← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

والخامس: في أنواع البر كلها. قاله مجاهد (١)، والثوري (٢). قلت: فالسلم هنا بمعنى الإسلام، ورجحه الطبري كذلك (٣)، وقد ورد في الشعر العربي بأن السلم تعني الإسلام، ومنه قول الشاعر الكندي (٤): دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّا ... رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرينَا أي: "دعوتهم للإسلام لما ارتدُّوا، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث (٥)، بعد وَفاة رسول الله ﷺ " (٦). قال الراغب: " عنى بالسلم سلم العبد الله ، وذلك أن الإنسان في كفره، وكفران نعمة الله كالمحارب له، ولهذا يسمى الكافر المحارب في نحو قوله: ﴿الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وسلم العباد لله على ثلاثة أضرب: ضرب يتقدمه إلى الإيمان: وهو الإسلام الذي سلم به من الله أن يراق دمه ويسلب ماله وهو المعني بقوله- ﵇: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم " (٧). واثنان بعد الإيمان: أحدهما أن يسلم من سخطه بارتسام أوامره وزواجره طوعاً أو كرهاً، والثاني: أن يكون سليماً من الشيطان وأوليائه، وسليماً فيما يجري من قضائه، وبه يحصل [دار السلام المذكورة في قوله تعالى]: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ وهذا غاية ما ينتهي إليه للعبد من المنازل الثلاث وإن كان لكل منزلة منها درجات، وهذا السلم هو المغني بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وهو الذي تمناه يوسف ﵇ بقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ " (٨). وفي قوله تعالى: ﴿السِّلْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٨]، قراءتان (٩): إحداهما: ﴿ادخلوا في السَّلم﴾ بفتح السين. قرأ بها ابن كثير ونافع والكسائي، وهي قراءة عامة قراء أهل الحجاز. وهؤلاء وجهوا تأويلها إلى المسالمة، بمعنى: ادخلوا في الصلح والمساومة وترك الحرب وإعطاء الجزية. وقال أبو علي: " قول ابن كثير ونافع والكسائي: ﴿أدْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة/ ٢٠٨] يحتمل أمرين:

стр. 1542

أحدهما: يجوز أن يكون لغة في (السّلم) الذي يعنى به الإسلام. والثاني: ويجوز أن يريدوا بفتحهم الأول من قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾: الصلح، وهو يريد الإسلام، لأن الإسلام صلح، ألا ترى أن القتال والحرب بين أهله موضوع، وأنهم أهل اعتقاد واحد، ويد واحدة في نصرة بعضهم لبعض، فإذا كان ذلك موضوعاً بينهم، وفي دينهم، وغلّظ على المسلمين في المسايفة بينهم؛ كان صلحاً في المعنى، فكأنه قيل: ادخلوا في الصلح، والمراد به الإسلام" (١). والقراءة الثانية: وقرأته عامة قرأة الكوفيين بكسر (السين)، وهم مختلفون في تفسيره على قولين: أحدهما: توجيهه إلى الإسلام، بمعنى ادخلوا في الإسلام كافة. والثاني: توجيهه إلى الصلح، بمعنى: ادخلوا في الصلح، ويستشهد على أن " (السين) تكسر، وهي بمعنى الصلح بقول زهير ابن أبي سلمى (٢): وَقَدْ قُلْتُمَا إنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا ... بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الأمْرِ نَسْلَمِ وقال الجوهري: "والسلم الصلح، يفتح ويكسر، ويذكر ويؤنث، وأصله من الاستسلام والانقياد، ولذلك قيل للصلح: سلم" (٣)، ومنه قول الشاعر (٤): أنائل إنني سلم ... لأهلك فاقبلي سلمي والقراءة الأوْلى بالصواب من قرأ بكسر (السين)، لأن ذلك إذا قرئ كذلك - وإن كان قد يحتمل معنى الصلح - فإن معنى الإسلام: ودوام الأمر الصالح عند العرب، أغلبُ عليه من الصلح والمسالمة (٥). والله أعلم. قال الرازي: "أصل هذه الكلمة من الانقياد، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، والإسلام إنما سمي إسلاماً لهذا المعنى. وغلب اسلم السلم على الصلح وترك الحرب، وهذا أيضاً راجع إلى هذا المعنى، لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه (٦). وقد اختلف أهل العلم في أي الفريقين دعى إلى الإسلام كافة، وفيه أقوال (٧): أحدها: أن المأمور بها المسلمون، والدخول في السلم العمل بشرائع الإسلام كلها، وهو قول وهذا قول قتادة (٨)، والسدي (٩) والربيع (١٠) ومجاهد (١١) ابن عباس (١٢) وابن زيد (١٣)، والضحاك (١٤).

стр. 1543

قال الطبري: " وجه دُعائه إلى ذلك الأمرُ له بالعمل بجميع شرائعه، وإقامة جميع أحكامه وحدوده، دون تضييع بعضه والعمل ببعضه، وإذا كان ذلك معناه، كان قوله ﴿كافة﴾ من صفة ﴿السلم﴾، ويكون تأويله: ادخلوا في العمل بجميع معاني السلم، ولا تضيعوا شيئًا منه يا أهل الإيمان بمحمد وما جاء به" (١). والثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب، آمنوا بمن سلف من الأنبياء، فأُمِروا بالدخول في الإسلام، وهو قول ابن عباس (٢)، والضحاك (٣). والثالث: أنها نزلت نزلت في ثعلبة، وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسَيْد ابني كعب وسَعْيَة بن عمرو وقيس بن زيد - كلهم من يهود. وهو قول عكرمة (٤). والصواب أن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بالدخول في العمل بشرائع الإسلام كلها، وقد يدخل في ﴿الذين آمنوا﴾ المصدِّقون بمحمد ﷺ ، وبما حاء به، والمصدقون بمن قبله من الأنبياء والرسل، وما جاءوا به، وقد دعا الله كلا الفريقين إلى العمل بشرائع الإسلام وحدوده، والمحافظة على فرائضه التي فرضها، ونهاهم عن تضييع شيء من ذلك، فالآية عامة لكل من شمله اسم " الإيمان "، فلا وجه لخصوص بعض بها دون بعض (٥). وقد روي عن مجاهد في قول الله : " ادخلوا في السلم كافة "، قال: ادخلوا في الإسلام كافة، ادخلوا في الأعمال كافة" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، تأويلان (٧): أحدهما: عائد إلى الذين آمنوا، أن يدخلوا جميعاً في السلم. وتكون ﴿كافة﴾ حالاً من الواو في قوله تعالى: ﴿ادخلوا﴾، وهذا قول قتادة (٨)، والسدي (٩) والربيع (١٠) ومجاهد (١١) ابن عباس (١٢) وابن زيد (١٣)، والضحاك (١٤). والثاني: عائد إلى السلم أن يدخلوا في جميعه. فتكون ﴿كافة﴾ حالاً من ﴿السلم﴾. وهو أحد قولي مجاهد (١٥). والأقرب-والله أعلم-: المعنى الأول؛ "لأننا لو قلنا بالمعنى الثاني: ادخلوا جميعاً في السلم صار معنى ذلك أن بعض المؤمنين لم يدخل في الإسلام؛ وحينئذ فلا يصح أن يوجه إليه النداء بوصف الإيمان؛ فالمعنى الأول هو الصواب أن ﴿كافة﴾ حال من ﴿السلم﴾ يعني ادخلوا في الإسلام كله؛ أي نفذوا أحكام الإسلام جميعاً، ولا تدعوا شيئاً من شعائره، ولا تفرطوا في شيء منها؛ وهذا مقتضى الإيمان؛ فإن مقتضى الإيمان أن يقوم الإنسان بجميع شرائع الإسلام" (١٦).

стр. 1544

قال الراغب: " ويجوز أن يكون ﴿كافة﴾ حالا من ﴿السلم﴾، لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب. قال (١): السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ ... وَالْحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ على أنّ المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها، وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة، أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها، وأن لا يُخلوا بشيء منها" (٢). ورجحه ابن كثير قائلا: " ومن المفسرين من يجعل قوله: ﴿كَافَّةً﴾ حالا من الداخلين، أي: ادخلوا في الإسلام كلكم، والصحيح الأول، وهو أنَّهم أمروا [كلهم] أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام، وهي كثيرة جدًا ما استطاعوا منها" (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ٢٠٨]، " أي لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم إليه الشيطان" (٤). قال البيضاوي: " بالتفرق والتفريق" (٥). قال مقاتل بن سليمان: " يعنى تزيين الشيطان فإن السنة الأولى بعد ما بعث محمد- ﷺ ضلالة من خطوات الشيطان" (٦). قال القاسمي: " أي: طرقه التي يأمركم بها فـ: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] و: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] " (٧). قال الصابوني: " أي لا تتبعوا طرق الشيطان وإغواءه" (٨). قال ابن عثيمين: " نهي بعد أمر؛ لأن اتباع خطوات الشيطان يخالف الدخول في السلم كافة" (٩). و﴿خُطُوَاتِ﴾: "جمع خُطوة؛ و (الخطوة) في الأصل هي ما بين القدمين عند مدِّهما في المشي" (١٠). وفي قوله تعالى: ﴿خُطُوَاتِ﴾، وجوه من القراءة (١١): أحدها: ﴿خُطُوَاتِ﴾، بضم (الطاء) مثقلة. قرأ بها ابن كثير وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم. والثانية: : ﴿خُطُوَاتِ﴾، بضم (الطاء) خفيفة. في رواية ابن فليح عن أصحابه عن ابن كثير. والثالث: ﴿خُطْوَاتِ﴾، بسكون (الطاء) خفيفة. قرأ بها نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة. قا القاسمي: و"ضم (الطاء) من ﴿خطوات﴾ وإسكانها لغتان: حجازية وتميمية، وقد قرئ بهما في السبع" (١٢). قال الطبري: " وطريقُ الشيطان الذي نهاهم أن يتبعوه هو ما خالف حكم الإسلام وشرائعه، ومنه تسبيت السبت وسائر سنن أهل الملل التي تخالف ملة الإسلام" (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ٢٠٨]، تفسيران:

стр. 1545

أحدهما: أن"خطوات الشيطان: عمله". قاله ابن عباس (١). والثاني: أن إتباع خطوات الشيطان: "طاعته". وهذا قول السدي (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨]، ، أي: "فإنه عدو لكم ظاهر العداوة" (٣). قال البيضاوي: أي" ظاهر العداوة" (٤). قال مُطَرِّف: "أغش عباد الله لعَبِيد الله الشيطان" (٥). قال الطبراني: " فإن قيل: كيفَ قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ وهو لَم يُبْدِ لنا شخصهُ؟ قِيْلَ: قد كانَ إبداؤهُ العداوةَ لأبينا آدمَ ﵇ حين امتنعَ من السُّجودِ له وقال: أنا خيرٌ منه، فكان إبداؤُه وإظهاره العداوةَ لأبينا آدم ﵇ أبداءً وإظهاراً لنا" (٦). قال الشيخ السعدي: " والعدو المبين، لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء، وما به الضرر عليكم" (٧). و(العدو): "من يبتغي لك السوء؛ وهو ضد (الوليّ) " (٨). وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨] معنيان (٩): أحدهما: مبين لنفسه. والآخر: مبين بعدوانه. وكلا القولين صحيحين، لأن " الشيطان بيِّن العداوة؛ ومظهر لعداوته؛ ألا ترى إلى إبائه السجود لأبينا آدم مع أن الله أمره به في جملة الملائكة" (١٠). واختلفوا فيمن أبان به عدوانه على قولين (١١): أحدهما: بامتناعه من السجود لآدم. والثاني: بقوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٢]. قال الشيخ ابن عثيمين: " فإن قال قائل: كيف يقول: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ ونحن قد عرفنا من قبل أن الإيمان أكمل من الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾؟ [الحجرات: ١٤]، قلنا: إن هذا الأمر مقيد بما بعد قوله: ﴿فِي السِّلْمِ﴾؛ وهو قوله تعالى: ﴿كَافَّةً﴾؛ فيكون الأمر هنا منصباً على قوله تعالى: ﴿كَافَّةً﴾؛ و ﴿كَافَّةً﴾ اسم فاعل يطلق على من يكف غيره؛ فتكون التاء فيه للمبالغة، مثل: راوية، ساقية، علامة ... وما أشبه ذلك؛ والتاء في هذه الأمثلة للمبالغة؛ فيكون ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى كافاً؛ والتاء للمبالغة؛ قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ [سبأ: ٢٨]، أي كافاً لهم عمَّا يضرهم لتخرجهم من الظلمات إلى النور" (١٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فضل الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾؛ لأن هذا النداء تشريف وتكريم.

