← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وفي زمان صيام السبعة الأيام في قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قولان (١): أحدهما: إذا رجعتم من حجكم في طريقكم، وهو قول مجاهد (٢)، ومنصور (٣). والثاني: إذا رجعتم إلى أهليكم في أمصاركم، وهو قول عطاء (٤)، وقتادة (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، والربيع (٧). قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، " أي عشرة أيام كاملة تجزئ عن الذبح، وثوابها كثوابه من غير نقصان" (٨). وفي قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أربعة تأويلات (٩): أحدها: أنها عشرة كاملة في الثواب كمن أهدى، وهو قول الحسن (١٠). والثاني: عشرة كَمَّلَت لكم أجر من أقام على إحرامه فلم يحل منه ولم يتمتع. والثالث: أنه خارج مخرج الخبر، ومعناه معنى الأمر، أي تلك عشرة، فأكملوا صيامها ولا تفطروا فيها. والرابع: تأكيد في الكلام، وهو قول ابن عباس (١١). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] (١٢)، ولا يكون الـ (خر) إلا من فوق، فأما من موضع آخر، فإنما يجوز على سعة الكلام" (١٣). قال الواحدي: " وإنما قال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ مع العلم بأن الثلاثة والسبعة عشرة، للتأكيد، كقول الفرزدق (١٤): ثَلاثٌ واثْنَتَانِ فهُنَّ خَمْسُ ... وسادسة تميل إلى شمام وكقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] " (١٥). وقال الزجاج: " والذي في هذا - واللَّه أعلم - أنه لما قيل ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾، جاز أن يَتَوهم المتوهمُ أن الفرض ثلاثة أيام في الحج أو سبعة في الرجوع - فأَعلم اللَّه أن العشرة مفترضة كلها، فالمعنى: المفروض عليكم صوم عشرة كاملة على ما ذكر من تفرقها في الحج والرجوع" (١٦).

стр. 1472

قال الطبري: " وأولى هذه الأقوال عندي [بالصواب] قول من قال: معنى ذلك تلك عشرة كاملة عليكم فرضنا إكمالها. وذلك أنه جل ثناؤه قال: فمن لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ثم قال: تلك عشرة أيام عليكم إكمال صومها لمتعتكم بالعمرة إلى الحج. فأخرج ذلك مخرج الخبر، ومعناه الأمر بها" (١). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، " أي التمتع بالعمرة إلى الحج، لمن لم يكن حاضراً المسجد الحرام" (٢). قال الزجاج: " أي هذا الفرض على من لم يكن من أهله بمكة" (٣). قال الواحدي: " أي: ذلك الفرض والذي أمرنا به لمن كان من الغرباء من غير أهل مكة" (٤). قال الصابوني: " أي ذلك التمتع أو الهَدْي خاص بغير أهل الحرام، أما سكّان الحرم فليس لهم تمتع وليس عليهم هدي" (٥). واختلف في المراد بـ ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، على أربعة أقاويل: أحدها: أنهم أهل الحرم دون غيرهم، وهو قول ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، وقتادة (٨)، وطاوس (٩)، ونافع (١٠)، والأعرج (١١)، وهو قول مالك (١٢)، واختاره الطحاوي (١٣) ورجحه (١٤). واختاره الشيخ ابن عثيمين قائلا: "وأما من كان من غير أهل الحرم فليسوا من حاضريه؛ بل هم من محل آخر؛ وهذا هو الذي ينضبط" (١٥). والثاني: أنهم مَن بيْن مكة والمواقيت، وهو قول مكحول (١٦)، وعطاء (١٧)، وهو قول الشافعي في القديم (١٨).

стр. 1473

والثالث: أنهم أهل الحَرَمِ ومَنْ قرُب منزله منه، كأهل عرفة، والرجيع، وهو قول الزهري (١)، وعطاء (٢)، وابن زيد (٣). والرابع: أنهم مَن كان على مسافة لا يقصر في مثلها الصلاة، وهو قول الشافعي في الجديد (٤)، ووافقه أحمد (٥). والظاهر، هو القول الأول، أي: أنهم أهل الحرم دون غيرهم (٦)، لأن الله- -قال: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ والمسجد الحرام هنا: الحرم؛ إذ يبعد أن يكون مراداً به الكعبة أو المسجد إذ لا سكنى لأهل أحد فيه، وإلحاق غيره في حكمه بعيد، وقصره على بعضه أبعد. والله أعلم. واختلف في تفسير الإشارة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، على قولين: أحدهما: أحدهما: أن (ذَلِك) في الآية إشارة إلى التمتع المفهوم من قوله سبحانه-: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾، وبالتالي فلا متعة ولا قران على حاضري المسجد الحرام (٧). والثاني: أن (ذَلِكَ) في الآية إشارة إلى لزوم الهدي أو بدله على المتمتع واللذان يجبان على غير حاضري المسجد الحرام، وهو قول مالك والشافعي والجمهور، ويدل له عود الإشارة على أقرب مذكور في الآية (الهدي أو بدله) واللام في (لِمَنْ) على هذا القول بمعنى على (٨). وفي (اللام) في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قولان: أحدهما: أن معناها: (على). قاله الفراء (٩). أي: "ذلك الفرض الذي هو الدمُ أو الصومُ على من لم يكن من أهل مكة، كقوله ﷺ : "اشترطي لهم الولاء" (١٠). أي: عليهم" (١١).

стр. 1474

والثاني: أن اللام على بابها، والمعنى: ذلك لازم لمن (١). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٦]، " أي خافوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه" (٢). قال ابن عثيمين: "أي: الزموا تقوى الله ، وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه" (٣). قال السعدي: أي: " في جميع أموركم، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومن ذلك، امتثالكم، لهذه المأمورات، واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية" (٤). قال الطبري: " بطاعته فيما ألزمكم من فرائضه وحدوده، واحذروا أن تعتدوا في ذلك وتتجاوزوا فيما بين لكم من مناسككم، فتستحلوا ما حرم فيها عليكم" (٥). قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، " واعلموا أن عقابه شديد لمن خالف أمره" (٦). قال الطبري: "أي تيقنوا أنه تعالى ذكره شديد المؤاخذة، والعقوبة، لمن عاقبه على ما انتهك من محارمه وركب من معاصيه" (٧). قال ابن عثيمين: " وسميت المؤاخذة عقاباً؛ لأنها تأتي عقب الذنب" (٨). قال السعدي: " من خاف عقاب الله، انكف عما يوجب العقاب، كما أن من رجا ثواب الله عمل لما يوصله إلى الثواب، وأما من لم يخف العقاب، ولم يرج الثواب، اقتحم المحارم، وتجرأ على ترك الواجبات" (٩). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب إتمام الحج، والعمرة؛ وظاهر الآية أنه لا فرق بين الواجب منهما، وغير الواجب؛ ووجه هذا الظاهر: العموم في قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾؛ فيكون شاملاً للفريضة، والنافلة؛ ويؤيده أن هذه الآية نزلت قبل فرض الحج؛ لأن الحج إنما فرض في السنة التاسعة في قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]؛ السنة التي يسميها العلماء سنة الوفود. ٢ - ومن فوائد الآية: أن العمرة، والحج سواء في وجوب إتمامهما؛ لقوله تعالى: ﴿الحج والعمرة﴾. ٣ - ومنها: أنه لا تجوز الاستنابة في شيء من أفعال الحج، والعمرة؛ فلو أن أحداً استناب شخصاً في أن يطوف عنه، أو أن يسعى عنه، أو أن يقف عنه بعرفة، أو أن يقف عنه بمزدلفة، أو أن يرمي عنه الجمار، أو أن يبيت عنه في منى فإنه حرام؛ لأن الأمر بالإتمام للوجوب؛ فيكون في ذلك رد لقول من قال من أهل العلم: إنه تجوز الاستنابة في نفل الحج، وفي بعضه: أما الاستنابة في نفل الحج - كل النسك - فهذا له موضع آخر؛ وأما في بعضه فالآية تدل على أنها لا تصح.

стр. 1475

٤ - ومن فوائد الآية: الحذر مما يفعله بعض الناس الآن من التساهل في رمي الجمرات، حيث إنهم يوكلون من يرمي عنهم بدون عذر مخالفة لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾؛ وعليه فلا يصح رمي الوكيل حينئذ؛ لقوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) أي مردود عليه؛ أما إذا كان لعذر كالمريض، والخائف على نفسه من شدة الزحام إذا لم يكن وقت آخر للرمي يخف فيه الزحام فلا بأس أن يستنيب من يرمي عنه؛ ولولا ورود ذلك عن الصحابة لقلنا: إن العاجز عن الرمي بنفسه يسقط عنه الرمي كسائر الواجبات، حيث تسقط بالعجز؛ ويدل لعدم التهاون بالتوكيل في الرمي أن النبي ﷺ لم يأذن لسودة بنت زمعة أن توكل؛ بل أمرها أن تخرج من مزدلفة، وترمي قبل حطمة الناس (٢)؛ ولو كان التوكيل جائزاً لمشقة الزحام لكان الرسول ﷺ يبقيها معه حتى تدرك بقية ليلة المزدلفة، وتدرك صلاة الفجر فيها، وتدرك القيام للدعاء بعد الصلاة؛ ولا تُحْرَم من هذه الأفعال؛ فلما أذن لها في أن تدفع بليل عُلم بأن الاستنابة في الرمي في هذا الأمر لا يجوز؛ وكذلك لو كان جائزاً لأذن للرعاة أن يوكلوا، ولم يأذن لهم بأن يرموا يوماً، ويدعوا يوماً. ٥ - ومن فوائد الآية: وجوب الإخلاص لله؛ لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ يعني أتموها لله لا لغيره؛ لا تراعوا في ذلك جاهاً، ولا رتبة، ولا ثناءً من الناس. ٦ - ومنها: أن الحج، والعمرة يخالفان غيرهما في وجوب إتمام نفلهما؛ لقوله تعالى: ﴿وأتموا﴾؛ والأمر للوجوب؛ ويدل على أنه للوجوب قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾، حيث أوجب الهدي عند الإحصار؛ أما غيرهما من العبادات فإن النفل لا يجب إتمامه؛ لأن النبي ﷺ دخل على أهله ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟ قالوا: نعم، حيس؛ قال: أرينيه؛ فلقد أصبحت صائماً؛ فأكل» (٣)؛ لكن يكره قطع النفل إلا لغرض صحيح - كحاجة إلى قطعه، أو انتقال لما هو أفضل منه -. ٧ - ومن فوائد الآية: أنه إذا أحصر الإنسان عن إتمام الحج والعمرة فله أن يتحلل؛ ولكن عليه الهدي؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾. ٨ - ومنها: أن الله تعالى أطلق الإحصار، ولم يقيده؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾؛ لأن الفعل لو بُني للفاعل، وذُكر الفاعل اختص الحكم به؛ فإذا قلت مثلاً: «أقام زيد عمراً» صار المقيم زيداً؛ وإذا قلت: «أقيم عمرٌو» صار عاماً؛ فظاهر الآية شمول الإحصار لكل مانع من إتمام النسك؛ فكل ما يمنع من إتمام النسك فإنه يجوز التحلل به، وعليه الهدي؛ أما الإحصار بالعدو فأظنه محل إجماع فيتحلل بالنص، والإجماع؛ النص: تحلل الرسول ﷺ في الحديبية (٤)؛ والإجماع: لا نعلم في هذا مخالفاً؛ وأما الحصر بغير عدو، كمرض، أو كسر، أو ضياع نفقة، أو ما أشبه ذلك مما لا يستطيع معه إتمام الحج، والعمرة؛ فإن العلماء

