← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

أحدها: أن المراد: الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشد من القتل. وهذا قول قتادة (١)، ومجاهد (٢)، والربيع (٣)، والضحاك (٤)، وابن زيد (٥)، واختاره الطبري (٦). الثاني: أن المعنى: شركهم بالله وكفرهم به أعظم جرما وأشد من القتل الذي عيروكم به. قال القرطبي: "وهذا دليل على أن الآية نزلت في شأن عمرو بن الحضرمي حين قتله واقد بن عبدالله التميمي (٧) في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، حسب ما هو مذكور في سرية عبدالله بن جحش، على ما يأتي بيانه، قاله الطبري وغيره (٨). الثالث: أن (الفتنة): إقدام الكفار على الكفر، وعلى تخويف المؤمنين، وعلى تشديد الأمر عليهم حتى أخرجوهم من أهليهم وديارهم. ذكره الرازي (٩)، وأبو حيان (١٠). الرابع: أنها العذاب الدائم في الآخرة الذي يلزمهم بسبب كفرهم، ذكره الرازي (١١)، وأبو حيان (١٢). الخامس: أنها صد المؤمنين عن المسجد الحرام، وهتكهم لحرمات الله، وذلك أشد من قتلهم فيه؛ لأنه منع للعباد من العبودية الحقة لله- ، ذكره الرازي (١٣)، وأبو حيان (١٤). السادس: أن (الفتنة) هاهنا: العذاب، وكانوا يعذبون من أسلم. قاله الكسائي (١٥). والراجح هو القول الأول، بأن (الفتنة): يعني الشرك، وهو قول عامة المفسرين (١٦)، ولا يعارض هذا الإجماع ما ورد عن السلف في معنى الفتنة في الآية، إذ كل هذه الأقوال من باب التفسير بالمثال واللازم فهو من باب اختلاف التنوع الذي لا يخرق الإجماع والمراد بالفتنة في الآية فتنة العبد في دينه على عمومها بأي صورة وقعت، وذلك أشد من قتله بكل حال. والله أعلم. قال الطبري: "أصل ﴿الفتنة﴾ (١٧) الابتلاءُ والاختبار" (١٨).

стр. 1437

قال الحافظ ابن حجر: " وأصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجه الاختبار إلى المكروه: فتارة في الكفر كقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ " (١). قال القاسمي: ". إذ لا بلاء على الإِنْسَان أشد من إيذائه على اعتقاده الذي تمكّن من عقله ونفسه" (٢). قال الطبراني: " وسُمِّيَ الكفرُ فتنةً؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك كما أن الفتنةَ تؤدي إلى الهلاكِ" (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، " أي لا تبدءوهم بالقتال في الحرم حتى يبدءوا هم بقتالكم فيه" (٤). قال ابن عثيمين: أي" لا تقاتلوهم في مكة، إلا أن يَبْدَؤوكم بالقتال فيه" (٥). قال ابن كثير: "فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعا للقتال، كما بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لَمَّا تألبت عليه بطونُ قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، ، وقال: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] " (٦). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، أي "إن قاتلوكم عند المسجد الحرام فاقتلوهم" (٧). قال البيضاوي: أي: " فلا تبالوا بقتالهم ثم فإنهم الذين هتكوا حرمته" (٨). قال ابن عثيمين: "وتأمل كيف قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوهُمْ﴾؛ لأن مقاتلتهم إياكم عند المسجد الحرام توجب قتلهم على كل حال" (٩). قال الصابوني: " أي إِن بدءوكم بالقتال، فلكم حينئذٍ قتالهم لأنهم انتهكوا حرمته والبادي بالشر أظلم" (١٠). وقد اختلف في قراءة تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، على وجهين (١١): أحدهما: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ﴾، جميعها بالألف. قرأ بها ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر. والمعنى: "ولا تبتدئوا - أيها المؤمنون - المشركين بالقتال عند المسجد الحرام، حتى يبدأوكم به، فإن بدأوكم به هناك عند المسجد الحرَام في الحرم، فاقتلوهم، فإن الله جعل ثَواب الكافرين على كفرهم وأعمالهم السيئة، القتلُ في الدنيا، والخزي الطويل في الآخرة" (١٢).

стр. 1438

الثاني: ﴿ولا تَقْتلوهم عند المسجد الحرامَ حتى يَقْتلوكم فيه فإن قَتلوكم فاقتلوهم﴾، كلها بغير ألف. وهي قراءة حمزة والكسائي. والمعنى: "ولا تبدأوهم بقتل حتى يبدأوكم به" (١). وقوله ﴿فاقتلوهم﴾ في نفس الآية فإن هذه وحدها بغير ألف باتفاق منهم (٢). قال الواحدي: " وجاز ذلك، وإن وقع القتل ببعض دون بعض؛ لأن العرب تقول: قتلنا بني تميم، وإنما قتلوا بعضهم" (٣). قال حمزة الزيات: "قلت للأعمش: أرأيت قراءتك: ﴿ولا تَقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يَقتلوكم فيه فإن قَتلوكم فاقتلوهم كذلك جَزاءُ الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفورٌ رَحيم﴾، إذا قَتلوهم كيف يقتلونهم؟ قال: إن العرب إذا قُتل منهم رجل قالوا: " قُتلنا "، وإذا ضُرب منهم رجل قالوا: " ضربنا " (٤). والقراءة الأولى هي الأقرب إلى الصواب، " لأن الله تعالى ذكره لم يأمر نبيَّه ﷺ وأصحابه في حالٍ إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم حتى يَقتلوا منهم قتيلا بعد ما أذن لَهُ ولهم بقتالهم، فتكونَ القراءة بالإذن بقتلهم بعد أن يَقتلوا منهم، أولى من القراءة بما اخترنا. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه قد كان تعالى ذكره أذِن لهم بقتالهم إذا كان ابتداء القتال من المشركين قَبل أن يقتلوا منهم قتيلا وبعد أن يقتلوا منهم قتيلا، وقد نسخ الله تعالى ذكره هذه الآية بقوله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٥] ونحو ذلك من الآيات" (٥). قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]، "أي: هذا الحكم جزاء كل من كفر بالله" (٦). قال ابن عثيمين: أي: "مثلَ هذا الجزاء - وهو قتل من قاتل عند المسجد الحرام - جزاء الكافرين؛ أي عقوبتهم التي يكافَؤون بها" (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب قتال الكفار أينما وجِدوا؛ لقوله تعالى: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾؛ ووجوب قتالهم أينما وجدوا يستلزم وجوب قتالهم في أي زمان؛ لأن عموم المكان يستلزم عموم الزمان؛ ويستثنى من ذلك القتال في الأشهر الحرم: فإنه لا قتال فيها؛ لقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾؛ وقال بعض أهل العلم: لا استثناء، وأن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ؛ لكن لوجوب قتالهم شروط؛ من أهمها القدرة على ذلك. ٢ - ومنها: أن نخرج هؤلاء الكفار، كما أخرجونا؛ المعاملة بالمثل؛ لقوله تعالى: ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾؛ ولهذا قال العلماء: إذا مثّلوا بنا مثّلنا بهم؛ وإذا قطعوا نخيلنا قطعنا نخيلهم مثلاً بمثل سواءً بسواء. ٣ - ومنها: الإشارة إلى أن المسلمين أحق الناس بأرض الله؛ لقوله تعالى: ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾، وقال تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين﴾ [الأنبياء: ١٠٥، ١٠٦]، وقال موسى لقومه: ﴿استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ [الأعراف: ١٢٨]. ٤ - ومنها: أن الفتنة بالكفر، والصد عن سبيل الله أعظم من القتل.

стр. 1439

فيتفرع على هذه الفائدة: أن استعمار الأفكار أعظم من استعمار الديار؛ لأن استعمار الأفكار فتنة؛ واستعمار الديار أقصى ما فيها إما القتل، أو سلب الخيرات، أو الاقتصاد، أو ما أشبه ذلك؛ فالفتنة أشد؛ لأنها هي القتل الحقيقي الذي به خسارة الدين، والدنيا، والآخرة. ٥ - ومنها: تعظيم حرمة المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾. ٦ - ومنها: جواز القتال عند المسجد الحرام إذا بدأَنا بذلك أهله؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يقاتلوكم فيه﴾؛ ولا يعارض هذا قول رسول الله ﷺ : "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم" (١)؛ الممنوع هو ابتداء القتال لندخل مكة؛ فهذا حرام، ولا يجوز مهما كان الأمر؛ وأما إذا قاتلونا في مكة فإننا نقاتلهم من باب المدافعة. ٧ - ومن فوائد الآية: المبالغة في قتال الأعداء إذا قاتلونا في المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾. ٨ - ومنها: وجوب مقاتلة الكفار حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله؛ وقتال الكفار في الأصل فرض كفاية؛ وقد يكون مستحباً؛ وقد يكون فرض عين - وذلك في أربعة مواضع -: الموضع الأول: إذا حضر صف القتال فإنه يكون فرض عين؛ ولا يجوز أن ينصرف؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦]. الموضع الثاني: إذا حصر بلده العدو فإنه يتعين القتال من أجل فكّ الحصار عن البلد؛ ولأنه يشبه من حضر صف القتال. الموضع الثالث: إذا احتيج إليه؛ إذا كان هذا الرجل يحتاج الناس إليه إمّا لرأيه، أو لقوته، أو لأيّ عمل يكون؛ فإنه يتعين عليه. الموضع الرابع: إذا استنفر الإمام الناس وجب عليهم أن يخرجوا، ولا يتخلف أحد؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ... ﴾ [التوبة: ٣٨ إلى قوله تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ... ﴾ [التوبة: ٣٩] الآية. وما سوى هذه المواضع فهو فرض كفاية؛ واعلم أن الفرض سواء قلنا فرض عين، أو فرض كفاية لا يكون فرضاً إلا إذا كان هناك قدرة؛ أما مع عدم القدرة فلا فرض؛ لعموم الأدلة الدالة على أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولقوله تعالى: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١]؛ فإذا كنا لا نستطيع أن نقاتل هؤلاء لم يجب علينا؛ وإلا لأثَّمْنا جميع الناس مع عدم القدرة؛ ولكنه مع ذلك يجب أن يكون عندنا العزم على أننا إذا قدرنا فسنقاتل؛ ولهذا قيدها الله بقوله تعالى: ﴿إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١]؛ ليس على هؤلاء الثلاثة حرج بشرط أن ينصحوا لله ورسوله؛ فأما مع عدم النصح لله ورسوله، فعليهم الحرج - حتى وإن وجدت الأعذار في حقهم -. فالحاصل أننا نقول إن القتال فرض كفاية؛ ويتعين في مواضع؛ وهذا الفرض - كغيره من المفروضات - من شرطه القدرة؛ أما مع العجز فلا يجب؛ لكن يجب أن يكون العزم معقوداً على أنه إذا حصلت القوة جاهدنا في سبيل الله؛ لقول النبي ﷺ : «من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق» (٢). ٩ - ومن فوائد الآية: إثبات العدل لله ؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك جزاء الكافرين﴾؛ والجزاء من جنس العمل.