стр. 1546

٢ - ومنها: أن الإيمان مقتض لامتثال الأمر؛ لأن الله صدَّر الأمر بهذا النداء؛ والحكم لا يقرن بوصف إلا كان لهذا الوصف أثر فيه؛ وهذه الفائدة مهمة؛ ولا شك أن الإيمان يقتضي امتثال أمر الله . ٣ - ومنها: وجوب تطبيق الشرع جملة، وتفصيلاً؛ لقوله تعالى: ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾. ٤ - ومنها: أن الإنسان يؤمر بالشيء الذي هو متلبس به باعتبار استمراره عليه، وعدم الإخلال بشيء منه؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾؛ ومثل هذا قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله﴾ [النساء: ١٣٦] يعني: استمروا على ذلك. ٥ - ومنها: تحريم اتباع خطوات الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾؛ والمعنى: أن لا نتبع الشيطان في سيره؛ لأن الله بين في آية أخرى أن الشيطان يأمر بالفحشاء، والمنكر؛ وما كان كذلك فإنه لا يمكن لعاقل أن يتبعه؛ فلا يرضى أحد أن يتبع الفحشاء والمنكر؛ وأيضاً الشيطان لنا عدو، كما قال تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو﴾ [فاطر: ٦]، ثم قال تعالى: ﴿فاتخذوه عدواً﴾؛ ولا أحد من العقلاء يتبع عدوه؛ إذا كان الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، وكان عدواً لنا، فليس من العقل - فضلاً عن مقتضى الإيمان - أن يتابعه الإنسان في خطواته -؛ وخطوات الشيطان بيَّنها الله : يأمر بـ «الفحشاء» - وهي عظائم الذنوب؛ و «المنكر» - وهو ما دونها من المعاصي؛ فكل معصية فهي من خطوات الشيطان؛ سواء كانت تلك المعصية من فعل المحظور، أو من ترك المأمور، فإنها من خطوات الشيطان؛ لكن هناك أشياء بين الرسول ﷺ أنها من فعل الشيطان، ونص عليها بعينها، مثل: الأكل بالشمال (١)، والشرب بالشمال (٢)، والأخذ بالشمال، والإعطاء بالشمال (٣)؛ وكذلك الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد (٤)؛ فهذه المنصوص عليها بعينها واضحة؛ وغير المنصوص عليها يقال فيها: كل معصية فهي من خطوات الشيطان. ٦ - ومن فوائد الآية: تحريم التشبه بالكفار؛ لأن أعمال الكفار من خطوات الشيطان؛ لأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر؛ ولا أنكر من الكفر - والعياذ بالله. ٧ - ومنها: شدة عداوة الشيطان لبني آدم؛ لقوله تعالى: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾. ٨ - ومنها: أنه لا يمكن أن يأمرنا الشيطان بخير أبداً؛ إذ إن عدوك يسره مساءتك، ويغمه سرورك؛ ولهذا قال تعالى في آية أخرى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً﴾ [فاطر: ٦]. ٩ - ومنها: قرن الحكم بعلته؛ لقوله تعالى: ﴿لا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ ثم علل: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي لمن أتى بالأحكام أن يقرنها بالعلل التي تطمئن إليها النفس؛ فإن كانت ذات دليل من الشرع قرنها بدليل من الشرع؛ وإن كانت ذات دليل من العقل، والقياس قرنها بدليل من العقل، والقياس؛ وفائدة ذكر العلة أنه يبين سمو الشريعة وكمالها؛ وأنه تزيد به الطمأنينة إلى الحكم؛ وأنه يمكن إلحاق ما وافق الحكم في تلك العلة. القرآن ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [البقرة: ٢٠٩] التفسير: فإن انحرفتم عن طريق الحق، من بعد ما جاءتكم الحجج الواضحة من القرآن والسنة، فاعلموا أن الله عزيز في ملكه لا يفوته شيء، حكيم في أمره ونهيه، يضع كل شيء في موضعه المناسب له.

стр. 1547

قوله تعالى: ﴿فَإِن زَلَلْتُم﴾ [البقرة: ٢٠٩]، أي: " فإن أخطأتم الحق، فضللتم عنه، وخالفتم الإسلام وشرائعه" (١). قال الطبري: " فإن أخطأتم الحق، فضللتم عنه" (٢). قال البيضاوي: " عن الدخول في السلم" (٣) قال الرازي: " أي: أخطأتم الحق وتعديتموه" (٤). قال ابنُ حِبان: "أي: أخْطَأْتُمْ" (٥). قال الزجاج: " تنحيتم عن القصد والشرائع" (٦). قال الواحدي: " تنحيتم عن القصد والشرائع في تحريم السبت ولحوم الإبل" (٧). قال القرطبي: " أي تنحيتم عن طريق الاستقامة" (٨). قال الشوكاني: " أي تنحيتم عن طريق الاستقامة" (٩). قال الطبراني: " إن عَدَلْتُمْ عن الطريقِ المستقيم بالخروجِ عن طاعةِ الله إلى المعصية" (١٠). قال الصابوني: " أي إن انحرفتم عن الدخول في الإسلام" (١١). واختلف في قوله تعالى: ﴿فَإِن زَلَلْتُم﴾ [البقرة: ٢٠٩]، على أقوال: أحدها: معناه عصيتم (١٢). والثاني: معناه تركتم الإسلام. قاله ابن عباس (١٣). والثالث: إن ضللتم وهذا قول السدي" (١٤). قلت: وإن تعددت عبارات المفسرين في معنى قوله ﴿زللتم﴾، فإن المعاني متقاربة. والله تعالى أعلم. وأصل (الزلل) في القدم، ثم استعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك، يقال: زل يزل زلا وزللا وزلولا، أي دحضت قدمه (١٥). وقرأ أبو السمَّالِ العدوي ﴿فَإِنْ زَلِلْتُمْ﴾ بكسر اللام الأولى، وهما لغتان كضللت وضللت (١٦)، والمعنى "فإن ضللتم وعرجتم عن الحق" (١٧).

стр. 1548

قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٠٩]؛ أي: "من بعد مجيء الحجج الباهرة والبراهين القاطعة على أنه حق" (١). قال الواحدي: " يعنى: القرآن ومواعظه" (٢). قال البيضاوي: " الآيات والحجج الشاهدة على أنه الحق" (٣). قال القرطبي: " أي المعجزات وآيات القرآن، إن كان الخطاب للمؤمنين، فإن كان الخطاب لأهل الكتابين فالبينات ما ورد في شرعهم من الإعلام بمحمد ﷺ والتعريف به" (٤). قال الطبري: " من بعد ما جاءتكم حُجَجي وبيِّنات هداي" (٥). قال الطبراني: " الدَّلالاتِ وَالْحُجَجِ؛ يَعْنِي مُحَمَّداً ﷺ وَشَرَائِعَهُ" (٦). قال الزمخشري: " أى الحج والشواهد على أنّ ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق" (٧). قال الشوكاني: " أي الحجج الواضحة والبراهين الصحيحة أن الدخول في الإسلام هو الحق" (٨). قال الراغب: " ولفظ ﴿البينات﴾ عام فيما حولنا من المعارف العقلية والسمعية" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٠٩]، أربعة تأويلات: أحدها: أنها حجج الله ودلائله. والثاني: محمد، وهو قول السدي (١٠). يدل عليه بأن محمدًا ﷺ والقرآن، من حجج الله على الذين خوطبوا بهاتين الآيتين. والثالث: الإسلام (١١). والرابع: القرآن والإسلام، وهو قول ابن جريج (١٢). قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: أي "اعلموا أن الله غالب لا يعجزه الانتقام ممن عصاه، حكيم في خلقه وصنعه" (١٣) (١٤). قال الربيع: " عزيز في نقمته، حكيم في أمره (١٥). قال البيضاوي: ﴿عزيز﴾: "لا يعجزه الانتقام، ﴿حَكِيمٌ﴾ لا ينتقم إلا بحق" (١٦). قال الزجاج: " معنى ﴿عزيز﴾: لا يعجزونه ولا يعجزه شيء. ومعنى ﴿حكيم﴾، أي حكيم فيما فطركم عليه، وفيما شرع لكم من دينه" (١٧).

стр. 1549

قال القرطبي: " ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يمتنع عليه ما يريده. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يفعله" (١). وقوله: ﴿فَاعْلَمُوا﴾ نهاية في الوعيد؛ لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب، وربما قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي. فيكون هذا الكلام - في الزجر - أبلغ من ذكر الضرب وغيره. فظهر تسبب الجزاء في الآية بما أشعر به من الزجر والتهديد على الشرط المشير إلى ذنبهم وجرمهم (٢). وذكر أهل العلم أن (العزيز) له ثلاثة معانٍ (٣): أحدها: عزة قدْر: أي أنه عظيم القدر -؛ لقوله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ... ﴾ [الزمر: ٦٧] الآية. والثاني: عزة قهر: فمعناها الغلبة - أي أنه غالب لا يغلبه شيء -؛ وهذا أظهر معانيها. والثالث: عزة امتناع: ومعناها أنه يمتنع أن يناله السوء - مأخوذ من قولهم: (أرض عزاز) أي قوية صلبة لا تؤثر فيها الأقدام. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الوعيد على من زلّ بعد قيام الحجة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات﴾؛ فإن قيل: من أين يأتي الوعيد؟ قلنا: من قوله تعالى: ﴿فاعلموا أن الله عزيز حكيم﴾؛ لأن من معاني «العزة» الغلبة، والقهر؛ و «الحكمة»: تنزيل الشيء في مواضعه؛ فإذا كان هناك غلبة وحكمة، فالمعنى: أنه سينزِّل بكم ما تتبين به عزته؛ لأن هذا هو مقتضى حكمته. ٢ - ومنها: أن الله تعالى أقام البينات بالعباد؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءتكم البينات﴾. ٣ - ومنها: أنه لا تقوم الحجة على الإنسان، ولا يستحق العقوبة إلا بعد قيام البينة؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءتكم البينات﴾؛ ولهذا شواهد كثيرة من الكتاب والسنة تدل على أن الإنسان لا حجة عليه حتى تقوم عليه البينة. ٤ - وفي الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع (٤). ٥ - ومنها: وجوب الإيمان بأسماء الله، وما تضمنته من صفات؛ لقوله تعالى: ﴿فاعلموا﴾ علم اعتراف، وإقرار، وقبول، وإذعان؛ فمجرد العلم لا يكفي؛ ولهذا فإن أبا طالب كان يعلم أن النبي ﷺ على حق، وأنه رسول الله؛ لكنه لم يقبل، ولم يذعن؛ فلهذا لم ينفعه إقراره؛ فالإيمان ليس مجرد اعتراف بدون قبول وإذعان. ٦ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله - وهما «العزيز»، و «الحكيم» -؛ وإثبات ما تضمناه من صفة - وهي العزة، والحُكم، والحكمة. القرآن ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ [البقرة: ٢١٠] التفسير:

стр. 1550

ما ينتظر هؤلاء المعاندون الكافرون بعد قيام الأدلة البينة إلا أن يأتيهم الله على الوجه اللائق به سبحانه في ظُلَل من السحاب يوم القيامة؛ ليفصل بينهم بالقضاء العادل، وأن تأتي الملائكة، وحينئذ يقضي الله تعالى فيهم قضاءه. وإليه وحده ترجع أمور الخلائق جميعها. قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، "أي: ما ينتظرون شيئاً إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق حيث تنشق السماء وينزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة" (١). قال المراغي: " فهل ينتظر المكذبون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم به من الساعة والعذاب في ظلل من الغمام عند خراب العالم وقيام الساعة، وتأتي الملائكة وتنفّذ ما قضاه الله يومئذ" (٢). قال الواحدي: " هل ينتظر التاركون الدخول في السلم والمتبعون خطوات الشيطان إلا العذاب يوم القيامة، يريد: أنه لا ثواب لهم، فلا ينتظرون إلا العذاب" (٣). قال الشوكاني: أي: "إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل من الغمام والملائكة" (٤). قال الزمخشري "إتيان اللَّه إتيان أمره وبأسه كقوله: ﴿َوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ ، ﴿جاءَهُمْ بَأْسُنا﴾ ويجوز أن يكون المأتى به محذوفا، بمعنى أن يأتيهم اللَّه ببأسه أو بنقمته للدلالة عليه بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ " (٥). قال النسفي: " أي أمر الله وبأسه كقوله: ﴿أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣] [النحل: ٣٣]، ﴿فَجَآءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٤] [الأعراف: ٤]، أو المأتي به محذوف بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه للدلالة عليه بقوله: ﴿فاعلموا أن الله عزيز﴾ " (٦). قال ابن عثيمين: أي يأتيهم الله نفسه؛ هذا ظاهر الآية، ويجب المصير إليه؛ لأن كل فعل أضافه الله إليه فهو له نفسه؛ ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل من عند الله" (٧). وقوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ بمعنى: ينتظرون، والنظر عند أهل اللغة: الطلب لإدراك الشيء، وتقليب العين نحو الجهة التي فيها المرئي المراد رؤيته، مما يدل على ذلك قولُ ذي الرُّمَّةِ (٨): فيامَيّ هل يُجْزَى بُكائِي بمِثْلِه ... مرارًا وأنْفاسِي إليك الزَّوافِرُ وإني متى أشْرِف على الجَانِبِ الذي ... به أنتِ من بَينِ الجَوانِبِ ناظِرُ فلو كان النظرُ الرؤيةَ لم يطلب عليه الجزاء، أي: المحب لا يستثيب من النظر إلى محبوبه شيئًا، بل يريد ذلك ويتمناه، ويدل على ذلك قول الآخر (٩): ونظْرَة ذي شِجَنٍ وأَمْنٍ ... إذا ما الرَّكَائِبُ جاوَزْنَ مِيلًا هذا على التوجه إلى الناحية التي المحبوبُ فيها، وتقليب البصر نحوها، وما يعالج من التلفت والتقلب، كقول الآخر (١٠):

