← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

فإذا أتممتم عبادتكم، وفرغتم من أعمال الحج، فأكثروا من ذكر الله والثناء عليه، مثل ذكركم مفاخر آبائكم وأعظم من ذلك. فمن الناس فريق يجعل همه الدنيا فقط، فيدعو قائلا ربنا آتنا في الدنيا صحة، ومالا وأولادًا، وهؤلاء ليس لهم في الآخرة حظ ولا نصيب؛ لرغبتهم عنها وقَصْرِ هَمِّهم على الدنيا. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: روي عن مجاهد في قوله: " ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾، قال: "كانوا إذا قَضَوا مناسكهم وقفوا عند الجَمرة فذكروا آباءهم، وذكروا أيامهم في الجاهلية وفَعال آبائهم، فنزلت هذه الآية" (١). والثاني: وقال الحسن: "كانت الأعراب إذا حدثوا وتكلموا يقولون: وأبيك إنهم لفعلوا كذا وكذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أي: " فإذا فرَغتم من حَجكم فذبحتم نَسائككم" (٣). قال الواحدي: " أي: إذا قضيتم عبادتكم التي أُمِرْتُم بها في الحج" (٤). قال الصابوني: " أي إذا فرغتم من أعمال الحج وانتهيتم منها" (٥). وفي (المناسك) ها هنا، تفسيران: أحدهما: أنها الذبائح، وهذا قول مجاهد (٦). والثاني: ما أمروا بفعله في الحج، وهذا قول عطاء (٧)، والحسن البصري (٨). قال القرطبي: "قيل: المناسك هي شعائر الحج، لقوله ﵇: "خذوا عني مناسككم" (٩) (١٠). و"قضيتم" هنا بمعنى أديتم وفرغتم، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] أي أديتم الجمعة. وقد يعبر بالقضاء عما فعل من العبادات خارج وقتها المحدود لها" (١١). وقد ذكر إسماعيل بن أحمد النيسابوري (١٢) في (كتاب: الوجوه والنظائر): أن لفظة (قضى) في الكتاب العزيز جاءت على خمسة عشر وجهاً: منها (الفراغ)، وذلك مثل قوله تعالى ﴿فَإذَا قَضَيتُم مَّنَاسِككُم﴾ (١٣). قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أي: " فأكثروا ذكره وبالغوا في ذلك كما كنتم تذكرون آباءكم وتعدون مفاخرهم بل أشدّ" (١٤).

стр. 1507

قال القرطبي: " يقول: "فاذكروا الله وأثنوا عليه بآلائه عندكم، كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم بعد قضاء مناسككم، بل أشد" (١). وأبو عمرو كان يدغم الكاف في الكاف وكذلك ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]، لأنهما مثلان (٢). قال الشيخ ابن عثيمين: " قال كثير من النحويين: إن ﴿أو﴾ بمعنى: (بل)؛ أي بل أشد؛ وهو هنا متوجِّه؛ ويشبهها من بعض الوجوه قوله تعالى: ﴿﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]؛ وقد ذكر ابن القيم في قوله تعالى: ﴿أو يزيدون﴾ أن ﴿أو﴾ هنا ليست بمعنى (بل)؛ ولكنها لتحقيق ما سبق - يعني: إن لم يزيدوا فلن ينقصوا -؛ وبناءً على هذا نقول مثله في هذه الآية: أي كذكركم آباءكم - إن لم يزد فلا ينقص -؛ إلا أنّه هنا إذا جعلناها بمعنى (بل) تكون أبلغ؛ لأن ذكر الله يجب أن يكون أشد من ذكر الآباء" (٣). قال الراغب: " لفظ ﴿أو﴾ وإن كان للتخيير، فمقتضى الكلام على إيجاب أن يكون ذكره أشد، لأنه لما نبه علي موضع نعمتهما أعنى نعمة الأب ونعمة الله- وشكر المنعم بقدر عظمة نعمته، وقد علم فضل نعمته تعالى على فضل نعمة الأب، فصار ذلك منبها أن ذكر الله أوجب .. وإذا كان الأب يذكر لأنه سبب ما لوجودكم، فالباري- أولى بأن يذكر" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، تأويلان (٥): أحدهما: أن هذا الذكر هو التكبير في أيام مِنى. والثاني: أنه جميع ما سُنَّ من الأدعية في مواطن الحج كلها. وفي قوله تعالى: ﴿كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أربعة أوجه من التفسير (٦): أحدها: أنهم كانوا إذا فرغوا من حجهم في الجاهلية جلسوا في منى حَلَقاً وافتخروا بمناقب آبائهم، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾، وهذا قول مجاهد (٧)، وقتادة (٨)، ووسعيد بن جبير (٩)، وعكرمة (١٠)، وأبو بكر بن عياش (١١). والثاني: أن معناه، فاذكروا الله كذكركم الأبناء الصغار للآباء، إذا قالوا: أبَهْ أُمَّه، وهذا قول عطاء (١٢)، والضحاك (١٣)، والربيع (١٤)، وابن عباس (١٥). والثالث: أنهم كانوا يدعون، فيقول الواحد منهم: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القبّة، كثير المال، فاعطني مثل ما أعطيته، فلا يذكر غير أبيه، فأُمِرُوا بذكر الله، كذكرهم آباءهم، أو أشد ذكراً، وهو قول السدي (١٦). والرابع: أن المعنى: "معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه، وادفعوا من أراد الشرك في دينه ومشاعره، كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم، وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم" (١٧). قال أبو الجوزاء لابن عباس: " إن الرجل اليوم لا يذكر أباه، فما معنى الآية؟ قال: ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله تعالى إذا عصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما" (١٨). والقول الأول أولى، وهو اختيار جمهور المفسرين، إذ "كانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة، فتفاخر بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم، وغير ذلك، حتى أن الواحد منهم ليقول: اللهم إن أبي كان عظيم القبة، عظيم الجفنة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته فلا يذكر غير أبيه، فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام الجاهلية هذا قول جمهور المفسرين" (١٩). قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، "أي: من الناس من تكون الدنيا همّه فيقول: اللهم اجعل عطائي ومنحتي في الدنيا خاصة " (٢٠). قال الزمخشري: أي: " اجعل إعطاءنا في الدنيا خاصة" (٢١). قال أبو بكر بن عياش: "كانوا يَعني أهلَ الجاهلية يقفون - يعني بعد قضاء مناسكهم - فيقولون: " اللهم ارزقنا إبلا! اللهم ارزقنا غنمًا! "، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فمن الناس من يقول ربّنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق﴾ " (٢٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أي: " وما له في الآخرة من حظ ولا نصيب" (٢٣). قال الطبراني: أي: "ولا ثوابٍ" (٢٤). قال ابن عثيمن: "لأنه لا يريد إلا الدنيا؛ فلا نصيب له في الآخرة مما دعا به؛ وقد يكون له نصيب من أعمال أخرى" (٢٥). قال الزمخشري: " ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب، لأنّ همه مقصور على الدنيا" (٢٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الإنسان ينبغي له إذا قضى من العبادة أن لا يغفل بعدها عن ذكر الله؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله﴾؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ [الجمعة: ١٠]. ٢ - ومنها: تقديم ذكر الله تعالى على ذكر الوالدين؛ لقوله تعالى: ﴿أو أشد ذكراً﴾. ٣ - ومنها: أن الأجداد داخلون في مسمّى الآباء؛ لأن العرب كانوا يفتخرون بأمجاد آبائهم، وأجدادهم، وقبائلهم.

стр. 1508

القرآن ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١] التفسير: ومن الناس فريق مؤمن يقول في دعائه: ربنا آتنا في الدنيا عافية ورزقًا وعلمًا نافعًا، وعملا صالحًا، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا، وفي الآخرة الجنة، واصرف عنَّا عذاب النار. وهذا الدعاء من أجمع الأدعية، ولهذا كان أكثر دعاء النبي ﷺ ، كما ثبت في الصحيحين. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، " أي: ومنهم من يطلب خيري الدنيا والآخرة وهو المؤمن العاقل" (١). قال ابن عثيمين: " يعني من الناس من تكون همته عليا يريد الخير في الدنيا، والآخرة" (٢). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأَخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، أربعة أقوال (٣): أحدها: أنه الحسنة العافية في الدنيا والآخرة، وهو قول قتادة (٤). والثاني: أنها نِعَمُ الدنيا ونِعَمُ الآخرة، وهو قول أكثر أهل العلم (٥). والثالث: أن الحسنة في الدنيا العلمُ، والعبادة، وفي الآخرة الجنة، وهو قول الحسن (٦)، والثوري (٧). والرابع: أن الحسنة في الدنيا المال، وفي الآخرة الجنة، وهو قول ابن زيد (٨)، والسدي (٩). قال الآلوسي: "والظاهر أن الـ (حسنة) وإن كانت نكرة في الإثبات وهي لا تعم إلا أنها مطلقة فتنصرف إلى الكامل والحسنة الكاملة في الدنيا ما يشمل جميع حسناتها وهو توفيق الخير وبيانها بشيء مخصوص ليس من باب تعيين المراد إذ لا دلالة للمطلق على المقيد أصلا وإنما هو من باب التمثيل" (١٠). قال ابن عثيمين: " وحسنة الدنيا كل ما يستحسنه الإنسان منها، مثل الصحة، وسعة الرزق، كثرة البنين، والزوجات، والقصور، والمراكب الفخمة، والأموال؛ وأما حسنة الآخرة فقيل: إنها الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦]؛ ولا شك أن الحسنة العظمى في الآخرة هي الجنة؛ لكن في الآخرة حسنات يستحسن المرء وقوعها غير الجنة، مثل أن يبيض وجهه، وأن تثقل موازينه، وأن يعطى كتابه بيمينه؛ فإنه إذا أعطي الكتاب بيمينه يقول: هاؤم اقرؤوا كتابيه فرحاً مسروراً" (١١). قال الطبري: : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن قوم من أهل الإيمان به وبرسوله، ممن حجَّ بَيته، يسألون ربهم، وأما في الآخرة، فلا شك أنها الجَّنة، لأن من لم يَنلها يومئذ فقد حُرم جميع الحسنات، وفارق جميع مَعاني العافية" (١٢).

стр. 1509

قال الشيخ السعدي: " والحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد، من رزق هنيء واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة، وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك، من المطالب المحبوبة والمباحة، وحسنة الآخرة، هي السلامة من العقوبات، في القبر، والموقف، والنار، وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم، فصار هذا الدعاء، أجمع دعاء وأكمله، وأولاه بالإيثار، ولهذا كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء به، والحث عليه" (١). قوله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، "أي ونجّنا من عذاب جهنم" (٢). قال البيضاوي: " بالعفو والمغفرة" (٣) قال الراغب: أي: و"احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار" (٤). قال الطبري: أي: "اصرف عنا عَذاب النار" (٥). قال الشيخ ابن عثيمين: " أي اجعل لنا وقاية من عذاب النار؛ وهذا يشمل شيئين: الأول: العصمة من الأعمال الموجبة لدخول النار. الثاني: المغفرة للذنوب التي توجب دخول النار" (٦). وقد جمعت هذه الدعوة ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ كل خير في الدنيا والآخرة، وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا، تشمل كل مطلوب دنيوي - من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلمٍ نافع، وعمل ٍ صالح، ومركب هين، وثناء جميل. . . إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين - ولا منافاة بينها - فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة: فأعلى ذلك رضوان الله تعالى ودخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العَرَصَات، وتيسير الحساب. . . وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة. وأما النجاة من النار: فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بيان انقسام الناس فيما يطلبون من الله، وأن منهم ذوي الغايات الحميدة، والهمم العالية الذين يقولون: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾؛ ومنهم ذوو الغايات الذميمة، والهمم النازلة الذين يقولون: ﴿ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق﴾. -من فوائد الآية: أن الإنسان لا يذم إذا طلب حسنة الدنيا مع حسنة الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾. ٢ - ومنها: أن الإنسان محتاج إلى حسنات الدنيا، والآخرة. ٣ - ومنها: إثبات الآخرة. ٤ - ومنها: إثبات النار، وعذابها. ٥ - ومنها: إثبات علم الله، وسمعه، وقدرته؛ إذ لا يدعى إلا من اتصف بذلك.

стр. 1510

٦ - وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء. فقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يقول: "اللَّهم ربَّنا، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (١) القرآن ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠٢] التفسير: أولئك الداعون بهذا الدعاء لهم ثواب عظيم بسبب ما كسبوه من الأعمال الصالحة. والله سريع الحساب، مُحْصٍ أعمال عباده، ومجازيهم بها. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢]، " أي هؤلاء الذين طلبوا سعادة الدارين لهم حظ وافر مما عملوا من الخيرات" (٢). قال الزمخشري: أي: "لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا" (٣). قال الواحدي: " هؤلاء المسلمون يسألون الحظ في الدنيا والآخرة" (٤). قال الطبري: " فأعلم جل ثناؤه أنّ لهم نصيبًا وحظًّا من حجِّهم ومناسكهم، وثوابًا جزيلا على عملهم الذي كسبوه" (٥). قال القاسمي: "وسمي الدعاء كسباً؛ لأنه من الأعمال وهي موصوفة بالكسب" (٦). قال قتادة: "أي حظٌّ من أعمالهم" (٧). وقال عطاء: " مما عملوا من الخير" (٨). وقال ابن زيد: "لهؤلاء الأجرُ بما عملوا في الدنيا" (٩).