стр. 1476

اختلفوا في ذلك؛ فمنهم من قال: إنه لا يتحلل، ويبقى محرماً حتى يزول المانع؛ ومنهم من قال: إنه يتحلل، كالحصر بالعدو؛ حجة الأولين: أن الله تعالى قال: ﴿فإن أحصرتم﴾؛ والآية نزلت في شأن قضية الحديبية؛ وهم قد أحصروا بعدو؛ فيكون الحصر هنا خاصاً بالعدو؛ ودليل آخر: يقولون: ضباعة بنت الزبير لما جاءت تشتكي إلى الرسول ﷺ أنها مريضة، وأنها تريد الحج قال لها: «حجي واشترطي» (١)؛ فلو كان الإحصار بالمرض مبيحاً للتحلل ما احتيج إلى اشتراط؛ فكانت تدخل في النسك، وإذا عجزت تحللت؛ وأجاب القائلون بأن الحصر عام بحصر العدو وغيره بأن الآية مطلقة: ﴿فإن أحصرتم﴾؛ لم تقيد بحصر العدو؛ والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن العلة في جواز التحلل بحصر العدو عدم القدرة على إتمام النسك؛ وهذا حاصل بالحصر بغير العدو؛ والشرع لا يفرق بين متماثلين؛ وأجابوا عن حديث ضباعة بأن يقال: إن الفائدة من حديث ضباعة أنه إذا حصل مرض يمنع من إتمام النسك فإنها تتحلل بلا شيء؛ وأما إذا لم تشترط فإنها لا تتحلل إلا بدم؛ وحينئذ تظهر فائدة اشتراط من خاف أن يعوقه مرض، أو نحوه عن إتمام النسك؛ والفائدة هي أنه لا يجب عليه الهدي لو تحلل بهذا الحصر؛ والصواب القول الثاني: أن الإحصار يكون بالعدو، وبغيره. فإن قال قائل: إن قوله تعالى في سياق الآية: ﴿فإذا أمنتم﴾ يشير إلى أن الإحصار المذكور بعدو؟ فالجواب: أن ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص، كما هو قول المحققين من أهل أصول الفقه، وغيرهم؛ ونظير ذلك حديث جابر ﵁: «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم؛ فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» (٢)؛ فإن قوله: «فإذا وقعت الحدود ... » الخ لا يستلزم اختصاص الشفعة بما له حدود، وطرق؛ بل الشفعة ثابتة في كل مشترك على القول الراجح. ٩ - ومن فوائد الآية: وجوب الهدي على من أحصر؛ لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾. ١٠ - ومنها: أن من تعذر، أو تعسر عليه الهدي فلا شيء عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾؛ ولم يذكر الله بديلاً عند العجز؛ وقال بعض أهل العلم: إنه إذا لم يجد هدياً صام عشرة أيام، ثم حلّ - قياساً على هدي التمتع -؛ ولكن هذا القياس ليس بصحيح من وجهين: الوجه الأول: أنه مخالف لظاهر الآية؛ لأن الله لم يذكر بديلاً للهدي. الوجه الثاني: أن تحلل المتمتع تحلل اختياري؛ وأما المحصر فتحلله اضطراري. ١١ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجب على المحصر الحلق عند التحلل؛ لأن الله لم يذكره؛ وهو أحد القولين في المسألة؛ والقول الثاني: وجوب الحلق؛ لثبوته بالسنة؛ لأن النبي ﷺ أمر به، وغضب على الصحابة حين تأخروا في تنفيذه؛ ولا يغضب النبي ﷺ لترك مستحب؛ لا يغضب إلا لترك واجب. ١٢ - ومنها: أن المحصر لا يجب عليه القضاء؛ لأن الله لم يذكره؛ ولو كان القضاء واجباً لذكره الله ؛ وهذا يشمل من حصر في فريضة؛ ومن حصر في نافلة؛ لكن الفريضة إذا حصر عن إتمامها يلزمه فعلها بالخطاب الأول؛ لا على أنه بدل عن هذه التي أحصر عنها؛ فمثلاً رجلاً شرع في حج الفريضة، ثم أحصر عن إتمامها، فذبح الهدي، وتحلل؛ فيجب الحج عليه بعد ذلك؛ لكن ليس على أنه قضاء؛ لكن على أنه مخاطب به في الأصل؛ وتسمية العمرة التي وقعت بعد صلح الحديبية عمرة القضاء ليست لأنها

стр. 1477

قضاء عما فات؛ ولكنها من «المقاضاة» - وهي المصالحة -؛ ولذلك لم يأت بها كل من تحلل من عمرة الحديبية. ١٣ - ومن فوائد الآية: أنه لا بد أن يكون هذا الهدي مما يصح أن يهدَى: بأن يكون بالغاً للسن المعتبر سالماً من العيوب المانعة من الإجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿من الهدي﴾؛ و «أل» هنا للعهد الذهني المعلوم للمخاطب؛ وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ : «لا تذبحوا إلا مسنة إلا إن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» (١). فإن قال قائل: هل يؤكل من هذا الهدي أم لا؟ فالجواب: يؤكل؛ كل شيء فيه: ﴿فما استيسر﴾ فهو يؤكل؛ وأما ما فيه: «فعليه» فإنه لا يؤكل؛ فجزاء الصيد لا يؤكل منه؛ وفدية الأذى لا يؤكل منها؛ لأن الله جعلها كفارة؛ أما ما استيسر من الهدي هنا، وفي التمتع فإنه يؤكل منه. ١٤ - ومن فوائد الآية: تحريم حلق الرأس على المحرم؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾؛ والنهي عام لكل الرأس، ولبعضه؛ إذاً لو حلق بعضه وقع في الإثم؛ لأن النهي يتناول جميع أجزاء المنهي عنه؛ فإذا قلت لك: «لا تأكل هذه الخبزة» وأكلت منها فإنك لم تمتثل. ١٥ - ومنها: أنه لا يحرم حلق شعر غير الرأس؛ لأن الله خص النهي بحلق الرأس فقط؛ وأما الشارب، والإبط، والعانة، والساق، والذراع، فلا يدخل في الآية الكريمة؛ لأنه ليس من الرأس؛ والأصل الحل؛ وهذا ما ذهب إليه أهل الظاهر؛ قالوا: لا يحرم على المحرم حلق شيء من الشعر المباح حلقه سوى الرأس؛ لأن الله خصه فقال: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾؛ ولأن حلقه يفوت به نسك بخلاف غيره من الشعور؛ ولكن أكثر أهل العلم ألحقوا به شعر بقية البدن؛ وقالوا: إنه يحرم على المحرم أن يحلق أيّ شعر من بدنه حتى العانة -قياساً على شعر الرأس؛ لأن العلة في تحريم حلق شعر الرأس الترفه، وإزالة الأذى؛ وهذا حاصل في حلق غيره من الشعور؛ وهذا القياس غير صحيح لوجهين: الوجه الأول: أنه مخالف لظاهر النص، أو صريحه. الوجه الثاني: أن بين شعر الرأس وغيره فرقاً كثيراً: فإن حلق شعر الرأس يتعلق به التحلل من النسك؛ فهو عنوان التحلل؛ بخلاف غيره من الشعور. وأما التعليل بأنه للترفه، ودفع الأذى ففيه نظر؛ ثم لو سلمنا ذلك فأين دفع الأذى في حلق شعر العانة، وشعر الساق، ونحو ذلك؟ ! وأين الدليل على منع المحرم من الترفه مع أنه يجوز له التنظف، والاغتسال، والتظلل من الشمس، واستعمال المكيفات؟ ! وهل تلحق الأظافر بشعر الرأس؟ الجواب: لا تلحق؛ فالأظافر ليست شعراً؛ وليست في الرأس أيضاً؛ فهي أبعد من إلحاق شعر بقية البدن بشعر الرأس؛ ووجه البعد أنها ليست من نوع الشعر؛ صحيح أنها تشبه الشعر من حيث إنها جزء منفصل؛ لكنها ليست من نوع الشعر؛ ولذلك من لم ير تحريم حلق شعر بقية البدن فإنه لا يرى تحريم قص الأظافر من باب أولى؛ ولكن جمهور أهل العلم على أن تقليم الأظافر محرم على المحرِم قياساً على تحريم حلق شعر الرأس؛ والعلة: ما في ذلك من الترفه، والتنعم؛ ولكن هذه العلة غير مسلمة: أولاً: لأن العرب في زمنهم لا يترفهون بحلق الرأس؛ بل الرفاهية عندهم إنما هي في إبقاء الرأس، وترجيله، وتسريحه، ودهنه، والعناية به؛ فليست العلة إذاً في حلق شعر الرأس: الترفه. ثانياً: أن العلة لا بد أن تطَّرد في جميع معلولاتها؛ وإلا كانت باطلة؛ وهذه العلة لا تطرد بدليل أن المحرم لو ترفه، فتنظف، وتغسل، وأزال الوسخ عنه، ولبس إحراماً جديداً غير الذي أحرم به لم يحرم عليه ذلك.

стр. 1478

وأقرب شيء للتعليل أن في حلق الرأس حال الإحرام إسقاطاً للنسك الذي هو حلْقُه عند التحلل؛ وهذا لا يساويه حلق بقية الشعر، أو تقليم الأظافر؛ ولكن نظراً لأن جمهور أهل العلم ألحقوا ذلك بشعر الرأس فالاحتياط تجنب ذلك مراعاة لقول الجمهور. ١٦ - ومن فوائد الآية: أن المحرَّم ما يسمى حلقاً؛ فأما أخذ شعرة، أو شعرتين، أو ثلاث شعرات من رأسه فلا يقال: إنه حلق؛ وهذه المسألة مما تنازع فيها أهل العلم؛ فقال بعضهم: إذا أخذ شعرة واحدة من رأسه فقد حلق؛ فعليه فدية إطعام مسكين؛ وإن أخذ شعرتين فإطعام مسكينين؛ وإذا أخذ ثلاث شعرات فدم؛ أو إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع؛ أو صيام ثلاثة أيام؛ وقال بعض العلماء: إن الحكم يتعلق بربع الرأس؛ فإن حلق دون الربع فلا شيء عليه؛ وهذا لا شك أنه تحكم لا دليل عليه؛ فلا يكن صحيحاً؛ بل هو ضعيف؛ وقال آخرون: تتعلق الفدية بما يماط به الأذى؛ ومعنى يماط: يزال؛ أي بما يحصل به إزالة الأذى؛ وهذا لا يكون إلا بجزء كبير من الرأس؛ قالوا: لأن الله تعالى قال: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية ... ﴾؛ فدل هذا على أن المحرَّم الذي تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى؛ وهذا مذهب مالك؛ وهو صحيح من حيث أنَّ الفدية لا تجب إلا بما يماط به الأذى فقط؛ لكنه غير صحيح من كون التحريم يتعلق بما يماط به الأذى فقط؛ فالتحريم يتعلق بما يسمى حلقاً؛ والفدية تتعلق بما يماط به الأذى. فإن قال قائل: ما هو دليلكم على هذا التقسيم؛ فالعلماء لم يقولوا هذا الكلام؟ فالجواب: أن نقول: دليلنا على هذا التقسيم الآية الكريمة، وفعل النبي ﷺ ؛ فقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾؛ هذا عام لكل حلق؛ فكل ما يسمى حلقاً فإنه منهي عنه لهذه الآية؛ ثم قال تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية﴾؛ فأوجب الفدية فيما إذا حلق حلقاً يزول به الأذى؛ لقوله تعالى: ﴿أو به أذًى﴾؛ فلو قدرنا محرِماً رأسه تؤذيه الهوام، فحلق منه شيئاً يسيراً لا يزول به الأذى فلا فدية عليه؛ لأن الله تعالى إنما أوجب الفدية بحلق ما يزول به الأذى؛ ويدل لذلك فعل الرسول ﷺ : فقد احتجم وهو محرم في يافوخه في أعلى رأسه (١)؛ ومعلوم أن الحجامة تحتاج إلى حلق الشعر الذي يكون في موضع الحجامة؛ ولم ينقل أن الرسول ﷺ افتدى؛ فدل ذلك على أن ما تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى دون الشيء اليسير. ١٧ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز الحلق إلا بعد النحر؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾؛ وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم مستدلين بقوله (ص): «إني لبدت رأسي وقلدت هديي؛ فلا أحل حتى أنحر» (٢)؛ وهؤلاء الذين قالوا به عندهم ظاهر الآية الكريمة؛ وفعل الرسول ﷺ حيث قال: «فلا أحل حتى أنحر»؛ لكن قد وردت الأحاديث بجواز التقديم، والتأخير تيسيراً على الأمة؛ فإن النبي ﷺ سئل في يوم العيد عن التقديم، والتأخير؛ فما سئل عن شيء قدِّم ولا أخِّر إلا قال (ص): «افعل ولا حرج» (٣). ١٨ - ومن فوائد الآية: جواز حلق الرأس للمرض، والأذى؛ لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ... ﴾ إلخ. ١٩ - ومنها: وجوب الفدية على المحرم إذا حلق رأسه؛ وهي إما صيام ثلاثة أيام؛ وإما إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع؛ وإما ذبح شاة تفرق على الفقراء - كما بينت ذلك السنة -؛ والسنة تبين القرآن، كما

стр. 1479

قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]؛ والتبيين يشمل تبيين اللفظ، وتبيين المعنى. ٢٠ - ومن فوائد الآية: أن هذه الفدية على التخيير؛ لأن هذا هو الأصل في معاني «أو». ٢١ - ومنها: التيسير على العباد؛ وذلك بوقوع الفدية على التخيير. ٢٢ - ومنها: أن محل الإطعام والنسك في مكان فعل المحظور؛ لأن الفورية تقتضي ذلك؛ أما الصيام فالظاهر ما قاله العلماء ﵏ من كونه يصح في كل مكان؛ لكن الفورية فيه أفضل. ٢٣ - ومنها: أن كفارات المعاصي فدًى للإنسان من العقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿ففدية من صيام أو صدقة ... ﴾. ٢٤ - ومنها: أن محظورات الإحرام لا تفسده؛ لأن الله لم يوجب في حلق الرأس - مع أنه من محظورات الإحرام - إلا الفدية؛ ومقتضى ذلك أن النسك صحيح؛ وهذا مما يخالف الحجُّ، والعمرةُ فيه غيرَهما من العبادات؛ فإن المحظورات في العبادات تبطلها؛ وألحق العلماء بفدية حلق الرأس فدية جميع محظورات الإحرام ما عدا شيئين؛ وهما الجماع في الحج قبل التحلل الأول، وجزاء الصيد؛ فالجماع في الحج قبل التحلل الأول يجب فيه بدنة؛ وجزاء الصيد يجب فيه مثله؛ أو إطعام مساكين؛ أو عدل ذلك صياماً؛ وما عدا ذلك من المحظورات ففديتها كفدية حلق الرأس عند الفقهاء، أو كثير منهم. ٢٥ - ومن فوائد الآية: جواز التمتع بالعمرة إلى الحج؛ أي أن يأتي الإنسان بالعمرة في أشهر الحج، ويتحلل منها؛ ويبقى حلاً إلى أن يأتي وقت الحج؛ وكانوا في الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور؛ ويقولون: «إذا انسلخ صفر، وبرأ الدَّبَر، وعفا الأثر، حلت العمرة لمن اعتمر»؛ لكن الله يسَّر وبيَّن أنه يجوز للإنسان القادم في أشهر الحج أن يتحلل بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج. ٢٦ - ومنها: أنه إذا حل من عمرته حل الحل كله؛ لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع﴾؛ لأن إطلاق التمتع لا يكون إلا كذلك. ٢٧ - ومنها: أن من لم يحل من عمرته لا يسمى متمتعاً؛ لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾؛ وعلى هذا فالقارن ليس بمتمتع؛ وهو كذلك عند الفقهاء أن القارن غير متمتع؛ لكن ذكر كثير من أهل العلم أن القارن يسمى متمتعاً في لسان الصحابة؛ وذلك؛ لأن بعض الصحابة عبر عن حج النبي ﷺ بالتمتع، فقالوا: تمتع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج (١)؛ ومن المعلوم أن الرسول ﷺ لم يحل من إحرامه؛ ولهذا قال الإمام أحمد: «لا شك أن النبي ﷺ حج قارناً؛ والمتعة أحب إليّ»؛ ولهذا كان وجوب الهدي على المتمتع بالإجماع؛ ووجوب الهدي على القارن فيه خلاف؛ وجمهور أهل العلم على وجوب الهدي عليه؛ وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في العلة: هل هي حصول النسكين في سفر واحد؛ فيكون قد ترفه بسقوط أحد السفرين؛ أو العلة التمتع بالتحلل بين العمرة، والحج؛ فمن قال بالأول أوجب الهدي على القارن؛ ومن قال بالثاني لم يوجبه؛ لأنه لم يحصل للقارن تحلل بين النسكين. ٢٨ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجب على الإنسان أن يقترض للهدي إذا لم يكن معه ما يشتري به الهدي - ولو كان غنياً - لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾. ٢٩ - ومنها: تيسير الله على العباد؛ لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾؛ والدين كله من أوله إلى آخره مبني على اليسر. ٣٠ - ومنها: بلاغة القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد﴾؛ فحُذف المفعول للعموم ليشمل من لم يجد الهدي، أو ثمنه؛ فاستفيد زيادة المعنى مع اختصار اللفظ.

