← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ولم تخرج دلالة هذه اللفظة عند المفسرين عن هذا المعنى إذْ ذكروا أنّ المراد هو الجماع، وعبّر عنه القرآن بالمباشرة؛ لأنّ المباشرة إلصاق البشرة بالبشرة، وهي ظاهر أحد الجلدين بالآخر. وثمة رأي آخر يرى أنّ المباشرة هي الجماع فما دونه (١). والأمر هنا للإباحة، وليس المراد ب (الآن) الإشارة إلى تشريع المباشرة حينئذٍ بل معناه (الآن) اتّضح الحكم فباشروهن ولا تختانوا أنفسكم (٢). فهو بمثابة رخصة قد نزلت ولم تكن قبل ذلك لهم (٣). قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، "أي" اطلبوا ما قدر الله لكم من الولد" (٤). قال ابن عثيمين: " وذلك بالجماع الذي يحصل به الإنزال (٥). قال المراغي: أي: " واطلبوا بتلك المباشرة ما قدر لهذا الجنس بمقتضى الفطرة من جعل المباشرة سببا للنسل، ولإحصان كل منهما الآخر وصده عن الحرام " (٦). قال ابن عاشور: " والابتغاء الطلب، وما كتبه الله: ما أباحه من مباشرة النساء في غير وقت الصيام أو اطلبوا ما قدر الله لكم من الولد تحريضاً للناس على مباشرة النساء عسى أن يتكون النسل من ذلك وذلك لتكثير الأمة وبقاء النوع في الأرض" (٧). وقد اختلفوا في تأويل قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، على أوجه: أحدها: طلب الولد، وهو قول مجاهد (٨)، وشعبة (٩)، وعكرمة (١٠)، والحسن بن أبي الحسن (١١)، والسدي (١٢)، وابن عباس (١٣)، والربيع (١٤)، وابن زيد (١٥)، والضحاك بن مزاحم (١٦). والثاني: ليلة القدْر، وهو قول ابن عباس (١٧)، وكان يقرأ ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾. والثالث: ما أحل الله تعالى لكم ورخص فيه، وهذا قول قتادة (١٨). والصواب ما قاله مجاهد- والله أعلم-: أي" واطلبوا ما قسم الله لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل، أو وابتغوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم" (١٩). وقرأ ذلك بعضهم: ﴿وَاتَّبِعُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢٠).

стр. 1402

قال عطاء بن أبي رباح: "قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الآية: ﴿وابتغوا﴾، أو ﴿اتبعوا﴾، ؟ قال: أيتهما شئت! قال: عليك بالقراءة الأولى" (١). قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، " أي كلوا واشربوا إِلى طلوع الفجر" (٢). قال ابن عثيمين: "أي لكم الأكل، والشرب، حتى يظهر ظهوراً جلياً يتميز به بياض النهار من سواد الليل" (٣). وقد اختلف العلماء في تفسير قوله تعالى ﴿الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، على أقوال (٤): أحدها: يعني بقوله: ﴿الْخَيْطُ الأبْيَضُ﴾، ضوءَ النهار، وبقوله: ﴿الْخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ سوادَ الليل. وهذا قول الجمهور (٥). قال الحافظ ابن حجر: " ومعنى الآية: حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل، وهذا البيان يحصل بطلوع الفجر الصادق، ففيه دلالة على أن ما بعد الفجر من النهار" (٦). قال الطبري: " صفة ذلك البياض أن يكون منتشرا مستفيضا في السماء يملأ بياضه وضوءُهُ الطرق، فأما الضوء الساطع في السماء، فإن ذلك غير الذي عناه الله بقوله: " الخيط الأبيض من الخيط الأسود" (٧).

стр. 1403

والثاني: الخيطُ الأبيض: هو ضوء الشمس، والخيط الأسود: هو سوادُ الليل. وهذا قول علي (١)، وروي عن ابراهيم التيمي (٢)، والبراء (٣)، وعبدالله بن مسعود (٤)، وسالم مولى أبي حذيفة (٥)، إبراهيم (٦)، وحبان بن الحارث (٧)، نحو ذلك. وعلة من قال هذا القول: أنَّ القول إنما هو النهارُ دون الليل. قالوا: وأول النهار طلوعُ الشمس، كما أنّ آخرَه غروبُها. قالوا: ولو كان أوله طلوعُ الفجر، لوَجب أن يكون آخرَه غروبُ الشفق. قالوا: وفي إجماع الحجة على أنَّ آخر النهار غروب الشمس، دليلٌ واضح على أن أوله طلوعها. قالوا: وفي الخبر عن النبي ﷺ أنه تسحر بعد طُلوع الفجر، أوضحُ الدليل على صحة قولنا (٨). وعن زر، عن حذيفة قال: " كان النبي ﷺ يتسحَّر وأنا أرى مواقعَ النَّبل. قال: قلت أبعدَ الصبح؟ قال: هو الصبح، إلا أنه لم تطلع الشمس" (٩). وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا سمع أحدكم النداءَ والإناءُ على يده، فلا يضعه حتى يقضيَ حاجته منه " (١٠). وعن أبي أمامة قال: أقيمت الصلاة والإناءُ في يد عمر، قال: أشرَبُها يا رسول الله؟ قال: نعم! ، فشربها" (١١). والصواب-والله أعلم- ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ﴿الخيط الأبيض﴾ بياض النهار، و ﴿الخيط الأسود﴾ سوادُ الليل" (١٢). وهو المعروف في كلام العرب، قال أبو دُؤاد الإياديّ (١٣):

стр. 1404

فَلَمَّا أضَاءت لَنَا سُدْفَةٌ ... وَلاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا وأما الأخبارُ التي رويتْ عن رسول الله ﷺ أنه شرب أو تسحَّر، ثم خرج إلى الصلاة، فإنه غير دافع صحةَ ما قلنا في ذلك؛ لأنه غير مستنكر أن يكون ﷺ شَرب قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة، إذ كانت الصلاةُ - صلاة الفجر - هي على عهده كانت تُصلى بعد ما يطلع الفجر ويتبيَّن طلوعه ويؤذَّن لها قبل طلوعه. وأما الخبر الذي رُوي عن حذيفة: " أنّ النبي ﷺ كان يتسحر وأنا أرى مَواقعَ النَّبل "، فإنه قد استُثبتَ فيه فقيل له: أبعد الصبح؟ فلم يجب في ذلك بأنه كان بعد الصبح، ولكنه قال: " هو الصبح " (١)، وذلك من قوله يُحتمل أن يكون معناهُ: هو الصبح لقربه منه، وإن لم يكن هو بعينه، كما تقول العرب: " هذا فلان " شبها، وهي تشير إلى غير الذي سمَّته، فتقول: " هو هو " تشبيها منها له به، فكذلك قول حذيفة: " هو الصبح "، معناه: هو الصبح شبها به وقربا منه. وفي قوله تعالى ذكره: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيضُ من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيامَ إلى الليل﴾، أوضحُ الدلالة على خطأ قول من قال: حلالٌ الأكلُ والشربُ لمن أراد الصوم إلى طلوع الشمس؛ لأن الخيط الأبيض من الفجر يتبين عند ابتداء طلوع أوائل الفجر، وقد جعل الله تعالى ذكره ذلك حدًّا لمن لزَمه الصوم في الوقت الذي أباح إليه الأكل والشرب والمباشرة" (٢). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، " أي ثم أمسكوا عن الطعام والشراب والنكاح إِلى غروب الشمس" (٣). قالت عائشة: " - يعني: أنها كرهت الوصال" (٤). قال أبو العالية: " قال: قال الله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، فإذا جاء الليل فهو مفطر، فإن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل" (٥). قال ابن عثيمين: " أي: أكملوا الصيام على وجه التمام؛ إلى دخول الليل؛ وذلك بغروب الشمس؛ لقول النبي ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا - وأدبر النهار من هاهنا - وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (٦)؛ وبمجرد غروب الشمس - أي غروب قرصها - يكون الإفطار؛ وليس بشرط أن تزول الحمرة، كما يظن بعض العوام؛ إذاً الصوم محدود: من، وإلى؛ فلا يزاد فيه، ولا ينقص" (٧). قال النسفي: "أي الكف عن هذه الأشياء دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، وعلى نفي الوصال، وعلى وجوب الكفارة في الأكل والشرب، وعلى أن الجنابة لا تنافي الصوم" (٨).

стр. 1405

قال مالك: " كان عامر بن عبد الله بن الزبير يواصل ليلةَ ستَّ عشرة وليلة سبعَ عشرة من رمضان لا يفطر بينهما، فلقيته فقلت له: يا أبا الحارث ماذا تجدُه يقوِّيك في وصَالك؟ قال: السمْن أشرُبه أجده يُبلّ عروقي، فأما الماء فإنه يخرج من جسدي" (١). قال الطبري: " قيل: وجه من فعل ذلك إن شاء الله تعالى على طلب الخموصة (٢) لنفسه والقوة لا على طلب البرّ لله بفعله. وفعلهم ذلك نظيرُ ما كان عمر بن الخطاب يأمرهم به بقوله: " اخشَوشِنوا (٣) وَتمعْددوا، وانزوا على الخيل نزوًا، واقطعوا الرُّكُب وامشوا حُفاة" "، يأمرهم في ذلك بالتخشن في عيشهم، لئلا يتنعموا فيركنوا إلى خَفْض العيش ويميلوا إلى الدعة فيجبُنوا ويحتموا عن أعدائهم" (٤). ثم قال: "وقد رَغِب - لمن واصل - عن الوصال كثيرٌ من أهل الفضل، فعن أبي إسحاق: أنّ ابن أبي نُعم كان يواصل من الأيام حتى لا يستطيع أن يقومَ، فقال عمرو بن ميمون: لو أدرَك هذا أصحابُ محمد ﷺ رَجمُوه" (٥) " (٦). وعن ابن عمر: "أنّ رسول الله ﷺ نَهى عن الوصال، قالوا: إنك تُواصلُ يا رَسول الله! قال: إني لست كأحدٍ منكم، إني أبيت أُطعَم وأسقَى" (٧). وقد روي عن النبي ﷺ الإذنُ بالوصال من السحر إلى السَّحر (٨)، فعن أبي سعيد الخدري: "أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا تواصلوا، فأيُّكم أراد أن يُواصل فليواصل حتى السَّحر. قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل! قال: إني لست كهيئتكم، إنّي أبيت لي مُطعم يُطعمني، وَساقٍ يسقيني" (٩). وعن أمِّ وَلد حاطب بن أبي بَلتعة: "أنها مرّت برسول الله ﷺ وهو يتسحَّر، فدعاها إلى الطعام فقالت: إنّي صَائمة، قال: وكيف تصومين؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: أين أنت من وصال آل محمد ﷺ من السَّحر إلى السَّحر" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، "أي: و"لا تجامعوا نساءكم، في حال عُكوفكم في المساجد " (١١). قال المراغي: " أي ولا تباشروا النساء حال عكوفكم فى المساجد للعبادة، فإن المباشرة نهطل الاعتكاف ولو ليلا كما تبطل الصيام نهارا" (١٢).

стр. 1406

قال الصابوني: " أي لا تقربوهن ليلاً أو نهاراً ما دمتم معتكفين في المساجد" (١). قال النسفي: " بيّن أن الجماع يحل في ليالي رمضان لكن لغير المعتكف" (٢). قال قتادة: "كان الرجل إذا خرج من المسجد وهو معتكف ولقي امرأته باشرها إن شاء، فنهاهم الله عن ذلك، وأخبرهم أنّ ذلك لا يصلح حتى يَقضيَ اعتكافه" (٣). وقال مالك بن أنس: لا يمس المعتكف امرأته، ولا يباشرُها، ولا يتلذذ منها بشيء، قُبلةٍ ولا غيرها" (٤). وذكر (المباشرة) عقب قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ لئلا يظن أن المباشرة المأذون فيها شاملة حال الاعتكاف؛ والضمير «هن» يعود على النساء؛ وجملة: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ حال من الواو في قوله تعالى: ﴿لَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾؛ و ﴿عاكفون﴾ اسم فاعل من عكف يعكف؛ والعكوف على الشيء ملازمته، والمداومة عليه؛ ومنه قول إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، أي مديمون ملازمون؛ والاعتكاف في الشرع هو التعبد لله بلزوم المساجد لطاعة الله (٥). قال الطبري: "والعكوف، أصله المقام، وحبسُ النفس على الشيء، كما قال الطِّرِمَّاح بن حَكيم (٦): فَبَاتَ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْلِيَ عُكفًّا ... عُكُوفَ البَواكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ يعني بقوله: (عكفا)، مقيمة، وكما قال الفرزدق (٧): تَرَى حَوْلَهُنَّ المُعْتَفِينَ كأنَّهُمْ ... عَلَى صَنَمٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ عُكَّفُ " (٨) وقد اختلف أهل التأويل في معنى (المباشرة) التي عنى الله بقوله: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنََّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وفيه أقوال (٩): أحدها: عني بالمباشرة: الجماع، دون غيره من معاني (المباشرة). وهذا قول ابن عباس (١٠)، وعطاء (١١)، والضحاك (١٢)، والربيع (١٣)، وقتادة (١٤)، والسدي (١٥)، ومجاهد (١٦). وهو قول الأكثرين (١٧).

