشترطون أن يوصى بالإطعام عنه قبل موته ولم يشترط باقي الأئمة ذلك، لأن الإطعام عنه يعتبر عبادة والعبادة لا بد فيها من النية، ولذلك يخرج الإطعام عنه من ثلث ماله (٧). أما بقية الفقهاء فيعتبرونه من الحقوق المالية المتعلقة بديون العباد فلذا جازت فيها النيابة، وقد حكى ابن المنذر عن ابن عباس والثوري، أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدان (٨). والثاني: أن من فرط في قضاء الصيام، فإنه يصام عنه سواء قام بذلك وليه عنه أو استأجر من يصوم عنه أو قام أجنبي بالصيام عنه من تلقاء نفسه. وقد قال بذلك: طاووس والحسن البصري والزهري وقتادة وأبو ثور وداود، وهو قول الشافعي في مذهبه القديم، وهو أصح القولين عنه عند محققي الشافعية (٩). الثالث: أن من مات وعليه صيام وقد فرط فيه، فإنه يصام عنه النذر ويطعم عن صيام رمضان، وهذا رأي أحمد وإسحاق ونقل عن ابن عباس (١٠). القرآن

стр. 1367

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥] التفسير: شهر رمضان الذي ابتدأ الله فيه إنزال القرآن في ليلة القدر؛ هداية للناس إلى الحق، فيه أوضح الدلائل على هدى الله، وعلى الفارق بين الحق والباطل. فمن حضر منكم الشهر وكان صحيحًا مقيمًا فليصم نهاره. ويُرخَّص للمريض والمسافر في الفطر، ثم يقضيان عدد تلك الأيام. يريد الله تعالى بكم اليسر والسهولة في شرائعه، ولا يريد بكم العسر والمشقة، ولتكملوا عدة الصيام شهرًا، ولتختموا الصيام بتكبير الله في عيد الفطر، ولتعظموه على هدايته لكم، ولكي تشكروا له على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق والتيسير. قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ " أي هذه الأيام هى شهر رمضان الذي بدئ فيه بإنزال القرآن" (١). قال الصابوني: " أي والأيام المعدودات التي فرضتها عليكم أيها المؤمنون هي شهر رمضان الذي أبتدأ فيه نزول القرآن" (٢). و(الشهر): "هو مدة ما بين الهلالين؛ وسمي بذلك لاشتهاره؛ قال الطبري: " أصله من (الشهرة)، يقال منه: (قد شَهر فلانٌ سَيْفه)، إذا أخرجه من غمده فاعترض به من أراد ضربه، يشهرُه شهرًا، وكذلك (شَهر الشهر)، إذا طلع هلاله، (وأشهرْنا نحن)، إذا دخلنا في الشهر" (٣). قال الواحدي: " الشهر: مأخوذ من الشهرة، تقول شَهَرَ الشيء يَشْهَرُه شَهْرًا: إذا أظهره، وسمي الشَّهْرُ شهرًا لشهرة أمره في حاجة الناس إليه في معاملاتهم، ومحل ديونهم، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم وغير ذلك من أمورهم" (٤). قال الليث: "والشهر: ظهور الشيء، وسمي (٢) الهلال شهرًا، قال ابن الأعرابي: لأنه يشهر به" (٥). وقال الزجاج: "إنما سمي الشهر شهرا لشهرته وبيانه" (٦). وقال بعضهم: سُمي الشهر شهرًا باسم الهلال إذا أهلّ سمي شهرًا. والعرب تقول: رأيتُ الشَّهْرَ، أي: رأيت هلاله، قال ذو الرمة (٧): يرى الشَّهْرَ قَبْلَ الناسِ وهو بخيلُ وقد أَشْهَرْنا، أي: أتى علينا شَهْرٌ" (٨). قال الفراء: "ولم أسمع منه فعلًا إلا هذا" (٩). وقد اختلف العلماء في الهلال (١٠):

