← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً؛ ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ [الكهف: ٤، ٥]؛ فالمنذَر: هم الكفار؛ والمنذر به: العذاب" (١). قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ أي: " وأنزل مع الرسل، الكتب السماوية لهداية البشرية" (٢). قال القاسمي: أي: وأنزل معهم" كلامه الجامع لما يحتاجون إليه في باب الدين على الاستقامة والهداية التامة، لكونه متلبسا بِالْحَقِّ من جميع الوجوه" (٣). قال القرطبي: " ﴿الْكِتَابَ﴾ اسم جنس بمعنى الكتب" (٤)، كذا قاله الشوكاني (٥)، خلاف الطبري (٦). واختلف في نوع (الألف واللام) في ققوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، على وجهين: أحدهما: أنها للجنس. قاله الجمهور. والثاني: أنها للعهد. قاله الطبري (٧) خلافا للجمهور. والراجح هو قول الجمهور، وأما قول الطبري، فهو خلاف ظاهر القرآن؛ وقد قال الله تعالى في سورة الحديد: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ [الحديد: ٢٥]؛ فظاهر الآية أن مع كل رسول كتاباً؛ وهذا هو مقتضى الحال حتى يكون هذا الكتاب الذي معه يبلغه إلى الناس؛ ولا يرد على هذا أن بعض الشرائع تتفق في مشروعاتها - وحتى في منهاجها -، ولا يكون فيها إلا اختلاف يسير، كما في شريعة التوراة والإنجيل؛ فإن هذا لا يضر؛ المهم أن كل رسول في ظاهر القرآن معه كتاب؛ و «كتاب» بمعنى مكتوب؛ فمنه ما نعلم أن الله كتبه؛ ومنه ما لا نعلم أن الله كتبه لكن تكلم به (٨). والله أعلم. قال البيضاوي: ﴿الكتاب﴾: " يريد به الجنس ولا يريد به أنه أنزل مع كل واحد كتاباً يخصه، فإن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصهم، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وجهان: أحدهما: أي "ما جاءت به الكتب فهو حق" (١٠). أي: بالعدل والصدق، وما فيه من البيان عن الحق من الباطل" (١١). والثاني: أن الكتب نفسها حق من عند الله؛ وليست مفتراة عليه. قال ابن عثيمين: " وكلا المعنيين صحيح؛ فهي حق من عند الله؛ وما جاءت به من الشرائع، والأخبار فهو حق؛ و «الحق» أي الثابت النافع؛ وضده الباطل الذي يزول، ولا ينفع؛ والحق الثابت في الكتب المنزلة من عند الله: بالنسبة للأخبار هو الصدق المطابق للواقع؛ وبالنسبة للأحكام فإنه العدل المصلح للخلق في معاشهم، ومعادهم، كما قال الله ﵎: ﴿وتمَّت كلمة ربك صدقاً وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] " (١٢).

стр. 1577

قوله تعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: ليحكم" بين الناس "في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق" (١). قال الصابوني: أي" حال كونها منزلة لمصالح الناس، في أمر الدين الذي اختلفوا فيه" (٢). قال الزمخشري: أي" لِيَحْكُمَ اللَّه، أو الكتاب، أو النبىّ المنزل عليه " (٣). وفي عود الضمير إلى ﴿النبيين﴾، هنا إشكال: "وهو أن ﴿ليحكم﴾ مفرد؛ و ﴿النبيين﴾ جمع؛ لكن قالوا: لما كان النبيون جمعاً؛ والجمع له أفراد، صار ﴿ليحكم﴾ أي كل فرد منهم (٤). قال القاسمي: أي: " من الاعتقادات والأعمال التي كانوا عليها قبل ذلك أمة واحدة، فسلكوا بهم، بعد جهد، السبيل الأقوم، ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل، فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب" (٥). واختلاف الناس بأن: "بعضهم قال: الحق كذا؛ وبعضهم قال: الحق كذا؛ خصمان لا بد بينهما من حَكَم؛ وهو ما جاءت به الرسل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾؛ و «ما» اسم موصول؛ واسم الموصول من ألفاظ العموم؛ فيشمل كل ما اختلف فيه الناس من الدقيق والجليل، في مسائل الدين والدنيا (٦). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، على وجهين (٧): أحدهما: : ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾، بفتح (الياء) وضم (الكاف)، وهي قراءة العامة. ولهذه القراءة وجهان (٨): أحدهما: على سعة الكلام كقوله: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. والآخر: أن معناه: ليحكم كلّ نبيّ بكتابه، وإذا حكم بالكتاب فكأنما حكم الكتاب ﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. والثاني: وقرأ الجحدري (ليحكم) على بناء الفعل للمفعول، وحكى عنه مكي «لنحكم». قال ابن عطية: " وأظنه تصحيفا لأنه لم يحك عنه البناء للمفعول كما حكى الناس" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: في الكتاب الهادي الذي لا لبس فيه، المنزل لإزالة الاختلاف" (١٠). قال ابن عثيمين: " أي: في الكتاب" (١١). قال الصابوني: "أي وما اختلف في الكتاب الهادي المنير، المنزل لإزالة الاختلاف" (١٢). وفي عود الضمير في قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، قولان: أحدهما: في الحق. والثاني: في الكتاب وهو التوراة. قاله الماوردي (١٣).

стр. 1578

والثالث: في التوراة والإنجيل. قاله الواحدي (١). قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: إلا الذين" أعطوه" (٢). قال ابن عثيمين: "والمراد بهم هنا الأمم" (٣). قال الثعلبي: " أعطوه وهم اليهود والنصارى" (٤). قال الطبري: " عني، بذلك اليهودَ من بني إسرائيل، وهم الذين أوتوا التوراة والعلم بها" (٥). قال القاسمي: أي: إلا الذين "علموه فبدّلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف" (٦). قال البيضاوي: " أي عكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيجا للاختلاف سبباً لاستحكامه" (٧). قال ابن عطية: " و ﴿الذين أوتوه﴾: أرباب العلم به والدراسة له، وخصهم بالذكر تنبيها منه تعالى على الشنعة في فعلهم والقبح الذي واقعوه" (٨). قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢١٣]، "أي: من بعد ظهور الحجج الواضحة والدلائل القاطعة على صدق الكتاب" (٩). قال الصابوني: " فقد كان خلافهم عن بينة وعلم، لا عن غفلة وجهل " (١٠). قال القاسمي: أي من بعد أن جائتهم: "الدلائل الواضحة" (١١). قال الطبري: أي: " من بعد ما جاءتهم حجج الله وأدلته أنّ الكتابَ الذي اختلفوا فيه وفي أحكامه عند الله، وأنه الحق الذي لا يسعهم الاختلاف فيه، ولا العمل بخلاف ما فيه" (١٢). قال الزمخشري: " أى: ازدادوا في الاختلاف لما أنزل عليهم الكتاب، وجعلوا نزول الكتاب سببا في شدّة الاختلاف واستحكامه" (١٣). وقد اختلف أهل العربية في حكم ومعنى ﴿مِنْ﴾ التي في قوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وفيه قولان (١٤): احدهما: أن ﴿مِنْ﴾، للذين أوتوا الكتاب، وما بعده صلة له، والمعنى: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه، بغيًا بينهم، من بعد ما جاءتهم البينات. وقد أنكر ذلك بعضهم فقال: لا معنى لما قال هذا القائل، ولا لتقديم (البغي) قبل ﴿من﴾، لأن ﴿من﴾ إذا كان الجالب لها (البغي)، فخطأ أن تتقدمه، لأن (البغي) مصدر، ولا تتقدم صلة المصدر عليه.