стр. 1407

والثاني: أن المراد: جميع معاني (المباشرة)، من لَمْس وقُبلة وجماع. قاله: مالك بن أنس (١)، وابن زيد (٢). قال الطبري: "وعلة من قال هذا القول: أن الله تعالى ذكره عمّ بالنهي عن المباشرة، ولم يخصص منها شيئا دون شيء. فذلك على ما عمَّه، حتى تأتي حُجة يجب التسليم لها بأنه عنى به مباشرةً دون مباشرةٍ" (٣). والصواب هو قول الجمهور، بأن معنى المباشرة: الجماعُ، أو ما قام مقامَ الجماع، مما أوجبَ غسلا إيجابَه، والأظهر-والله أعلم-أن المباشرة جائزة إن كان يأمن على نفسه الوقوع في مفسدات الصوم لحديث عائشة قبل (٤)، وغير جائزة إن كان يغلب على ظنه الوقوع في مفسدات الصوم لأنه يعرض صومه للفساد (٥). واختاره الطبري فقال: "وذلك أنه لا قول في ذلك إلا أحد قولين: إما جعل حكم الآية عامًّا، أو جَعل حكمها في خاصٍّ من معاني المباشرة. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ : أن نساءه كنّ يُرجِّلنه وهو معتكف، فلما صح ذلك عنه، عُلم أنّ الذي عنى به من معاني المباشرة، البعض دون الجميع" (٦). وعن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف يُدني إليّ رأسه فأرَجِّله" (٧).

стр. 1408

قال الطبري: "فإذْ كان صحيحا عن رسول الله ﷺ ما ذكرنا من غَسل عائشة رأسه وهو معتكف، فمعلوم أن المراد بقوله: " ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد "، غيرُ جميع ما لزمه اسم " المباشرة " وأنه معنيٌّ به البعض من معاني المباشرة دون الجميع. فإذا كان ذلك كذلك، وكان مجمَعًا على أنّ الجماع مما عُني به، كان واجبا تحريم الجماع على المعتكف وما أشبهه، وذلك كلُّ ما قام في الالتذاذ مقامه منَ المباشرة" (١). قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ "أي تلك أوامر الله وزواجره وأحكامه التي شرعها لكم فلا تخالفوها" (٢). قال النسفي: أي "أحكامه المحدودة، فلا تقربوها بالمخالفة والتغيير" (٣). قال البيضاوي: " أي الأحكام التي ذكرت، ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾، نهى أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل لئلا يداني الباطل، فضلاً عن أن يتخطى عنه" (٤). قال الضحاك: " ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، يقول: معصية الله - يعني المباشرةَ في الاعتكاف (٥). قال ابن كثير: " أي هذا الذي بيناه، وفرضناه، وحددناه من الصيام، وأحكامه، وما أبحنا فيه وما حرّمنا، وذِكْر غاياته ورخصه وعزائمه، حدود الله، أي: شرعها الله وبيَّنها بنفسه، فلا تجاوزوها، وتعتدوها" (٦). قال المراغي: " أي إن هذه الأحكام المشتملة على الإيجاب والتحريم والإباحة هى حدود الله وأحكامه فلا تقربوها، إذ من قرب من الحد أو شك أن يتعداه كالشاب يداعب امرأته في النهار يوشك ألا يملك إربه، فيقع في المباشرة المحرّمة، أو يفسد صومه بالإنزال، فالاحتياط يقتضى ألا يقرب الحدّ حتى لا يتجاوزه بالوقوع فيما بعد" (٧). قال ابن عثيمين: " وإنما نهى عن قربانها حتى نبعد عن المحرم، وعن وسائل المحرم؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد؛ وكم من إنسان حام حول الحمى فوقع فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فلا تقربوها﴾؛ فالمحرمات ينبغي البعد عنها، وعدم قربها" (٨). والـ ﴿حُدُودُ﴾: "جمع حد؛ و (الحد) في اللغة المنع؛ ومنه حدود الدار؛ لأنها تمنع من دخول غيرها فيها؛ فمعنى ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي موانعه؛ واعلم أن حدود الله نوعان: أحدهما: حدود تمنع من كان خارجها من الدخول فيها؛ وهذه هي المحرمات؛ ويقال فيها: ﴿فلا تقربوها﴾. والثاني: وحدود تمنع من كان فيها من الخروج منها؛ وهذه هي الواجبات؛ ويقال فيها: ﴿فلا تعتدوها﴾ " (٩). وقد تعددت أقوال اهل العلم في تفسير قوله تعالى ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وفيه أربعة أقوال:

стр. 1409

أحدها: أن المراد: " هذه الأشياءَ حدّدتها لكم، وأمرْتكم أن تجتنبوها في الأوقات التي أمرتكم أن تجتنبوها، وحرَّمتها فيها عليكم، فلا تقرَبوها. وهذا معنى قول عبدالرحمن بن زيد (١)، واختاره الطبري (٢). والثاني: أن ﴿حدود الله﴾ فشروطه. قاله السدي (٣). والثالث: أن ﴿حدود الله﴾ معاصيه، قاله الضحاك (٤)، ومقاتل (٥). والرابع: أنه طاعة الله. قاله ابن عباس (٦). وفي تسمية (المحرمات) بحدود الله وجهان (٧): أحدهما: لأن الله تعالى حدها بالذكر والبيان. والثاني: لما أوجبه في أكثر المحرمات من الحدود. قوله تعالى: ﴿كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُءَايَاتِهِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، أي: مثلَ ذلك البيان يبين الله "شرائعه" (٨)، قال ابن كثير: فـ"كما بين الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله، كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ " (٩). وفي تفسير (الآيات) في قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُءَيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وجهان (١٠): أحدهما: يعني بآياته علامات متعبداته. والثاني: أنه يريد بالآيات هنا الفرائض والأحكام. و(آيات) جمع آية؛ "وهي في اللغة: العلامة؛ والمراد بها في الشرع: العلامة المعينة لمدلولها" (١١). قوله تعالى ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، " أي يتقون المحارم" (١٢). قال البيضاوي: أي يتقون: " مخالفة الأوامر والنواهي" (١٣). قال ابن كثير: أي: "يَعْرفون كيف يهتدون، وكيف يطيعون كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنزلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩] " (١٤). قال الطبري: أي: " أبيِّن ذلك لهم ليتقوا مَحارمي ومعاصيَّ، ويتجنَّبوا سَخطي وَغضبي، بتركهم رُكوبَ ما أبيِّن لهم في آياتي أني قد حرَّمته عليهم، وأمرتهم بهجره وتركه" (١٥). قال ابن عثيمين: "أي يتقون الله ، وتقوى الله هي اتخاذ وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في (التقوى) " (١٦). وفي تعالى ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وجهان من التفسير:

стр. 1410

أحدهما: أن المعنى لعلهم يتقون المعاصي. قاله مقاتل بن حيان (١). والثاني: أن المراد: لعلهم يطيعون. وهذا قول مجاهد (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: رحمة الله تعالى بعباده؛ لنسخ الحكم الأول إلى التخفيف، حيث كانوا قبل ذلك إذا ناموا، أو صلّوا العشاء في ليالي رمضان حرمت عليهم النساء، والطعام، والشراب إلى غروب الشمس من اليوم التالي؛ ثم خفف عنهم بإباحة ذلك إلى الفجر. ٢ - ومنها: جواز الكلام بين الزوج وزوجته فيما يستحيا منه؛ لقوله تعالى: ﴿الرفث إلى نسائكم﴾؛ لأنه مُضَمن معنى الإفضاء. ٣ - ومنها: جواز استمتاع الرجل بزوجته من حين العقد؛ لقوله تعالى: ﴿إلى نسائكم﴾ ما لم يخالف شرطاً بين الزوجين؛ وقد ظن بعض الناس أنه لا يجوز أن يستمتع بشيء من زوجته حتى يعلن النكاح - وليس بصحيح لكن هنا شيء يخشى منه؛ وهو الجماع؛ فإنه ربما يحصل حمل؛ وإذا حصل حمل مع تأخر الدخول ربما يحصل في ذلك ريبة؛ فإذا خشي الإنسان هذا الأمر فليمنع نفسه لئلا يحصل ريبة عند العامة. ٤ - ومن فوائد الآية: أن الزوجة ستر للزوج؛ وهو ستر لها؛ وأن بينهما من القرب كما بين الثياب، ولابسيها؛ ومن التحصين للفروج ما هو ظاهر؛ لقوله تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾. ٥ - ومنها: إثبات العلة في الأحكام؛ لقوله تعالى: ﴿هن لباس لكم﴾؛ لأن هذه الجملة لتعليل التحليل. ٦ - ومنها: ثبوت علم الله بما في النفوس؛ لقوله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾. ٧ - ومنها: أن الإنسان كما يخون غيره قد يخون نفسه؛ وذلك إذا أوقعها في معاصي الله، فإن هذا خيانة؛ وعلى هذا فنفس الإنسان أمانة عنده؛ لقوله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾. ٨ - ومن فوائد الآية: إثبات التوبة لله؛ لقوله تعالى: ﴿فتاب عليكم﴾؛ وهذه من الصفات الفعلية. ٩ - ومنها: إثبات عفو الله؛ لقوله تعالى: ﴿وعفا عنكم﴾. ١٠ - ومنها: ثبوت النسخ خلافاً لمن أنكره؛ وهو في هذه الآية صريح؛ لقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ يعني: وقبل الآن لم يكن حلالاً. ١١ - ومنها: أن النسخ إلى الأخف نوع من التوبة إلا أن يراد بقوله تعالى: ﴿تاب عليكم وعفا عنكم﴾ ما حصل من اختيانهم أنفسهم. ١٢ - ومنها: جواز مباشرة الزوجة على الإطلاق بدون تقييد؛ ويستثنى من ذلك الوطء في الدبر، والوطء حال الحيض، أو النفاس. ١٣ - ومنها: أنه ينبغي أن يكون الإنسان قاصداً بوطئه طلب الولد؛ لقوله تعالى: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾؛ وذكروا عن عمر ﵁ أنه لا يجامع إلا إذا اشتهى الولد؛ ولكن مع ذلك لا يمنع الإنسان أن يفعل لمجرد الشهوة؛ فهذا ليس فيه منع؛ بل فيه أجر؛ لقول النبي ﷺ : «وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم؛ أرأيتم لو وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم؛ قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» (٣). ١٤ - من فوائد الآية: جواز الأكل، والشرب، والجماع في ليالي الصيام حتى يتبين الفجر؛ لقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين﴾.