стр. 1440

القرآن ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾ [البقرة: ١٩٢] التفسير: فإن تركوا ما هم فيه من الكفر وقتالكم عند المسجد الحرام، ودخلوا في الإيمان، فإن الله غفور لعباده، رحيم بهم. قوله تعالى: ﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ [البقرة: ١٩٢]؛ أي فإن انتهوا عن "القتال والكفرِ" (١). قال الواحدي: "أي: عن الكفر" (٢). قال الزمخشري: أي: " عن الشرك والقتال" (٣). قال الطبري: اي: " فإن انتهى الكافرون الذين يقاتلونكم عن قتالكم وكفرهم بالله، فتركوا ذلك وتابوا" (٤). قال ابن كثير: " فإن تَركُوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام والتوبة" (٥). وعن مجاهد: "فإن تابوا " (٦). وقال مقاتل: "عن قتالكم وأسلموا" (٧). قال الصابوني: " أي: فإن انتهوا عن الشرك وأسلموا فكفّوا عنهم" (٨). ويحتمل قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ [البقرة: ١٩٢]؛ وجهان من التفسير (٩): أحدهما: أي كفوا عن قتالكم. ويكون المراد بقوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾: طلب مغفرة المسلمين لهم بالكف عنهم. والثاني: أن المراد: كفوا عن قتالكم، وعن كفرهم. ويكون المراد بقول: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أن الله غفر لهم؛ لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٢]، أي: "فإن الله يغفر لهم ما سبق، فهو رحيم بعباده" (١٠). قال مقاتل: " يغفر ما كان في شركهم إذا أسلموا" (١١). قال البيضاوي: أي: " يغفر لهم ما قد سلف" (١٢). قال الصابوني: أي: " فإِن الله يغفر لمن تاب وأناب" (١٣).

стр. 1441

قال الطبري: " ﴿غَفُورٌ﴾ لذنوب من آمن منهم وتاب من شركه، وأناب إلى الله من معاصيه التي سلفت منه وأيامه التي مَضت، ﴿رَحِيمٌ﴾ به في آخرته بفضله عليه، وإعطائه ما يعطى أهل طاعته من الثواب بإنابته إلى محبته من معصيته" (١). قال الطبراني: أي: "فإن اللهَ ﴿غَفُورٌ﴾ لِما مضَى من جَهْلِهم ولِما سلَفَ من كُفرِهم، و ﴿رَحِيْمٌ﴾ بهم بعد تَوبَتِهم وإسلامِهم" (٢). قال ابن كثير: أي: " يغفر ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله، فإنه تعالى لا يتعاظَمُه ذَنْب أنْ يغفره لمن تاب منْه إليه " (٣). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: تمام عدل الله ، حيث جعل أحكامه، وعقوبته مبنية على عدوان من يستحق هذه العقوبة فقال تعالى: ﴿فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم﴾. ٢ - ومنها: وجوب الكف عن الكفار إذا انتهوا عما هم عليه من الكفر؛ فلا يؤاخذون بما حصل منهم حال كفرهم؛ ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]. ٣ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله، وما تضمناه من صفة، أو حكم؛ وهما «الغفور»، و «الرحيم». ٤ - ومنها: أخذ الأحكام الشرعية مما تقتضيه الأسماء الحسنى؛ ولها نظائر؛ منها قوله تعالى في المحاربين: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٣٤]. القرآن ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣] التفسير: واستمروا- أيها المؤمنون- في قتال المشركين المعتدين، حتى لا تكون فتنة للمسلمين عن دينهم ولا شرك بالله، ويبقى الدين لله وحده خالصًا لا يُعْبَد معه غيره. فإن كفُّوا عن الكفر والقتال فكُفُّوا عنهم؛ فالعقوبة لا تكون إلا على المستمرين على كفرهم وعدوانهم. قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، أي: " وقاتلوا المشركين الذين يقاتلونكم، حتى لا يكون شركٌ بالله (٤). قال القرطبي: " أي: كفر، فجعل الغاية عدم الكفر، وهذا ظاهر" (٥). قال الطبري: أي: ": وقاتلوا المشركين الذين يقاتلونكم حتى لا تكون فتنة يعني: حتى لا يكون شركٌ بالله، وحتى لا يُعبد دونه أحدٌ، وتضمحلَّ عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، وتكونَ العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان" (٦). قال الصابوني: "أي قاتلوا المحاربين حتى تكسروا شوكتهم ولا يبقى شرك على وجه الأرض" (٧).

стр. 1442

قال قتادة: "حتى لا يكون شرك" (١)، وروي عن ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، والسدي (٤)، والربيع (٥)، وابن زيد (٦)، نحو ذلك. قال الثعلبي: " يعني قاتلوهم حتّى يسلموا فليس يقبل من المشرك الوثني جزية ولا يرضى منه إلّا بالإسلام وليسوا كأهل الكتاب بالذين يؤخذ منهم الجزية والحكمة فيه على ما قال المفضل بن سلمة إن مع أهل الكتاب كتبا منزلة فيها الحقّ وإن كانوا قد حرفوها فأمهلهم الله تعالى بحرمة تلك الكتب من القتل [وأهواء] صغارهم بالجزية، ولينظروا في كتبهم ويتدبرونها فيقفوا على الحق منها ويمنعوه كفعل مؤمني أهل الكتاب ولم يكن لأهل الأوثان من يرشدهم إلى الحقّ وكان إمهالهم زائدا في اشراكهم فإنّ الله تعالى لن يرضى منهم إلّا بالإسلام أو القتل عليه" (٧). وأصل الفتنة: "الاختبار والامتحان، مأخوذ من فتنت الفضة إذا أدخلتها في النار لتميز رديئها من جيدها" (٨). قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، أي: و"يكونَ دينُ الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان" (٩). قال الثعلبي: أي: "وحده، فلا يعبد دونه شيء" (١٠). قال البيضاوي: أي" خالصاً له ليس للشيطان فيه نصيب" (١١). قال ابن عباس: " ويخلص التوحيد لله" (١٢). وروي، عن أبي العالية وقتادة والربيع بن أنس (١٣): قالوا: "حتى يقول: لا إله إلا الله" (١٤). وقال الحسن وزيد بن أسلم: "حتى لا يعبد إلا الله" (١٥). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " إنّي أمرتُ أن أقاتِل الناسَ حتى يَقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عَصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها وحسابهم على الله" (١٦). وقد ثبت في الصحيحين: عن أبي موسى الأشعري، قال: سُئِل النبي ﷺ عن الرجل يُقاتل شجاعة، ويقاتل حَميَّة، ويقاتل رياء، أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١٧).

стр. 1443

قال المراغي: " أي: ويكون دين كل شخص خالصا لله لا أثر لخشية غيره فيه، فلا يفتن بصده عنه ولا يؤذى فيه، ولا يحتاج فيه إلى مداهنة ومحاباة، أو استخفاء ومداراة" (١). قال الطبري: "وأما ﴿الدِّينُ﴾، الذي ذكره الله في هذا الموضع، فهو العبادة والطاعة لله في أمره ونهيه، ومن ذلك قول الأعشى (٢): هُوَ دَانَ الرِّبَابَ، إِذْ كَرِهُوا الدِّيـ ... نَ، دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وَصِيَالِ يعني بقوله: (إذ كرهوا الدين)، إذ كرهوا الطاعة وأبوْها" (٣). قوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ [البقرة: ١٩٣]، "أي: فإن انتهوا عما كانوا عليه وأسلموا" (٤). قال ابن كثير: أي ": فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين" (٥). قال الطبري: أي: " " فإن انتهى الذين يقاتلونكم من الكفار عن قتالكم، ودَخلوا في ملّتكم، وأقرُّوا بما ألزمكم الله من فرائضه، وتركوا ما هم عليه من عبادة الأوثان، فدعوا الاعتداءَ عليهم وقتالَهم وجهادَهم" (٦). قال البيضاوي: أي: " عن الشرك" (٧). قال القرطبي: وذلك "إما بالإسلام كما تقدم في الآية قبل، أو بأداء الجزية في حق أهل الكتاب، على ما يأتي بيانه في "براءة" وإلا قوتلوا وهم الظالمون لا عدوان إلا عليهم" (٨). قوله تعالى: ﴿فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، أي: " أي فلا سبيلَ ولا حجَّةَ في القتلِ في الْحَرَمِ والشهرِ الحرام إلا على الظالمين" (٩). قال الطبري: أي: " فإنه لا ينبغي أن يُعتدى إلا على الظالمين - وهم المشركون بالله، والذين تركوا عبادته وعبدوا غيرَ خالقهم" (١٠). قال البيضاوي: " أي فلا تعتدوا على المنتهين إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم، فوضع العلة موضع الحكم" (١١). قال ابن كثير: أي: " فكُفُّوا عنهم، فإنّ مَنْ قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم" (١٢). وفي قوله تعالى: ﴿فَلا عُدْوَانَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وجهان (١٣):

стр. 1444

أحدهما: إن معناه فلا سبيل، كما في قوله تعالى في قصة موسى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨]، أي لا سبيل عليّ. الثاني: وقيل: ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ أي لا مقاتلة؛ وفيه قولان: الأول: أنها من باب مقابلة الشيء بمثله لفظ، ؛ لأنه سببه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وليس معناه: أن فعلكم هذا عدوان؛ لكن لما صار سببه العدوان صح أن يعبر عنه بلفظه. قال البيضاوي: " وسمي جزاء الظلم باسمه " (١). الثاني: أن المعنى: "أنكم إن تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين وينعكس الأمر عليكم" (٢). قال القرطبي: "وسمي ما يصنع بالظالمين عدوانا من حيث هو جزاء عدوان، إذ الظلم يتضمن العدوان، فسمي جزاء العدوان" (٣). قال الواحدي: " فسمي الذي عليهم عدوانا، كقوله: عدوانا، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وذلك أنه في صورة العدوان من حيث إنه قتل ونهب واسترقاق" (٤) واختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] على وجهين (٥): أحدهما: أن ﴿الظلم﴾ في الآية يعني (الكفر). قال قتادة: "الظالم: الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله" (٦). وروي عن عكرمة (٧)، والربيع (٨)، وأبي العالية (٩) مثل ذلك. الثاني: أن معنى قوله: " ﴿فلا عدوان إلا على الظالمين﴾، أي: فلا تقاتل إلا من قاتل. قاله مجاهد (١٠)، وروي عن عن السدي (١١)، نحو ذلك. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الأمر بقتالهم مقيد بغايتين؛ غاية عدمية: ﴿حتى لا تكون فتنة﴾ أي حتى لا توجد فتنة؛ و «الفتنة» هي الشرك، والصد عن سبيل الله؛ والغاية الثانية إيجابية: ﴿ويكون الدين لله﴾ بمعنى: أن يكون الدين غالباً ظاهراً لا يعلو إلا الإسلام فقط؛ وما دونه فهو دين معلو عليه يؤخذ على أصحابه الجزية عن يد وهم صاغرون (١٢).

