стр. 1576
أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً؛ ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ [الكهف: ٤، ٥]؛ فالمنذَر: هم الكفار؛ والمنذر به: العذاب" (١).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ أي: " وأنزل مع الرسل، الكتب السماوية لهداية البشرية" (٢).
قال القاسمي: أي: وأنزل معهم" كلامه الجامع لما يحتاجون إليه في باب الدين على الاستقامة والهداية التامة، لكونه متلبسا بِالْحَقِّ من جميع الوجوه" (٣).
قال القرطبي: " ﴿الْكِتَابَ﴾ اسم جنس بمعنى الكتب" (٤)، كذا قاله الشوكاني (٥)، خلاف الطبري (٦).
واختلف في نوع (الألف واللام) في ققوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، على وجهين:
أحدهما: أنها للجنس. قاله الجمهور.
والثاني: أنها للعهد. قاله الطبري (٧) خلافا للجمهور.
والراجح هو قول الجمهور، وأما قول الطبري، فهو خلاف ظاهر القرآن؛ وقد قال الله تعالى في سورة الحديد: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ [الحديد: ٢٥]؛ فظاهر الآية أن مع كل رسول كتاباً؛ وهذا هو مقتضى الحال حتى يكون هذا الكتاب الذي معه يبلغه إلى الناس؛ ولا يرد على هذا أن بعض الشرائع تتفق في مشروعاتها - وحتى في منهاجها -، ولا يكون فيها إلا اختلاف يسير، كما في شريعة التوراة والإنجيل؛ فإن هذا لا يضر؛ المهم أن كل رسول في ظاهر القرآن معه كتاب؛ و «كتاب» بمعنى مكتوب؛ فمنه ما نعلم أن الله كتبه؛ ومنه ما لا نعلم أن الله كتبه لكن تكلم به (٨). والله أعلم.
قال البيضاوي: ﴿الكتاب﴾: " يريد به الجنس ولا يريد به أنه أنزل مع كل واحد كتاباً يخصه، فإن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصهم، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم" (٩).
وفي قوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وجهان:
أحدهما: أي "ما جاءت به الكتب فهو حق" (١٠). أي: بالعدل والصدق، وما فيه من البيان عن الحق من الباطل" (١١).
والثاني: أن الكتب نفسها حق من عند الله؛ وليست مفتراة عليه.
قال ابن عثيمين: " وكلا المعنيين صحيح؛ فهي حق من عند الله؛ وما جاءت به من الشرائع، والأخبار فهو حق؛ و «الحق» أي الثابت النافع؛ وضده الباطل الذي يزول، ولا ينفع؛ والحق الثابت في الكتب المنزلة من عند الله: بالنسبة للأخبار هو الصدق المطابق للواقع؛ وبالنسبة للأحكام فإنه العدل المصلح للخلق في معاشهم، ومعادهم، كما قال الله ﵎: ﴿وتمَّت كلمة ربك صدقاً وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] " (١٢).