стр. 1511

قيل أن قوله تعالى: ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ يدل على أن ما كسبوه للدنيا لا معتبر له، وأن لهم بعض ما كسبوا، وهو ما كان للآخرة، لا كل ما كسبوا مما هو للدنيا وللآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [٤٦: الكهف] (١). وفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢]، تفسيران: أحدهما: أ، المعنى: دعاؤهم مستجاب؛ لأن كَسْبَهُم هاهنا الذي ذكر: الدعاء. قاله الزجاج (٢). والثاني: معناه: لهم نصيب من كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه، خلاف من بطل عمله فلم يكن له منه حظ. وهذا معنى قول قتادة (٣). وفي المشار إليه في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ [البقرة: ٢٠٢]، قولان (٤): أحدهما: أن الإشارة تعود إلى التقسيم الثاني الذين يقولون: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ فهؤلاء لهم نصيب مما كسبوا؛ لقوله تعالى: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها﴾ [النساء: ٨٥]. قال القرطبي: "أي لهم ثواب الحج أو ثواب الدعاء، فإن دعاء المؤمن عبادة" (٥). والثاني: أن الإشارة تعود إلى مورد التقسيم كله، فللمؤمن ثواب عمله ودعائه، وللكافر عقاب شركه وقصر نظره على الدنيا، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]. والقول الأول هو الأظهر؛ لأن الإشارة تعود إلى أقرب مذكور. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢]، أي: والله محصٍ للعمل بأسرع الحساب (٦). قال مجاهد: " سريع الإحصاء" (٧). قال محمد نووي الحاوي: فهو "سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم وعالم بجملة سؤالات السائلين" (٨). قال الزمخشري: أي" يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد، فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة، أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه" (٩). قال الطبري: " وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنه جل ذكره يُحصى ما يُحصى من أعمال عباده بغير عَقد أصابع، ولا فكرٍ ولا رَوية، فِعلَ العَجَزة الضَّعَفة من الخلق، ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يَعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ثم هو مُجازٍ عبادَه على كل ذلك. فلذلك امتدح نفسه جل ذكره بسرعة الحساب، وأخبر خلقه أنه ليس لهم بمِثْلِ، فيحتاجَ في حسابه إلى عَقد كف أو وَعْي صَدر" (١٠). قال القرطبي: " إن الله سبحانه سريع الحساب، لا يحتاج إلى عد ولا إلى عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحساب، ولهذا قال وقول الحق: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال رسول الله صلى الله عليه

стр. 1512

وسلم: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب" (١) الحديث، فالله جل وعز عالم بما للعباد وعليهم فلا يحتاج إلى تذكر وتأمل، إذ قد علم ما للمحاسب وعليه، لأن الفائدة في الحساب علم حقيقته. وفي قوله تعالى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢]، وجوه من التفسير (٢): أحدها: أن المعنى: أن الله سريع المجازاة للعباد بأعمالهم. والثاني: أن المعنى: لا يشغله شأن عن شأن، فيحاسبهم في حالة واحدة، كما قال وقوله الحق: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. قال الحسن: "حسابه أسرع من لمح البصر، وفي الخبر "إن الله يحاسب في قدر حلب شاة" (٣). والثالث: أنه إذا حاسب واحدا فقد حاسب جميع الخلق. وقيل لعلي بن أبي طالب ﵁: " كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال: كما يرزقهم في يوم" (٤). والرابع: وقيل: معنى الآية سريع بمجيء يوم الحساب، فالمقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة. قال القرطبي: "والكل محتمل، فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف الحساب عنه بالأعمال الصالحة، وإنما يخف الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا" (٥). وقد ذكر ابن عثيمين، في تفسير: السرعة في الآية وجهان: أحدهما: سرعة الزمن: بمعنى: أن حساب الله قريب، كما في قوله تعالى: ﴿وما يدريك لعل الساعة قريب﴾ [الشورى: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً﴾ [الأحزاب: ٦٣]. والثاني: سرعة محاسبة الله للخلق: أي أن نفس حسابه سريع. قال ابن عثيمين: " والثاني أبلغ؛ فإن الله يحاسب الخلائق كلها في يوم واحد، ويعطي كل إنسان ما يستحقه من ذلك الحساب؛ ومحاسبة الله للخلائق على نوعين؛ النوع الأول للمؤمنين؛ والنوع الثاني للكافرين؛ أما حساب المؤمنين فإن الله يخلو بعبده المؤمن، ويقرره بذنوبه، ويقول له: «عملت كذا في يوم كذا» حتى يقر ويعترف، فيقول الله له: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (٦)؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «من نوقش الحساب عذب؛ فقالت عائشة: يا رسول الله، أليس الله يقول: ﴿فسوف يحاسب حساباً يسيراً﴾ فقال النبي ﷺ : ذلك العرض» (٧)؛ أي تعرض الأعمال على الشخص حتى يقر؛ فإذا أقر بها قال الله تعالى له: «سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم»؛ وأما غير المؤمنين فإنهم لا يحاسبون كذلك؛ وإنما الأمر كما قال شيخ الإسلام: لا يحاسبون حساب من توزن حسناته، وسيئاته؛ لأنهم لا حسنات لهم؛ ولكن تحصى أعمالهم، وتحفظ، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويخزون بها؛ يعني: وينادى عليهم على رؤوس الخلائق: ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨] " (٨) (٩).

стр. 1513

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الثواب يكون بالعدل؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا﴾؛ لكنه بالعدل في العقوبة؛ وبالفضل في المثوبة. ٢ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿مما كسبوا﴾. ٣ - ومنها: إثبات الحساب؛ لقوله تعالى: ﴿والله سريع الحساب﴾. ٤ - ومنها: تمام قدرة الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿والله سريع الحساب﴾. ٥ - ومنها: إثبات علم الله؛ لأن المحاسِب لا بد أن يكون لديه علم يقابل به من يحاسبه. القرآن ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣] التفسير: واذكروا الله تسبيحًا وتكبيرًا في أيام قلائل، وهي أيام التشريق: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة. فمن أراد التعجل وخرج من "مِنى" قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر بعد رمي الجمار فلا ذنب عليه، ومن تأخر بأن بات بـ "مِنى" حتى يرمي الجمار في اليوم الثالث عشر فلا ذنب عليه، لمن اتقى الله في حجه. والتأخر أفضل؛ لأنه تزوُّد في العبادة واقتداء بفعل النبي ﷺ . وخافوا الله- أيها المسلمون- وراقبوه في كل أعمالكم، واعلموا أنكم إليه وحده تُحْشَرون بعد موتكم للحساب والجزاء. لما ذكر الله ﵎ أفعال الحج ذكر ما بعد انتهاء أفعال الحج؛ وهو ذكر الله تعالى في أيام معدودات؛ وهي أيام التشريق الثلاثة: الحادي عشر؛ والثاني عشر؛ والثالث عشر من شهر ذي الحجة؛ والذكر هنا يشمل كل ما يتقرب به إلى الله من قول أو فعل في هذه الأيام؛ فيشمل التكبير في تلك الأيام مطلقاً، ومقيداً؛ والنحر من الضحايا، والهدايا؛ ورمي الجمار؛ والطواف، والسعي إذا وقعا في هذه الأيام؛ بل والصلاة المفروضة، والتطوع؛ وقد قال النبي ﷺ : «إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا، والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (١)، وقال ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل، وشرب، وذكر لله » (٢) (٣). قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، أي " أذكروا الله بالتوحيد والتعظيم في أيام مُحصَيات، ، وهي أيام رَمي الجمار" (٤). قال الصابوني: " أي كبروا الله في أعقاب الصلوات وعند رمي الجمرات في أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر" (٥).

стр. 1514

قال الطبري: أي" أذكروا الله بالتوحيد والتعظيم في أيام مُحصَيات، وهي أيام رَمي الجمار. أمر عباده يومئذ بالتكبير أدبارَ الصلوات، وعند الرمي مع كل حصاة من حَصى الجمار يرمي بها جَمرةً من الجمار" (١). و﴿أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، هي: " أيام التشريق، وهي أيام منى ورمي الجمار، سميت معدودات لقلتهن كقوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] " (٢). قال صاحب الكشاف: " الأيام المعدودات. أيام التشريق، وذكر اللَّه فيها: التكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار" (٣). قال الحافظ ابن حجر: " تسمية أيام التشريق معدودات متفق عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ " (٤). وقد تعددت أقوال أهل العلم في تحديد (أيام المعدودات) على وجوه (٥): أحدها: أنها أيام التشريق، أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده". قاله ابن عباس (٦). ورُوي عن ابن عمر (٧)، وابن الزبير (٨)، وأبي موسى (٩)، وعطاء (١٠)، ومجاهد (١١)، وعكرمة (١٢)، وسعيد ابن جُبَير (١٣)، وأبي مالك (١٤)، وإبراهيم النخَعي (١٥)، ويحيى بن أبي كثير (١٦)، والحسن (١٧)، وقتادة (١٨)،

стр. 1515

والسدي (١)، والزهري (٢)، والربيع بن أنس (٣)، والضحاك (٤)، ومقاتل بن حيّان (٥)، ومالك بن أنس (٦)، وابن زيد (٧)، وغيرهم - مثل ذلك (٨). والثاني: أنها ثلاثة أيام، يوم الأضحى، ويومان بعده، اذبح في أيِّهنّ شئت، وأفضلها أولها. وهذا قول علي بن أبي طالب" (٩)، وابن عمر (١٠). الثالث: أن المعدودات أيام العشر، والمعلومات أيام النحر. حكاه الثعلبي عن عماد بن إبراهيم (١١)، وفي رواية مجاهد عن ابن عباس (١٢)، وهو اختيار الفراء (١٣)، وكذا حكى مكي والمهدوي" (١٤). الرابع: يوم النحر وثلاثة أيام التشريق، قاله المروزي (١٥). والقول الأول هو المشهور، وعليه أكثر العلماء (١٦)، وعليه دل ظاهر الآية الكريمة، حيث قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، فدل على ثلاثة بعد النحر (١٧). والله أعلم. قال القرطبي: "ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى، وهي أيام التشريق، وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها، وهي أيام رمي الجمار، وهي واقعة على الثلاثة الأيام التي يتعجل الحاج منها في يومين بعد يوم النحر، فقف على ذلك" (١٨). وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: أيام التشريق أيام طُعْمٍ وذِكْر " (١٩). وفي رواية أخرى: "" لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله " (٢٠).

стр. 1516

وعن عمرو بن دينار: أن رسول الله ﷺ بَعث بشر بن سُحَيم، فنادى في أيام التشريق، فقال: إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله" (١). واختلف أهل اللغة في (الألف واللام) في قوله تعالى ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وفيه وجهان: أحدهما: أن الألف والتاء في ﴿معدودات﴾ لأقل العدد. قاله الكوفيون. والثاني: أنهما للقليل والكثير، قاله البصريون، بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] والغرفات كثيرة" (٢). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، أي: " من تعجل قبل تمام الأيام الثلاثة، وأنهى حجه فلا إثم عليه" (٣). قال الصابوني: " أي من استعجل بالنفر من منى بعد تمام يومين فنفر فلا حرج عليه" (٤). قال البغوي: يعني: "لا إثم على من تعجل فنفر في اليوم الثاني في تعجيله" (٥). قوله تعالى ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، أي: و"من تأخر إلى اليوم الثالث في منى لرمي الجمرات فلا إثم عليه" (٦). قال الصابوني: " أي ومن تأخر حتى رمى في اليوم الثالث - وهو النفر الثاني - فلا حرج عليه أيضاً" (٧). وقد اختلف أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، على أقوال (٨): أحدها: أن المعنى: فمن تعجل في يَومين من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه في نَفْره وتعجله في النفر، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى ينفر في اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخره. وهذا قول عطاء (٩)، والحسن (١٠)، وعكرمة (١١)، ومجاهد (١٢)، والسدي (١٣)، وقتادة (١٤)، وإبراهيم (١٥)، وابن عمر (١٦). والثاني: أن معناه: فمن تعجل في يومين فهو مغفور له لا إثم عليه، ومن تأخر كذلك. قاله إبراهيم (١٧)، وابن عمر (١٨)، وابن عباس (١٩)، وابن مسعود (٢٠)، ومجاهد (٢١)، ومعاوية بن قُرة (٢٢)، وغيرهم (٢٣).