стр. 1579

والثاني: أن (الذين) مستثنى، وأنّ ﴿من بعد ما جاءتهم البينات﴾ مستثنى باستثناء آخر، وأن تفسير الكلام: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه، ما اختلفوا فيه إلا بغيًا ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينات فكأنه كرر الكلام توكيدًا. والقول الثاني أشبه بتفسير الآية، لأن القوم لم يختلفوا إلا من بعد قيام الحجة عليهم ومجيء البينات من عند الله، وكذلك لم يختلفوا إلا بغيًا، فذلك أشبه تفسير الآية (١). والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: " حسداً بينهم وظلما لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم" (٢). قال أبيّ بن كعب: " بغيا على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها وزينتها، أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس فبغى بعضهم على بعض، وضرب بعضهم رقاب بعض" (٣). قال البيضاوي: أي: " حسدا بينهم وظلماً لحرصهم على الدنيا" (٤). قال الصابوني: " أي حسداً من الكافرين للمؤمنين" (٥). و(البغي): "هو العدوان" (٦). قال الشوكاني: " أي لم يختلفوا إلا للبغي أي الحسد والحرص على الدنيا وفي هذا تنبيه على السفه في فعلهم والقبيح الذي وقعوا فيه لأنهم جعلوا نزول الكتاب سببا في شدة الخلاف" (٧). قال الصابوني: "أي حسدا من الكافرين للمؤمنين" (٨). قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أى: " فهدى اللَّه الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف" (٩)، بمشيئته. قال البيضاوي: هداهم" للحق الذي اختلف فيه من اختلف، بأمره أو بإرادته ولطفه" (١٠). قال الطبري: " فوفق [الله] الذي آمنوا وهم أهل الإيمان بالله وبرسوله محمد ﷺ المصدّقين به وبما جاء به أنه من عند الله لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه" (١١). قال الشوكاني: "أي فهدى الله أمة محمد- ﷺ إلى الحق وذلك بما بينه لهم في القرآن من اختلاف من كان قبلهم وقيل معناه فهدى الله أمة محمد للتصديق بجميع الكتب بخلاف من قبلهم فإن بعضهم كذب كتاب بعض وقيل إن الله هداهم إلى الحق من القبلة وقيل هداهم ليوم الجمعة وقيل هداهم لاعتقاد الحق في عيسى بعد أن كذبته اليهود وجعلته النصارى ربا وقيل المراد بالحق الإسلام" (١٢). وقال الفراء (١٣) إن في الآية قلبا وتقديره: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، واختاره ابن جرير الطبري (١٤)، وضعفه ابن عطية (١٥).

стр. 1580

واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ١١٣]، على وجوه: أحدها: أي بمشيئته، وإرادته؛ ولكنه لا يشاء شيئاً إلا لحكمة. قاله ابن عثيمين (١). والثاني: أي: بعلمه. قاله الزجاج (٢). قال النحاس: " وهذا غلط" (٣). والثالث: أي: بأمره، لأنك إذا أذنت في الشيء فكأنك قد أمرت به أي فهدى الله الذين آمنوا بأن أمرهم بما يجب ن يستعملوه". قاله النحاس (٤). قال ابن عطية: " والإذن هو العلم والتمكين، فإن اقترن بذلك أمر صار أقوى من الإذن بمزية" (٥). والرابع: أي: بعلمه وإرادته. قاله الثعلبي (٦). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، على أقوال: أحدها: أراد الجمعة، لأن أهل الكتاب اختلفوا فيها فضلوا عنها، فجعلها اليهود السبت، وجعلها النصارى الأحد، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا من الحق بإذنه، فهدى الله الذين آمنوا إليها، وهذا قول أبي هريرة (٧)، واختاره الطبري (٨). والثاني: أنهم اختلفوا في الصلاة، فمنهم من يصلي إلى الشرق ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس، فهدانا الله للقبلة، وهذا قول ابن زيد (٩). والثالث: أنهم اختلفوا في الكتب المنزلة، فكفر بعضهم بكتاب بعض فهدانا الله للتصديق بجميعها. وهذا معنى أبو العالية (١٠)، والسدي (١١)، والربيع (١٢). والمراد بالهداية هنا: "هداية التوفيق المسبوقة بهداية العلم، والإرشاد؛ لأن الجميع قد جاءتهم الرسل بالكتب، وبينت لهم؛ لكن لم يوفق منهم إلا من هداهم الله" (١٣). و(الإيمان) في اللغة: "التصديق؛ ولكنه في الشرع التصديق المستلزم للقبول، والإذعان؛ وليس مجرد التصديق إيماناً؛ إذ لو كان مجرد التصديق إيماناً لكان أبو طالب مؤمناً لأنه كان يقر بأن محمداً -صلى

стр. 1581

الله عليه وسلم- صادق، ويقول: لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يُعنى بقول الأباطل لكنه لم يَقبل، ولم يُذعن، فلم يكن مؤمنا" (١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: والله "يهدي من يشاء هدايته إلى طريق الحق، الموصل إلى جنات النعيم" (٢). قال البيضاوي: أي إلى صراط: " لا يضل سالكه" (٣). قال الطبري: " والله يسدّد من يشاء من خلقه ويُرشده إلى الطريق القويم على الحق الذي لا اعوجاج فيه" (٤). قال السعدي: " فعمَّ الخلق تعالى بالدعوة إلى الصراط المستقيم، عدلا منه تعالى، وإقامة حجة على الخلق، لئلا يقولوا: ﴿ما جاءنا من بشير ولا نذير﴾ وهدى - بفضله ورحمته، وإعانته ولطفه - من شاء من عباده، فهذا فضله وإحسانه، وذاك عدله وحكمته" (٥). والهداية هنا بمعنى الدلالة، والتوفيق؛ فهي شاملة للنوعين (٦). وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني" ممن يستحق الهداية؛ لأن كل شيء علق بمشيئة الله فإنه تابع لحكمته؛ فهو يهدي من يشاء إذا كان أهلاً للهداية؛ كما أنه يجعل الرسالة في أهلها فإنه يجعل الهداية في أهلها، كما قال تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤]، كذلك هو أعلم حيث يجعل هدايته" (٧). قال القرطبي: " وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ رد على المعتزلة في قولهم: إن العبد يستبد بهداية نفسه" (٨). قال ابن كثير: " أي: وله الحكم والحجة البالغة" (٩). والـ ﴿صراط﴾ في اللغة: "هو الطريق الواسع؛ وسمي صراطاً - وقد يقال -: (زراطاً) بالزاي؛ لأنه يبتلع سالكه بسرعة دون ازدحام، ولا مشقة، كما أنك إذا بلعت اللقمة بسرعة يقال: «زرطها»؛ وقال بعضهم: هو الطريق الواسع المستقيم؛ لأن المعوج لا يحصل فيه العبور بسهولة؛ وجعل قوله تعالى: ﴿مستقيم﴾ صفة مؤكدة؛ وعلى كل حال ﴿الصراط المستقيم﴾ الذي ذكره بينه في سورة الفاتحة في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]؛ فهو الصراط الذي يجمع بين العلم، والعمل؛ وإن شئت فقل: بين الهدى، والرشد؛ بخلاف الطريق غير المستقيم الذي يحرم فيه السالك الهدى، كطريق النصارى؛ أو يحرم فيه الرشد، كطريق اليهود" (١٠). وفي قوله تعالى: ﴿صِرَاطٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]، قراءتان (١١): إحداهما: ﴿صِرَاطٍ﴾، بالصاد. قراءة الجمهور. والثانية: ﴿سِرَاطٍ﴾، بالسين. وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو في رواية عبيد بن عقيل.