стр. 1411

أخذ بعض أهل العلم من هذا استحباب السُّحور، وتأخيره؛ وهذا الاستنباط له غور؛ لأنه يقول: إنما أبيح الأكل والشرب ليلة الصيام رفقاً بالمكلف؛ وكلما تأخر إلى قرب طلوع الفجر كان أرفق به؛ فما دام نسخ التحريم من أجل الرفق بالمكلف فإنه يقتضي أن يكون عند طلوع الفجر أفضل منه قبل ذلك؛ لأنه أرفق؛ وهذا استنباط جيد تعضده الأحاديث - مثل قول الرسول ﷺ : «تسحروا فإن في السَّحور بركة» -؛ ففيه بركة لكونه معيناً على طاعة الله؛ وفيه بركة لأنه امتثال لأمر رسول الله ﷺ ؛ وفيه بركة لأنه اقتداء برسول الله ﷺ ؛ وفيه بركة لأنه يغني عن عدة أكلات، وشرابات في النهار؛ وفيه بركة لأنه فصل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب؛ فهذه خمسة أوجه من بركته. ١٥ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان لو طلع عليه الفجر وهو يجامع، ثم نزع في الحال فلا قضاء عليه، ولا كفارة؛ لأن ابتداء جماعه كان مأذوناً فيه؛ ولكن استدامته بعد أن تبين الفجر حرام، وعلى فاعله القضاء والكفارة، إلا أن يكون جاهلاً؛ وقد قيل: إنه إذا نزع في هذه الحال فعليه كفارة؛ لأن النزع جماع؛ لكنه قول ضعيف؛ إذ كيف نلزمه بالقضاء والكفارة مع قيامه بما يجب عليه - وهو النزع -. ١٦ - ومنها: جواز أن يصبح الصائم جنباً، لأن الله أباح الجماع حتى يتبين الفجر، ولازم هذا أنه إذا أخر الجماع لم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه كان يصبح جنباً من جماع أهله، ثم يصوم (١). ١٧ - ومنها: جواز الأكل، والشرب، والجماع مع الشك في طلوع الفجر؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يتبين﴾؛ فإن تبين أن أكله، وشربه، وجماعه، كان بعد طلوع الفجر فلا شيء عليه. ١٨ - ومنها: رد قول من قال: إنه يجوز أن يأكل الصائم، ويشرب إلى طلوع الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾؛ وكذلك رد قول من قال: إنه يجوز أن يأكل ويشرب إلى الغلس. ١٩ - ومن فوائد الآية: بيان خطأ بعض جهال المؤذنين الذين يؤذنون قبل الفجر احتياطاً - على زعمهم -؛ لأن الله تعالى أباح الأكل، والشرب، والجماع، حتى يتبين الفجر؛ ولأن النبي ﷺ قال: «إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» (٢)؛ وهو أيضاً مخالف للاحتياط؛ لأنه يستلزم أن يمتنع الناس مما أحل الله لهم من الأكل، والشرب، والجماع، وأن يقدِّم الناس صلاة الفجر قبل طلوع الفجر؛ وأيضاً فإنه يفتح باباً للمتهاون، حيث يعلم أنه أذن قبل الفجر فلا يزال يأكل إلى أمد مجهول، فيؤدي إلى الأكل بعد طلوع الفجر من حيث لا يشعر؛ ثم اعلم أن الاحتياط الحقيقي إنما هو في اتباع ما جاء في الكتاب، والسنة - لا في التزام التضييق والتشديد -. ٢٠ - ومن فوائد الآية: أنه لو أكل الإنسان يظن أن الفجر لم يطلع، ثم تبين أنه طلع فصيامه صحيح؛ لأنه قد أذن له بذلك حتى يتبين له الفجر؛ وما كان مأذوناً فيه فإنه لا يرتب عليه إثم، ولا ضمان، ولا شيء؛ ومن القواعد الفقهية المعروفة: «ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون»؛ وهذا هو ما تؤيده العمومات، مثل قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ وقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ [الأحزاب: ٥]؛ وتؤيده أيضاً نصوص خاصة في هذه المسألة نفسها - وهو فعل عدي بن حاتم ﵁، حيث كان يضع عقالين تحت وسادته أحدهما أبيض، والآخر أسود -؛

стр. 1412

فيأكل وهو يتسحر حتى يتبين له العقال الأبيض من العقال الأسود، ثم يمسك؛ فأخبر النبي ﷺ ، وبين له النبي ﷺ المراد في الآية، ولم يأمره بالقضاء (١). ٢١ - ومن فوائد الآية: الإيماء إلى كراهة الوصال؛ لقوله تعالى: ﴿كلوا واشربوا حتى يتبين﴾؛ والوصال معناه أن يقرن الإنسان صوم يومين جميعاً لا يأكل بينهما؛ وقد كان الوصال مباحاً، ثم نهاهم الرسول ﷺ عنه، وقال: «أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» (٢)؛ ورغب ﷺ في تعجيل الفطر، فقال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» (٣)؛ وهذا من باب أن الشيء قد يكون مأذوناً فيه، وليس بمشروع؛ فالوصال إلى السَّحَر مأذون فيه، ولكن ليس بمشروع؛ ومثال آخر: الصدقة عن الميت: فهذا أمر مأذون فيه، وليس بمشروع. ٢٢ - ومن فوائد الآية: أن الاعتبار بالفجر الصادق الذي يكون كالخيط ممتداً في الأفق؛ وذكر أهل العلم أن بين الفجر الصادق والفجر الكاذب ثلاثة فروق: الفرق الأول: أن الصادق مستطير معترض من الجنوب إلى الشمال؛ والكاذب مستطيل ممتد من الشرق إلى الغرب. والفرق الثاني: أن الصادق متصل بالأفق؛ وذاك بينه، وبين الأفق ظلمة. والفرق الثالث: أن الصادق يمتد نوره، ويزداد؛ والكاذب يزول نوره ويظلم. ٢٣ - ومن فوائد الآية: أن بياض النهار، وسواد الليل يتعاقبان، فلا يجتمعان؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾. ٢٤ - ومنها: أن الأفضل المبادرة بالفطر؛ لقوله تعالى: ﴿إلى الليل﴾؛ وقد جاءت السنة بذلك صريحاً، كما في قوله ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». ٢٥ - ومنها: أن الصيام الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾. ٢٦ - ومنها: أن الصيام الشرعي ينتهي بالليل؛ لقوله تعالى: ﴿إلى الليل﴾؛ وقد فسر النبي ﷺ ذلك بقوله ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا -، وأدبر النهار من هاهنا - وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (٤). ٢٧ - ومنها: الإشارة إلى مشروعية الاعتكاف؛ لأن الله أقره، ورتب عليه أحكاماً، وقوله تعالى: ﴿في المساجد﴾ بيان للواقع؛ لأن الاعتكاف المشروع لا يكون إلا في المساجد. ٢٨ - ومنها: أن الاعتكاف مشروع في كل مسجد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿في المساجد﴾؛ فلا يختص بالمساجد الثلاثة - كما قيل به -؛ وأما حديث حذيفة: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» (٥) - يعني المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى - فإن صح فالمراد به الاعتكاف الكامل. ٢٩ - ومنها: أن ظاهر الآية أن الاعتكاف يصح في كل مسجد - وإن لم يكن مسجد جماعة -؛ وهذا الظاهر غير مراد لوجهين:

стр. 1413

الوجه الأول: أن «أل» في ﴿المساجد﴾ للعهد الذهني؛ فتكون دالة على أن المراد بـ ﴿المساجد﴾ المساجد المعهودة التي تقام فيها الجماعة. الوجه الثاني: أنه لو جاز الاعتكاف في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة للزم من ذلك أحد أمرين: إما ترك صلاة الجماعة - وهي واجبة -؛ وإما كثرة الخروج إليها - وهذا ينافي الاعتكاف، أو كماله -. ٣٠ - ومن فوائد الآية: النهي عن مباشرة النساء حال الاعتكاف. ٣١ - ومنها: أن الجماع مبطل للاعتكاف؛ وجه كونه مبطلاً أنه نهي عنه بخصوصه؛ والشيء إذا نهي عنه بخصوصه في العبادة كان من مبطلاتها. ٣٢ - ومنها: ما استنبطه بعض أهل العلم أن الاعتكاف يكون في رمضان، وفي آخر الشهر؛ لأن الله ذكر حكمه عقب آية الصيام؛ وهذا هو الذي جاءت به السنة: فإن النبي ﷺ لم يعتكف إلا في العشر الأواخر من رمضان حين قيل له: «إن ليلة القدر في العشر الأواخر»؛ وكان اعتكافه في العشر الأول، والأوسط يتحرى ليلة القدر؛ فلما قيل له: «إنها في العشر الأواخر» ترك الاعتكاف في العشر الأول، والأوسط. ٣٣ - ومنها: أن أوامر الله حدود له؛ وكذلك نواهيه؛ لقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله﴾. ٣٤ - ومنها: أنه ينبغي البعد عن المحارم؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تقربوها﴾؛ وفي الحديث عن النبي ﷺ : «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه، وعرضه؛ ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه؛ ألا وإن لكل ملِك حمى؛ ألا وإن حمى الله محارمه» (١). ٣٥ - ومنها: أن الله يبين للناس الآيات الكونية، والشرعية؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله آياته للناس﴾؛ والآيات الكونية هي المخلوقات؛ فكل المخلوقات ذواتها، وصفاتها، وأحوالها من الآيات الكونية، كما قال تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر﴾ [فصلت: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً﴾ [الروم: ٢١]، وقال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ [الروم: ٢٠] ... إلخ؛ وكانت المخلوقات آية لله؛ لأنه لا أحد من المخلوق يصنع مثلها. والآيات الشرعية: هي ما أنزله الله تعالى على رسله، وأنبيائه من الوحي؛ فإنها آيات شرعية تدل على كمال منزلها في العلم، والرحمة، والحكمة، وغير ذلك مما تقتضيه أحكامها، وأخبارها؛ وجه ذلك أنك إذا تأملت أخبارها وجدتها في غاية الصدق، والبيان، والمصلحة، كما قال تعالى: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن﴾ [يوسف: ٣]؛ فأحسن الأخبار أخبار الوحي: القرآن، وغيره؛ وأصلحها للخلق قصصها، كما قال تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ [يوسف: ١١١]؛ وإذا تأملت أحكامها وجدتها أحسن الأحكام، وأصلحها للعباد في معاشهم، ومعادهم، كما قال تعالى: ﴿ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون﴾ [المائدة: ٥٠]؛ ولو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل الأحكام التي أنزلها الله على رسوله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً؛ بهذا تكون آية على ما تقتضيه من صفات الله . ٣٦ - ومن فوائد الآية: الرد على أهل التعطيل، وغيرهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه في أسماء الله، وصفاته؛ وجه ذلك أنهم لما قالوا: المراد بـ «اليد» النعمة، أو القوة؛ والمراد بـ «الاستواء» الاستيلاء؛ والمراد بكذا كذا - وهو خلاف ظاهر اللفظ، ولا دليل عليه - صار القرآن غير بيان للناس؛ لأنه ما دام أن البيان خلاف ما ظهر فلا بيان.

стр. 1414

٣٧ - ومنها: أن العلم سبب للتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿لعلهم يتقون﴾؛ ووجهه أنه ذكره عقب قوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله آياته للناس﴾؛ فدل هذا أنه كلما تبينت الآيات حصلت التقوى؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]؛ فكلما ازداد الإنسان علماً بآيات الله ازداد تقًى؛ ولهذا يقال: من كان بالله أعرف كان منه أخوف. ٣٨ - ومنها: علو مرتبة التقوى؛ لكون الآيات تبين للناس من أجل الوصول إليها. مسألة: لو أذن المؤذن للفجر وفي يد الصائم الإناء يشرب منه فهل يجب عليه أن ينزل الإناء، أو له أن يقضي نهمته منه؟ على مذهب الإمام أحمد يجب أن ينزل الإناء؛ بل يجب لو كان في فمه ماء لفْظه؛ وكذلك الطعام؛ وهذا هو ظاهر القرآن؛ لكن ورد في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة بإسناد صححه أحمد شاكر بأنه لو أذن المؤذن والإناء في يدك فلا تضعه حتى تقضي حاجتك منه (١)؛ فإن كان هذا الحديث صحيحاً فإنه يحمل على أن المؤذن قد احتاط فيؤذن قبل الفجر - أي لا يؤخر الأذان إلى أن يطلع الفجر -؛ لأنه قد يؤذن وهو لم يتبين له كثيراً فسُمح للإنسان أن يقضي نهمته من الإناء الذي في يده؛ وإنما حملناه على ذلك لظاهر الآية، ولقول النبي ﷺ : «إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا، واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» (٢)، وقد يقال: الحديث على ظاهره؛ ووجهه: أن هذا الشارب شرع في شربه في وقت يسمح له فيه، فكان آخر شربه تبعاً لأوله، كما قال النبي ﷺ : «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»؛ ويكون هذا مما سامح به الشارع. القرآن ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨] التفسير: ولا يأكل بعضكم مال بعض بسبب باطل كاليمين الكاذبة، والغصب، والسرقة، والرشوة، والربا ونحو ذلك، ولا تلقوا بالحجج الباطلة إلى الحكام؛ لتأكلوا عن طريق التخاصم أموال طائفة من الناس بالباطل، وأنتم تعلمون تحريم ذلك عليكم. في سبب نزول الآية: قال الواحدي: " قال مقاتل بن حيان: نزلت هذه الآية في امرئ القيس بن عابس الكندي، وفي عبدان بن أشوع الحضرمي، وذلك أنهما اختصما إلى النبي ﷺ في أرض

стр. 1415

وكان امرؤ القيس المطلوب وعبدان الطالب، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فحكم عبدان في أرضه، ولم يخاصمه" (١). قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، أي: " ولا يأكلْ بعضكم أموال بعضٍ فيما بينكم بالباطل" (٢). قال الطبري: " وأكله ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: أكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه، إذ جعل تعالى ذكره بذلك آكلَ مال أخيه بالباطل، كالآكل مالَ نَفسه بالباطل، ونَظيرُ ذلك قولهُ تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة الحجرات: ١١] (٣)، وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٩] بمعنى: لا يلمزْ بعضكم بعضا، ولا يقتُلْ بعضكم بعضا، لأن الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه، ولامزُه كلامز نفسه" (٤). قال الواحدي: " أي: لا يأكل بعضكم مالَ بعضٍ. فأضافَ الأموالَ إليهم؛ لأن المؤمنين كجسد واحدٍ في توادِّهم وتعاطفِهم وتَرَاحمِهم، كذا قال رسول الله ﷺ (٥)، ومثله قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] " (٦). والعرب تكني عن نفسها بأخواتها، وعن أخواتها بأنفسها، فتقول: أخي وأخوك أيُّنا أبطش. يعني: أنا وأنت نصْطرع، فننظر أيُّنا أشدّ، فيكني المتكلم عن نفسه بأخيه، لأن أخا الرجل عندها كنفسه، ومن ذلك قول ثعلبة بن عمرو العبدي (٧): أخِي وَأَخُوكَ بِبَطْنِ النُّسَيْرِ ... لَيْسَ بِهِ مِنْ مَعَدٍّ عَرِيبْ (٨)