стр. 1517

الثالث: أن معناه. فلا إثم عليه إن اتقى الله فيما بقي من عمره. قاله أبو العالية (١)، وإبراهيم (٢)، وابن زيد (٣)، والسدي (٤)، وابن جريج (٥)، وابن عباس (٦). الرابع: أن معنى ذلك: ﴿فمن تعجل في يومين﴾ من أيام التشريق ﴿فلا إثم عليه﴾، أي فلا حرج عليه في تعجيله النفْر، إن هو اتقى قَتْل الصيد حتى ينقضي اليوم الثالث، ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلم ينفر فلا حرج عليه. قاله محمد بن أبي صالح (٧)، وابن عباس (٨). الخامس: أن المعنى: ﴿فمن تعجل في يومين﴾ من أيام التشريق فنفر ﴿فلا إثم عليه﴾، أي مغفورٌ له - ﴿ومن تأخر﴾ فنفر في اليوم الثالث ﴿فلا إثم عليه﴾، أي مغفور له إن اتقى على حجه أن يصيبَ فيه شيئًا نهاه الله عنه. وهذا معنى قول قتادة (٩)، وابن مسعود (١٠). والصواب: في تفسير ذلك: " ﴿فمن تعجل في يومين﴾ من أيام منى الثلاثة فنفر في اليوم الثاني " فلا إثم عليه "، لحطِّ الله ذنوبَه، إن كان قد اتقى الله في حجه، فاجتنب فيه ما أمره الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمره الله بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده " ومن تأخر " إلى اليوم الثالث منهن فلم ينفر إلى النفر الثاني حتى نفر من غد النفر الأول، " فلا إثم عليه "، لتكفير الله له ما سلف من آثامه وإجرامه، وإن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده. وهذا الإختيار لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: " تابعوا بين الحج والعمرة، فإنّ متابعة ما بينهما تنفي الفقر والذنوبَ كما ينفي الكيرُ الخبَثَ أو: خبَثَ الحديد " (١١)، وروي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قضيتَ حجَّك فأنت مثل ما ولدتك أمك" (١٢). وقرأ سالم بن عبدالله ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْه﴾ بوصل الألف تخفيفا، والعرب قد تستعمله، قال الشاعر (١٣):

стр. 1518

إن لم أقاتل فالبسوني برقعا (١) قوله تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، أي: " لمن اتقى أن يصيب في حجه شيئا نهاه الله عنه" (٢). قال الفراء: " يقول: قتل الصيد فى الحرم" (٣). قال الصابوني: " أي ما ذكر من الأحكام لمن أراد أن يتقي الله فيأتي بالحج على الوجه الأكمل" (٤). قال البيضاوي: " أي الذي ذكر من التخيير، أو من الأحكام لمن اتقى، لأنه الحاج على الحقيقة والمنتفع به، أو لأجله حتى لا يتضرر بترك ما يهمه منهما" (٥). قال الشيخ ابن عثيمين: " الظاهر أنها قيد للأمرين جميعاً للتعجل والتأخر، بحيث يحمل الإنسان تقوى الله على التعجل أو التأخر" (٦). وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق" (٧). قال ابن مسعود: "إنما جعلت مغفرة الذنوب لمن اتقى الله تعالى في حجه، وفي رواية الكلبي عن ابن عباس معناه ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ الصيد لا يحل له أن يقتل صيدا حتى تخلو أيام التشريق، وقال أبو العالية ذهب إئمه أن اتقى فيما بقي من عمره [﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم] (٨). قال الزمخشري: " ونفى الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقى: لئلا يتخالج في قلبه شيء منهما فيحسب أنّ أحدهما يرهق صاحبه آثام في الإقدام عليه، لأنّ ذا التقوى حذر متحرّز من كل ما يريبه، ولأنه هو الحاج على الحقيقة عند اللَّه" (٩). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وجوها: أحدها: أن المعنى: لمن اتقى معاصي الله. قاله ابن عباس (١٠). والثاني: إنما جعلت المغفرة لمن اتقى على حجه. قاله ابن مسعود (١١). والثالث: المعنى: أن اتقى فيما بقي. وهذا قول أبي العالية (١٢)، والربيع بن أنس (١٣). والرابع: أن المعنى: لمن اتقى الصيد وهو محرم. قاله ابن عباس (١٤) في رواية أبي صالح عنه. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، " أي: خافوا الله تعالى" (١٥).

стр. 1519

قال البيضاوي: أي: " في مجامع أموركم ليعبأ بكم" (١). قال الطبري: أي: " واتقوا الله أيها المؤمنون فيما فَرض عليكما من فرائضه، فخافوه في تضييعها والتفريط فيها، وفيما نهاكم عنه في حجكم ومناسككما أن ترتكبوه أو تأتوه وفيما كلفكم في إحرامكم لحجكم أن تقصِّروا في أدائه والقيام به" (٢). و(تقوى الله): هو " اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه على علم وبصيرة" (٣). قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، " أي: واعلموا أنكم مجموعون إليه للحساب فيجازيكم بأعمالكم" (٤). قال البيضاوي: أي: " للجزاء بعد الإِحياء. وأصل الحشر الجمع وضم المتفرق" (٥). وفي قوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾: "تنبيه على أنه لا بد من الإيمان بهذا الحشر، والاستعداد له" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: مزية الذكر في هذه الأيام المعدودات؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾؛ لأن ذكر الله على سبيل العموم في كل الوقت؛ لكن هذا على سبيل الخصوص. ٢ - ومنها: أنه يجوز في هذه الأيام الثلاثة التعجل، والتأخر؛ لقوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾. ٣ - ومنها: سعة فضل الله ، وتيسيره في أحكامه، حيث جعل الإنسان مخيراً أن يبقى ثلاثة أيام، أو يتعجل في اليومين. ٤ - ومنها: أنّه لا بد أن يكون خروجه من منى قبل أن تغرب الشمس؛ لأن ﴿في﴾ للظرفية؛ والظرف يحيط بالمظروف؛ فلا بد أن يكون التعجل في خلال اليومين بعد الرمي الواقع بعد الزوال. ٥ - ومنها: أنه لا يجوز التعجل في اليوم الحادي عشر؛ لأنه لو تعجل في اليوم الحادي عشر لكان تعجل في يوم لا في يومين؛ فكثير من العامة يظنون أن المراد باليومين: يوم العيد، واليوم الحادي عشر؛ وهذا ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾؛ وهي أيام التشريق؛ وأيام التشريق إنما تبتدئ من الحادي عشر. ٦ - ومنها: أن الأعمال المخير فيها إنما ينتفي الإثم عنها إذا فعلها الإنسان على سبيل التقوى لله دون التهاون بأوامره؛ لقوله تعالى: ﴿لمن اتقى﴾؛ فمن فعل ما يخير فيه على سبيل التقوى لله والأخذ بتيسيره فهذا لا إثم عليه؛ وأما من فعلها على سبيل التهاون، وعدم المبالاة فإن عليه الإثم بترك التقوى، وتهاونه بأوامر الله. تنبيه: لا يستفاد من الآية جواز التأخر إلى اليوم الرابع عشر، والخامس عشر مع أن الله تعالى أطلق: ﴿ ... ومن تأخر﴾؛ لأن أصل الذكر في أيام معدودات؛ وهي ثلاثة أيام؛ فيكون المعنى؛ من تأخر في هذه الأيام المعدودات؛ وهي الأيام الثلاثة. ٧ - ومنها: وجوب التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾.

стр. 1520

٨ - ومنها: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾. ٩ - ومنها: قرن المواعظ بالتخويف؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾؛ لأن الإنسان إذا علم أنه سيحشر إلى الله ، وأنه سيجازيه فإنه سوف يتقي الله، ويقوم بما أوجب الله، ويترك ما نهى الله عنه؛ وبهذا عرفنا الحكمة من كون الله يقرن الإيمان باليوم الآخر في كثير من الآيات بالإيمان بالله دون بقية الأركان التي يؤمن بها؛ وذلك؛ لأن الإيمان باليوم الآخر يستلزم العمل لذلك اليوم؛ وهو القيام بطاعة الله ورسوله. ١٠ - لا خلاف أن المخاطب بهذا الذكر هو الحاج، خوطب بالتكبير عند رمي الجمار، وعلى ما رزق من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات وعند أدبار الصلوات دون تلبية، وهل يدخل غير الحاج في هذا أم لا؟ فالذي عليه فقهاء الأمصار والمشاهير من الصحابة والتابعين على أن المراد بالتكبير كل أحد - وخصوصا في أوقات الصلوات - فكبر عند انقضاء كل صلاة - كان المصلي وحده أو في جماعة - تكبيرا ظاهرا في هذه الأيام، اقتداء بالسلف ﵃. وفي المختصر: ولا يكبر النساء دبر الصلوات، والأول أشهر، لأنه يلزمها حكم الإحرام كالرجل، قاله في المدونة (١). ١١ - واختلف العلماء في طرفي مدة التكبير، فقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس: "يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق". وقال ابن مسعود وأبو حنيفة: يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر. وخالفه صاحباه فقالا بالقول الأول، قول عمر وعلي وابن عباس ﵃، فاتفقوا في الابتداء دون الانتهاء. وقال مالك: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال الشافعي، وهو قول ابن عمر وابن عباس أيضا. وقال زيد بن ثابت: "يكبر من ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق". قال ابن العربي: فأما من قال: يكبر يوم عرفة ويقطع العصر من يوم النحر فقد خرج عن الظاهر، لأن الله تعالى قال: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ وأيامها ثلاثة، وقد قال هؤلاء: يكبر في يومين، فتركوا الظاهر لغير دليل. وأما من قال يوم عرفة وأيام التشريق، فقال: إنه قال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]، فذكر " عرفات" داخل في ذكر الأيام، هذا كان يصح لو كان قال: يكبر من المغرب يوم عرفة، لأن وقت الإفاضة حينئذ، فأما قبل فلا يقتضيه ظاهر اللفظ، ويلزمه أن يكون من يوم التروية عند الحلول بمنى. واختلفوا في لفظ التكبير، فمشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل صلاة ثلاث تكبيرات، رواه زياد بن زياد عن مالك. وفي المذهب رواية: يقال بعد التكبيرات الثلاث: لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد. وفي المختصر عن مالك: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد (٢). ١٢ - أما في مسألة وقت الأضاحي فالراجح في ذلك مذهب الشافعي، ﵀، وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق. ويتعلق به أيضًا الذكر المؤقت خلف الصلوات، والمطلق في سائر الأحوال. وفي وقته أقوال (٧) للعلماء، وأشهرها الذي عليه العمل أنَّه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو آخر النَّفْر الآخِر. وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني، ولكن لا يصح مرفوعا (٣) والله أعلم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب، ﵁، كان يكبر في قبته، فيكبر أهل السوق بتكبيره، حتى ترتج منى تكبيرًا (٤). القرآن

стр. 1521

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤] التفسير: وبعض الناس من المنافقين يعجبك -أيها الرسول- كلامه الفصيح الذي يريد به حظًّا من حظوظ الدنيا لا الآخرة، ويحلف مستشهدًا بالله على ما في قلبه من محبة الإسلام، وفي هذا غاية الجرأة على الله، وهو شديد العداوة والخصومة للإسلام والمسلمين. قال القرطبي: " لما ذكر الذين قصرت همتهم على الدنيا - في قوله ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٠]- والمؤمنين الذين سألوا خير الدارين ذكر المنافقين لأنهم أظهروا الإيمان وأسروا الكفر" (١). فيما سبق من الآيات قسم الناس في الحج إلى قسمين؛ منهم من يقول: ﴿ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق﴾ [البقرة: ٢٠٠]؛ ومنهم من يقول: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ وهؤلاء لهم نصيب مما كسبوا؛ هنا قسم الناس أيضاً إلى قسمين: إلى مؤمن؛ وإلى منافق؛ فقال تعالى في المنافق: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤]. وقد اختلف أهل التفسير فيمن نزلت فيه هذه الآية (٢): أحدها: قال السدي: "نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي - وهو حليفٌ لبني زُهره - وأقبل إلى النبيّ ﷺ بالمدينة، فأظهر له الإسلام، فأعجبَ النبيّ ﷺ ذلك منه، وقال: إنما جئت أريد الإسلام، والله يعلم أنّي صادق! وذلك قوله: " ويشهد الله على ما في قلبه " ثم خرج من عند النبي ﷺ فمرَّ بزرع لقوم من المسلمين وُحُمر، فأحرق الزرع، وعقر الحُمُرُ، فأنزل الله : ﴿وإذا تولى سعَى في الأرض ليُفسد فيها ويُهلك الحرْثَ والنسل﴾. وأما ﴿ألد الخصام﴾ فأعوجُ الخصام، وفيه نزلت: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] ونزلت فيه: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ إلى ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٠ - ١٣] " (٣). والثاني: أنها نزلت في قوم من أهل النفاق تكلموا في السرية التي أصيبت لرسول الله ﷺ بالرَّجيع. قال ابن عباس: "لما أصيبت هذه السرية أصحاب خُبَيْب بالرجيع بين مكة والمدينة، فقال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا! لا هم قعدوا في بيوتهم، ولا هم أدَّوْا رسالة صاحبهم! فأنزل الله في ذلك من قول المنافقين، وما أصاب أولئك النفر في الشهادة والخير من الله: " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا " أي: ما يُظهر بلسانه من الإسلام " ويشهد الله على ما في قلبه " أي من النفاق - " وهو ألد الخصام " أي: ذو جدال إذا كلمك وراجعك " وإذا تولى " - أي: خرج من عندك " سعىَ في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحَرثَ والنسل والله لا يحب الفساد " - أي: لا يحبّ عمله ولا يرضاه " وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسْبُه جهنم ولبئس المهاد ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " الذين شروا أنفسهم لله بالجهاد في سبيل الله والقيام بحقه، حتى هلكوا على ذلك - يعني هذه السرّية" (٤).

