← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

من المصلحة بفطر المسافر؛ ولأنّ الله تعالى قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (١) , والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة ... وبالجملة فتنبيه الشارع وحكمته يقتضي أن الفطر لأجل الجهاد أولى من مجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة، ونبَّه عليها، وصرح بحكمها، وعزم عليهم أن يفطروا لأجلها ... " (٢)، والله تعالى أعلم، وأحكم (٣). فهذه أنواع تسعة لمن يباح لهم الفطر من رمضان من أهل الأعذار، وقد جمعها بعضهم بقوله (٤): وعوارض الصوم التي قد يُغتفر للمرء فيها تسع تستطر حَبَلٌ، وإرضاعٌ، وإكراهٌ، سَفَر ... مرضٌ، جهاد، جوعة، عطش، كِبَر وأما مقدار الفدية، فعند أبي حنيفة والثوري - ونقل أيضاً عن ابن عباس -: مدان من البر أو أربعة من الشعير أو التمر (٥). أما الفدية عند أكثر الفقهاء، فهي مد من الطعام من غالب قوت أهل البلد، وسواء كان التأخير لعام أو لعامين، وهناك وجه عند الشافعية، أنه يجب دفع مُدَّيْنِ عن كل يوم، إذا كان قد مضى عليه رمضانان، وصححه المتأخرون منهم (٦). واختلف في من مات وعليه صيام وقد فرط فيه، وذكروا وجوها: أحدها: أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدٌّ من طعام من غالب قوت البلد، وممن قال بذلك، ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبو عبيد وابن علية والخزرجى ومالك وأبو حنيفة وأحمد والثوري والليث والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه، إلا أن الحنفية يشترطون أن يوصى بالإطعام عنه قبل موته ولم يشترط باقي الأئمة ذلك، لأن الإطعام عنه يعتبر عبادة والعبادة لا بد فيها من النية، ولذلك يخرج الإطعام عنه من ثلث ماله (٧). أما بقية الفقهاء فيعتبرونه من الحقوق المالية المتعلقة بديون العباد فلذا جازت فيها النيابة، وقد حكى ابن المنذر عن ابن عباس والثوري، أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدان (٨). والثاني: أن من فرط في قضاء الصيام، فإنه يصام عنه سواء قام بذلك وليه عنه أو استأجر من يصوم عنه أو قام أجنبي بالصيام عنه من تلقاء نفسه. وقد قال بذلك: طاووس والحسن البصري والزهري وقتادة وأبو ثور وداود، وهو قول الشافعي في مذهبه القديم، وهو أصح القولين عنه عند محققي الشافعية (٩). الثالث: أن من مات وعليه صيام وقد فرط فيه، فإنه يصام عنه النذر ويطعم عن صيام رمضان، وهذا رأي أحمد وإسحاق ونقل عن ابن عباس (١٠). القرآن

стр. 1367

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥] التفسير: شهر رمضان الذي ابتدأ الله فيه إنزال القرآن في ليلة القدر؛ هداية للناس إلى الحق، فيه أوضح الدلائل على هدى الله، وعلى الفارق بين الحق والباطل. فمن حضر منكم الشهر وكان صحيحًا مقيمًا فليصم نهاره. ويُرخَّص للمريض والمسافر في الفطر، ثم يقضيان عدد تلك الأيام. يريد الله تعالى بكم اليسر والسهولة في شرائعه، ولا يريد بكم العسر والمشقة، ولتكملوا عدة الصيام شهرًا، ولتختموا الصيام بتكبير الله في عيد الفطر، ولتعظموه على هدايته لكم، ولكي تشكروا له على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق والتيسير. قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ " أي هذه الأيام هى شهر رمضان الذي بدئ فيه بإنزال القرآن" (١). قال الصابوني: " أي والأيام المعدودات التي فرضتها عليكم أيها المؤمنون هي شهر رمضان الذي أبتدأ فيه نزول القرآن" (٢). و(الشهر): "هو مدة ما بين الهلالين؛ وسمي بذلك لاشتهاره؛ قال الطبري: " أصله من (الشهرة)، يقال منه: (قد شَهر فلانٌ سَيْفه)، إذا أخرجه من غمده فاعترض به من أراد ضربه، يشهرُه شهرًا، وكذلك (شَهر الشهر)، إذا طلع هلاله، (وأشهرْنا نحن)، إذا دخلنا في الشهر" (٣). قال الواحدي: " الشهر: مأخوذ من الشهرة، تقول شَهَرَ الشيء يَشْهَرُه شَهْرًا: إذا أظهره، وسمي الشَّهْرُ شهرًا لشهرة أمره في حاجة الناس إليه في معاملاتهم، ومحل ديونهم، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم وغير ذلك من أمورهم" (٤). قال الليث: "والشهر: ظهور الشيء، وسمي (٢) الهلال شهرًا، قال ابن الأعرابي: لأنه يشهر به" (٥). وقال الزجاج: "إنما سمي الشهر شهرا لشهرته وبيانه" (٦). وقال بعضهم: سُمي الشهر شهرًا باسم الهلال إذا أهلّ سمي شهرًا. والعرب تقول: رأيتُ الشَّهْرَ، أي: رأيت هلاله، قال ذو الرمة (٧): يرى الشَّهْرَ قَبْلَ الناسِ وهو بخيلُ وقد أَشْهَرْنا، أي: أتى علينا شَهْرٌ" (٨). قال الفراء: "ولم أسمع منه فعلًا إلا هذا" (٩). وقد اختلف العلماء في الهلال (١٠):

стр. 1368

أحدهما: أن الهلال ما هلّ في الأفق وإن لم يُرَ. والثاني: أن الهلال ما رئي واشتهر. قال ابن عثيمين: " والصواب الثاني، وأن مجرد طلوعه في الأفق لا يترتب عليه حكم شرعي - حتى يرى، ويتبين، ويُشهد إلا أن يكون هناك مانع من غيم، أو نحوه" (١). و﴿رَمَضَانَ﴾ مضاف إليه ممنوع من الصرف بسبب العلمية وزيادة الألف، والنون؛ مأخوذ من الرَّمْض؛ واختلف لماذا سمي برمضان على قولين: ١ - فقيل: لأنه يرمض الذنوب - أي يحرقها بالأعمال الصالحة، فرمضان مصدر رمض إذا احترق (٢). جاء في معجم الوسيط: " رَمِضَ: اشتد حرُّه" (٣). ٢ - وقيل: لأنه أول ما سميت الشهور بأسمائها صادف أنه في وقت الحر والرمضاء؛ فسمي شهر رمضان. لأنه غالباً ما يصادف زمن الرمضاء، وهو الذي يشتد فيه الحر في جزيرة العرب، فسمي بذلك من الرمض وهو شدة الحر. قال القرطبي: " ورمضان مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش. والرمضاء ممدودة: شدة الحر، ومنه الحديث: "صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال". خرجه مسلم. ورمض الفصال أن تحرق الرمضاء أخفافها فتبرك من شدة حرها. فرمضان - فيما ذكروا - وافق شدة الحر، فهو مأخوذ من الرمضاء" (٤).

стр. 1369

٣ - وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس. والرمضاء: الحجارة المحماة (١). ٤ - وقيل: هو من رمضت النصل أرمضه وأرمضه رمضا إذا دققته بين حجرين ليرق. ومنه نصل رميض ومرموض - عن ابن السكيت -، وسمي الشهر به لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم في رمضان ليحاربوا بها في شوال قبل دخول الأشهر الحرم. وحكى الماوردي أن اسمه في الجاهلية (ناتق) وأنشد للمفضل (٢): وَفِي نَاتِقٍ أَجْلَتْ لَدَى حَوْمَةِ الوَغَى ... وَوَلَّتْ عَلَى الأَدْبَارِ فُرْسَانُ خَثْعَمَا (٣) قال الزمخشري: " أراد رمضان لأنه ينتق الصوّام كما يرمضهم " (٤). قلت: والقول الثاني هو الأقرب؛ لأن هذه التسمية كانت قبل الإسلام (٥)، فرمضان مشتق من الأصل رمض، وفي ذلك إشارة إلى حر الصيف، مما يدل على الفصل الذي وقع فيه هذا الشهر من فصول السنة. قال القرطبي: "، يقال إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، فسمي بذلك" (٦). قال الطبري: "وأما مجاهد فإنه كان يكره أن يقال: (رمضان)، ويقول: "لعله اسمٌ من أسماء الله" (٧) " (٨).

стр. 1370

في حين اعترض الإمام النووي على كون (رمضان) من أسماء الله، فقال: "وزعموا أن رمضان اسم من أسماء الله تعالى قال البيهقي وروي ذلك عن مجاهد والحسن والطريق إليهما ضعيف ورواه عن محمد بن كعب واحتجوا بحديث رواه البيهقي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان"، وهذا حديث ضعيف ضعفه البيهقي وغيره والضعف فيه بين فإن من رواته نجيح السندي وهو ضعيف سيء الحفظ " (١). وفي قوله تعالى: ﴿شَهْرُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، قراءتان (٢): إحداهما: ﴿شَهْرُ﴾، بالرفع وهي قراءة الجماعة: على الابتداء، وفي خبره قولان (٣): الأول: أن الخبر قوله: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. والثاني: أنه ارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف، والمعنى: هي شهر رمضان. قله الأخفش (٤). وذلك "لأن قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ تفسيرٌ للأيام المعدُودات، وتبيين لها، ونحو هذا قال الفراء (٥)، أراد: ذلكم شهر رمضان، الصيام شهر رمضان، أي: صيامه كما قال في: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] أي: فيما فرض عليكم الزانية والزاني، أي: حكمهما، وكذلك: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا﴾ " (٦). الثالث: ويجوز أن يكون ﴿شَهْرُ﴾ مبتدأ، ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ صفة، والخبر ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ وأعيد ذكر الشهر تعظيما، كقوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٢]. وجاز أن يدخله معنى الجزاء، لأن شهر رمضان وإن كان معرفة فليس معرفة بعينها لأنه شائع في جميع القابل، قاله أبو علي (٧). والقراءة الثانية: ﴿شَهْرَ﴾، بالنصب، روي عن مجاهد وشهر بن حوشب، ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو (٨)، ومعناه: الزموا شهر رمضان أو صوموا، و ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ نعت له، ولا يجوز أن ينتصب بتصوموا، لئلا يفرق بين الصلة والموصول بخبر أن وهو ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ " (٩). وقال الرماني: " يجوز نصبه على البدل من قول ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] " (١٠). واختلف هل يقال (رمضان) دون أن يضاف إلى شهر، وفيه وجهان (١١): أحدهما: لايجوز أن يقال (رمضان)، دون أن يضاف إلى شهر، قيل: كره ذلك مجاهد وقال: " لعله اسم من أسماء الله لكن نقول كما قال الله: ﴿شهر رمضان﴾ " (١٢).