стр. 1416

قال القرطبي: " الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد ﷺ ، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق. فيدخل في هذا: القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه، كمهر البغي وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك. ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع لأن الغبن كأنه هبة، على ما يأتي بيانه في سورة "النساء". وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهما منهيا ومنهيا عنه، كما قال: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]. وقال قوم: المراد بالآية ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] أي في الملاهي والقيان والشرب والبطالة، فيجيء على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين" (١). وفي الآية إن المراد بالأكل ما هو أعم منه، فيشمل الانتفاع بغير الأكل من الملبوسات، والمفروشات، والمسكونات، والمركوبات؛ لكنه خَص الأكل؛ لأنه أقوى وجوه الانتفاع؛ الإنسان ينتفع في المال ببناء مسكن له وهو منفصل عنه؛ ويفترش الفراش فينتفع به وهو منفصل عنه إلا أنه ألصق به من البيت؛ ويلبس ثوباً فينتفع به وهو منفصل عنه؛ إلا أنه ألصق به من الفراش؛ والإنسان يأكل الأكل فينتفع وهو متصل ممازج لعروقه؛ فكان أخص أنواع الانتفاع، وألصقها بالمنتفع؛ ولهذا ذكر بعض أهل العلم ﵏ أن الإنسان إذا كان عنده مال مشتبه ينبغي أن يصرفه في الوقود؛ لا يصرفه في الأكل والشرب يتغذى بهما البدن وهما أخص انتفاع بالمال؛ فإذا كان الله تعالى يقول: ﴿لا تأكلوا أموالكم﴾ وهو أخص الانتفاع، والذي قد يكون الإنسان في ضرورة إليه: لو لم يفعل لهلك، لو لم يأكل لمات فكيف بغيره! ! ! وقوله تعالى ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي في العقود من إجارات، وبيوع، ورهون، وغيرها؛ لأن هذه تقع بين اثنين؛ فتصدق البينية فيها (٢). و(الباطل): "كل ما أخذ بغير حق" (٣). قال الواحدي: " معنى (الباطل) في اللغة: الذاهب الزائل، يقال: بَطَلَ الشيء يبطُل بُطْلًا وبُطولًا فهو باطل، ويجمع الباطل: بَوَاطل، وأَبَاطِيل جمع أُبْطُولَة، ويقال: بَطَل الأجيرُ يَبْطُلُ بِطَالَة، إذا تَعَطَّل واتبع اللهو، ومثله: تبطّل" (٤). قال القرطبي: " الباطل في اللغة: الذاهب الزائل، يقال: بطل يبطل بطولا وبطلانا، وجمع الباطل بواطل. والأباطيل جمع البطولة، وتبطل أي اتبع اللهو. وأبطل فلان إذا جاء بالباطل. وقوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ [فصلت: ٤٢] قال قتادة: هو إبليس، لا يزيد في القرآن ولا ينقص. وقوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] يعني الشرك والبطلة: السحرة" (٥). ويحتمل قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وجهان من التفسير (٦): أحدهما: بالغصب والظلم. والثاني: بالقمار والملاهي. قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، "أي تدفعوها إِلى الحكام رشوة" (٧). قال الطبري: أي " وتخاصموا بها يعني: بأموالكم إلى الحكام" (٨).

стр. 1417

قال الزمخشري: أي: " وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة" (١). قال الواحدي: " أي: تلقون أمورَ تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام" (٢). قال الإمام الشوكاني: " المعنى: أنكم لا تجمعوا بين أكل الأموال بالباطل وبين الإدلاء بها إلى الحكام بالحجج الباطلة" (٣). قال القرطبي: "فالحكام اليوم عين الرشا لا مظنته، ولا حول ولا قوة إلا بالله" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وجهان (٥): أحدهما: أي تتوصلوا بها إلى الحكام لتجعلوا الحكام وسيلة لأكلها، بأن تجحد الحق الذي عليك وليس به بينة؛ ثم تخاصمه عند القاضي، فيقول القاضي للمدعي عليك: (هاتِ بينة)؛ وإذا لم يكن للمدعي بينة توجهت عليك اليمين؛ فإذا حلفت برئت؛ فهنا توصلت إلى جحد مال غيرك بالمحاكمة. والثاني: أن المعنى: توصلوها إليهم بالرشوة ليحكموا لكم. وكلا القولين صحيح، والله أعلم. قال مجاهد في قول الله: " ﴿وتُدلوا بها إلى الحكام﴾، قال: لا تخاصم وأنت ظالم" (٦). وقال قتادة في قوله: " ﴿وتدلوا بها إلى الحكام﴾ قال: لا تدلِ بمال أخيك إلى الحاكم وأنتَ تعلم أنك ظالم، فإن قضاءه لا يُحلّ لك شيئا كان حراما عليك" (٧)، وروي عن السدي (٨)، وعكرمة (٩)، وابن زيد (١٠)، نحو ذلك. وفي هذا المال قولان (١١): أحدهما: أنه الودائع وما لا تقوم به بينة من سائر الأموال التي إذا جحدها، حكم بجحوده فيها. والثاني: أنها أموال اليتامى التي هو مؤتمي عليها. قال الطبري: وأصل (الإدلاء): إرسال الرجل الدلو في سَبب متعلقا به في البئر، فقيل للمحتج لدعواه: " أدلَى بحجة كيت وكيت " إذا كان حجته التي يحتج بها سببا له، هو به متعلقٌ في خصومته، كتعلق المستقي من بئر بدَلو قد أرسلها فيها بسببها الذي الدلو به متعلقة، يقال فيهما جميعا - أعني من الاحتجاج، ومن إرسال الدلو في البئر بسبب: " أدلى فلان بحجته، فهو يُدلي بها إدلاء وأدلى دلوه في البئر، فهو يدليها إدلاء" (١٢).

стр. 1418

قال الماوردي: " ﴿وَتُدْلُوا بِهَآ إِلَى الْحُكَّامِ﴾، مأخوذ من إدلاء الدلو إذا أرسلته، ويحتمل وجهاً ثانياً معناه: وتقيموا الحجة بها عند الحاكم، من قولهم: قد أدلى بحجته إذا قام بها" (١). وقال الواحدي: " وأصل (الإدلاء) في اللغة: إرسال الدلو وإلقاؤها في البئر، قال الله تعالى: ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ [يوسف: ١٩]، ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاءً، ومنه يقال للمحتج: أدلى بحجته، كأنه يرسلها ليصل إلى مراده إدلاءَ المستقى الدلوَ ليصل إلى مطلوبه من الماء، ويقال: فلان يُدلي إلى الميت بقرابة ورَحِم، إذا كان يَمت إليه من هذا؛ لأنه يطلب الميراث بتلك القرابة طلب المستقي الماء بالدلو" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وجهان من الإعراب (٣): أحدهما: أن يكون قوله: ﴿وتُدْلوا﴾ جزما عطفا على قوله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، أي: ولا تدلوا بها إلى الحكام، وقد ذُكر أن ذلك كذلك في قراءة أُبَيٍّ بتكرير حرف النهي: ﴿وَلا تدلوا بها إلى الحكام﴾. قال الزمخشري: " و ﴿تدلوا﴾: مجزوم، داخل في حكم النهى" (٤). والثاني: النصب على الصرْف، أي: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وأنتم تدلون بها إلى الحكام، كما قال الشاعر (٥): لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ يعني: لا تنه عن خلق وأنتَ تأتي مثله قال الطبري: "وهو أنْ يكون في موضع جزم على ما ذُكر في قراءة أبيّ أحسن منه أن يكون نَصبا" (٦). قوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، "أي ليعينوكم على أخذ طائفة من أموال الناس بالباطل" (٧). قد يقول قائل: إن في قوله تعالى: ﴿لتأكلوا﴾ إشكالاً؛ لأنه تعالى قال: ﴿ولا تأكلوا﴾، ثم قال تعالى: ﴿لتأكلوا﴾ كيف يعلل الحكم بنفس الحكم؟ فنقول: إن اللام هنا ليست للتعليل؛ اللام هنا للعاقبة - يعني أنكم إذا فعلتم ذلك وقعتم في الأكل - أكل فريق من أموال الناس -؛ وتأتي اللام للعاقبة، كما في قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً﴾ [القصص: ٨]: فآل فرعون لم يلتقطوه لهذا الغرض؛ ولكن كانت هذه العاقبة (٨). و﴿فَرِيقًا﴾: "يعني قطعة وطائفة (٩)، "وسمي فريقاً؛ لأنه يُفْرَق عن غيره؛ فهذا فريق من الناس، يعني طائفة منهم افترقت، وانفصلت" (١٠).

стр. 1419

قال الإمام الشوكاني: " ﴿﴿فَرِيقًا﴾، أي قطعة أو جزءا أو طائفة فعبر بالفريق عن ذلك، واصل الفريق القطة من الغنم تشذ عن معظمها وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير لتأكلوا أموال فريق من الناس بالإثم" (١). ولو قال قائل: قد يأكل كل مال المدعى عليه لا فريقاً منه؟ فالجواب من وجهين (٢): الأول: أنه لو أكل جميع مال المدعى عليه لم يأكل جميع أموال الناس؛ لأن مال المدعى عليه فريق من أموال الناس. الثاني: أنه إذا كان النهي عن أكل فريق من أموال المدعى عليه فهو تنبيه بالأدنى على الأعلى. قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، قيل: " هي أموال الأيتام، وقيل: هي الودائع. والأوْلى العموم، وأن ذلك عبارة عن أخذ كل مال يتوصل إليه في الحكومة بغير حق" (٣). و﴿بِالْإِثْمِ﴾: معناه: " بالظلم والتعدي، وسمي ذلك إثما لما كان الإثم يتعلق بفاعله" (٤). قال الثعلبي: "بالباطل" (٥). قال ابن عباس: "باليمين الكاذبة يقطع بها مال أخيه" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وجهان (٧): أحدهما: لتأكلوا بعض أموال الناس بالإثم، فعبر عن البعض بالفريق. والثاني: على التقديم والتأخير، وتقديره: لتأكلوا أموال فريق من الناس بالإثم. وفي (أكله) ثلاثة أوجه (٨): أحدها: بالجحود. قاله ابن عباس (٩)، والحسن (١٠)، ومقاتل بن حيان (١١)، وسعيد بن جبير (١٢)، وقتادة (١٣)، والسدي (١٤)، وعكرمة (١٥)، وابن زيد (١٦). والثاني: بشهادة الزور. قاله الكلبي (١٧). والثالث: برشوة الحكام. وقال أهل المعاني: الأكلُ بالباطل على وجهين (١٨): أحدهما: أن يكون على جهة الظلم، من نحو: الغَصْب والخيانة والسرقة.