стр. 1551

ما سِرتُ مِيلًا ولا جَاوَزْتُ مَرْحَلةً ... إلا وذكركِ يَلْوِيْ دايبًا عُنُقِيْ هذا الذي ذكرنا هو الأصل في اللغة (١). ثم يجوز أن يعني بالنظر: الرؤية؛ لأن تقليب البصر نحو المُبْصَر تتبعه الرؤية، وقد يجري على الشيء لفظ ما يتبعه ويقترن به، كقولهم للفِنَاء: عَذِرَة، ولذي بطن الإنسان: غائط (٢). والنظر فعل يستعمل على ضروب من المعاني، كلها يرجع إلى أصل واحد، وهي طلب الإدراك، فمن تلك المعاني (٣): أولا: النظر، بمعنى: الانتظار، كقوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي: غير منتظرين إدراكه وبلوغه، والمنتظر يطلب إدراك ما يتوقع، يقال: نظرته وانتظرته، ومنه قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]، وقال الحطيئة (٤): وقد نَظَرْتُكُم إينَاءَ صادرة ... للوِردِ طال بها حَوزي وتَنْساسي والناظرُ إلى الشيء يطلبُ إدراك ما يلتمس ببصره، والنظر بالفكر إدراك المعاني. ثانيا: التَّعَطُّفِ والرَّحْمَة، كقوله: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَالْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]. ذلك أن الرحمةَ تتبع النظر، فإن الواحدَ منا إذا نظر إلى حال إنسان فرآه في بليةٍ أو شدةٍ رَحِمَهُ، ولو لم ينظر إليه لم تداخله الرحمة، هذا هو الأصل، ثم جعل الرحمة نظرًا. ثالثا: الاعتبار والتأمل والتدبر، وهو فعل غير متعد، فمن ذلك قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ [الفرقان: ٩] ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١] وقد يتعدى هذا بالجار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. وقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ﴾ [ق: ٦]. رابعا: والنظر يكون بمعنى المقابلة، تقول العرب: الجبل ينظر إليك أي: يقابلك، وذلك أن الأكثر في باب النظر أن الناظر ينظر فيما يقابله، فلما كان الأكثر في هذا الباب المقابلة سميت المقابلة نظرًا. و(الظُّلَّة): "ما يُسْتَظَلُّ به من الشمس، ويسمى السحابُ ظَلَّةً لأنه يُسْتَظَل بها، ومنه قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]، أراد: غيمًا تحته سموم" (٥). و(الظلل من الغمام): "عبارة عن قطع متفرقة كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم، فكل قطعة ظلة، والجمع ظلل، قال تعالى: ﴿شكور وإذا غشيهم موج كالظلل﴾ (لقمان: ٣٢) وقرأ بعضهم: ﴿إلا أن يأتيهم الله في ظلال من الغمام﴾ فيحتمل أن يكون الظلال جمع ظلة، كقلال وقلة، وأن يكون جمع ظل" (٦). قال الزمخشري: " فإن قلت: لِمَ يأتيهم العذاب في الغمام؟ قلت: لأنّ الغمام مظنة الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول، لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسرّ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير، ولذلك كانت الصاعقة من

стр. 1552

العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث. ومن ثمة اشتد على المتفكرين في كتاب اللَّه قوله تعالى: ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ " (١). قال الواحدي: " فإن قيل: إنهم لا ينتظرون العذاب، ولو انتظروا العذاب لدخلوا في السلم كافة؟ قيل: انتظارهم العذاب يكون في الآخرة، يوم القيامة يعلمون أنهم لا ثواب لهم فلا ينتظرون إلا العذاب، أو نقول: قد ذكرنا أن هذا استفهام معناه النفي، بمعنى: ما ينتظرون، ويكون هذا خبرا بمعنى النهي، أي: لا تنتظروا بعد تكذيب محمد ﷺ إلا العذاب" (٢). وقرئ: (ظلال) وهي جمع ظلة، كقلة وقلال أو جمع ظل (٣). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، على وجهين (٤): أحدهما: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾، بالرفع عطفاً على لفظ الجلالة، "وفي قراءة عبدالله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ والملائكة فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ " (٥). يعني: "وتأتيهم الملائكة أيضاً محيطة بهم، كما قال الله تعالى: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً * وجاء ربك والملك صفاً صفاً﴾ [الفجر: ٢١، ٢٢]؛ وفي حديث الصور الطويل الذي ساقه ابن جرير، وغيره (٦) أن السماء تشقق؛ فتشقق السماء الدنيا بالغمام، وتنزل الملائكة، فيحيطون بأهل الأرض، ثم السماء الثانية، والثالثة، والرابعة ... ؛ كل من وراء الآخر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿صفاً صفاً﴾ [الفجر: ٢٢] يعني صفاً بعد صف؛ ثم يأتي الرب للقضاء بين عباده؛ ذلك الإتيان الذي يليق بعظمته وجلاله؛ ولا أحد يحيط علماً بكيفيته؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون به علماً﴾ [طه: ١١٠] " (٧). قال أبو العالية: " تأتي الملائكة في ظلل من الغمام، ويأتي الله فيما شاء" (٨). قال أبو جعفر الرازي: "وهي في بعض القراءة: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام﴾، كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنَزَّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٥] " (٩). والثاني: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾، بالجر عطفا على ﴿ظُلَل﴾ أو على ﴿الْغَمَامِ﴾. والمعنى: "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة" (١٠). والصواب بالرفع، "عطفًا بها على اسم الله ﵎، على معنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وإلا أن تأتيهم الملائكة، على ما روي عن أبيّ بن كعب، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في غير موضع من كتابه أن الملائكة تأتيهم، فقال جل ثناؤه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:

стр. 1553

٢٢]، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] " (١). و(الملائكة): عالم غيبي مخلوقون من نور خلقهم الله لعبادته يسبحون الليل والنهار لا يفترون" (٢). وكذلك اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿ظُلَلٍ﴾ [البقرة: ٢١٠]، على وحهين (٣): أحدهما: ﴿في ظُلَل﴾: على أنها جمع (ظُلَّة)، و (الظُلَّة)، تجمع (ظُلل وظِلال)، كما تجمع (الخُلَّة)، " (خُلَل وخِلال)، و (الجلَّة)، (جُلَلٌ وجلال). والثاني: ﴿في ظلال﴾: على أنها جمع (ظُلَّة)، كما ذكرنا من جمعهم (الخلة) (خلال)، وقد يحتمل أن يكون قارئه كذلك، وجَّهه إلى أنّ ذلك جمع (ظِلّ)، لأن (الظلُّة) و (الظِّل) قد يجمعان جميعًا (ظِلالا). والصواب من القراءة ﴿ظُللٍ من الغمام﴾، وذلك "لخبر روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا (٤)، فدل بقوله (طاقات)، على أنها ظلل لا ظلال، لأن واحد (الظلل) (ظلة)، وهي الطاق واتباعًا لخط المصحف، وكذلك الواجبُ في كل ما اتفقت معانيه واختلفتْ في قراءته القرأة، ولم يكن على إحدى القراءتين دلالة تنفصل بها من الأخرى غير اختلاف خطّ المصحف، فالذي ينبغي أن تؤثر قراءته منها ما وافق رَسم المصحف" (٥). وقد اختلف أهل العلم في قوله تعالى ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وهل هو من صلة فعل الله جل ثناؤه، أو من صلة فعل ﴿الملائكة﴾، ومن الذي يأتي فيها، وفيه قولان (٦): أحدهما: أنه من صلة فعل الله، ومعناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وأن تأتيهم الملائكة. قال مجاهد: " هو غير السحاب لم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة" (٧). وقال قتاده: " يأتيهم الله وتأتيهم الملائكة عند الموت" (٨). وقال عكرمة: " طاقات من الغمام، والملائكة حوله قال ابن جريج، وقال غيره: والملائكةُ بالموت" (٩). والثاني: أن قوله: ﴿في ظلل من الغمام﴾ من صلة فعل ﴿الملائكة﴾، وإنما تأتي الملائكة فيها، وأما الرب تعالى ذكره فإنه يأتي فيما شاء. قال الربيع: " ذلك يوم القيامة، تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام. قال: الملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والرب تعالى يجيء فيما شاء" (١٠).

стр. 1554

والراجح أنه من صلة فعل الرب ، وأن معناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وتأتيهم الملائكة، وقد روي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا، وذلك قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقُضي الأمر﴾ " (١) (٢) (٣). وقد اختلف في صفة إتيان الرب ﵎ الذي ذكره في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وذكروا في ذلك وجوها (٤): أحدها: أنه لا صفة لذلك غير الذي وصَف به نفسه من المجيء والإتيان والنزول، وغيرُ جائز تكلُّف القول في ذلك لأحد إلا بخبر من الله ﷻ ، أو من رسول مرسل، فأما القول في صفات الله وأسمائه، فغيرُ جائز لأحد من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا. والثاني: أن إتيانه ، نظيرُ ما يعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع، وانتقاله من مكان إلى مكان. والثالث: أن معنى قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾، يعني به: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمرُ الله، كما يقال: (قد خشينا أن يأتينا بنو أمية)، يراد به: حُكمهم. ذهب الرازي إلى أن معنى قوله: ﴿أن يأتيهم الله﴾ أي يأتيهم أمره وبأسه فهو على حذف مضاف مثل قوله: ﴿واسأل القرية﴾ واستدل على ذلك بالآية الأخرى ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك﴾ (٥). قال ابن عثيمين: " وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، وصرف للكلام عن ظاهره بلا دليل" (٦).

стр. 1555

والرابع: أن معنى ذلك: هل ينظرون إلا أن يأتيهم ثوابه وحسابه وعذابه، كما قال : ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، وكما يقالَ: " قطع الوالي اللص أو ضربه "، وإنما قطعه أعوانُه. والخامس: أن يكون معنى الإتيان هاهنا راجعا إلى الجزاء، فسمّى الجزاء إتيانا كما سمّى التخويف والتعذيب في قصّة نمرود إتيانا فقال عزّ من قائل: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦]، وقال في قصّة بني النضير: ﴿فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] ﴿وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها﴾ [الأنبياء: ٤٧]. قاله الثعلبي (١). قلت: والأوْلى السكوت عن الخوض في معناها؛ وتفويض معنى الآية على سبيل التفصيل إلى الله تعالى، وذلك لما فيه من الاشتباه والتشبيه. والله أعلم. قال الشيخ السعدي: " وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، المثبتين للصفات الاختيارية، كالاستواء، والنزول، والمجيء، ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى، عن نفسه، أو أخبر بها عنه رسوله ﷺ ، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته، من غير تشبيه ولا تحريف، خلافا للمعطلة على اختلاف أنواعهم، من الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية ونحوهم، ممن ينفي هذه الصفات، ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان، بل حقيقتها القدح في بيان الله وبيان رسوله، والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب، فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي، بل ولا دليل عقلي، أما النقلي فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة، ظاهرها بل صريحها، دال على مذهب أهل السنة والجماعة، وأنها تحتاج لدلالتها على مذهبهم الباطل، أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص، وهذا كما ترى لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان. وأما العقل فليس في العقل ما يدل على نفي هذه الصفات، بل العقل دل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل، وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال، فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه، قيل لهم: الكلام على الصفات، يتبع الكلام على الذات، فكما أن لله ذاتا لا تشبهها الذوات، فلله صفات لا تشبهها الصفات، فصفاته تبع لذاته، وصفات خلقه، تبع لذواتهم، فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه. ويقال أيضا، لمن أثبت بعض الصفات، ونفى بعضا، أو أثبت الأسماء دون الصفات: إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه، وأثبته رسوله، وإما أن تنفي الجميع، وتكون منكرا لرب العالمين، وأما إثباتك بعض ذلك، ونفيك لبعضه، فهذا تناقض، ففرق بين ما أثبته، وما نفيته، ولن تجد إلى الفرق سبيلا فإن قلت: ما أثبته لا يقتضي تشبيها، قال لك أهل السنة: والإثبات لما نفيته لا يقتضي تشبيها، فإن قلت: لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه، قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه، فما أجبت به النفاة، أجابك به أهل السنة، لما نفيته. والحاصل أن من نفى شيئا وأثبت شيئا مما دل الكتاب والسنة على إثباته، فهو متناقض، لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي، بل قد خالف المعقول والمنقول" (٢).

стр. 1556

قال ابن سريج: "وقد صح عند جميع أهل السنة إلى زماننا أن جميع الأخبار الصادقة عن رسول الله ﷺ يجب على المسلم الإيمان بكل واحد منها، كما ورد مثل قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾، اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابهة أن نقبلها، فلا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ونسلم الخبر لظاهره، والآية لظاهر تنزيلها" (١). وقال الصابوني" "ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون له ما أثبته رسول الله ﷺ وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله ، وكذلك يثبتون ما أنزله -عز اسمه- في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله : ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾، وقوله عز اسمه: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ " (٢). قلت: وردت آثار صحيحة عن السلف الصالح في أحاديث الصفات، بأنها: "تمر كما جاءت بلا كيف"، وعن بعضهم: "قراءته تفسيره"، وفيما يأتي أذكر بعض تلك الآثار (٣): الأول: قال أحمد بن نصر: "سألت سفيان بن عيينة (١٩٨ هـ) قلت: يا أبا محمد أريد أسألك، قال: لا تسأل. قلت: إذا لم أسألك فمن أسأل؟ فقال: سل. قلت: ما تقول في هذه الأحاديث التي رويت نحو: القلوب بين أصبعين، وأن الله يضحك أو يعجب ممن يذكره في الأسواق؟ فقال: أمروها كما جاءت بلا كيف" (٤). وقال في رواية: "كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن، فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل" (٥). وفي لفظ: "كل ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته والسكون عنه" (٦). والثاني: قال الوليد بن مسلم: " سألتُ الأوزاعي (١٥٧ هـ) وسفيان الثوري (١٦١ هـ) ومالك بن أنس مالك بن أنس (١٧٩ هـ) والليث بن سعد (١٧٥ هـ)، عن هذه الاحاديث التي فيها الصفة والرؤية والقرآن فقال: "أمروها كما جاءت بلا كيف" (٧). وفي رواية: " سألت سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي في الرؤية والصفات قال: أمروها على ما جاءت، ولا تفسروها" (٨). والثالث: قال أبو بكر المروذي: سألت أبا عبد الله [أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)] عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات، والرؤية، والإسراء، وقصة العرش، فصححها أبو عبد الله، وقال: "قد تلقتها العلماء بالقبول، نسلم الأخبار كما جاءت، قال: فقلت له: إن رجلا اعترض في بعض هذه الأخبار كما جاءت، فقال: "يجفى"، وقال: "ما اعتراضه في هذا الموضع، يسلم الأخبار كما جاءت" (٩).