стр. 1371

قال القرطبي: " وهذا القول استند على أخبار ضعيفة، منها: - قول رسول الله ﷺ : " لا تَقُولُوا: رَمَضَانُ؛ فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ منْ أسماءِ اللَّهِ _ تعالى _، ولكنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ" (١). - وفي خبر آخر عَنِ - وعن ابنِ عُمَرَ؛ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ: " لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: صُمْتُ رَمَضَانَ، وقُمْتُ رَمَضَانَ، ولا صَنَعْتُ في رَمَضَانَ كَذَا وَكَذَا؛ فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسماءِ اللَّهِ العِظَامِ، ولكنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ، كَمَا قَالَ رَبُّكُمْ في كتابِهِ" (٢). الثاني: وقيل: يجوز أن يقال (رمضان) دون الإضافة. وهذا قول الجمهور. والصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها، روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا كان أوّلُ ليلة من رمضان: صُفِّدت (٣) الشياطين ومردة الجن (٤)، وغُلِّقت

стр. 1372

أبواب النار فلم يُفتح منها بابٌ، وفُتِّحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها بابٌ، ويُنادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، وياباغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة"، وفي لفظ للبخاري: "وفتحت أبواب السماء"، وفي لفظ لمسلم: "وفتح أبواب الرحمة"، وفي لفظ للبخاري ومسلم: "وسلسلت الشياطين" (١). وفي حديث آخر: "أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلُّ فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرَها فقد حرم "، ولفظ أحمد: "تفتح فيه أبواب الجنة " بدلاً من "أبواب السماء" (٢). وربما أسقطت العرب ذكر الشهر من رمضان، قال الشاعر (٣): جَارِيةٌ في دِرْعِهَا الفَضْفَاضِ ... أَبْيَضُ مِنْ أُخْتِ بَنِي إِبَاضِ جَارِيةٌ في رَمَضَانَ المَاضِي ... تَقْطَعُ الحَدِيثَ بِالإِيمَاضِ وهذا اختيار الجمهور: قَالَ الإِمَامُ النَّوويُّ ﵀: " والصَّوابُ _ واللَّهُ أعلمُ _ مَا ذَهَبَ إليهِ الإمامُ أَبُو عبدِ اللَّهِ البُخاريُّ في " صَحِيحِهِ "، وغيرُ وَاحِدٍ منَ العُلماءِ المُحقِّقينَ؛ أنَّهُ لا كَرَاهَةَ مُطْلقاً كَيْفَمَا قَالَ؛ لأنَّ الكَرَاهَةَ لا تَثْبُتُ إلاَّ بالشَّرْعِ، ولَمْ يَثْبُتْ في كَرَاهَتِهِ شَيْءٌ، بلْ ثَبَتَ في الأحاديثِ جوازُ ذَلِكَ، والأحاديثُ فيهِ منَ الصَّحِيحَيْنِ وغيرِهِمَا أكثرُ منْ أنْ تُحْصَرَ، ولَوْ تَفَرَّغْتُ لجمعِ ذَلِكَ رَجوتُ أنْ يَبْلُغَ أحاديثُهُ مِئِينَ، لكنَّ الغرضَ يحصلُ بحَدِيثٍ وَاحِدٍ " (٤). وَقَالَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ: " وَقَدْ يُتَمَسَّكُ لِلتَّقْيِيدِ بالشَّهرِ بِوُرُودِ القُرآنِ بِهِ حيثُ قالَ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، مَعَ احْتِمَالِ أنْ يكونَ حَذْفُ لفظِ شَهْرٍ منَ الأَحَادِيثِ منْ تَصَرُّفِ الرُّواةِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ في عَدَمِ جَزْمِ المُصنِّفِ _ يعني: البُخاريَّ _ بالحُكْمِ، ونُقِلَ عنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ الكَرَاهِيةُ، وعنِ ابنِ البَاقِلاَّنِيِّ _ مِنْهُمْ _، وكَثِيرٍ منَ الشَّافعيَّةِ: إنْ كَانَ هُنَاكَ قرينةٌ تَصْرِفُهُ إلى الشَّهرِ فلا يُكْرَهُ، والجمهورُ عَلَى الجَوَازِ" (٥). وَقَالَ السُّيُوطيُّ: " قَالَ النُّحَاةُ: وشَهْرُ رَمَضَانَ أَفْصَحُ منْ تَرْكَ الشَّهْرِ " (٦). ومعنى قوله تعالى: ﴿الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ أي "إبتديء فيه إنزاله" (٧)، إذ "نزل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، في ليلة القدر من شهر رمضان. ثم أنزل إلى محمد ﷺ على ما أراد الله إنزاله إليه" (٨).

стр. 1373

قال صاحب الكشاف: "ومعنى ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ابتدئ فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر. وقيل: أنزل جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى الأرض نجوما. وقيل: أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) كما تقول أنزل في عمر كذا، وفي علىّ كذا" (١). وعن النبي ﵊: " نزلت صُحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراةُ لست مَضَين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاثَ عَشرة خلت، وأنزل القرآن لأربع وعشرين من رمضان " (٢). وقال ابن عباس قال: أنزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، فكان الله إذا أراد أن يُوحِيَ منه شيئًا أوحاه، فهو قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [سورة القدر: ١] " (٣). قال الشنقيطي: قوله تعالى ﴿الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾، لم يبين هنا هل أنزل في الليل منه أو النهار؟ ولكنه بين في غير هذا الموضع أنه أنزل في ليلة القدر من رمضان وذلك في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [سورة القدر: ١]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، لأن الليلة المباركة هي ليلة القدر على التحقيق وفي معنى إنزاله وجهان: الأول: أنه أنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا كما ثبت عن ابن عباس ﵄. والثاني: أن معنى إنزاله فيها ابتداء نزوله كما قال به بعضهم" (٤). و﴿الْقُرْءَانُ﴾: "مصدر مثل الغفران، والشكران؛ كلها مصادر؛ ولكن هل هو بمعنى اسم الفاعل؛ أو بمعنى اسم المفعول؟ قيل: إنه بمعنى اسم المفعول - أي المقروء؛ وقيل: بمعنى اسم الفاعل - أي القارئ؛ فالمعنى على الأول واضح؛ والمعنى على الثاني: أنه جامع لمعاني الكتب السابقة؛ أو جامع لخيري الدنيا، والآخرة؛ ولا يمتنع أن نقول: إنه بمعنى اسم الفاعل، واسم المفعول؛ وهل المراد بـ ﴿القرآن﴾ الجنس، فيشمل بعضه؛ أو المراد به العموم، فيشمل كله؟ قال بعض أهل العلم: إن «أل» للعموم فيشمل كل القرآن؛ وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين المتأخرين؛ وعلى هذا القول يشكل الواقع؛ لأن الواقع أن القرآن نزل في رمضان، وفي شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة ... في جميع الشهور؛ ولكن أجابوا عن ذلك بأنه روي عن ابن عباس ﵄ أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في رمضان، وصار جبريل يأخذه من هذا البيت، فينزل به على رسول الله ﷺ (٥)؛ لكن هذا الأثر ضعيف؛ ولهذا الصحيح أن «أل» هنا للجنس؛ وليست للعموم؛ وأن معنى: ﴿أنزل فيه القرآن﴾ أي ابتدئ فيه إنزاله، كقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣]، وقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] أي ابتدأنا إنزاله" (٦). قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ أي: "رَشادًا للناس إلى سبيل الحقّ وقَصْد المنهج" (٧). أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج: " ﴿هدى للناس﴾، قال: يهتدون به" (٨).

стр. 1374

قال البيضاوي: أي: " أنزل وهو هداية للناس بإعجازه" (١). قال الزمخشري: " أى" أنزل وهو هداية للناس إلى الحق" (٢). قال الصابوني: أي: " حال كونه هداية للناس لما فيه من إِرشاد وإِعجاز" (٣). قال المراغي: أي: " لهداية الناس إلى الصراط السوىّ والنهج المستقيم، ومن التذكر لهدايته أن يعبد في هذا الشهر ما لا يعبد في غيره، ليكون ذلك كفاء فيضه الإلهى بالإحسان، وتظاهر نعمه على عباده، فهو من شعائر ديننا، ومواسم عبادتنا" (٤). قال الشيخ ابن عثيمين: قوله تعالى " ﴿هدًى﴾: مفعول من أجله؛ أو حال من ﴿القرآن﴾؛ فإذا كانت مفعولاً من أجله فالمعنى: أنزل لهداية الناس؛ وإذا كانت حالاً فالمعنى: أنزل هادياً للناس - وهذا أقرب؛ و ﴿هدًى﴾ من الهداية؛ وهي الدلالة؛ فالقرآن دلالة للناس يستدلون به على ما ينفعهم في دينهم، ودنياهم؛ و ﴿للناس﴾ أصلها الأناس؛ ومنه قول الشاعر (٥): كُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تدْخُلُ بينهم ... دويهية تصفر منها الأَْنَامِلُ لكن لكثرة استعمالها حذفت الهمزة تخفيفاً، كما حذفت من «خير» و «شر» اسمي تفضيل؛ والمراد بهم البشر؛ لأن بعضهم يأنس ببعض، ويستعين به؛ فقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، أي كل الناس يهتدون به - المؤمن، والكافر - الهداية العلمية؛ أما الهداية العملية فإنه هدًى للمتقين، كما في أول السورة؛ فهو للمتقين هداية علمية، وعملية؛ وللناس عموماً فهو هداية علمية (٦). قوله تعالى: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي: وآيات " واضحات مكشوفات، مما يهدى إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل" (٧). قال السدي: " أما وبينات من الهدى فبينات من الحلال والحرام" (٨). قال الصابوني: أي: "وآيات واضحات تفرق بين الحق والباطل" (٩). قال الزمخشري: أي: أنزل "وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدى إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل" (١٠). قال المراغي: أي: " مع وضوح آياته وإرشادها إلى الحق، وجعلها فارقة بين الحق والباطل، والفضائل والرذائل" (١١). قال البيضاوي: أي: " وآيات واضحات مما يهدي إلى الحق، ويفرق بينه وبين الباطل بما فيه من الحكم والأحكام" (١٢).

стр. 1375

قال ابن عثيمين: " المعنى: أن القرآن اشتمل على الآيات البينات - أي "الواضحات" (١)؛ فهو جامع بين الهداية، والبراهين الدالة على صدق ما جاء فيه من الأخبار، وعلى عدل ما جاء فيه من الأحكام" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، قولان: أحدهما: أن المراد: القرآن يفرق بين الحق، والباطل. وهذا قول الجمهور. والثاني: أن الفرقان: التوراة. قاله أبو صالح (٣). والراجح أن ﴿َالْفُرْقَانِ﴾: "مصدر، أو اسم مصدر؛ والمراد أنه يفرق بين الحق، والباطل؛ وبين الخير، والشر؛ وبين النافع، والضار؛ وبين حزب الله، وحرب الله؛ فرقان في كل شيء؛ ولهذا من وفق لهداية القرآن يجد الفرق العظيم في الأمور المشتبهة؛ وأما من في قلبه زيغ فتشتبه عليه الأمور؛ فلا يفرق بين الأشياء المفترقة الواضحة" (٤). قال الزمخشري: "فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى﴾ بعد قوله: ﴿هُدىً لِلنَّاسِ﴾؟ قلت: ذكر أوّلا أنه هدى، ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به اللَّه، وفرق به بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال" (٥). قوله تعالى: ﴿فمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ " أي: فمن شهد منكم دخول الشهر بأن لم يكن مسافرا فليصمه" (٦). قال البيضاوي: أي: " فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافراً فليصم فيه" (٧). قال القرطبي: أي: من شهد منكم المصر في الشهر عاقلا بالغا صحيحا مقيما فليصمه" (٨). قال الزمخشري: " أى: فمن كان حاضراً مقيما غير مسافر في الشهر، فليصم فيه ولا يفطر" (٩). قال المراغي: " وشهوده برؤية هلاله، فعلى كل من رآه أو ثبتت عنده رؤية غيره أن يصومه، والأحاديث في هذا ثابتة في الصحاح والسنن، وجرى عليها العمل من الصدر الأول إلى اليوم" (١٠). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ﴾ [البقرة: ١٨٥] على قولين (١١): أحدهما: أنه بمعنى: شاهد، وعلى هذا القول يرد إشكال في قوله تعالى: ﴿الشهر﴾؛ لأن الشهر مدة ما بين الهلالين؛ والمدة لا تشاهد؛ والجواب أن في الآية محذوفاً؛ والتقدير: فمن شهد منكم هلال الشهر فليصمه. الثاني: وقيل: بمعنى حضر. والقول الثاني أصح: أن المراد بـ ﴿شهد﴾ حضر؛ ويرجح هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾؛ لأن قوله تعالى: ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ يقابل الحضر. والله أعلم. وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وجهان من القراءة (١٢): أحدهما: قراءة العامة بجزم اللام في ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾.

стр. 1376

الثا ني: وقرأ الحسن والأعرج بكسر اللام: ﴿فَلِيَصُمْهُ﴾. قال القرطبي: "وهي لام الأمر وحقها الكسر إذا أفردت، فإذا وصلت بشيء ففيها وجهان: الجزم والكسر، وإنما توصل بثلاثة أحرف: بالفاء كقوله ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ [قريش: ٣]. والواو كقوله: ﴿وَلْيُوفُوا﴾ [الحج: ٢٩]. وثم كقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ [الحج: ٢٩] " (١). واختلف العلماء في معنى (شهود الشهر) في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥]، على أقوال (٢): أحدها: أنه مُقام المقيم في داره. قالوا: فمن دخل عليه شهرُ رمضان وهو مقيم في داره، فعليه صوم الشهر كله، غابَ بعدُ فسافر، أو أقام فلم يبرح. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن عباس وسويد بن غفلة وعائشة - أربعة من الصحابة - وأبو مجلز لاحق بن حميد وعبيدة السلماني (٣). فقالوا: "وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر، والمعنى عندهم: من أدركه رمضان مسافرا أفطر وعليه عدة من أيام أخر، ومن أدركه حاضرا فليصمه" (٤). الثاني: أنه من شهد أول الشهر وآخره، فليصم ما دام مقيما، فإن سافر أفطر. قاله أبو اسحاق ومغيرة والحسن بن سعد والشعبي وشعبة وقتادة (٥)، وهو قول الجمهور. الثالث: أنه يعني: فمن شهده عاقلا بالغًا مكلفًا فليصمه، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه (٦). والصواب هو القول الثاني، إذ عليه تدل الأخبار الثابتة. والله تعالى أعلم. ثم اختلف أهل العلم في المرَض الذي أباح الله معه الإفطار، وأوجب معه عده من أيام أخر، وقد تقدم الحديث حول هذا الموضوع في الآية السابقة. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ " أي ومن كان مريضاً أو مسافراً فأفطر فعليه صيام أيام أخر" (٧).