стр. 1420

والثاني: على جهة اللهو واللعب، كالذي يُؤْخَذُ في القمار والملاهي ونحوها، كلُّ ذلك من أكل المال الباطل. قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]، أي: وأنتم تعلمون" أنكم مبطلون تأكلون الحرام" (١). قال سعيد بن جبير: " يعني تعلمون أنكم تدعون الباطل" (٢). قال الثعلبي: أي: " إنكم مبطلون" (٣). قال القرطبي: "أي "بطلان ذلك وإثمه، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية" (٤). قال الزمخشري: " ولاريب بأن "ارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح، وصاحبه أحق بالتوبيخ" (٥). قال ابن عباس: "فهذا في الرجل يكون عليه مالٌ، وليس عليه فيه بيِّنة، فيجحد المال، فيخاصمهم فيه إلى الحكام وهو يعرف أنّ الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم: آكلٌ حراما" (٦). وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة: أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "ألا إنما أنا بَشَر، وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار، فَلْيَحْملْهَا، أو ليذَرْها" (٧). قال ابن كثير: "فدلت هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث على أنّ حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يُحلّ في نفس الأمر حرامًا هو حرام، ولا يحرم حلالا هو حلال، وإنما هو يلزم في الظاهر، فإن طابق في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجرُه وعلى المحتال وزْره؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾ [أي: طائفة] ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجون في كلامكم" (٨). وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]، معنيان (٩): أحدهما: وأنتم تعلمون أنها للناس. والثاني: وأنتم تعلمون أنها إثم. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: تحريم أكل المال بالباطل؛ و «الباطل» كل شيء ليس لك به حق شرعاً. ٢ - ومنها: حرص الشارع على حفظ الأموال؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾؛ ولأن الأموال تقوم بها أمور الدين، وأمور الدنيا، كما قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً﴾ [النساء: ٥]. ٣ - ومنها: تحريم الرشوة؛ لقوله تعالى: ﴿وتدلوا بها إلى الحكام﴾ على أحد التفسيرين، كما سبق. ٤ - ومنها: أن الحاكم يحكم بما ظهر له - يعني يقضي بما سمع -؛ كما قال الرسول ﷺ : «إنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع» (١٠)؛ لقوله تعالى: ﴿وتدلوا بها إلى الحكام﴾؛ وهذه فيمن يدعي ما ليس له، ويخاصم، ويقيم بينة كذباً؛ أو يجحد ما عليه، ويخاصم، ويحلف كاذباً؛ كل هذا من الإدلاء بها إلى الحكام؛

стр. 1421

لكن إن علم الحاكم أن الحق بخلاف ما سمع فالواجب عليه التوقف في الحكم، وإحالة القضية إلى حاكم آخر ليكون هو شاهداً بما علم. ٥ - ومن فوائد الآية: تيسير الله على الحكام بين الناس، حيث لا يعاقبهم على الأمور الباطنة؛ وإلا لكان الحكام في حرج، ومشقة؛ وجه ذلك من الآية أن الحاكم إذا حكم بما ظهر له - وإن كان خلاف الواقع - فلا إثم عليه. ٦ - ومنها: أن من حُكم له بما يعتقد أنه حق فلا إثم عليه؛ لكن لو تبين له بعد الحكم أنه لا حق له وجب عليه الرجوع إلى الحق؛ مثاله: لو فرض أن غريمه أوفاه؛ لكنه ناسٍ، وحلف أنه لم يوفه، وحُكم له فلا إثم عليه؛ لكن متى ذكر أنه قد أوفي وجب عليه رد المال إلى صاحبه. ٧ - أجمع أهل السنة على أن من أكل مالا حرامًا ولو ما يصدق عليه اسم المال أنه يفسق، وقال بشر بن المعتمر في طائفة من المعتزلة: لا يفسق إلا بأكل مائتى درهم فما زاد، ولا يفسق بما دون ذلك، وقال الجبائي: يفسق بأكل درهم فما فوقه إلا بما دونه (١). ٨ - من الفوائد: أن "الحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي، لأنه إنما يقضي بالظاهر" (٢). القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ [البقرة: ١٨٩] التفسير: يسألك أصحابك -أيها النبي-: عن الأهلة وتغيُّر أحوالها، قل لهم: جعل اللهُ الأهلة علامات يعرف بها الناس أوقات عباداتهم المحددة بوقت مثل الصيام والحج، ومعاملاتهم. وليس الخير ما تعودتم عليه في الجاهلية وأول الإسلام من دخول البيوت من ظهورها حين تُحْرِمون بالحج أو العمرة، ظانين أن ذلك قربة إلى الله، ولكن الخير هو فِعْلُ مَنِ اتقى الله واجتنب المعاصي، وادخلوا البيوت من أبوابها عند إحرامكم بالحج أو العمرة، واخشوا الله تعالى في كل أموركم، لتفوزوا بكل ما تحبون من خيري الدنيا والآخرة. اختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، على قولين (٣): أحدهما: أنها "نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاريين قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يمتلئ نورا ثم يعود دقيقا كما بدأ ولا يكون على حالة واحدة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ " (٤). وقال الواحدي: " قال معاذ بن جبل: يا رسول الله إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٥). والثاني: قال ابن عباس: "سأل الناسُ رسول الله ﷺ عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس﴾، يعلمون بها حَلّ دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم" (٦). وروي عن قتادة (٧)، والربيع (٨)، وابن جريج (٩)، نحو ذلك.

стр. 1422

وأما سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، ففيه وجوه: أحدهما: أخرج الواحدي والطبري، وغيرهما عن البراء بن عازب أنه قال: "كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل فدخل من قبل باب، فكأنه عير بذلك، فنزلت هذه الآية" (١). والثاني: أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن عطاء قال: " كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم، دخلوا البيوت من ظهورها ويرون أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ " (٢). والثالث: أخرج الواحدي عن جابر قال: "كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينما رسول الله ﷺ في بستان، إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله إن قطبة بن عامر رجل فاجر وإنه خرج معك من الباب فقال له: "ما حملك على ما صنعت؟ " قال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت. فقال: "إني أحمسي" قال: فإن ديني دينك، فأنزل الله: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ " (٣). وأخرج الطبري عن الزهري (٤) مثل ذلك. والرابع: وقال المفسرون: كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه، فإن كان من أهل المدن نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلما فيصعد فيه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك دينا إلا أن يكون من الحمس، وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخثعم وبنو عامر بن صعصعة وبنو النضر بن معاوية سموا حمسا لشدتهم في دينهم، قالوا: فدخل رسول الله ﷺ ذات يوم بيتا لبعض الأنصار، فدخل رجل من الأنصار على أثره من الباب وهو محرم، فأنكروا عليه، فقال له رسول الله ﷺ "لم دخلت من الباب وأنت محرم؟ " فقال: رأيتك دخلت من الباب فدخلت على أثرك، فقال رسول الله ﷺ "إني أحمسي" قال الرجل: إن كنت أحمسيا فإني أحمسي، ديننا واحد رضيت بهديك وسمتك ودينك، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٥). وأخرج الطبري عن الزهري مثله (٦). قال ابن حجر معلقا على كلام الواحدي: " وهذا جمعه من آثار مفرقة ولم أجده عن واحد معين" (٧). والسادس: قال الماوردي ما حاصله أنه قيل: إنها نزلت في من كان يأتي النساء في غير قبلهن، وكنى عن النساء بالبيوت للإِيواء إليهن، وعن الوطء في غير القبل بالإتيان من جهة الظهر، ونسبه لابن زيد (٨).

стр. 1423

واستبعده ابن عطية قائلاً: " ... فبعيد مغير نمط الكلام (١). السابع: وقال الماوردي أيضا: "أنه في النسيء وتأخير الحج به، حين كانوا يجعلون الشهر الحلال حراماً بتأخير الحج، والشهر الحرام حلالاً بتأخير الحج عنه، ويكون ذكر البيوت وإتيانها من ظهورها مثلاً لمخالفة الواجب في الحج وشهوره، والمخالفة إتيان الأمر من خلفه، والخلف والظهر في كلام العرب واحد، حكاه ابن بحر " (٢). وفي ذلك بعد أيضاً، فإن لم يُحْمَل ما لا بعد فيه مما ورد في سبب نزول الآية على تعدد الأسباب فما في الصحيح أصح (٣) كما قال الحافظ ابن حجر (٤). قال القرطبي: " اتصل هذا [أي دخول البيت من ظهورها] بذكر مواقيت الحج، لاتفاق وقوع القضيتين في وقت السؤال عن الأهلة وعن دخول البيوت من ظهورها، فنزلت الآية فيهما جميعا." (٥). قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]؛ " أي" يسألونك يا محمد عن الهلاك لم يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يعظم ويستدير ثم ينقص ويدق حتى يعود كما كان؟ " (٦). و﴿الأهِلَّةِ﴾ جمع هلال؛ وهو غُرّة القمر حين يراها الناس، يقال لها: هلال ليلتين، ثم يكون قمرًا بعد ذلك (٧). وقال أبو الهيثم: يسمى القمر لليلتين من أول الشهر وليلتين من آخر الشهر: هلالًا، ويسمى ما بين ذلك: قمرًا (٨). واختلف في سبب تسميته هلالا على أقوال (٩): أحدها: أن "الإِهلال الصراخُ " (١٠)، إذ: "سمي به لرفع الناس أصواتهم عند رؤيته " (١١)؛ ومنه: الاستهلال؛ والإهلال هو رفع الصوت، كما في حديث خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال" (١٢)، يعني بالتلبية؛ ومنه قولهم: (استهل المولود) إذا ظهرت حياته بصراخه. والثاني: سمي بذلك "لأنه من البيان والظهورِ، أي: لظهورهِ وقتَ رؤيَتِهِ بعد خَفَائِهِ، ولذلك يُقال: تَهَلَّلَ وَجْهُهُ: ظَهَرَ فيه بِشْرٌ وسرورٌ وإنْ لم يَكُنْ رفَعَ صوتَه" (١٣)، ومنه قول تأبَّط شرّاً (١٤):

стр. 1424

وإذا نَظَرْتَ إلى أَسِرَّةِ وَجْهِه ... بَرَقَتْ كبَرْقِ العارضِ المُتَهَلِّلِ قال الزمخشري: "الشهر: الهلال لشهرته وظهوره، قال ذو الرمة يصف رجلا بحدّة الطّرف (١): فأصبح أجلى الطرفِ ما يستشفه ... يرى الشهرَ قبلَ الناسِ وهو نحيلُ" (٢) قال السمين الحلبي: " يقولون: رأيت الشهر: أي هلاله، ثم أطلق على الزمان لطلوعه فيه" (٣). وفي سبب التعبير بالهلال عن الشهر قولان: أحدهما: لحلوله فيه، كما قال الشاعر (٤): أخوان من نجد على ثقة ... والشهر مثل قلامة الظفر الثاني: أنه سمي شهرا، لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية ويدلون عليه (٥). وقد اختَلَفَ اللغويون: إلى متى يسمى هِلالاً، وفي أقوال (٦): أحدها يسمى هلالًا لليلتين من الشهر ثم لا يسمى هلالًا إِلى أن يعود في الشهر التالي. وهذا قول الجمهور. الثاني: وقيل: يسمى هلالا ثلاث ليال، ثم يكونُ قمراً. الثالث: أنه يسمى القمر لليلتين من أول الشهر وليلتين من آخر الشهر: هلالًا، ويسمى ما بين ذلك: قمرًا. قاله أبو الهيثم (٧). الرابع: أنه يقال له هلالٌ إلى أن يُحَجِّرُ، وتحجيرُه أن يستديرَ له كالخيطِ الرقيق"، ويُقال له بَدْرٌ من الثانيةَ عشرةَ إلى الرابعةَ عشرةَ. قاله الأصمعي (٨). الخامس: وقيل: "يُسَمَّى هلالاً إلى أن يَبْهَرَ ضَوءُه سوادَ الليل، وذلك إنَّما يكونُ في سبعِ ليالٍ". والهلالُ يكونُ اسماً لهذا الكوكبِ، ويكونُ مصدراً، يقال: هَلَّ الشهرُ هلالاً (٩). قال الزجاج: " والذي عندي وما عليه الأكثر أنه يسمى هلالاً ابنَ ليلتين، فإِنه في الثالثة يَبِين ضوؤه" (١٠). والجمهور على إظهار نونِ ﴿عَنْ﴾ قبل (لام) ﴿الأهلَّة﴾، وورش على أصِله من نقلِ حركةِ الهمزةِ إلى الساكنِ قبلَها، وقُرِىءَ شاذاً: ﴿علَّ هِلَّة﴾ وتوجيهُها أنه نَقَلَ حركةَ همزة (أهلة) إلى (لام) ِ التَّعريفِ، وأدغم (نونَ) ﴿عن﴾ في (لام) التعريف لسقوطِ همزةِ الوصلِ في الدذَرْج، وفي ذلك اعتدادٌ بحركةِ الهمزةِ المنقولةِ وهي لغةُ مَنْ يقول: (لَحْمَر) من غيرِ همزةِ وصلٍ (١١). قوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، " أي: فقل لهم إِنها أوقات لعبادتكم ومعالم تعرفون بها مواعيد الصوم والحج والزكاة" (١٢).