стр. 1522

والثالث: أنه عنى بذلك جميعَ المنافقين، وعنى بقوله: ﴿ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه﴾، اختلافَ سريرته وعلانيته. قال أبو معشر نجيح: " سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب، فقال سعيد: إنّ في بعض الكتب أن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصَّبِر، لبسوا للناس مسوكَ الضأن من اللين، يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله ﵎: أعليّ يجترءون، وبي يغترُّون! ! وعزتي لأبعثنّ عليهم فتنة تترك الحليمَ منهم حيران! ! فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جل ثناؤه. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله : " ومنَ الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرثَ والنسل والله لا يحبَ الفساد " فقال سعيد: قد عرفتَ فيمن أنزلت هذه الآية! فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل، ثم تكون عامة بعدُ (١). وروي عن نَوْف (٢)، وقتادة (٣)، ومجاهد (٤)، والربيع (٥)، وعطاء (٦)، مثل ذلك. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، " أي ومن الناس فريق يعجبك قوله" (٧). قال الصابوني: " أي: ومن الناس فريق يروقك كلامه يا محمد ويثير إِعجابَك بخلابة لسانه وقوة بيانه" (٨). قال القاسمي: "أي بعض الناس" يعظم في نفسك حلاوة حديثه وفصاحته في أمر الحياة الدنيا التي هي مبلغ علمه" (٩). قال صاحب الكشاف: " أى يروقك ويعظم في قلبك. ومنه: الشيء العجيب الذي يعظم في النفس (١٠). قال الراغب" التعجب حيرة تعرض للإنسان عن جهل سبب الشيء وليس هو شي ماله في ذاته حالة، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب وإلى من لا يعرفه، ولهذا قال قوم كل شيء عجب، وقال قوم: لا شيء عجب، وحقيقة أعجبني كذا، أي ظهر لي ظهوراً لم أعرف سببه" (١١). قال السعدي: " أي: إذا تكلم راق كلامه للسامع، وإذا نطق، ظننته يتكلم بكلام نافع" (١٢). والخطاب في قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُكَ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، يحتمل وجهين (١٣): أحدهما: أنه خطاب للرسول -صلى الله عليم وسلم-. والثاني: أنه لكل من يتأتى خطابه. قال ابن عثيمين: " والأولى الثاني" (١٤). قوله تعالى: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤]، " أي في هذه الحياة فقط" (١٥).

стр. 1523

قال الصابوني: " أما الآخرة فالحاكم فيها علام الغيوب الذي يطّلع على القلوب والسرائر" (١). قال المراغي: " وأنت في هذه الحياة الدنيا، لأنك تأخذ بالظواهر، وهو منافق يظهر غير ما يضمر ويقول ما لا يفعل، فهو يعتمد على خلابة اللسان، فى غش المعاشرين والأقران، ويوهم أنه صادق الإيمان، نصير للحق خاذل للباطل، متّق لله في السر والعلن، مجتنب للفواحش ما ظهر منها وما بطن" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةٍ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤]، قولان (٣): أحدهما: يعني من الجميل والخير. والثاني: من حب رسول الله- ﷺ ، والرغبة في دينه. وذكر ابن عثيمين في قوله تعالى: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وجهين من التفسير (٤): أحدهما: أنه متعلق بمحذوف حالاً من ﴿قوله﴾؛ والتقدير: قوله حال كونه فيما يتعلق بالدنيا؛ لأنه لا يتكلم في أمور الدين. والثاني: أن المعنى: القول الذي يعجب حتى في الدين؛ لكن لا ينتفع به في الآخرة؛ إنما ينتفع به في الدنيا فقط. قوله تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، " أي ويحلف بالله أن ما في قلبه موافق لما يقول ويدعي" (٥). قال الصابوني: " أي يظهر لك الإِيمان ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق" (٦). قال الطبراني: أي: " يقول هذا المنافق: اللهُ شهيدٌ على ما في قلبي كما هو على لسانِي من الإيمانِ" (٧). قال البغوي: "يعني قول المنافق: والله إني بك مؤمن ولك محب" (٨). قال القاسمي: " أي: يحلف بالله على الإيمان بك والمحبة لك، وأن الذي في قلبه موافق للسانه لئلا يتفرس فيه الكفر والعداوة، أو معناه: يظهر لك الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق - على نحو ما وصف به أهل النفاق حيث قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] وكقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] " (٩). وفي قوله تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، ثلاثة تأويلات (١٠): أحدها: أن يقول: اللهم اشهد عليّ فيه، وضميره بخلافه. والثاني: معناه: وفي قلبه ما يشهد الله أنه بخلافه. وهذا قول ابن عباس (١١). ويسنده قراءة ابن مُحَيْصن: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. والثالث: معناه: ويستشهد الله على صحة ما في قلبه، ويعلم أنه بخلافه. وهي في قراءة ابن مسعود ﴿وَيَسْتَشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. وهذا معنى قول السدي (١٢)، وابن زيد (١٣)، ومجاهد (١٤).

стр. 1524

وذكر ابن عثيمين في قوله تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]؛ وجهين (١): الأول: أن المعنى استمراره في النفاق؛ لأن الله ﵎ يعلم ما في قلبه من هذا النفاق؛ فاستمراره عليه إشهاد لله تعالى على ما في قلبه. والقول الثاني: أن المعنى: أن يُقسم، ويحلف بالله أنه مؤمن مصدق، وأن الذي في قلبه هو هذا؛ فيشهد الله على ما في قلبه من محبة الإيمان، والتمسك به وهو كاذب في ذلك؛ ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ [المنافقون: ١]، أي لكاذبون في دعواهم أنهم يشهدون بذلك. قال الشيخ ابن عثيمين: "وعندي أن المعنيين لا يتنافيان؛ كلاهما حق؛ فهو منطوٍ على الكفر والنفاق؛ وهو أيضاً يُعلم الناس، ويُشهد الله على أنه مؤمن؛ أما حقيقته قال الله تعالى فيه: ﴿وهو ألد الخصام﴾ يعني: أعوجهم، وأكذبهم؛ و ﴿الخصام﴾ يحتمل أن يكون مصدراً؛ ويحتمل أن يكون جمعاً؛ إن كان مصدراً ففعله: خاصم يخاصم، مثل: جادل يجادل؛ وقاتل يقاتل؛ وعلى هذا: ﴿ألد الخصام﴾ تكون الإضافة لفظية؛ لأنها صفة مشبهة مضافة إلى موصوفها - أي وخصامه ألد الخصام؛ وإن كان جمعاً فمفرده: خَصِم؛ فيكون المعنى أنه ألد الخصوم - أي أعوجهم، وأشدهم كذباً؛ ويكون أيضاً من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ لأنَّ المعنى؛ وهو من الخصوم الأشداء الأقوياء في خصومتهم؛ وهذا الرجل صار ألد الخصام؛ لأن قوله جيد، وبيِّن يعجبك قوله، فتجده لاعتماده على فصاحته، وبيانه ألد الخصام" (٢). وقوله تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، فيه قراءتين (٣): إحداهما: ﴿ويَشْهَدُ اللهُ﴾، بفتح الياء، وضم الجلالة ﴿عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. قرأ بها ابن محيصن. والمعنى: "والله يشهد على الذي في قلبه من النفاق، وأنه مضمرٌ في قلبه غير الذي يُبديه بلسانه وعلى كذبه في قلبه" (٤). والثانية: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾، بضم (الياء)، ونصب الجلالة، وهي قراءة الجمهور. والمعنى: أنه "يستشهدُ الله على ما في قلبه، أن قوله موافقٌ اعتقادَه، وأنه مؤمن بالله ورسوله وهو كاذب" (٥). والراجح من القراءة: ﴿ويشهد الله على ما في قلبه﴾، بمعنى "يستشهد الله على ما في قلبه، لإجماع الحجة من القرأةِ عليه" (٦). والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، أي: وهو "شديد الخصومة" (٧). قال الطبراني: أي: " جَدِلٌ بالباطل" (٨). قال الصابوني: " أي شديد الصخومة يجادل بالباطل ويتظاهر بالدين والصلاح بكلامه المعسول" (٩).

стр. 1525

قال المراغي: " أي وهو قوى في الجدل لا يعجزه أن يغشّ الناس بما يظهر من الميل إليهم والسعى في إصلاح شئونهم" (١). قال السعدي: " إذا خاصمته، وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب، وما يترتب على ذلك، ما هو من مقابح الصفات، ليس كأخلاق المؤمنين، الذين جعلوا السهولة مركبهم، والانقياد للحق وظيفتهم، والسماحة سجيتهم" (٢). و(الألد) من الرجال: الشديد الخصومة، قال تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] (٣). قال الثعلبي: "يقال: رجل الدّ وامرأة لدّاء ورجال ونساء لدّ" (٤). قال الطبري: " يقال: قد لَدَدْتَ يا هذا، ولم تكن ألدَّ، فأنت تلُدُّ لَدَدًا ولَدَادةً (٥)، فأما إذا غلب من خاصمه، فإنما يقال فيه: " لدَدْت يا فلانُ فلانًا فأنت تَلُدُّه لَدًّا، ومنه قول الشاعر (٦): ثُمَّ أُرَدِّي بِهِمُ من تُرْدِي ... تَلُدُّ أقْرَانَ الخُصُومِ اللُّدِّ" (٧) قال الحافظ ابن حجر: " الألد: الشديد اللَّدَد، أي: الجدال (٨)، مشتق من اللُدَيْدَين، وهما صفحتا العنق (٩)، والمعنى أنه من أي جانب أخذ في الخصومة قَوِيَ" (١٠). وفي (الخصام) قولان: أحدهما: أنه مصدر، وهو قول الخليل (١١)، وأبو عبيدة (١٢)، واختيار الطبري (١٣). والثاني: أنه جمع (خَصْمٍ)، وهو قول الزجاج (١٤). وفي تفسير قوله تعالى ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، أربعة أوجه (١٥): أحدها: أنه ذو جدال إذا كلمك وراجعك، وهو قول ابن عباس (١٦)، وقتادة (١٧). والثاني: يعني أنه غير مستقيم الخصومة، لكنه معوَجُّها، وهذا قول مجاهد (١٨)، والسدي (١٩). قال الطبري: " وكلا هذين القولين متقاربُ المعنى، لأن الاعوجاجَ في الخصومة من الجدال واللدد" (٢٠). والثالث: يعني أنه كاذب في قوله. وهذا قول الحسن البصري (٢١). والرابع: أنه شديد القسوة في معصية الله، وهو قول قتادة (٢٢). وقد روى ابن أبي مليكة، عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: "أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الأَلَدُّ الخَصَمُ" (٢٣). وفيمن قصد بهذه الآية وما بعدها قولان (٢٤): أحدهما: أنه صفة للمنافق، وهذا قول ابن عباس (٢٥)، وقتادة (٢٦)، ومجاهد (٢٧)، والربيع (٢٨)، وعطاء (٢٩)، والحسن (٣٠). والثاني: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وهو قول السدي (٣١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يغتر بظواهر الأحوال؛ لقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله﴾؛ وكذلك من الناس من يعجبك فعله؛ ولكنه منطوٍ على الكفر - والعياذ بالله؛ ولكن لا شك أنه بالنسبة إلينا ليس لنا أن نحكم إلا بما يقتضيه الظاهر؛ لأن ما في القلوب لا نعلمه؛ ولا يمكن أن نحاسب الناس على ما في القلوب؛ وإنما نحاسبهم على حسب الظاهر. ٢ - ومنها: أن هذا الصنف من الناس يُشهد الله على ما في قلبه إما مما أظهره؛ وإما مما أبطنه - حسب ما سبق. ٣ - ومنها: الإشارة إلى ذم الجدل، والخصام؛ لقوله تعالى: ﴿وهو ألد الخصام﴾؛ لأن الخصومات في الغالب لا يكون فيها بركة؛ وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (٣٢) أي الإنسان المخاصم المجادل بالباطل ليدحض به الحق؛ وما من إنسان في الغالب أعطي الجدل إلا حرم بركة العلم؛ لأن غالب من أوتي الجدل يريد بذلك نصرة قوله فقط؛ وبذلك يحرم بركة العلم؛ أما من أراد الحق فإن الحق سهل قريب لا يحتاج إلى مجادلات كبيرة؛ لأنه واضح؛ ولذلك تجد أهل البدع الذين يخاصمون في بدعهم علومهم ناقصة البركة لا خير فيها؛ وتجد أنهم

стр. 1526

يخاصمون، ويجادلون، وينتهون إلى لا شيء؛ لا ينتهون إلى الحق؛ لأنهم لم يقصدوا إلا أن ينصروا ما هم عليه؛ فكل إنسان جادل من أجل أن ينتصر قوله فإن الغالب أنه لا يوفق، ولا يجد بركة العلم؛ وأما من جادل ليصل إلى العلم، ولإثبات الحق، وإبطال الباطل فإن هذا مأمور به؛ لقوله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: ١٢٥]. ٤ - ومنها: إثبات علم الله بما في الصدور؛ لقوله تعالى: ﴿ويشهد الله على ما في قلبه﴾؛ لأن ما في القلب لا يعلمه إلا الله . القرآن ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥] التفسير: وإذا خرج من عندك أيها الرسول، جَدَّ ونَشِط في الأرض ليفسد فيها، ويتلف زروع الناس، ويقتل ماشيتهم. والله لا يحب الفساد. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ [البقرة: ٢٠٥]، أي: و" إذا أعرضَ عنك، وذهب" (١). قال الثعلبي: أي: " أدبر وأعرض عنك" (٢). قال البيضاوي: أي: " أدبر وانصرف عنك" (٣). قال ابن عباس: " أي: خرج من عندك" (٤). وروي عن السدي (٥) نحو ذلك. وقد اختلف في قوله تعالى ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ [البقرة: ٢٠٥] على أقوال: أحدها: أنه يعني: وإذا خرج من عندك (سعى). قاله ابن عباس (٦). والثاني: أن المعنى: إذا غضب. وهذا قول ابن جريج (٧). والثالث: المعنى: يلي في الأرض، فيعمل فيها بالعدوان والظلم. قاله أبو حجاج (٨). والرابع: تولى عن قوله الذي أعطاه. قاله الحسن (٩). الخامس: ملك الأمر وصار واليا. قاله الضحاك (١٠). قوله تعالى: ﴿سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٢٠٥]، أي: "أسرعَ مشياً في الأرض لِيَعْصِيَ فيها ويضُرَّ المؤمنين" (١١). قال الشيخ السعدي: " أي: يجتهد على أعمال المعاصي، التي هي إفساد في الأرض" (١٢). وفي قوله تعالى: ﴿سَعَى فِي الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وجهان (١٣):