стр. 1557

وقال عبد الله: "سألت أبي (الإمام أحمد بن حنبل) ﵀ عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت. فقال أبي: بلى إن ربك تكلم بصوت، هذه الاحاديث نرويها كما جاءت" (١). وقد صرح الإمام أحمد في قول آخر له بالإيمان بحديث الرؤية على ظاهره، فقال: "والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي ﷺ من الأحاديث الصحاح، وأن النبي ﷺ قد رأى ربه، وأنه مأثور عن رسول الله ﷺ صحيح، رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي ﷺ ، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره ولا تناظر فيه أحدا" (٢). - سُئِل الإمام أحمد عن قول النبي ﷺ لعلي ﵁: ”من كنت مولاه فعلي مولاه“ ما وجهه؟ قال: «لا تكلم في هذا، دع الحديث كما جاء" (٣). - قال أبو بكر المروذي: سألتُ أبا عبد الله (الإمام أحمد) عن قول النبي ﷺ لعلي ﵁: ”أنت مني بمنزلة هارون من موسى“ ايش تفسيره؟ قال: "أسكت عن هذا، لا تسأل عن ذا، الخبر كما جاء" (٤). والرابع: قال أبو عيسى الترمذي (٢٧٩ هـ): "وقد رُوي عن النبي ﷺ روايات كثيرة مثل هذا ما يُذكر فيه أمرُ الرؤية أن الناس يرون ربهم وذِكرُ القَدَم وما أشبه هذه الأشياء، والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم أنهم رَوَوا هذه الأشياء، ثمَّ قالوا: " تُرْوى هذه الأحاديث ونؤمن بها، ولا يُقالُ: كَيفَ؟ ، وهذا الذي اخْتَاره أهل الحديث أن يَرْووا هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ولا تُفسر ولا تتوهَّمُ ولا يُقالُ: كيفَ، وهذا أمرُ أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه. ومعنى قوله في الحديث "فيعرفهم نفسه" يعني يتجلى لهم" (٥). والخامس: وقال ابن أبي عاصم (ت. ٢٨٧ هـ): "ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة: ... وإثبات رؤية الله ، يراه أولياؤه في الآخرة، نظر عيان، كما جاءت الأخبار" (٦). والسادس: قال أبو منصور الأزهري (٢٨٢ - ٣٧٠ هـ) - بعد ذكر حديث أن جهنم تمتلئ حتى يضع الله فيها قدمه-: "وأخبرني محمد بن إسحاق السعدي عن العباس الدُّورِي أنه سأل أبا عبيدٍ عن تفسيره وتفسير غيره من حديث النزول والرؤية فقال: "هذه أحاديث رواها لنا الثقاتُ عن الثقات حتى رفعوها إلى النبي ﵇؛ وما رأينا أحدًا يفسرها، فنحن نؤمن بها على ما جاءت ولا نفسرها." أراد أنها تترك على ظاهرها كما جاءت" (٧). والسابع: وقال أبو سليمان الخطابي (ت. ٣٨٨ هـ) في حديث النزول: (هذا الحديث وما أشبهه من الأحاديث في الصفات كان مذهب السلف فيها الإيمان بها، وإجراءها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها.) ثم ذكر آثار

стр. 1558

السلف التي فيها "أمروها كما جاءت" (١). والثامن: وقال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني (ت. ٥٣٥ هـ)، وقد سُئل عن صفات الرب تعالى فقال: "مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد ابن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه، أن صفات الله التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله، من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه، إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: «كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره» ثم قال: أي هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل" (٢). والتاسع: وقال الذهبي (ت. ٧٤٨ هـ): "وكما قال سفيان وغيره "قراءتها تفسيرها"، يعني أنها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف. وهذا هو مذهب السلف مع إتفاقهم أيضا أنها لا تُشْبِه صفات البشر بوجه إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته" (٣). والله تعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين. وقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، أي: "وفُصِل القضاء بالعدل بين الخلق" (٤). قال البيضاوي: أي: " أمر إهلاكهم وفرغ منه، وضع الماضي موضع المستقبل لدنوه وتيقن وقوعه" (٥). قال الواحدي: "أي: فرغ لهم مما كانوا يوعدون، بأن قدر عليهم ذلك وأعد لهم" (٦). قال الصابوني: " أي: انتهى أمر الخلائق بالفصل بينهم، فريق في الجنة وفريق في السعير" (٧). قال البغوي: " أي وجب العذاب، وفرغ من الحساب، وذلك فصل الله القضاء بالحق بين الخلق يوم القيامة" (٨). قال رسول الله ٠ ﷺ : "إِنَّ الْجَمَّاءَ لَتُقَصُّ مِنْ الْقَرْنَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (٩). وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة: " ﴿وقضى الامر﴾، يقول: قامت الساعة" (١٠). وأخرج عن عبد الرحمن بن زيد بن اسلم قال: "إلى الله المرجع" (١١). واختلف عطف الجملة: ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ [البقرة: ٢٠٩]، على وجهين (١٢): أحدهما: إنها معطوفة على: ﴿أن يأتيهم﴾ فتكون في حيّز الأمر المنتظر بمعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله؛ وإلا أن يقضى الأمر؛ ولكنه أتى بصيغة الماضي لتحقق وقوعه؛ وعلى هذا فيكون محل الجملة النصب؛ لأن (تأتيهم الملائكة) منصوبة - يعني: هل ينظرون إلا إتيانَ الله في ظلل من الغمام، وإتيانَ الملائكة، وانقضاءَ الأمر.

стр. 1559

والثاني: أنها جملة مستأنفة؛ أي: وقد انتهى الأمر، ولا عذر لهم بعد ذلك، ولا حجة لهم؛ و ﴿الأمر﴾ بمعنى الشأن؛ أي قضي شأن الخلائق، وانتهى كل شيء، وصار أهل النار إلى النار، وأهل الجنة إلى الجنة؛ ولهذا قال بعده: ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، يعني: " وإلى الله يؤول القضاء بين خلقه يوم القيامة" (١). قال الواحدي: " أي: في الخير من الثواب والعقاب، وذلك أن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم، ثم إليه يصيرون، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء" (٢). قال الصابوني: أي" وإلي الله وحده مرجع الناس جميعاً" (٣). قال الراغب: " أي ما قد ملكه عباده في الدنيا من الملك، والملك والتصرف مسترد منهم يوم القيامة، وراجع إليه، ويقال: رجع الأمر إلى الأمير، أي استرد ما كان فوضه إليه، وقيل: عنى بالأمور الأرواح، وسماها أموراً من حيث إنها من الإبدعات المشار إليها بقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وقال: ولهذا لما سئل سكان الروح قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، أي هو من الإبداع الذي لا يمكن للبشر تصوره، فنبه أن الأرواح كلها مرجوعة إليه وراجعة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، وعلى ذلك قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، ويكون رجوعها إنما بربح وغبطة، وإما بندامة وحسرة إلى أن ينشئها النشأة الأخرى على ما قضاه تعالى" (٤). وقد اختلفت القراءة في قوله ﴿تُرْجَعُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، على ثلاثة أوجه (٥): أحدها: ﴿تَرْجِعُ﴾، بفتح التاء، وكسر الجيم. قرأ بها ابن عامر وحمزة والكسائي، أي تصير، كقوله تعالى: ﴿ألا إلى الله تصير الامور﴾ (الشورى: ٥٣) وقوله: ﴿إن إلينا إيابهم * وإلى الله * مرجعكم﴾ [هود: ٤، المائدة: ٤٨، الغاشية: ٢٥]. والثاني: ﴿تُرْجَعُ﴾ بضم التاء، وفتح الجيم. وهي قراءة ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، والمتعلِّق هنا مقدم على المتعَلَّق به؛ لأن ﴿إلى الله﴾ متعلق بـ ﴿ترجع﴾، على معنى ترد، يقال: رجعته أي رددته، قال تعالى: ﴿ولئن رجعت إلى ربى﴾ [فصلت: ٥٠] وفي موضع آخر: ﴿ولئن رددت إلى ربى﴾ [الكهف: ٣٦] وفي موضع آخر: ﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق﴾ [الأنعام: ٦٢] وقال تعالى: ﴿رب ارجعون * لعلى أعمل صالحا﴾ [المؤمنون: ٩٩ ـ ١٠٠] أي ردني. قال القفال ﵀: "والمعنى في القراءتين متقارب، لأنها ترجع إليه ﷻ ، وهو ﷻ يرجعها إلى نفسه بافناء الدنيا وإقامة القيامة" (٦). والثالث: ﴿تُرْجَعُ﴾ بالتأنيث لجريان جمعِ التكسير مَجْرى المؤنث، وهي قراءة الجمهور، إلاَّ أنَّ حمزةَ والكسائي ونافعاً قرؤوا ببنائِه للفاعل، والباقون ببنائِه للمفعول، و (رجع) يُستعمل متعدياً تارةً ولازماً أخرى، وقال تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ﴾ فجاءت القراءتان على ذلك، وقد سُمِع في المتعدي (أرجع) رباعياً وهي لغةٌ ضعيفة، ولذلك أَبَت العلماءُ أن تَجْعَل قراءَة مَنْ بناه للمفعول مأخوذةً منها.

стр. 1560

والرابع: ﴿يُرْجَعُ﴾ بالتذكير وببنائه للمفعول، قرأ بها خارجة عن نافع، لأن تأنيثه مجازي، والفاعلُ المحذوفُ في قراءةِ مَنْ بناه للمفعول: إمَّا اللهُ تعالى، أي: يرجعها إلى نفسه بإفناء هذه الدار، وإمَّا ذوو الأمور؛ لأنه لَمَّا كانت ذواتُهم وأحوالُهم شاهدةً عليهم بأنهم مَرْبوبون مَجْزِيُّون بأعمالهم كانوا رادِّين أمورَهم إلى خالقها. وإنما أدخل جل وعزّ " (الألف واللام) في ﴿الأمور﴾، لأنه جل ثناؤه عنى بها جميع الأمور، ولم يعن بها بعضًا دون بعض، فكان ذلك بمعنى قول القائل: " يعجبني العسل - والبغل أقوى من الحمار "، فيدخل فيه " الألف واللام "، لأنه لم يُقصد به قصد بعض دون بعض، إنما يراد به العموم والجمع (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وعيد هؤلاء بيوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ... ﴾ إلخ. ٢ - ومنها: أن الله تعالى لا يعذب هذه الأمة بعذاب عام؛ لأن الله جعل وعيد المكذبين يوم القيامة؛ ويدل لذلك آيات، وأحاديث؛ منها قول الله ﵎: ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾ [القمر: ٤٦]، وقوله (ص): «أنه سأل ربه أن لا يهلك أمته بسنة عامة فأجابه» (٢). ٣ - وأما عقيدة السلف في الصفات: فقد ذكرنا، بأنها: "تمر كما جاءت بلا كيف"، وعن بعضهم: "قراءته تفسيره". والله تعالى أعلم. ٤ - ومن فوائد الآية: إثبات الملائكة. ٥ - ومنها: إثبات عظمة الله في قوله تعالى: ﴿في ظلل من الغمام﴾؛ فـ ﴿ظلل﴾ نكرة تدل على أنها ظلل عظيمة، وكثيرة؛ ولهذا جاء في سورة الفرقان: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥] يعني تثور ثوراناً بهذا الغمام العظيم من كل جانب؛ كل هذا مقدمة لمجيء الجبار ؛ وهذا يفيد عظمة الباري . ٦ - ومنها: أن الملائكة أجسام خلافاً لمن زعم أن الملائكة قوى الخير، وأنهم أرواح بلا أجسام؛ والرد على هذا الزعم في القرآن والسنة كثير. ٧ - ومنها: أن يوم القيامة به ينقضي كل شيء؛ فليس بعده شيء؛ إما إلى الجنة؛ وإما إلى النار؛ فلا أمل أن يستعتب الإنسان إذا كان من أهل النار ليكون من أهل الجنة؛ لكنه أتى بصيغة ما لم يسم فاعله لعظمة هذا الأمر؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين﴾ [هود: ٤٤]. ٨ - ومنها: أن الأمور كلها ترجع إلى الله وحده؛ لقوله تعالى: ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ أي الأمور الكونية، والشرعية؛ قال تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: ١٠]، وقال تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [يوسف: ٤٠]؛ فالأمور كلها مرجعها إلى الله ﵎؛ وما ثبت فيه أنه يرجع فيه إلى الخلق فإنما ذلك بإذن الله؛ فالحكم بين الناس مرجعه القضاة؛ لكن كان القضاة مرجعاً للناس بإذن الله تعالى. ٩ - ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله - أي أنه يحدث من أفعاله ما شاء -؛ لقوله تعالى: ﴿إلا أن يأتيهم الله﴾؛ وهذا مذهب السلف الصالح خلافاً لأهل التحريف والتعطيل الذين ينكرون هذا النوع، ويحرفونه إلى معان قديمة لمنعهم قيام الأفعال الاختيارية بالله ؛ ومذهبهم باطل بالسمع، والعقل؛ فالنصوص المثبتة لذلك لا تكاد تحصى؛ والعقل يقتضي كمال من يفعل ما يشاء متى شاء، وكيف شاء. ١٠ - ومن فوائد الآية: عظمة الله، وتمام سلطانه، وملكه؛ لقوله تعالى: ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾.