стр. 1480

٣١ - ومنها: أن من لم يجد الهدي، أو ثمنه، فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج: أولها من حين الإحرام بالعمرة؛ وآخرها آخر أيام التشريق؛ لكن لا يصوم يوم العيد؛ لتحريم صومه؛ ولا ينبغي أن يصوم يوم عرفة؛ ليتفرغ للدعاء والذكر وهو نشيط؛ وعلى هذا فيجوز لمن كان عادماً للهدي من متمتع أو قارن أن يصوم من حين إحرامه بالعمرة. فإن قال قائل: هذا ظاهر في القارن؛ لأنه إذا صام من حين إحرامه فقد صام في الحج؛ لكنه في المتمتع فيه إشكال؛ لأن المتمتع يحل بين العمرة والحج؟ والجواب: عن هذا الإشكال أن نقول: إن النبي ﷺ قال: «دخلت العمرة في الحج» (١)؛ ولأن المتمتع من حين إحرامه بالعمرة فقد نوى أن يحج. ٣٢ - ومن فوائد الآية: أن صيام السبعة لا يجوز في أيام الحج؛ لقوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾. ٣٣ - ومنها: أنه يجوز التتابع، والتفريق بين الأيام الثلاثة، والأيام السبعة؛ لأن الله أطلق، ولم يشترط التتابع؛ ولو كان التتابع واجباً لذكره الله، كما ذكر وجوب التتابع في صيام كفارة القتل، وصيام كفارة الظهار. ٣٤ - ومنها: تيسير الله ﵎ على عباده، حيث جعل الأكثر من الصيام بعد رجوعه؛ لقوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾. ٣٥ - ومنها: أن الهدي، أو بدله من الصيام لا يجب على من كان حاضر المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾؛ وقد سبق أن الصحيح أنهم من كانوا داخل حدود الحرم؛ وعلى هذا إذا تمتع أهل جدة، أو الطائف، أو أهل الشرائع فعليهم الهدي؛ ولكن هل لحاضر المسجد الحرام التمتع؟ الجواب: نعم؛ لأن حاضر المسجد الحرام قد تدخل عليه أشهر الحج وهو خارج مكة، ثم يرجع إلى أهله في مكة في أشهر الحج، فيحرم بعمرة يتمتع بها إلى الحج. فإن كان شخص في مكة للدراسة، لكن وطنه الرياض، أو المدينة، وتمتع فعليه الهدي؛ لأن أهله ليسوا من حاضري المسجد الحرام؛ وإقامته في مكة ليست إقامة استيطان؛ والمراد أن يكون مستوطناً في مكة. وإذا كان له مَقَرَّان - في الطائف، وفي مكة -؛ يعني من أهل مكة والطائف، فهنا نقول: إن نظرنا إلى مقره في الطائف قلنا: ليس من حاضري المسجد الحرام؛ وإن نظرنا إلى مقره في مكة قلنا: هو من حاضري المسجد الحرام؛ فنعتبر الأكثر: إذا كان أكثر إقامته في الطائف فليس من أهل المسجد الحرام؛ وإذا كان أكثر إقامته في مكة فهو من حاضري المسجد الحرام. ٣٦ - ومن فوائد الآية: فضيلة المسجد الحرام؛ لوصف الله له بأنه حرام - أي ذو حرمة -؛ ومن حرمته تحريم القتال فيه، وتحريم صيده، وشجره، وحشيشه، وأن من أراد الإلحاد فيه بظلم أذاقه الله من عذاب أليم؛ وبسط ذلك في المطولات. ٣٧ - ومنها: وجوب تقوى الله ، وتهديد من خالف ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب﴾. ٣٨ - ومنها: أن العلم بشدة عقوبة الله من أهم العلوم؛ ولهذا أمر الله به بخصوصه؛ لأنه يورث الخوف من الله، والهرب من معصيته. ٣٩ - ومنها: أن العقوبة على الذنب لا تنافي الرحمة؛ إذ من المعلوم أن رحمة الله سبقت غضبه؛ لكن إذا عاقب من يستحق العقاب فإن ذلك من رحمة المعاقب؛ لأن هذه العقوبة إن كانت في الدنيا فهي كفارة له؛ وإن كانت في الآخرة فما دون الشرك أمره إلى الله: إن شاء عذب؛ وإن شاء غفر.

стр. 1481

٤٠ - ومنها: أن شدة العقاب من كمال المعاقِب، وبسط قوته، وسلطانه؛ ولا يوصف الله إلا بالكمال؛ بل أمَرَنا أن نعلم ذلك في قوله تعالى: ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٩٨]؛ إذاً فإذا عاقبت ولدك بما يستحق، وكانت الجناية كبيرة، فأكبرت العقوبة فإنك تُحمَد، ولا تذم؛ ولهذا قال (ص): «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر» (١)؛ لأنه إذا بلغ عشراً صار تركه إياها، والإخلال بها أعظم. تنبيه: كثير من الناس كلما رأوا مخالفة من شخص في الإحرام قالوا: «عليك دم»؛ لو قال: حككت رأسي فسقطت منه شعرة بدون اختيار ولا قصد قالوا: «عليك دم»؛ وهذا غلط: أولاً: لأنه خلاف ما أمر الله به؛ والله أوجب واحدة من ثلاث: صيام؛ أو صدقة؛ أو نسك؛ فإلزامهم بواحدة معينة فيها تضييق عليهم، وإلزام لهم بما لا يلزمهم. ثانياً: أن الدم في أوقات النحر في أيام منى غالبه يضيع هدراً؛ لا ينتفع به. ثالثاً: أن فيه إخفاءً لحكم الله ؛ لأن الناس إذا كانوا لا يفدون إلا بالدم، كأنه ليس فيه فدية إلا هذا؛ وليس فيه إطعام، أو صيام! فالواجب على طالب العلم أن يختار واحداً من أمرين: * إما أن يرى الأسهل، ويفتي بالأسهل. * وإما أن يقول: عليك هذا، أو هذا، أو هذا؛ واختر لنفسك. أما أن يذكر الأشد فقط، ويسكت فهذا خلاف ما ينبغي للمفتين. القرآن ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧] التفسير: وقت الحج أشهر معلومات، وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. فمن أوجب الحج على نفسه فيهن بالإحرام، فيحرم عليه الجماع ومقدماته القولية والفعلية، ويحرم عليه الخروج عن طاعة الله تعالى بفعل المعاصي، والجدال في الحج الذي يؤدي إلى الغضب والكراهية. وما تفعلوا من خير يعلمه الله، فيجازي كلا على عمله. وخذوا لأنفسكم زادًا من الطعام والشراب لسفر الحج، وزادًا من صالح الأعمال للدار الآخرة، فإن خير الزاد تقوى الله، وخافوني يا أصحاب العقول السليمة. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: قال ابن عباس قال: "كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون يقولون: نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ " (٢). الثاني: قال الواحدي: " قال عطاء بن أبي رباح: كان الرجل يخرج فيحمل كله على غيره، فأنزل الله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ " (٣).

стр. 1482

قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي" وقت الحج أشهر معلومات" (١). قال الصابوني: " أي وقت الحج هو تلك الأشهر المعروفة بين الناس وهي: شوال وذو القعدة وعشرٌ من ذي الحجة" (٢). ويحتمل التقدير في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ثلاثة أوجه: أحدها: أن التقدير: الحج حج أشهر معلومات، أو أشهر الحج أو وقت الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والثاني: ويمكن حمله على غير إضمار، وهو أن الأشهر جعلت نفس الحج اتساعاً بكون الحج يقع فيها كقولهم: ليل نائم (٣). قاله الواحدي (٤). ومنه قول الخنساء (٥): تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حتّى إذا ادَّكَرَتْ ... فإنَّما هي إقْبَالٌ وإدْبَارُ إذ جعلت الوحشيةَ إقبالًا وإدبارًا لكثرتهما. وكما قال مُتَمِّم (٦) (٧): لَعَمْري وما دَهْرِي بَتَأبِيْنِ هَالكٍ ... ولا جَزعٍ مما أَصَاب فَأَوجَعَا فجعل دَهره الجزع في قوله: (ولا جزعٍ)، أي: وما دهري بجزع. والأشهرُ بمنزلة الدهر (٨). والثالث: أن المراد: وقت إحرام الحج؛ لأن الحج لا يحتاج إلى أشهر فدل على أن المراد وقت الإِحرام به. قاله أبو إسحاق (٩). والتقدير الأول أقرب، وهو قول الأكثرين (١٠). والله أعلم. وقد اختلف أهل العلم في أشهر الحج على ثلاثة أقوال (١١): أحدها: : هن شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وهو قول ابن عباس (١٢)، وابن عمر (١٣)، وعطاء (١٤)، وإبراهيم (١٥)، وعامر (١٦)، والسدي (١٧)، ومجاهد (١٨)، والشعبي (١٩)، والحسن (٢٠)، والضحاك (٢١)، والشافعي (٢٢).

стр. 1483

وقالوا أن "قصد الله جل ثناؤه بقوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ إلى تعريف خلقه ميقات حجهم، لا الخبر عن وقت العمرة. قالوا: فأما العمرة، فإن السنة كلها وقت لها، لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه اعتمر في بعض شهور الحج، ثم لم يصح عنه بخلاف ذلك خبر. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، وكان عمل الحج ينقضي وقته بانقضاء العاشر من أيام ذي الحجة، علم أن معنى قوله: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ إنما هو ميقات الحج، شهران وبعض الثالث" (١). ثم اختلف هؤلاء على أربعة أوجه: الأول: قال ابن عمر (٢) وابن عباس (٣) وابن الزبير (٤) وآخرون (٥): عشر ليال من ذي الحجة. والثاني: قال أبو حنيفة (٦) وأحمد (٧): يدخل يوم النحر. والثالث: وقال الشافعي (٨) في المشهور المصحح عنه: لا يدخل يوم النحر. والرابع: وقال بعض أتباع الشافعي (٩): تسع من ذي الحجة ولا يصح في يوم النحر ولا في ليلته. قال ابن حجر: " هو شاذ" (١٠). الثاني: أنه شوال، وذو القعدة، وذو الحجة بأسرها، وهذا قول قتادة، وطاوس، ومجاهد، وابن عمر (١١)، وعطاء (١٢)، ومجاهد (١٣)، والربيع (١٤)، وقتادة (١٥)، وطاوس (١٦)، وابن شهاب (١٧)، وهو مذهب مالك (١٨)، ونقل عن الإِملاء للشافعي (١٩).

стр. 1484

قال الطبري: ومعنى قولهم أن "وقت الحج ثلاثة أشهر كوامل، أنهن من غير شهور العمرة، وأنهن شهور لعمل الحج دون عمل العمرة، وإن كان عمل الحج إنما يعمل في بعضهن لا في جميعهن" (١). الثالث: هو شوال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة، وهذا قول أبي حنيفة (٢). قلت: وأجمع العلماء (٣) على أن المراد بأشهر الحج: ثلاثة، أولها شوال لكن اختلفوا هل هي هي ثلاثة بكاملها أم شهران، والصواب أن "الحج شهران وعشر من الثالث، لأن ذلك من الله خبر عن ميقات الحج، ولا عمل للحج يعمل بعد انقضاء أيام منى، فمعلوم أنه لم يعن بذلك جميع الشهر الثالث، وإذا لم يكن معنيا به جميعه، صح قول من قال: وعشر ذي الحجة، فإن قال قائل: فكيف قيل: " الحج أشهر معلومات " وهو شهران وبعض الثالث؟ قيل: إن العرب لا تمتنع خاصة في الأوقات من استعمال مثل ذلك، فتقول: " له اليوم يومان منذ لم أره "، وإنما تعني بذلك: يوما وبعض آخر، وكما قال جل ثناؤه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما يتعجل في يوم ونصف. وقد يفعل الفاعل منهم الفعل في الساعة، ثم يخرجه عاما على السنة والشهر، فيقول: زرته العام، وأتيته اليوم، وهو لا يريد بذلك أن فعله أخذ من أول الوقت الذي ذكره إلى آخره، ولكنه يعني أنه فعله إذ ذاك، وفي ذلك الحين، فكذلك " الحج أشهر "، والمراد منه: الحج شهران وبعض آخر" (٤). قوله تعالى ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، " أي من ألزم نفسه الحجَّ بالإحرام والتلبية" (٥). قال الواحدي: " أي: من أوجب على نفسه فيهن الحج بالإحرام والتلبية" (٦). قال الراغب: أي: " أي التزم حكمه" (٧). قال القرطبي: " أي الزمه نفسه بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا، وبالإحرام فعلا ظاهرا، وبالتلبية نطقا مسموعا" (٨).