стр. 1377

قال الطبري: أي: " ومَنْ كان مريضًا أو عَلى سفر في الشهر فأفطر، فعليه صيامُ عدة الأيام التي أفطرها، من أيام أخرَ غير أيام شهر رمضان" (١). قال الصابوني: " وكرّر لئلا يتوهم نسخه بعموم لفظ شهود الشهر" (٢). قال ابن عثيمين: " وهذه الجملة سبقت؛ لكن لما ذكر : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وكانت هذه الآية ناسخة لما قبلها قد يظن الظان أنه نسخ حتى فطر المريض والمسافر؛ فأعادها تأكيداً لبيان الرخصة، وأن الرخصة - حتى بعد أن تعين الصيام - باقية؛ وهذا من بلاغة القرآن؛ وعليه فليست هذه الجملة من الآية تكراراً محضاً؛ بل تكرار لفائدة؛ لأنه تعالى لو قال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ولم يقل: ﴿ومن كان .... ﴾ إلخ، لكان ناسخاً عاما"ً (٣). قال المراغي: " أعيد ذكر رخصة الإفطار مرة أخرى، لئلا يظن أن صوم هذا الشهر محتم لا تتناوله رخصة، أو تتناوله ولكنها غير محمودة، ولا سيما بعد تعظيم أمر الصوم فيه، لما له من المناقب والمزايا التي سبق ذكرها، حتى روى أن بعض الصحابة رضى الله عنهم مع علمهم بالرخصة في القرآن كانوا يتحامون الفطر في السفر، حتى إن النبي ﷺ كان يأمرهم به في بعض الأسفار فلا يمتثلون حتى يفطر هو" (٤). قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، " أي يريد الله بهذا الترخيص التيسير عليكم لا التعسير" (٥). قال الزجاج: " أي أن ييسر عليكم بوضعه عنكم الصوم في السفر والمرض" (٦). قال الطبري: أي: يريد الله التخفيفَ عليكم، والتسهيل عليكم؛ ولا يريد بكم الشدة والمشقة عليكم" (٧). قال البيضاوي: " أي يريد أن ييسر عليكم ولا يعسر عليكم، فلذلك أباح الفطر في السفر والمرض" (٨). قال الزمخشري: أي: " أن ييسر عليكم ولا يعسر، وقد نفى عنكم الحرج في الدين، وأمركم بالحنيفية السمحة التي لا إصر فيها، وجملة ذلك ما رخص لكم فيه من إباحة الفطر في السفر والمرض. ومن الناس من فرض الفطر على المريض والمسافر، حتى زعم أنّ من صام منهما فعليه الإعادة" (٩). قال ابن عباس: " (اليسر): الإفطار في السفر، و (العسر): الصيام في السفر" (١٠). وروي، عن الضحاك وعمر بن عبد العزيز، نحو ذلك (١١). قال الشعبي: "إذا اختلف عليك أمران فانظر أيسرهما فإنه أقرب إلى الحق، إن الله أراد بهذه الأمة اليسر، ولم يرد بهم العسر" (١٢).

стр. 1378

قال الشيخ ابن عثيمين: والمقصود "ليست الإرادة الكونية؛ لأن الله لو أراد بنا اليسر كوناً ما تعسرت الأمور على أحد أبداً؛ فتعين أن يكون المراد بالإرادة هنا الشرعية؛ ولهذا لا تجد - والحمد لله - في هذه الشريعة عسراً أبداً" (١). وقرئ: " ﴿اليسر﴾، و ﴿العسر﴾ بضمتين" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ "أي ولتكملوا عدة شهر رمضان بقضاء ما أفطرتم" (٣). قال الربيع بن أنس: " عدة رمضان" (٤). قال الفراء: أي: " فِي قضاء ما أفطرتم" (٥). قال الطبري: " يعني: " عدةَ ما أفطرتم، من أيام أخر، أوجبت عليكم قضاءَ عدة من أيام أخر بعد برئكم من مرضكم، أو إقامتكم من سفركم" (٦). قال ابن عثيمين: " أي: ويريد الله منا شرعاً أن نكمل العدة" (٧). قال المراغي: " أي رخص لكم في الإفطار في حالى المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر، وأن تكملوا العدة، فمن لم يكملها أداء لعذر المرض أو السفر أكملها قضاء بعده، وبذا تحصّلون خيراته، ولا يفوتكم شىء من بركاته" (٨). قال الثعلبي: " وقال سائر المفسّرين: ولتكملوا عدّة ما أفطرتم في مرضكم وسفركم إذا برأتم وأقمتم وقضيتموها" (٩). واختلف أهل اللغة في عطف (الواو) التي في قوله ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وفيه قولان (١٠): أحدها: أنها عاطفة على ما قبلها، كأنه قيل: ويُريد لتكملوا العدة ولتكبروا الله. قاله الثعلبي (١١). الثاني: وقال الفراء-واختراه الطبري (١٢) -: "هذه (اللام) التي في قوله: ﴿ولتكملوا﴾ لام (كي) لو ألقيتْ كان صوابًا، والعرب تُدخلها في كلامها على إضمار فعل بعدها، ولا تكون شرطًا للفعل الذي قبلها وفيها (الواو)، ألا ترى أنك تقول: جئتك لتحسن إلي، ولا تقول: جئتك ولتحسن إليّ، فإذا قلته فأنت تريد: ولتحسن جئتك، وهو في القرآن كثيرٌ، منه قوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١١٣]، ومنه قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، لو لم تكن فيه (الواو) كان شرطًا على قولك: أريْناهُ ملكوت السموات والأرض ليكون، فإذا كانت (الواو) فيها فلها فعل مضمر بعدها، ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، أريناه" (١٣).

стр. 1379

والقول الثاني أولى بالصواب، " لأن قوله: ﴿ولتكملوا العدة﴾، ليس قبله (لام) بمعنى (اللام) التي في قوله: ﴿ولتكملوا العدة﴾ فتعطف بقوله: ﴿ولتكملوا العدة﴾ عليها - وإن دخول (الواو) معها، يؤذن بأنها شرط لفعل بعدها، إذ كانت (الواو) لو حذفت كانت شرطًا لما قبلها من الفعل" (١). وفي قوله تعالى: ﴿َلِتُكْمِلُوا﴾ [البقرة: ١٨٥]، قراءتان (٢): إحداهما: ﴿َلِتُكْمِلُوا﴾، بتشديد الميم. قرأ بها أبو بكر عن عاصم. والثانية: ﴿َلِتُكْمِلُوا﴾، بالتخفيف، قرأ بها نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي، وحفص عن عاصم. قال أبو علي: "وروى علي بن نصر وهارون الأعور وعبيد بن عقيل عن أبي عمرو ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ مشدّدة، وقال أبو زيد عن أبي عمرو كلاهما: مشددة ومخففة، وقال اليزيدي وعبد الوارث عنه: إنه كان يثقّلها، ثم رجع إلى التخفيف" (٣). قال الرازي: " وهما لغتان: أكملت وكملت" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا الله على مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، "أي ولتحمدوا الله على ما أرشدكم إِليه من معالم الدين" (٥). قال زيد بن اسلم: " التكبير يوم الفطر" (٦). قال ابن عثيمين: أي: " تكبروه لهدايتكم" (٧). قال الثعلبي: أي: " ولتعظموا الله ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ لدينه ووفقكم ورزقكم شهر رمضان مخفّفا عليكم وخصّكم به دون سائر أهل الملل" (٨). قال الطبري: أي: " ولتعظِّموا الله بالذكر له بما أنعم عليكم به، من الهداية" (٩). قال المراغي: أي: من الأحكام التي فيها سعادتكم في الدنيا والآخرة، وذلك بذكر عظمته وحكمته في إصلاح حال عباده، بتربيتهم بما يشاء من الأحكام، ويتفضل عليهم عند ضعفهم بالرخص التي تليق بحالهم" (١٠). وفي قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وجهان من التفسير (١١): أحدهما: أن المراد منه التعظيم لله شكرا على ما وفق على هذه الطاعة. والتكبير يتضمن: "الكِبَرَ بالعظمة، والكبرياءِ، والأمورِ المعنوية؛ والكِبَر في الأمور الذاتية؛ فإن السموات السبع، والأرض في كف الرحمن كحبة خردل في كف أحدنا؛ والله أكبر من كل شيء" (١٢). والثاني: أن المراد منه التكبير ليلة الفطر (١٣). حكاه الثعلبي عن أكثر العلماء (١٤).

стр. 1380

قال ابن كثير: "ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] وقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] وقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩، ٤٠]؛ ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح، والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات" (١). عن ابن المبارك قال: "سمعت سفيان يقول: ﴿ولتكبِّروا الله على ما هداكم﴾، قال: بلغنا أنه التكبير يوم الفطر" (٢). وقال ابن زيد: "كان ابن عباس يقول: حقٌّ على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبرِّوا الله حتى يفرغوا من عيدهم، لأن الله تعالى ذكره يقول: " ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم " (٣). قال ابن عباس: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ " (٤). ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر؛ لظاهر الأمر في قوله ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ وفي مقابلَته مذهبُ أبي حنيفة ﵀ أنه لا يُشْرَع التكبير في عيد الفطر. والباقون على استحبابه، على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم (٥). قال ابن عثيمين: "وعبر بـ ﴿على﴾ دون اللام إشارة - والله أعلم - إلى أن التكبير يكون في آخر الشهر؛ لأن أعلى كل شيء آخره؛ و ﴿ما هنا مصدرية تسبك هي، وما بعدها بمصدر؛ فيكون التقدير: على هدايتكم؛ وهذه الهداية تشمل: هداية العلم؛ وهداية العمل؛ وهي التي يعبر عنها أحياناً بهداية الإرشاد، وهداية التوفيق؛ فالإنسان إذا صام رمضان وأكمله، فقد منّ الله عليه بهدايتين: هداية العلم، وهداية العمل" (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، " أي ولكي تشكروا الله على فضله وإِحسانه" (٧). قال الثعلبي: أي: " على نعمه" (٨). قال الزمخشري: أي: " وإرادة أن تشكروا" (٩).

стр. 1381

قال الطبري: أي: " ولتشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق، وتيسير ما لو شاء عسر عليكم" (١). قال ابن كثير: " إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه، وترك محارمه، وحفظ حدوده، فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك" (٢). قال ابن عثيمين: " و ﴿تَشْكُرُونَ﴾ على أمور أربعة؛ إرادة الله بنا اليسر؛ عدم إرادته العسر؛ إكمال العدة؛ التكبير على ما هدانا؛ هذه الأمور كلها نِعَم تحتاج منا أن نشكر الله عليها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ و (الشكر) هو القيام بطاعة المنعم بفعل أوامره، واجتناب نواهيه" (٣). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بيان الأيام المعدودات التي أبهمها الله في الآيات السابقة؛ بأنها شهر رمضان. ٢ - ومنها: فضيلة هذا الشهر، حيث إن الله فرض على عباده صومه. ٣ - ومنها: أن الله تعالى أنزل القرآن في هذا الشهر؛ وقد سبق في التفسير هل هو ابتداء إنزاله؛ أو أنه نزل كاملاً؛ والظاهر أن المراد ابتداء إنزاله؛ لأن الله ﵎ يتكلم بالقرآن حين إنزاله؛ وقد أنزله جل وعلا مفرقاً؛ فيلزم من ذلك أن لا يكون القرآن كله نزل في هذا الشهر. ٤ - ومنها: أن القرآن كلام الله ؛ لأن الذي أنزله هو الله، كما في آيات كثيرة أضاف الله إنزال القرآن إلى نفسه؛ والقرآن كلام لا يمكن أن يكون إلا بمتكلم؛ وعليه يكون القرآن كلام الله ؛ وهو كلامه لفظه، ومعناه. ٥ - ومنها: ما تضمنه القرآن من الهداية لجميع الناس؛ لقوله تعالى: ﴿هدًى للناس﴾. ٦ - ومنها: أن القرآن الكريم متضمن لآيات بينات واضحة لا تخفى على أحد إلا على من طمس الله قلبه فلا فائدة في الآيات، كما قال : ﴿وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ [يونس: ١٠١]. ٧ - ومنها: أن القرآن الكريم فرقان يفرق بين الحق، والباطل؛ وبين النافع، والضار؛ وبين أولياء الله، وأعداء الله؛ وغير ذلك من الفرقان فيما تقتضي حكمته التفريق فيه. ٨ - ومنها: وجوب الصوم متى ثبت دخول شهر رمضان؛ وشهر رمضان يثبت دخوله إما بإكمال شعبان ثلاثين يوماً، أو برؤية هلاله؛ وقد جاءت السنة بثبوت دخوله إذا رآه واحد يوثق بقوله (٤). ٩ - ومنها: لا يجب الصوم قبل ثبوت دخول رمضان. ويتفرع على هذا أنه لو كان في ليلة الثلاثين من شعبان غيم، أو قتر يمنع من رؤية الهلال فإنه لا يصام ذلك اليوم؛ لأنه لم يثبت دخول شهر رمضان؛ وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم؛ بل ظاهر حديث عمار بن ياسر ﵄ أن من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ (٥): أي أن صيامه إثم.