стр. 1561

القرآن ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١)﴾ [البقرة: ٢١١] التفسير: سل -أيها الرسول- بني إسرائيل المعاندين لك: كم أعطيناهم من آيات واضحات في كتبهم تهديهم إلى الحق، فكفروا بها كلها، وأعرضوا عنها، وحَرَّفوها عن مواضعها. ومن يبدل نعمة الله -وهي دينه- ويكفر بها من بعد معرفتها، وقيام الحجة عليه بها، فإن الله تعالى شديد العقاب له. قوله تعالى ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١]، أي: "سل يا محمد بني إسرائيل – توبيخا لهم وتقريعا" (١). قال البغوي: " أي سل يا محمد يهود المدينة" (٢). قال الماوردي: " ليس السؤال على وجه الاستخبار، ولكنه على وجه التوبيخ " (٣). قال الزجاج: " الخطاب للنبي ﷺ والمعنى له ولسائر المؤمنين وغيرهم. المعنى أنهم أعطوا آيات بينات قد تقدم ذكرها، وقد علموا صحة أمر النبي ﷺ وجحدوا، وهم عالمون بحقيقته" (٤). و﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، "أي بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم؛ والمراد من ينتمي إليه؛ لا أبناء صلبه خاصة" (٥). وفي المراد بسؤاله بني إسرائيل، ثلاثة أقاويل (٦): أحدها: أنبياؤهم. والثاني: علماؤهم. والثالث: جميعهم. والآيات البينات: فَلْقُ البحر، والظلل من الغمام، وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿سل﴾ أصلها اسأل؛ فنقلت حركة الهمزة إلى السين، ثم حذفت تخفيفاً؛ ثم حذفت همزة الوصل لعدم الحاجة إليها (٧). وللعرب في سقوط ألف الوصل في (سل) وثبوتها في (اسأل) وجهان (٨): أحدهما: حذفها في إحداهما وثبوتها في الأخرى، وجاء القرآن بهما، فاتبع خط المصحف في إثباته للهمزة وإسقاطها. والوجه الثاني: أنه يختلف إثباتها وإسقاطها باختلاف الكلام المستعمل فيه، فتحذف الهمزة في الكلام المبتدأ، مثل قوله: ﴿سل بني إسرائيل﴾ وقوله: ﴿سلهم أيهم بذلك زعيم﴾ [ن: ٤٠]. وثبت في العطف، مثل قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] قاله علي بن عيسى (٩). وفي قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١]، قراءتان (١٠):

стр. 1562

إحداهما: ﴿اسأل﴾ على الأصل. قرأ بها أبو عمرو في رواية عباس (١) عنه. والثاني ﴿اسل﴾ على نقل الحركة إلى السين وإبقاء ألف الوصل، على لغة من قال: الاحمر. قوله تعالى ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١]، أي: "كم أعطينا آباءهم وأسلافهم من دلالة واضحة" (٢). قال الصابوني: " كم شاهدوا مع موسى من معجزات باهرات، وحجج قاطعات تدل على صدقه؟ ومع ذلك كفروا ولم يؤمنوا" (٣). وقد تعددت أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١]، على وجوه: أحدها: أنها البراهين التي جاء بها أنبياؤهم في أمر محمد ﷺ (٤). قال القرطبي: "كم جاءهم في أمر محمد ﵇ من آية معرفة به دالة عليه" (٥). والثاني: أن "المراد بذلك الآيات التي جاء بها موسى وهي التسع" (٦). وهذا قول مجاهد (٧)، والربيع (٨). قال الرازي: "أي: معجزات موسى ﵇، نحو فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ونتق الجبل، وتكليم الله تعالى لموسى ﵇ من السحاب، وإنزال التوراة عليهم، وتبيين الهدى من الكفر لهم، فكل ذلك آيات بينات" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١١]، "أي: من يبدل نعم الله بالكفر والجحود بها" (١٠). قال ابن عثيمين: " أي ومن يجعل بدلها كفراً، كما يدل لذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً﴾ [إبراهيم: ٢٨] (١١). قال الطبري: أي: " ومن يغير ما عاهد الله في نعمته التي هي الإسلام، من العمل والدخول فيه فيكفر به" (١٢). عن مجاهد في قوله: ﴿ومن يبدِّل نعمة الله من بعد ما جاءته﴾، قال: يكفر بها" (١٣)، وروي عن السدي (١٤)، والربيع (١٥)، مثل ذلك. قال الزجاج: " يعني به في هذا الموضع حجج الله الدالة على أمر نبيه ﷺ " (١٦). وفي ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١١]، ههنا أقوال (١٧):

стр. 1563

أحدهما: أن المراد آياته ودلائله، وهي من أجل أقسام نعم الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة، ثم على هذا القول في تبديلهم إياها وجهان: الوجه الأول: فمن قال المراد بالآية البينة معجزات موسى ﵇، قال: المراد بتبديلها أن الله تعالى أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالاتهم كقوله: ﴿فزادتهم رجسا إلى رجسهم﴾ [التوبة: ١٢٥]. والوجه الثاني: ومن قال: المراد بالآية البينة ما في التوراة والإنجيل من دلائل نبوة محمد ﵇، قال: المراد من تبديلها تحريفها وإدخال الشبهة فيها. وهذا قول الزجاج (١). والقول الثاني: المراد بنعمة الله ما آتاهم الله من أسباب الصحة والأمن والكفاية والله تعالى هو الذي أبدل النعمة بالنقمة لما كفروا، ولكن أضاف التبديل إليهم لأنه سبب من جهتهم وهو ترك القيام بما وجب عليهم من العمل بتلك الآيات البينات. القول الثالث: أن النعم: الإسلام وما فرض من شرائع دينه. وهذا قول الطبري (٢). والصواب، أن قوله (نعمة الله) عام لجميع عباده من وقع منه التبديل لها وعدم القيام بشكرها. والله أعلم. قال الشوكاني: "والمراد بـ ﴿النعمة﴾ هنا ما جاءهم من الآيات وقال ابن جرير الطبري النعمة هنا الإسلام، والظاهر دخول كل نعمة أنعم الله بها على عبد من عباده كائنا من كان فوقع منه التبديل لها وعدم القيام بشكرها ولا ينافي ذلك كون السياق في بني إسرائيل أو كونهم السبب في النزول لما تقرر من أن الإعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" (٣). قال القرطبي: (النعم) " لفظ عام لجميع العامة، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل، لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد ﷺ ، فاللفظ منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى. وقال الطبري: النعمة هنا الإسلام، وهذا قريب من الأول. ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش، فإن بعث محمد ﷺ فيهم نعمة عليهم، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا" (٤). وقرئ: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ﴾ بالتخفيف (٥). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُ﴾ [البقرة: ٢١١]، أي: " ن بعد ما وصلت إليه وتمكن من معرفتها" (٦). قال البيضاوي: " وفيه تعريض بأنهم بدلوها بعد ما عقلوها" (٧). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ٢١١]، أي: " فإِن عقاب الله له أليم وشديد" (٨). قال الزجاج: " أي شديد التعذيب" (٩). قال الطبري: أي: " أليم عذابه" (١٠). قال ابن عثيمين: أي قوي الجزاء بالعقوبة؛ وسمي الجزاء عقوبة، وعقاباً؛ لأنه يقع عقب الذنب مؤاخذة به" (١١).

стр. 1564

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بيان كثرة ما أعطاه الله بني إسرائيل من الآيات البينة الدالة على صدق رسله؛ لقوله تعالى: ﴿سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة﴾. ٢ - ومنها: تقريع بني إسرائيل الذين كفروا بآيات الله، وتوبيخهم؛ لأن المراد بالسؤال هنا سؤال توبيخ. ٣ - ومنها: أن الآيات من نعم الله؛ لأنها تحمل المرء على الإيمان؛ وفي الإيمان نجاته، وكرامته؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته﴾. ٤ - ومنها: أن الآيات مبينة لما أتت دالةً عليه. ٥ - ومنها: التحذير من تبديل نعمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته﴾ [البقرة: ٢١١]؛ والمراد: تبديل الشكر بالكفر؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً﴾. ٦ - ومنها: إثبات شدة العقاب من الله لمن بدل نعمته بالكفر؛ وهذا من تمام عدله وحكمته. القرآن ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾ [البقرة: ٢١٢] التفسير: حُسِّن للذين جحدوا وحدانية الله الحياةُ الدنيا وما فيها من الشهوات والملذات، وهم يستهزئون بالمؤمنين. وهؤلاء الذين يخشون ربهم فوق جميع الكفار يوم القيامة؛ حيث يدخلهم الله أعلى درجات الجنة، وينزل الكافرين أسفل دركات النار. والله يرزق مَن يشاء مِن خلقه بغير حساب. ذكر العلماء في سبب نزول هذه الآية وجوها (١): أحدها: قال ابن عباس في رواية الكلبي: "نزلت هذه الآية في مشركي العرب: أبي جهل وأصحابه كانوا يتنعّمون بما ينقل لهم في الدنيا من المال ونسوا يوم المعاد وَيَسْخَرُونَ من المؤمنين الذين يعزفون عن الدنيا، ويقبلون على الطاعة والعبادة، ويقولون: لو كان محمد نبيّا لاتبعه أشرافنا وإنما تبعه الفقراء مثل أبي عمارة وصهيب وعمار وجابر بن عبد الله وأبي عبيدة بن الجراح وبلال وخبّاب وأمثالهم" (٢). ويسنده ما أخرجه ابن أبي حاتم: عن ابن جريج، قال: "قالت قريش: لو كان محمد نبيا، لاتبعه ساداتنا واشرافنا. والله ما اتبعه الا اهل الحاجة مثل ابن مسعود واصحابه " (٣). قال القرطبي في قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: "المراد رؤساء قريش" (٤). وقال الشوكاني: " والمراد بـ ﴿الذين كفروا﴾ رؤساء قريش أو كل كافر" (٥). والثاني: قال عطاء: "نزلت في رؤساء اليهود ووفدهم من بني قريضة والنضير والقينقاع سخروا من فقراء المهاجرين فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريضة والنضير بغير قتال أسهل شيء وأيسره" (٦). والثالث: قال مقاتل: "نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، وكانوا يتنعمون في الدنيا ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين، ويقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم" (٧). قال الرزاي: " واعلم أنه لا مانع من نزولها في جميعهم (٨).

стр. 1565

قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢]، أي: " زينت للكافرين شهوات الدنيا ونعيمها حتى نسوا" (١). قال المراغي: " أي حسنت الحياة الدنيا للكافرين وأشربت محبتها في قلوبهم فتهالكوا عليها، وتهافتوا فيها، وأعرضوا عن الدين حين ظنوا أن منافعها قد تفوتهم" (٢). قال البيضاوي: أي: " حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى إذ ما من شيء إلا وهو فاعله، ويدل عليه قراءة «زُيّنَ» على البناء للفاعل، وكل من الشيطان والقوة الحيوانية وما خلقه الله فيها من الأمور البهية والأشياء الشهية مزين بالعرض" (٣). وفي المزين لهم ثلاثة أقوال: أحدها: زينها لهم الشيطان بما يمنيهم ويعدهم من شهواتها، قاله الحسن (٤)، وابن كيسان (٥)، والزجاج (٦). قال الشوكاني: " والمزين هو الشيطان أو الأنفس المجبولة على حب العاجلة" (٧). والثاني: زينها لهم الذين أغووهم من الإنس والجن، وهو قول المعتزلة (٨). قال الرازي: و"هذا ضعيف لأن قوله تعالى: ﴿زين للذين كفروا﴾ يتناول جميع الكفار، فهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مزين، والمزين لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرا لهم، إلا أن يقال: إن كل واحد منهم كان يزين للآخر، وحينئذ يصير دورا فثبت أن الذين يزين الكفر لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرا لهم فبطل قوله: إن المزين هم غواة الجن والإنس، وذلك لأن هؤلاء الغواة داخلون في الكفار أيضا، وقد بينا أن المزين لا بد وأن يكون غيرهم، فثبت أن هذا التأويل ضعيف" (٩). قال القرطبي: " ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه" (١٠). والثالث: أن الله تعالى زينها لهم بالشهوات التي خلقها لهم. قال القرطبي: " والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر" (١١). قال الواحدي: " وإنما فعل الله ذلك بهم للابتلاء، كما قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكهف: ٧] " (١٢). ويدل على صحة هذا التأويل وجهان (١٣): الوجه الأول: قراءة من قرأ ﴿زَيَّنَ للذين كفروا﴾ بفتح، الزاي (١٤)، على البناء للفاعل، يعني: الله تعالى.