стр. 1485

واختلف في أصل (الفرض) في اللغة على قولين: أحدهما: أن الفرض في اللغة: الحز في القِدْح وفي الزند وغيره. قاله ابن الأعرابي (١). قال القرطبي: " ومنه فرضة القوس والنهر والجبل. ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الحز للقدح" (٢). والثاني: وقيل: (فرض) أي: أبان (٣). ومنه قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]، بالتخفيف، وقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]. قال الواحدي: " وهذا أيضًا راجع إلى معنى القطع؛ لأن من قطع شيئًا أبانه عن غيره، والله تعالى إذا فرض شيئًا أبانه، وبان ذلك الشيء عن غيره. (فرض) بمعنى: أوجب، وفرض بمعنى: أبان، كلاهما يَرْجِع إلى أصل واحد على ما بينا" (٤). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وفيه تأويلان (٥): أحدهما: أنه الإهلال بالتلبية، وهو قول ابن عمر (٦)، وعطاء (٧)، وسفيان الثوري (٨)، ومجاهد (٩)، وإبراهيم (١٠)، وطاوس (١١)، والقاسم بن محمد (١٢). والثاني: أنه الإحرام، وهو قول ابن عباس (١٣)، وإبراهيم (١٤)، وعطاء (١٥)، والحسن (١٦)، وقتادة (١٧)، والضحاك (١٨)، والشافعي. والصواب هو القول الثاني، لإجماع الجميع أن فرض الحج الإحرام. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، " أي فلا يقرب النساء ولا يستمتع بهن فإنه مقبل على الله قاصد لرضاه، فعليه أن يترك الشهوات، وأن يترك المعاصي والجدال والخصام مع الرفقاء" (١٩).

стр. 1486

قال المراغي: " أي لا يفعل الحاج شيئا من هذه الأفعال لأنه مقبل على الله قاصد لرضاه، فينبغى أن يتجرد عن عاداته وعن التمتع بنعيم الدنيا، وينسلخ عن مفاخره ومميزاته عن غيره بحيث يتساوى الغنى والفقير والصعلوك والأمير، وفي هذا تهذيب للنفس وإشعار لها بالعبودية لله تعالى" (١). وختلف المفسرون في معنى قوله تعالى ﴿فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] في هذا الموضع، على أقوال: أحدها: أنه الجماع، وهو قول ابن عمر (٢)، وابن عباس (٣)، والحسن (٤)، وعمرو بن دينار (٥)، وعطاء (٦)، ومجاهد (٧)، وقتادة (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، والسدي (١٠)، والربيع (١١)، وإبراهيم (١٢)، وعكرمة (١٣)، والضحاك (١٤)، والزهري (١٥)، وابن زيد (١٦). والثاني: أنه الجماع أو التعرض له بمُوَاعَدَةٍ أو مُدَاعَبَةٍ، وهو قول الحسن البصري (١٧). والثالث: أنه الإفْحَاشُ للمرأة في الكلام، وذلك بأن يقول: إذا أحللنا فعلنا بك كذا من غير كناية، وهو قول ابن عباس (١٨)، وابن عمر (١٩)، وعطاء (٢٠)، وأبو العالية (٢١)، وطاوس (٢٢)، وكعب القرظي (٢٣). واختلف أهل التأويل في معنى (الفسوق)، التي نهى الله عنها في هذا الموضع، على أقوال (٢٤): أحدها: أنه فِعْلُ ما نُهِيَ عنه في الإحرام، من قتل صيد، وحلق شَعْر، وتقليم ظفر، وهو قول عبد الله بن عمر (٢٥). والثاني: أنه السباب، وهو قول ابن عباس (٢٦)، وابن عمر (٢٧)، والحسن (٢٨)، وعطاء (٢٩)، والسدي (٣٠)، ومجاهد (٣١)، وإبراهيم (٣٢).

стр. 1487

والثالث: أنه الذبح للأصنام، وهو قول عبد الرحمن بن زيد (١). والرابع: أنه التنابز بالألقاب، وهو قول الضحاك (٢). والخامس: أنه المعاصي كلها، وهو قول ابن عباس (٣)، والحسن (٤)، وعطاء (٥)، وطاوس (٦)، ومجاهد (٧)، وقتادة (٨)، وكعب القرظي (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، وإبراهيم (١١)، والزهري (١٢)، والربيع (١٣)، وعكرمة (١٤). والراجح أن معنى قوله تعالى ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾، النهي عن معصية الله في إصابة الصيد، وفعل ما نهى الله المحرم عن فعله في حال إحرامه (١٥) والله تعالى أعلم. قال الراغب: "إن قيل: الفسوق محظور في كل حال، فكيف خص به الحج؟ قيل: الفسوق هاهنا يعني الأشياء المحظور تعاطيها في حال، [الحج] كالصيد والطيب، واللباس، وإن لم ليكون فسقاً في غير الحج؟ قيل: تخصيص الحج به تنبيه على شرفه وعظم موقعه، كقوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وإن كان ظلم النفس في كل حال مكروهاً، وكما قال: " إذا صام أحدكم فلا يجهل، فلا يرفث، فإن جهل عليه فليقلْ: إني صائم " (١٦) " (١٧). قوله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي: " ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكارين" (١٨). قال الراغب: " أي: لا يجوز المماراة، وقيل معناه: لا شك أن فرضه مقرر في ذي الحجة بخلاف ما فكله النساءة، قيل: هو حث على التحاب وقيل: " هو حث على التحاب والنظافة وترك ما يؤدي إلى التباغض "، وكل ذلك يصح إرادته" (١٩).

стр. 1488

قال الشيخ ابن عثيمين: "يشمل الجدال فيه، وفي أحكامه، والمنازعات بين الناس في معاملاتهم؛ مثال الجدال فيه: أن يقال: «ما هو الحج؟ »، فيحصل النزاع؛ أو «متى فُرض؟ »، فيحصل النزاع فيه؛ ومثاله في أحكامه: النزاع في أركانه، وواجباته، ومحظوراته؛ ومثال النزاع بين الناس في معاملاتهم: أن يتنازع اثنان في العقود، فيقول أحدهما: «بعتك»، والثاني يقول: «لم تبعني»؛ أو يقول: «بعتك بكذا»، ويقول الثاني: «بل بكذا»؛ أو يتنازع اثنان عند أنابيب الماء في الشرب، أو الاستسقاء، أو عند الخباز" (١). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، على أقوال (٢): أحدها: هو أن يجادل الرجل صاحبه، يعني يغضبه، وهذا قول ابن عباس (٣)، وعطاء (٤)، ومجاهد (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، وعمرو بن دينار (٧)، والحسن (٨)، والضحاك (٩)، والربيع (١٠)، وإبراهيم (١١)، وعكرمة (١٢) والزهري (١٣)، وقتادة (١٤). الثاني: هو السباب، وهو قول ابن عمر (١٥)، وقتادة (١٦). والثالث: أنه المِرَاءُ والاختلاف فِيمَنْ هو أَبَرُّهُم حَجّاً، وهذا قول محمد بن كعب القرظي (١٧). والرابع: أنه اختلاف كان يقع بينهم في اليوم الذي يكون فيه حجهم، وهذا قول القاسم بن محمد (١٨). والخامس: أنه اختلافهم في مواقف الحج، أيهم المصيب موقف إبراهيم، وهذا قول ابن زيد (١٩). والسادس: أنه خبر من الله تعالى عن استقامة وقت الحج على ميقات واحد لا يتقدمه ولا يتأخره، وبطول فعل النسيء. قاله مجاهد (٢٠)، والسدي (٢١). والسابع: أن معناه ألاّ جدال في وقته لاستقراره، وإبطال الشهر الذي كانوا ينسؤونه في كل عام، فربما حجوا في ذي القعدة، وربما حجوا في صفر، وهذا قول أبي جعفر الطبري (٢٢).

стр. 1489

والصواب في تفسير قوله تعالى ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، أنه "قد بطل الجدال في الحج ووقته، واستقام أمره ووقته على وقت واحد، ومناسك متفقة غير مختلفة، ولا تنازع فيه ولا مراء. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أن وقت الحج أشهر معلومات، ثم نفى عن وقته الاختلاف الذي كانت الجاهلية في شركها تختلف فيه" (١). قال الزمخشري: "وإنما أمر باجتناب ذلك المنفيات، وهو واجب الاجتناب في كل حال، لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة والتطريب في قراءة القرآن. والمراد بالنفي وجوب انتفائها، وأنها حقيقة بأن لا تكون" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، قراءتان (٣): إحداهما: ﴿فَلَا رفث وَلَا فسوق﴾، بِالضَّمِّ فيهمَا والتنوين. قرا بها ابن كثير وأبو عمرو. قال الزمخشري: " لأنهما حملا الأوّلين على معنى النهى، كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج وذلك أنّ قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة وكانوا يقدّمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرّد إلى وقت واحد وردّ الوقوف إلى عرفة، فأخبر اللَّه تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج" (٤). والثانية: ﴿فَلَا رفث وَلَا فسوق﴾، بالنصب بغير تنوين. وهي قراءة الباقون. وأما ﴿جدالَ﴾ فإنها بالبناء على الفتح على القراءتين (٥). قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، "أي وما تقدموا لأنفسكم من خير يجازيكم عليه الله خير الجزاء" (٦). قال ابن عثيمين: "أي يحيط به علماً" (٧). قال البغوي: أي: " أي لا يخفى عليه فيجازيكم به" (٨). قال الطبري: أي" فإنكم مهما تفعلوا من ذلك وغيره من خير وعمل صالح ابتغاء مرضاتي وطلب ثوابي، فأنا به عالم، ولجميعه محص، حتى أوفيكم أجره، وأجازيكم عليه، فإني لا تخفى علي خافية، ولا ينكتم عني ما أردتم بأعمالكم، لأني مطلع على سرائركم، وعالم بضمائر نفوسكم" (٩). قال ابن كثير: " لما نهاهم عن إتيان القبيح قولا وفعْلا حَثَّهم على فعل الجميل، وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفرَ الجزاء يوم القيامة" (١٠).

стр. 1490

قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧]، "أي: تزودوا لآخرتكم بالتقوى فإنها خير زاد" (١). قال القاسمي: أي: "وتزودوا ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم عن الناس، واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم" (٢). قال الزمخشري: قيل: "كان أهل اليمن لا يتزوّدون ويقولون: نحن متوكلون، ونحن نحج بيت اللَّه أفلا يطعمنا فيكونون كلًّا على الناس، فنزلت فيهم، ومعناه: وتزوّدوا واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم، فإن خير الزاد التقوى" (٣). روي عن ابن عباس، قال: " كان أهل اليمن يَحُجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ " (٤). وعن ابن عمر، قال: "كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها واستأنفوا زادا آخر، فأنزل الله: " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق" (٥). وعن سعيد بن جبير في قوله: " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى "، قال: الكعك والزيت (٦). وعن الشعبي في قوله: " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " قال: التمر والسويق (٧). وعن حنظلة سئل سالم عن زاد الحاج، فقال الخبز والتمر" (٨). وعن الضحاك قوله: " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى "، وخير زاد الدنيا المنفعة من اللباس والطعام والشراب" (٩). وبذلك فإن معنى الآية: "وتزودوا من أقواتكم ما فيه بلاغكم إلى أداء فرض ربكم عليكم في حجكم ومناسككم، فإنه لا بر لله جل ثناؤه في ترككم التزود لأنفسكم ومسألتكم الناس ولا في تضييع أقواتكم وإفسادها

стр. 1491

، ولكن البر في تقوى ربكم باجتناب ما نهاكم عنه في سفركم لحجكم وفعل ما أمركم به، فإنه خير التزود، فمنه تزودوا" (١). وثمة وجه آخر: "وهو أن قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ أمر باتخاذ الزاد، هو طعام السفر، وقوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ إرشاد إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها بعد الأمر بالزاد للسفر في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، لما ذكر اللباس الحسي منه مرشداً إلى اللباس المعنوي وهو الخشوع والطاعة، وذكر أنه خير من هذا وأنفع" (٢). قال صاحب الكشاف: "أى اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإنّ خير الزاد اتقاؤها" (٣). قال الراغب: "حث على تقوى الله واقتناء الأعمال الصالحة، والإعراض عن الدنيا سوى ما يتوصل به إلي الآخرة" (٤). وبذلك فإنه يحتمل قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، ثلاثة تأويلات (٥): أحدها: تزوّدوا بالأعمال الصالحة، فإن خير الزاد التقوى. والثاني: أنها نزلت في قوم من أهل اليمن، كانوا يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فنزلت فيهم ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾، يعني من الطعام. والثالث: أن المعنى: اتخذوا زاداً لغذاء أجسامكم، وغذاء قلوبكم -وهذا أفضل النوعين. قاله شيخنا ابن عثيمين (٦). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي: و"اتقوا عقابي وعذابي في مخالفتي وعصياني يا ذوي العقول والأفهام" (٧). قال الصابوني: " أي خافون واتقوا عقابي يا ذوي العقول والأفهام" (٨). قال صاحب الكشاف: أي " وخافوا عقابي يا أُولِي الْأَلْبابِ يعنى أن قضية اللب تقوى اللَّه، ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لب له" (٩). قال الطبري: " وخص جل ذكره بالخطاب بذلك أولي الألباب، لأنهم هم أهل التمييز بين الحق والباطل، وأهل الفكر الصحيح والمعرفة بحقائق الأشياء التي بالعقول تدرك وبالألباب تفهم، ولم يجعل لغيرهم من أهل الجهل في الخطاب بذلك حظا، إذ كانوا أشباحا كالأنعام، وصورا كالبهائم، بل هم منها أضل سبيلا" (١٠). قال أبو حيان: " ثم قال ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الالْبَابِ﴾ تحريكاً لامتثال الأمر بالتقوى، لأنه لا يحذر العواقب، إلاّ مَن كان ذا لبٍّ، فهو الذي تقوم عليه حجة الله، وهو القابل للأمر والنهي، وإذا كان ذو اللب لا يتقي الله، فكأنه لا لب له .. الظاهر من اللب أنه لب مناط التكليف، فيكون عاماً، لا اللب الذي هو مكتسب بالتجارب، فيكون خاصاً، لأن المأمور باتقاء الله هم جميع المكلفين" (١١).