стр. 1382

١٠ - ومن فوائد الآية: التعبير بـ ﴿شهر رمضان﴾؛ قال أهل العلم: «وهذا أولى»؛ ويجوز التعبير بـ «رمضان» - بإسقاط «شهر»؛ لقول النبي ﷺ : «من صام رمضان إيماناً واحتساباً ... ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً» (١)، وقوله ﷺ : «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة» (٢)؛ ولا عبرة بقول من كره ذلك. ١١ - ومن فوائد الآية: تيسير الله ﵎ على عباده، حيث رخص للمريض الذي يشق عليه الصوم، وللمسافر مطلقاً أن يفطرا، ويقضيا أياماً أخر. ١٢ - ومنها: إثبات الإرادة لله ؛ وإرادة الله تعالى تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية: وهي التي بمعنى المشيئة؛ ويلزم منها وقوع المراد سواء كان مما يحبه الله، أو مما لا يحبه الله؛ ومنها قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء﴾ [الأنعام: ١٢٥]؛ وهذه الآية، كقوله تعالى: ﴿من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ [الأنعام: ٣٩]. وإرادة شرعية: بمعنى المحبة؛ ولا يلزم منها وقوع المراد؛ ولا تتعلق إلا فيما يحبه الله ؛ ومنها قول الله ﵎: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً﴾ [النساء: ٢٧، ٢٨]. ١٣ - ومن فوائد الآية: أن شريعة الله مبنية على اليسر، والسهولة؛ لأن ذلك مراد الله في قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾؛ وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» (٣)؛ وكان ﷺ يبعث البعوث، ويقول: «يسروا ولا تعسروا؛ وبشروا ولا تنفروا» (٤)؛ «فإنما بعثتم ميسرين؛ ولم تبعثوا معسرين» (٥). ١٤ - ومنها: انتفاء الحرج والمشقة والعسر في الشريعة؛ لقوله : ﴿ولا يريد بكم العسر﴾. ١٥ - ومنها: أنه إذا دار الأمر بين التحليل، والتحريم فيما ليس الأصل فيه التحريم فإنه يغلب جانب التحليل؛ لأنه الأيسر، والأحب إلى الله. ١٦ - ومنها: الأمر بإكمال العدة؛ أي بالإتيان بعدة أيام الصيام كاملاً. ١٧ - ومنها: مشروعية التكبير عند تكميل العدة؛ لقوله الله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾؛ والمشروع في هذا التكبير أن يقول الإنسان: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد»؛ وإن شاء أوتر فقال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد»؛ وإن شاء أوتر باعتبار الجميع فقال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد»؛ فالأمر في هذا واسع - ولله الحمد. ١٨ - من فوائد الآية: أن الله يشرع الشرائع لحكمة، وغاية حميدة؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تشكرون﴾. ١٩ - ومنها: الإشارة إلى أن القيام بطاعة الله من الشكر؛ ويدل لهذا قول النبي ﷺ : "إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً؛ لأن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ

стр. 1383

الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك" (١)؛ وهذا يدل على أن الشكر هو العمل الصالح. ٢٠ - ومنها: أن من عصى الله فإنه لم يقم بالشكر، ثم قد يكون الإخلال كبيراً؛ وقد يكون الإخلال صغيراً - حسب المعصية التي قام بها العبد. تنبيه: ١ - استنبط بعض الناس أن من كانوا في الأماكن التي ليس عندهم فيها شهور، مثل الذين في الدوائر القطبية، يصومون في وقت رمضان عند غيرهم عدة شهر؛ لأن الشهر غير موجود؛ وقال: إن هذا من آيات القرآن؛ فقد جاء التعبير صالحاً حتى لهذه الحال التي لم تكن معلومة عند الناس حين نزول القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة﴾. ٢ - وقد جاءت الإشارة في السنة النبوية في كيفية صلاة وصيام أهل القطبين (الشمالي والجنوبي)، وهما من العبادات المرتبطة بسير الشمس، فإن النبي ﷺ لما حدث أصحابه عن المسيح الدجال قالوا: ما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، فقيل: يا رسول الله، اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا، اقدروا له قدره" (٢). فلم يعتبر اليوم الذي كسنة يوما واحدا يكفي فيه خمس صلوات، بل أوجب فيه خمس صلوات في كل أربع وعشرين ساعة، وكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان، وعليهم أن يقدروا لصيامهم فيحددوا بدء شهر رمضان ونهايته، وبدء الإمساك والإفطار في كل يوم منه ببدء الشهر ونهايته، وبطلوع الفجر كل يوم وغروب شمسه في أقرب البلاد إليهم يتميز فيها الليل من النهار، ويكون مجموعهما أربعا وعشرين ساعة، لما تقدم في حديث النبي ﷺ عن المسيح الدجال، وإرشاده أصحابه فيه إلى كيفية تحديد أوقات الصلوات فيه، إذ لا فارق في ذلك بين الصوم والصلاة. والله تعالى أعلم (٣). ٣ - وأما حكم الصيام والصلاة في البلاد التي يطول نهارها، فإذا كانت أوقات الصلاة تتمايز بحيث يمكن معرفة كل وقت بعلاماته الشرعية الدالة عليه فالواجب أن تصلى كل صلاة في وقتها الذي جعله الله تعالى وقتا لها، وكذا إذا كان الليل والنهار يتمايزان بحيث يمكن الصيام وفق ما دلت عليه نصوص الشرع فالواجب هو أن يصام جميع النهار وإن طال، وقد أصدرت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ قرارا بهذا الشأن فصلت فيه كيفية الصلاة والصيام في البلاد التي يطول نهارها أو يقصر جدا، ونحن ننقل هذا القرار بطوله لما فيه من الفائدة لعموم المسلمين ولما فيه من إزالة الإشكال والإبهام عن هذه المسألة. جاء في قرار الهيئة: من يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس إلا أن نهارها يطول جداً في الصيف، ويقصر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعاً؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء/٧٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء/١٠٣]. ولما ثبت عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ" (٤). إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولاً وفعلاً، ولم تفرق بين طول النهار وقصره، وطول الليل وقصره، ما دامت أوقات الصلوات متمايزة بالعلامات التي بَيَّنها رسول الله ﷺ . هذا بالنسبة لتحديد أوقات صلاتهم. وأما بالنسبة لتحديد أوقات صيامهم شهر رمضان فعلى المكلفين أن يمسكوا كل يوم منه عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في بلادهم، ما دام النهار يتمايز في بلادهم من الليل، وكان مجموع زمانهما أربعاً وعشرين ساعة، ويحل لهم الطعام والشراب والجماع ونحوها في ليلهم فقط، وإن كان قصيراً، فإن شريعة الإسلام عامة للناس في جميع البلاد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة/١٨٧]، ومن عجز عن إتمام صوم يومه لطوله، أو علم بالأمارات أو التجربة أو إخبار طبيب أمين حاذق، أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي إلى إهلاكه أو مرضه مرضاً شديداً، أو يفضي إلى زيادة مرضه أو بطء برئه أفطر، ويقضي الأيام التي أفطرها في أي شهر تمكن فيه من القضاء. قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة/١٨٥]، وقال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة/٢٨٦]، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج/٧٨]. ومن كان يقيم في بلاد لا تغيب عنها الشمس صيفاً ولا تطلع فيها الشمس شتاء، أو في بلاد يستمر نهارها إلى ستة أشهر، ويستمر ليلها ستة أشهر مثلاً، وجب عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس في كل أربع وعشرين ساعة، وأن يقدروا لها أوقاتها، ويحددوها معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها من بعض، لما ثبت في حديث الإسراء والمعراج من أن الله تعالى فرض على هذه الأمة خمسين صلاة كل يوم وليلة فلم يزل النبي ﷺ يسأل ربه التخفيف حتى قال: "يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ" (٥). ولما ثبت من حديث طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ. . . الحديث" (٦). وثبت أن النبي ﷺ حَدَّث أصحابه عن المسيح الدجال، فقالوا: مَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ" (٧)، فلم يعتبر اليوم الذي كالسنة يوماً واحداً يكفي فيه خمس صلوات، بل أوجب فيه خمس صلوات في كل أربع وعشرين ساعة، وأمرهم أن يوزعوها على أوقاتها اعتباراً بالأبعاد الزمنية التي بين أوقاتها في اليوم العادي في بلادهم، فيجب على المسلمين في البلاد المسؤول عن تحديد أوقات الصلوات فيها أن يحددوا أوقات صلاتهم معتمدين في ذلك على أقرب بلاد

стр. 1384

إليهم يتمايز فيها الليل من النهار، وتعرف فيها أوقات الصلوات الخمس بعلاماتها الشرعية في كل أربع وعشرين ساعة. وكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان، وعليهم أن يقدروا لصيامهم فيحددوا بدء شهر رمضان ونهايته، وبدء الإمساك والإفطار في كل يوم منه ببدء الشهر ونهايته، وبطلوع فجر كل يوم وغروب شمسه، في أقرب البلاد إليهم يتميز فيها الليل من النهار، ويكون مجموعهما أربعاً وعشرين ساعة؛ لما تقدم في حديث النبي ﷺ عن المسيح الدجال، وإرشاده أصحابه فيه عن كيفية تحديد أوقات الصلوات فيه إذ لا فارق في ذلك بين الصوم والصلاة. والله ولي التوفيق. انتهى منه بلفظه. وأما تقدير وقت الصوم والصلاة بتوقيت مكة مع وجود ليل ونهار في أربع وعشرين ساعة فلا شك في كونه من أكبر الخطأ. قال العلامة العثيمين ﵀ في فتوى له: قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقال النبي ﷺ : "إن بلالاً لا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر" (١) وقال أيضاً: "إذا أقبل الليل من ههنا (وأشار إلى المشرق) وأدبر النهار من ههنا (وأشار إلى المغرب) وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" (٢). ففي هذه الآية الكريمة والحديثين الثابتين عن رسول الله ﷺ دليل ظاهر على وجوب الإمساك على الصائم من حين أن يطلع الفجر حتى تغرب الشمس في أي مكان كان من الأرض، سواء طال النهار أم قصر، إذا كان في أرض فيها ليل ونهار يتعاقبان في أربع وعشرين ساعة، والولاية التي أنتم فيها: فيها ليل ونهار يتعاقبان في أربع وعشرين ساعة، فيلزم من كان يصوم فيها أن يمسك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بدلالة الكتاب والسنة على ذلك، ومن أفتى بأن من كان في بلد يطول نهاره عليه فإنه يصوم بقدر نهار المملكة العربية السعودية فقد غلط غلطاً بيناً، وخالف الكتاب والسنة، وما علمنا أن أحداً من أهل العلم قال بفتواه. نعم من كان في بلد لا يتعاقب فيه الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة كبلد يكون نهارها يومين، أو أسبوعاً، أو شهراً، أو أكثر من ذلك فإنه يقدر للنهار قدره، ولليل قدره من أربع وعشرين ساعة؛ لأن النبي ﷺ لما حدَّث عن الدجال، وأنه يلبث في الأرض أربعين يوماً يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كالأيام المعتادة، قالوا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا. اقدروا له قدره" (٣). وقد اختلف العلماء المعاصرون فيم يقدر الليل والنهار في البلاد التي يكون ليلها ونهارها أكثر من أربع وعشرين ساعة، وفيه أقوال: الأول: فقال بعضهم: يقدر بالتساوي فيجعل الليل اثني عشر ساعة والنهار مثله، لأن هذا قدرهما في الزمان المعتدل والمكان المعتدل.