стр. 1527

احدهما: أي عمل فيها. والثاني: وقيل: سار ومشى. والأول أظهر، لأن (السعي) في كلام العرب العمل، يقال منه: فلان يسعى على أهله، يعني: يعمل فيما يعود عليهم نفعه، ومنه قول الأعشى (١): وَسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْيَ غَيْرِ مُوَاكِلٍ ... قَيْسٌ فَضَرَّ عَدُوَّها وَبَنَى لَهَا يعني بذلك: عمل لهم في المكارم (٢). قال الراغب: " (السعي): مشي سريع، ومنه قيل: السعي بين الصفا والمروة، فجعل مستعاراً للتصرف، ولأجله قيل لجابي الصدقة ساع، وقيل للوقيعة في الغير سعاية، وذلك كاستعارة المشي لهما في قوله ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ " (٣). واختلف أهل التأويل في معنى (الإفساد) الذي أضافه الله إلى هذا المنافق، وفيه قولان (٤): أحدهما: أن الإفساد يكون من قطعه الطريق وإخافته السبيل، كما فعل الأخنس بن شريق. والثاني: أن معناه: قطع الرحم وسفك دماء المسلمين. وهذا قول ابن جريج (٥). قال الطبري: " والأشبه بظاهر التنزيل أن يكون كان يقطع الطريقَ ويُخيف السبيل، لأن الله تعالى ذكره وصَفه في سياق الآية بأنه ﴿سَعى في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل﴾، وذلك بفعل مخيف السبيل، أشبهُ منه بفعل قَطَّاع الرحم" (٦). والصواب أنه يدخل في الإفساد جميع المعاصي، ولم يخصص الله وصفه ببعض معاني الإفساد دون بعض. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، " أي: يهلك الزرع وما تناسل من الإِنسان، والحيوان" (٧). قال السعدي: " فالزروع والثمار والمواشي، تتلف وتنقص، وتقل بركتها، بسبب العمل في المعاصي" (٨). قال ابن عثيمين: " يعني: يكون سعيه سبباً لفساد الحرث، والحيوانات؛ لأن المعاصي سبب لذلك؛ فالزروع والثمار والمواشي، تتلف وتنقص، وتقل بركتها، بسبب العمل في المعاصي، لقوله تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١]، ولقوله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ [الأعراف: ٩٦] " (٩). قال الصابوني: " معناه: أن فساده عام يشمل الحاضر والباد، فالحرث محل نماء الزروع والثمار، والنسل وهو نتاج الحيوانات التي لا قوام للناس إلا بهما، فإفسادهما تدمير للإنسانية" (١٠). وفي معنى (الحرث) في قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، قولان: أحدهما: أن الحرث النساء والنسل الأولاد.

стр. 1528

قال الزجاج: "وهذا غير منكر، لأن المرأة تسمى حرثا - قال الله : (نساؤكم حرث لكم)، وأصل هذا إنما هو في الزرع، وكل ما حرث. فيشبه ما منه الولد بذلك" (١). والثاني: أن (الحرث) هو ما تعرفه من الزرع. لأنه إذا أفسد في الأرض أبطل - بإفساده وإلقائه الفتنة - أمر الزراعة. قال الثعلبي: " قال المفسّرون: (الحرث): ما تحرثون من النبات، و (النسل): "نسل كل دابة والنّاس منهم" (٢) " (٣). وقد اختلف أهل التفسير في وجه (إهلاك) هذا المنافق (الحرث)، على قولين (٤): أحدهما: كان ذلك منه إحراقًا لزرع قوم من المسلمين وعقرًا لحمُرهم. قاله السدي (٥)، وأبو العالية (٦). والثاني: أنه "إذا تولى سعى في الأرض بالعدوان والظلم، فيحبس الله بذلك القطرَ، فيُهلك الحرثَ والنسلَ. قاله مجاهد (٧). والراجح قول السدي، لأنه أشبه بظاهر الآية. والله تعالى أعلم. وقد اختلف أهل التفسير في وجه (إهلاك) هذا المنافق (النسل)، على قولين (٨): أحدهما: بالسبي والقتل. وهذا معنى قول مالك (٩). والثاني: بالضلال الذي يؤول إلى السبي والقتل. وكلا القولين تحتملهما الآية. والله أعلم. وفي قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وجوها من القراءة (١٠): الوجه الأول: ﴿وَيُهْلِكُ﴾، برفع الكاف على الابتداء (١١)، قرأ بها الحسن وابن أبي إسحاق. وفي رفعه أقوال (١٢): الأول: أن يكون معطوفا على ﴿يعجبك﴾. والثاني: أن يكون معطوفا على ﴿سعى﴾، لأن معناه يسعى ويهلك. قاله أبو حاتم. والثالث: أن التقدير: وهو يهلك. أي يعتقد ذلك. أجازه الزجاج (١٣). والوجه الثاني: ﴿وَيُهْلِكَ﴾، بالنصب، وهي قراءة الجمهور. قال الثعلبي: "ويصدّقها قراءة أبي: ﴿وليهلك﴾ " (١٤). و(الحرث) في اللغة: الزرع، وقيل الكسب (١٥).

стр. 1529

و (النسل): "مصدر نسل إذا خرج منفصلاً ومنه: نسل الوبر والريش، والنسالة للساقط منه، ونسل إذا أسرع، قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ " (١)، " أي: يسرعون؛ لأنه إسراع الخروج بحدة" (٢)، وقوله تعالى: ﴿من كل حدب ينسلون﴾ [الأنبياء: ٩٦] ومنه قول امرىء القيس (٣): وإنْ كنتِ قدساءَتكِ مني خليقةٌ ... فَسُلّي ثيابِي من ثيابِك تَنسُلِ قال الواحدي: " و (النسل): الولد؛ لخروجه من ظهر الأب وبطن الأم وسقوطه، والنسل: نسل آدم، وأصل الحرف من النُّسُول، وهو الخروج" (٤). قال الراغب: " وسمي الولد نسلاً، لكونه ناسلاً عن أبويه، بيّن تعالي حال هذا المعجب في الدنيا المرائي المجادل بأنه إذا تولى عمن يرائي سلي في الإفسال وإهلاك الحرث والنسل، وذلك معاندة لله فيما حث عليه في قوله ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، وما دل عليه قول النبي- ﵇ لما خلق الله المعيشة جعل البركة في الحرث والنسل، ولجأ أن من فعل ذلك فإن الله لا يحبه، أي لا يرضى فعله" (٥). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، " أي والله لا يرضى الفساد ولا يحبه" (٦). قال البيضاوي: أي: " لا يرتضيه فاحذروا غضبه عليه" (٧). قال الطبراني: أي والله "لا يرضَى المعاصي" (٨). قال الطبري: " والله لا يحب المعاصيَ، وقطعَ السبيل، وإخافة الطريق" (٩). قال الشيخ السعدي: " وإذا كان لا يحب الفساد، فهو يبغض العبد المفسد في الأرض، غاية البغض، وإن قال بلسانه قولا حسنا" (١٠). وقال العباس بن الفضل: الفساد هو الخراب. وقال سعيد بن المسيب: قطع الدراهم من الفساد في الأرض. قال ابن عثيمين: "" بيان أن عمله هذا مكروه إلى الله؛ لأن الله لا يحب الفساد؛ وإذا كان لا يحب هذا الفعل فإنه لا يحب من اتصف به؛ ولهذا جاء في آية أخرى؛ ﴿والله لا يحب المفسدين﴾ [المائدة: ٦٤]؛ فالله لا يحب الفساد، ولا يحب المفسدين؛ فالفساد نفسه مكروه إلى الله؛ والمفسدون أيضا مكروهون إليه لا يحبهم" (١١).

стр. 1530

ويحتمل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وجوها من التفسير (١): أحدها: معناه لا يحب أهل الفساد. قاله الماوردي (٢). والثاني: لا يمدح الفساد، ولا يثني عليه. والثالث: أنه لا يحب كونه ديناً وشرعاً. والرابع: لا يحب العمل بالفساد، ولا يرضى به. وهذا قول ابن عباس (٣). والخامس: لا يأمر به. قاله القرطبي (٤). والسادس: لا يحبه من أهل الصلاح. والسابع: أن قطع الورق (٥)، والذهب، من الفساد في الأرض. قاله سعيد بن المسيب (٦). والثامن: أنه شق الثياب، لا على وجه المصلحة (٧). قلت: وعموم تلك الأقوال تدخل ضمن المعنى المراد من الآية، والآية بعمومها تعم كل فساد كان في أرض أو مال أو دين، وهو الصحيح (٨). والله أعلم. قال المراغي: " وفي الآية إيماء إلى أن تلك الصفات المحمودة في الظاهر لا تكون مرضية عند الله إلا إذا أصلح صاحبها عمله، لأن الله لا ينظر إلى الصور والأقوال، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال" (٩). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن المعاصي سبب لهلاك الحرث، والنسل؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل﴾ [البقرة: ٢٠٥]؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ [الأعراف: ٩٦]. ٢ - ومنها: إثبات محبة الله للصلاح؛ لقوله تعالى ﴿والله لا يحب الفساد﴾؛ فإن قيل: هذا نفي، وليس بإثبات؛ قلنا: إن نفيه محبة الفساد دليل على ثبوت أصل المحبة؛ ولو كان لا يحب أبداً لم يكن هناك فرق بين الفساد، والصلاح؛ فلما نفى المحبة عن الفساد علم أنه يحب الصلاح. ٣ - ومنها: التحذير من الفساد في الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يحب الفساد﴾؛ ومعلوم أن كل إنسان يجب أن يكون حذراً من التعرض لأمر لا يحبه الله. ٤ - ودلت الآية على الحرث وزراعة الأرض، وغرسها بالأشجار حملا على الزرع، وطلب النسل، وهو. نماء الحيوان، وبذلك يتم قوام الإنسان. وهو يرد على من قال بترك الأسباب (١٠). القرآن ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾ [البقرة: ٢٠٦] التفسير:

стр. 1531

وإذا نُصِح ذلك المنافق المفسد، وقيل له: اتق الله واحذر عقابه، وكُفَّ عن الفساد في الأرض، لم يقبل النصيحة، بل يحمله الكبر وحميَّة الجاهلية على مزيد من الآثام، فَحَسْبُه جهنم وكافيته عذابًا، ولبئس الفراش هي. قال القرطبي: " هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا. وقال عبدالله: كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك، مثلك يوصيني! " (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، أي إذا قيل له" خف الله" (٢). قال ابن عثيمين: "أي إذا قال له أهل العلم، والإيمان اتق الله -أي اتخذ وقاية من عذاب الله بترك الكفر، والفساد" (٣). قال الطبراني: " أي إذا قيلَ لها المنافق: احذرْ عقوبةَ الله ولا تفسدْ" (٤). قال الصابوني: " أي إذا وُعظ هذا الفاجر وذكِّر وقيل له انزع عن قولك وفعلك القبيح" (٥). قال المراغي: " أي إن ذلك المفسد إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر" (٦). قوله تعالى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ف﴾ [البقرة: ٢٠٦]، أي "حملته العزة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم أي بالظلم" (٧). قال الثعلبي: " أي: حملته العزّة وحمية الجاهليّة على الفعل بالإثم والعزة والقوّة والمنعة" (٨). قال صاحب الكشاف: أى "حملته العزة التي فيه وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه، وألزمته ارتكابه، وأن لا يخلى عنه ضرارا ولجاجا. أو على ردّ قول الواعظ" (٩). قال الصابوني: " حملته الأنفة وحمية الجاهلية، على الفعل بالإثم، والتكبر عن قبول الحق، فأغرق في الإفساد، وأمعن في العناد" (١٠). قال ابن كثير: أي" إذا وُعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق - امتنع وأبى، وأخذته الحميَّة والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٧٢] " (١١). قال المراغي: أي: " أسرع إليه الغضب، وعظم عليه الأمر وأخذته الأنفة وطيش السفه، إذ يخيل إليه أن النصح والإرشاد ذلة تنافى العزة التي تليق بأمثاله" (١٢). قال الشيخ ابن عثيمين: "والعزة قد تكون وصفاً محموداً؛ وقد تكون وصفاً مذموماً، فالمعتز بدينه محمود، كما قال تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: ٨]؛ والمعتز بحسبه ونسبه حتى يكون عنده أنفة إذا أُمر بالدين والإصلاح مذموم" (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، تأويلان (١٤): أحدهما: معناه دعته العزة إلى فعل الإثم. والثاني: معناه إذا قيل له اتق الله، عزت نفسه أن يقبلها، للإثم الذي منعه منها. والمراد بـ ﴿الإثم﴾: "الذنب الموجب للعقوبة؛ فكل ذنب موجب للعقوبة فهو إثم" (١٥). واختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية على قولين (١٦): أحدهما: أنه عنى بها كل فاسق ومنافق، وهذا معنى قول علي (١٧)، وعمر (١٨)، وابن عباس (١٩) ﵃. والثاني: أنه عنى به الأخنس بن شريق. قاله السدي (٢٠). و(العزة) في اللغة: القوة والشدة والغلبة، من عزه يعزه إذا غلبه. ومنه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] (٢١). وقد اختلف أهل التفسير في معنى (العزة) في قوله تعالى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، على أقوال (٢٢): أحدها: أن العزة هنا: (الحمية)، ومنه قول الشاعر (٢٣): أخذته عزة من جهله ... فتولى مغضبا فعل الضجر والثاني: أنه العزة هنا: (المنعة وشدة النفس)، أي اعتز في نفسه وانتحى فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته وألزمته إياه. والثالث: أن: المعنى إذا قيل له: مَهْلًا مَهْلَا، ازداد إقداما على المعصية. قاله قتادة (٢٤). قال القرطبي: "والمعنى حملته العزة على الإثم" (٢٥). والرابع: وقيل: أخذته العزة بما يؤثمه، أي ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية. ونظيره: ﴿َبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ٢] (٢٦). قال أهل العلم: " معنى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾: حملته عليه، وجَرّأته عليه، وزينت له ذلك، يقال: أخذت فلانًا بكذا وكذا، أي: أردته عليه، وحملته على ذلك، وكلفته" (٢٧).