стр. 1368

أحدهما: أن الهلال ما هلّ في الأفق وإن لم يُرَ. والثاني: أن الهلال ما رئي واشتهر. قال ابن عثيمين: " والصواب الثاني، وأن مجرد طلوعه في الأفق لا يترتب عليه حكم شرعي - حتى يرى، ويتبين، ويُشهد إلا أن يكون هناك مانع من غيم، أو نحوه" (١). و﴿رَمَضَانَ﴾ مضاف إليه ممنوع من الصرف بسبب العلمية وزيادة الألف، والنون؛ مأخوذ من الرَّمْض؛ واختلف لماذا سمي برمضان على قولين: ١ - فقيل: لأنه يرمض الذنوب - أي يحرقها بالأعمال الصالحة، فرمضان مصدر رمض إذا احترق (٢). جاء في معجم الوسيط: " رَمِضَ: اشتد حرُّه" (٣). ٢ - وقيل: لأنه أول ما سميت الشهور بأسمائها صادف أنه في وقت الحر والرمضاء؛ فسمي شهر رمضان. لأنه غالباً ما يصادف زمن الرمضاء، وهو الذي يشتد فيه الحر في جزيرة العرب، فسمي بذلك من الرمض وهو شدة الحر. قال القرطبي: " ورمضان مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش. والرمضاء ممدودة: شدة الحر، ومنه الحديث: "صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال". خرجه مسلم. ورمض الفصال أن تحرق الرمضاء أخفافها فتبرك من شدة حرها. فرمضان - فيما ذكروا - وافق شدة الحر، فهو مأخوذ من الرمضاء" (٤).

стр. 1369

٣ - وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس. والرمضاء: الحجارة المحماة (١). ٤ - وقيل: هو من رمضت النصل أرمضه وأرمضه رمضا إذا دققته بين حجرين ليرق. ومنه نصل رميض ومرموض - عن ابن السكيت -، وسمي الشهر به لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم في رمضان ليحاربوا بها في شوال قبل دخول الأشهر الحرم. وحكى الماوردي أن اسمه في الجاهلية (ناتق) وأنشد للمفضل (٢): وَفِي نَاتِقٍ أَجْلَتْ لَدَى حَوْمَةِ الوَغَى ... وَوَلَّتْ عَلَى الأَدْبَارِ فُرْسَانُ خَثْعَمَا (٣) قال الزمخشري: " أراد رمضان لأنه ينتق الصوّام كما يرمضهم " (٤). قلت: والقول الثاني هو الأقرب؛ لأن هذه التسمية كانت قبل الإسلام (٥)، فرمضان مشتق من الأصل رمض، وفي ذلك إشارة إلى حر الصيف، مما يدل على الفصل الذي وقع فيه هذا الشهر من فصول السنة. قال القرطبي: "، يقال إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، فسمي بذلك" (٦). قال الطبري: "وأما مجاهد فإنه كان يكره أن يقال: (رمضان)، ويقول: "لعله اسمٌ من أسماء الله" (٧) " (٨).

стр. 1370

في حين اعترض الإمام النووي على كون (رمضان) من أسماء الله، فقال: "وزعموا أن رمضان اسم من أسماء الله تعالى قال البيهقي وروي ذلك عن مجاهد والحسن والطريق إليهما ضعيف ورواه عن محمد بن كعب واحتجوا بحديث رواه البيهقي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان"، وهذا حديث ضعيف ضعفه البيهقي وغيره والضعف فيه بين فإن من رواته نجيح السندي وهو ضعيف سيء الحفظ " (١). وفي قوله تعالى: ﴿شَهْرُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، قراءتان (٢): إحداهما: ﴿شَهْرُ﴾، بالرفع وهي قراءة الجماعة: على الابتداء، وفي خبره قولان (٣): الأول: أن الخبر قوله: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. والثاني: أنه ارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف، والمعنى: هي شهر رمضان. قله الأخفش (٤). وذلك "لأن قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ تفسيرٌ للأيام المعدُودات، وتبيين لها، ونحو هذا قال الفراء (٥)، أراد: ذلكم شهر رمضان، الصيام شهر رمضان، أي: صيامه كما قال في: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] أي: فيما فرض عليكم الزانية والزاني، أي: حكمهما، وكذلك: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا﴾ " (٦). الثالث: ويجوز أن يكون ﴿شَهْرُ﴾ مبتدأ، ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ صفة، والخبر ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ وأعيد ذكر الشهر تعظيما، كقوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٢]. وجاز أن يدخله معنى الجزاء، لأن شهر رمضان وإن كان معرفة فليس معرفة بعينها لأنه شائع في جميع القابل، قاله أبو علي (٧). والقراءة الثانية: ﴿شَهْرَ﴾، بالنصب، روي عن مجاهد وشهر بن حوشب، ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو (٨)، ومعناه: الزموا شهر رمضان أو صوموا، و ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ نعت له، ولا يجوز أن ينتصب بتصوموا، لئلا يفرق بين الصلة والموصول بخبر أن وهو ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ " (٩). وقال الرماني: " يجوز نصبه على البدل من قول ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] " (١٠). واختلف هل يقال (رمضان) دون أن يضاف إلى شهر، وفيه وجهان (١١): أحدهما: لايجوز أن يقال (رمضان)، دون أن يضاف إلى شهر، قيل: كره ذلك مجاهد وقال: " لعله اسم من أسماء الله لكن نقول كما قال الله: ﴿شهر رمضان﴾ " (١٢).
следующие страницы →