стр. 1582

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن دين الإسلام هو الفطرة؛ لقوله تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾؛ فقبل أن يحصل ما يفتنهم كانوا على دين واحد - دين الإسلام -. ٢ - ومنها: الحكمة في إرسال الرسل؛ وهي التبشير، والإنذار؛ لقوله تعالى: ﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين﴾. ٣ - ومنها: أن النبوة لا تنال بالكسب؛ وإنما هي فضل من الله؛ لقوله تعالى: ﴿فبعث الله النبيين﴾. ٤ - ومنها: أن من يوصف بالتبشير إنما هم الرسل، وأتباعهم؛ وأما ما تسمى به دعاة النصرانية بكونهم مبشرين فهم بذلك كاذبون؛ إلا أن يراد أنهم مبشرون بالعذاب الأليم، كما قال تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١]؛ وأحق وصف يوصف به هؤلاء الدعاة أن يوصفوا بالمضللين، أو المنَصِّرين؛ وما نظير ذلك إلا نظير من اغتر بتسمية النصارى بالمسيحيين؛ لأن لازم ذلك أنك أقررت أنهم يتبعون المسيح، كما إذا قلت: «فلان تميمي»؛ إذاً هو من بني تميم؛ والمسيح ابن مريم يتبرأ من دينهم الذي هم عليه الآن كما قال تعالى: ﴿وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ... ﴾ [المائدة: ١١٦] إلى قوله تعالى: ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ... ﴾ [المائدة: ١١٧] الآيتين؛ ولأنهم ردوا بشارة عيسى بمحمد ﷺ ، وكفروا بها؛ فكيف تصح نسبتهم إليه؟ ! ! والحاصل أنه ينبغي للمؤمن أن يكون حذراً يقظاً لا يغتر بخداع المخادعين، فيجعل لهم من الأسماء، والألقاب ما لا يستحقون. ٥ - ومنها: أن الشرائع التي جاءت بها الرسل تنقسم إلى أوامر، ونواهي؛ لقوله تعالى: ﴿مبشرين ومنذرين﴾؛ لأن الإنذار: عن الوقوع في المخالفة؛ والبشارة: لمن امتثل، وأطاع. ٦ - ومن فوائد الآية: أن الكتب نازلة من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وأنزل معهم الكتاب﴾. ٧ - ومنها: علو الله ؛ لأنه إذا كانت الكتب نازلة من عنده لزم أن يكون هو عالياً؛ لأن النزول يكون من فوق إلى تحت. ٨ - ومنها: أن الواجب الرجوع إلى الكتب السماوية عند النزاع؛ لقوله تعالى: ﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ وإلا لضاعت فائدة الكتب المنزلة؛ ومن المعلوم أن الكتاب المنزل على محمد ﷺ مصدق لما بين يديه من الكتاب، ومهيمن عليه؛ فيجب الرجوع إليه وحده؛ لأن ما سبقه منسوخ به. ٩ - ومنها: رحمة الله بالعباد، حيث لم يكلهم إلى عقولهم؛ لأنهم لو وكِلوا إلى عقولهم لفسدت السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن﴾ [المؤمنون: ٧١]؛ فكل إنسان يقول: العقل عندي؛ والصواب معي؛ ولكن الله تعالى بعث النبيين، وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. ١٠ - ومنها: أن الناس لو رجعوا إلى الكتاب المنزل عليهم لحصل بينهم الاجتماع، والائتلاف. ١١ - ومنها: أن الخلاف بين الناس كائن لا محالة؛ لقوله تعالى: ﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾؛ ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]، وقوله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ [التغابن: ٢]؛ ولولا هذا ما قامت الدنيا؛ ولا الدين؛ ولا قام الجهاد؛ ولا قام الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ ولم يمتحن الصادق من الكاذب. ١٢ - ومن فوائد الآية: أن أولئك الذين اختلفوا في الشرع كانوا قد أوتوا الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم﴾. ويتفرع على هذه الفائدة أن الحجة قد قامت عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات

стр. 1583

١٣ - ومن فوائد الآية: كمال التوبيخ واللوم على هؤلاء ما هو ظاهر؛ لأنه كان الواجب، والأحرى بهؤلاء الذين أوتوه ألا يختلفوا فيه؛ بل يتفقوا عليه؛ لكنهم اختلفوا فيه مع تفضل الله عليهم بإيتائه؛ لقوله تعالى: ﴿وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه﴾. ١٤ - ومنها: بيان ضعف ما يروى عن الرسول ﷺ أنه قال: «اختلاف أمتي رحمة» (١)؛ فالاختلاف ليس برحمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]؛ نعم، دخول المختلفين تحت عفو الله رحمة إذا اجتهدوا، حيث إن الله لم يعذب المخطئ؛ فالمختلفون تسعهم الرحمة إذا كانوا مجتهدين؛ لأن من اجتهد فأصاب فله أجران؛ ومن اجتهد فأخطأ فله أجر؛ أما أن نقول: «إن الخلاف بين الأمة رحمة» فلا. ١٥ - ومنها: أن فعل الذين اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات إنما كان ذلك بغياً منهم؛ لقوله تعالى: ﴿بغياً بينهم﴾؛ فالذين اختلفوا في محمد ﷺ من اليهود والنصارى إنما كان اختلافهم بغياً وعدواناً؛ لأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ وكذلك الذين اختلفوا في محمد ﷺ من قريش كان كفرهم بغياً وعدواناً. ١٦ - ومنها: أن كل مخالف للحق بعد ما تبين له فهو باغٍ ضال - وإن قال: أنا لا أريد البغي، ولا أريد العدوان -. ١٧ - ومنها: أنه متى تبين الحق وجب اتباعه - ولو كان قد قال بخلافه من قبل -؛ فيدور مع الحق حيث دار. ١٨ - ومنها: رحمة الله بالمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه﴾. ١٩ - ومنها: أن الإيمان سبب للهداية للحق. ٢٠ - ومنها: أنه كلما قوي إيمان العبد كان أقرب إلى إصابة الحق؛ لقوله تعالى: ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا ... ﴾؛ لأن الله علق الهداية على وصف الإيمان؛ وما علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه؛ ولهذا كان الصحابة أقرب إلى الحق ممن بعدهم لا في التفسير، ولا في أحكام أفعال المكلفين، ولا في العقائد أيضاً؛ لأن الهداية للحق علقت بالإيمان؛ ولا شك أن الصحابة أقوى الناس إيماناً؛ قال الرسول ﷺ : «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢)، ولهذا ذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أن قول الصحابي حجة ما لم يخالف النص؛ فإن خالف نصاً فليس بحجة؛ أو يخالفه صحابي آخر؛ فإن خالفه صحابي آخر نظر في الترجيح أيهما أقرب إلى الصواب. ٢١ - ومن فوائد الآية: أنه يجب على المرء الذي هداه الله ألا يعجب بنفسه، وألا يظن أن ذلك من حوله، وقوته؛ لقوله تعالى: ﴿فهدى الله﴾، ثم قال تعالى: ﴿بإذنه﴾ أي أمره الكوني القدري؛ ولولا ذلك لكانوا مثل هؤلاء الذين ردوا الحق بغياً وعدواناً. ٢٢ - ومنها: الإيماء إلى أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الهداية من الله؛ لقوله تعالى: ﴿فهدى الله الذين آمنوا﴾. ٢٣ - ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله؛ لقوله تعالى: ﴿فهدى الله﴾، وكذلك لقوله تعالى: ﴿بإذنه﴾. ٢٤ - ومنها: أن أفعال العباد واقعة بإرادة الله وخلقه. ٢٥ - ومنها: أن إذن الله نوعان: كوني، وشرعي؛ وسبق بيانهما في قوله تعالى: ﴿فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ [البقرة: ٩٧].

стр. 1584

٢٦ - ومنها: إثبات مشيئة الله في أفعال العباد؛ لقوله تعالى: ﴿والله يهدي من يشاء﴾. ٢٧ - ومنها: أن كل ما سوى الشرع فهو طريق معوج؛ لقوله تعالى: ﴿إلى صراط مستقيم﴾. ٢٨ - ومنها: أن الشرع لا ضيق فيه، ولا اعوجاج، ولا تعب؛ لأنه صراط واسع، ومستقيم. ٢٩ - ومنها: الإشارة إلى الطرق الثلاثة التي ذكرها الله تعالى في سورة الفاتحة؛ وهي طريق الذين أنعم الله عليهم؛ وطريق المغضوب عليهم؛ وطريق الضالين؛ الذين أنعم الله عليهم: هم الرسل، وأتباعهم؛ والمغضوب عليهم: اليهود، وأمثالهم؛ والضالون: النصارى، وأمثالهم؛ وهذا بالنسبة للنصارى قبل أن يبعث الرسول ﷺ ؛ أما لما بعث الرسول ﷺ ، وكذبوه صاروا من المغضوب عليهم كاليهود بالنسبة لدين المسيح؛ لأن اليهود كانوا مغضوباً عليهم، حيث جاءهم عيسى فكذبوه بعد أن علموا الحق؛ وبعد ما بعث عيسى واتبعه النصارى وطال الأمد، ابتدعوا ما ابتدعوا من الدين، فضلُّوا؛ فصاروا ضالين؛ لكن لما بعث محمد ﷺ كذبوه، وأنكروه؛ فصاروا من المغضوب عليهم؛ لأنهم علموا الحق، وخالفوه. القرآن ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤] التفسير: بل أظننتم -أيها المؤمنون-أن تدخلوا الجنة، ولمَّا يصبكم من الابتلاء مثل ما أصاب المؤمنين الذين مضوا من قبلكم: من الفقر والأمراض والخوف والرعب، وزُلزلوا بأنواع المخاوف، حتى قال رسولهم والمؤمنون معه -على سبيل الاستعجال للنصر من الله تعالى-: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب من المؤمنين. اختلف أهل العلم في سبب نزول هذه الآية على قولين: أحدهما: قال: قتادة (١)، والسدي (٢)، وجمهور المفسرين، أنها "نزلت يومَ الأحزاب، حين لقي المؤمنون ما لَقوا من شدة الجهد، من خوف الأحزاب، وشدة أذى البرد، وضيق العيش الذي كانوا فيه يومئذ، يقول الله جل وعز للمؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٩ - ١١] " (٣). والثاني: وقال عطاء: " لما دخل رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة اشتد الضر عليهم، بأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ﷺ وأسر قوم من الأغنياء النفاق، فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم ﴿أم حسبتم﴾ الآية" (٤). قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤]، أي: " بل ظننتم" (٥) أن تدخلوا الجنة" (٦). قال الصابوني: " أي بل ظننتم يا معشر المؤمنين أن تدخلو الجنة بدون ابتلاءٍ وامتحان واختبار" (٧).