стр. 1532

وتعددت أقوال أهل العلم في نوع (الباء) في قوله تعالى ﴿بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] على وجوه (١): أحدها: أنها بمعنى (اللام)، أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه، وهو النفاق، ومنه قول عنترة يصف عرق الناقة (٢): وكأن ربا أو كحيلا معقدا ... حش الوقود به جوانب قمقم أي: حش الوقود له (٣). والثاني: أن تكونَ (الباء) للسببيةِ، بمعنى أنَّ إثمَه كان سبباً لأخْذِ العِزَّةِ له، كما في قول الشاعر (٤): أَخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِنْ جَهْلِهِ ... فَتَوَلَّى مُغْضَباً فِعْلَ الضَّجِرْ والثالث: أنْ تكونَ (الباء) للتعديةِ، من قولك"أخذته بكذا، إذا حملته عليه وألزمته إياه. وهذا قول الزمخشري (٥). وقال السيوطي: "وباء التعدية بابُها الفعلُ اللازم نحو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ﴿[وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ] بِسَمْعِهِمْ﴾، ونَدَرَتِ التعديةُ بالباءِ في المتعدِّي نحو: "صَكَكْتُ الحجرَ بالحجرِ" أي: جَعَلْتُ أحدَهما يَصُكُّ الآخرَ" (٦). والرابع: أن تكونَ للمصاحبةِ، فتكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفيها حينئذٍ وجهانِ (٧): الأول: أن تكونَ حالاً من ﴿العزَّةُ﴾، أي: ملتبسةً بالإِثمِ. والثاني: أن تكنَ حالاً من المفعولِ أي: أَخَذَتْهُ ملتبساً بالإِثمِ. وبذلك فإن معنى (الباء) يختلف بحسب التأويلات. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، أي: " كفاهُ النارُ في الآخرة عقوبة ونَكالاً" (٨). قال القرطبي: " أي كافيه [الجهنم] معاقبة وجزاء" (٩). قال ابن كثير: " أي: هي كافيته عقوبة في ذلك" (١٠). قال ابن عثيمين: "أي كافيه؛ وهو وعيد له بها" (١١). قال المراغي: " أي إن النار مصيره ويكفيه عذابها جزاء له على كبريائه وحميته حمية الجاهلية، وستكون مهاده ومأواه، وهى بئس المهاد وشره، فلا راحة فيها، ولا اطمئنان لأهلها" (١٢). و(الحسْب): "بمعنى الكافي، كما قال الله تعالى: ﴿فقل حسبي الله﴾ [التوبة: ١٢٩] أي كافيني؛ وقال تعالى: ﴿وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي كافينا؛ فقوله تعالى؛ ﴿فحسبه جهنم﴾ أي كافيته؛ والمعنى: أنه يكون من أهلها - والعياذ بالله و ﴿جهنم﴾ اسم من أسماء النار؛ قيل: إنها كلمة معربة، وأنها ليست من العربية الفصحى؛ وقيل: بل هي من اللغة الفصحى، وأن أصلها من الجهمة؛ وهي الظلمة؛ ولكن زيدت فيها النون للمبالغة؛ وعلى كلٍّ فإن ﴿جهنم﴾ اسم للنار التي أعدها الله للكافرين؛ وسميت بذلك لبعد قعرها، وظلمتها - والعياذ بالله -"" (١٣). قال الواحدي: " يقال: حَسْبُكَ دِرْهَمٌ، أي: كفاك، وحَسْبُنا الله، أي: كافينا الله، قال امرؤ القيس (١٤): فَتُوسِعَ أَهْلَها أَقِطًا وسَمْنًا ... وحَسْبُكَ من غِنًى شِبَعٌ ورِيّ أي: يكفيك الشِّبَعُ والرِّيُّ، تصريفه من الثلاثي ممات، ويقال منه في الرباعي: أحسبني الشيء، إذا كفاني" (١٥). واختلف أهل العربية في أصل (الجهنم) على قولين: أحدهما: أنها اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة، وهي أعجمية لا تصرف وتنون، للتعريف والعجمة. قاله يونس وأكثر النحويون (١٦). والثاني: أنها سم عربي، سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها، ولم لم تصرف وتنون، للتعريف والتأنيث. قال قطرب: "حكي لنا عن رؤبة أنه قال: رَكِيَّةٌ جَهَنَّام، يريد: بعيدةَ القَعْر" (١٧). قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]: أي: "وبئس هذا الفراش والمهاد" (١٨). قال الطبري: " ولبئس الفراشُ والوِطاء جهنمُ التي أوعدَ بها جل ثناؤه هذا المنافق، ووطَّأها لنفسه بنفاقه وفجوره وتمرُّده على ربه" (١٩). قال النسفي: " يعني ولبئس الفراش ولبئس القرار" (٢٠). أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ﴿ولبئس المهاد﴾ قال: "بئس المنزل" (٢١). وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قول الله: ولبئس المهاد قال: "بئس ما مهدوا لانفسهم" (٢٢). قال ابن عثيمين: "اللام هنا للابتداء؛ أو موطئة للقسم - أي: وواللَّهِ لبئس المهاد - وهذا أقرب؛ و «بئس» فعل جامد لإنشاء الذم؛ وفاعلها ﴿المهاد﴾؛ وهي من الأفعال التي تحتاج إلى مخصوص بالذم؛ والمخصوص محذوف؛ أي: ولبئس المهاد مهاده، حيث كانت جهنم" (٢٣). و(المهاد): "جمع المهد. والمهد: الموضعُ المُهَيَّأُ للنَّوم، ومنه: مَهْدُ الصبي. وأصله: من التوطية، يقال: مَهَدْتُ الشَّيءَ والأرض مهادًا؛ لأنه موطاة للعباد" (٢٤). وفي سبب تسمية الجهنم ها هنا مهادا، قولان (٢٥): أحدهما: أنها سميت بذلك على معنى أنها قرار، والقرار كالوطاء في الثبوت عليه.

стр. 1533

قال الطبراني: " والْمِهَادُ: الْفِرَاشُ الْمُوطِئُ للنومِ كما يُمهد للطفلِ؛ فلما كان المعذَّبُ يُلْقَى في نار جنهم، جعل ذلك مهاداً له على معنى: أنَّ جهنم للكافرِ مكان كالمهادِ للمؤمن في الجنةِ" (١). قال القرطبي: " وسمي جهنم مهادا لأنها مستقر الكفار" (٢). والثاني: لأنها بدل من المهاد لهم، فصار كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق: ٢٤]، على جِهَةِ البَدَلْ، ونظيره من الكلام قولهم (٣): وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينِهم ضرب وجيع الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن هذا الرجل الموصوف بهذه الصفات يأنف أن يؤمر بتقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿أخذته العزة بالإثم﴾ فهو يأنف، كأنه يقول في نفسه: أنا أرفع من أن تأمرني بتقوى الله ؛ وكأن هذا الجاهل تعامى عن قول الله تعالى لأتقى البشر: ﴿يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: ١]؛ وقال تعالى في قصة زينب: ﴿واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب: ٣٧]. ٢ - ومنها: البلاغة التامة في حذف الفاعل في قوله تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله﴾؛ ليشمل كل من يقول له ذلك؛ فيكون رده لكراهة الحق. ٣ - ومنها: التحذير من رد الناصحين؛ لأن الله تعالى جعل هذا من أوصاف هؤلاء المنافقين؛ فمن رد آمراً بتقوى الله ففيه شبه من المنافقين؛ والواجب على المرء إذا قيل له: «اتق الله» أن يقول: «سمعنا، وأطعنا» تعظيماً لتقوى الله. ٤ - ومنها: أن الأنفة قد تحمل صاحبها على الإثم؛ لقوله تعالى: ﴿أخذته العزة بالإثم﴾. ٥ - ومنها: أن هذا العمل موجب لدخول النار؛ لقوله تعالى: ﴿فحسبه جهنم﴾. ٦ - ومنها: القدح في النار، والذم لها؛ لقوله تعالى: ﴿ولبئس المهاد﴾؛ ولا شك أن جهنم بئس المهاد. ٧ - يُحكى: أنَّ يهودياً كانت له حاجةٌ إلى هارون الرشيد، فاختلفَ إلى بابهِ زماناً فلم يَقْضِ حاجتهُ، فوقفَ يوماً على الباب، فخرجَ هارونُ وهو يسعى بين يديهِ، فقال لهُ: اتَّقِ اللهَ يا أميرَ المؤمنين! فَنَزَلَ هارونُ عن دابَّته وَخَرَّ سَاجِداً؛ فلما رفعَ رأسهُ أمَرَ بحاجته فَقُضِيَتْ. فقيلَ له: يا أميرَ المؤمنين، نَزَلْتَ عن دابَّتك لقولِ يهوديٍّ؟ ! قال: لا، ولكنْ ذكرتُ قولَ اللهِ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ (٤). وأخرج ابن المنذر والبيهقي في الشعب عن سفيان قال: قال رجل لمالك بن مغول: اتق الله، فسقط، فوضع خده على الأرض تواضعا لله" (٥). القرآن ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧] التفسير: وبعض الناس يبيع نفسه طلبًا لرضا الله عنه، بالجهاد في سبيله، والتزام طاعته. والله رءوف بالعباد، يرحم عباده المؤمنين رحمة واسعة في عاجلهم وآجلهم، فيجازبهم أحسن الجزاء.

стр. 1534

قال ابن كثير: "لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذَكَر صفات المؤمنين الحميدة، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ " (١). وهكذا القرآن مثاني تثَنَّى فيه الأمور؛ فيؤتى بذكر الجنة مع النار؛ وبذكر المتقين مع الفجار ... لأجل أن يبقى الإنسان في روضة متنوعة؛ ثم ليبقى الإنسان بين الخوف، والرجاء - لا يغلب عليه الخوف فيقنط من رحمة الله -؛ ولا الرجاء فيأمن مكر الله؛ فإذا سمع ذكر النار، ووعيدها، وعقوبتها أوجب له ذلك الخوف؛ وإذا سمع ذكر الجنة، ونعيمها، وثوابها أوجب له ذلك الرجاء؛ فترتيب القرآن من لدن حكيم خبير ؛ وهو الموافق لإصلاح القلوب؛ ولهذا نرى من الخطأ الفادح أن يؤلف أحد القرآن مرتباً على الأبواب والمسائل كما صنعه بعض الناس؛ فإن هذا مخالف لنظم القرآن، والبلاغة، وعمل السلف؛ فالقرآن ليس كتاب فقه؛ ولكنه كتاب تربية، وتهذيب للأخلاق؛ فلا ترتيب أحسن من ترتيب الله؛ ولهذا كان ترتيب الآيات توقيفياً لا مجال للاجتهاد فيه؛ وكان النبي ﷺ إذا نزلت الآية قال: «ضعوا هذه الآية في مكان كذا من سورة كذا» (٢) (٣). وقد اختلف أهل التفسير فيمن نزلت هذه الآية فيه ومن عنى بها، وفيه وجوه (٤): أحدها: أنها نزلت في المهاجرين والأنصار، وعنى بها المجاهدون في سبيل الله. قاله قتادة (٥). والثاني: قال الربيع: " كان رجل من أهل مكة أسلم، فأراد أن يأتي النبي ﷺ ويهاجر إلى المدينة، فمنعوه وحبسوه، فقال لهم: أعطيكم داري ومالي وما كان لي من شيء! فخلُّوا عني، فألحق بهذا الرجل! فأبوْا. ثم إنّ بعضهم قال لهم: خذوا منه ما كان له من شيء وخلُّوا عنه! ففعلوا، فأعطاهم داره وماله، ثم خرج; فأنزل الله على النبي ﷺ بالمدينة: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله﴾، الآية. فلما دنا من المدينة تلقاه عُمر في رجال، فقال له عمر: رَبح البيعُ! قال: وبيعك فلا يخسر! قال: وما ذاك؟ قال: أنزل فيك كذا وكذا" (٦). والثالث: قال عكرمة: " نزلت في صُهيب بن سنان، وأبي ذرّ الغفاري جُندب بن السَّكن أخذ أهل أبي ذرّ أبا ذرّ، فانفلت منهم، فقدم على النبي ﷺ ، فلما رجع مهاجرًا عرَضوا له، وكانوا بمرِّ الظهران، فانفلت أيضًا حتى قدم على النبي ﵊. وأما صُهيب فأخذه أهله، فافتدى منهم بماله، ثم خرج مهاجرًا فأدركه قُنقذ بن عُمير بن جُدعان، فخرج له مما بقي من ماله، وخلَّى سبيله" (٧). والرابع: قال سعيد بن المسيب: "أن صهيبا أقبل مهاجرا نحو النبي ﷺ ، فتبعه نفر من قريش مشركون، فنزل وانتثل (٨) كنانته، فقال: يا معشر قريش، قد علمتم أني أرماكم رجلا بسهم، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي، ما بقي في يدي منه شيء، ثم شأنكم بعد. وقال: إن شئتم دللتكم على مالي بمكة، وتخلون سبيلي؟ قالوا: فدلنا على مالك بمكة ونخلي عنك، فتعاهدوا على ذلك، فدلهم، وأنزل على رسول الله ﷺ القرآن: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد﴾، فلما رأى رسول الله صهيبا، قال له رسول الله ﷺ : ربح البيع يا أبا

стр. 1535

نحيى- ربح البيع يا أبا نحيى ربح البيع يا أبا يحي. وقرأ عليه القرآن، يعني قوله: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد﴾ " (١). وروي عن أبي العالية (٢)، نحو ذلك. ويروى أن رسول الله ﷺ قال له: "ربِح البيع صهيب، ربح البيع صهيب" (٣). قال الثعلبي: " قال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان المخزومي مولى عبد الله [بن جدعان] التيمي" (٤). والخامس: أنها نزلت في الزبير والمقداد حين ذهبا لإنزال خبيب من خشبته (٥)، وهذا قول ابن عباس والضحاك (٦). والسادس: أنها نزلت في سرية الرجيع (٧). قاله ابن عباس (٨). والسابع: أنها" نزلت في علي بن أبي طالب حين هرب النبيّ ﷺ من المشركين إلى الغار مع أبي بكر الصديق ونام عليّ على فراش النبيّ ﷺ . قاله ابن عباس (٩). والثامن: وقيل: عنى بذلك كل شار نفسه في طاعة الله وجهادٍ في سبيله، أو أمرٍ بمعروف (١٠). قال الحسن: " نزلت في أن المسلم لقي الكافرَ فقال له: " قل لا إله إلا الله "، فإذا قلتها عصمتَ دمك ومالك إلا بحقهما! فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشرِيَنَّ نفسي لله! فتقدم فقاتل حتى قتل" (١١).