стр. 1385

والثاني: وقال بعضهم: يقدر بحسب مدتهما في مكة والمدينة، لأنهما البلدان اللذان نزل فيهما الوحي، فتحمل مدة الليل والنهار على المعروف فيهما إذا لم تعرف للبلد مدة ليل ونهار خاصة به. والثالث: وقال بعضهم: يقدر بحسب مدتهما في أقرب بلد يكون فيه ليل ونهار يتعاقبان في أربع وعشرين ساعة. والقول الأخير هو أقرب الأقوال إلى الصحة، لأن إلحاق البلد في جغرافيته بما هو أقرب إليه أولى من إلحاقه بالبعيد، لأنه أقرب شبهاً به من غيره، لكن لو شق الصوم في الأيام الطويلة مشقة غير محتملة بحيث لا يمكن تخفيفها بالمكيفات والمبردات ويخشى منها الضرر على الجسم أو حدوث مرض، فإنه يجوز الفطر حينئذ، ويقضي في الأيام القصيرة؛ لقوله تعالى في سياق آيات الصيام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَاذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصلاةَ وَءَاتُوا الزكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وخلاصة ما سبق: أن من كان في بلد فيه ليل ونهار يتعاقبان في أربع وعشرين ساعة لزمه صيام النهار وإن طال، إلا أن يشق عليه مشقة غير محتملة يخشى منها الضرر، أو حدوث مرض فله الفطر وتأخير الصيام إلى زمن يقصر فيه النهار. والله تعالى أعلم. وبجميع ما تقدم يتبين لك أن الواجب على هذه الجالية هو فعل الصلوات في أوقاتها، وكذا يلزمهم الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإن شق عليهم الصوم بحيث كانوا يخشون الضرر فإن لهم الفطر ويقضون الصوم في الأيام القصيرة، وأنهم لا ينتقلون إلى التقدير إلا إذا لم تتمايز الأوقات وحينئذ يقدرون الأوقات بحسب أقرب البلاد التي تتمايز فيها الأوقات إليهم على الراجح. والله تعالى أعلم. القرآن ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦] التفسير: وإذا سألك -أيها النبي- عبادي عني فقل لهم: إني قريب منهم، أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني، فليطيعوني فيما أمرتهم به ونهيتهم عنه، وليؤمنوا بي، لعلهم يهتدون إلى مصالح دينهم ودنياهم. وفي هذه الآية إخبار منه سبحانه عن قربه من عباده، القرب اللائق بجلاله. اختلف في سبب نزول الآية على أقوال: أحدهما: أخرج الطبري عن الحسن قال: " سأل أصحاب النبي ﷺ النبيَّ ﷺ : أين ربُّنا؟ فأنزل الله تعالى ذكره: " وإذا سألك عبادي عَني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دعان " الآية" (١). وروي عن صلب بن حكيم، عن أبيه، عن جده (٢)، والضحاك (٣)، نحو قول الحسن.

стр. 1386

والثاني: أخرج الفريابي (١) والطبري عطاء: "لما نزلت: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر: ٦٠] قالوا: في أي ساعة؟ قال: فنزلت: ﴿وإذا سألك عبادي عَني فإني قريب﴾، إلى قوله: ﴿لعلهم يَرُشدون﴾ " (٢)، وروي عن السدي (٣)، وابن صالح (٤)، نحو ذلك. الثالث: وقال مجاهد: " ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١١٥] " (٥). الرابع: وقال قتادة: " ذكر لنا أنه لما أنزل الله ﴿ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، قال رجال: كيف ندعو يا نبي الله؟ فأنزل الله: ﴿وإذا سَألك عبادي عَنّي فإنّي قريبٌ﴾ إلى قوله: ﴿يرشدون﴾ " (٦). الخامس: قال مقاتل بن سليمان: " اعترف رجال من المسلمين عند ذلك بما كانوا يصنعون بعد العشاء [أي: أنهم كانوا يأتون نساءهم بعد أن يناموا في الصيام]، فقالوا: بتنا ومخرجنا مما عملنا، فأنزل الله- ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب﴾ " (٧). وقد ذكر القصة مطولا عن عمر بن الخطاب، وصرمة بن أنس بن صرمة بن مالك من بني عدي بن النجار (٨). وذكره ابن ظفر عنه أيضا وذكر فيه القصة عن عمر بن الخطاب وعن صرمة بن أنس أبي قيس (٩)، قال ابن حجر: "وهذا يستلزم أن هذه الآية مؤخرة في النزول، وإن كانت متقدمة في التلاوة" (١٠). السادس: قال ابن عباس في رواية أبي صالح: " أن يهود المدينة قالوا: يا محمد، كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تتزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام، فنزلت هذه الآية" (١١). وفي رواية أخرى: " وإن غلظ كل سماء خمسمائة عام" (١٢).

стр. 1387

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]، أي: " وإذا سَألك يا محمد عبادي عَني: أين أنا؟ فإني قريبٌ منهم أسمع دُعاءهم" (١). قال المراغي: " أخبرهم بأني قريب منهم ليس بينى وبينهم حجاب، ولا ولىّ ولا شفيع يبلغنى دعاءهم وعبادتهم، أو يشاركنى في إجابتهم وإثابتهم" (٢). قال الزمخشري: "تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه، فإذا دعى أسرعت تلبيته، ونحوه ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وقوله ﵊: "هو بينكم وبين أعناق رواحلكم" (٣) " (٤). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]، على أقوال (٥): أحدها: أن المراد قريب الإجابة. والثاني: قريب من سماع الدعاء. والثالث: قريب بالعلم. والرابع: قريب من أوليائي بالإفضال والإنعام. قال المراغي: " وإجابة الدعاء: تقبّله ممن أخلص له وفزع إليه، سواء وصل إليه ما طلبه في ظاهر الأمر أم لم يصل، ونحو الآية قوله في سورة ق: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، وعلى هذا فلا داعى لرفع الصوت في الدعاء، ولا إلى الوساطة بينهم وبينه في طلب الحاجات كما كان يفعله المشركون من التوسل بالشفعاء والوسطاء" (٦). قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]؛ " أي أجيب دعوة من دعاني إِذا كان عن إِيمان وخشوع قلب" (٧). قال البيضاوي: " تقرير للقرب، ووعد للداعي بالإجابة" (٨). قال ابن عثيمين: أي إذا صدق في دعائه إياي بأن شُعر بأنه في حاجة إلى الله، وأن الله قادر على إجابته، وأخلص الدعاء لله بحيث لا يتعلق قلبه بغيره" (٩). قال القرطبي: " أي أقبل عبادة من عبدني، فالدعاء بمعنى العبادة، والإجابة بمعنى القبول، دليله ما رواه أبو داود عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة قال ربكم ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ " (١٠)، فسمي الدعاء عبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أي دعائي" (١١).

стр. 1388

قال السدي: " ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذين يدعو به هو له رزق في الدنيا أعطاه إياه، وإن لم يكن له رزق في الدنيا، ذخره له إلى يوم القيامة، أو دفع، عنه به مكروها" (١). وفي قوله تعالى: ﴿أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، تأويلان (٢): أحدهما: معناه أسمع دعوة الداعي إذا دعاني، فعبر عن السماع بالإجابة، لأن السماع مقدمة الإجابة. والثاني: أنه أراد إجابة الداعي إلى ما سأل، ولا يخلو سؤال الداعي أن يكون موافقاً للمصلحة أو مخالفاً لها، فإن كان مخالفاً للمصلحة لم تجز الإجابة إليه، وإن كان موافقاً للمصلحة، فلا يخلو حال الداعي من أحد أمرين: إما أن يكون مستكملاً شروط الطلب أو مقصوراً فيها: فإن استكملها جازت إجابته، وفي وجوبها قولان (٣): أحدهما: أنها واجبة لأنها تجري مجرى ثواب الأعمال، لأن الدعاء عبادة ثوابها الإجابة. والثاني: أنها غير واجبة لأنها رغبة وطلب، فصارت الإجابة إليها تفضلاً. وإن كان مقصوراً في شروط الطلب لم تجب إجابته، وفي جوازها قولان (٤): أحدهما: لا تجوز، وهو قول من أوجبها مع استكمال شروطها. والثاني: تجوز، وهو قول من لم يوجبها مع استكمال شروطها. وفي قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، قراءتان (٥): إحداهما: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعي إِذَا دَعَاني﴾ بإثبات الياء فيهما في الوصل، وهي قراءة أهل المدينة غير قالون وأبو عمرو. والثانية: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، بحذف الياء وصلا ووقفا. قال البغوي: "وكذلك اختلف القراء في إثبات الياءات المحذوفة من الخط وحذفها في التلاوة، ويثبت يعقوب جميعها وصلا ووقفا، واتفقوا على إثبات ما هو مثبت في الخط وصلا ووقفا" (٦). قوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦] أي" فليستجيبوا لي بالطاعة" (٧). قال الزجاج: " أي فليجيبوني" (٨). قال ابن عثيمين: " أي فليجيبوا لي" (٩). قال البيضاوي: " إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أجيبهم إذا دعوني لمهماتهم" (١٠). قال المراغي: أي: "أي ليستدعوا مني الإجابة (١١). قال الواحدي: " أي: فليجيبوني بالطاعة وتصديق الرسل" (١٢). قال الزمخشري: أي: " إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أنى أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم" (١٣).

стр. 1389

قال الصابوني: " أي إِذا كنت أنا ربكم الغني عنكم أجيب دعاءكم فاستجيبوا أنتم لدعوتي بالإِيمان بي وطاعتي" (١). قال المراغي: "أي وإذ كنت قريبا منهم مجيبا دعوة من دعانى، فليستجيبوا لى بالقيام بعمل ما أمرتهم به" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، أربعة تأويلات (٣): أحدها: أن الإستجابة بمعنى الإجابة، يقال استجبت له بمعنى أجبته، وهذا قول أبي عبيدة (٤). لأن (استجاب) بمعنى أجاب، كما قال الله تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم﴾ [آل عمران: ١٩٥] أي أجاب، وكما قال الله تعالى: ﴿والذين استجابوا لربهم﴾ [الشورى: ٣٨]، ومنه قول كعب بن سعد الغنويّ (٥): وَدَاعٍ دَعَا يَامَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيب أي فلم يجبه. والثاني: أن الإستجابة طلب الموافقة للإجابة، وهذا قول ثعلب (٦). والثالث: أن معناه فليستجيبوا إليَّ بالطاعة. وهذا معنى قول مجاهد (٧)، وابن جريج (٨)، والربيع بن أنس (٩) .. والرابع: فليستجيبوا لي، يعني فليدعوني. قاله أنس بن مالك (١٠). قال الثعلبي: " والاجابة من الله تعالى الإعطاء، ومن العبد الطّاعة" (١١). قوله تعالى: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، أي: " وليصدقوا بي فإني قريب سريع الإجابة أجيبهم" (١٢). قال البيضاوي: " أمر بالثبات والمداومة عليه." (١٣). قال القاسمي: " أمرٌ بالثبات على ما هم عليه" (١٤). قال الطبري: " أي: " وَليصدِّقوا بي، إذا همُ استجابوا لي بالطاعة، أني لهم من وَرَاء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزالي الكرامةَ لهم عليها" (١٥). قال ابن عثيمين: "أي: وليؤمنوا بأني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان" (١٦) , أخرج الطبري عن أبي رجاء الخراساني: " ﴿وليؤمنوا بي﴾، يقول: أني أستجيب لهم" (١٧). وروي عن أنس بن مالك (١٨) نحوه.