стр. 1425

قال البغوي: أي: "فعلنا ذلك ليعلم الناس أوقات الحج والعمرة والصوم والإفطار وآجال الديون وعدد النساء وغيرها، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة" (١). قال البيضاوي: " أمره الله أن يجيب بأن الحكمة الظاهرة في ذلك أن تكون معالم للناس يؤقتون بها أمورهم، ومعالم للعبادات المؤقتة يعرف بها أوقاتها. وخصوصاً الحج فإن الوقت مراعي فيه أداء وقضاء" (٢). قال الثعلبي: " أخبر الله عن الحكمة في زيادة القمر ونقصانه واختلاف أحواله، اعلم إنه فعل ذلك: ليعلم الناس أوقاتهم في حجتهم وعمرتهم وحلّ ديونهم ووعد حلفائهم وأجور أجرائهم ومحيض الحائض ومدة الحامل ووقت الصوم والإفطار وغير ذلك، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة" (٣). قال النيسابوري: " وهي المعالم التي يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدد نسائهم وأيام حيضهن ومدد حملهن ومعالم للحج يعرف بها وقته" (٤). و(المواقيت): "جمع ميقات، من الوقت والفرق بينه وبين المدة والزمان: أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها. والزمان: مدة مقسومة، والوقت: الزمان المفروض لأمر" (٥). وفي قوله تعالى: ﴿وَالْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، قراءتان (٦): إحداهما: ﴿وَالْحَجَّ﴾ بفتح الحاء، وهي قراءة الجمهور. والثانية: ﴿وَالْحَجِّ﴾ بكسرها في جميع القرآن، قرأ بها ابن أبي إسحاق. قال سيبويه: " ﴿َالْحَجَّ﴾ بالفتح، كالرد والشد، وبالكسر كالذكر، مصدران بمعنى، وقيل بالفتح مصدر وبالكسر الإسم" (٧). قال الإمام الشوكاني: " وإنما أفرد سبحانه ﴿الْحَجِّ﴾، بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت ولا يجوز فيه النسيء عن وقته ولعظم المشقة على من التبس عليه وقت مناسكه أو أخطأ وقتها أو وقت بعضها وقد جعل بعض علماء المعاني هذا الجواب أعني قوله ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، من الأسلوب الحكيم وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب تنبيها على أنه الأولى بالقصد، ووجه ذلك أنهم سالوا عن أجرام الأهلة باعتبار زيادتها ونقصانها فأجيبوا بالحكمة التي كانت تلك الزيادة والنقصان لأجلها لكون ذلك أولى بأن يقصد السائل وأحق بأن يتطلع لعلمه" (٨). وردّ الشيخ ابن عثيمين على هذا الرأي قائلا: "وأما ما ذكره أهل البلاغة من أنهم سألوا الرسول ﷺ عن السبب في كون الهلال يبدو صغيراً، ثم يكبر؛ فأجاب الله ببيان الحكمة؛ وقالوا: إن هذا من أسلوب الحكيم أن يجاب السائل بغير ما يتوقع إشارة إلى أنه كان ينبغي أن يُسأل عن هذا؛ فالصواب أنهم لم يسألوا الرسول عن هذا؛ ولكن سألوه عن الحكمة من الأهلة، وأن الله خلقها على هذا الوجه؛ والدليل: الجواب؛ لأن الأصل أن الجواب مطابق للسؤال إلا أن يثبت ذلك بنص صحيح" (٩).

стр. 1426

قلت: ظاهر الأخبار الواردة عن الصحابة الكرام أنهم سألوا عن أحوال شكل الهلال ولكن هذا لايمنع أن يكون المراد من سؤالهم معرفة الحكمة في ذلك. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، أي: "وليس البر أيها الناس بأن تأتوا البيوت في حال إحرامكم من ظهورها" (١). قال الصابوني: " أي ليس البر بدخولكم المنازل من ظهورها كما كنتم تفعلون في الجاهلية" (٢). عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتَوْا البيت من ظهره، فأنزل الله ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ " (٣). و﴿البر﴾: "هو الخير الكثير؛ وسمي الخير براً لما فيه من السعة؛ ومنه في الاشتقاق ﴿الْبِرُّ﴾ - الذي هو الخلاء: وهو ما سوى البنيان - لسعته" (٤). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿الْبُيُوتَ﴾ [البقرة: ١٨٩]، على وجهين (٥): أحدهما: : ﴿الْبُيُوتَ﴾، بضم الباء. قرأ بها أبو عمرو. والثاني: : ﴿الْبُيُوتَ﴾، بكسر الباء. قرأ بها ابن كثير وابن عامر والكسائيّ. واختلف عن نافع فروى المسيّبيّ وقالون: ﴿الْبُيُوتَ﴾ بكسر الباء، وقال ورش عن نافع: أنه ضمّ الباء من الْبُيُوتَ، وكذلك قال إسماعيل بن جعفر وابن جمّاز عنه: أنه ضمّها، واختلف عن عاصم أيضا (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩]؛ أي: " ولكن العمل الصالح الذي يقربكم من الله في اجتناب محارم الله" (٧). قال الزجاج: " أعلمهم أن البر التقي، والمعنى: ولكن البر برُّ من اتقى مخالفةَ أمر اللَّه " (٨). قال البيضاوي: أي" وإنما البر: بر من اتقى المحارم والشهوات" (٩) قال ابن عثيمين: " لأن الاتقاء في مقام العبادة إنما يراد به اتقاء الله ؛ البر هو التقوى؛ هذا هو حقيقة البر؛ لا أن تتقي دخول البيت من بابه" (١٠). قال أبو عبيدة: أي: " اطلبوا البر من أهله ووجهه، ولا تطلبوه عند الجهلة المشركين" (١١). وفي قوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ [البقرة: ١٨٩]، قراءتان (١٢): إحداهما: ﴿وَلكِنَ الْبِرُ مَنِ اتَّقى﴾، بتخفيف النون في ﴿لكِن﴾، ورفع ﴿البر﴾، قرأ بها نافع وابن عامر. على أن تكون ﴿لكن﴾ مخففة من الثقيلة مهملة؛ و ﴿البرُّ﴾ مبتدأ. والثانية: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾، بتشديد النون في ﴿لكِنَّ﴾، ونصب ﴿الْبِرَّ﴾، على أن ﴿لكنّ﴾ عاملة؛ و ﴿الْبِرَّ﴾ اسمها.

стр. 1427

وإن قيل: قوله تعالى: ﴿الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾: ﴿الْبِرَّ﴾ اسم معنى؛ و ﴿مَنِ اتَّقَى﴾ اسم جثة؛ كيف يخبر بالجثة عن اسم المعنى؟ فالجواب أنه يخرج على واحد من أوجه ثلاثة (١): الوجه الأول: أن يكون المصدر هنا بمعنى اسم الفاعل؛ أي: ولكن البار. الوجه الثاني: أن يكون المصدر على تقدير محذوف؛ أي: ولكن البر بر من اتقى. الوجه الثالث: أن هذا على سبيل المبالغة أن يجعل ﴿مَنِ اتَّقَى﴾ نفس البر، كما يصفون المصدر فيقولون: فلان عدل، ورضا. قوله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، أي: "أدخلوها كعادة الناس من الأبواب" (٢). قال الزجاج: " فأمرهم اللَّه بترك سنة الجاهلية في هذه الحماسة" (٣). قال الراغب: " أي تحروا في كل عمل إتيان الشيء من وجهه تنبيها أن ما يطلب من غير وجهه صعب مناله" (٤). قال البيضاوي: " إذ ليس في العدول بر فباشروا الأمور من وجوهها" (٥). قال الطبري: " فأتوها [أي البيوت] من حيثُ شئتُم من أبوابها وغير أبوابها، ما لم تعتقدوا تحريم إتيانها من أبوابها في حال من الأحوال، فإن ذلك غيرُ جائزٍ لكم اعتقادُه، لأنه مما لم أحرمه عليكم" (٦). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩] أي "اتقوا الله لتسعدوا وتظفروا برضاه" (٧). قال البيضاوي: أي: " في تغيير أحكامه والاعتراض على أفعاله، لكي تظفروا بالهدى والبر" (٨). قال ابن عثيمين: " أي: اجعلوا لكم وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، لأجل أن تنالوا الفلاح" (٩). قال الطبري: أي: "واتقوا الله أيها الناس، فاحذروه وارهبوه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه، واجتناب ما نهاكم عنه، لتفلحوا فتنجحوا في طلباتكم لديه، وتدركوا به البقاءَ في جَنَّاته والخلودَ في نعيمه" (١٠). قال الإمام الشوكاني: "أي: تكونون من جملة الفائزين بكل مطلوب وهم المفلحون" (١١). روي عن محمد بن كعب القرظي انه كان يقول في هذه الآية: " ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يقول: لعلكم تفلحون غدا إذا لقيتموني" (١٢). و(الفلاح): "هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب" (١٣).

стр. 1428

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: حرص الصحابة ﵃ على العلم، وأنهم يسألون عن أمور الدين، وأمور الدنيا؛ لأن هذا مما يتعلق بالدنيا. ٢ - ومنها: عناية الله برسوله ﷺ ، حيث يجيب عن الأسئلة الموجهة إليه؛ وهذا من معونة الله للرسول ﷺ ، وعنايته به. ٣ - ومنها: بيان علم الله، وسمعه، ورحمته؛ لقوله تعالى: ﴿يسألونك﴾؛ علم الله بسؤالهم، وسمعه، ورحمهم بالإجابة. ٤ - ومنها: أن الحكمة من الأهلة أنها مواقيت للناس في شؤون دينهم، ودنياهم؛ لقوله تعالى: ﴿مواقيت للناس ٥ - ومنها: أن ميقات الأمم كلها الميقات الذي وضعه الله لهم - وهو الأهلة -؛ فهو الميقات العالمي؛ لقوله تعالى: ﴿مواقيت للناس﴾؛ وأما ما حدث أخيراً من التوقيت بالأشهر الإفرنجية فلا أصل له من محسوس، ولا معقول، ولا مشروع؛ ولهذا تجد بعض الشهور ثمانية وعشرين يوماً، وبعضها ثلاثين يوماً، وبعضها واحداً وثلاثين يوماً من غير أن يكون سبب معلوم أوجب هذا الفرق؛ ثم إنه ليس لهذه الأشهر علامة حسية يرجع الناس إليها في تحديد أوقاتهم - بخلاف الأشهر الهلالية فإن لها علامة حسية يعرفها كل أحد -. ٦ - ومنها: أن الحج مقيد بالأشهر؛ لقوله تعالى: ﴿والحج﴾. ٧ - ومنها: أن البر يكون بالتزام ما شرعه الله، والحذر من معصيته؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن البر من اتقى﴾. ٨ - ومنها: أن العادات لا تجعل غير المشروع مشروعاً؛ لقوله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ مع أنهم اعتادوه، واعتقدوه من البر؛ فمن اعتاد شيئاً يعتقده براً عُرِض على شريعة الله. ٩ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يأتي الأمور من أبوابها؛ لقوله تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾؛ فإن هذه الآية كما تناولت البيوت الحسية كذلك أيضاً تناولت الأمور المعنوية؛ فإذا أردت أن تخاطب مثلاً شخصاً كبير المنزلة فلا تخاطبه بما تخاطب سائر الناس؛ ولكن ائت من الأبواب؛ لا تتجشم الأمر تجشماً؛ لأنك قد لا تحصل المقصود؛ بل تأتي من بابه بالحكمة، والموعظة الحسنة حتى تتم لك الأمور. ١٠ - ومن فوائد الآية: أن الله إذا نهى عن شيء فتح لعباده من المأذون ما يقوم مقامه؛ فإنه لما نفى أن يكون إتيان البيوت من ظهورها من البر بيّن ما يقوم مقامه، فقال تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾؛ وله نظائر منها قوله تعالى: ﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾ [البقرة: ١٠٤]؛ ومنها قول النبي ﷺ لمن قال له: «ما شاء الله وشئت»: «أجعلتني لله نداً؛ بل ما شاء الله وحده» (١)؛ والأمثلة في هذا كثيرة. ١١ - ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾. ١٢ - ومنها: أن التقوى تسمى براً. ١٣ - ومنها: أن التقوى سبب للفلاح؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تفلحون﴾. القرآن ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠] التفسير:

стр. 1429

وقاتلوا -أيها المؤمنون- لنصرة دين الله الذين يقاتلونكم، ولا ترتكبوا المناهي من المُثْلة، والغُلول، وقَتْلِ من لا يحل قتله من النساء والصبيان والشيوخ، ومن في حكمهم. إن الله لا يحب الذين يجاوزون حدوده، فيستحلون ما حرَّم الله ورسوله. في سبب نزول الآية: قا الواحدي: " قال الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله ﷺ لما صد عن البيت هو وأصحابه، نحر الهدي بالحديبية، ثم صالحه المشركون على أن يرجع عامه، ثم يأتي القابل على أن يخلوا له مكة ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء، وصالحهم رسول الله ﷺ ؛ فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله ﷺ وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام، في الحرام فأنزل الله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ يعني قريشا" (١). اختلف أهل التفسير في في حكم هذه الآية، على قولين (٢): أحدهما: أنها أول آية نزلت بالمدينة في قتال المشركين، أُمِرَ المسلمون فيها بقتال مَنْ قاتلهم من المشركين، والكف عمن كف عنهم، ثم نُسِخَتْ بسورة براءة، وهذا قول الربيع (٣)، وابن زيد (٤). والثاني: أنها ثابتة في الحكم، أُمِرَ فيها بقتال المشركين كافة، والاعتداء الذي نهوا عنه: قتل النساء والولدان، وهذا قول ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، وعمر بن عبد العزيز (٧). والراجح هو القول الثاني، أي أن الآية محكمة ولم تنسخ، واختاره جمهور أهل التفسير، وقد اختاره أبو جعفر النحاس فقال: "وهذا أصح القولين في السنة والنظر (٨): فأما السنة: فحديث ابن عمر: " أن رسول الله ﷺ رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فكره ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان (٩).