стр. 1445

٢ - ومنها: أنه إذا زالت الفتنة، وقيام أهلها ضد الدعوة الإسلامية - وذلك ببذل الجزية - فإنهم لا يقاتلون. ٣ - ومنها: أنهم إذا انتهوا - إما عن الشرك: بالإسلام؛ وإما عن الفتنة: بالاستسلام - فإنه لا يعتدى عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾. ٤ - ومنها: أن الظالم يجازى بمثل عدوانه؛ لقوله تعالى: ﴿فلا عدوان إلا على الظالمين﴾؛ وقد قلنا فيما سبق: إن مثل هذا التعبير يراد به المماثلة بالفعل - يعني: أن تسمية المجازاة اعتداءً من باب المشاكلة حتى يكون الجزاء من جنس العمل. القرآن ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ [البقرة: ١٩٤] التفسير: قتالكم -أيها المؤمنون- للمشركين في الشهر الذي حرَّم الله القتال فيه هو جزاء لقتالهم لكم في الشهر الحرام. والذي يعتدي على ما حَرَّم الله من المكان والزمان، يعاقب بمثل فعله، ومن جنس عمله. فمن اعتدى عليكم بالقتال أو غيره فأنزلوا به عقوبة مماثلة لجنايته، ولا حرج عليكم في ذلك؛ لأنهم هم البادئون بالعدوان، وخافوا الله فلا تتجاوزوا المماثلة في العقوبة، واعلموا أن الله مع الذين يتقونه ويطيعونه بأداء فرائضه وتجنب محارمه. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: قال قتادة: " أقبل نبيّ الله ﷺ وأصحابه فاعتمروا في ذي القَعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدّهم المشركون، فصالحهم نبيُّ الله ﷺ على أن يرجع من عامه ذلك، حتى يرجع من العام المقبل فيكون بمكة ثلاثة أيام ولا يدخلها إلا بسلاح راكب ويخرج، ولا يخرج بأحد من أهل مكة، فنحروا الهدْي بالحديبية، وحلَّقوا وَقصَّروا. حتى إذا كان من العام المقبل، أقبل نبيُّ الله وأصحابه حتى دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القَعدة، فأقاموا بها ثلاث ليال، فكان المشركون قد فخروا عليه حين ردُّوه يوم الحديبية، فأقصَّه الله منهم، فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردُّوه فيه في ذي القَعدة، فقال الله: ﴿الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرمات قصَاص﴾ " (١). وروي عن ابن عباس (٢)، ومجاهد، ومقسم (٣)، والسدي (٤)، والربيع (٥)، والضحاك (٦)، وأبي العالية (٧)، وعطاء (٨)، نحو ذلك (٩). وقد ذكر ابن حجر أن عمرة القضاء سميت بذلك من قاضاه إذا عاوضه لا من قاضاه إذا عاهده، فقال: "ويرجح الثاني تسميتها قصاصا، قال الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] قال السهيلي (١٠): تسميتها عمرة القصاص أولى؛ لأن هذه الآية نزلت فيها، قلت: كذا رواه ابن

стр. 1446

جرير (١)، وعبد بن حميد (٢) بإسناد صحيح عن مجاهد، وبه جزم سليمان التيمي (٣) في مغازيه (٤)، وقال ابن إسحاق (٥): بلغنا عن ابن عباس فذكره، ووصله الحاكم في الإِكليل (٦) عن ابن عباس، لكن في إسناده الواقدي (٧) " (٨). والثاني: ذكر الماوردي عن الحسن البصري مرسلاً: "أن مشركي العرب، قالوا للنبي ﷺ : أنُهِيْتَ يا محمد عن قتالنا في الشهر الحرام؟ فقال: نعم، فأرادوا أن يقاتلوه في الشهر الحرام فأنزل الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ " (٩). قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٤]: "أي الشهر الحرام يقابل بذلك الشهر الحرام" (١٠). قال المراغي: أي: إن"هتك حرمته بهتك حرمته، فلا تبالوا بالقتال فيه إذا اضطررتم للدفاع عن دينكم وإعلاء كلمته" (١١). قال الصابوني: "أي إِذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام، فكما هتكوا حرمة الشهر واستحلوا دماءكم فافعلوا بهم مثله" (١٢). قال الماوردي: "أي: إن استحلوا قتالكم في الشهر الحرام فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم" (١٣). قال النسفي: أي "هذا الشهر بذلك الشهر وهتكه بهتكه، يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم" (١٤). قال ابن عثيمين: أي: " إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه؛ وهذا في انتهاك الزمن؛ وقوله تعالى فيما سبق: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]، في انتهاك المكان" (١٥).

стр. 1447

قال الطبري: ": وإنما سمى الله جل ثناؤه ذا القَعدة ﴿الشهرَ الحرام﴾، لأن العرب في الجاهلية كانت تحرِّم فيه القتال والقتل، وتضع فيه السلاح، ولا يقتل فيه أحدٌ أحدًا، ولو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه. وإنما كانوا سموه: ذا القَعدة، لقعودهم فيه عن المغازي والحروب، فسماه الله بالاسم الذي كانت العرب تُسمِّيه به" (١). قوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]، أي: "وكل حرمة يجرى فيها القصاص" (٢). قال النسفي: "فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك " (٣). قال المراغي: " أي يجب مقاصة المشركين على انتهاك حرمة الشهر الحرام بمقابلتهم بالمثل، ليكون شهر بشهر جزاء وفاقا، فهم قد انتهكوا حرمة شهركم بالصدّ عن البيت الحرام وفيه تعرّض للقتال، فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم مكة عنوة وقهرا، فإن منعوكم في هذه السنة عن قضاء العمرة وقاتلوكم فاقتلوهم" (٤). قال البيضاوي: " احتجاج عليه، أي كل حرمة وهو ما يجب أن يحافظ عليها يجري فيها القصاص. فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم عنوة واقتلوهم إن قاتلوكم" (٥). و(القصاص): هو "المجازاة من جهة الفعل أو القول أو البَدن، وهو في هذا الموضع من جهة الفعل" (٦). قال ابن عثيمين: "والمراد بـ (الحرم) كل ما يحترم من زمان، أو مكان، أو منافع، أو أعيان؛ لأن «حُرُم» جمع حرام؛ و «حرمات» جمع حُرُم؛ فالمعنى: أن المحترم يقتص منه بمحترم آخر؛ ومعنى ذلك أن من انتهك حرمة شيء فإنه تنتهك حرمته: فمن انتهك حرمة الشهر انتهكت حرمته في هذا الشهر؛ ومن انتهك عِرض مؤمن انتهك عِرض مثله؛ ومن انتهك نفس مؤمن فقتله انتهكت حرمة نفسه بقتله؛ وهكذا، وكل هذا التأكيد من الله في هذه الآيات من أجل تسلية المؤمنين؛ لأن المؤمنين لا شك أنهم يحترمون الأشهر الحرم والقتال فيها؛ ولكن الله تعالى سلاهم بذلك بأن الحرمات قصاص؛ فكما أنهم انتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة لكم فإن لكم أن تنتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة إليهم؛ ولهذا قال تعالى مفرعاً على ذلك: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ " (٧). قال القرطبي: كان في أول الإسلام: إن من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدى عليك، ثم نسخ ذلك بالقتال، وقالت طائفة: ما تناولت الآية من التعدي بين أمة محمد ﷺ والجنايات ونحوها لم ينسخ" (٨). قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، أي: فمن تجاوز عليكم" بالقتالِ في الحرمِ، فكافئوه وقاتلوهُ كمثلِ ما فعلَ" (٩). قال ابن عثيمين: أي "من تجاوز الحد في معاملتكم سواء كان ذلك بأخذ المال، أو بقتل النفس، أو بالعرض، أو بما دون ذلك، أو أكثر، فاعتدوا عليه بمثله" (١٠).

стр. 1448

قال الصابوني: " أي ردوا عن أنفسكم العدوان فمن قاتلكم في الحرم أو في الشهر الحرام فقابلوه وجازوه بالمثل، فالأول ظلم، والثاني عدل" (١). قال الطبراني: " وسَمَّى الجزاءَ اعتداءً على مقابلةِ اللفظِ" (٢). قال المراغي: " أي إن الاعتداء المحظور ما كان ابتداء، أما ما كان على سبيل القصاص فهو اعتداء مأذون فيه" (٣). وقد اختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، على أقوال (٤): أحدها: أن "هذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل، وليس لهم سلطانٌ يقهرُ المشركين، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين، مَنْ يجازي منهم أن يجازِيَ بمثل ما أُتي إليه أو يصبر أو يعفوَ فَهو، أمثل فلما هاجر رسولُ الله ﷺ إلى المدينة، وأعزّ الله سلطانه أمرَ المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سُلطانهم، وأن لا يعدوَ بعضهم على بعض كأهل الجاهلية". قاله ابن عباس (٥). الثاني: أن معنى ذلك: فمن قاتلكم أيها المؤمنون من المشركين، فقاتلوهم كما قاتلوكم. وقالوا: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ بالمدينة، وبعد عُمرة القضيَّة. قاله مجاهد (٦). والقول الثاني هو الأشبه بالصواب، " لأن الآيات قبلها إنما هي أمرٌ من الله للمؤمنين بجهاد عدوهم على صفة، وذلك قوله: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم " والآيات بعدها، وقوله: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " إنما هو في سياق الآيات التي فيها الأمرُ بالقتال والجهاد، واللهُ جل ثناؤه إنما فرض القتال على المؤمنين بعد الهجرة، فمعلوم بذلك أن قوله: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " مدنيّ لا مكيّ، إذ كان فرضُ قتال المشركين لم يكن وَجَب على المؤمنين بمكة، وأنّ قوله: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " نظيرُ قوله: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " وأن معناه: فمن اعتدى عليكم في الحَرم فقاتَلكم فاعتدوا عليه بالقتال نحو اعتدائه عليكم بقتاله إياكم، لأني قد جعلتُ الحُرمات قصاصًا، فمن استحلّ منكم أيها المؤمنون من المشركين حُرْمةً في حَرَمي، فاستحلوا منه مثله فيه، وهذه الآية منسوخة بإذن الله لنبيه بقتال أهل الحرَم ابتداءً في الحرم وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [سورة التوبة: ٣٦] " (٧). وفي (الاعتداء) وجهان من التفسير (٨): أحدهما: أنه من (العُدْوَان)، وَهوَ مجاوزة الحدّ ظُلْمًا وَبغيًا. ويكون معنى الآية: فمن جاوز حدّه ظُلْمًا وَبغيًا، فقاتلكم في الشهر الحرام فكافِئُوه بمثل ما فعل بكم.