стр. 1585

قال الزمخشري: " ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجيء البينات- تشجيعاً لرسول اللَّه ﷺ والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له- قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ: ﴿أم حسبتم﴾ " (١). و﴿أَمْ﴾: منقطعة، ومعنى الهمزة فيها، للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده (٢). والخطاب في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾، "يعود على كل من يتوجه إليه الخطاب: إلى النبي ﷺ ، وإلى الصحابة، وإلى من بعدهم" (٣). و﴿الجنة﴾ في اللغة: "البستان كثير الأشجار؛ وفي الشرع: هي الدار التي أعدها الله للمتقين فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤]؛ أي " أي والحال لم ينلكم مثل ما نال من سبقكم من المؤمنين، من المحن الشديدة، ولم تبتلوا بمثل ما ابتلوا به من النكبات" (٥). قال الطبري: أي: " ولم يصبكم مثلُ ما أصاب مَن قبلكم مِن أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار" (٦). قال القاسمي: "والحال أنه لم يأتكم مثلهم بعد، ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مَثَلٌ في الفظاعة والشدة، سنة الله التي لا تتبدل" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وجهان: أحدهما: أي: " شبه الذين خلوا فمضوا قبلكم". قاله الطبري (٨). والثاني: أن المعنى: " سنتهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] ".وهذا قول الربيع بن أنس (٩)، وبه قال ابن كثير (١٠). قال ابن عثيمين: "أي صفة ما وقع لهم؛ و (المثل) يكون بمعنى الصفة، مثل قوله تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون﴾ [الرعد: ٣٥] أي صفتها كذا، وكذا؛ ويكون بمعنى الشبه، كقوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً﴾ [البقرة: ١٧] أي شبههم كشبه الذي استوقد ناراً؛ و ﴿خلوا﴾ بمعنى مضوا؛ فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: ﴿من قبلكم﴾ إذا كانت ﴿خلوا﴾ بمعنى مضوا؟ نقول: هذا من باب التوكيد؛ والتوكيد قد يأتي بالمعنى مع اختلاف اللفظ، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ [البقرة: ٦٠]؛ فإن الإفساد هو العثو؛ ومع ذلك جاء حالاً من الواو؛ فهو مؤكد لعامله" (١١). أخرج ابن أبي حاتم عن مفضل قال: "سالت أبا صخر، عن قوله: ﴿ولما ياتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾، يقول: ولم اضربكم ببلايا كما بلوت الذين من قبلكم، بلوتهم بالباساء والضراء وزلزلوا " (١٢). واخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن انس: ﴿ولما ياتكم﴾، يقول: "ولما تبتلوا" (١٣).

стр. 1586

وقوله تعالى: ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، أي"حلّت بهم" (١). قال ابن عثيمين: "أصابتهم إصابة مباشرة" (٢). فالمسّ حقيقته: "اتصال الجسم بجسم آخر وهو مجاز في إصابة الشيء وحلوله، فمنه مس الشيطان أي حلول ضُر الجنة بالعقل، ومسُّ سَقر: ما يصيب من نارها، ومسَّه الفقر والضر: إذا حل به، وأكثر ما يطلق في إصابة الشر قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا﴾ [يونس: ١٢]، ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] " (٣). قول تعالى ﴿الْبَأْسَاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] أي: "الفقر" (٤). قال القاسمي: أي: "الشدائد" (٥). قال البغوي: أي: " الفقر والشدة والبلاء" (٦). قال الطبراني: " أي الشدَّةُ وهي القتلُ" (٧). قال أبو صخر: "يقول: بلوتهم بالبأساء" (٨). قال الفخر: " أما ﴿الْبَأْسَاءُ﴾ فهو اسم من البؤس بمعنى الشدة وهو الفقر والمسكنة ومنه يقال فلان في بؤس وشدة" (٩). قال ابن عباس: "أخبر الله سبحانه المؤمنين، أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها، وأخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه وصفوته، لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مستهم البأساء والضراء﴾ " (١٠). قال السدي: " أصابهم هذا يوم الأحزاب" (١١). وفي تفسير: ﴿الْبَأْسَاءِ﴾ (١٢) [البقرة: ٢١٤]، قولان: أحدهما: أنه الفقر. قاله ابن مسعود (١٣)، وروي عن ابن عباس وأبي العالية والحسن في أحد قوليه وسعيد بن جبير ومرة الهمداني ومجاهد وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (١٤). والثاني: أنه البلاء. قاله الحسن (١٥).

стр. 1587

قوله تعالى: ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، أي: "الأمراض في أبدانهم" (١). قال البغوي: " المرض والزمانة" (٢). قال القاسمي: "والآلام" (٣). قال الطبراني: " والبلاءُ والفقرُ والمرض" (٤). قال الفخر: "وأما ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾ فالأقرب فيه أنه ورود المضار عليه من الآلام والأوجاع وضروب الخوف، وعندي أن البأساء عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه، والضراء عبارة عن انفتاح جهات الشر والآفة والألم عليه" (٥). واختلف في قوله: ﴿الضَّرَّاءِ﴾ (٦) [البقرة: ١٧٧]، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه السقم. قاله السدي (٧)، وروي عن ابن عباس (٨)، وأبي العالية ومرة وأبي مالك والحسن ومجاهد والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، والضحاك نحو ذلك (٩). الثاني: أنه الأمراض والجوع. قاله الحسن (١٠). الثالث: أنه البلاء والشدة. قاله سعيد بن جبير (١١). قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤]، أي: "وأزعجوا إزعاجاً شديداً بما أصابهم من الشدائد" (١٢). قال القاسمي: أي: "أزعجوا، مما دهمهم من الأهوال والإفراغ، إزعاجا ًشديداً شبيهاً بالزلزلة التي تكاد تهدّ الأرض وتدك الجبال" (١٣). قال ابن عباس: "وزلزلوا بالفتن وأذى الناس إياهم " (١٤). قال ابن كثير: " ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ خَوْفًا من الأعداء زلْزالا شديدًا، وامتحنوا امتحانًا عظيمًا" (١٥). قال الشوكاني: أي: " خوفوا وأزعجوا إزعاجا شديدا" (١٦). قال البغوي: " أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا وخوفوا" (١٧). قال ابن عثيمين: أي: "زلزلة القلوب بالمخاوف، والقلق، والفتن العظيمة، والشبهات، والشهوات " (١٨).