стр. 1566

والثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]. قال البغوي: "الأكثرون على أن المزين هو الله تعالى، والتزيين من الله تعالى هو أنه خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة، فنظر الخلق إليها بأكثر من قدرها فأعجبتهم ففتنوا بها" (١). وقال ابن عطية جامعا بين القولين: المزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه" (٢). قال الراغب: " التزيين التحسين المدرك بالحس دون المدرك بالعقل، ولهذا جاء في أوصاف الدنيا دون أوصاف الآخرة، نحو: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ " (٣). قال الشيخ ابن عثيمين: والتزيين جعل الشيء بهياً في عين الإنسان، أو في سمعه، أو في مذاقه، أو في فكره؛ فأصل التزيين جعل الشيء بهياً جميلاً جذاباً (٤). و﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: "يعني ما فيها من الشهوات، والملذات؛ وقد بين الله ذلك بقوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب﴾ [آل عمران: ١٤] (٥) ". و﴿الدنيا﴾: " فُعلى - يعني أنه اسم تفضيل مؤنث مأخوذة من الدنو الذي هو ضد العلو -؛ ووصفت هذه الحياة بالدنيا لوجهين: الأول: دنوّ مرتبتها؛ الثاني: سبقها على الآخرة؛ فهي أدنى منها لقربها، ودنوّ منزلتها؛ أما قربها وهو سبقها على الآخرة فظاهر معلوم لكل أحد؛ وأما دنوّ مرتبتها فلقول الرسول ﷺ : «لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (٦)؛ وموضع السوط مقدار متر تقريباً" (٧). وقد خص ﴿الذين كفروا﴾ بالذكر، لقبولهم التزيين جملة، وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا، فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها. وقد قال أبو بكر الصديق ﵁ حين قدم عليه بالمال: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا (٨). قال الشوكاني: " وإنما خص الذين كفروا بالذكر مع كون الدينا مزينة للمسلم والكافر كما وصف سبحانه بأنه جعل ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق ايهم أحسن عملا لأن الكافر افتتن بهذا التزيين وأعرض عن الآخرة والمسلم لم يفتتن به بل أقبل على الآخرة" (٩). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ﴾ [البقرة: ٢١٢]، على ثلاثة أوجه (١٠): أحدها: : ﴿زُيِّنَ﴾. بضم (الزاي) على البناء للمفعول. وهي قراءة الجمهور. والثاني: ﴿زَيِّنَ﴾، بفتح (الزاي) على بناء الفاعل، قرأ بها مجاهد وحميد بن قيس (١١)، أبي بن كعب، والحسن وابن محيصن وأبو حيوة.

стр. 1567

قال النحاس: "وهي قراءة شاذة، لأنه لم يتقدم للفاعل ذكر" (١). والثالث: ﴿زينت﴾ بإظهار العلامة، وهي قراءة ابن أبي عبلة، وجاز ذلك لكون التأنيث غير حقيقي (٢). واختلف في سبب عدم تأنيث (الحياة) في الآية على أقوال: أحدها: أنه لم يقل: (زينت)؛ لأن الحياة مصدر، فذهب إلى تذكير المصدر، كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]، ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام ٦٦]، فيجوز فيه تأنيث الفعل وتذكيره على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة. وهذا قول الفراء (٣). والثاني: تأنيث الحياة ليس بحقيقي، لأن معنى الحياة والعيش والبقاء واحد، وكأنه قال: زين للذين كفروا البقاء. وهذا قول الزجاج (٤). والثالث: إنما لم يقل: (زينت)، لأنه فصل بين زين وبين الحياة بقوله: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وإذا فصل بين فعل المؤنث وبين الاسم بفاصل حسن تذكير الفعل؛ لأن الفاصل يكفي من تاء التأنيث. وهذا قول اابن الأنباري (٥). ومن ذلك قول الشاعر (٦): إن امرأ غرّه منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور قوله تعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٢]، أي" ويستهزءون بالفقراء من المؤمنين" (٧). أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قوله: ﴿ويسخرون من الذين امنوا﴾، ويقولون: ما هؤلاء علي شيء، استهزاء وسخريا" (٨). قال ابن عطية: " إشارة إلى كفار قريش لأنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا ويغتبطون بها ويسخرون من أتباع النبي ﷺ كبلال وصهيب وابن مسعود وغيرهم" (٩). قال الصابوني: أي "وهم مع ذلك يهزأون ويسخرون بالمؤمنين، يرمونهم بقلة العقل، لتركهم الدنيا وإقبالهم على الآخرة كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] " (١٠). قال الشوكاني: " والحال أن أولئك الكفار يسخرون من الذين آمنوا لكونهم فقراء لا حظ لهم من الدنيا كحظ رؤساء الكفر وأساطين الضلال وذلك لأن عرض الدنيا عندهم هو الأمر الذي يكون من ناله سعيدا رابحا ومن حرمه شقيا خاسرا وقد كان غالب المؤمنين إذ ذاك فقراء لاشتغالهم بالعبادة وأمر الآخرة وعدم إلتفاتهم إلى الدنيا وزينتها" (١١). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢]، " أي والمؤمنون المتقون لله فوق أولئك الكافرين منزلةً ومكانة يوم القيامة" (١٢).

стр. 1568

قال ابن عثيمين: " أي فوقهم مرتبة، ومنزلة؛ وهذا ما أعاضهم الله به، حيث كان أولئك الذين كفروا يسخرون بهم في الدنيا، فجعلهم الله فوقهم يوم القيامة؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون﴾ [المطففين: ٣٤، ٣٥] " (١). قال ابن عطية: " ومعنى الفوق هنا في الدرجة والقدر فهي تقتضي التفضيل وإن لم يكن للكفار من القدر نصيب، كما قال تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان: ٢٤] " (٢). قال الطبراني: " يعني الذينَ اتَّقَوا الشركَ والفواحش والكبائرَ فوقَ الكفار يوم القيامة، في الجنةِ يكون المؤمنون في عِلِّيِّيْنَ والكفارُ في الجحيم" (٣). و(التقوى): " وهي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، عن علم وبصيرة" (٤). وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الفوقية، على أقوال (٥): أحدها: أن المراد: الفوقية في الكرامة والدرجة، لأنهم في الجنة والكفار في النار. وهذا معنى قول قتادة (٦). والثاني: أن يكون المراد بالفوقية الفوقية بالمكان، لأن المؤمنين يكونون في عليين من السماء والكافرين يكونون في سجين من الأرض. والثالث: أن يكون التفضيل على ما يتضمنه زعم الكفار، فإنهم يقولون: وإن كان معاد فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم. والرابع: أن يكون المراد: أنهم فوقهم في الحجة يوم القيامة، وذلك لأن شبهات الكفار ربما كانت تقع في قلوب المؤمنين، ثم إنهم كانوا يردونها عن قلوبهم بمدد توفيق الله تعالى، وأما يوم القيامة فلا يبقى شيء من ذلك، بل تزول الشبهات، ولا تؤثر وساوس الشيطان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٤]. والخامس: المراد: أن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لأن سخرية الكافر بالمؤمن باطلة، وهي مع بطلانها منقضية، وسخرية المؤمن بالكافر في الآخرة حقة ومع حقيتها هي دائمة باقية. والسادس: وتحتمل الآية أن المتقين هم في الآخرة في التنعم والفوز بالرحمة فوق ما هم هؤلاء فيه في دنياهم، وكذلك خير مستقرا من هؤلاء في نعمة الدنيا، فعلى هذا الاحتمال وقع التفضيل في أمر فيه اشتراك. قال ابن عطية: " وهذا كله من التحميلات حفظ لمذهب سيبويه والخليل في أن التفضيل إنما يجيء فيما فيه شركة، والكوفيون يجيزونه حيث لا اشتراك" (٧). فيمكن القول بأن "المراد بالفوقية هنا العلو في الدرجة لأنهم في الجنة والكفار في النار لأن الجنة في السماء والنار في أسفل سافلين أو أن المؤمنين هم الغالبون في الدنيا كما وقع ذلك من ظهور الإسلام وسقوط

стр. 1569

الكفر وقتل أهله وأسرهم وتشريدهم وضرب الجزية عليهم ولا مانع من حمل الآية على جميع ذلك لولا التقييد بكونه في يوم القيامة قوله" (١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]، أي: والله "يرزق من يشاء من خَلْقه، ويعطيه عطاء كثيرًا جزيلا بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة" (٢). قال الضحاك: "يعني من غير تبعة في الآخرة" (٣). قال عطاء: "سالت ابن عباس عن هذه الآية: ﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾، قال: تفسيرها: ليس على الله رقيب، ولا من يحاسبه " (٤). وعن سعيد بن جبير، بغير حساب قال: "لا يحاسب الرب" (٥). وقال ميمون ابن مهران: ﴿بغير حساب﴾، قال: غدقا" (٦). وروى عن الوليد بن قيس (٧)، نحو ذلك. قال الصابوني: " أي والله يرزق أولياءه رزقاً واسعاً رغداً، لا فناء له ولا انقطاع" (٨). قال الطبري: " والله يعطي الذين اتقوا يوم القيامة من نعمه وكراماته وجزيل عطاياه، بغير محاسبة منه لهم على ما منّ به عليهم من كرامته" (٩). قال الشيخ ابن عثيمين: "أي يعطي من يشاء من فضله بغير محاسبة على ذلك؛ فهم يأخذون أجرهم يوم القيامة مجاناً؛ لأن العوض قد سبق؛ ويحتمل أن المعنى بغير تقدير - أي لا يقدَّر لهم ذلك -؛ بل يعطون ما تشتهيه أنفسهم، كما قال ﵎: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون﴾ [الانشقاق: ٢٥] أي غير مقطوع؛ لأن رزق الله لا نهاية له لا سيما الرزق في الآخرة" (١٠). ويحتمل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]، وجهان من التفسير (١١): أحدهما: المعنى: والله يرزق هؤلاء الكفرة في الدنيا فلا تستعظموا ذلك ولا تقيسوا عليه الآخرة، فإن الرزق ليس على قدر الكفر والإيمان بأن يحسب لهذا عمله ولهذا عمله فيرزقان بحساب ذلك، بل الرزق بغير حساب الأعمال، والأعمال ومجازاتها محاسبة ومعادة إذ أجزاء الجزاء تقابل أجزاء الفعل المجازى عليه، فالمعنى أن المؤمن وإن لم يرزق في الدنيا فهو فوق يوم القيامة.

стр. 1570

والثاني: أن يكون المعنى أن الله يرزق هؤلاء المستضعفين علو المنزلة بكونهم فوق، وما في ضمن ذلك من النعيم بغير حساب، فالآية تنبيه على عظم النعمة عليهم وجعل رزقهم بغير حساب، حيث هو دائم لا يتناهى، فهو لا ينفد. والثالث: ويحتمل أن يكون ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ صفة لرزق الله تعالى كيف تصرف، إذ هو جلت قدرته لا ينفق بعدد، ففضله كله بغير حساب. وهذا معنى قول ميمون بن مهران (١)، والوليد بن قيس (٢). والرابع: ويحتمل أن يكون المعنى في الآية من حيث لا يحتسب هذا الذي يشاؤه الله، كأنه قال بغير احتساب من المرزوقين، كما قال تعالى: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣]، وإن اعترض معترض على هذه الآية بقوله تعالى: عَطاءً حِساباً [النبأ: ٣٦]، فالمعنى في ذلك محسبا، وأيضا فلو كان عدا لكان الحساب في الجزاء والمثوبة لأنها معادة وغير الحساب في التفضل والإنعام. والخامس: أن المعنى: : "ليس على الله رقيب، ولا من يحاسبه ". وهذا قول ابن عباس (٣)، وروي عن سعيد بن جبير (٤)، نحو ذلك. قال الشيخ السعدي: " فالرزق الدنيوي يحصل للمؤمن والكافر، وأما رزق القلوب من العلم والإيمان، ومحبة الله وخشيته ورجائه، ونحو ذلك، فلا يعطيها إلا من يحب" (٥). وقد ذكر الرازي: أن قوله تعالى: ﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ يحتمل أن يكون المراد منه ما يعطي الله المتقين في الآخرة من الثواب، ويحتمل أن يكون المراد ما يعطي في الدنيا أصناف عبيده من المؤمنين والكافرين (٦).