стр. 1449

قال القرطبي: " (الاعتداء) هو التجاوز، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي يتجاوزها، فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك" (١). والثاني: أن يكون بمعنى (العدو) الذي هو شدٌّ ووثوب، من قول القائل: (عدا الأسد على فَريسته)، فيكون معنى الكلام: فمن عَدا عليكم - أي فمن شد عليكم وَوثب - بظلم، فاعدوا عليه - أي فشُدُّوا عليه وثبُوا نحوَه - قصاصًا لما فعل عليكم لا ظلمًا. ثم تُدخل (التاء) في (عدا)، فتقال: (افتعل) مكان (فعل)، كما يقال: اقترب هذا الأمر، بمعنى (قرب)، واجتلب كذلك، بمعنى (جَلب) وما أشبه ذلك. واختلف في (الباء) في قوله تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾] ١٩٤]، على وجهين (٢): أحدهما: أنها زائدة، إن التقدير: فاعتدوا عليه مثل ما اعتدى عليكم؛ على أن تكون «مثل» هنا مفعولاً مطلقاً - أي عدواناً، أو اعتداءً مثل اعتدائه -. والثاني: أنها ليست زائدة. والقول الثاني هو الصواب، أي: أنّها أصلية، وأن المعنى: "اعتدوا عليه بمثله؛ فالباء للبدل؛ بحيث يكون المثل مطابقاً لما اعتدى عليكم به في هيئته، وفي كيفيته، وفي زمنه، وفي مكانه؛ فإذا اعتدى عليكم أحد بقتال في الحرم فاقتلوه؛ وإذا اعتدى عليكم أحد بقتال في الأشهر الحرم فقاتلوه؛ فتكون الباء هنا دالة على المقابلة، والعوض" (٣). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، "أي راقبوا الله في جميع أعمالكم وأفعالكم" (٤). قال ابن عثيمين: أي "اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وفي هذا المقام اتقوا الله فلا تتعدَّوا ما يجب لكم من القصاص؛ لأن الإنسان إذا ظُلِم فإنه قد يتجاوز، ويتعدى عند القصاص" (٥). قال صاحب الكشاف: أي: " في حال كونكم منتصرين ممن اعتدى عليكم، فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم" (٦). قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، أي: " واعلموا أن الله مع المتقين بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة" (٧). قال المراغي: أي: "واعلموا أن الله مع المتقين بالمعونة والتأييد، والنصر والتمكين، والغلبة لهم على أعدائهم تأييدا لدينه وإعلاء لكلمته" (٨). قال البيضاوي: " فيحرسهم ويصلح شأنهم" (٩). قال ابن عثيمين: " والمراد به العلم مع الاعتقاد" (١٠)، أي اعلموا واعتقدوا جازما. قال الطبري: ﴿المتقين﴾: أي: "الذين يتقونه بأداء فَرائضه وتجنب محارمه" (١١). الفوائد:

стр. 1450

١ - من فوائد الآية: تسلية الله للمسلمين بأنهم إذا فاتهم قضاء عمرتهم في الشهر الحرام فيمكنهم أن يقضوها في الشهر الحرام من السنة الثانية، كما حصل في الحديبية. ٢ - ومنها: أن الحرمات قصاص؛ يعني أن من انتهك حرمتك لك أن تنتهك حرمته مثلاً بمثل؛ ولهذا فرع عليها قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾. ٣ - ومنها: أن المعتدي لا يجازى بأكثر من عدوانه؛ لقوله تعالى: ﴿بمثل ما اعتدى عليكم﴾؛ فلا يقول الإنسان: أنا أريد أن أعتدي بأكثر للتشفي؛ ومن ثم قال العلماء: «إنه لا يقتص من الجاني إلا بحضرة السلطان، أو نائبه» خوفاً من الاعتداء؛ لأن الإنسان يريد أن يتشفى لنفسه، فربما يعتدي بأكثر. ٤ - ومنها: وجوب تقوى الله في معاملة الآخرين؛ بل في كل حال؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾. ٥ - ومنها: إثبات أن الله مع المتقين؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾؛ والمعية تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة للخلق كلهم، وتقتضي الإحاطة بهم علماً، وقدرة، وسلطاناً، وسمعاً، وبصراً، وغير ذلك من معاني الربوبية؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ [المجادلة: ٧]؛ وأما الخاصة فهي المقيدة بوصف، أو بشخص؛ مثال المقيدة بوصف قوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٨]؛ ومثال المقيدة بشخص قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]، وقوله تعالى فيما ذكره عن نبيه (ص): ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠]. تنبيه: اعلم أن ما أثبته الله لنفسه من المعية لا ينافي ما ذَكر عن نفسه من العلو لأنه ليس كمثله شيء، ولا يقاس بخلقه؛ فمعيته ثابتة مع علوه ﵎؛ وإذا كان العلو، والمعية لا يتناقضان في حق المخلوق - فإنهم يقولون: «ما زلنا نسير والقمر معنا»، ولا يعدون ذلك تناقضاً مع أن القمر في السماء - فثبوت ذلك في حق الخالق من باب أولى -؛ وبهذا يبطل قول من زعم أن معية الله تستلزم أن يكون في الأرض مختلطاً بالخلق؛ فإن هذا قول باطل باتفاق السلف المستنِد على الكتاب، والسنة في إثبات علو الله فوق خلقه؛ وتفصيل القول في هذا مدوَّن في كتب العقائد. ٦ - ومن فوائد الآية: تأكيد هذه المعية؛ ولهذا قال تعالى: ﴿واعلموا﴾؛ ولم يقتصر على مجرد أن يخبر بها؛ بل أمرنا أن نعلم بذلك؛ وهذا أمر فوق مجرد الإخبار. ٧ - ومنها: بيان إحاطة الله بالخلق، وتأييده بالمتقين الذين يقومون بتقواه؛ ووجه ذلك: أنه من المعلوم بالكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة أن الله فوق جميع الخلق؛ ومع ذلك أثبت أنه مع الخلق. ٨ - ومنها: فضيلة التقوى، حيث ينال العبد بها معية الله؛ فإنه من المعلوم إذا كان الله معك ينصرك، ويؤيدك، ويثبتك فهذا يدل على فضيلة السبب الذي هو التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾. القرآن ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥] التفسير: واستمروا- أيها المؤمنون- في إنفاق الأموال لنصرة دين الله تعالى، والجهاد في سبيله، ولا توقعوا أنفسكم في المهالك بترك الجهاد في سبيل الله، وعدم الإنفاق فيه، وأحسنوا في الانفاق والطاعة، واجعلوا عملكم كله خالصًا لوجه الله تعالى. إن الله يحب أهل الإخلاص والإحسان. في سبب نزول الآية أقوال:

стр. 1451

أحدها: أخرج الطبري عن عامر: "أن الأنصارَ كان احتبس عليهم بعضُ الرزق، وكانوا قد أنفقوا نَفقاتٍ، قال: فَساءَ ظنُّهم وأمسكوا. قال: فأنزل الله: ﴿وأنفقوا في سَبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، قال: وكانت التهلكة سوء ظنهم وإمساكهم" (١). والثاني: أخرج الواحدي "عن النعمان بن بشير في قول الله ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ قال: كان الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفر لي، فأنزل الله هذه الآية" (٢). والثالث: أنها نزلت في الإنفاق من الحرام، قاله: عكرمة (٣). والرابع: أنها نزلت في اقتحام معسكر العدو الذي لا طاقة لهم به (٤). والخامس: أنها نزلت في الإسراف بإنفاق المال، قاله: أبو علي (٥). والسادس: أنها نزلت في إحباط العبد عمله بالمن أو الرياء والسمعة (٦). والأظهر أن الآية نزلت في النفقة، لكن لفظ (التهلكة) عام يشمل جميع ما يصلح لذلك، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، " أي أنفقوا في الجهاد وفي سائر وجوه القربات" (٧). قال المراغي: " أي وابذلوا المال في وسائل الدفاع عن بيضة الدين، فاشتروا السلاح والكراع وعدد الحرب التي لعدوكم مثلها إن لم تزيدوا عليه حتى لا يكون له الغلب عليكم" (٨). قال ابن عثيمين: أي: " ابذلوا الأموال في الجهاد في سبيل الله؛ ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من الجهاد ليشمل كل ما يقرب إلى الله ، ويوصل إليه" (٩). و(سبيل الله): "طاعته (١٠)، والسبيل في الأصل: الطريق (١١)، ويذكر ويؤنث (١٢)، والتأنيث أكثر (١٣)، وسبيل الله: عام يقع على كل عمل خالص أريد به التقرب إلى الله تعالى بأنواع الطاعات (١٤)، وإذا أطلق أريد به الجهاد غالباً" (١٥).

стр. 1452

قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، أي: " لا تلقوأنفسكم إلى ما يهلككم" (١). قال الطبري: أي: "ولا تستسلموا للهلكة، فتُعطوها أزمَّتكم فتهلكوا" (٢). قال القرطبي: " أي إن لم تنفقوا عصيتم الله وهلكتم" (٣). قال القاسمي: أي: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك، وذلك بالتعرض لما تستوخم عاقبته، جهلاً به " (٤). قال الصابوني: أي: " ولا تبخلوا في الانفاق فيصيبكم الهلاك ويتقوى عليكم الأعداء" (٥). قال المراغي: " أي إنكم إن لم تبذلوا في سبيل الله وتأييد دينه كل ما تستطيعون من مال وإعداد للعدّة فقد أهلكتم أنفسكم" (٦). قال أبو عبيدة والزجاج والثعلبي: " ﴿التَّهْلُكَة﴾: "من الهلاك" (٧). قال ابن عثيمين: "ويشمل الهلاك: الحسي والمعنوي، فالمعنوي مثل أن يدع الجهاد في سبيل الله، أو الإنفاق فيه؛ والحسي أن يعرض نفسه للمخاطر، مثل أن يلقي نفسه في نار، أو في ماء يغرقه، أو ينام تحت جدار مائل للسقوط، أو ما أشبه ذلك" (٨). قال المبرد: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾، أراد: أنفسكم، فعبّر بالبعض عن الكلّ كقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠]، ﴿فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] " (٩). قال الراغب: " (الهلاك) انتهاء الشيء في الفساد، وله سمي الموت هلاكا، وقيل للعذاب والخوف في الفقر والبخل وما يجري مجراها مما يؤدي إلى الهلاك هلاكا، والمفازة مهلكة والتهلكة ما يؤدي إلى الهلاك، وامرأة هلوك كأنها تتهالك في مشيها إشارة إلى نحو قول الشاعر (١٠): مريضات أدبات التهادي كأنما ... تخاف على أحشائها أن تقطعا وكني بالهلوك عن الفاجرة لتماثلها. والهالكي كان رجلاً حدادا من قبيلة هالك، فسمت العرب كل حداد باسمه كما سمي كل بناء هاجريا" (١١). وفي تفسير (التهلكة) في الآية الكريمة قولان (١٢): أحدهما: معناه: إن لم تنفقوا في سبيل الله هلكتم، أي عصيتم الله فهلكتم. والثاني: أن المراد: هلكتم بتقوية عدوكم عليكم. أجازه الزجاج (١٣).