стр. 1390

وفي قوله تعالى: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، وجهان من التفسير (١): أحدهما: ليؤمنوا في أني أجيب دعاءهم. قاله أبو رجاء (٢). والثاني: أن ذلك دعاء إلى الإيمان بجملته. قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]؛ أي: " لكي يهتدوا" (٣). قال البيضاوي: أي: " راجين إصابة الرشد وهو إصابة الحق" (٤). قال الواحدي: " أي: ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد" (٥). قال الربيع: " يقول: لعلهم يهتدون" (٦). وروي عن أبي العالية (٧) نحو ذلك. قال السعدي: " أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة. ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره، سبب لحصول العلم كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ " (٨). و(الرشد): "يطلق على معانٍ: منها: حُسن التصرف، كما في قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦]؛ ولا شك أن من آمن بالله، واستجاب له فإنه أحسن الناس تصرفاً، ويوفّق، ويُهدى، وتُيسر له الأمور، كما قال تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً﴾ [الطلاق: ٤]، وقال تعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى﴾ [الليل: ٥ - ٧] " (٩). قال المراغي: " الرشد والرشاد ضد الغىّ والفساد (١٠): أي إن الأعمال إذا صدرت بروح الإيمان يرجى أن يكون صاحبها راشدا مهتديا، أما إذا صدرت اتباعا للعادة وموافقة المعاشرين فلا تعدّ للرشاد والتقوى، بل ربما زادت فاعلها ضراوة في الشهوات، وفسادا في الأخلاق، كما يشاهد ذلك لدى الصائمين الذين يصومون تقليدا لآبائهم وعشيرتهم لا بإخلاص لربهم وابتغاء لمثوبته" (١١). وقيل: "الرَّشَد أخص من الرُّشْد، فإن الرشد يقال في الأمور الدنيوية والأخروية، والرَّشَد يقال في الأمور الأخروية لا غير، والراشد والرشيد يقال فيهما جميعا" (١٢). وإن قيل فما وجه قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ ﴿أدعوني أستجب لكم﴾ وقد يدعى كثيرا فلا يجيب؟ قلنا: اختلفوا في معنى الآيتين على أقوال (١٣): أحدهما: أن معنى الدعاء ههنا الطاعة، ومعنى الإجابة الثواب.

стр. 1391

والثاني: أن معنى الآيتين خاص وإن كان لفظهما عاما، تقديرهما: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ إن شئت، كما قال: ﴿فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾ [الأنعام: ٤١﴾، أو أجيب دعوة الداعي إن وافق القضاء أو: أجيبه إن كانت الإجابة خيرا له أو أجيبه إن لم يسأل محالا. روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ" (١). والثالث: أنه عام، ومعنى قوله ﴿أُجِيب﴾ أي اسمع، ويقال ليس في الآية أكثر من إجابة الدعوة، فأما إعطاء المنية فليس بمذكور فيها، وقد يجيب السيد عبده، والوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة. والرابع: أن معنى الآية: أنه لا يخيِّب دعاءه، فإن قدر له ما سأل أعطاه، وإن لم يقدره له ادخر له الثواب في الآخرة، أو كف عنه به سوءا والدليل عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما على الأرض رجل مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه، الله إياها أو كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم" (٢). والخامس: إن الله تعالى يجيب دعاء المؤمن في الوقت ويؤخر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته ويعجل إعطاء من لا يحبه لأنه يبغض صوته. والسادس: إن للدعاء آدابا وشرائط وهي أسباب الإجابة فمن استكملها كان من أهل الإجابة، ومن أخل بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الإجابة (٣). وفي قوله تعالى: ﴿يَرْشُدُونَ﴾] البقرة: ١٨٦]، وجوها من القراءة (٤): أحدها: ﴿يَرْشَدُونَ﴾، بفتح الشين. والثاني: ﴿يَرشِدون﴾، بكسر الشين. قرأ بها ابن أبي عبلة وأبو حيوة (٥). والثالث: ﴿يُرْشَدُون﴾، بضم الياء، وفتح الشين (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الصيام مظنة إجابة الدعاء؛ لأن الله ذكر هذه الآية في أثناء آيات الصيام؛ ولا سيما أنه ذكرها في آخر الكلام على آيات الصيام. وقال بعض أهل العلم: يستفاد منها فائدة أخرى: أنه ينبغي الدعاء في آخر يوم الصيام - أي عند الإفطار. ٢ - ومنها: رأفة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي﴾، حيث أضافهم إلى نفسه تشريفاً، وتعطفاً عليهم.

стр. 1392

٣ - ومنها: إثبات قرب الله ؛ والمراد قرب نفسه؛ لأن الضمائر في هذه الآية كلها ترجع إلى الله؛ وعليه فلا يصح أن يحمل القرب فيها على قرب رحمته، أو ملائكته؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، ويقتضي تشتيت الضمائر بدون دليل؛ ثم قرب الله هل هو خاص بمن يعبده، أو يدعوه؛ أو هو عام؟ على قولين؛ والراجح أنه خاص بمن يعبده، أو يدعوه؛ لأنه لم يَرد وصف الله به على وجه مطلق؛ وليس كالمعية التي تنقسم إلى عامة، وخاصة. فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد * إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ [ق~: ١٦، ١٧]- وهذا عام؟ فالجواب أن المراد بالقرب في هذا الآية قرب ملائكته بدليل قوله تعالى: ﴿إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ [ق~: ١٧]، ومثلها قوله تعالى: ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥]: فإن المراد بها قرب الملائكة الذين يقبضون الروح. فإن قال قائل: كيف الجمع بين قربه جل وعلا وعلوه؟ فالجواب: أن الله أثبت ذلك لنفسه - أعني القرب، والعلو؛ ولا يمكن أن يجمع الله لنفسه بين صفتين متناقضتين؛ ولأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته؛ فهو قريب في علوه عليٌّ في دنوه. ٤ - ومن فوائد الآية: إثبات سمع الله؛ لقوله تعالى: ﴿أجيب﴾؛ لأنه لا يجاب إلا بعد أن يُسمعَ ما دعا به. ٥ - ومنها: إثبات قدرة الله؛ لأن إجابة الداعي تحتاج إلى قدرة. ٦ - ومنها: إثبات كرم الله؛ لقوله تعالى: ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾. ٧ - ومنها: أن من شرط إجابة الدعاء أن يكون الداعي صادق الدعوة في دعوة الله ، بحيث يكون مخلصاً مشعراً نفسه بالافتقار إلى ربه، ومشعراً نفسه بكرم الله، وجوده؛ لقوله تعالى: ﴿إذا دعان﴾. ٨ - ومنها: أن الله تعالى يجيب دعوة الداع إذا دعاه؛ ولا يلزم من ذلك أن يجيب مسألته؛ لأنه تعالى قد يؤخر إجابة المسألة ليزداد الداعي تضرعاً إلى الله، وإلحاحاً في الدعاء؛ فيقوى بذلك إيمانه، ويزداد ثوابه؛ أو يدخره له يوم القيامة؛ أو يدفع عنه من السوء ما هو أعظم فائدة للداعي؛ وهذا هو السر - والله أعلم - في قوله تعالى: ﴿أجيب دعوة الداع﴾. ٩ - ومنها: أن الإنابة إلى الله ، والقيام بطاعته سبب للرشد؛ لقوله تعالى: ﴿فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾. ١٠ - ومنها: أن الاستجابة لا بد أن يصحبها إيمان؛ لأن الله قرن بينهما؛ فمن تعبد لله وهو ضعيف الإيمان بأن يكون عنده تردد - والعياذ بالله - أو شك فإنه لا ينفعه؛ أو يكون عنده إنكار، كما يفعل المنافقون: فإنهم يتعبدون إلى الله ظاهراً؛ لكنهم ليس عندهم إيمان؛ فلا ينفعهم. ١١ - ومنها: إثبات الأسباب، والعلل؛ ففيه رد على الجهمية، وعلى الأشاعرة؛ لأنهم لا يثبتون الأسباب إلا إثباتاً صورياً، حيث يقولون: إن الأسباب لا تؤثر بنفسها لكن يكون الفعل عندها. القرآن ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧] التفسير: أباح الله لكم في ليالي شهر رمضان جماعَ نسائكم، هنَّ ستر وحفظ لكم، وأنتم ستر وحفظ لهن. علم الله أنكم كنتم تخونون أنفسكم؛ بمخالفة ما حرَّمه الله عليكم من مجامعة النساء بعد العشاء في ليالي الصيام -وكان ذلك

стр. 1393

في أول الإسلام-، فتاب الله عليكم ووسَّع لكم في الأمر، فالآن جامعوهن، واطلبوا ما قدَّره الله لكم من الأولاد، وكلوا واشربوا حتى يتبَيَّن ضياء الصباح من سواد الليل، بظهور الفجر الصادق، ثم أتموا الصيام بالإمساك عن المفطرات إلى دخول الليل بغروب الشمس. ولا تجامعوا نساءكم أو تتعاطوا ما يفضي إلى جماعهن إذا كنتم معتكفين في المساجد؛ لأن هذا يفسد الاعتكاف وهو الإقامة في المسجد مدة معلومة بنيَّة التقرب إلى الله تعالى. تلك الأحكام التي شرعها الله لكم هي حدوده الفاصلة بين الحلال والحرام، فلا تقربوها حتى لا تقعوا في الحرام. بمثل هذا البيان الواضح يبين الله آياته وأحكامه للناس؛ كي يتقوه ويخشَوْه. في سبب نزول الآية وجوه: أحدها: ذكر أبو إسحاق عن البراء ابن عازب قال: "كان أصحاب النبي ﷺ إذا كان الرجل صائمًا فنام قبل أن يفطر، لم يأكل إلى مثلها، وإن قَيْس بن صِرْمة الأنصاري كان صائمًا، وكان يومه ذاك يعمل في أرضه، فلما حَضَر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك. فغلبته عينُه فنام، وجاءت امرأته، فلما رأته نائما قالت: خيبة لك! أنمت؟ فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا" (١). والثاني: أخرج البخاري من طريق أبي إسحاق: "سمعت البراء قال: لما نزل صومُ رمضان كانوا لا يقرَبُون النساء، رَمَضَان كُلّه، وكان رجَال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ " (٢). قال الحافظ ابن حجر: " الآية نزلت في الأمرين معاً" (٣). والثالث: أخرج الواحدي عن سهل بن سعد قال: "نزلت هذه الآية: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾، ولم ينزل ﴿من الفجر﴾ وكان رجال إذا أرادو الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى بعد ذلك: ﴿من الفجر﴾ فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار" (٤).

стр. 1394

قال ابن كثير: " هذه رُخْصة من الله تعالى للمسلمين، ورَفْع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة. فوجدوا من ذلك مَشَقة كبيرة" (١). قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، " أي أبيحٍ لكم أيها الصائمون غشيان النساء في ليالي الصوم" (٢). قال الطبراني: أي: "أُبيْحَ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ، والرفثُ كنايةٌ عن الجِماع" (٣). قال الزجاج: " أي أحل لكم ليلة الصيام الجماع، لأنه كان في أول فرض الصيام الجماع محرما في ليلة الصيام، والأكل والشرب بعد العشاء الآخرة والنوم، فأحل الله الجماع والأكل والشراب إلى وقت طلوع الفجر" (٤). قال الطبري: " يعني: أحل الله لكم، أي: "أطلق لكم وأبيح" (٥). قال القرطبي: " لفظ ﴿أُحِلَّ﴾، يقتضي أنه كان محرما قبل ذلك ثم نسخ" (٦). قال ابن عباس: " ﴿الرفث﴾، الجماعُ، ولكن الله كريم يَكني" (٧)، وروي عن مجاهد (٨)، وقتادة (٩)، وسالم بن عبدالله (١٠)، والسدي (١١)، مثل ذلك. قال الزجاج: ﴿الرفث﴾: كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، والمعنى ههنا كناية عن الجماع" (١٢). قال ابن عرفة: "الرفث ههنا الجماع (١٣). وقد أجمع المفسرون على أنَّ المراد بـ (الرَّفَثُ) هو كناية عن الجماع، وأصله فاحش القول (١٤)، وقد علّل بعضهم إيثار هذه اللقطة الدالة على معنى القبح في هذا الموضع، وهو استهجان ما وجد منهم قبل الإباحة كما

стр. 1395

سماه اختيانا لأنفسهم (١). إذْ كان الرّجل إذا أمسى حلَّ له الأكل، والشرب، والجماع إلى أنْ يصلي العشاء الآخرة، أو يرقد، فإذا صلاّها، أو رقد ولم يفطر، حرّم عليه الطّعام، والشّراب، والنّساء إلى القابلة. وقد واقع عدد من الرجال نساءهم بعد العشاء، فاعترفوا للرسول ﵌ فنزلت الآية (٢). وفي تقديم الظرف (لَيْلَةَ الصِّيَامِ) على (الرَّفَثُ) تشويق؛ لأنّ ما حقّه التقديم إذا تأخّر تبقى النفس إليه مترقبة فيتمكن وقت وروده فضل تمكن (٣). وفي اللغة العربية تدل كلمة (الرفث) (٤) على معنيين: أحدهما: رفث اللسان: قيل: الرفث أصله قول الفحش، يقال: رفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح، ومنه قول العجاج (٥): وربِّ أسْرَابِ حَجيجٍ كُظَّمِ ... عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ فالمقصود بـ (الرفث) هنا القول الذي يصدر من اللسان. وكذلك جاء في أساس البلاغة: "رَفثَ في كلامه، وأرفثَ، وترفّثَ: أفْحشَ وأفْصحَ بما يجب أنْ يُكنّى عنه من ذكر النّكاح " (٦) ثم استشهد بقول العجاج السابق. قال الخليل: "الرّفث: الجماع، رفثَ إليها وتَرْفثَ، وهذه كناية وفلان يَرفثُ، أي: يقول الفُحش، وقال ابن عباس: الرفث ما قيل عند النّساء، وقوله : (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ) إنّما نهى عن قول الفحش" (٧). الثاني: ويأتي (الرفث) بمعنى الوقاع نفسه، بدليل قول الشاعر أيضًا (٨): ويرين من أنس الحديث زوانيا ... وبهن عن رفث الرجال نفار فالمراد بالرفث هنا هو الوقاع. قلت: ولا شك أن الرفث الذي حُرم في الصوم ليس هو كل ما يتعلق بالجماع حتى النظر من الرجل إلى امرأته النظرة بشهوة إلى غير ذلك؛ لأن هذا مما لم نعرفه من قبل ولو أطلقنا ذلك لترتب على ذلك ضرر كبير، والله ﵎ ما جعل علينا في الدين من حرج. وقد روي أنها في قراءة عبد الله: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفوثُ إلى نسائكم﴾ (٩). وفي قوله تعالى: ﴿الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قراءتان (١٠):