стр. 1571

قال الراغب: " (وأعطاه بغير حساب)، إذا أعطاه أكثر مما يستحق وأقل مما يستحق والأول هو المقصود هاهنا، وهو المشار إليه بالإحسان، وقد فسر ذلك على أوجه لاحتمال اللفظ، وإيهامه: الأول: يعطيه [عطاء] أكثر مما يستحقه. الثاني: يعطيه ولا يأخذ منه. الثالث: يعطيه عطاءً لا يحويه حصر العباد، لقول الشاعر (١): عطاياهُ تحْصَى قبل إحصائها القطرُ الرابع: يعطيه بلا مضايقة، من قولهم: حاسبته أي ضايقته الخامس: يعطيه أكثر مما يحسبه أي يكفيه، وكل هذه الوجوه تحتمل أن يكون ذلك في الدنيا وفي الآخرة. السادس: إن ذلك إشارة إلى توسيعه على الكفار والفساق الذين قال فيهم: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ تنبيهاً أن لا فضيلة في المال، ولا إكرام لمن يوسع عليه ما لم يستعن به في الوصول إلى المطلوب منه، ولهذا قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ الآية، ولهذا قال أمير المؤمنين: " من وسع عليه في دنياه فلم يعلم أنه مكر به فقد خدع عن عقله ". السابع: يعطي أولياءه بلا تبعه ولا حساب عليهم فيما يعطون، وذاك أن المؤمن لا يأخذ من عرض الدنيا إلا من حيث يجب، وفي وقت ما يجب وعلى الوجه الذي يجب، ولا ينفقه إلا على ذلك، فهو يحاسب نفسه فلا يحاسب، ولهذا ما روي: " من حاسب نفسه في الدنيا أمن الحساب في القيامة "، وعلى هذا قال لسليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: تحر فيما أعطيناك الوجه الذي لا تبعة فيه عليك ولا حساب، الثامن: أن الله يقابل المؤمني في القيامة لا بقدر استحقاقهم، بل بأكثر منه كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾. التاسع: وهو يقارب ذلك إن ذلك إشارة إلى ما روي أن أهل الجنة لا خطر عليهم، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وأما تعلقه بما تقدم، فعلى بعض هذه التفاسير يتعلق بالذين كفروا، وعلى بعضه يتعلق بالذين آمنوا" (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: انخداع الكافرين بالحياة الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا﴾. ٢ - ومنها: أن الكفار عاشقون لها، وأنها هي همهم، وغرضهم؛ لأن ما زين للشخص فلا بد أن يكون الشخص مهتماً به طالباً له. ٣ - ومنها: أن المؤمنين ليست الدنيا في أعينهم شيئاً؛ لقوله تعالى: ﴿للذين كفروا﴾؛ ولهذا كان الرسول ﷺ إذا رأى ما يعجبه في الدنيا يقول: «لبيك! إن العيش عيش الآخرة» (٣) لتوجيه النفس إلى إجابة الله؛ لا إلى إجابة رغبتها، ثم يقنع النفس أيضاً: أني ما صددتك وأجبت الرب إلا لخير؛ لأن العيش عيش الآخرة؛ والعجيب أن من طلب عيش الآخرة طاب له عيش الدنيا؛ ومن طلب عيش الدنيا ضاعت عليه الدنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: ﴿قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة﴾ [الزمر: ١٥]؛ هذه هي الخسارة: خسروا أنفسهم؛ لأن مآلهم النار - والعياذ بالله -؛ وأهلوهم أيضاً الذين في النار لا يهتم

стр. 1572

بعضهم ببعض؛ كل - والعياذ بالله - شقيّ فيما هو فيه؛ والحاصل أنا نقول: ينبغي لكل إنسان حين يرى في الدنيا ما يعجبه أن يقول كما قال الرسول ﷺ . ٤ - ومن فوائد الآية: حقارة الدنيا؛ لوصفها بالدنيا؛ وهي من الدنوّ زمناً، ورتبة؛ زمناً؛ لأنها قبل الآخرة؛ ورتبة؛ لأنها قليل بالنسبة للآخرة؛ ولهذا لا تجد في الدنيا حال سرور إلا مشوباً بتنغيص قبله، وبعده؛ لكن هذا التنغيص بالنسبة للمؤمن خير؛ لأن له فيه أجراً، كما أخبر الرسول ﷺ في قوله: «عجباً للمؤمن إن أمره كله خير؛ إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له؛ وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له» (١)؛ والمؤمن إذا ابتلي بالبلاء الجسمي، أو النفسي يقول: هذه نعمة من الله يكفِّر الله بها عني سيئاتي؛ فإذا أحس هذا الإحساس صار هذا الألم نعمة؛ لأن الإنسان خطّاء دائماً؛ وهذه الأشياء لا شك أنها - والحمد لله - تكفير للسيئات؛ فإن صبر واحتسب صارت رفعة للدرجات؛ فالآلام، والبلايا، والهم، والغم، تكفير بكل حال؛ ولكن مع الصبر والاحتساب يكون عملاً صالحاً يثاب عليه، ويؤجر عليه. ٥ - ومن فوائد الآية: أن لا نركن إلى هذه الحياة، ونطمئن إليها؛ بل نجعل همتنا منصرفة إلى الدار الآخرة؛ وهذا لا ينافي أن نتمتع وننعم بما أحل الله لنا مع الاستقامة في ديننا. ٦ - ومنها: أن الكفار لا يزالون يسلطون أنفسهم على المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ويسخرون﴾ بالفعل المضارع؛ لأن المضارع يدل على الاستمرار، والحال، والاستقبال؛ فهم دائماً في سخرية من الذين آمنوا. ٧ - ومنها: أن العبرة بكمال النهاية؛ لقوله تعالى: ﴿والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة﴾. ٨ - ومنها: تثبيت المؤمنين، وترسيخ أقدامهم في إيمانهم؛ لقوله تعالى: ﴿ويسخرون من الذين آمنوا﴾ يعني: اصبروا؛ فإن هذا دأبهم وشأنهم أن يسخروا منكم؛ فما دمتم تعرفون أن هذه عادة الكفار فإن الإنسان يصبر؛ إذا عرف الإنسان أن هذا شيء لا بد منه يكون مستعداً له، وقابلاً له، وغير متأثر. ٩ - ومنها: البشرى للمؤمنين الذين اتقوا أنهم فوق الكفار يوم القيامة. ١٠ - ومنها: إثبات أفعال الله المتعلقة بمشيئته؛ لقوله تعالى: ﴿والله يرزق من يشاء﴾ فتسمى هذه الأفعال في كتب العقائد الأفعال الاختيارية - يعني المتعلقة بمشيئة الله -؛ وهي ثابتة لله على وجه الحقيقة؛ وأمثلتها في القرآن كثيرة. ١١ - ومنها: إثبات المشيئة لله؛ وكل ما في الكون واقع بمشيئة الله؛ والمشيئة تختلف عن الإرادة بأنها لا تنقسم إلى كونية، وشرعية؛ بل هي كونية محضة؛ فما شاء الله كان؛ وما لم يشأ لم يكن سواء كان مما يحبه، أو مما لا يحبه؛ قوله تعالى: ﴿من يشأ الله يضلله﴾ [الأنعام: ٣٩]؛ فهذا لا يحبه؛ وقوله تعالى: ﴿ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ [الأنعام: ٣٩]: فهذا يحبه؛ وكل فعل علقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة؛ ودليل ذلك سمعي، وعقلي؛ فمن السمع: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً﴾ [الإنسان: ٣]؛ فدل هذا على أن مشيئته مقرونة بالحكمة؛ وأما العقل فلأن الله سمى نفسه بأنه «حكيم»؛ والحكيم لا يصدر منه شيء إلا وهو موافق للحكمة. ١٢ - ومن فوائد الآية: كثرة رزق الله ؛ لقوله تعالى: ﴿بغير حساب﴾ بمعنى أنه يعطي عطاءً لا يبلغه الحساب، كما قال تعالى: ﴿والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ [البقرة: ٢٦١]. القرآن ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البقرة: ٢١٣] التفسير:

стр. 1573

كان الناس جماعة واحدة، متفقين على الإيمان بالله ثم اختلفوا في دينهم، فبعث الله النبيين دعاة لدين الله، مبشرين مَن أطاع الله بالجنة، ومحذرين من كفر به وعصاه النار، وأنزل معهم الكتب السماوية بالحق الذي اشتملت عليه؛ ليحكموا بما فيها بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اخْتَلَف في أمر محمد ﷺ وكتابه ظلمًا وحسدًا إلا الذين أعطاهم الله التوراة، وعرفوا ما فيها من الحجج والأحكام، فوفَّق الله المؤمنين بفضله إلى تمييز الحق من الباطل، ومعرفة ما اختلفوا فيه. والله يوفِّق من يشاء من عباده إلى طريق مستقيم. قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: "كان الناس على دين واحد" (١). قال الصابوني: " أي كانوا على الإيمان والفطرة المستقيمة، فاختلفوا وتنازعوا" (٢). قال الشوكاني: "أي مقصدهم واحد غير مختلف" (٣). قال الطبري: "كان الناس أمَّة مجتمعة على ملة واحدة ودين واحد" (٤). قال القاسمي: "أي: وجدوا أمة واحدة تتحد مقاصدها ومطالبها ووجهتها لتصلح ولا تفسد. وتحسن ولا تسيء، وتعدل ولا تظلم، أي: ما وجدوا إلا ليكونوا كذلك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] أي: انحرفوا عن الاتحاد والاتفاق، الذي يثمر كل خير لهم وسعادة، إلى الاختلاف والشقاق المستتبع الفساد وهلاك الحرث والنسل، ولما كانوا لم يخلقوا سدىً منّ الله عليهم بما يبصّرهم سبيل الرشاد في الاتحاد على الحق من بعثة الأنبياء وما نزل معهم من الكتاب الفصل، كما أشارت تتمة الآية" (٥). قال القفال: " الأمة: القوم المجتمعون على الشيء الواحد يقتدي بعضهم ببعض، وهو مأخوذ من الأئتمام" (٦). و(الأمة): "مأخوذة من قولهم أممت الشيء أي قصدته" (٧). وقد اختلف المفسسرون في معنى (الأمة) في هذه الآية ومن المعني بـ (الناس) (٨): أحدها: أنهم كانوا على الحق، فاختلفوا بعد ذلك، وهو قول ابن عباس (٩)، وقتادة (١٠)، والضحاك (١١). فاتفقوا على أن المراد بالأمة هي شريعة الحق، ولكن اختلفوا في (الناس) على وجهين: الوجه الأول: قيل المراد بـ ﴿الناس﴾: " القرون الأولى التي كانت بين آدم ونوح" (١٢). وهذا قول ابن عباس (١٣)، وقتادة (١٤). قال ابن عباس: "كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله ﴿كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا﴾ " (١٥).

стр. 1574

قال قتادة: " كانوا على الهدى جميعًا، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فكان أوَّلَ نبي بُعث نوحٌ" (١). فتفسير (الأمة) على هذا القول: (الدين)، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [النحل: ٩٣] [المائدة: ٤٨]، "يراد به أهل دين واحد وملة واحدة" (٢)، وكما قال النابغة الذبياني (٣): حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ... وَهَلْ يَأثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طَائِعُ؟ يعني ذا الدين (٤). قال القرطبي: " منذ خلق الله آدم ﵇ إلى أن بعث محمدا ﷺ خمسة آلاف سنة وثمانمائة سنة. وقيل: أكثر من ذلك، وكان بينه وبين نوح ألف سنة ومائتا سنة. وعاش آدم تسعمائة وستين سنة، وكان الناس في زمانه أهل ملة واحدة، متمسكين بالدين" (٥). الوجه الثاني: أن كلمة ﴿الناس﴾، المراد نوح ومن في السفينة، وكانوا مسلمين، ثم بعد وفاة نوح اختلفوا. وهذا قول الكلبي الواقدي (٦). وروي عن أبي بن كعب: أنه كان يقرؤها: " ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، وإن الله إنما بعث الرسل وأنزل الكتاب بعد الاختلاف" (٧). والثاني: أن (الأمة) تعني: طاعة الله، والدعاء إلى توحيده واتباع أمره، من قول الله ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [سورة النحل: ١٢٠]، يعني بقوله (أمة)، إمامًا في الخير يُقتدى به، ويُتَّبع عليه. والمراد بـ ﴿الناس﴾: آدم وذريته، إذ كان آدم على الحقّ إمامًا لذريته، فبعث الله النبيين في ولده. وهذا قول مجاهد (٨)، والثوري (٩). وعلى هذا القول يجوز تسمية الواحد باسم الجماعة، لاجتماع أخلاق الخير الذي يكون في الجماعة المفرَّقة فيمن سماه بـ (الأمة)، كما يقال: فلان أمة وحده، يقول مقام الأمة، وقد يجوز أن يكون سماه بذلك، لأنه سبب لاجتماع الأسباب من الناس على ما دعاهم إليه من أخلاق الخير، فلما كان آدم ﷺ سببًا لاجتماع من اجتمع على دينه من ولده إلى حال اختلافهم سماه بذلك ﴿أمة﴾ (١٠). والثالث: أن معنى ذلك كان الناس أمة واحدة على دين واحد يوم استخرَج ذرية آدمَ من صلبه، فعرضهم على آدم. وهذا قول أبي بن كعب (١١)، وابن زيد (١٢). وهذا القول له وجهين: الأول: أن المعني بـ ﴿الناس﴾: "آدم وحده، وسمى ناسا لأنه أصل النسل" (١٣).