стр. 1588

قال ابن عاشور: " أي أزعجوا أو اضطربوا، وإنما الذي اضطرب نظام معيشتهم، قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] " (١). قال السعدي: أي: " بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال، وآل بهم الزلزال، إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به" (٢). قال السدي: " أصابهم هذا يوم الأحزاب حتى قال قائلهم: ﴿ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا﴾ " (٣). قال القرطبي: " (الزلزلة) تعني شدة التحريك، تكون في الأشخاص وفي الأحوال، يقال: زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالا - بالكسر - فتزلزلت إذا تحركت واضطربت، فمعنى "زلزلوا" خوفوا وحركوا. والزلزال - بالفتح - الاسم. والزلازل: الشدائد. وقال الزجاج: أصل الزلزلة من زل الشيء عن مكانه، فإذا قلت: زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه. ومذهب سيبويه أن زلزل رباعي كدحرج" (٤). قال الراغب: " (الزلزلة): شدة الحركة، وأصلها زل، ولزيادة المعنى زيد لفظه، وعلى هذا دل ودلدل، وما أشبهه به من المضعف مع الحرف المكرر بين تعالى أنه لا سبيل للناس كافة إلي الجنة إلا بتحمل المشاق، ولهذا ولهذا قال ﵇: "حفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات " (٥)، فخاطب هذه الأمة بأنه محال أن ترجو تحصيل الجنة إلا بما جرى به حكم الله في الذين سلفوا، وهو أن تنالكم البأساء أي الفقر، والضراء أي المصائب، والزلزلة أي المخاوف، وبذلك أثنى على المؤمنين فقال: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وليس ذلك في الأمور الإلهية فقط، بل في عامة الملاذ لا سبيل إلى منحة إلا بمنحة، ولا إلى لذة إلا بشدة، ولهذا قيل: ولابْد دُون الشهدِ من أثرِ النحلِ" (٦). قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، أي: " حتى وصل بهم الحال أن يقول الرسول والمؤمنون معه: متى يأتي نصر الله"" (٧). قال ابن عثيمين: " والاستفهام فيها للاستعجال - أي استعجال النصر -؛ وليس للشك فيه" (٨). قال الشوكاني: "أي استمر ذلك إلى غاية، هي قول الرسول ومن معه" (٩) (١٠).

стр. 1589

قال الراغب: قيل معناه: على سبيل الإبطاء، ثم تداركوا، وعادوا إلى معرفتهم" (١). قال البغوي: أي: " ما زال البلاء بهم حتى استبطؤوا النصر" (٢). قال الصابوني: " وذلك استبطاء منهم للنصر، لتناهي الشدة عليهم، وهذا غاية الغايات في تصوير شدة المحنة، فإذا كان الرسل – مع علو كعبهم في الصبر والثبات – قد عيل صبرهم، وبلغوا هذا المبلغ من الضجر والضيق، كان ذلك دليلا على أن الشدة بلغت منتهاها" (٣) قال الراغب: " أى بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك. ومعناه طلب الصبر وتمنيه، واستطالة زمان الشهدة. وفي هذه الغاية دليل على تناهى الأمر في الشدة وتماديه في العظم، لأنّ الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمح وراءها" (٤). قال القاسمي: " أي: انتهى أمرهم من الشدة إلى حيث اضطرهم الضجر إلى أن يقول الرسول وهو أعلم الناس بشؤون الله تعالى، وأوثقهم بنصره، وداعيهم إلى الصبر - والذين آمنوا وهم الأثبت بعده، العازمون على الصبر، الموقنون بوعد النصر -" (٥). وفي قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُول﴾ [البقرة: ٢١٤] قراءتان (٦): إحداهما: ﴿يَقُولُ﴾، بالرفع، قرأ بها نافع، وذلك على إلغاء عمل ﴿حتى﴾، ومن ذلك قول الفرزدق (٧): فيا عجبا حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع قال النحاس: "فعلى هذه القراءة بالرفع وهي أبين وأصحّ معنى أي وزلزلوا حتى الرسول يقول أي حتى هذه حاله، لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها، والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى" (٨). وفي رواية الفراء عن محمد بن الجهم، "أن الكسائي كان يقرؤها دهرا رفعا ثم رجع إلى النصب" (٩). هذه قال القرطبي: "والرسول هنا شعْيا (١٠) في قول مقاتل، وهو اليسع. وقال الكلبي: هذا في كل رسول بعث إلى أمته وأجهد في ذلك حتى قال: متى نصر الله؟ . وروي عن الضحاك قال: يعني محمدا ﷺ ، وعليه يدل نزول الآية، والله أعلم" (١١). والثانية: ﴿يَقُولَ﴾ بالنصب، وهي قراءة الحسن وأبو جعفر وابن أبي إسحاق وشبل وغيرهم، وذلك على إعمال ﴿حتى﴾ الناصبة، ؛ وهي لا تعمل إلا في المستقبل (١٢).

стр. 1590

قال مكي: "وهو الاختيار، لأن جماعة القراء عليه" (١). قال الطبري: " إذا كان ما قبل (حتى) من الفعل على لفظ (فعل) متطاول المدة، وما بعدها من الفعل على لفظ غير منقضٍ، فالصحيح من الكلام نصب (يفعل)، وإعمال (حتى)، وذلك نحو قول القائل: ما زال فلان يطلبك حتى يكلمك وجعل ينظر إليك حتى يثبتك، فالصحيح من الكلام - الذي لا يصح غيره - النصبُ بـ (حتى)، كما قال امرؤ القيس (٢): مَطَوْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهمْ ... وَحَتَّى الجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانِ فنصب (تكل)، والفعل الذي بعد (حتى) ماض، لأن الذي قبلها من (المطو) متطاول. والصحيح من القراءة: ﴿وزلزلوا حتى يقولَ الرسول﴾، نصب ﴿يقول﴾، إذ كانت (الزلزلة) فعلا متطاولا، مثل: المطو بالإبل، و (الزلزلة) في هذا الموضع: الخوف من العدو، لا (زلزلة الأرض)، فلذلك كانت متطاولة وكان النصبُ في ﴿يقول﴾ وإن كان بمعنى: (فعل) أفصحَ وأصحَّ من الرفع فيه" (٣). وقرأ الأعمش: " ﴿وزلزلوا ويقول الرسول﴾، بالـ ﴿واو﴾ بدل ﴿حتى﴾. وفي مصحف ابن مسعود: ﴿وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول﴾ " (٤). قال ابن عطية: وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك ولا ارتياب " (٥). قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، أي: " ألا إن نصر الله لك ولأمتك يا محمد قريب عاجل" (٦). قال الصابوني: " أي ألا فأبشروا فإِنه حان أوانه" (٧) قال الزمخشري: أي: " فقيل لهم ذلك إجابة لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر" (٨). قال الزجاج: " فأعلم أولياءه أنه ناصرهم لا محالة، وأن ذلك قريب منهم كما قال: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] " (٩). قال المراغي: أي: " فهو سينصركم على عدوكم، ويكفيكم شرّ أهل البغي ويؤيد دعوتكم، ويجعل كلمتكم العليا، وكلمة الذين كفروا هى السفلى" (١٠).

стр. 1591

قال البيضاوي: أي: " فقيل لهم ذلك اسعافاً لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر، وفيه إشارة إلى أن الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات، ومكابدة الشدائد والرياضات" (١). قال أبو السعود: " أي فقيل لهم حينئذٍ ذلك إسعافاً لمرامهم بالقرب، وفي إيثار الجملة الاسميةِ على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد من الدلالة على تحقيق مضمونها" (٢). وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، يحتمل وجهان من التفسير (٣): أحدهما: أن في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله فيقول الرسول: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان. قال ابن عطية: "وهذا تحكم، وحمل الكلام على وجهه غير متعذر" (٤). والثاني: أن يكون ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ إخبارا من الله تعالى مؤتنفا بعد تمام ذكر القول، فيكون جملة استئنافية يخبر الله بها خبراً مؤكداً بمؤكدين: ﴿ألا﴾؛ و ﴿إن﴾. قال الشيخ ابن عثيمين: "وكلاهما صحيح" (٥). قال ابن عاشور: قوله ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ كلام مستأنف بقرينة افتتاحه بـ ﴿أَلا﴾، وهو بشارة من الله تعالى للمسلمين بقرب النصر بعد أن حصل لهم من قوارع صدر الآية ما ملأ القلوب رُعباً، والقصد منه إكرام هذه الأمة بأنها لا يبلغ ما يمسها مبلغ ما مس من قبلها، وإكرامٌ للرسول ﷺ بألا يحتاج إلى قول ما قالته الرسل قبله من استبطاء نصر الله بأن يجيء نصر الله لهاته الأمة قبل استبطائه، وهذا يشير إلى فتح مكة" (٦). وفي حديث أبي رَزين: "عَجب ربّك من قُنُوط عباده، وقُرْب غيثه فينظر إليهم قَنطين، فيظل يضحك، يعلم أنّ فرجهم قريب" الحديث (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: عناية الله بهذه الأمة، حيث يسليها بما وقع بغيرها؛ لقوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ... ﴾ إلخ؛ وهكذا كما جاء في القرآن جاء في السنة؛ فالرسول ﷺ لما جاءه أصحابه يشكون إليه بمكة فأخبرهم: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه، وعظمه؛ ما يصده ذلك عن دينه» (٨) تثبيتاً للمؤمنين. ٢ - ومن فوائد الآية: إثبات الجنة. ٣ - ومنها: أن الإيمان ليس بالتمني، ولا بالتحلي؛ بل لا بد من نية صالحة، وصبر على ما يناله المؤمن من أذًى في الله . ٤ - ومنها: حكمة الله ، حيث يبتلي المؤمنين بمثل هذه المصائب العظيمة امتحاناً حتى يتبين الصادق من غيره، كما قال تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ [محمد: ٣١]؛ فلا يُعرف زيف الذهب إلا إذا أذبناه بالنار؛ ولا يُعرف طيب العود إلا إذا أحرقناه بالنار؛ أيضاً لا