стр. 1396

إحدهما: ﴿الرَّفَثُ﴾، قراءة الجمهور. والثانية: ﴿الرُّفُوثُ﴾، برفع الواو والفاء وبواو، قرأ بها ابنُ مسعود والأعمشُ والرفوثُ والرفثُ كنايةٌ عن الجِماع، قال الشاعرُ (١): فَضَلْنَا هُنَالِكَ فِي نِعْمَةٍ ... وَكُلِّ اللَّذَاذَةِ غَيْرُ الرَّفَثِ وقال القُتَيبيُّ: "الرَّفَثُ: هُوَ الإفْصَاحُ عَمَّا تُحِبُّ أنْ يُكْنَى بهِ عَنْ ذِكْرِ النِّكَاحِ؛ وَأصْلُهُ الْفُحْشُ وَالْقَوْلُ الْقَبيْحُ" (٢). قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقر: ١٨٧]، أي "هن سَكَنٌ لكم وأنتم سَكَنٌ لَهن" (٣). قال صاحب الكشاف: " هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة قلّ صبركم عنهنّ وصعب عليكم اجتنابهنّ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهنّ" (٤). قال ابن عثيمين: "أي تعليل حل الرفث إلى النساء ليلة الصيام - لأن الزوج لا يستغني عن زوجه فهو لها بمنزلة اللباس؛ وكذلك هي له بمنزلة اللباس؛ وعبر سبحانه باللباس لما فيه من ستر العورة، والحماية، والصيانة؛ وإلى هذا يشير قول النبي ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج" (٥) (٦). قال الراغب: " جعل اللباس كناية عن الزوج، لكونه ستراً لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء، كما أن اللباس يمنع أن تبدو السوءة، وعلى ذلك جعلت المرأة إزاراً، وسمي النكاح حصنا، لكونه حصيناً لذويه عن تعاطي القبيح. قال الأصم: "أي: كأن يعطي كل واحد على الآخر ما يتعاطاه من الاختيارمن قولهم: لبست عليه ذيلي" (٧). قال الشوكاني: " وجعل النساء لباسا للرجال والرجال لباسا لهن لإمتزاج كل واحد منهما بالآخر عند الجماع كالإمتزاج الذي يكون بين الثوب ولابسه قال أبو عبيدة وغيره يقال للمرأة لباس وفراش وإزار وقيل إنما جل كل واحد منهما لباسا للآخر لأنه يستره عنده الجماع عن أعين الناس" (٨). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قولان (٩): أحدها: بمنزلة اللباس، لإفضاء كل واحد منهما إلى صاحبه، يستتر به كالثوب الملبوس، كما قال النابغة الجعدي (١٠): إذا ما الضّجِيعُ ثَنَى جِيدَها ... تَثَنّت عليه فَكانَتْ لِباساً فكنى عن اجتماعهما متجردين في فراش واحد ب " اللباس "، كما يكنى ب " الثياب " عن جسد الإنسان، كما قالت ليلى، وهي تصف إبلا ركبها قومٌ (١١):

стр. 1397

رَمَوْهَا بِأَثْوَابٍ خِفَافٍ، فَلا تَرَى ... لَهَا شَبَهًا إلا النَّعَامَ المُنَفَّرَا يعني: رموها بأنفسهم فركبوها. وكما قال الهذليّ (١): تَبَرَّأُ مِنْ دَمِ القَتيلِ وَوَتْرِهِ ... وَقَدْ عَلِقَتْ دَمَ القَتِيلِ إزَارُهَا يعني ب " إزارها "، نفسها (٢). والثاني: أنهم لباس يعني السكن لقوله تعالى: ﴿وجعلنا الليل لباساً﴾ [النبأ: ١٠] أي سكناً، وكما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [سورة الأعراف: ١٨٩]، وهذا قول ابن عباس (٣)، ومجاهد (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦). و(اللباس) في اللغة تعني: "ما واريْتَ به جسَدَكَ" (٧). وهي مصدر قولك لبستُ الثوبَ ألبسُ، واللباس ما يُلبس، وكذلك الملبس، واللِبس بالكسر مثله، ولباس الرّجل: امرأته، وزوجها: لباسها (٨). وقد لاحظ ابن فارس دلالة المخالطة، والمداخلة في مادة (لبس) إذْ قال: "اللام والباء والسين أصل صحيح واحد، يدلّ على مخالطة ومداخلة، من ذلك لبستُ الثوبَ ألبسهُ، وهو الأصل، ومنه تتفرع الفروع .... ومن الباب: اللباس، وهي امرأة الرّجل، والزّوج لباسها" (٩). وهذه الدلالة هي التي فسر بها العلماء قوله تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾، إذْ المعنى: تلابسونهن وتخالطونهن بالمساكنة، وقيل أيضا: إنّما جعل كل واحد منهما لباساً للآخر لاعتناقهما، واشتمال كل واحد منهما على صاحبه في عناقه، شبه باللباس المشتمل عليه؛ أو لأنّ كل واحد منهما يستر على صاحبه، ويمنعه من الفجور (١٠). وهذه الجملة مستأنفة مبينة لسبب الإحلال، وهو صعوبة الصبر على النّساء في هذا الوقت، فلو فُرض الصوم على الناس في الليل وهو وقت الاضطجاع لكان من الصعوبة الإمساك عن التقرب من النّساء، وفيه

стр. 1398

من العنت والمشقة الشديدة ما لا يكون في وقت النهار، لإمكان الاستعانة عليه بالبعد عن المرأة (١). وممّا يدلّ على قلة صبر الرّجل على المرأة تقديم قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾ على قوله: ﴿وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾، ففيه ظهور لاحتياج الرّجل إلى المرأة فضلاً عن أنّ الرّجل هو البادئ لطلب ذلك الفعل، ولا تكاد المرأة تطلب ذلك الفعل لغلبة الحياء عليها (٢). وثمة سبب آخر لذلك التقديم ينبغي الالتفات إليه، وهو أنّ الخطاب في أول الآية موجّه للرجل فناسب ذلك تقديم ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾. والله أعلم. وذكر الرازي في تشبيه الزوجين باللباس وجوها (٣): أحدها: أنه لما كان الرجل والمرأة يعتنقان، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، سمي كل واحد منهما لباسا. وقال الربيع بن أنس: هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن (٤). قال الطبري: " ورجح هذا التصحيح عندي: متجردين في فراش واحد، بمنزلة ما يلبسه على جَسده من ثيابه، فقيل لكل واحد منهما: هو (لباس) لصاحبه" (٥). وثانيها: إنما سمي الزوجان لباسا ليستر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحل، كما جاء في الخبر "من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه" (٦). قال الطبراني: "يقال: لِمَا سترَ الشيءَ وواراهُ لباساً، فجازَ أن يكون كلُّ واحد منهما لصاحبه سِتراً عما لا يحل، كما روي في الخبر " مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدْ أحْرَزَ نِصْفَ دِيْنِهِ " (٧). وثالثها: أنه تعالى جعلها لباسا للرجل، من حيث إنه يخصها بنفسه، كما يخص لباسه بنفسه، ويراها أهلا لأن يلاقي كل بدنه كل بدنها كما يعمله في اللباس. ورابعها: يحتمل أن يكون المراد ستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت، لو لم تكن المرأة حاضرة، كما يستتر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار. وخامسها: ذكر الأصم أن المراد أن كل واحد منهما كان كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي يفعلونه، وهذا ضعيف لأنه تعالى أورد هذا الوصف على طريق الإنعام علينا، فكيف يحمل على التستر بهن في المحظور. وسادسها: أن يكون جَعل كلَّ واحد منهما لصاحبه (لباسًا)، لأنه سَكنٌ له، كما قال جل ثناؤه: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [سورة الفرقان: ٤٧]، يعني بذلك سكنًا تسكنون فيه، وكذلك زوجة الرجل سَكنه يسكن إليها، كما قال تعالى ذكره: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [سورة الأعراف: ١٨٩]. فيكون كل واحد منهما (لباسًا) لصاحبه، بمعنى سكونه إليه. وبذلك كان مجاهد يقول: " ﴿هن لباس لكم وأنتم لباسٌ لهن﴾، يقول: سكنٌ لهن" (٨).

стр. 1399

والقول الأخير هو الأقرب الى الصواب، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ "أي علم الله أنكم كنتم تخونون أنفسكم" (١). قال النسفي: أي: "تظلمونها بالجماع وتنقصونها حظها من الخير" (٢). قال صاحب الكشاف: "والاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة" (٣). قال الطبراني: "أي عَلِمَ اللهُ أنكم كنتم تَظْلِمُونَ أنفُسَكم بمعصيتكم وجِماعِكم بعد العشاءِ الأخيرة في ليالِي الصَّومِ" (٤). قال ابن عثيمين: "أي تخادعونها بإتيانهن، بحيث لا تصبرون" (٥). قال المراغي: " أي تخونون أنفسكم بعمل شىء تعدونه حراما" (٦)، أو: "تنقصونها بعض ما أحل لها من اللذات" (٧)، "إذ تعتقدون شيئا ثم لا تلتزمون العمل به، إذ قد ذهب بهم اجتهادهم إلى أنهم يحرمون على أنفسهم بعد النوم في الليل ما يحرم على الصائم في النهار، لكنهم قد خانوا أنفسهم بحسب اعتقادهم فهم عاصون بما فعلوا" (٨). وفي سبب هذه الخيانة التي كان القوم يختانون أنفسهم، شيئان (٩): أحدهما: إتيان النساء. الثاني: الأكل والشرب. والظاهر - والله أعلم -: "أن هذا الاختيان بكون الإنسان يفتي نفسه بأن هذا الأمر هين؛ أو بأنه صار في حال لا تحرم عليه زوجته؛ وما أشبه ذلك؛ وأصل هذا أنهم كانوا في أول الأمر إذا صلى أحدهم العشاء الآخرة، أو إذا نام قبل العشاء الآخرة فإنه يحرم عليه الاستمتاع بالمرأة والأكل والشرب إلى غروب الشمس من اليوم التالي؛ فشق عليهم ذلك مشقة عظيمة حتى إن بعضهم لم يصبر؛ فبين الله حكمته، ورحمته بنا، حيث أحل لنا هذا الأمر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ " (١٠). قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، "أي فقبل توبتكم وعفا عنكم لما فعلتموه قبل النسخ" (١١). قال ابن عثيمين: "أي: تاب عليكم بنسخ الحكم الأول الذي فيه مشقة؛ وتجاوز عما وقع منكم من مخالفة" (١٢).