стр. 1453

وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، على أقوال (١): أحدها: أن المعنى: أن تتركوا النفقة في سبيل الله تعالى، فتهلكوا بالإثم. قاله حذيفة (٢) (٣)، وابن عباس (٤)، وروي عن عكرمة (٥)، ومحمد بن كعب القرظي (٦)، وعامر (٧)، ومجاهد (٨)، وقتادة، (٩)، والسدي (١٠)، والحسن (١١)، وابن جريج (١٢)، والضحاك (١٣)، مثل ذلك. قال ابن حجر: " وهذا الذي قاله حذيفة جاء مفسراً في حديث أبي أيوب (١٤) أخرجه مسلم (١٥) والنسائي (١٦) وأبو داود (١٧) (١٨) والترمذي (١٩) وابن حبان (٢٠) والحاكم (٢١) من طريق أسلم [أبي] (٢٢) عمران (٢٣)

стр. 1454

قال: "كنا بالقسطنطينية، فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ثم رجع مقبلاً فصاح الناس: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: أيها الناس، إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا بيننا سراً: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإِقامة التي أردناها" (١) " (٢). والثاني: أي لا تخرجوا بغير زاد، فتهلكوا بالضعف، وهذا قول زيد ابن أسلم (٣). والثالث: أي تيأسوا من المغفرة عند ارتكاب المعاصي، فلا تتوبوا، وهذا قول البراء بن عازب (٤)، وعبيدة السلماني (٥)، وروي عن النعمان بن بشير (٦) (٧) نحوه. والرابع: أن تتركوا الجهاد في سبيل الله، فتهلكوا، وهذا قول أبي أيوب الأنصاري (٨). والخامس: أنها التقحم في القتال من غير نكاية في العدو، وهذا قول أبي القاسم البلخي (٩). والسادس: أنه عام محمول على جميع ذلك كله، وهو قول أبي جعفر الطبري (١٠). والقول الأول أظهر؛ لتصدير الآية بذكر النفقة فهو المعتمد في نزولها، وأما قصرها عليه ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ (١١)، والاحسن أن يقال أن قوله تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾، عام في كل ماذكر، " لدخوله فيه، إذ اللفظ يحتمله" (١٢). والله تعالى أعلم. وقد ذكر الراغب الأصفهاني في الآية تأويلان بنظرين (١٣): أحدهما: إنه نهي عن الإسراف في الإنفاق، وعن التهور في الإقدام. والثاني: إنه نهي عن البخل بالمال، وعن القعود عن الجهاد. وكلا المعنيين يراد بها. قال الراغب: "فالإِنْسَان، كما أنه منهي عن الإسراف في الإنفاق، والتهور في الإقدام، فهو منهي عن البخل والإحجام

стр. 1455

عن الجهاد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الآية، وقال: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] الآية" (١). قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ [البقرة: ١٩٥]، أي: و"تحرّوا فعل الإحسان" (٢). قال القاسمي: أي: الإتيان بكل ما هو حسن، ومن أجلِّه الإنفاق" (٣). قال ابن زيد: "عودوا على من ليس في يده شيء" (٤). قال الزجاج: " أي أنفقوا في سبيل الله" (٥). قال الصابوني: " أي أحسنوا في جميع أعمالكم" (٦). وقال البغوي: " أي أحسنوا أعمالكم وأخلاقكم وتفضلوا على الفقراء" (٧). قال القرطبي: "أي: في الإنفاق في الطاعة، وأحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم" (٨). قال الطبري: " أحسنوا أيها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي، وتجنُّب ما أمرتكم بتجنبه من معاصيَّ، ومن الإنفاق في سبيلي، وَعَوْدِ القوي منكم على الضعيف ذي الخَلَّة" (٩). قال المراغي: " أي وأحسنوا كل أعمالكم وجوّدوها ولا تهملوا إتقان شىء منها، ويدخل ذلك التطوع بالإنفاق في سبيل الله لنشر دعوة الدين " (١٠). قال ابن عثيمين: "أي: افعلوا الإحسان في عبادة الخالق؛ وفي معاملة المخلوق؛ أما الإحسان في عبادة الخالق فقد فسره النبي ﷺ بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١١)؛ وأما الإحسان في معاملة الخلق: فأن تعاملهم بما تحب أن يعاملوك به من بذل المعروف، وكفّ الأذى" (١٢). قال الراغب: "الإحسان: هو تحري العدالة والزيادة عليها، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] " (١٣). قال الشيخ السعدي: "ولما كانت النفقة في سبيل الله نوعا من أنواع الإحسان، أمر بالإحسان عموما فقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال كما تقدم، ويدخل فيه الإحسان بالجاه، بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك، الإحسان بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس، من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم، وإعانة من يعمل عملا والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك، مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضا، الإحسان في عبادة الله تعالى، وهو كما ذكر النبي ﷺ : "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن

стр. 1456

تراه، فإنه يراك" (١)، فمن اتصف بهذه الصفات، كان من الذين قال الله فيهم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وكان الله معه يسدده ويرشده ويعينه على كل أموره" (٢). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ [البقرة: ١٩٥]، وجوه: أحدها: أنه عنى به الإحسان في آداء الفرائض، وهو قول بعض الصحابة (٣). والثاني: أن المراد: وأحسنوا الظن بالله، وهو قول عكرمة (٤)، وابن عباس (٥). والثالث: عُودُوا بالإحسان على مَنْ ليس بيده شيء، وهذا قول زيد بن أسلم (٦). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، أي" حتى يحبكم الله وتكونوا من أوليائه المقربين" (٧). قال الزجاج: أي" فمن أنفق في سبيل الله فمحسن" (٨). قال أبو السعود: " أي يريد بهم الخيرَ" (٩). قال ابن عثيمين: " تعليل للأمر بالإحسان؛ ولو لم يكن من الإحسان إلا هذا لكان كافياً للمؤمن أن يقوم بالإحسان" (١٠). قال الراغب: "نبّه بإظهار المحبة للمحسنين على شرف منزلتهم وفضيلة أفعالهم" (١١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الأمر بالإنفاق في سبيل الله؛ والزكاة تدخل في هذا الإنفاق؛ بل هي أول ما يدخل؛ لأنها أوجب ما يجب من الإنفاق في سبيل الله؛ وهي أوجب من الإنفاق في الجهاد، وفي صلة الرحم، وفي بر الوالدين؛ لأنها أحد أركان الإسلام. ٢ - ومنها: الإشارة إلى الإخلاص في العمل؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾؛ ويدخل في هذا: القصد، والتنفيذ - أن يكون القصد لله -، وأن يكون التنفيذ على حسب شريعة الله، كما قال تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ [الفرقان: ٦٧]. ٣ - ومنها: تحريم الإلقاء باليد إلى التهلكة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾؛ والإلقاء باليد إلى التهلكة يشمل التفريط في الواجب، وفعل المحرم؛ أو بعبارة أعم: يتناول كل ما فيه هلاك الإنسان، وخطر في دينه، أو دنياه. ٤ - ومنها: أن ما كان سبباً للضرر فإنه منهي عنه؛ ومن أجل هذه القاعدة عرفنا أن الدخان حرام؛ لأنه يضر باتفاق الأطباء، كما أن فيه ضياعاً للمال أيضاً؛ وقد نهى (ص) عن إضاعة المال (١٢). ٥ - ومنها: الأمر بالإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿وأحسنوا﴾؛ وهل الأمر للوجوب، أو للاستحباب؟

стр. 1457

الجواب: أما الإحسان الذي به تمام الواجب فالأمر فيه للوجوب؛ وأمّا الإحسان الذي به كمال العمل فالأمر فيه للاستحباب. ٦ - ومنها: فضيلة الإحسان، والحث عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب المحسنين﴾. ٧ - ومنها: إثبات المحبة لله ؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب المحسنين﴾؛ وهي محبة حقيقية على ظاهرها؛ وليس المراد بها الثواب؛ ولا إرادة الثواب خلافاً للأشاعرة، وغيرهم من أهل التحريف الذين يحرفون هذا المعنى العظيم إلى معنًى لا يكون بمثابته؛ فإن مجرد الإرادة ليست بشيء بالنسبة للمحبة؛ وشبهتهم أن المحبة إنما تكون بين شيئين متناسبين؛ وهذا التعليل باطل، ومخالف للنص، ولإجماع السلف، ومنقوض بما ثبت بالسمع والحس من أن المحبة قد تكون بين شيئين غير متناسبين؛ فقد أثبت النبي ﷺ أن أُحُداً - وهو حصى - جبل يحبنا ونحبه (١)؛ والإنسان يجد أن دابته تحبه، وهو يحبها؛ فالبعير إذا سمعت صوت صاحبها حنت إليه، وأتت إليه؛ وكذلك غيره من المواشي؛ والإنسان يجد أنه يحب نوعاً من ماله أكثر من النوع الآخر. القرآن ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦] التفسير: وأدُّوا الحج والعمرة تامَّيْنِ، خالصين لوجه الله تعالى. فإن منعكم عن الذهاب لإتمامهما بعد الإحرام بهما مانع كالعدو والمرض، فالواجب عليكم ذَبْحُ ما تيسر لكم من الإبل أو البقر أو الغنم تقربًا إلى الله تعالى؛ لكي تَخْرُجوا من إحرامكم بحلق شعر الرأس أو تقصيره، ولا تحلقوا رؤوسكم إذا كنتم محصرين حتى ينحر المحصر هديه في الموضع الذي حُصر فيه ثم يحل من إحرامه، كما نحر النبي ﷺ في "الحديبية" ثم حلق رأسه، وغير المحصر لا ينحر الهدي إلا في الحرم، الذي هو محله في يوم العيد، اليوم العاشر وما بعده من أيام التشريق. فمن كان منكم مريضًا، أو به أذى من رأسه يحتاج معه إلى الحلق -وهو مُحْرِم- حَلَق، وعليه فدية: بأن يصوم ثلاثة أيام، أو يتصدق على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، أو يذبح شاة لفقراء الحرم. فإذا كنتم في أمن وصحَّة: فمن استمتع بالعمرة إلى الحج وذلك باستباحة ما حُرِّم عليه بسبب الإحرام بعد انتهاء عمرته، فعليه ذبح ما تيسر من الهدي، فمن لم يجد هَدْيًا يذبحه فعليه صيام ثلاثة أيام في أشهر الحج، وسبعة إذا فرغتم من أعمال الحج ورجعتم إلى أهليكم، تلك عشرة كاملة لا بد من صيامها. ذلك الهَدْيُ وما ترتب عليه من الصيام لمن لم يكن أهله من ساكني أرض الحرم، وخافوا الله تعالى وحافظوا على امتثال أوامره واجتناب نواهيه، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره، وارتكب ما عنه زجر. في سبب نزول الآية وجوه: أحدها: أخرج ابن أبي حاتم" عن صفوان بن أمية، أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ متضمخا بالزعفران، عليه جبة، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ قال: فأنزل الله: وأتموا الحج والعمرة لله

стр. 1458

فقال رسول الله ﷺ : أين السائل عن العمرة؟ فقال: ها أنا ذا. فقال له: الق عنك ثيابك ثم أغتسل واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت- يعني صانعا- في حجك، فاصنعه في عمرتك" (١). والثاني: وقال مقاتل بن سليمان: إن" أهل الجاهلية كانوا يشركون في إحرامهم. فأمر الله- النبي- ﷺ والمسلمين أن يتموهما لله فقال: وأتموا الحج والعمرة لله وهو ألا يخلطوهما بشيء" (٢). والثالث: قال القرطبي: " أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتفاضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق، وكل ذلك ليس لله فيه طاعة، ولا حظ بقصد، ولا قربة بمعتقد. فأمر الله بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه، ثم سامح في التجارة" (٣). والرابع: أخرج الواحدي "عن كعب بن عجرة قال: "فيّ نزلت هذه الآية: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه﴾ وقع القمل في رأسي فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: " احلق وافده صيام ثلاثة أيام، أو النسك، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين صاع" (٤). قال ابن حجر: " ثم اختلف في سَنَتِه (٥) فالجمهور على أنها سنة ست (٦)؛ لأنها نزلت فيها ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٧)، وهذا ينبني على أن المراد بالإِتمام ابتداء الفرض (٨)، ويؤيده قراءة علقمة (٩) (١٠) ومسروق (١١) (١٢)

стр. 1459

وإبراهيم النخعي (١) بلفظ: ﴿وأقيموا﴾ أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم، وقيل: المراد بالإِتمام الإِكمال بعد الشروع (٢)، وهذا يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك (٣) " (٤). الخامس: أخرج ابن حجر عن مجاهد قال: "كان أهل الجاهلية إذا حجوا قالوا: إذا عفا الأثر وتولى الدبر ودخل صفر حلت العمرة لمن اعتمر فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج﴾ تغييرا لما كان أهل الجاهلية يصنعون وترخيصا للناس" (٥). السادس: أخرج الطبري عن ابن زيد، قال: " كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون، كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم. فقطعه الله حين أعلم نبيه ﷺ بمناسكهم" (٦). قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، "أي: أدوهما تامّين بأركانهما وشروطهما لوجه الله تعالى" (٧). قال الطبري: أي: " وأتموا أيها المؤمنون الحجّ والعمرة لله بعد دخولكم فيهما وإيجابكموهما على أنفسكم، على ما أمركم الله من حدودهما" (٨). قال ابن عثيمين: أي "ائتوا بهما تامتين؛ وهذا يشمل كمال الأفعال في الزمن المحدد، وكذلك صفة الحج، والعمرة، أن تكون موافقة تمام الموافقة لما كان النبي ﷺ يقوم به و (اللام) في قوله تعالى: ﴿لله﴾ تفيد الإخلاص، يعني مخلصين لله ممتثلين لأمره" (٩). وفي قراءة عبد الله: ﴿وَأَقِيمُوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ إِلى الْبَيْتِ﴾ (١٠).