стр. 1492

قال الراغب: " لما أمر بالتقوى، أمر أن يكون هو تعالى المقصود بها، وقيل: تقواه حفظ النفس إن نالها عقابه أو يتخطاها ثوابه، وذلك منعها متابعة الهوى، وحملها على طريق الهدى، وذلك على ثلاثة منازل: الأول: ترك الكفر والكبائر. والثاني: ترك المحارم وأداء الفرائض اللذين يقتضيهما إلتزام الشرائع، والثالث: حفظ القلوب عن التلفت إلى الذنوب، وهو المغنى، بقول من قال: " التقوى هي التبرؤ من كل شك سوى الله تعالي، ولا يحصل الثالث إلا بحصول الثاني، ولا الثاني إلا بحصول الأول "، وعنى هاهنا الغاية، ولهذا خص أولوا الألباب بالخطاب، فاللب أشرف أوصاف العقل، وهو اسم الجزء الذي بإضافته إلى سائر أجزاء الإنسان، كلب الشيء إلى القشور، وباعتبار اللب، قيل لضعيف العقلي " يراعة "، " وقصبة "، و " منخوب " و " خاوي الصدر "، وقال- ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ " (١). و(الالباب): " جمع لب؛ أي يا أصحاب العقول؛ ووجه الله تعالى الأمر إلى أصحاب العقول؛ لأنهم هم الذين يدركون فائدة التقوى، وثمرتها؛ أما السفهاء فلا يدركونها" (٢). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿واتَّقُونِ﴾ [البقرة: ١٩٧]، على وجهين (٣): أحدهما: : ﴿واتَّقُونِي﴾، بإثبات الياء على الأصل، في الوصل، وبغير ياء في الوقف، وهي قراءة أبو عمرو، ورواية ابن جماز وإسماعيل عن نافع. والثاني: : ﴿واتَّقُونِ﴾، بحذف (الياء)، في الوصل والوقف، للتخفيف ودلالة الكسرة عليه، إذ قرأ بها عاصم وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي، ورواية المسيبي وقالون وغيرهما عن نافع. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: تعظيم شأن الحج، حيث جعل الله له أشهراً مع أنه أيام - ستة أيام -؛ وقد جعل الله له أشهراً ثلاثة حتى يأمن الناس، ويتأهبوا لهذا الحج؛ ولهذا ما بعد الحج أقصر مما قبله؛ الذي قبله: شهران وسبعة أيام؛ والذي بعده: سبعة عشر يوماً فقط؛ لأنه إذا حج انتهى غرضه؛ فطُلب منه العودة؛ بخلاف ما إذا كان قبله. ٢ - ومن فوائد الآية: أن أشهر الحج ثلاثة؛ لقوله تعالى: ﴿أشهر﴾؛ وهي جمع قلة؛ والأصل في الجمع أن يكون ثلاثة فأكثر؛ هذا المعروف في اللغة العربية؛ ولا يطلق الجمع على اثنين، أو اثنين وبعض الثالث إلا بقرينة؛ وهنا لا قرينة تدل على ذلك؛ لأنهم إن جعلوا أعمال الحج في الشهرين وعشرة الأيام يرد عليه أن الحج لا يبدأ فعلاً إلا في اليوم الثامن من ذي الحجة؛ وينتهي في الثالث عشر؛ وليس العاشر؛ فلذلك كان القول الراجح أنه ثلاثة أشهر كاملة؛ وهو مذهب مالك؛ وهو الصحيح؛ لأنه موافق للجمع؛ وفائدته أنه لا يجوز تأخير أعمال الحج إلى ما بعد شهر ذي الحجة إلا لعذر؛ لو أخرت طواف الإفاضة مثلاً إلى شهر المحرم قلنا: هذا لا يجوز؛ لأنه ليس في أشهر الحج والله تعالى يقول: ﴿الحج أشهر﴾؛ فلا بد أن يقع في أشهر الحج؛ ولو أخرت الحلق إلى المحرم فهذا لا يجوز؛ لأنه تعدى أشهر الحج. وهل هذه الأشهر من الأشهر الحرم؟

стр. 1493

الجواب: أن اثنين منها من أشهر الحرم، وهما ذو القعدة، وذو الحجة؛ وواحد ليس منها -وهو شوال كما أن «المحرم» من الأشهر الحرم، وليس من أشهر الحج؛ فرمضان شهر صيام؛ وشوال شهر حج؛ وذو القعدة شهر حج، ومن الحرم؛ وذو الحجة شهر حج، ومن الحرم؛ والمحرم من الحرم، وليس شهر حج. ٣ - ومن فوائد الآية: الإحالة على المعلوم بشرط أن يكون معلوماً؛ لقوله تعالى: ﴿معلومات﴾؛ وهذا يستعمله الفقهاء كثيراً يقولون: هذا معلوم بالضرورة من الدين؛ وأمر هذا معلوم؛ وما أشبه ذلك؛ فلا يقال: إنه لم يبين؛ لأنه ما دام الشيء مشهوراً بين الناس معروفاً بينهم يصح أن يعَرِّفه بأنه معلوم؛ ومن ذلك ما يفعله بعض الكتاب في الوثائق: يقول: «باع فلان على فلان كذا، وكذا» -وهو معلوم بين الطرفين -يجوز وإن لم تفصل ما دام معلوماً؛ فإضافة الشيء إلى العلم وهو معلوم يعتبر من البيان. ٤ - ومنها: أن من تلبس بالحج، أو العمرة وجب عليه إتمامه، وصار فرضاً عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: ٢٩]؛ فسمى الله تعالى أفعال الحج نذوراً؛ ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ فلم يبح الله تعالى الخروج من النسك إلا بالإحصار. ٥ - ومنها: وجوب إتمام النفل في الحج؛ لقوله تعالى: ﴿فمن فرض﴾؛ والفرض لا بد من إتمامه. ٦ - ومنها: أن الإحرام بالحج قبل أشهره لا ينعقد؛ لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث﴾؛ فلم يرتب الله أحكام الإحرام إلا لمن فرضه في أشهر الحج؛ ومعلوم أنه إذا انتفت أحكام العمل فمعناه أنه لم يصح العمل، وهذا مذهب الشافعي ﵀ -أنه إذا أحرم بالحج قبل دخول أشهر الحج لم ينعقد إحرامه؛ ولكن هل يلغو، أو ينقلب عمرة؟ في هذا قولان عندهم؛ أما عندنا مذهب الحنابلة؛ فيقولون: إن الإحرام بالحج قبل أشهره ينعقد؛ ولكنه مكروه -يكره أن يحرم بالحج قبل أشهره - ومذهب الشافعي أقرب إلى ظاهر الآية الكريمة: أنه إذا أحرم بالحج قبل أشهره لا ينعقد حجاً؛ والظاهر أيضاً أنه لا ينعقد، ولا ينقلب عمرة؛ لأن العبادة لم تنعقد؛ وهو إنما دخل على أنها حج؛ فلا ينعقد لا حجاً، ولا عمرة. ٧ - ومن فوائد الآية: أن المحظورات تحرم بمجرد عقد الإحرام - وإن لم يخلع ثيابه من قميص، وسراويل، وغيرها؛ لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث﴾؛ لأنه جواب الشرط؛ وجواب الشرط يكون تالياً لفعله؛ فبمجرد أن يفرض فريضة الحج تحرم عليه المحظورات. ٨ - ومنها: أن الإحرام ينعقد بمجرد النية - أي نية الدخول إلى النسك؛ وتثبت بها الأحكام - وإن لم يلبّ؛ لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث﴾. ٩ - ومنها: تحريم الجماع، ومقدماته بعد عقد الإحرام؛ لقوله تعالى: ﴿فلا رفث﴾؛ وجواب الشرط يكون عقب الشرط؛ فبمجرده يحرم الرفث. ١٠ - ومنها: تحريم الفسوق؛ لقوله تعالى: ﴿فلا فسوق﴾. فإن قال قائل: الفسوق محرم في الإحرام، وغيره. فالجواب: أنه يتأكد في الإحرام أكثر من غيره. ١١ - ومنها: تحريم الجدال؛ لقوله تعالى: ﴿ولا جدال في الحج﴾؛ والجدال إن كان لإثبات الحق، أو لإبطال الباطل فإنه واجب، وعلى هذا فيكون مستثنًى من هذا العموم؛ لقوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: ١٢٥]؛ وأما الجدال لغير هذا الغرض فإنه محرم حال الإحرام؛ فإن قلت: أليس محرماً في هذا، وفي غيره لما يترتب عليه من العداوة، والبغضاء، وتشويش الفكر؟ فالجواب: أنه في حال الإحرام أوكد.

стр. 1494

١٢ - ومنها: البعد حال الإحرام عن كل ما يشوش الفكر، ويشغل النفس؛ لقوله تعالى: ﴿ولا جدال في الحج﴾؛ ومن ثم يتبين خطأ أولئك الذين يزاحمون على الحجر عند الطواف؛ لأنه يشوش الفكر، ويشغل النفس عما هو أهم من ذلك. ١٣ - ومنها: الحث على فعل الخير؛ لأن قوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾ يدل على أنه سيجازي على ذلك، ولا يضيعه؛ قال تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً﴾ [طه: ١١٢]. ١٤ - ومنها: أن الخير سواء قلّ، أو كثر، فإنه معلوم عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿من خير﴾؛ وهي نكرة في سياق الشرط؛ والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم. ١٥ - ومنها: عموم علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾. ١٦ - ومنها: الحث على التزود من الخير؛ لقوله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾. ١٧ - ومنها: أنه ينبغي للحاج أن يأخذ معه الزاد الحسيّ من طعام، وشراب، ونفقة، لئلا يحتاج في حجه، فيتكفف الناس؛ لقوله تعالى: ﴿وتزودوا﴾. ١٨ - ومنها: أن التقوى خير زاد، كما أن لباسها خير لباس؛ فهي خير لباس؛ لقوله تعالى: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ وهي خير زاد؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خير الزاد التقوى﴾. ١٩ - ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿واتقون﴾. ٢٠ - ومنها: أن أصحاب العقول هم أهل التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿واتقون يا أولي الألباب﴾. ٢١ - ومنها: أنه كلما نقص الإنسان من تقوى الله كان ذلك دليلاً على نقص عقله - عقل الرشد؛ بخلاف قول النبي ﷺ : «ما رأيت من ناقصات عقل، ودين» (١)؛ فإن المراد بنقص العقل هنا عقل الإدراك؛ فإن مناط التكليف عقل الإدراك؛ ومناط المدح عقل الرشد؛ ولهذا نقول: إن هؤلاء الكفار الأذكياء الذين هم في التصرف من أحسن ما يكون؟ نقول: هم عقلاء عقول إدراك؛ لكنهم ليسوا عقلاء عقول رشد؛ ولهذا دائماً ينعى الله عليهم عدم عقلهم؛ والمراد عقل الرشد الذي به يرشدون. القرآن ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨] التفسير: ليس عليكم حرج في أن تطلبوا رزقًا من ربكم بالربح من التجارة في أيام الحج. فإذا دفعتم بعد غروب الشمس راجعين من "عرفات" -وهي المكان الذي يقف فيه الحجاج يوم التاسع من ذي الحجة- فاذكروا الله بالتسبيح والتلبية والدعاء عند المشعر الحرام -"المزدلفة"-، واذكروا الله على الوجه الصحيح الذي هداكم إليه، ولقد كنتم من قبل هذا الهدى في ضلال لا تعرفون معه الحق. لما أمر الله بالتزود، وبيَّن أن خير الزاد التقوى، وأمر بالتقوى، قد يقول قائل: إذا اتجرت أثناء حجي صار عليّ في ذلك إثم؛ ولهذا تحرج الصحابة من الاتجار في الحج؛ فبين الله أن ذلك لا يؤثر، وأنه ليس فيه إثم. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: أخرج الواحدي عن أبي أمامة التيمي قال: "سألت ابن عمر فقلت: إنا قوم نكرى في هذا الوجه، وإن قوما يزعمون أنه لا حج لنا قال: ألستم تلبون؟ ألستم تطوفون؟ ألستم تسعون بين الصفا والمروة؟ ألستم ألستم؟

стр. 1495

قال: قلت: بلى قال: إن رجلا سأل النبي ﷺ عما سألت عنه فلم يدر ما يرد عليه حتى نزلت: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ فدعاه فتلا عليه حين نزلت. فقال: "أنتم الحجاج" (١). الثاني: وأخرج الواحدي عن ابن عباس قال: "كان ذو المجاز وعكاظ متجرا للناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا، ذلك حتى نزلت: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ في مواسم الحج" (٢). قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، "أي: " ليس عليكم أيها المؤمنون حرج أن تلتمسوا فضلا من عند ربكم" (٣). قال الصابوني: " أي لا حرج ولا إثم عليكم في التجارة في أثناء الحج فإن التجارة الدنيوية لا تنافي العبادة الدينية" (٤). قال القرطبي: " ولما أمر تعالى بتنزيه الحج عن الرفث والفسوق والجدال ورخص في التجارة، وابتغاء الفضل ورد في القرآن بمعنى التجارة، قال الله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] " (٥). يقال منه: ابتغيت فضلا من الله - ومن فضل الله - أبتغيه ابتغاء، إذا طلبته والتمسته، وبغيته أبغيه بغيا، كما قال عبد بني الحسحاس (٦): بغاك، وما تبغيه حتى وجدته ... كأنك قد واعدته أمس موعدا يعني طلبك والتمسك (٧).