стр. 1536

وقال المغيرة: "بعث عمر جيشًا فحاصروا أهل حصن، وتقدم رجل من بجيلة، فقاتل، فقُتِل، فأكثر الناس فيه يقولون: ألقى بيده إلى التهلكة! قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁، فقال: كذبوا، أليس الله يقول: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد "؟ " (١). والقول الأخير أصح؛ لكونها للعموم حتى لو صح أن سبب نزولها قصة صهيب؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والله أعلم. واختاره الطبري قائلا: والصواب أن الله "عُنى بها الأمرُ بالمعروف والناهي عن المنكر، وذلك أن الله جل ثناؤه وصَف صفة فريقين: أحدهما منافقٌ يقول بلسانه خلافَ ما في نفسه، وإذا اقتدر على معصية الله ركبها، وإذا لم يقتدر رَامَها، وإذا نُهى أخذته العزّة بالإثمٌ بما هو به إثم، والآخر منهما بائعٌ نفسه، طالب من الله رضا الله. فكان الظاهر من التأويل أن الفريقَ الموصوف بأنه شرى نفسه لله وطلب رضاه، إنما شراها للوثُوب بالفريق الفاجر طلبَ رضا الله. فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويل الآية، وأما ما رُوي من نزول الآية في أمر صُهيب، فإنّ ذلك غير مستنكرٍ، إذ كان غيرَ مدفوع جوازُ نزول آية من عند الله على رسوله ﷺ بسبب من الأسباب، والمعنيُّ بها كلُّ من شمله ظاهرها" (٢). وقال ابن كثير: " وأما الأكثرون فحمَلوا ذلك على أنها نزلت في كل مُجَاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١] " (٣). قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، " أي ومن الناس فريق يبيع نفسه لله لا يبغى ثمنا لها غير مرضاته" (٤). قال القاسمي: أي: "يبيعها ببذلها في طاعة الله" (٥). قال الثعلبي: " أي يطلب رضا الله" (٦). قال الزمخشري: أي: " يبذلها في الجهاد، وقيل: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل" (٧). قال السيوطي: أي ": يَبْذُل نفسَه في اللَّهِ، وقيل: بل هو على أصلِهِ من الشِّراء وذلك أَنَّ صُهَيْباً اشترى نفسَه من قريشٍ لمَّا هاجَرَ، والآيةُ نَزَلَتْ فيه" (٨). قال الصابوني: أي" ومن الناس فريق من أهل الخير والصلاح باع نفسه لله، طالبا لمرضاته ورغبة في ثوابه لا يتحرى بعمله إلا وجه الله" (٩). ومعنى (يَشْري): يَبيع، وأصله: الاستبدال، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، أي: باعوه (١٠)، وقال الشاعر (١١):

стр. 1537

وَشَرَيْتُ بُرْداً ليتني ... من بعدِ بُرْدٍ كنتُ هامَهْ قال ابن منظرو: " وشريت أي بعت" (١). أما (اشترى) فهي بمعنى ابتاع؛ فإذا جاءت التاء فهي للمشتري الآخذ؛ وإذا حذفت التاء فهي للبائع المعطي؛ و ﴿نَفْسَهُ﴾ يعني ذاته. قال الفراء: " وللعرب في (شروا) و (اشتروا) مذهبان، فالأكثر منهما: أن شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما بمعنى باعوا" (٢). قال الراغب: " الشراء والبيع يتلازمان، فالمشتري دافع الثمن وآخذ المثمن، والبائع دافع المثمن وآخذ الثمن، هذا إذا كانت المبايعة والمشاراة بناض وسلعة، فأما إذا كانت بيع سلعة بسلعة صح أن يتصور كل واحد منهما في موضع الآخر، وشريت بمعنى: بعت أكثر، وابتعت بمعنى: اشتريت أكثر، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ " (٣). و﴿مرضات الله﴾: "أي رضوانه أي يبيع نفسه في طلب رضا الله ؛ فيكون قد باع نفسه مخلصاً لله في هذا البيع" (٤). والكسائي: يميل ﴿مرضاة الله﴾، كل القرآن (٥)، "ليدل على أن (الألف) فيها منقلبة عن (الباء)، ولم يمنعها المستعلي وهو (الضاد) من الإمالة، كما لم يمنع من إمالة نحو: صار وخاف وطاب" (٦). وكان حمزة (٧) يقف على ﴿مرضات﴾ بالتاء، والباقون يقفون عليها بالهاء (٨)، "وحجته ما حكاه سيبويه (٩) عن أبي الخطاب (١٠)، أنه كان يقول: طَلْحَتْ، ومنه قول الشاعر (١١): ما بَالُ عَيْني عن كَرَاها قد جَفَتْ ... مُسْبِلَةً تَسْتَنّ لَمّا عَرَفَتْ دارًا لِسَلْمى بعد حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ ... بل جَوْزِ تَيْهَاءَ كَظَهْر الْجَحَفَتْ وإما أنه لما كان هذا المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما ثبتت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد (١٢). ويدل على حُجةِ قراءة حمزة قول الراجز (١٣):

стр. 1538

إن عَدِيًا رَكِبَتْ إلى عَدِي ... وجَعَلَتْ أمْوالَها في الحُطَمي ارْهَنْ بَنِيكَ عَنْهم ارْهَنْ بَنِي أراد: بنيّ، فحذف ياء الإضافة للوقف، كما يخفف المثقل من نحو: سُرٍّ وضُرٍّ، فلولا أن المضاف إليه المحذوف في تقدير المثبت لرد النون في بنين، فكما لم يَرُدَّ النون في بنين فكذلك لم يقف بالهاء في (مَرْضَاةِ)، لأن المضاف إليه في تقدير الثبات في اللفظ (١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، أي: والله "عظيم الرحمة بالعباد" (٢). قال سعيد بن جبير: "يعني: يرأف بكم" (٣). قال العلماء: (الرأفة): " هي أرق الرحمة، وألطفها" (٤). قال الصابوني: أي: " يضاعف الحسنات ويعفو عن السيئات ولا يعجل العقوبة لمن عصاه (٥). قال الطبري: " والله ذو رحمة واسعة بعبده الذي يشري نفسه له في جهاد من حادَّه في أمره من أهل الشرك والفُسوق وبغيره من عباده المؤمنين في عاجلهم وآجل معادهم، فينجز لهم الثواب على ما أبلوا في طاعته في الدنيا، ويسكنهم جناته على ما عملوا فيها من مرضاته" (٦). قال القاسمي: " حيث أرشدهم لما فيه رضاه، وأسبغ عليهم نعمة ظاهرة وباطنة، مع كفرهم به، وتقصيرهم في أمره " (٧). قال المراغي: " فيجازيهم على العمل القليل نعيما دائما، ولا يكلفهم إلا ما في وسعهم عمله، ويشترى منهم أموالهم لأنفسهم وهى ملكه تعالى بما لا يعدّ ولا يحصى من رحمته وإحسانه وكرمه، ويرفع هممهم ليبذلوها في سبيله لدفع الشر والفساد عن عباده، وتقرير الحق والعدل فيهم، ولولا ذلك لغلب شرّ المفسدين في الأرض، فلا يبقى فيها صلاح كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ " (٨). وفي قوله تعالى: ﴿رَءُوفٌ﴾ قراءتان (٩): إحداهما: مد الهمزة على وزن فعول. والثانية قصرها على وزن فعُل. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: تقسيم الناس إلى قسمين؛ القسم الأول: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله﴾ [البقرة: ٢٠٤]؛ والقسم الثاني: ﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾. ٢ - ومنها: بلاغة هذا القرآن حيث يجعل الأمور مثاني؛ إذا جاء الكلام عن شيء جاء الكلام عن ضده. ٣ - ومنها: فضل من باع نفسه لله؛ لقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله﴾. ٤ - ومنها: الإشارة إلى إخلاص النية؛ لقوله تعالى: ﴿ابتغاء مرضات الله﴾.

стр. 1539

٥ - ومنها: إثبات الرضا لله؛ لقوله تعالى: ﴿مرضات الله﴾؛ ورضا الله صفة حقيقية لله متعلقة بمشيئته؛ وينكرها الأشاعرة وأشباههم من أهل التعطيل؛ ويحرفون المعنى إلى أن المراد برضا الله إما إثابته؛ أو إرادة الثواب. ٦ - ومنها: استحباب تقديم مرضاة الله على النفس؛ لأن الله ذكر ذلك في مقام المدح، والثناء. ٧ - ومنها: إثبات الرأفة لله؛ لقوله تعالى: ﴿والله رؤوف بالعباد﴾. ٨ - ومنها: عموم رأفة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿بالعباد﴾؛ هذا إذا كان ﴿العباد﴾ بالمعنى العام؛ أما إذا قلنا بالمعنى الخاص فلا يستفاد ذلك؛ واعلم أن العبودية لها معنيان: خاص؛ وعام؛ والخاص له أخص؛ وهو خاص الخاص؛ فمن العام قوله تعالى: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً﴾ [مريم: ٩٣]؛ وأما الخاص فمثل قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً﴾ [الفرقان: ٦٣]؛ المراد بهم عباد الرحمن المتصفون بهذه الصفات؛ فيخرج من لم يتصف بها؛ وأما الأخص مثل قوله تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١]؛ هذه عبودية الأخص - عبودية الرسالة -. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨] التفسير: يا أيها الذين آمنوا بالله ربًا وبمحمد نبيًا ورسولا وبالإسلام دينًا، ادخلوا في جميع شرائع الإسلام، عاملين بجميع أحكامه، ولا تتركوا منها شيئًا، ولا تتبعوا طرق الشيطان فيما يدعوكم إليه من المعاصي. إنه لكم عدو ظاهر العداوة فاحذروه. قال عكرمة: "نزلت في ثعلبة، وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسَيْد ابني كعب وسَعْيَة بن عمرو وقيس بن زيد - كلهم من يهود - قالوا: يا رسول الله، يوم السبت يومٌ كنا نعظمه، فدعنا فلنُسبِت فيه! وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بالليل! فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ " (١). وأخرج الطبري (٢) والواحدي (٣) عن ابن عباس مثله. وذكره مقاتل بن سليمان قال: سبب نزولها" أن عبد الله بن سلام، وسلام بن قيس، وأسيد وأسد ابنا كعب، ويامين بن يامين، وهم مؤمنو أهل التوراة استأذنوا النبي- ﷺ في قراءة التوراة في الصلاة. وفي أمر السبت وأن يعملوا ببعض ما في التوراة. فقال الله- خذوا سنة محمد- ﷺ وشرائعه، فإن قرآن محمد ينسخ كل كتاب كان قبله، فقال: ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾ " (٤). كذا أورده ابن ظفر (٥).

стр. 1540

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٠٨]، أي: "يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقروا لله بالعبودية، وأذعنوا له بالطاعة" (١). قال الصابوني: " خاطب المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بالتوجيهات الربانية" (٢). قال ابن عثيمين: الخطاب للمؤمنين؛ وابتداء الحكم بالنداء فهو دليل على العناية به؛ لأن المقصود بالنداء تنبيه المخاطب؛ ولا يتطلب التنبيه إلا ما كان مهماً" (٣). قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، أي: " استسلموا لله وأطيعوه ولا تخرجوا عن شيء من شرائعه" (٤). قال مقاتل بن سليمان: " يعني في شرائع الإسلام كلها" (٥). قال الصابوني: " أي ادخلوا في الإسلام بكليته في جميع أحكامه وشرائعه، فلا تأخذوا حكما وتتركوا حكما، لا تأخذوا بالصلاة وتمنعوا الزكاة مثلا، فالإسلام كل لا يتجزأ" (٦). قال الشيخ السعدي: " أي: في جميع شرائع الدين، ولا يتركوا منها شيئا، وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه، إن وافق الأمر المشروع هواه فعله، وإن خالفه، تركه، بل الواجب أن يكون الهوى، تبعا للدين، وأن يفعل كل ما يقدر عليه، من أفعال الخير، وما يعجز عنه، يلتزمه وينويه، فيدركه بنيته" (٧). قال ابن عثيمين: " المراد به الإسلام؛ وهو الاستسلام لله - تعالى - ظاهرا، وباطنا" (٨). وفي المراد بالدخول في السلم، أقوال (٩): أحدها: الدخول في الإسلام، وهو قول ابن عباس (١٠)، ومجاهد (١١) في أحد قوليه-، وقتادة (١٢) في أحد قوليه-، والسدي (١٣)، وابن زيد (١٤)، والضحاك (١٥)، وعكرمة (١٦)، وطاوس (١٧). والثاني: معناه ادخلوا في الطاعة، وهو قول الربيع (١٨)، وقتادة (١٩)، وأبي العالية (٢٠)، وابن عباس (٢١) في رواية الضحاك عنه. والرابع: يعني: الموادعة. قاله قتادة (٢٢).