стр. 1460

وقد اختلف العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، على وجوه (١): أحدها: يعني وأتموا الحج لمناسكه وسننه، وأتموا العمرة بحدودها وسنتها، وهذا قول ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وعلقمة بن قيس (٤)، وإبراهيم (٥)، والربيع (٦). والثاني: أن إتمامهما أَنْ تُحْرِمَ بهما من دُوَيْرَةِ أهلك، وهذا قول علي (٧)، وطاوس (٨)، وسعيد بن جبير (٩). والثالث: أن إتمام العمرة، أن نخدم بها في غير الأشهر الحرم، وإتمام الحج أن تأتي بجميع مناسكه، حتى لا يلزم دم لجبران نقصان، وهذا قول قتادة (١٠)، والقاسم بن محمد (١١). والرابع: أن تخرج من دُوَيْرَةِ أهلك، لأجلهما، لا تريد غيرهما من تجارة، ولا مكسب، وهذا قول سفيان الثوري (١٢). والخامس: أن إتمامهما واجب بالدخول فيهما، وهذا قول الشعبي (١٣)، وأبي بردة (١٤)، وابن زيد (١٥)، ومسروق (١٦)، وعطاء (١٧)، وعلي بن حسين (١٨)، وسعيد بن جبير (١٩) في أحد قوليه. والصواب-والله أعلم- أن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، "أمرٌ من الله بإتمام أعمالهما بعد الدُّخول فيهما وإيجابهما على ما أمِر به من حدودهما وسنَنِهما" (٢٠). وقد اختلف أهل العلم في (العمرة) هل هي واجبة أم تطوّع، وفيه قولان: أحدهما: أن الله أوجب العمرة وجوبَ الحج، واحتجوا على ذلك بقراءة ﴿وَالْعُمْرَةَ﴾ بنصبها، أي: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، بمعنى أقيموا فرضَ الحجّ والعمرةَ. وهذا قول الشعبي (٢١)، وعطاء (٢٢)، وسعيد بن جبير (٢٣) في أحد قوليه. الثاني: أن (العمرة) تطوع، وهذا قول عبدالله بن مسعود (٢٤)، وسعيد بن جبير (٢٥)، وإبراهيم (٢٦)، والشعبي (٢٧).

стр. 1461

وهؤلاء رأوا أنه لا دلالة على وجوبها في نَصْبهم ﴿والعمرةَ﴾، وقالوا: بأن العمرة من الأعمال ما قد يلزم العبدَ عمله وإتمامُه بدخوله فيه، ولم يكن ابتداءُ الدخول فيه فرضًا عليه. وذلك كالحج التطوُّع، ولا خلاف بين الجميع فيه أنه إذا أحرم به أنّ عليه المضيَّ فيه وإتمامه، ولم يكن فرضًا عليه ابتداء الدخولُ فيه. وقالوا: فكذلك العمرة غيرُ فرضٍ واجب الدخولُ فيها ابتداءً، غير أن على من دخل فيها وأوجبَها على نفسه إتمامَها بعد الدخول فيها. قالوا: فليس في أمر الله بإتمام الحج والعمرة دلالةٌ على وجوب فرضها. قالوا: وإنما أوَجبنا فرضَ الحجّ بقوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [سورة آل عمران: ٩٧] (١). والصواب أن "العمرة تطوع لا فرض" (٢). وقد روي عن النبي ﷺ : أنه سئل عن العمرة أواجبة هي؟ ، فقال: " لا، وأن تعتمروا خيرٌ لكم" (٣). وعن أبي صالح الحنفي، قال: قال رسول الله ﷺ : الحجُّ جهادٌ، والعمرة تطوع" (٤). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، على وجهين (٥): أحدهما: ﴿وَالْعُمْرَةَ﴾، بالنصب عطفا على ﴿الْحَجَّ﴾. والثاني: ﴿وَالْعُمْرَةُ﴾، بالرفع، على أنه من أعمال البِرِّ لله، فتكون مرفوعة بخبرها الذي بعدها، وهو قوله: ﴿لله﴾. وأولى القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ بنصب ﴿وَالْعُمْرَةَ﴾، عطفا على قوله ﴿الحجّ﴾، بمعنى الأمر بإتمامهما له. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، " أي إذا منعتم عن إتمام الحج أو العمرة" (٦). قال ابن عثيمين: "أي: فإن" منعتم عن إتمامها" (٧). قال القاسمي: إي: وإذا " حبسكم عدو عن إتمام الحجج أو العمرة وأردتم التحلل" (٨). وقد اختلف أهلم العلم في تفسير (الإحصار) الذي جعل الله على من ابتلي به في حجه وعمرته ما استيسر من الهدي، وفيه ثلاثة أقوال:

стр. 1462

أحدهما: أنه كل حابس من عدوّ، أو مرض، أو عذر، وهو قول ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وعطاء (٣)، وقتادة (٤)، وإبراهيم (٥)، وعروة بن الزبير (٦)، ومقاتل بن حيان (٧)، وأبي حنيفة (٨). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] يعني به: حاصرًا، أي حابسًا" (٩). والثاني: أنه الإحصار بالعدوّ، دون المرض، وهو قول ابن عباس (١٠)، وابن عمر (١١)، وطاوس (١٢)، والزهري (١٣)، وزيد بن أسلم (١٤)، وأنس بن مالك (١٥)، والشافعي (١٦). قالوا: "فإنما أنزل الله هذه الآية في حَصْر العدو، فلا يجوز أن يصرف حكمها إلى غير المعنى الذي نزلتْ فيه" (١٧). والثالث: أن الإحصار من كل شيء مؤذي. قاله الثوري (١٨). والصواب أن تفسير الآية مرادٌ بها إحصارُ غير العدوّ وأنه إنما يراد بها الخوف من العدو، ويدل عليه كلمة (الأمنُ) في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾، لأن (الأمن) لا يكون إلا بزوال الخوف، وإذ كان ذلك كذلك، "فمعلوم أن الإحصار الذي عنى الله في هذه الآية، هو الخوف الذي يكون بزواله الأمنُ " (١٩). قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: "فعليكم ما تيسر من الهدي الشرعي" (٢٠). قال الصابوني: أي: " فعليكم أن تذبحوا ما تيسر من بدنة أو بقرةٍ أو شاة" (٢١). قال ابن عثيمين: "وهو ما كان ثنياً مما سوى الضأن؛ لقول النبي ﷺ : "لا تذبحوا إلا مسنَّة إلا إن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن" (٢٢)؛ وهذا النهي يشمل كل ما ذبح تقرباً إلى الله من هدي، أو أضحية، أو عقيقة" (٢٣).

стр. 1463

قال القاسمي: "وأعلى الهدي بدنة، وأدناه شاة. والمعنى: أن المحرم إذا أُحصر وأراد أن يتحلل، تحلل بذبح هدي تيسر عليه: من بدنة أو بقرة أو شاة " (١). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قولان: أحدهما: أنه شاةُ، وهو قول ابن عباس (٢)، والحسن (٣)، وقتادة (٤)، وعطاء (٥)، والسدي (٦)، وعلقمة (٧)، وإبراهيم (٨)، وأبي جعفر (٩)، وعلي (١٠)، ومالك (١١)، وأكثر الفقهاء. والثاني: أنه من الإبل والبقر، سن دون سن، وهو قول عمر (١٢)، وعائشة (١٣)، ومجاهد (١٤)، وطاوس (١٥)، وعروة (١٦). قال الثعلبي: " وأقوى الأقوال بالصواب قول من قال إنه شاة، لأنه أقرب إلى التيسر، ولأن الله سمي الشاة هديا في قوله هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وفي الظبي شاة" (١٧). قال الطبري: و ﴿الهدي﴾، إنما سمي (هديا)، "لأنه تقرب به إلى الله جل وعز مهديه، بمنزلة الهدية يهديها الرجل إلى غيره متقربا بها إليه، يقال منه: أهديت الهدي إلى بيت الله، فأنا أهديه إهداء، كما يقال في الهدية يهديها الرجل إلى غيره: أهديت إلى فلان هدية وأنا أهديها، ويقال للبدنة (هدية)، ومنه قول زهير بن أبي سلمى، يذكر رجلا أسر، يشبهه في حرمته بالبدنة التي تهدى (١٨): فلم أر معشرا أسروا هديا ... ولم أر جار بيت يستباء! " (١٩) وفي اشتقاق ﴿الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قولان (٢٠):

стр. 1464

أحدهما: أنه مأخوذ من الهدية. قاله أبو علي (١). والثاني: مأخوذ من قولهم: هديتُه هَدْياً، إذا سقته إلى طريق سبيل الرشاد. وفي ﴿الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قراءتان (٢): إحداهما: ﴿الْهَدْيِ﴾، بالتخفيف.، وهي لغة أهل الحجاز. والثانية: ﴿الهديّ﴾، بكسر الدال وتشديد الياء، قراءة مجاهد والزهري وابن هرمز وأبي حيوة، ورواه عصمة عن عاصم. وشاهد الهديّ مثقلاً من كلامهم قول الفرزدق (٣): حَلَفتُ بربِّ مكة والمصَلَّى ... وَأَعنَاقِ الهديِّ مقلّدَاتِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، " أي لا تتحللوا من إحرامكم بالحلق أو التقصير حتى يصل الهدي المكان الذي يحل ذبحه فيه وهو الحرم أو مكان الإِحصار" (٤). قال الطبري: "وذلك أن حلق الرأس إحلال من الإحرام الذي كان المحرم قد أوجبه على نفسه. فنهاه الله عن الإحلال من إحرامه بحلاقه، حتى يبلغ الهدي - الذي أباح الله جل ثناؤه له الإحلال جل ثناؤه بإهدائه - محله" (٥). وفي محل هدي المحصر، ثلاثة أقاويل (٦): أحدها: حيث أُحْصِر من حِلٍ أو حَرَم، وهذا قول ابن عمر (٧)، والمِسْوَر بن مخرمة (٨)، ومروان بن الحكم (٩)، وبه قال الشافعي (١٠). والقول الثاني: أنه الحَرَم، وهو قول عليّ (١١)، وابن عباس (١٢)، وابن مسعود (١٣)، وعطاء (١٤)، والسدي (١٥)، ومقاتل (١٦)، وبه قال أبو حنيفة (١٧). والقول الثالث: أن مَحِلّهُ أن يتحلل من إحرامه بادئاً نسكه، والمقام على إحرامه إلى زوال إحصاره، وليس للمحرم أن يتحلل بالاحصار بعد رسول الله ﷺ ، فإن كان إحرامُه بعمرة لم يَفُتْ وإن كان بحج قضاه بالفوات بعد الإحلال منه، وهذا مروي عن ابن عباس (١٨)، وعائشة (١٩)، وبه قال مالك (٢٠).