стр. 1592

يعرف المؤمن إلا بالابتلاء والامتحان؛ فعليك يا أخي بالصبر؛ قد تؤذى على دينك؛ قد يستهزأ بك؛ وربما تلاحَظ؛ وربما تراقَب؛ ولكن اصبر، واصدق، وانظر إلى ما حصل من أولي العزم من الرسل؛ فالرسول ﷺ كان ساجداً لله في آمن بقعة على الأرض - وهو المسجد الحرام -؛ فيأتي طغاة البشر بفرث الناقة، ودمها، وسلاها، يضعونها عليه وهو ساجد؛ هذا أمر عظيم لا يصبر عليه إلا أولو العزم من الرسل؛ ويبقى ساجداً حتى تأتي ابنته فاطمة وهي جويرية - أي صغيرة - تزيله عن ظهره فيبقى القوم يضحكون، ويقهقهون (١)؛ فاصبر، واحتسب؛ واعلم أنه مهما كان الأمر من الإيذاء فإن غاية ذلك الموت؛ وإذا مت على الصبر لله انتقلت من دار إلى خير منها. ٥ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان ألا يسأل النصر إلا من القادر عليه - وهو الله ؛ لقوله تعالى: ﴿متى نصر الله﴾. ٦ - ومنها: أن المؤمنين بالرسل منهاجهم منهاج الرسل يقولون ما قالوا؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله﴾؛ يتفقون على هذه الكلمة استعجالاً للنصر. ٧ - ومنها: تمام قدرة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾. ٨ - ومنها: حكمة الله، حيث يمنع النصر لفترة معينة من الزمن - مع أنه قريب -. ٩ - ومنها: أن الصبر على البلاء في ذات الله من أسباب دخول الجنة؛ لأن معنى الآية: اصبروا حتى تدخلوا الجنة. ١٠ - ومنها: تبشير المؤمنين بالنصر ليتقووا على الاستمرار في الجهاد ترقباً للنصر المبشرين به. ١١ - ومنها: الإشارة إلى ما جاء في الحديث الصحيح: «حفت الجنة بالمكاره» (٢)؛ لأن هذه مكاره؛ ولكنها هي الطريق إلى الجنة. ١٢ - ومنها: أنه لا وصول إلى الكمال إلا بعد تجرع كأس الصبر؛ لقوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ... ﴾ إلخ. القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ [البقرة: ٢١٥] التفسير: يسألك أصحابك -أيها النبي- أي شيء ينفقون من أصناف أموالهم تقربًا إلى الله تعالى، وعلى مَن ينفقون؟ قل لهم: أنفقوا أيَّ خير يتيسر لكم من أصناف المال الحلال الطيب، واجعلوا نفقتكم للوالدين، والأقربين من أهلكم وذوي أرحامكم، واليتامى، والفقراء، والمسافر المحتاج الذي بَعُدَ عن أهله وماله. وما تفعلوا من خير فإن الله تعالى به عليم. وفي سبب نزول الآية أقوال: أحدها: قال ابن عباس في رواية أبي صالح: "نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاري وكان شيخا كبيرا ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله بماذا نتصدق؟ وعلى من ننفق؟ فنزلت هذه الآية" (٣). وذكره مقاتل (٤)، والثعلبي (٥)، وابن عسكر في ذيل الأعلام، ونسبه إلى ابن فطيس (٦) (٧).

стр. 1593

والثاني: أخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي بسنده الواهي عن عطاء عن ابن عباس: "نزلت في رجل أتى النبي ﷺ فقال: إن لي دينارا، فقال: "أنفقه على نفسك"، قال: إن لي دينارين، قال: "أنفقهما على أهلك"، قال: فإن لي ثلاثة، قال: "أنفقها على خادمك"، قال: فإن لي أربعة، قال: "أنفقها على والدتك"، قال: فإن لي خمسة، قال: "أنفقها على قرابتك"، قال: فإن لي ستة، قال: "أنفقها في سبيل الله هو أحسنها" (١) (٢). والثالث: وقال قتادة في سبب نزولها: "أهمتهم النفقة فسألوا نبي الله ﷺ فنزلت ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر﴾ " (٣)، وأخرج الطبري نحوه عن مجاهد (٤)، وأبي نجيح (٥)، وابن جريج (٦). واختلف في نسخ حكم هذه الآية على قولين (٧): أحدهما: قال السدي: "يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وإنما هي النفقةُ ينفقها الرجل على أهله، والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة" (٨)، وأخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس (٩) نحو ذلك. قال البغوي: "قال أهل التفسير: كان هذا قبل فرض الزكاة فنسخت بالزكاة" (١٠). والثاني: وقال جماعة: أنها غير منسوخة. وهذا قول مقاتل (١١)، وابن جريج (١٢) وغيرهما، وهو الصحيح. أخرج ابن أبي حاتم عن وقال مُقَاتل بن حَيّان: " قوله: ﴿يسئلونك ماذا ينفقون﴾، وهي: النفقة في التطوع" (١٣). ونقله ابن كثير في تفسيره دون اسناد (١٤). قال ابن الجوزي: " والتحقيق أن الآية عامة في الفرض والتطوع فحكمها ثابت غير منسوخ، لأن ما يجب من النفقة على الوالدين والأقربين إذا كانوا فقراء لم ينسخ بالزكاة، وما يتطوع به لم ينسخ بالزكاة

стр. 1594

وقد قامت الدلالة على أن الزكاة لا تصرف إلى الوالدين والولد، وهذه الآية بالتطوع أشبه، لأن ظاهرها أنهم طلبوا بيان الفضل في إخراج الفضل (فبينت) لهم وجوه الفضل" (١). قال ابن عطية: "ووهم المهدوي على السدي في هذا، فنسب إليه أنه قال: إن الآية في الزكاة المفروضة ثم نسخ منها الوالدان، وقال ابن جريج (٢) وغيره: هي ندب، والزكاة غير هذا الإنفاق، فعلى هذا لا نسخ فيها " (٣). قال القرطبي: " وهي مبينة لمصارف صدقة التطوع، فواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحهما في قدر حالهما من حاله، من طعام وكسوة وغير ذلك" (٤). وقال ابن كثير: " وقال السدي: نَسَختها الزكاة. وفيه نظر" (٥). قال الطبري: "وهذا الذي قاله السدي: من أنه لم يكن يوم نزلت هذه الآية زكاةٌ، وإنما كانت نفقةً ينفقها الرجل على أهله، وصدقةً يتصدق بها، ثم نسختها الزكاة قولٌ ممكن أن يكون كما قال: وممكن غيره. ولا دلالة في الآية على صحة ما قال، لأنه ممكن أن يكون قوله: " قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين " الآية، حثًا من الله جل ثناؤه على الإنفاق على من كانت نفقته غيرَ واجبة من الآباء والأمهات والأقرباء، ومن سمي معهم في هذه الآية، وتعريفًا من الله عبادَه مواضع الفضل التي تُصرف فيها النفقات، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٧] " (٦). وقال الفخر الرازي: " قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وهذا ضعيف لأنه يحتمل حمل هذه الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها (٧): أحدها: قال أبو مسلم الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب والملك، والمراد بالأقربين الولد وولد الولد وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك، وإذا حملنا الآية على هذا الوجه فقول من قال أنها منسوخة بآية المواريث، لا وجه له لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة والميراث يصل بعد الموت، وأيضا فما يصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة. وثانيها: أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى فيكون المراد به التطوع. وثالثها: أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية وفيما يتصل باليتامى والمساكين مما يكون زكاة. ورابعها: يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثا على صلة الرحم وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة. فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ" (٨).