стр. 1496

قال ابن عباس: "لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده" (١). وقرأ ابن عباس: (في مواسم الحج) (٢). قال ابن حجر: "وهي قراءة معدودة من الشاذ الذي صح إسناده (٣)، وهو حجة (٤)، وليس بقرآن" (٥). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ " أي إذا دفعتم من عرفات بعد الوقوف بها" (٦). قال البقاعي: أي: "أوقعتم الإفاضة" (٧). قال الواحدي: " أي: دفعتم بكثرة، يعني دفع بعضكم بعضًا؛ لأن الناس إذا انصرفوا مزدحمين دفع بعضهم بعضًا" (٨). قال الزجاج: "قد دل بهذا اللفظ على أن الوقوف بها واجب؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعد وقوف" (٩). وقال أبو حيان متعقبا هذا القول: "ولا يظهر من هذا الشرط الوجوب، إنما يعلم منه الحصول في عرفة والوقوف بها، فهل ذلك على سبيل الوجوب أو الندب، لا دليل في الآية على ذلك، لكن السنة الثابتة والإجماع يدلان على ذلك" (١٠). ومعنى (الإفاضة)، في اللغة: "الدَّفْعُ للشَّيءِ حين يَتَفَرَّق. يقال: أفاضت العينُ دَمْعَها، وأفاض بالقداح، وعلى القداح: إذا ضرب بها منبثةً متفرقة، ومنه (١١): وكأنَّهُن رِبَابَةٌ وكأنَّه ... يَسَر يُفِيْضُ على القِدَاحِ وَيصدَعُ وأفاض البعير بجرته: إذا رمى بها متفرقة. قال الراعي (١٢): وأَفَضْنَ بعد كُظُومِهِنّ بجِرَّةٍ ... من ذي الأبَاطِح إذ رَعَيْنَ حَقِيلا وأفاض القوم في الحديث، إذا اندفعوا فيه، ومنه ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] " (١٣).

стр. 1497

قال القرطبي: "وأصل الإفاضة: الاندفاع؛ ومنه الإفاضة في الكلام، والاستمرار فيه؛ ولذلك قيل للذي يضرب القداح بين الأيسار: (مفيض)، لجمعه القداح، ثم إفاضته إياها بين الياسرين، ومنه قول بشر بن أبي خازم الأسدي (١): فقلت لها ردي إليه جنانه ... فردت كما رد المنيح مفيض (٢) ويقال: فاض الإناء إذا امتلأ حتى ينصب عن نواحيه. ورجل فياض، أي مندفق بالعطاء. قال زهير (٣): وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب فواضله وحديث مستفيض، أي شائع" (٤). قال ابن عثيمين: " والتعبير بـ ﴿أفضتم﴾ يصور لك هذا المشهد كأن الناس أودية تندفع" (٥). وفي معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ ثلاثة أقوال (٦): أحدها: أن الإفاضة: الدفع عن اجتماع، كفيض الإناء عن امتلاء.، والمعنى: إذا دفعتم بكثرة. قاله الزجاج (٧). والثاني: أن معناه: فإذا رجعتم من حيث بدأتم. وهذا اختيار الطبري (٨). والثالث: أن الإفاضة: الإسراع من مكان إلى مكان. وفي ﴿عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]، قولان: أحدهما: أنها (جمع) عرفة. والثاني: أنها اسم واحد وإن كان بلفظ الجمع. وهذا قول الزجاج (٩). قال البقاعي: و ﴿عَرَفَاتٍ﴾، "جمع (عرفة)، جمع بما حولها وإن كانت بقعة واحدة كقولهم ثوب أخلاق" (١٠). واختلفوا في تسمية المكان عرفة على أربعة أقاويل (١١): أحدها: أن آدم عرف فيه حواء بعد أن أُهْبِطَا من الجنة. والثاني: أن إبراهيم عرف المكان عند الرؤية، لما تقدم له في الصفة. قاله نعيم بن أبي هند (١٢). والثالث: أن جبريل عرَّف فيه الأنبياء مناسكهم. والرابع: أنه سمي بذلك بنفسها وببقاع أخر سواها. وهذا معنى قول ابن عباس (١٣).

стр. 1498

والخامس: أنه سمي عرفات؛ لأن الناس يعترفون فيه لله تعالى بالذنوب. والسادس: أنه سُمِّيَ بذلك لعلو الناس فيه، والعرب تسمي ما علا (عرفة) و (عرفات)، ومنه سُمِّيَ عُرف الديك لعلوه، ومنه: أهل الأعراف، كما قال تعالى: ﴿ونادى أصحاب الأعراف رجالاً﴾ [الأعراف: ٤٨]. والصواب - والله أعلم - أن هذا القول الأخير أقرب الأقوال؛ وكذلك القول: أنه سمي عرفات؛ لأن الناس يعترفون فيه لله تعالى بالذنوب؛ ولأنه أعرف الأماكن التي حوله. و﴿عَرَفَاتٍ﴾ مشعر حلال خارج الحرم؛ ومع ذلك فهو الحج، كما قال الرسول ﷺ : "الحج عرفة" (١)؛ والحكمة من الوقوف فيها أن يجمع الحاج في نسكه بين الحل والحرم؛ ولهذا أمر النبي ﷺ عائشة أن تحرم بالعمرة من التنعيم (٢)؛ لتجمع فيها بين الحل والحرم" (٣). وفي تنوين ﴿عَرَفَات﴾ [البقرة: ١٩٨]، ثلاثة أوجه (٤): أحدها: قراءة الجماعة ﴿عَرَفَاتٍ﴾ بالتنوين. قال النحاس: " لأن التنوين ليس فرقا بين ما ينصرف وما لا ينصرف فتحذفه وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين هذا الجيد" (٥). والثاني: وحكى سيبويه عن العرب، حذف التنوين من ﴿عَرَفَات﴾، يقوله: هذه عرفات يا هذا، ورأيت عرفات يا هذا، بكسر التاء وبغير تنوين، قال: لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين (٦). والثالث: وحكى الأخفش والكوفيون فتح التاء، تشبيها بتاء فاطمة وطلحة (٧)، وأنشدوا (٨): تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال والقول الأول أحسن، وأن التنوين فيه على حده في مسلمات، والكسرة مقابلة الياء في مسلمين، والتنوين مقابل النون (٩). وتسمى عرفات المشعر الحلال، والمشعر الأقصى، وإلال، على وزن (هلال)، ويقال للجبل في وسطها: جَبَلُ الرحمة (١٠). قال أبو طالب في قصيدته المشهورة (١١): وبالمشعَر الأقصى إذا قصدوا له ... إلال إلى تلك الشِّراج القَوَابل

стр. 1499

قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، "فاذكروا الله بالدعاء والتضرع والتكبير والتهليل عند المشعر الحرام بالمزدلفة" (١). قال الزمخشري: أي: " بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات، وقيل: بصلاة المغرب والعشاء (٢). قال الطبري: " يعني بذلك: الصلاة، والدعاء عند المشعر الحرام" (٣). واختلف في قوله: ﴿الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، على أقوال: أحدها: أنه مزدلفة. وهو قول الجمهور (٤). والثاني: أنه جبل يقف عليه الإمام في مزدلفة، يسمى: قزح. قاله جمع من أهل العلم والتفسير (٥). ويدل لهذا القول حديث جابر-﵁ وفيه: "حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة ... الحديث" (٦)، ففرق بين مزدلفة والمشعر الحرام. والأظهر أن المشعر الحرام في الآية مزدلفة لا الجبل بخصوصه، وذلك لسببين: أحدهما: "لأن الفاء في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ تدل على أن الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات". قاله الرازي (٧). والثاني: ولأن الذكر مأمور به والأصل في الأمر الوجوب، ولا ذكر واجب سوى الصلاة، ولا يصح حمل الذكر عليها في القول الآخر لأن الوقوف في المشعر إنما يشرع بعد صلاة الفجر (٨). قال الطبري: " (المشاعر) هي المعالم، من قول القائل: شعرت بهذا الأمر، أي علمت، فـ (المشعر)، هو المعلم، سمي بذلك لأن الصلاة عنده والمقام والمبيت والدعاء، من معالم الحج وفروضه التي أمر الله بها عباده" (٩). قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ "أي: واذكروه لهدايتكم" (١٠). قال الصابوني: " أي اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة" (١١).

стр. 1500

قال الشيخ السعدي: "أي: اذكروا الله تعالى كما منّ عليكم بالهداية بعد الضلال، وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون، فهذه من أكبر النعم، التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان" (١). قال ابن عثيمين: "وهو أمر بالذكر مرة أخرى؛ لكن لأجل التعليل الذي بعده وهو الهداية" (٢). وفي (الكاف) في قوله تعالى: كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وجهان من الإعراب: أحدهما: أنها جاءت بمعنى (اللام) تفيد التعليل؛ ، أي: اذكروه لأجل هدايته إياكم (٣). و(الكاف) قد تأتي بمعنى (التعليل)، كما قال ابن مالك في الألفية (٤): شبه بكاف وبها التعليل ... قد يعنى وزائداً لتوكيد ورد ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١]؛ وكما في التشهد في قوله: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ... "، أي لأنك صليت على إبراهيم فصل على محمد؛ فهو توسل إلى الله تعالى بفعل سبق منه نظير ما سألته (٥). والثاني: أنها للتشبيه، في موضع نصب إما على النعت لمصدر محذوف، أي: ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة، وإما على الحال من ضمير المصدر المقدر، وإما على الحال من فاعل اذكروا (٦). قال ابن عثيمن: "ويحتمل أن تكون الكاف للتشبيه؛ وعليه فيكون الأمر بذكره ثانية عائداً على الوصف، أي اذكروه على الصفة التي هداكم إليها، أي على حسب ما شرع؛ وعليه فلا تكرار؛ لأن الأمر بالذكر أولاً أمر بمطلق الذكر، والأمر به ثانية أمر بكونه على الصفة التي هدانا إليها" (٧). قال القرطبي: " كرر الأمر تأكيدا، كما تقول: ارم. ارم. وقيل: الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني أمر بالذكر على حكم الإخلاص وقيل: المراد بالثاني تعديد النعمة وأمر بشكرها " (٨). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ أي: " وما كنتم من قبله إلّا من الضالين" (٩). قال الصابوني: أي: "فقد كنتم قبل هدايته لكم في عداد الضالين، الجاهلين بالإِيمان وشرائع الدين" (١٠). قال الزمخشري: أي: من"الجاهلين، لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه" (١١). قال ابن كثير: " قيل: من قبل هذا الهدي، وقبل القرآن، وقبل الرسول، والكل متقارب، ومتلازم، وصحيح" (١٢). واختلف في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، على ثلاثة أقوال (١٣): أحدها: أنه يعود على القرآن. أي ما كنتم من قبل إنزاله إلا ضالين.