стр. 1465

واختلفوا في المحل الذي يحل المحصر يبلغ هديه إليه، على قولين (١): أحدهما: أن ﴿مَحِلَّهُ﴾، يحتمل أن تكون اسم زمان؛ والمعنى: حتى يصل إلى يوم حلوله - وهو يوم العيد -؛ وثبتت السنة بأن من قدّم الحلق على النحر فلا حرج عليه (٢). والثاني: أن المعنى: حتى يذبح الهدي؛ وتكون الآية فيمن ساق الهدي؛ ويؤيد هذا أن النبي ﷺ سئل ما بال الناس حلوا ولم تحل؟ فقال ﷺ : "إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر" (٣). قال القاسمي: أي حتى يصل الهدي "الموضع الذي يحلّ فيه نحره، وهو مكانه الذي يستقر فيه، يعني: موضع الإحصار، وبلوغه إياه كناية عن ذبحه فيه، واستعمال بلوغ الشيء محله في وصوله إلى ما يقصد منه - شائع. ولما اعتمر النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية، وحصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم بها ولم يبعثوا به إلى الحرم" (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: "فمن كان منكم معشر المحرمين مريضا مرضا يتضرر معه بالشعر فحلق، أو كان به أذى من رأسه كقمل وصداع فحلق في الإحرام" (٥). قال الثعلبي: أي: " ولا تحلقوا رؤسكم حال الإحرام إلا أن يضطر الرجل حلقه إما لمرض يحتاج إلى مداواته، أو به أذى من رأسه من هوام وصداع" (٦). قال الطبري: أي" ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله، إلا أن يضطر إلى حلقه منكم مضطر، إما لمرض، وإما لأذى برأسه، من هوام أو غيرها، فيحلق هنالك للضرورة النازلة به، وإن لم يبلغ الهدي محله" (٧). قال ابن جريج: "قلت لعطاء: ما ﴿أذى من رأسه﴾؟ قال: القمل وغيره، والصدع، وما كان في رأسه" (٨). قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي "فعليه فدية يفدي بها نفسه من العذاب، والفدية: "إما صيام ثلاثة أيام، أو يتصدق بثلاثة آصع على ستة مساكين، أو يذبح ذبيحة وأقلها شاة" (٩). قال الثعلبي: أي: " ففدية من صيام ثلاثة أيام، أو صدقة على ست مساكين لكل مسكين نصف صاع أو نسك أو ذبيحة واحدها نسكة" (١٠). قال الماوردي: "وأما النسك، فشاة" (١١).

стр. 1466

وقرأ الحسن: " ﴿أو نسك﴾، تخفيفا وهي لغة تميم" (١). واختلف أهل العلم في مبلغ الصيام الذي أوجبه الله على من حلق شعره من المحرمين، وفيه قولان: أحدهما: أنه صيام ثلاثة أيام، وهذا قول علي (٢)، ومجاهد (٣)، وعطاء (٤)، وأبي مالك (٥)، وعلقمة، وإبراهيم (٦)، وكعب بن عجزة (٧)، والسدي (٨)، والربيع (٩)، وبه قال الشافعي (١٠). والقول الثاني: أنه صيام عشرة أيام كصيام المتمتع، وهو قول الحسن (١١)، وعكرمة (١٢). واختلفوا في مقدار الصدقة التي أوجبها الله تعالى على من حلق شهره من المحرمين، وفيه قولان (١٣): أحدهما: ستة مساكين، وهو قول من أوجب صيام ثلاثة أيام. والقول الثاني: إطعام عشرة مساكين، وهو قول من أوجب صيام عشرة أيام. قوله تعالى ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، " أي كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإحصار آمنين" (١٤). قال البيضاوي: أي: " الإِحصار. أو كنتم في حال سعة وأمن" (١٥). قال الشيخ السعدي: " أي: بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره" (١٦). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنتُم﴾ [البقرة: ١٩٦] قولان: أحدهما: من مرضكم. وهو قول علقمة (١٧)، وروي عن عروة (١٨)، نحو ذلك. والثاني: من خوفكم. قاله قتادة (١٩)، والربيع (٢٠). والقول الأخير هو الأقرب إلى الصواب، " لأن (الأمن) هو خلاف (الخوف)، لا خلاف (المرض)، إلا أن يكون مرضا مخوفا منه الهلاك، فيقال: فإذا أمنتم الهلاك من خوف المرض وشدته، وذلك معنى بعيد" (٢١).

стр. 1467

قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، " فَمن استمتع وانتفع بالتقرب إلى الله بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج في أشهره" (١). قال ابن عثيمين: "أي "فمن أتى بالعمرة متمتعاً بحله منها بما أحل الله له من محظورات الإحرام، إلى ابتداء زمن الحج؛ وهو اليوم الثامن من ذي الحجة" (٢). قال الصابوني: " أي من اعتمر في أشهر الحج واستمتع بما يستمتع به غير المحرم من الطيب والنساء وغيرها" (٣). واختلفوا في هذا المتمتع على ثلاثة أقاويل (٤): أحدها: أنه المُحْصَرُ بالحج، إذا حَلَّ منه بالإحصار، ثم عاد إلى بلده متمتعاً بعد إحلاله، فإذا قضى حجَّه في العام الثاني، صار متمتعاً بإحلالٍ بيْن الإحْرَامَين، وهذا قول الزبير (٥). والثاني: فمن نسخ حَجَّهُ بعمرة، فاستمتع بعمرة بعد فسخ حَجِّهِ، وهذا قول السدي (٦). والثالث: فمن قَدِمَ الحرم معتمراً في أشهر الحج، ثم أقام بمكة حتى أحرم منها بالحج في عامِهِ، وهذا قول ابن عباس (٧)، وابن عمر (٨)، ومجاهد (٩)، وعطاء (١٠)، وابن أبي ليلى (١١)، وسعيد بن المسيب (١٢)، والشافعي (١٣)، وهو قول الجمهور. والأظهر قول الجمهور، قال النحاس مستدلاً لقولهم: "ويدلك على أن حكم غير المحصر في هذا الحكم كالمحصر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فهذا للمحصر وغيره سواء، وكذلك التمتع" (١٤). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: " " فعليه ما تيسّر من الهدي" (١٥). قال الصابوني: " وهو شاة يذبحها شكراً لله تعالى" (١٦). قال ابن عثيمين: أي "فعليه ما استيسر من الهدي شكراً لله على نعمة التحلل؛ ويقال في هذه الجملة ما قيل في الجملة التي سبقت في الإحصار" (١٧). قال صاحب الكشاف: " واستمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج: انتفاعه بالتقرّب بها إلى اللَّه تعالى قبل الانتفاع بتقرّبه بالحج. وقيل: إذا حلّ من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرّماً عليه إلى أن يحرم من الحج" (١٨).

стр. 1468

قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، " أي من لم يجد ثمن الهدي فعليه صيام عشرة أيام، ثلاثة حين يحرم بالحج وسبعة إذا رجع إلى وطنه" (١). قال ابن عثيمين: " أي: فمن لم يجد الهدي، أو ثمنه فعليه صيام ثلاثة أيام في أثناء الحج، وفي أشهره، وسبعة إذا رجعتم من الحج بإكمال نسكه، أو إذا رجعتم إلى أهليكم" (٢). قال الشيخ السعدي: " أي: فرغتم من أعمال الحج، فيجوز فعلها في مكة، وفي الطريق، وعند وصوله إلى أهله" (٣). قال ابن حجر: "أي: لم يجد الهدي بذلك المكان، ويتحقق ذلك: بأن يعدم الهدي أو يعدم ثمنه (٤) حينئذ أو يجد ثمنه لكن يحتاج إليه لأهم من ذلك أو يجده لكن يمتنع صاحبه من بيعه أو يمتنع من بيعه إلا بغلائه فينقل إلى الصوم كما هو نص القرآن (٥)، والمراد بقوله: (فِيْ الحَجِّ) أي: بعد الإِحرام به" (٦) " (٧) ... " وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل في هذا المقام من غيره، بل السر فيه: أن الصحابة الذين خوطبوا شفاهاً بذلك كان أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح والإِطعام (٨) " (٩) ... والصيام المطلق في الآية مقيد بما ثبت في الحديث بالثلاث (١٠).

стр. 1469

و"قوله (وَسَبعَةٍ إِذَا رَجَعتُم) ... ومعنى الرجوع: التوجه من مكة فيصومها في الطريق إن شاء (١)، وبه قال إسحاق بن راهوية (٢) (٣) " (٤). واختلف أهل التفسير في الثلاثة أيام التي أوجب الله عليه صومهن في الحج، وفيه قولان (٥): أحدهما: بعد إحرامه وقبل يوم النحر، وهذا قول علي (٦)، وابن عباس (٧)، وابن عمر (٨)، وعروة (٩)، والحسن (١٠)، والحكم (١١)، وإبراهيم (١٢)، وسعيد بن جبير (١٣)، وعطاء (١٤)، ومجاهد (١٥)، وطاوس (١٦)، وعامر (١٧)، وقتادة (١٨)، والسدي (١٩)، والربيع (٢٠)، وأبو جعفر (٢١)، والشافعي في الجديد (٢٢). والثاني: أنها أيام التشريق، وهذا قول عائشة (٢٣)، وعلي (٢٤)، وعروة (٢٥)، وابن عُمر في رواية سالم عنه (٢٦)، والشافعي في القديم (٢٧). وهو الظاهر (٢٨).

стр. 1470

واختلفوا في جواز تقديمها قبل الإحرام بالحج على قولين (١): أحدهما: لا يجوز، وهذا قول ابن عمر (٢)، وابن عباس (٣). والثاني: يجوز. واختلف قائلو ذلك في زمان تقديمه قبل الحج على قولين (٤): أحدهما: عشر ذي الحجة، ولا يجوز قبلها، وعطاء (٥)، وأبي جعفر (٦). والثاني: في أشهر الحج، ولا يجوز قبلها، وهو قول مجاهد (٧)، وطاوس (٨). والصواب: "أن للمتمتع أن يصوم الأيام الثلاثة التي أوجب الله عليه صومهن لمتعته إذا لم يجد ما استيسر من الهدي، من أول إحرامه بالحج بعد قضاء عمرته واستمتاعه بالإحلال إلى حجه، إلى انقضاء آخر عمل حجه وذلك بعد انقضاء أيام منى سوى يوم النحر، فإنه غير جائز له صومه ابتدأ صومهن قبله، أو ترك صومهن فأخره حتى انقضاء يوم عرفة" (٩). والله تعالى أعلم.