стр. 1400

قال المراغي: " أي فقبل توبتكم وعفا عن خيانتكم أنفسكم، إذ خالفتم ما كنتم تعتقدون حين فهمتم من قوله: ﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، تحريم ملامسة النساء ليلا، أو تحريمها بعد النوم كتحريم الأكل والشرب" (١). قال النسفي: " ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور، ﴿وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ما فعلتم قبل الرخصة" (٢). قال أهل العلم: "والنسخ إلى الأسهل توبة كما في قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم﴾ [المزمل: ٢٠]؛ فيعبر الله عن النسخ بالتوبة إشارة إلى أنه لولا النسخ لكان الإنسان آثماً إما بفعل محرم؛ أو بترك واجب" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، تأويلان (٤): أحدهما: العفو عن ذنوبهم. والثاني: العفو عن تحريم ذلك بعد النوم. قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، " أي فالآن إذ أحلّ لكم الرفث إليهنّ بالنصّ الصريح، باشروهن" (٥). قال الماوردي: " يريد به الجماع، لأن أصل المباشرة من إلصاق البشرة بالبشرة، وكان ذلك منه بياناً لما كان في جماع عمر " (٦). قال ابن عاشور: يقول: فاللآن اتضح الحكم فباشروهن ولا تختانوا أنفسكم، والأمر للإباحة، وليس معنى قوله ﴿فَالْآنَ﴾ إشارة إلى تشريع المباشرة حينئذ"ٍ (٧). قال ابن عثيمين: أي: " فالآن بعد التحريم، وبعد تحقيق التوبة، والعفو باشروهن" (٨). قال الطبراني: "أي جامِعُوهن في ليالِي الصومِ فهو حلالٌ لكم. سُميت الْمُجَامَعَةُ مباشرةً؛ لتلاصُقِ بَشَرَةِ كلِّ واحد منهما لصاحبهِ (٩). قال ابن عباس: " المباشرة الجماع، ولكنّ الله كريمٌ يكني" (١٠). وفي رواية أخرى: ولكن الله يكني ما شاء بما شاء" (١١). وقال ابن جريج: " قلت لعطاء قوله: " فالآن باشرُوهن " قال: الجماع" (١٢). و(البشَرة): هي أعلى جلد الوجه والجسد من الإنسان، وهو البَشَر اذا جمعته، وجمع الجمع أبشار، ومنه اشتقت مباشرة الرّجل المرأة لتضامّ أبشارهما؛ أو باشر الرّجل المرأة، أي: إفضاؤه ببشرته إلى بشرتها (١٣).

стр. 1401

ولم تخرج دلالة هذه اللفظة عند المفسرين عن هذا المعنى إذْ ذكروا أنّ المراد هو الجماع، وعبّر عنه القرآن بالمباشرة؛ لأنّ المباشرة إلصاق البشرة بالبشرة، وهي ظاهر أحد الجلدين بالآخر. وثمة رأي آخر يرى أنّ المباشرة هي الجماع فما دونه (١). والأمر هنا للإباحة، وليس المراد ب (الآن) الإشارة إلى تشريع المباشرة حينئذٍ بل معناه (الآن) اتّضح الحكم فباشروهن ولا تختانوا أنفسكم (٢). فهو بمثابة رخصة قد نزلت ولم تكن قبل ذلك لهم (٣). قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، "أي" اطلبوا ما قدر الله لكم من الولد" (٤). قال ابن عثيمين: " وذلك بالجماع الذي يحصل به الإنزال (٥). قال المراغي: أي: " واطلبوا بتلك المباشرة ما قدر لهذا الجنس بمقتضى الفطرة من جعل المباشرة سببا للنسل، ولإحصان كل منهما الآخر وصده عن الحرام " (٦). قال ابن عاشور: " والابتغاء الطلب، وما كتبه الله: ما أباحه من مباشرة النساء في غير وقت الصيام أو اطلبوا ما قدر الله لكم من الولد تحريضاً للناس على مباشرة النساء عسى أن يتكون النسل من ذلك وذلك لتكثير الأمة وبقاء النوع في الأرض" (٧). وقد اختلفوا في تأويل قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، على أوجه: أحدها: طلب الولد، وهو قول مجاهد (٨)، وشعبة (٩)، وعكرمة (١٠)، والحسن بن أبي الحسن (١١)، والسدي (١٢)، وابن عباس (١٣)، والربيع (١٤)، وابن زيد (١٥)، والضحاك بن مزاحم (١٦). والثاني: ليلة القدْر، وهو قول ابن عباس (١٧)، وكان يقرأ ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾. والثالث: ما أحل الله تعالى لكم ورخص فيه، وهذا قول قتادة (١٨). والصواب ما قاله مجاهد- والله أعلم-: أي" واطلبوا ما قسم الله لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل، أو وابتغوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم" (١٩). وقرأ ذلك بعضهم: ﴿وَاتَّبِعُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢٠).

стр. 1402

قال عطاء بن أبي رباح: "قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الآية: ﴿وابتغوا﴾، أو ﴿اتبعوا﴾، ؟ قال: أيتهما شئت! قال: عليك بالقراءة الأولى" (١). قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، " أي كلوا واشربوا إِلى طلوع الفجر" (٢). قال ابن عثيمين: "أي لكم الأكل، والشرب، حتى يظهر ظهوراً جلياً يتميز به بياض النهار من سواد الليل" (٣). وقد اختلف العلماء في تفسير قوله تعالى ﴿الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، على أقوال (٤): أحدها: يعني بقوله: ﴿الْخَيْطُ الأبْيَضُ﴾، ضوءَ النهار، وبقوله: ﴿الْخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ سوادَ الليل. وهذا قول الجمهور (٥). قال الحافظ ابن حجر: " ومعنى الآية: حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل، وهذا البيان يحصل بطلوع الفجر الصادق، ففيه دلالة على أن ما بعد الفجر من النهار" (٦). قال الطبري: " صفة ذلك البياض أن يكون منتشرا مستفيضا في السماء يملأ بياضه وضوءُهُ الطرق، فأما الضوء الساطع في السماء، فإن ذلك غير الذي عناه الله بقوله: " الخيط الأبيض من الخيط الأسود" (٧).

стр. 1403

والثاني: الخيطُ الأبيض: هو ضوء الشمس، والخيط الأسود: هو سوادُ الليل. وهذا قول علي (١)، وروي عن ابراهيم التيمي (٢)، والبراء (٣)، وعبدالله بن مسعود (٤)، وسالم مولى أبي حذيفة (٥)، إبراهيم (٦)، وحبان بن الحارث (٧)، نحو ذلك. وعلة من قال هذا القول: أنَّ القول إنما هو النهارُ دون الليل. قالوا: وأول النهار طلوعُ الشمس، كما أنّ آخرَه غروبُها. قالوا: ولو كان أوله طلوعُ الفجر، لوَجب أن يكون آخرَه غروبُ الشفق. قالوا: وفي إجماع الحجة على أنَّ آخر النهار غروب الشمس، دليلٌ واضح على أن أوله طلوعها. قالوا: وفي الخبر عن النبي ﷺ أنه تسحر بعد طُلوع الفجر، أوضحُ الدليل على صحة قولنا (٨). وعن زر، عن حذيفة قال: " كان النبي ﷺ يتسحَّر وأنا أرى مواقعَ النَّبل. قال: قلت أبعدَ الصبح؟ قال: هو الصبح، إلا أنه لم تطلع الشمس" (٩). وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا سمع أحدكم النداءَ والإناءُ على يده، فلا يضعه حتى يقضيَ حاجته منه " (١٠). وعن أبي أمامة قال: أقيمت الصلاة والإناءُ في يد عمر، قال: أشرَبُها يا رسول الله؟ قال: نعم! ، فشربها" (١١). والصواب-والله أعلم- ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ﴿الخيط الأبيض﴾ بياض النهار، و ﴿الخيط الأسود﴾ سوادُ الليل" (١٢). وهو المعروف في كلام العرب، قال أبو دُؤاد الإياديّ (١٣):

стр. 1404

فَلَمَّا أضَاءت لَنَا سُدْفَةٌ ... وَلاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا وأما الأخبارُ التي رويتْ عن رسول الله ﷺ أنه شرب أو تسحَّر، ثم خرج إلى الصلاة، فإنه غير دافع صحةَ ما قلنا في ذلك؛ لأنه غير مستنكر أن يكون ﷺ شَرب قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة، إذ كانت الصلاةُ - صلاة الفجر - هي على عهده كانت تُصلى بعد ما يطلع الفجر ويتبيَّن طلوعه ويؤذَّن لها قبل طلوعه. وأما الخبر الذي رُوي عن حذيفة: " أنّ النبي ﷺ كان يتسحر وأنا أرى مَواقعَ النَّبل "، فإنه قد استُثبتَ فيه فقيل له: أبعد الصبح؟ فلم يجب في ذلك بأنه كان بعد الصبح، ولكنه قال: " هو الصبح " (١)، وذلك من قوله يُحتمل أن يكون معناهُ: هو الصبح لقربه منه، وإن لم يكن هو بعينه، كما تقول العرب: " هذا فلان " شبها، وهي تشير إلى غير الذي سمَّته، فتقول: " هو هو " تشبيها منها له به، فكذلك قول حذيفة: " هو الصبح "، معناه: هو الصبح شبها به وقربا منه. وفي قوله تعالى ذكره: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيضُ من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيامَ إلى الليل﴾، أوضحُ الدلالة على خطأ قول من قال: حلالٌ الأكلُ والشربُ لمن أراد الصوم إلى طلوع الشمس؛ لأن الخيط الأبيض من الفجر يتبين عند ابتداء طلوع أوائل الفجر، وقد جعل الله تعالى ذكره ذلك حدًّا لمن لزَمه الصوم في الوقت الذي أباح إليه الأكل والشرب والمباشرة" (٢). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، " أي ثم أمسكوا عن الطعام والشراب والنكاح إِلى غروب الشمس" (٣). قالت عائشة: " - يعني: أنها كرهت الوصال" (٤). قال أبو العالية: " قال: قال الله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، فإذا جاء الليل فهو مفطر، فإن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل" (٥). قال ابن عثيمين: " أي: أكملوا الصيام على وجه التمام؛ إلى دخول الليل؛ وذلك بغروب الشمس؛ لقول النبي ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا - وأدبر النهار من هاهنا - وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (٦)؛ وبمجرد غروب الشمس - أي غروب قرصها - يكون الإفطار؛ وليس بشرط أن تزول الحمرة، كما يظن بعض العوام؛ إذاً الصوم محدود: من، وإلى؛ فلا يزاد فيه، ولا ينقص" (٧). قال النسفي: "أي الكف عن هذه الأشياء دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، وعلى نفي الوصال، وعلى وجوب الكفارة في الأكل والشرب، وعلى أن الجنابة لا تنافي الصوم" (٨).

стр. 1405

قال مالك: " كان عامر بن عبد الله بن الزبير يواصل ليلةَ ستَّ عشرة وليلة سبعَ عشرة من رمضان لا يفطر بينهما، فلقيته فقلت له: يا أبا الحارث ماذا تجدُه يقوِّيك في وصَالك؟ قال: السمْن أشرُبه أجده يُبلّ عروقي، فأما الماء فإنه يخرج من جسدي" (١). قال الطبري: " قيل: وجه من فعل ذلك إن شاء الله تعالى على طلب الخموصة (٢) لنفسه والقوة لا على طلب البرّ لله بفعله. وفعلهم ذلك نظيرُ ما كان عمر بن الخطاب يأمرهم به بقوله: " اخشَوشِنوا (٣) وَتمعْددوا، وانزوا على الخيل نزوًا، واقطعوا الرُّكُب وامشوا حُفاة" "، يأمرهم في ذلك بالتخشن في عيشهم، لئلا يتنعموا فيركنوا إلى خَفْض العيش ويميلوا إلى الدعة فيجبُنوا ويحتموا عن أعدائهم" (٤). ثم قال: "وقد رَغِب - لمن واصل - عن الوصال كثيرٌ من أهل الفضل، فعن أبي إسحاق: أنّ ابن أبي نُعم كان يواصل من الأيام حتى لا يستطيع أن يقومَ، فقال عمرو بن ميمون: لو أدرَك هذا أصحابُ محمد ﷺ رَجمُوه" (٥) " (٦). وعن ابن عمر: "أنّ رسول الله ﷺ نَهى عن الوصال، قالوا: إنك تُواصلُ يا رَسول الله! قال: إني لست كأحدٍ منكم، إني أبيت أُطعَم وأسقَى" (٧). وقد روي عن النبي ﷺ الإذنُ بالوصال من السحر إلى السَّحر (٨)، فعن أبي سعيد الخدري: "أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا تواصلوا، فأيُّكم أراد أن يُواصل فليواصل حتى السَّحر. قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل! قال: إني لست كهيئتكم، إنّي أبيت لي مُطعم يُطعمني، وَساقٍ يسقيني" (٩). وعن أمِّ وَلد حاطب بن أبي بَلتعة: "أنها مرّت برسول الله ﷺ وهو يتسحَّر، فدعاها إلى الطعام فقالت: إنّي صَائمة، قال: وكيف تصومين؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: أين أنت من وصال آل محمد ﷺ من السَّحر إلى السَّحر" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، "أي: و"لا تجامعوا نساءكم، في حال عُكوفكم في المساجد " (١١). قال المراغي: " أي ولا تباشروا النساء حال عكوفكم فى المساجد للعبادة، فإن المباشرة نهطل الاعتكاف ولو ليلا كما تبطل الصيام نهارا" (١٢).
следующие страницы →