стр. 1430

وأما النظر: فإن (فاعل) لا يكون في الغالب إلا من اثنين، كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة، والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم، كالرهبان والزمنى والشيوخ والأجراء فلا يقتلون، وبهذا أوصى أبو بكر الصديق ﵁ يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية، أخرجه مالك وغيره (١) (٢).

стр. 1431

قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠]، " أي قاتلوا لإِعلاء دين الله من قاتلكم من الكفار" (١). قال البيضاوي: " جاهدوا لإعلاء كلمته وإعزاز دينه" (٢). قال الزمخشري: و"المقاتلة في سبيل اللَّه: هو الجهاد لإعلاء كلمة اللَّه وإعزاز الدين" (٣). والمرادُ بـ (السبيلِ): دينُ الله، لأنَّ السبيلَ في الأصلِ الطريقُ، فتُجُوِّز به عن الدينِ، لَمّا كان طريقاً إلى الله (٤). قال ابن عثيمين: أي: قاتلوا: "في دينه، وشرعه، ولأجله" (٥). قال الشيخ السعدي: " وفي تخصيص القتال ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حثّ على الإخلاص، ونهي عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين" (٦). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، أي: الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين" (٧). قال ابن عثيمين: " أي: [يقاتلونكم] ليصدوكم عن دينكم؛ وهذا القيد للإغراء، لأن الإنسان إذا قيل له: (قاتل من يقاتلك)، اشتدت عزيمته، وقويت شكيمته" (٨). قال ابن كثير: "إنما هو تَهْييج وإغراء بالأعداء الذين همّتْهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم، كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] " (٩). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، أي: " ولا تظلموا" (١٠). قال الثعلبي: " فتبدؤا في الحرم بالقتال محرمين" (١١). قال القاسمي: أي: "بابتداء القتال، أو بقتال من نهيتم عن قتاله، من النساء، والشيوخ، والصبيان، وأصحاب الصوامع، والذين بينكم وبينهم عهد. أو بالمثلة، أو بالمفاجأة من غير دعوة" (١٢). قال الصابوني: أي "لا تبدأوا بقتالهم، وكان هذا في بدء أمر الدعوة ثم نسخ بآية براءة ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقيل نسخ بالآية التي بعدها وهي قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، أي اقتلوهم حيث وجدتموهم في حل أو حرم" (١٣).

стр. 1432

قال ابن كثير: " أي: قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي ... ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن بُرَيدة أنّ رسول الله ﷺ كان يقول: "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تَغُلّوا، ولا تَغْدروا، ولا تُمَثِّلُوا، ولا تقتلوا وليدًا، ولا أصحاب الصوامع" (١) " (٢). قال السعدي: "والنهي عن الاعتداء (٣)، يشمل أنواع الاعتداء كلها، من قتل من لا يقاتل، من النساء، والمجانين والأطفال، والرهبان ونحوهم والتمثيل بالقتلى، وقتل الحيوانات، وقطع الأشجار [ونحوها]، لغير مصلحة تعود للمسلمين، ومن الاعتداء، مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها، فإن ذلك لا يجوز" (٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] أي: إن الله لا يحب "الذين يجاوزون حدوده" (٥). قال البيضاوي: أي: " لا يريد بهم الخير" (٦). قال الطبري: أي إن الله لا يحب الذين" يستحلُّون ما حرَّمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حَرَّم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم" (٧). قال الصابوني: أي: " فإِنه تعالى لا يحب من ظلم أو اعتدى" (٨). قال القاسمي: ﴿المعتدين﴾ " أي: المتجاوزين حكمه في هذا وغيره " (٩). قال الآلوسي: " ومحبته تعالى لعباده في المشهور عبارة عن إرادة الخير والثواب لهم ولا واسطة بين المحبة والبغض بالنسبة إليه عز شأنه وذلك بخلاف محبة الإنسان وبغضه فإن بينهما واسطة وهي عدمهما" (١٠). قال الراغب: " ونبه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أن اعتداء مرسوم الله وتجاوز حكمه في كل أمر مذموم" (١١). وفي قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، أربعة أقاويل (١٢): أحدها: أن الاعتداء قتال من لم يقاتل. قاله ابن عباس (١٣). والثاني: أنه قتل النساء والولدان. قاله ابن عباس (١٤)، وروي، عن عمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان نحو ذلك (١٥).

стр. 1433

والثالث: أنه القتال على غير الدِّين. والرابع: أنه إتيان المحرمات والمنهيات. قاله الحسن (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب القتال؛ لقوله تعالى: ﴿وقاتلوا﴾؛ ووجوب أن يكون في سبيل الله - أي في شرعه، ودينه، ومن أجله -؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾؛ وقد دل الكتاب والسنة على أنه إذا كان العدو من أهل الكتاب - اليهود، والنصارى - فإنهم يدعون إلى الإسلام؛ فإن أبوا أخذت منهم الجزية؛ فإن أبوا قوتلوا؛ واختلف العلماء فيمن سواهم من الكفار: هل يعاملون معاملتهم؛ أو يقاتلون إلى أن يسلموا؛ والقول الراجح أنهم يعاملون معاملتهم، كما يدل عليه حديث بريدة (٢) الثابت في صحيح مسلم؛ وقد ثبت أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر (٣) - وهو يدل على أن أخذ الجزية ليس خاصاً بأهل الكتاب -. ٢ - ومنها: أنه ينبغي للمتكلم أن يذْكر للمخاطب ما يهيجه على الامتثال؛ لقوله تعالى: ﴿الذين يقاتلونكم﴾؛ هذا إذا قلنا: إنها قيد للتهييج، والإغراء؛ فإن قلنا: «إنها قيد معنوي يراد به إخراج من لا يقاتلوننا»، اختلف الحكم. ٣ - ومنها: تحريم الاعتداء حتى على الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا﴾؛ وعلى المسلمين من باب أولى؛ ولهذا قال الرسول ﷺ لمن يبعثهم، كالسرايا والجيوش: «لا تمثلوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليداً» (٤)؛ لأن هذا من العدوان. ٤ - ومنها: إثبات محبة الله - أي أن الله يحب -؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب المعتدين﴾؛ وجه الدلالة: أنه لو كان لا يحب أبداً ما صح أن ينفي محبته عن المعتدين فقط؛ فما انتفت محبته عن هؤلاء إلا وهي ثابتة في حق غيرهم. ٥ - ومنها: حسن تعليم الله ، حيث يقرن الحكم بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾؛ وقد سبق ذكر فوائد قرن الحكم بالعلة. القرآن ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)﴾ [البقرة: ١٩١] التفسير:

стр. 1434

واقتلوا الذين يقاتلونكم من المشركين حيث وجدتموهم، وأخرجوهم من المكان الذي أخرجوكم منه وهو "مكة". والفتنة -وهي الكفر والشرك والصد عن الإسلام- أشد من قتلكم إياهم. ولا تبدؤوهم بالقتال عند المسجد الحرام تعظيمًا لحرماته حتى يبدؤوكم بالقتال فيه، فإن قاتلوكم في المسجد الحرام فاقتلوهم فيه. مثل ذلك الجزاء الرادع يكون جزاء الكافرين. اختلف أهل التفسير في حُكمِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقررة: ١٩١]، على قولين (١): أحدهما: أنها منسوخةٌ؛ نُهُوا عن الابتداء بالقتالِ، ثُم نُسِخَ ذلك، واختلفوا في ناسخها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فأمر بقتلهم في الحل والحرم. قاله قتادة (٢). الثاني: أنه قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، قاله الربيع ابن أنس (٣)، وابن زيد (٤)، وقتادة (٥) في أحد قوليه. وهو اختيار الطبري (٦)، وقال الرازي: " وهذا الكلام ضعيف" (٧). والثالث: قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم﴾ [البقرة: ١٩١]، أي: حيث ادركتموهم في الحل والحرمِ. قاله مقاتل (٨). الرابع: وقيل أنها بحديث أنس ﵁: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ اقْتُلُوهُ" (٩). قال ابن الجوزي: "وهذا باطل من وجهين: أحدهما: أن القرآن لا ينسخ إلا القرآن، ولو أجزنا نسخه بالسنة لاحتجنا إلى أن نعتبر في نقل ذلك الناسخ ما اعتبرنا في نقل المنسوخ، وطريق الرواية لا يثبت ثبوت القرآن. والثاني: أن النبي ﷺ قد بين أنه إنما خص بالإباحة في ساعة من نهار، والتخصيص ليس بنسخ، لأن النسخ ما رفع الحكم على الدوام كما كان ثبوت حكم المنسوخ على الدوام. فالحديث دال على التخصيص لا على النسخ، ثم إنما يكون النسخ مع تضاد اجتماع الناسخ والمنسوخ، وقد أمكن الجمع بين ما ادعوه ناسخا ومنسوخا وصح العمل بهما فيكون قوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ وقوله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ في غير الحرم بدليل قوله: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾ وكذلك قوله: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ أي: في غير الحرم بدليل قوله عقب ذلك ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾.ولوجاز قتلهم في الحرم لم يحتج إلى ذكر الإخراج، فقد بان مما أوضحنا إحكام الآية وانتفى النسخ عنها" (١٠). الثاني: أن هذه آيةٌ مُحْكَمةٌ؛ ولا يجوزُ الابتداءُ في القتال في الحرمِ. وهو قولُ مجاهدٍ (١١) وأكثرِ المفسرين (١٢). قال القرطبي: " وبه قال طاوس، وهو الذي يقتضيه نص الآية، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه (١٣) " (١٤). كما ويدل عليه ما روي في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في مكة: " فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١٥). قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، " أي: اقتلُوا الذينَ يبدأُونَكم بالقتالِ من أهلِ مكَّةَ حيث وجدتُّمُوهم" (١٦). قال الطبري: أي: " اقتلوهم في أي مكان تمكنتم من قتلهم، وأبصرتم مقاتلهم" (١٧). قال الثعلبي: أي: " واقتلوهم حيث أبصرتم مقابلتهم وتمكنتم من قتلهم" (١٨). قال الزجاج: أي: "لا تمتنعوا من قتلهم في الحرم وغيره." (١٩). و﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، أي: "وجدتموهم" (٢٠)، ومنه قول حسان (٢١): فإما يثقفن بني لؤي ... جذيمة إن قتلهم دواء وقيل نسخت الآية الأولى بهذه الآية، وأصل الثقافة الحذق والبصر بالأمور (٢٢). قال صاحب الكشاف: " و (الثقف): وجود على وجه الأخذ والغلبة. ومنه: رجل ثقف، سريع الأخذ لأقرانه. قال (٢٣):

стр. 1435

فَإمَّا تَثْقَفُونِى فَاقْتُلُونِى ... فَمَنْ أثْقَفْ فَلَيْسَ إلَى خُلُودِ" (١) وقال الليث: "ثقفنا فلانا في موضع كذا، أي أخذناه، ومصدره: الثقف" (٢). وقال ابن دريد: "ثقفت الشيء: حذقته، وثقفته: إذا ظفرت به" (٣)، واحتج بقوله تعالى ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ [الأنفال: ٥٧]. ونحو هذا قال ابن قتيبة: "تظفر بهم" (٤). وقال الزجاج: "تصادفنهم" (٥). وأصله الإدراك بسرعة، قال مقاتل: "فإن أدركتهم في القتال وأسرتهم" (٦). قوله تعالى: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، أي: "أخرجوهم من ديارهم كما أخرجوكم من دياركم" (٧). قال الصابوني: " أي شرّدوهم من أوطانهم وأخرجوهم منها كما أخرجوكم من مكة" (٨). قوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]، " أي فتنة المؤمن عن دينه أشدُّ من قتله" (٩). قال الزجاج: " أي: فكفرهم في هذه الأمكنة أشد من القتل" (١٠). قال الثعلبي: " يعني وشركهم بالله أعظم من قتلكم إياهم في الحرم والحرم الإحرام" (١١). قال الطبري: أي: " وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجعَ عنه فيصير مشركا بالله من بعد إسلامه، أشدُّ عليه وأضرُّ من أن يُقتل مقيمًا على دينه متمسكا عليه، مُحقًّا فيه" (١٢). قال قتادة: "يقول: الشرك أشدُّ من القتل" (١٣)، وروي عن مجاهد (١٤)، والربيع (١٥)، والضحاك (١٦)، وابن زيد (١٧)، مثل ذلك. قال ابن عثيمين: " (الفتنة): هي صدّ الناس عن دينهم، كما قال تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم﴾ [البروج: ١٠]؛ فصد الناس عن دينهم فتنة أشد من قتلهم؛ لأن قتلهم غاية ما فيه أن نقطعهم من ملذات الدنيا؛ لكن الفتنة تقطعهم من الدنيا، والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة﴾ [الحج: ١١] " (١٨). واختلف في قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] على اقوال (١٩):