стр. 1471

وفي زمان صيام السبعة الأيام في قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قولان (١): أحدهما: إذا رجعتم من حجكم في طريقكم، وهو قول مجاهد (٢)، ومنصور (٣). والثاني: إذا رجعتم إلى أهليكم في أمصاركم، وهو قول عطاء (٤)، وقتادة (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، والربيع (٧). قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، " أي عشرة أيام كاملة تجزئ عن الذبح، وثوابها كثوابه من غير نقصان" (٨). وفي قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أربعة تأويلات (٩): أحدها: أنها عشرة كاملة في الثواب كمن أهدى، وهو قول الحسن (١٠). والثاني: عشرة كَمَّلَت لكم أجر من أقام على إحرامه فلم يحل منه ولم يتمتع. والثالث: أنه خارج مخرج الخبر، ومعناه معنى الأمر، أي تلك عشرة، فأكملوا صيامها ولا تفطروا فيها. والرابع: تأكيد في الكلام، وهو قول ابن عباس (١١). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] (١٢)، ولا يكون الـ (خر) إلا من فوق، فأما من موضع آخر، فإنما يجوز على سعة الكلام" (١٣). قال الواحدي: " وإنما قال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ مع العلم بأن الثلاثة والسبعة عشرة، للتأكيد، كقول الفرزدق (١٤): ثَلاثٌ واثْنَتَانِ فهُنَّ خَمْسُ ... وسادسة تميل إلى شمام وكقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] " (١٥). وقال الزجاج: " والذي في هذا - واللَّه أعلم - أنه لما قيل ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾، جاز أن يَتَوهم المتوهمُ أن الفرض ثلاثة أيام في الحج أو سبعة في الرجوع - فأَعلم اللَّه أن العشرة مفترضة كلها، فالمعنى: المفروض عليكم صوم عشرة كاملة على ما ذكر من تفرقها في الحج والرجوع" (١٦).

стр. 1472

قال الطبري: " وأولى هذه الأقوال عندي [بالصواب] قول من قال: معنى ذلك تلك عشرة كاملة عليكم فرضنا إكمالها. وذلك أنه جل ثناؤه قال: فمن لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ثم قال: تلك عشرة أيام عليكم إكمال صومها لمتعتكم بالعمرة إلى الحج. فأخرج ذلك مخرج الخبر، ومعناه الأمر بها" (١). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، " أي التمتع بالعمرة إلى الحج، لمن لم يكن حاضراً المسجد الحرام" (٢). قال الزجاج: " أي هذا الفرض على من لم يكن من أهله بمكة" (٣). قال الواحدي: " أي: ذلك الفرض والذي أمرنا به لمن كان من الغرباء من غير أهل مكة" (٤). قال الصابوني: " أي ذلك التمتع أو الهَدْي خاص بغير أهل الحرام، أما سكّان الحرم فليس لهم تمتع وليس عليهم هدي" (٥). واختلف في المراد بـ ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، على أربعة أقاويل: أحدها: أنهم أهل الحرم دون غيرهم، وهو قول ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، وقتادة (٨)، وطاوس (٩)، ونافع (١٠)، والأعرج (١١)، وهو قول مالك (١٢)، واختاره الطحاوي (١٣) ورجحه (١٤). واختاره الشيخ ابن عثيمين قائلا: "وأما من كان من غير أهل الحرم فليسوا من حاضريه؛ بل هم من محل آخر؛ وهذا هو الذي ينضبط" (١٥). والثاني: أنهم مَن بيْن مكة والمواقيت، وهو قول مكحول (١٦)، وعطاء (١٧)، وهو قول الشافعي في القديم (١٨).

стр. 1473

والثالث: أنهم أهل الحَرَمِ ومَنْ قرُب منزله منه، كأهل عرفة، والرجيع، وهو قول الزهري (١)، وعطاء (٢)، وابن زيد (٣). والرابع: أنهم مَن كان على مسافة لا يقصر في مثلها الصلاة، وهو قول الشافعي في الجديد (٤)، ووافقه أحمد (٥). والظاهر، هو القول الأول، أي: أنهم أهل الحرم دون غيرهم (٦)، لأن الله- -قال: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ والمسجد الحرام هنا: الحرم؛ إذ يبعد أن يكون مراداً به الكعبة أو المسجد إذ لا سكنى لأهل أحد فيه، وإلحاق غيره في حكمه بعيد، وقصره على بعضه أبعد. والله أعلم. واختلف في تفسير الإشارة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، على قولين: أحدهما: أحدهما: أن (ذَلِك) في الآية إشارة إلى التمتع المفهوم من قوله سبحانه-: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾، وبالتالي فلا متعة ولا قران على حاضري المسجد الحرام (٧). والثاني: أن (ذَلِكَ) في الآية إشارة إلى لزوم الهدي أو بدله على المتمتع واللذان يجبان على غير حاضري المسجد الحرام، وهو قول مالك والشافعي والجمهور، ويدل له عود الإشارة على أقرب مذكور في الآية (الهدي أو بدله) واللام في (لِمَنْ) على هذا القول بمعنى على (٨). وفي (اللام) في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قولان: أحدهما: أن معناها: (على). قاله الفراء (٩). أي: "ذلك الفرض الذي هو الدمُ أو الصومُ على من لم يكن من أهل مكة، كقوله ﷺ : "اشترطي لهم الولاء" (١٠). أي: عليهم" (١١).

стр. 1474

والثاني: أن اللام على بابها، والمعنى: ذلك لازم لمن (١). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٦]، " أي خافوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه" (٢). قال ابن عثيمين: "أي: الزموا تقوى الله ، وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه" (٣). قال السعدي: أي: " في جميع أموركم، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومن ذلك، امتثالكم، لهذه المأمورات، واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية" (٤). قال الطبري: " بطاعته فيما ألزمكم من فرائضه وحدوده، واحذروا أن تعتدوا في ذلك وتتجاوزوا فيما بين لكم من مناسككم، فتستحلوا ما حرم فيها عليكم" (٥). قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، " واعلموا أن عقابه شديد لمن خالف أمره" (٦). قال الطبري: "أي تيقنوا أنه تعالى ذكره شديد المؤاخذة، والعقوبة، لمن عاقبه على ما انتهك من محارمه وركب من معاصيه" (٧). قال ابن عثيمين: " وسميت المؤاخذة عقاباً؛ لأنها تأتي عقب الذنب" (٨). قال السعدي: " من خاف عقاب الله، انكف عما يوجب العقاب، كما أن من رجا ثواب الله عمل لما يوصله إلى الثواب، وأما من لم يخف العقاب، ولم يرج الثواب، اقتحم المحارم، وتجرأ على ترك الواجبات" (٩). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب إتمام الحج، والعمرة؛ وظاهر الآية أنه لا فرق بين الواجب منهما، وغير الواجب؛ ووجه هذا الظاهر: العموم في قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾؛ فيكون شاملاً للفريضة، والنافلة؛ ويؤيده أن هذه الآية نزلت قبل فرض الحج؛ لأن الحج إنما فرض في السنة التاسعة في قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]؛ السنة التي يسميها العلماء سنة الوفود. ٢ - ومن فوائد الآية: أن العمرة، والحج سواء في وجوب إتمامهما؛ لقوله تعالى: ﴿الحج والعمرة﴾. ٣ - ومنها: أنه لا تجوز الاستنابة في شيء من أفعال الحج، والعمرة؛ فلو أن أحداً استناب شخصاً في أن يطوف عنه، أو أن يسعى عنه، أو أن يقف عنه بعرفة، أو أن يقف عنه بمزدلفة، أو أن يرمي عنه الجمار، أو أن يبيت عنه في منى فإنه حرام؛ لأن الأمر بالإتمام للوجوب؛ فيكون في ذلك رد لقول من قال من أهل العلم: إنه تجوز الاستنابة في نفل الحج، وفي بعضه: أما الاستنابة في نفل الحج - كل النسك - فهذا له موضع آخر؛ وأما في بعضه فالآية تدل على أنها لا تصح.

стр. 1475

٤ - ومن فوائد الآية: الحذر مما يفعله بعض الناس الآن من التساهل في رمي الجمرات، حيث إنهم يوكلون من يرمي عنهم بدون عذر مخالفة لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾؛ وعليه فلا يصح رمي الوكيل حينئذ؛ لقوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) أي مردود عليه؛ أما إذا كان لعذر كالمريض، والخائف على نفسه من شدة الزحام إذا لم يكن وقت آخر للرمي يخف فيه الزحام فلا بأس أن يستنيب من يرمي عنه؛ ولولا ورود ذلك عن الصحابة لقلنا: إن العاجز عن الرمي بنفسه يسقط عنه الرمي كسائر الواجبات، حيث تسقط بالعجز؛ ويدل لعدم التهاون بالتوكيل في الرمي أن النبي ﷺ لم يأذن لسودة بنت زمعة أن توكل؛ بل أمرها أن تخرج من مزدلفة، وترمي قبل حطمة الناس (٢)؛ ولو كان التوكيل جائزاً لمشقة الزحام لكان الرسول ﷺ يبقيها معه حتى تدرك بقية ليلة المزدلفة، وتدرك صلاة الفجر فيها، وتدرك القيام للدعاء بعد الصلاة؛ ولا تُحْرَم من هذه الأفعال؛ فلما أذن لها في أن تدفع بليل عُلم بأن الاستنابة في الرمي في هذا الأمر لا يجوز؛ وكذلك لو كان جائزاً لأذن للرعاة أن يوكلوا، ولم يأذن لهم بأن يرموا يوماً، ويدعوا يوماً. ٥ - ومن فوائد الآية: وجوب الإخلاص لله؛ لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ يعني أتموها لله لا لغيره؛ لا تراعوا في ذلك جاهاً، ولا رتبة، ولا ثناءً من الناس. ٦ - ومنها: أن الحج، والعمرة يخالفان غيرهما في وجوب إتمام نفلهما؛ لقوله تعالى: ﴿وأتموا﴾؛ والأمر للوجوب؛ ويدل على أنه للوجوب قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾، حيث أوجب الهدي عند الإحصار؛ أما غيرهما من العبادات فإن النفل لا يجب إتمامه؛ لأن النبي ﷺ دخل على أهله ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟ قالوا: نعم، حيس؛ قال: أرينيه؛ فلقد أصبحت صائماً؛ فأكل» (٣)؛ لكن يكره قطع النفل إلا لغرض صحيح - كحاجة إلى قطعه، أو انتقال لما هو أفضل منه -. ٧ - ومن فوائد الآية: أنه إذا أحصر الإنسان عن إتمام الحج والعمرة فله أن يتحلل؛ ولكن عليه الهدي؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾. ٨ - ومنها: أن الله تعالى أطلق الإحصار، ولم يقيده؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾؛ لأن الفعل لو بُني للفاعل، وذُكر الفاعل اختص الحكم به؛ فإذا قلت مثلاً: «أقام زيد عمراً» صار المقيم زيداً؛ وإذا قلت: «أقيم عمرٌو» صار عاماً؛ فظاهر الآية شمول الإحصار لكل مانع من إتمام النسك؛ فكل ما يمنع من إتمام النسك فإنه يجوز التحلل به، وعليه الهدي؛ أما الإحصار بالعدو فأظنه محل إجماع فيتحلل بالنص، والإجماع؛ النص: تحلل الرسول ﷺ في الحديبية (٤)؛ والإجماع: لا نعلم في هذا مخالفاً؛ وأما الحصر بغير عدو، كمرض، أو كسر، أو ضياع نفقة، أو ما أشبه ذلك مما لا يستطيع معه إتمام الحج، والعمرة؛ فإن العلماء
следующие страницы →