стр. 1541

والخامس: في أنواع البر كلها. قاله مجاهد (١)، والثوري (٢). قلت: فالسلم هنا بمعنى الإسلام، ورجحه الطبري كذلك (٣)، وقد ورد في الشعر العربي بأن السلم تعني الإسلام، ومنه قول الشاعر الكندي (٤): دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّا ... رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرينَا أي: "دعوتهم للإسلام لما ارتدُّوا، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث (٥)، بعد وَفاة رسول الله ﷺ " (٦). قال الراغب: " عنى بالسلم سلم العبد الله ، وذلك أن الإنسان في كفره، وكفران نعمة الله كالمحارب له، ولهذا يسمى الكافر المحارب في نحو قوله: ﴿الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وسلم العباد لله على ثلاثة أضرب: ضرب يتقدمه إلى الإيمان: وهو الإسلام الذي سلم به من الله أن يراق دمه ويسلب ماله وهو المعني بقوله- ﵇: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم " (٧). واثنان بعد الإيمان: أحدهما أن يسلم من سخطه بارتسام أوامره وزواجره طوعاً أو كرهاً، والثاني: أن يكون سليماً من الشيطان وأوليائه، وسليماً فيما يجري من قضائه، وبه يحصل [دار السلام المذكورة في قوله تعالى]: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ وهذا غاية ما ينتهي إليه للعبد من المنازل الثلاث وإن كان لكل منزلة منها درجات، وهذا السلم هو المغني بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وهو الذي تمناه يوسف ﵇ بقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ " (٨). وفي قوله تعالى: ﴿السِّلْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٨]، قراءتان (٩): إحداهما: ﴿ادخلوا في السَّلم﴾ بفتح السين. قرأ بها ابن كثير ونافع والكسائي، وهي قراءة عامة قراء أهل الحجاز. وهؤلاء وجهوا تأويلها إلى المسالمة، بمعنى: ادخلوا في الصلح والمساومة وترك الحرب وإعطاء الجزية. وقال أبو علي: " قول ابن كثير ونافع والكسائي: ﴿أدْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة/ ٢٠٨] يحتمل أمرين:

стр. 1542

أحدهما: يجوز أن يكون لغة في (السّلم) الذي يعنى به الإسلام. والثاني: ويجوز أن يريدوا بفتحهم الأول من قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾: الصلح، وهو يريد الإسلام، لأن الإسلام صلح، ألا ترى أن القتال والحرب بين أهله موضوع، وأنهم أهل اعتقاد واحد، ويد واحدة في نصرة بعضهم لبعض، فإذا كان ذلك موضوعاً بينهم، وفي دينهم، وغلّظ على المسلمين في المسايفة بينهم؛ كان صلحاً في المعنى، فكأنه قيل: ادخلوا في الصلح، والمراد به الإسلام" (١). والقراءة الثانية: وقرأته عامة قرأة الكوفيين بكسر (السين)، وهم مختلفون في تفسيره على قولين: أحدهما: توجيهه إلى الإسلام، بمعنى ادخلوا في الإسلام كافة. والثاني: توجيهه إلى الصلح، بمعنى: ادخلوا في الصلح، ويستشهد على أن " (السين) تكسر، وهي بمعنى الصلح بقول زهير ابن أبي سلمى (٢): وَقَدْ قُلْتُمَا إنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا ... بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الأمْرِ نَسْلَمِ وقال الجوهري: "والسلم الصلح، يفتح ويكسر، ويذكر ويؤنث، وأصله من الاستسلام والانقياد، ولذلك قيل للصلح: سلم" (٣)، ومنه قول الشاعر (٤): أنائل إنني سلم ... لأهلك فاقبلي سلمي والقراءة الأوْلى بالصواب من قرأ بكسر (السين)، لأن ذلك إذا قرئ كذلك - وإن كان قد يحتمل معنى الصلح - فإن معنى الإسلام: ودوام الأمر الصالح عند العرب، أغلبُ عليه من الصلح والمسالمة (٥). والله أعلم. قال الرازي: "أصل هذه الكلمة من الانقياد، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، والإسلام إنما سمي إسلاماً لهذا المعنى. وغلب اسلم السلم على الصلح وترك الحرب، وهذا أيضاً راجع إلى هذا المعنى، لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه (٦). وقد اختلف أهل العلم في أي الفريقين دعى إلى الإسلام كافة، وفيه أقوال (٧): أحدها: أن المأمور بها المسلمون، والدخول في السلم العمل بشرائع الإسلام كلها، وهو قول وهذا قول قتادة (٨)، والسدي (٩) والربيع (١٠) ومجاهد (١١) ابن عباس (١٢) وابن زيد (١٣)، والضحاك (١٤).

стр. 1543

قال الطبري: " وجه دُعائه إلى ذلك الأمرُ له بالعمل بجميع شرائعه، وإقامة جميع أحكامه وحدوده، دون تضييع بعضه والعمل ببعضه، وإذا كان ذلك معناه، كان قوله ﴿كافة﴾ من صفة ﴿السلم﴾، ويكون تأويله: ادخلوا في العمل بجميع معاني السلم، ولا تضيعوا شيئًا منه يا أهل الإيمان بمحمد وما جاء به" (١). والثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب، آمنوا بمن سلف من الأنبياء، فأُمِروا بالدخول في الإسلام، وهو قول ابن عباس (٢)، والضحاك (٣). والثالث: أنها نزلت نزلت في ثعلبة، وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسَيْد ابني كعب وسَعْيَة بن عمرو وقيس بن زيد - كلهم من يهود. وهو قول عكرمة (٤). والصواب أن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بالدخول في العمل بشرائع الإسلام كلها، وقد يدخل في ﴿الذين آمنوا﴾ المصدِّقون بمحمد ﷺ ، وبما حاء به، والمصدقون بمن قبله من الأنبياء والرسل، وما جاءوا به، وقد دعا الله كلا الفريقين إلى العمل بشرائع الإسلام وحدوده، والمحافظة على فرائضه التي فرضها، ونهاهم عن تضييع شيء من ذلك، فالآية عامة لكل من شمله اسم " الإيمان "، فلا وجه لخصوص بعض بها دون بعض (٥). وقد روي عن مجاهد في قول الله : " ادخلوا في السلم كافة "، قال: ادخلوا في الإسلام كافة، ادخلوا في الأعمال كافة" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، تأويلان (٧): أحدهما: عائد إلى الذين آمنوا، أن يدخلوا جميعاً في السلم. وتكون ﴿كافة﴾ حالاً من الواو في قوله تعالى: ﴿ادخلوا﴾، وهذا قول قتادة (٨)، والسدي (٩) والربيع (١٠) ومجاهد (١١) ابن عباس (١٢) وابن زيد (١٣)، والضحاك (١٤). والثاني: عائد إلى السلم أن يدخلوا في جميعه. فتكون ﴿كافة﴾ حالاً من ﴿السلم﴾. وهو أحد قولي مجاهد (١٥). والأقرب-والله أعلم-: المعنى الأول؛ "لأننا لو قلنا بالمعنى الثاني: ادخلوا جميعاً في السلم صار معنى ذلك أن بعض المؤمنين لم يدخل في الإسلام؛ وحينئذ فلا يصح أن يوجه إليه النداء بوصف الإيمان؛ فالمعنى الأول هو الصواب أن ﴿كافة﴾ حال من ﴿السلم﴾ يعني ادخلوا في الإسلام كله؛ أي نفذوا أحكام الإسلام جميعاً، ولا تدعوا شيئاً من شعائره، ولا تفرطوا في شيء منها؛ وهذا مقتضى الإيمان؛ فإن مقتضى الإيمان أن يقوم الإنسان بجميع شرائع الإسلام" (١٦).

стр. 1544

قال الراغب: " ويجوز أن يكون ﴿كافة﴾ حالا من ﴿السلم﴾، لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب. قال (١): السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ ... وَالْحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ على أنّ المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها، وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة، أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها، وأن لا يُخلوا بشيء منها" (٢). ورجحه ابن كثير قائلا: " ومن المفسرين من يجعل قوله: ﴿كَافَّةً﴾ حالا من الداخلين، أي: ادخلوا في الإسلام كلكم، والصحيح الأول، وهو أنَّهم أمروا [كلهم] أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام، وهي كثيرة جدًا ما استطاعوا منها" (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ٢٠٨]، " أي لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم إليه الشيطان" (٤). قال البيضاوي: " بالتفرق والتفريق" (٥). قال مقاتل بن سليمان: " يعنى تزيين الشيطان فإن السنة الأولى بعد ما بعث محمد- ﷺ ضلالة من خطوات الشيطان" (٦). قال القاسمي: " أي: طرقه التي يأمركم بها فـ: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] و: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] " (٧). قال الصابوني: " أي لا تتبعوا طرق الشيطان وإغواءه" (٨). قال ابن عثيمين: " نهي بعد أمر؛ لأن اتباع خطوات الشيطان يخالف الدخول في السلم كافة" (٩). و﴿خُطُوَاتِ﴾: "جمع خُطوة؛ و (الخطوة) في الأصل هي ما بين القدمين عند مدِّهما في المشي" (١٠). وفي قوله تعالى: ﴿خُطُوَاتِ﴾، وجوه من القراءة (١١): أحدها: ﴿خُطُوَاتِ﴾، بضم (الطاء) مثقلة. قرأ بها ابن كثير وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم. والثانية: : ﴿خُطُوَاتِ﴾، بضم (الطاء) خفيفة. في رواية ابن فليح عن أصحابه عن ابن كثير. والثالث: ﴿خُطْوَاتِ﴾، بسكون (الطاء) خفيفة. قرأ بها نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة. قا القاسمي: و"ضم (الطاء) من ﴿خطوات﴾ وإسكانها لغتان: حجازية وتميمية، وقد قرئ بهما في السبع" (١٢). قال الطبري: " وطريقُ الشيطان الذي نهاهم أن يتبعوه هو ما خالف حكم الإسلام وشرائعه، ومنه تسبيت السبت وسائر سنن أهل الملل التي تخالف ملة الإسلام" (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ٢٠٨]، تفسيران:

стр. 1545

أحدهما: أن"خطوات الشيطان: عمله". قاله ابن عباس (١). والثاني: أن إتباع خطوات الشيطان: "طاعته". وهذا قول السدي (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨]، ، أي: "فإنه عدو لكم ظاهر العداوة" (٣). قال البيضاوي: أي" ظاهر العداوة" (٤). قال مُطَرِّف: "أغش عباد الله لعَبِيد الله الشيطان" (٥). قال الطبراني: " فإن قيل: كيفَ قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ وهو لَم يُبْدِ لنا شخصهُ؟ قِيْلَ: قد كانَ إبداؤهُ العداوةَ لأبينا آدمَ ﵇ حين امتنعَ من السُّجودِ له وقال: أنا خيرٌ منه، فكان إبداؤُه وإظهاره العداوةَ لأبينا آدم ﵇ أبداءً وإظهاراً لنا" (٦). قال الشيخ السعدي: " والعدو المبين، لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء، وما به الضرر عليكم" (٧). و(العدو): "من يبتغي لك السوء؛ وهو ضد (الوليّ) " (٨). وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨] معنيان (٩): أحدهما: مبين لنفسه. والآخر: مبين بعدوانه. وكلا القولين صحيحين، لأن " الشيطان بيِّن العداوة؛ ومظهر لعداوته؛ ألا ترى إلى إبائه السجود لأبينا آدم مع أن الله أمره به في جملة الملائكة" (١٠). واختلفوا فيمن أبان به عدوانه على قولين (١١): أحدهما: بامتناعه من السجود لآدم. والثاني: بقوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٢]. قال الشيخ ابن عثيمين: " فإن قال قائل: كيف يقول: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ ونحن قد عرفنا من قبل أن الإيمان أكمل من الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾؟ [الحجرات: ١٤]، قلنا: إن هذا الأمر مقيد بما بعد قوله: ﴿فِي السِّلْمِ﴾؛ وهو قوله تعالى: ﴿كَافَّةً﴾؛ فيكون الأمر هنا منصباً على قوله تعالى: ﴿كَافَّةً﴾؛ و ﴿كَافَّةً﴾ اسم فاعل يطلق على من يكف غيره؛ فتكون التاء فيه للمبالغة، مثل: راوية، ساقية، علامة ... وما أشبه ذلك؛ والتاء في هذه الأمثلة للمبالغة؛ فيكون ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى كافاً؛ والتاء للمبالغة؛ قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ [سبأ: ٢٨]، أي كافاً لهم عمَّا يضرهم لتخرجهم من الظلمات إلى النور" (١٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فضل الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾؛ لأن هذا النداء تشريف وتكريم.
следующие страницы →