стр. 1501

والثاني: أنه يعود على الرسول. وذلك كناية عن غير مذكور. والثالث: أنه يعود على الهدى. اختاره القرطبي (١). قال ابن عثيمين: " وكل ذلك محتمل؛ وكل ذلك متلازم؛ فالهدى جاء من القرآن، ومن النبي ﷺ " (٢). و﴿الضَّالِّينَ﴾: "يشمل الضال عن جهل؛ والضال عن علم؛ فالضال عن جهل: الذي لم يعلم بالحق أصلاً؛ والضال عن علم: الذي ترك الطريق الذي ينبغي أن يسلكه وهو الرشد؛ والعرب من قبل هذا الدين ضالون؛ منهم من كان ضالاً عن جهل؛ ومنهم من كان ضالاً عن علم؛ فمثلاً قريش لا تفيض من عرفة؛ وإنما تقف يوم عرفة في مزدلفة؛ قالوا: لأننا نحن أهل الحرم؛ فلا نخرج عنه؛ فكانوا يقفون في يوم عرفة في مزدلفة، ولا يفيضون من حيث أفاض الناس؛ وإذا جاء الناس وباتوا فيها خرجوا جميعاً إلى منى؛ وهذا من جهلهم، أو عنادهم" (٣). وفي معنى (إنْ)، و (اللام) في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وجهان (٤): أحدهما: ﴿إن﴾ بمعنى (ما)، و (اللام)، في ﴿لمن﴾ بمعنى (إلا)، (٥)، كما قال الشاعر (٦): ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة الرحمن والمعنى: وما كنتم من قبل هداية الله إياكم لما هداكم له من ملة خليله إبراهيم التي اصطفاها لمن رضي عنه من خلقه إلا من الضالين. والثاني: توجيه ﴿إنْ﴾ إلى (قد). والمعنى: واذكروا الله أيها المؤمنون كما ذكركم بالهدى، فهداكم لما رضيه من الأديان والملل، وقد كنتم من قبل ذلك من الضالين (٧). ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦]، أي: " أي: وما نظنك إلا من الكاذبين" (٨). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه، خلافا للفقراء، أما إن الحج دون تجارة أفضل، لعروها عن شوائب الدنيا وتعلق القلب بغيرها. ٢ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان في حال بيعه، وشرائه أن يكون مترقباً لفضل الله لا معتمداً على قوته، وكسبه؛ لقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾. ٣ - ومنها: ظهور منة الله على عباده بما أباح لهم من المكاسب؛ وأن ذلك من مقتضى ربوبيته ، حيث قال تعالى: ﴿فضلاً من ربكم﴾.

стр. 1502

٤ - ومنها: مشروعية الوقوف بعرفة؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾؛ وهو ركن من أركان الحج؛ لقول النبي ﷺ : «الحج عرفة» (١)؛ لو قال قائل: إن قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ ليس أمراً بالوقوف بها. فالجواب: أنه لم يكن أمراً بها؛ لأنها قضية مسلمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾. ٥ - ومنها: أنه يشترط للوقوف بمزدلفة أن يكون بعد الوقوف بعرفة؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾؛ فلو أن أحداً مر بمزدلفة في الليل، ووقف بها يدعو، ثم وقف بعرفة يدعو بها، ثم رجع إلى منى لم يجزئه الوقوف بمزدلفة؛ لأنه في غير محله الآن؛ لأن الله ذكره بعد الوقوف بعرفة. ٦ - ومنها: أن الصلاة من ذكر الله؛ لقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾؛ والنبي ﷺ أول ما بدأ: بالصلاة (٢)؛ ولا شك أن الصلاة ذكر لله؛ بل هي روضة من رياض الذكر: فيها قراءة، وتكبير، وتسبيح، وقيام، وركوع، وسجود، وقعود؛ كل ذلك من ذكر الله: ذكر بالقلب، وباللسان، وبالجوارح؛ ثم من خاصية الصلاة أن كل عضو من أعضاء البدن له ذكر خاص به، وعبادة تتعلق به. ٧ - ومنها: بيان أن مزدلفة من الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿عند المشعر الحرام﴾. ٨ - ومنها: جواز المبيت في مزدلفة في جميع نواحيها؛ لقوله تعالى: ﴿عند المشعر الحرام﴾. ٩ - ومنها: أن عرفة مشعر حلال؛ لأنها من الحل؛ ولهذا يجوز للمحرم أن يقطع الأشجار بعرفة. ١٠ - ومنها: أن مزدلفة مشعر من المشاعر؛ فيكون فيه رد على من قال: إن الوقوف بها سنة؛ والقول الثاني: أنه ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفة؛ والقول الثالث: أنه واجب يصح الحج بدونه؛ ولكن يجبر بدم؛ وأنا أتوقف بين كونها ركناً، وواجباً؛ أما أنها سنة فهو ضعيف؛ لا يصح. ١١ - ومنها: أن الإنسان يجب عليه أن يذكر الله تعالى لما أنعم عليه به من الهداية؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾ إذا جعلنا الكاف للتعليل؛ وإن جعلناها للتشبيه فالمعنى: اذكروه على الوجه الذي هداكم له؛ فيستفاد منها أن الإنسان يجب أن يكون ذكره لله على حسب ما ورد عن الله . ١٢ - ومنها: أن الذكر المشروع ما وافق الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾؛ والهداية نوعان: هداية دلالة: وهذه عامة لكل أحد؛ فكل أحد قد بين الله له شريعته سواء وفِّق لاتباعها، أم لا؛ ودليلها قوله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً﴾ [الإنسان: ٣]؛ والثاني: هداية توفيق بأن يوفق الله العبد لاتباع الهدى؛ ومنها قوله تعالى حين ذكر من ذكر من الأنبياء: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦] أي لا توفق للهدى من أحببته، أو من أحببت هدايته. ١٣ - ومن فوائد الآية: تذكير الإنسان بحاله قبل كماله؛ ليعرف بذلك قدر نعمة الله عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم من قبله لمن الضالين﴾؛ ومن هذا قول النبي ﷺ للأنصار: «ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي» (٣)؛ ومنه قول الملَك للأبرص والأقرع: «ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيراً فأغناك الله» (٤) الحديث؛ فالتذكير بالنعم بذكر الحال، وبذكر الكمال بعد النقص مما يوجب للإنسان أن يزداد من شكر نعمة الله عليه.

стр. 1503

القرآن ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩] التفسير: وليكن اندفاعكم من "عرفات" التي أفاض منها إبراهيم ﵇ مخالفين بذلك من لا يقف بها من أهل الجاهلية، واسألوا الله أن يغفر لكم ذنوبكم. إن الله غفور لعباده المستغفرين التائبين، رحيم بهم. في سبب نزول الآية، أخرج البخاري عن عائشة-﵂ قالت: "كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسَمّون الحُمْس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يَأتَي عرفات، ثم يقف بها ثم يُفيض منها، فذلك قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ " (١). وفي المعنى نفيه أخرج الواحدي عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: "أضللت بعيرا لي يوم عرفة، فخرجت أطلبه بعرفة، فرأيت رسول الله ﷺ واقفا مع الناس بعرفة، فقلت: هذا من الحمس ماله هنا؟ ! " (٢). قال القرطبي: " قيل: الخطاب للحمس (٣) (٤)، فإنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة وهي من الحرم، وكانوا يقولون: نحن قطين الله، فينبغي لنا أن نعظم الحرم، ولا نعظم شيئا من الحل، وكانوا مع معرفتهم وإقرارهم إن عرفة موقف إبراهيم ﵇ لا يخرجون من الحرم، ويقفون بجمع ويفيضون منه ويقف الناس بعرفة، فقيل لهم: أفيضوا مع الجملة" (٥). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، أي: " أي ثمّ انزلوا من عرفة حيث ينزل الناس" (٦). قال الزمخشري: " يقول: ثم لتكن إفاضتكم مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ" (٧). قال ابن عاشور: أي: " من المكان الذي يفيض منه سائر الناس وهو مزدلفة " (٨).

стр. 1504

قال الشيخ السعدي: " أي: ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس، من لدن إبراهيم ﵇ إلى الآن، والمقصود من هذه الإفاضة كان معروفا عندهم، وهو رمي الجمار، وذبح الهدايا، والطواف، والسعي، والمبيت بـ "منى "ليالي التشريق وتكميل باقي المناسك" (١). وقد اختلف أهل التفسير في المعني بالأمر بالإفاضة من حيث أفاض الناس؟ ومن ﴿النَّاسُ﴾ الذين أمروا بالإفاضة، وفيه قولان (٢): أحدهما: : أنها نزلت في قريش، وكانوا يسمون الحمس، لا يخرجون من الحرم في حجهم، ويقفون مزدلفة، ويقولون نحن من أهل الله، فلا نخرج من حرم الله، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، وهي موقف إبراهيم ﵇، فأنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ يعني جميع العرب، وهذا قول عائشة (٣)، وابن عباس (٤)، وعروة (٥)، ومجاهد (٦)، وقتادة (٧)، والسدي (٨)، والربيع (٩)، وعبدالله بن أبي نجيح (١٠). والثاني: أنها أمر لجميع الخلق من قريش وغيرهم، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، يعني بالناس إبراهيم، وقد يعبر عن الواحد باسم الناس، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وكان القائل واحداً، وهو نعيم بن مسعود الأشجعي، وهذا قول الضحاك (١١). والقول الأول أصح (١٢)، أي: " أنه عنى بهذه الآية قريش ومن كان متحمسا معها من سائر العرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله" (١٣). قال ابن حجر: " الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم كما روى الترمذي (١٤) وغيره (١٥) من طريق يزيد بن شيبان (١٦) قال: ... كنا وقوفاً بعرفة فأتانا ابن مربع (١٧) فقال: "إني رسول الله إليكم، يقول لكم: كونوا على مشاعركم فإنكم من إرث إبراهيم ... الحديث"، ولا يلزم من ذلك أن يكون هو المراد خاصة بقوله: ﴿مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ بل هو على الأعم من ذلك، والسبب فيه ما حكته عائشة-﵂ (١٨) " (١٩). وذكروا لـ ﴿ثُمَّ﴾ في قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وجهين (٢٠): أحدهما: ما قاله الضحاك من أن معناه: "ثم أفيضوا فانصرفوا راجعين إلى منى من حيث أفاض إبراهيم خليلي من المشعر الحرام، وسلوني المغفرة لذنوبكم، فإني لها غفور، وبكم رحيم" (٢١). والثاني: ﴿ثم أفيضوا﴾ من عرفة إلى المشعر الحرام، فإذا أفضتم إليه منها، فاذكروا الله عنده كما هداكم. وإن لأهل العلم في الإفاضة المذكورة في قوله- : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قولان: أحدهما: أنها الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة، وقال به: عائشة (٢٢)، وابن عباس (٢٣)، وعروة (٢٤)، ومجاهد (٢٥)، وقتادة (٢٦)، والسدي (٢٧)، والربيع (٢٨)، وغيرهم (٢٩). والثاني: أنها الإفاضة من مزدلفة إلى منى. قال به الضحاك (٣٠) وقوم معه (٣١). والراجح: قول الضحاك. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٩]، أي و"اطلبوا المغفرة من الله" (٣٢). قال الصابوني: " أي استغفروا الله عمّا سلف منكم من المعاصي" (٣٣). قال ابن عثيمين: " والمغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المغفر الذي يوضع على الرأس عند القتال لتوقي السهام؛ وليست المغفرة مجرد الستر؛ بل هي ستر، ووقاية" (٣٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]؛ أي: " فإن الله عظيم المغفرة واسع الرحمة" (٣٥).

стр. 1505

قال ابن عثيمين: " هذه الجملة تعليل للأمر؛ أي استغفروا الله؛ لأنه أهل لأن يُستغفَر؛ فإنه غفور رحيم" (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، تأويلان (٢): أحدهما: استغفروه من ذنوبكم. والثاني: استغفروه مما كان من مخالفتكم في الوقت والإفاضة. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب المبيت بمزدلفة؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ على أحد التفسيرين، كما سبق؛ ومتى أفاض الإنسان من حيث أفاض الناس فإنه يلزم من ذلك أن يكون قد بات بمزدلفة. ٢ - ومنها: أن هذا النسك كان أمراً معلوماً يسير الناس عليه من قديم الزمان؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾. ٣ - ومنها: أن الناس في أحكام الله تعالى سواء؛ فلا يخص أحد بحكم من الأحكام إلا لمعنًى يقتضي ذلك؛ والمعنى المخصِّص يكون من قِبَل الشرع - لا من قبل الهوى، والعادة -؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾؛ ولا يشكل على قولنا هذا ما ورد في قصة أبي بردة بن نيار أنه ذبح في عيد الأضحى أضحية قبل الصلاة؛ ولما خطب النبي ﷺ وقال: «إن من ذبح قبل الصلاة فلا نسك له، وأن شاته شاة لحم» قام أبو بردة فقال: «يا رسول الله، إن عندي عناقاً هي أحب إلي من شاتين أفتجزي عني؟ قال: نعم؛ ولن تجزئ عن أحد بعدك» (٣)؛ لأن المراد بقوله (ص): «لن تجزئ عن أحد بعدك» أي بعد حالك؛ بمعنى: أن من جرى له مثله فإنها تجزي عنه؛ هكذا قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو ظاهر -؛ وكذلك لا يشكل على هذا قصة سالم مولى أبي حذيفة الذي كان قد تبناه؛ فلما أبطل الله التبني جاءت زوجة أبي حذيفة إلى رسول الله ﷺ تستفتيه في سالم أنه كان يدخل عليها؛ يعني: وكأنه أحد أبنائها؛ فقال لها النبي ﷺ : «أرضعيه تحرمي عليه» (٤)؛ فإنه ليس خاصاً به؛ بل لو جرى لأحد مثل ما جرى لسالم لحكمنا له بمثل ما حكم به النبي ﷺ لسالم؛ لكن هذا لا يمكن بعد نسخ التبني؛ إذ لا يمكن أحداً أن يتبنى؛ وعلى هذا فالصورة التي تلحق بقصة سالم ممتنعة. ٤ - ومنها: أنه يشرع أن يستغفر الله في آخر العبادات؛ لقوله تعالى: ﴿واستغفروا الله﴾. ٥ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: «الغفور»، و «الرحيم»؛ وإثبات ما تضمناه من الصفة؛ وهي المغفرة، والرحمة؛ وإثبات ما تضمناه من الحكم بمقتضاهما؛ وهو أنه يغفر ويرحم كما قال تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء﴾ [العنكبوت: ٢١]، وقال تعالى: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥]. ٦ - ومنها: قرن الحكم بالعلة؛ لقوله تعالى: ﴿واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾؛ وقرن الحكم بالعلة في مثل هذا يفيد الإقدام، والنشاط على استغفار الله . القرآن ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ [البقرة: ٢٠٠] التفسير:

стр. 1506

فإذا أتممتم عبادتكم، وفرغتم من أعمال الحج، فأكثروا من ذكر الله والثناء عليه، مثل ذكركم مفاخر آبائكم وأعظم من ذلك. فمن الناس فريق يجعل همه الدنيا فقط، فيدعو قائلا ربنا آتنا في الدنيا صحة، ومالا وأولادًا، وهؤلاء ليس لهم في الآخرة حظ ولا نصيب؛ لرغبتهم عنها وقَصْرِ هَمِّهم على الدنيا. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: روي عن مجاهد في قوله: " ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾، قال: "كانوا إذا قَضَوا مناسكهم وقفوا عند الجَمرة فذكروا آباءهم، وذكروا أيامهم في الجاهلية وفَعال آبائهم، فنزلت هذه الآية" (١). والثاني: وقال الحسن: "كانت الأعراب إذا حدثوا وتكلموا يقولون: وأبيك إنهم لفعلوا كذا وكذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أي: " فإذا فرَغتم من حَجكم فذبحتم نَسائككم" (٣). قال الواحدي: " أي: إذا قضيتم عبادتكم التي أُمِرْتُم بها في الحج" (٤). قال الصابوني: " أي إذا فرغتم من أعمال الحج وانتهيتم منها" (٥). وفي (المناسك) ها هنا، تفسيران: أحدهما: أنها الذبائح، وهذا قول مجاهد (٦). والثاني: ما أمروا بفعله في الحج، وهذا قول عطاء (٧)، والحسن البصري (٨). قال القرطبي: "قيل: المناسك هي شعائر الحج، لقوله ﵇: "خذوا عني مناسككم" (٩) (١٠). و"قضيتم" هنا بمعنى أديتم وفرغتم، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] أي أديتم الجمعة. وقد يعبر بالقضاء عما فعل من العبادات خارج وقتها المحدود لها" (١١). وقد ذكر إسماعيل بن أحمد النيسابوري (١٢) في (كتاب: الوجوه والنظائر): أن لفظة (قضى) في الكتاب العزيز جاءت على خمسة عشر وجهاً: منها (الفراغ)، وذلك مثل قوله تعالى ﴿فَإذَا قَضَيتُم مَّنَاسِككُم﴾ (١٣). قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أي: " فأكثروا ذكره وبالغوا في ذلك كما كنتم تذكرون آباءكم وتعدون مفاخرهم بل أشدّ" (١٤).

стр. 1507

قال القرطبي: " يقول: "فاذكروا الله وأثنوا عليه بآلائه عندكم، كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم بعد قضاء مناسككم، بل أشد" (١). وأبو عمرو كان يدغم الكاف في الكاف وكذلك ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]، لأنهما مثلان (٢). قال الشيخ ابن عثيمين: " قال كثير من النحويين: إن ﴿أو﴾ بمعنى: (بل)؛ أي بل أشد؛ وهو هنا متوجِّه؛ ويشبهها من بعض الوجوه قوله تعالى: ﴿﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]؛ وقد ذكر ابن القيم في قوله تعالى: ﴿أو يزيدون﴾ أن ﴿أو﴾ هنا ليست بمعنى (بل)؛ ولكنها لتحقيق ما سبق - يعني: إن لم يزيدوا فلن ينقصوا -؛ وبناءً على هذا نقول مثله في هذه الآية: أي كذكركم آباءكم - إن لم يزد فلا ينقص -؛ إلا أنّه هنا إذا جعلناها بمعنى (بل) تكون أبلغ؛ لأن ذكر الله يجب أن يكون أشد من ذكر الآباء" (٣). قال الراغب: " لفظ ﴿أو﴾ وإن كان للتخيير، فمقتضى الكلام على إيجاب أن يكون ذكره أشد، لأنه لما نبه علي موضع نعمتهما أعنى نعمة الأب ونعمة الله- وشكر المنعم بقدر عظمة نعمته، وقد علم فضل نعمته تعالى على فضل نعمة الأب، فصار ذلك منبها أن ذكر الله أوجب .. وإذا كان الأب يذكر لأنه سبب ما لوجودكم، فالباري- أولى بأن يذكر" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، تأويلان (٥): أحدهما: أن هذا الذكر هو التكبير في أيام مِنى. والثاني: أنه جميع ما سُنَّ من الأدعية في مواطن الحج كلها. وفي قوله تعالى: ﴿كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أربعة أوجه من التفسير (٦): أحدها: أنهم كانوا إذا فرغوا من حجهم في الجاهلية جلسوا في منى حَلَقاً وافتخروا بمناقب آبائهم، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾، وهذا قول مجاهد (٧)، وقتادة (٨)، ووسعيد بن جبير (٩)، وعكرمة (١٠)، وأبو بكر بن عياش (١١). والثاني: أن معناه، فاذكروا الله كذكركم الأبناء الصغار للآباء، إذا قالوا: أبَهْ أُمَّه، وهذا قول عطاء (١٢)، والضحاك (١٣)، والربيع (١٤)، وابن عباس (١٥). والثالث: أنهم كانوا يدعون، فيقول الواحد منهم: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القبّة، كثير المال، فاعطني مثل ما أعطيته، فلا يذكر غير أبيه، فأُمِرُوا بذكر الله، كذكرهم آباءهم، أو أشد ذكراً، وهو قول السدي (١٦). والرابع: أن المعنى: "معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه، وادفعوا من أراد الشرك في دينه ومشاعره، كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم، وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم" (١٧). قال أبو الجوزاء لابن عباس: " إن الرجل اليوم لا يذكر أباه، فما معنى الآية؟ قال: ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله تعالى إذا عصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما" (١٨). والقول الأول أولى، وهو اختيار جمهور المفسرين، إذ "كانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة، فتفاخر بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم، وغير ذلك، حتى أن الواحد منهم ليقول: اللهم إن أبي كان عظيم القبة، عظيم الجفنة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته فلا يذكر غير أبيه، فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام الجاهلية هذا قول جمهور المفسرين" (١٩). قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، "أي: من الناس من تكون الدنيا همّه فيقول: اللهم اجعل عطائي ومنحتي في الدنيا خاصة " (٢٠). قال الزمخشري: أي: " اجعل إعطاءنا في الدنيا خاصة" (٢١). قال أبو بكر بن عياش: "كانوا يَعني أهلَ الجاهلية يقفون - يعني بعد قضاء مناسكهم - فيقولون: " اللهم ارزقنا إبلا! اللهم ارزقنا غنمًا! "، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فمن الناس من يقول ربّنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق﴾ " (٢٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أي: " وما له في الآخرة من حظ ولا نصيب" (٢٣). قال الطبراني: أي: "ولا ثوابٍ" (٢٤). قال ابن عثيمن: "لأنه لا يريد إلا الدنيا؛ فلا نصيب له في الآخرة مما دعا به؛ وقد يكون له نصيب من أعمال أخرى" (٢٥). قال الزمخشري: " ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب، لأنّ همه مقصور على الدنيا" (٢٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الإنسان ينبغي له إذا قضى من العبادة أن لا يغفل بعدها عن ذكر الله؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله﴾؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ [الجمعة: ١٠]. ٢ - ومنها: تقديم ذكر الله تعالى على ذكر الوالدين؛ لقوله تعالى: ﴿أو أشد ذكراً﴾. ٣ - ومنها: أن الأجداد داخلون في مسمّى الآباء؛ لأن العرب كانوا يفتخرون بأمجاد آبائهم، وأجدادهم، وقبائلهم.

стр. 1508

القرآن ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١] التفسير: ومن الناس فريق مؤمن يقول في دعائه: ربنا آتنا في الدنيا عافية ورزقًا وعلمًا نافعًا، وعملا صالحًا، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا، وفي الآخرة الجنة، واصرف عنَّا عذاب النار. وهذا الدعاء من أجمع الأدعية، ولهذا كان أكثر دعاء النبي ﷺ ، كما ثبت في الصحيحين. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، " أي: ومنهم من يطلب خيري الدنيا والآخرة وهو المؤمن العاقل" (١). قال ابن عثيمين: " يعني من الناس من تكون همته عليا يريد الخير في الدنيا، والآخرة" (٢). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأَخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، أربعة أقوال (٣): أحدها: أنه الحسنة العافية في الدنيا والآخرة، وهو قول قتادة (٤). والثاني: أنها نِعَمُ الدنيا ونِعَمُ الآخرة، وهو قول أكثر أهل العلم (٥). والثالث: أن الحسنة في الدنيا العلمُ، والعبادة، وفي الآخرة الجنة، وهو قول الحسن (٦)، والثوري (٧). والرابع: أن الحسنة في الدنيا المال، وفي الآخرة الجنة، وهو قول ابن زيد (٨)، والسدي (٩). قال الآلوسي: "والظاهر أن الـ (حسنة) وإن كانت نكرة في الإثبات وهي لا تعم إلا أنها مطلقة فتنصرف إلى الكامل والحسنة الكاملة في الدنيا ما يشمل جميع حسناتها وهو توفيق الخير وبيانها بشيء مخصوص ليس من باب تعيين المراد إذ لا دلالة للمطلق على المقيد أصلا وإنما هو من باب التمثيل" (١٠). قال ابن عثيمين: " وحسنة الدنيا كل ما يستحسنه الإنسان منها، مثل الصحة، وسعة الرزق، كثرة البنين، والزوجات، والقصور، والمراكب الفخمة، والأموال؛ وأما حسنة الآخرة فقيل: إنها الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦]؛ ولا شك أن الحسنة العظمى في الآخرة هي الجنة؛ لكن في الآخرة حسنات يستحسن المرء وقوعها غير الجنة، مثل أن يبيض وجهه، وأن تثقل موازينه، وأن يعطى كتابه بيمينه؛ فإنه إذا أعطي الكتاب بيمينه يقول: هاؤم اقرؤوا كتابيه فرحاً مسروراً" (١١). قال الطبري: : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن قوم من أهل الإيمان به وبرسوله، ممن حجَّ بَيته، يسألون ربهم، وأما في الآخرة، فلا شك أنها الجَّنة، لأن من لم يَنلها يومئذ فقد حُرم جميع الحسنات، وفارق جميع مَعاني العافية" (١٢).

стр. 1509

قال الشيخ السعدي: " والحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد، من رزق هنيء واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة، وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك، من المطالب المحبوبة والمباحة، وحسنة الآخرة، هي السلامة من العقوبات، في القبر، والموقف، والنار، وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم، فصار هذا الدعاء، أجمع دعاء وأكمله، وأولاه بالإيثار، ولهذا كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء به، والحث عليه" (١). قوله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، "أي ونجّنا من عذاب جهنم" (٢). قال البيضاوي: " بالعفو والمغفرة" (٣) قال الراغب: أي: و"احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار" (٤). قال الطبري: أي: "اصرف عنا عَذاب النار" (٥). قال الشيخ ابن عثيمين: " أي اجعل لنا وقاية من عذاب النار؛ وهذا يشمل شيئين: الأول: العصمة من الأعمال الموجبة لدخول النار. الثاني: المغفرة للذنوب التي توجب دخول النار" (٦). وقد جمعت هذه الدعوة ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ كل خير في الدنيا والآخرة، وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا، تشمل كل مطلوب دنيوي - من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلمٍ نافع، وعمل ٍ صالح، ومركب هين، وثناء جميل. . . إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين - ولا منافاة بينها - فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة: فأعلى ذلك رضوان الله تعالى ودخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العَرَصَات، وتيسير الحساب. . . وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة. وأما النجاة من النار: فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بيان انقسام الناس فيما يطلبون من الله، وأن منهم ذوي الغايات الحميدة، والهمم العالية الذين يقولون: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾؛ ومنهم ذوو الغايات الذميمة، والهمم النازلة الذين يقولون: ﴿ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق﴾. -من فوائد الآية: أن الإنسان لا يذم إذا طلب حسنة الدنيا مع حسنة الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾. ٢ - ومنها: أن الإنسان محتاج إلى حسنات الدنيا، والآخرة. ٣ - ومنها: إثبات الآخرة. ٤ - ومنها: إثبات النار، وعذابها. ٥ - ومنها: إثبات علم الله، وسمعه، وقدرته؛ إذ لا يدعى إلا من اتصف بذلك.

стр. 1510

٦ - وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء. فقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يقول: "اللَّهم ربَّنا، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (١) القرآن ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠٢] التفسير: أولئك الداعون بهذا الدعاء لهم ثواب عظيم بسبب ما كسبوه من الأعمال الصالحة. والله سريع الحساب، مُحْصٍ أعمال عباده، ومجازيهم بها. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢]، " أي هؤلاء الذين طلبوا سعادة الدارين لهم حظ وافر مما عملوا من الخيرات" (٢). قال الزمخشري: أي: "لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا" (٣). قال الواحدي: " هؤلاء المسلمون يسألون الحظ في الدنيا والآخرة" (٤). قال الطبري: " فأعلم جل ثناؤه أنّ لهم نصيبًا وحظًّا من حجِّهم ومناسكهم، وثوابًا جزيلا على عملهم الذي كسبوه" (٥). قال القاسمي: "وسمي الدعاء كسباً؛ لأنه من الأعمال وهي موصوفة بالكسب" (٦). قال قتادة: "أي حظٌّ من أعمالهم" (٧). وقال عطاء: " مما عملوا من الخير" (٨). وقال ابن زيد: "لهؤلاء الأجرُ بما عملوا في الدنيا" (٩).
следующие страницы →