стр. 1436

أحدها: أن المراد: الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشد من القتل. وهذا قول قتادة (١)، ومجاهد (٢)، والربيع (٣)، والضحاك (٤)، وابن زيد (٥)، واختاره الطبري (٦). الثاني: أن المعنى: شركهم بالله وكفرهم به أعظم جرما وأشد من القتل الذي عيروكم به. قال القرطبي: "وهذا دليل على أن الآية نزلت في شأن عمرو بن الحضرمي حين قتله واقد بن عبدالله التميمي (٧) في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، حسب ما هو مذكور في سرية عبدالله بن جحش، على ما يأتي بيانه، قاله الطبري وغيره (٨). الثالث: أن (الفتنة): إقدام الكفار على الكفر، وعلى تخويف المؤمنين، وعلى تشديد الأمر عليهم حتى أخرجوهم من أهليهم وديارهم. ذكره الرازي (٩)، وأبو حيان (١٠). الرابع: أنها العذاب الدائم في الآخرة الذي يلزمهم بسبب كفرهم، ذكره الرازي (١١)، وأبو حيان (١٢). الخامس: أنها صد المؤمنين عن المسجد الحرام، وهتكهم لحرمات الله، وذلك أشد من قتلهم فيه؛ لأنه منع للعباد من العبودية الحقة لله- ، ذكره الرازي (١٣)، وأبو حيان (١٤). السادس: أن (الفتنة) هاهنا: العذاب، وكانوا يعذبون من أسلم. قاله الكسائي (١٥). والراجح هو القول الأول، بأن (الفتنة): يعني الشرك، وهو قول عامة المفسرين (١٦)، ولا يعارض هذا الإجماع ما ورد عن السلف في معنى الفتنة في الآية، إذ كل هذه الأقوال من باب التفسير بالمثال واللازم فهو من باب اختلاف التنوع الذي لا يخرق الإجماع والمراد بالفتنة في الآية فتنة العبد في دينه على عمومها بأي صورة وقعت، وذلك أشد من قتله بكل حال. والله أعلم. قال الطبري: "أصل ﴿الفتنة﴾ (١٧) الابتلاءُ والاختبار" (١٨).

стр. 1437

قال الحافظ ابن حجر: " وأصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجه الاختبار إلى المكروه: فتارة في الكفر كقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ " (١). قال القاسمي: ". إذ لا بلاء على الإِنْسَان أشد من إيذائه على اعتقاده الذي تمكّن من عقله ونفسه" (٢). قال الطبراني: " وسُمِّيَ الكفرُ فتنةً؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك كما أن الفتنةَ تؤدي إلى الهلاكِ" (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، " أي لا تبدءوهم بالقتال في الحرم حتى يبدءوا هم بقتالكم فيه" (٤). قال ابن عثيمين: أي" لا تقاتلوهم في مكة، إلا أن يَبْدَؤوكم بالقتال فيه" (٥). قال ابن كثير: "فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعا للقتال، كما بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لَمَّا تألبت عليه بطونُ قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، ، وقال: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] " (٦). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، أي "إن قاتلوكم عند المسجد الحرام فاقتلوهم" (٧). قال البيضاوي: أي: " فلا تبالوا بقتالهم ثم فإنهم الذين هتكوا حرمته" (٨). قال ابن عثيمين: "وتأمل كيف قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوهُمْ﴾؛ لأن مقاتلتهم إياكم عند المسجد الحرام توجب قتلهم على كل حال" (٩). قال الصابوني: " أي إِن بدءوكم بالقتال، فلكم حينئذٍ قتالهم لأنهم انتهكوا حرمته والبادي بالشر أظلم" (١٠). وقد اختلف في قراءة تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، على وجهين (١١): أحدهما: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ﴾، جميعها بالألف. قرأ بها ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر. والمعنى: "ولا تبتدئوا - أيها المؤمنون - المشركين بالقتال عند المسجد الحرام، حتى يبدأوكم به، فإن بدأوكم به هناك عند المسجد الحرَام في الحرم، فاقتلوهم، فإن الله جعل ثَواب الكافرين على كفرهم وأعمالهم السيئة، القتلُ في الدنيا، والخزي الطويل في الآخرة" (١٢).

стр. 1438

الثاني: ﴿ولا تَقْتلوهم عند المسجد الحرامَ حتى يَقْتلوكم فيه فإن قَتلوكم فاقتلوهم﴾، كلها بغير ألف. وهي قراءة حمزة والكسائي. والمعنى: "ولا تبدأوهم بقتل حتى يبدأوكم به" (١). وقوله ﴿فاقتلوهم﴾ في نفس الآية فإن هذه وحدها بغير ألف باتفاق منهم (٢). قال الواحدي: " وجاز ذلك، وإن وقع القتل ببعض دون بعض؛ لأن العرب تقول: قتلنا بني تميم، وإنما قتلوا بعضهم" (٣). قال حمزة الزيات: "قلت للأعمش: أرأيت قراءتك: ﴿ولا تَقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يَقتلوكم فيه فإن قَتلوكم فاقتلوهم كذلك جَزاءُ الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفورٌ رَحيم﴾، إذا قَتلوهم كيف يقتلونهم؟ قال: إن العرب إذا قُتل منهم رجل قالوا: " قُتلنا "، وإذا ضُرب منهم رجل قالوا: " ضربنا " (٤). والقراءة الأولى هي الأقرب إلى الصواب، " لأن الله تعالى ذكره لم يأمر نبيَّه ﷺ وأصحابه في حالٍ إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم حتى يَقتلوا منهم قتيلا بعد ما أذن لَهُ ولهم بقتالهم، فتكونَ القراءة بالإذن بقتلهم بعد أن يَقتلوا منهم، أولى من القراءة بما اخترنا. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه قد كان تعالى ذكره أذِن لهم بقتالهم إذا كان ابتداء القتال من المشركين قَبل أن يقتلوا منهم قتيلا وبعد أن يقتلوا منهم قتيلا، وقد نسخ الله تعالى ذكره هذه الآية بقوله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٥] ونحو ذلك من الآيات" (٥). قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]، "أي: هذا الحكم جزاء كل من كفر بالله" (٦). قال ابن عثيمين: أي: "مثلَ هذا الجزاء - وهو قتل من قاتل عند المسجد الحرام - جزاء الكافرين؛ أي عقوبتهم التي يكافَؤون بها" (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب قتال الكفار أينما وجِدوا؛ لقوله تعالى: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾؛ ووجوب قتالهم أينما وجدوا يستلزم وجوب قتالهم في أي زمان؛ لأن عموم المكان يستلزم عموم الزمان؛ ويستثنى من ذلك القتال في الأشهر الحرم: فإنه لا قتال فيها؛ لقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾؛ وقال بعض أهل العلم: لا استثناء، وأن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ؛ لكن لوجوب قتالهم شروط؛ من أهمها القدرة على ذلك. ٢ - ومنها: أن نخرج هؤلاء الكفار، كما أخرجونا؛ المعاملة بالمثل؛ لقوله تعالى: ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾؛ ولهذا قال العلماء: إذا مثّلوا بنا مثّلنا بهم؛ وإذا قطعوا نخيلنا قطعنا نخيلهم مثلاً بمثل سواءً بسواء. ٣ - ومنها: الإشارة إلى أن المسلمين أحق الناس بأرض الله؛ لقوله تعالى: ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾، وقال تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين﴾ [الأنبياء: ١٠٥، ١٠٦]، وقال موسى لقومه: ﴿استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ [الأعراف: ١٢٨]. ٤ - ومنها: أن الفتنة بالكفر، والصد عن سبيل الله أعظم من القتل.

стр. 1439

فيتفرع على هذه الفائدة: أن استعمار الأفكار أعظم من استعمار الديار؛ لأن استعمار الأفكار فتنة؛ واستعمار الديار أقصى ما فيها إما القتل، أو سلب الخيرات، أو الاقتصاد، أو ما أشبه ذلك؛ فالفتنة أشد؛ لأنها هي القتل الحقيقي الذي به خسارة الدين، والدنيا، والآخرة. ٥ - ومنها: تعظيم حرمة المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾. ٦ - ومنها: جواز القتال عند المسجد الحرام إذا بدأَنا بذلك أهله؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يقاتلوكم فيه﴾؛ ولا يعارض هذا قول رسول الله ﷺ : "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم" (١)؛ الممنوع هو ابتداء القتال لندخل مكة؛ فهذا حرام، ولا يجوز مهما كان الأمر؛ وأما إذا قاتلونا في مكة فإننا نقاتلهم من باب المدافعة. ٧ - ومن فوائد الآية: المبالغة في قتال الأعداء إذا قاتلونا في المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾. ٨ - ومنها: وجوب مقاتلة الكفار حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله؛ وقتال الكفار في الأصل فرض كفاية؛ وقد يكون مستحباً؛ وقد يكون فرض عين - وذلك في أربعة مواضع -: الموضع الأول: إذا حضر صف القتال فإنه يكون فرض عين؛ ولا يجوز أن ينصرف؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦]. الموضع الثاني: إذا حصر بلده العدو فإنه يتعين القتال من أجل فكّ الحصار عن البلد؛ ولأنه يشبه من حضر صف القتال. الموضع الثالث: إذا احتيج إليه؛ إذا كان هذا الرجل يحتاج الناس إليه إمّا لرأيه، أو لقوته، أو لأيّ عمل يكون؛ فإنه يتعين عليه. الموضع الرابع: إذا استنفر الإمام الناس وجب عليهم أن يخرجوا، ولا يتخلف أحد؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ... ﴾ [التوبة: ٣٨ إلى قوله تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ... ﴾ [التوبة: ٣٩] الآية. وما سوى هذه المواضع فهو فرض كفاية؛ واعلم أن الفرض سواء قلنا فرض عين، أو فرض كفاية لا يكون فرضاً إلا إذا كان هناك قدرة؛ أما مع عدم القدرة فلا فرض؛ لعموم الأدلة الدالة على أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولقوله تعالى: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١]؛ فإذا كنا لا نستطيع أن نقاتل هؤلاء لم يجب علينا؛ وإلا لأثَّمْنا جميع الناس مع عدم القدرة؛ ولكنه مع ذلك يجب أن يكون عندنا العزم على أننا إذا قدرنا فسنقاتل؛ ولهذا قيدها الله بقوله تعالى: ﴿إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١]؛ ليس على هؤلاء الثلاثة حرج بشرط أن ينصحوا لله ورسوله؛ فأما مع عدم النصح لله ورسوله، فعليهم الحرج - حتى وإن وجدت الأعذار في حقهم -. فالحاصل أننا نقول إن القتال فرض كفاية؛ ويتعين في مواضع؛ وهذا الفرض - كغيره من المفروضات - من شرطه القدرة؛ أما مع العجز فلا يجب؛ لكن يجب أن يكون العزم معقوداً على أنه إذا حصلت القوة جاهدنا في سبيل الله؛ لقول النبي ﷺ : «من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق» (٢). ٩ - ومن فوائد الآية: إثبات العدل لله ؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك جزاء الكافرين﴾؛ والجزاء من جنس العمل.

стр. 1440

القرآن ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾ [البقرة: ١٩٢] التفسير: فإن تركوا ما هم فيه من الكفر وقتالكم عند المسجد الحرام، ودخلوا في الإيمان، فإن الله غفور لعباده، رحيم بهم. قوله تعالى: ﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ [البقرة: ١٩٢]؛ أي فإن انتهوا عن "القتال والكفرِ" (١). قال الواحدي: "أي: عن الكفر" (٢). قال الزمخشري: أي: " عن الشرك والقتال" (٣). قال الطبري: اي: " فإن انتهى الكافرون الذين يقاتلونكم عن قتالكم وكفرهم بالله، فتركوا ذلك وتابوا" (٤). قال ابن كثير: " فإن تَركُوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام والتوبة" (٥). وعن مجاهد: "فإن تابوا " (٦). وقال مقاتل: "عن قتالكم وأسلموا" (٧). قال الصابوني: " أي: فإن انتهوا عن الشرك وأسلموا فكفّوا عنهم" (٨). ويحتمل قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ [البقرة: ١٩٢]؛ وجهان من التفسير (٩): أحدهما: أي كفوا عن قتالكم. ويكون المراد بقوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾: طلب مغفرة المسلمين لهم بالكف عنهم. والثاني: أن المراد: كفوا عن قتالكم، وعن كفرهم. ويكون المراد بقول: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أن الله غفر لهم؛ لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٢]، أي: "فإن الله يغفر لهم ما سبق، فهو رحيم بعباده" (١٠). قال مقاتل: " يغفر ما كان في شركهم إذا أسلموا" (١١). قال البيضاوي: أي: " يغفر لهم ما قد سلف" (١٢). قال الصابوني: أي: " فإِن الله يغفر لمن تاب وأناب" (١٣).
следующие страницы →