стр. 1575

والثاني: أن المعني بـ ﴿الناس﴾: "آدم وحواء" (١). وهذا القول نظيرُ قول ابن عباس: إن الناس كانوا على دين واحد فيما بين آدمَ ونوح، إلا أن الوقت الذي كان فيه الناس أمة واحدة مخالفٌ الوقتَ الذي وقَّته ابن عباس. والقول الأول أصح الأقوال سندا ومعنى، وبه قال جمهور المفسرين (٢)، "لأن الناس كانوا على ملة آدم، ﵇، حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا، ﵇، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، ولهذا قال: ﴿وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ " (٣). قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، " أي: فبعث الله الأنبياء لهداية الناس، مبشرين للمؤمنين بجنات النعيم ومنذرين للكافرين بعذاب الجحيم" (٤). قال الطبري: " يعني: أرسل الله رسلا يبشرون من أطاع الله بجزيل الثواب، وكريم المآب وينذرون من عصى الله فكفر به، بشدّة العقاب، وسوء الحساب والخلود في النار" (٥). قال الثعلبي: " ﴿مُبَشِّرِينَ﴾، بالثواب من آمن وأطاع، ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾، محذّرين بالعذاب من كفر وعصى" (٦). قال ابن عثيمين: " المعنى أنهم اختلفوا؛ فبعث الرسل" (٧). و﴿بَعَثَ﴾ بمعنى أرسل، كقوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات﴾ [الحديد: ٢٥]؛ والمراد بـ ﴿النبيين﴾ هنا الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿مبشرين ومنذرين﴾ (٨). قال القرطبي: " وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفا، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، والمذكورون في القرآن بالاسم العلم ثمانية عشر، وأول الرسل آدم، على ما جاء في حديث أبي ذر، أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي. وقيل: نوح، لحديث الشفاعة، فإن الناس يقولون له: أنت أول الرسل. وقيل: إدريس، وسيأتي بيان هذا في "الأعراف" إن شاء الله تعالى" (٩). قال الشوكاني: " قيل جملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر" (١٠). وقوله تعالى: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]: "هذان حالان؛ لأن الرسل يأتون بالبشارة والنذارة في آن واحد؛ يعني: ليس بعض الرسل مبشراً، والآخر منذراً؛ بل كل واحد جامع بين التبشير، والإنذار؛ أي مبشرين بثواب الله لمن استحقه؛ ومنذرين بعقاب الله من خالف أمره؛ قال الله ﵎: ﴿لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً﴾ [الكهف: ٢]؛ فهنا بينت الآية المبشَّر، والمبشَّر به؛ فالمبشَّر: المؤمنون الذين يعملون الصالحات؛ والمبشَّر به: أن لهم

стр. 1576

أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً؛ ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ [الكهف: ٤، ٥]؛ فالمنذَر: هم الكفار؛ والمنذر به: العذاب" (١). قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ أي: " وأنزل مع الرسل، الكتب السماوية لهداية البشرية" (٢). قال القاسمي: أي: وأنزل معهم" كلامه الجامع لما يحتاجون إليه في باب الدين على الاستقامة والهداية التامة، لكونه متلبسا بِالْحَقِّ من جميع الوجوه" (٣). قال القرطبي: " ﴿الْكِتَابَ﴾ اسم جنس بمعنى الكتب" (٤)، كذا قاله الشوكاني (٥)، خلاف الطبري (٦). واختلف في نوع (الألف واللام) في ققوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، على وجهين: أحدهما: أنها للجنس. قاله الجمهور. والثاني: أنها للعهد. قاله الطبري (٧) خلافا للجمهور. والراجح هو قول الجمهور، وأما قول الطبري، فهو خلاف ظاهر القرآن؛ وقد قال الله تعالى في سورة الحديد: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ [الحديد: ٢٥]؛ فظاهر الآية أن مع كل رسول كتاباً؛ وهذا هو مقتضى الحال حتى يكون هذا الكتاب الذي معه يبلغه إلى الناس؛ ولا يرد على هذا أن بعض الشرائع تتفق في مشروعاتها - وحتى في منهاجها -، ولا يكون فيها إلا اختلاف يسير، كما في شريعة التوراة والإنجيل؛ فإن هذا لا يضر؛ المهم أن كل رسول في ظاهر القرآن معه كتاب؛ و «كتاب» بمعنى مكتوب؛ فمنه ما نعلم أن الله كتبه؛ ومنه ما لا نعلم أن الله كتبه لكن تكلم به (٨). والله أعلم. قال البيضاوي: ﴿الكتاب﴾: " يريد به الجنس ولا يريد به أنه أنزل مع كل واحد كتاباً يخصه، فإن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصهم، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وجهان: أحدهما: أي "ما جاءت به الكتب فهو حق" (١٠). أي: بالعدل والصدق، وما فيه من البيان عن الحق من الباطل" (١١). والثاني: أن الكتب نفسها حق من عند الله؛ وليست مفتراة عليه. قال ابن عثيمين: " وكلا المعنيين صحيح؛ فهي حق من عند الله؛ وما جاءت به من الشرائع، والأخبار فهو حق؛ و «الحق» أي الثابت النافع؛ وضده الباطل الذي يزول، ولا ينفع؛ والحق الثابت في الكتب المنزلة من عند الله: بالنسبة للأخبار هو الصدق المطابق للواقع؛ وبالنسبة للأحكام فإنه العدل المصلح للخلق في معاشهم، ومعادهم، كما قال الله ﵎: ﴿وتمَّت كلمة ربك صدقاً وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] " (١٢).

стр. 1577

قوله تعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: ليحكم" بين الناس "في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق" (١). قال الصابوني: أي" حال كونها منزلة لمصالح الناس، في أمر الدين الذي اختلفوا فيه" (٢). قال الزمخشري: أي" لِيَحْكُمَ اللَّه، أو الكتاب، أو النبىّ المنزل عليه " (٣). وفي عود الضمير إلى ﴿النبيين﴾، هنا إشكال: "وهو أن ﴿ليحكم﴾ مفرد؛ و ﴿النبيين﴾ جمع؛ لكن قالوا: لما كان النبيون جمعاً؛ والجمع له أفراد، صار ﴿ليحكم﴾ أي كل فرد منهم (٤). قال القاسمي: أي: " من الاعتقادات والأعمال التي كانوا عليها قبل ذلك أمة واحدة، فسلكوا بهم، بعد جهد، السبيل الأقوم، ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل، فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب" (٥). واختلاف الناس بأن: "بعضهم قال: الحق كذا؛ وبعضهم قال: الحق كذا؛ خصمان لا بد بينهما من حَكَم؛ وهو ما جاءت به الرسل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾؛ و «ما» اسم موصول؛ واسم الموصول من ألفاظ العموم؛ فيشمل كل ما اختلف فيه الناس من الدقيق والجليل، في مسائل الدين والدنيا (٦). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، على وجهين (٧): أحدهما: : ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾، بفتح (الياء) وضم (الكاف)، وهي قراءة العامة. ولهذه القراءة وجهان (٨): أحدهما: على سعة الكلام كقوله: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. والآخر: أن معناه: ليحكم كلّ نبيّ بكتابه، وإذا حكم بالكتاب فكأنما حكم الكتاب ﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. والثاني: وقرأ الجحدري (ليحكم) على بناء الفعل للمفعول، وحكى عنه مكي «لنحكم». قال ابن عطية: " وأظنه تصحيفا لأنه لم يحك عنه البناء للمفعول كما حكى الناس" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: في الكتاب الهادي الذي لا لبس فيه، المنزل لإزالة الاختلاف" (١٠). قال ابن عثيمين: " أي: في الكتاب" (١١). قال الصابوني: "أي وما اختلف في الكتاب الهادي المنير، المنزل لإزالة الاختلاف" (١٢). وفي عود الضمير في قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، قولان: أحدهما: في الحق. والثاني: في الكتاب وهو التوراة. قاله الماوردي (١٣).

стр. 1578

والثالث: في التوراة والإنجيل. قاله الواحدي (١). قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: إلا الذين" أعطوه" (٢). قال ابن عثيمين: "والمراد بهم هنا الأمم" (٣). قال الثعلبي: " أعطوه وهم اليهود والنصارى" (٤). قال الطبري: " عني، بذلك اليهودَ من بني إسرائيل، وهم الذين أوتوا التوراة والعلم بها" (٥). قال القاسمي: أي: إلا الذين "علموه فبدّلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف" (٦). قال البيضاوي: " أي عكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيجا للاختلاف سبباً لاستحكامه" (٧). قال ابن عطية: " و ﴿الذين أوتوه﴾: أرباب العلم به والدراسة له، وخصهم بالذكر تنبيها منه تعالى على الشنعة في فعلهم والقبح الذي واقعوه" (٨). قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢١٣]، "أي: من بعد ظهور الحجج الواضحة والدلائل القاطعة على صدق الكتاب" (٩). قال الصابوني: " فقد كان خلافهم عن بينة وعلم، لا عن غفلة وجهل " (١٠). قال القاسمي: أي من بعد أن جائتهم: "الدلائل الواضحة" (١١). قال الطبري: أي: " من بعد ما جاءتهم حجج الله وأدلته أنّ الكتابَ الذي اختلفوا فيه وفي أحكامه عند الله، وأنه الحق الذي لا يسعهم الاختلاف فيه، ولا العمل بخلاف ما فيه" (١٢). قال الزمخشري: " أى: ازدادوا في الاختلاف لما أنزل عليهم الكتاب، وجعلوا نزول الكتاب سببا في شدّة الاختلاف واستحكامه" (١٣). وقد اختلف أهل العربية في حكم ومعنى ﴿مِنْ﴾ التي في قوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وفيه قولان (١٤): احدهما: أن ﴿مِنْ﴾، للذين أوتوا الكتاب، وما بعده صلة له، والمعنى: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه، بغيًا بينهم، من بعد ما جاءتهم البينات. وقد أنكر ذلك بعضهم فقال: لا معنى لما قال هذا القائل، ولا لتقديم (البغي) قبل ﴿من﴾، لأن ﴿من﴾ إذا كان الجالب لها (البغي)، فخطأ أن تتقدمه، لأن (البغي) مصدر، ولا تتقدم صلة المصدر عليه.

стр. 1579

والثاني: أن (الذين) مستثنى، وأنّ ﴿من بعد ما جاءتهم البينات﴾ مستثنى باستثناء آخر، وأن تفسير الكلام: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه، ما اختلفوا فيه إلا بغيًا ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينات فكأنه كرر الكلام توكيدًا. والقول الثاني أشبه بتفسير الآية، لأن القوم لم يختلفوا إلا من بعد قيام الحجة عليهم ومجيء البينات من عند الله، وكذلك لم يختلفوا إلا بغيًا، فذلك أشبه تفسير الآية (١). والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: " حسداً بينهم وظلما لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم" (٢). قال أبيّ بن كعب: " بغيا على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها وزينتها، أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس فبغى بعضهم على بعض، وضرب بعضهم رقاب بعض" (٣). قال البيضاوي: أي: " حسدا بينهم وظلماً لحرصهم على الدنيا" (٤). قال الصابوني: " أي حسداً من الكافرين للمؤمنين" (٥). و(البغي): "هو العدوان" (٦). قال الشوكاني: " أي لم يختلفوا إلا للبغي أي الحسد والحرص على الدنيا وفي هذا تنبيه على السفه في فعلهم والقبيح الذي وقعوا فيه لأنهم جعلوا نزول الكتاب سببا في شدة الخلاف" (٧). قال الصابوني: "أي حسدا من الكافرين للمؤمنين" (٨). قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أى: " فهدى اللَّه الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف" (٩)، بمشيئته. قال البيضاوي: هداهم" للحق الذي اختلف فيه من اختلف، بأمره أو بإرادته ولطفه" (١٠). قال الطبري: " فوفق [الله] الذي آمنوا وهم أهل الإيمان بالله وبرسوله محمد ﷺ المصدّقين به وبما جاء به أنه من عند الله لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه" (١١). قال الشوكاني: "أي فهدى الله أمة محمد- ﷺ إلى الحق وذلك بما بينه لهم في القرآن من اختلاف من كان قبلهم وقيل معناه فهدى الله أمة محمد للتصديق بجميع الكتب بخلاف من قبلهم فإن بعضهم كذب كتاب بعض وقيل إن الله هداهم إلى الحق من القبلة وقيل هداهم ليوم الجمعة وقيل هداهم لاعتقاد الحق في عيسى بعد أن كذبته اليهود وجعلته النصارى ربا وقيل المراد بالحق الإسلام" (١٢). وقال الفراء (١٣) إن في الآية قلبا وتقديره: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، واختاره ابن جرير الطبري (١٤)، وضعفه ابن عطية (١٥).

стр. 1580

واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ١١٣]، على وجوه: أحدها: أي بمشيئته، وإرادته؛ ولكنه لا يشاء شيئاً إلا لحكمة. قاله ابن عثيمين (١). والثاني: أي: بعلمه. قاله الزجاج (٢). قال النحاس: " وهذا غلط" (٣). والثالث: أي: بأمره، لأنك إذا أذنت في الشيء فكأنك قد أمرت به أي فهدى الله الذين آمنوا بأن أمرهم بما يجب ن يستعملوه". قاله النحاس (٤). قال ابن عطية: " والإذن هو العلم والتمكين، فإن اقترن بذلك أمر صار أقوى من الإذن بمزية" (٥). والرابع: أي: بعلمه وإرادته. قاله الثعلبي (٦). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، على أقوال: أحدها: أراد الجمعة، لأن أهل الكتاب اختلفوا فيها فضلوا عنها، فجعلها اليهود السبت، وجعلها النصارى الأحد، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا من الحق بإذنه، فهدى الله الذين آمنوا إليها، وهذا قول أبي هريرة (٧)، واختاره الطبري (٨). والثاني: أنهم اختلفوا في الصلاة، فمنهم من يصلي إلى الشرق ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس، فهدانا الله للقبلة، وهذا قول ابن زيد (٩). والثالث: أنهم اختلفوا في الكتب المنزلة، فكفر بعضهم بكتاب بعض فهدانا الله للتصديق بجميعها. وهذا معنى أبو العالية (١٠)، والسدي (١١)، والربيع (١٢). والمراد بالهداية هنا: "هداية التوفيق المسبوقة بهداية العلم، والإرشاد؛ لأن الجميع قد جاءتهم الرسل بالكتب، وبينت لهم؛ لكن لم يوفق منهم إلا من هداهم الله" (١٣). و(الإيمان) في اللغة: "التصديق؛ ولكنه في الشرع التصديق المستلزم للقبول، والإذعان؛ وليس مجرد التصديق إيماناً؛ إذ لو كان مجرد التصديق إيماناً لكان أبو طالب مؤمناً لأنه كان يقر بأن محمداً -صلى
следующие страницы →