стр. 1595

وقال الشربيني: "ليس في الآية ما ينافي فرض الزكاة لينسخ به كما قيل؛ لأنّ الزكاة لا تعطى للوالدين ولا للأقربين من الأولاد وأولاد الأولاد، فالآية محمولة على الإنفاق على من ذكر تطوّعاً أو على الإنفاق على الفقراء من الوالدين والأولاد وأولاد الأولاد، وذلك ليس بمنسوخ" (١). قال مالك "ليس عليه (٢) أن يزوج أباه، وعليه أن ينفق على امرأة أبيه، كانت أمه أو أجنبية، وإنما قال مالك: ليس عليه أن يزوج أباه لأنه رآه يستغني عن التزويج غالبا، ولو احتاج حاجة ماسة لوجب أن يزوجه، ولولا ذلك لم يوجب عليه أن ينفق عليهما. فأما ما يتعلق بالعبادات من الأموال فليس عليه أن يعطيه ما يحج به أو يغزو، وعليه أن يخرج عنه صدقة الفطر، لأنها مستحقة بالنفقة والإسلام" (٣). قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥]؛ " أي: يسألك أصحابك يا محمد، أي شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به" (٤). قال القاسمي: " أي: شيء ينفقونه من أصناف الأموال" (٥). قال ابن كثير: " يسألونك كيف ينفقون" (٦). قاله ابن عباس ومجاهد. قال الشيخ ابن عثيمين: "والسؤال هنا عن المنفَق؛ لا على المنفق عليه؛ أي يسألونك ماذا ينفقون من أموالهم جنساً، وقدراً، وكيفاً" (٧). قال الشوكاني: " السائلون هنا هم المؤمنون سألوا عن الشيء الذي ينفقونه ما هو فأجيبوا ببيان المصرف الذي يصرفون فيه تنبيها على انه الأولى بالقصد لأن الشيء لا يعتد به إلا إذا وضع في موضعه وصادف مصرفه وقيل إنه قد تضمن قوله ﴿ما انفقتم من خير﴾ بيان ما ينفقونه وهو كل خير وقيل إنهم إنما سألوا عن وجوه البر التي ينفقون فيها وهو خلاف الظاهر" (٨). وفي قوله: ﴿ماذا﴾ [البقرة: ٢١٥]، وجهان من الإعراب (٩): أحدهما: أن يكون ﴿ماذا﴾ بمعنى: أيّ شيء؟ ، فيكون نصبًا بقوله: ﴿ينفقون﴾، فيكون معنى الكلام حينئذ: يسألونك أيَّ شيء ينفقون؟ ، ولا يُنصَب بـ (يسألونك). والثاني: الرفع، وللرفع في ذلك وجهان: الوجه الأول: أن يكون (ذا) الذي مع (ما) بمعنى (الذي)، فيرفع (ما) بـ (ذا) و (ذا) لِـ (ما)، و ﴿ينفقون﴾ من صلة (ذا)، فإن العرب قد تصل (ذا) و (هذا)، كما قال يزيد بن مفرغ الحميري (١٠): عَدَسْ! مَا لِعَبَّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ ... أمنْتِ وهذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ! فـ (تحملين) من صلة (هذا)، فيكون تأويل الكلام حينئذ: يسألونك ما الذي ينفقون؟ .

стр. 1596

والوجه الثاني: أن تكون ﴿ماذا﴾ بمعنى: أيّ شيء، فيرفع ﴿ماذا﴾، وإن كان قوله: ﴿ينفقون﴾ واقعًا عليه، إذ كان العاملُ فيه، وهو ﴿ينفقون﴾، لا يصلح تقديمه قبله، وذلك أن الاستفهامَ لا يجوز تقديم الفعل فيه قبل حرف الاستفهام، كما قال لبيد بن ربيعة (١): ألا تَسْأَلانِ المَرْءَ مَاذَا يُحَاِولُ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أَمْ ضلالٌ وَبَاطِلُ وكما قال مزاحم العقيل (٢): وَقَالُوا تَعَرَّفْهَا المَنَازِلَ مِنْ مِنًى ... وَمَا كُلُّ مَنْ يَغْشَى مِنًى أَنَا عَارِفُ فرفع (كل) ولم ينصبه (بعارف)، إذ كان معنى قوله: " وما كلُّ من يغشى منىً أنا عارف " جحودُ معرفه من يغشى منيً، فصار في معنى ما أحد. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]؛ أي: " فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم به، فأنفقوه وتصدقوا به واجعلوه لآبائكم وأمهاتكم وأقربيكم، ولليتامى منكم، والمساكين، وابن السبيل" (٣). قال الصابوني: أي" قل لهم يا محمد اصرفوا في هذه الوجوه" (٤). وقوله ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢١٥]، أي: " من مال" (٥). قال الشربيني: " أي: مال قليلاً كان أو كثيراً" (٦). قال الراغب: "فسمي (المال) خيرا تنبيها أن الذي يجوز إنفاقه هو الحلال الذي يتناوله اسم الخير، كما قال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ ثم بين تعالي أن كل ما يفعلونه لا يخفى عليه على الوجه الذي يفعلونه، [تنبيها أنه يجازى به] نحو قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [اللزلة: ٧ - ٨] " (٧). وقرأ علي بن أبي طالب ﴿يفعلوا﴾ بالياء على ذكر الغائب، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة (٨). قال الطبري: " و ﴿الخير﴾ الذي قال جل ثناؤه في قوله: ﴿قل ما أنفقتم من خير﴾، هو المال الذي سأل رسولَ الله ﷺ أصحابُه من النفقة منه، فأجابهم الله عنه بما أجابهم به في هذه الآية" (٩). قال الفخر: " المراد من الخير هو المال لقوله : ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ [العاديات: ٨] وقال: ﴿إن ترك خيرا الوصية﴾ [البقرة: ١٨٠] فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر، وفيه

стр. 1597

قول آخر وهو أن يكون قوله: ﴿وما تفعلوا من خير﴾ يتناول هذا الإنفاق وسائر وجوه البر والطاعة، وهذا أولى" (١). قال الشيخ ابن عثيمين: "من تأمل الآية تبين له أن الله أجابهم عما ينفقون؛ وعما ينفقون فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ما أنفقتم من خير﴾؛ ففي هذا بيان ما ينفقون؛ وفي قوله تعالى: ﴿فللوالدين ... ﴾ بيان ما ينفقون فيه ً" (٢). و﴿لِلْوَالِدَيْنِ﴾: أي "الأب، والأم وإن علوا" (٣). قال القاسمي: ذكر الوالدين" قبل غيرهما ليكون أداء لحق تربيتهما مع كونه صلة الوصل" (٤). و﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾: "جمع أقرب؛ وهو من كان أدنى من غيره إلى المنفِق " ليكون صلة وصدقة" (٥)؛ فأخ، وابن أخ: فالأقرب الأخ؛ وعم، وابن عم: فالأقرب العم؛ وابن أخ، وعم: فالأقرب ابن الأخ؛ ولهذا اتفق أهل العلم على أنه إذا اجتمع عم، وابن أخ في مسألة فرضية فيقدم ابن الأخ؛ لقول النبي ﷺ : «فما بقي فلأولى رجل ذكر» (٦)؛ والقرابة لهم حق؛ لأنهم من الأرحام؛ لكن الأقرب أولى من الأبعد؛ ويدخل في ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الأولاد من بنين، وبنات - وإن نزلوا -" (٧). قال الرازي: " والقرابة تصلح أن تكون سببا للترجيح من وجوه أحدها: أن القرابة مظنة المخالطة، والمخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر، فإذا كان أحدهما غنيا والآخر فقيرا كان اطلاع الفقير على الغني أتم، واطلاع الغني على الفقير أتم، وذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق وثانيها: أنه لو لم يراع جانب الفقير، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره وذلك عار وسيئة في حقه فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعا للضرر عن النفس وثالثها: أن قريب الإنسان جار مجرى الجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، فلهذا السبب كان الإنفاق على القريب أولى من الإنفاق على البعيد" (٨). و﴿وَالْيَتَامَى﴾: "جمع يتيم؛ وهو مشتق من اليتم، والانفراد؛ والمراد به من مات أبوه ولم يبلغ؛ " لأن فيهم الفقر مع العجز" (٩)، وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات جبراً لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره؛ فهذا إذا بلغ استقل بنفسه، فلم يكن يتيماً" (١٠). قال الفخر: " وذلك لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب ولكونهم يتامى ليس لهم أحد يكتسب لهم، فالطفل الذي مات أبوه قد عدم الكسب والكاسب، وأشرب على الضياع" (١١). و﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: "جمع مسكين؛ وهو المعدم الذي ليس عنده مال؛ سمي كذلك؛ لأن الفقر قد أسكنه، وأذله؛ والمسكين هنا يدخل فيه الفقير؛ لأنه إذا ذكر المسكين وحده دخل فيه الفقير؛ وإذا ذكر الفقير وحده دخل فيه المسكين؛ وإذا اجتمعا صار الفقير أشد حاجة من المسكين؛ فيفترقان؛ وتجد في القرآن أن الفقير يأتي وحده، والمسكين يأتي وحده؛ والفقير، والمسكين يجتمعان؛ ففي قوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا

стр. 1598

من ديارهم وأموالهم﴾ [الحشر: ٨] يشمل المساكين؛ وفي قوله تعالى: ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٢] يشمل المساكين؛ وفي قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ [المائدة: ٨٩] يدخل فيه الفقير؛ وكذلك هنا؛ وفي قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] ذكر الصنفين جميعاً" (١). قال الرازي: " وحاجة هؤلاء [المساكين] أقل من حاجة اليتامى لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى" (٢). و﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: " هو المسافر الذي انقطع به السفر؛ " لأنه كالفقير لغيبة ماله" (٣)، "فإنه بسبب انقطاعه عن بلده، قد يقع في الاحتياج والفقر" (٤). و﴿السبيل﴾: "هو الطريق؛ وسمي ابناً للسبيل؛ لأنه ملازم له - أي للسبيل -؛ وكل ما لازم شيئاً فهو ابن له، كما يقال: «ابن الماء» لطير الماء؛ لأنه ملازم له؛ وإنما ذكر الله ابن السبيل؛ لأنه غريب في مكانه: قد يحتاج ولا يُعلَم عن حاجته"" (٥). قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]، " أي وكل معروف تفعلونه يعلمه الله، وسيجزيكم عليه أوفر الجزاء" (٦). قال قتادة: "محفوظ ذلك عند الله، عالم به شاكر له وانه لا شيء اشكر من الله ولا اجزا بخير من الله" (٧). قال البيضاوي: " أي إن تفعلوا خيراً فإن الله يعلم كنهه ويوفي ثوابه" (٨). قال ابن كثير: "أي: مهما صَدَرَ منكم من فعل معروف، فإن الله يعلَمُه، وسيجزيكم على ذلك أوفرَ الجزاء؛ فإنه لا يظلم أحدًا مثقالَ ذَرّة" (٩). قال الفخر: أي" وكل ما فعلتموه من خير إما من هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلبا لجزيل ثوابه وهربا من أليم عقابه فإن الله به عليم، والعليم مبالغة في كونه عالما يعني لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فيجازيكم أحسن الجزاء عليه كما قال: ﴿أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى﴾ [آل عمران: ١٩] وقال: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧] " (١٠). وهذه الجملة شاملة لكل خير: هم سألوا ماذا ينفقون من أجل الخير؛ فعمم الله؛ والجملة شرطية: فعل الشرط فيها: ﴿تفعلوا﴾؛ وجوابه جملة: ﴿فإن الله به عليم﴾؛ والغرض منها بيان إحاطة الله علماً بكل ما يفعلونه من خير، فيجازيهم عليه (١١). وإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال، فإنهم سألوا عن بيان ما ينفقون، وأجيبوا ببيان المصرف؟ فالجواب: أن قوله: ﴿مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ قد تضمن بيان ما ينفقونه - وهو كل مال عدّوه خيراً - وبني الكلام على ما هو أهم، وهو بيان المصرف، لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها. قال حسان (١٢): إن الصنيعة لا تكون صنيعةً ... حتى يصاب بها طريق المصنع فإذا صنعت صنيعةً فاعمد بها ... لله أو لذوي القرابة أو دَعِ (١٣) قال البيضاوي: " سئل عن المنفق فأجيب ببيان المصرف لأنه أهم فإن اعتداد النّفقة باعتباره" (١٤). فيكون الكلام من الأسلوب الحكيم كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]. فيما تقدم هذا. والله أعلم. وقد أجاب الراغب على هذا السؤال بجوابين (١٥): أحدهما: أنهم سألوا عنهما وقالوا: ما ننفق؟ وعلى من ننفق؟ ولكن حذف حكاية السؤال، أحدهما إيجازاً ودل عليه بالجواب بقوله: ﴿مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ كأنه قيل: المنفَق الخير، والمنفق عليهم هؤلاء؛ فلفف أحد الجوابين في الآخر، وهذا طريق معروف في البلاغة الجواب الثاني: أن السؤال ضربان: سؤال جدل، وحقه أن يطابقه جوابه. لا زائداً عليه ولا ناقصاً عنه. وسؤال تعلم، وحق المعلم أن يكون كالطبيب يتحرى شفاء سقيم، فيطلب ما يشفيه - طلبه المريض أو لم يطلب. فلما كان حاجتهم إلى من ينفق المال عليهم كحاجتهم إلى ما ينفق من المال، بين لهم الأمرين جميعاً. إن قيل: كيف خص هؤلاء النفر دون غيرهم. .؟ قيل: إنما ذكر من ذكر على سبيل المثال لمن ينفق عليهم، لا على سبيل الحصر والاستيعاب، إذ أصناف المنفق عليهم على ما قد ذكر في غير هذا الموضع. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: حرص الصحابة ﵃ على السؤال عن العلم؛ وقد وقع سؤالهم لرسول الله ﷺ في القرآن أكثر من اثنتي عشرة مرة. ٢ - ومنها: أن من حسن الإجابة أن يزيد المسؤول على ما يقتضيه السؤال إذا دعت الحاجة إليه؛ فإنهم سألوا عما ينفقون، وكان الجواب عما ينفقون، وفيما ينفقون؛ ونظير ذلك أن النبي ﷺ سئل عن الوضوء بماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (١٦). ٣ - ومنها: فضل الإنفاق على الوالدين، والأقربين؛ وأنه مقدم على الفقراء، والمساكين؛ لأن الله بدأ بهم؛ ولا يبدأ إلا بالأهم فالأهم.

стр. 1599

قال الفخر: " اعلم أنه تعالى راعى الترتيب في الإنفاق، فقدم الوالدين، وذلك لأنهما كالمخرج له من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب، ثم ربياه في الحال الذي كان في غاية الضعف، فكان إنعامهما على الابن أعظم من إنعام غيرهما عليه، ولذلك قال تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين﴾ (الإسراء: ٢٣) وفيه إشارة إلى أنه ليس بعد رعاية حق الله تعالى شيء أوجب من رعاية حق الوالدين، لأن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود في الحقيقة، والوالدان هما اللذان أخرجاه إلى عالم الوجود في عالم الأسباب الظاهرة، فثبت أن حقهما أعظم من حق غيرهما فلهذا أوجب تقديمهما على غيرهما في رعاية الحقوق" (١). ٤ - ومنها: أن لليتامى حقاً في الإنفاق - ولو كانوا أغنياء -؛ لأنه خصهم بالذكر، ثم ذكر بعدهم المساكين؛ فإن كانوا يتامى، ومساكين اجتمع فيهم استحقاقان: اليتم، والمسكنة؛ وإذا كانوا أقارب، ويتامى، ومساكين اجتمع فيهم ثلاثة استحقاقات؛ وإذا كانوا مع ذلك أبناء سبيل اجتمع فيهم أربعة استحقاقات. ٥ - ومنها: عموم علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم﴾. ٦ - ومنها: أن كل فعل خير سواء كان إنفاقاً مالياً، أو عملاً بدنياً، أو تعليم علم، أو جهاداً في سبيل الله، أو غير ذلك فإن الله يعلمه، وسيجازي عليه؛ لأن ﴿من خير﴾ نكرة في سياق الشرط؛ فتكون للعموم. ٧ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا يحقر من المعروف شيئاً؛ لقوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير﴾؛ ويقول النبي ﷺ : «اتقوا النار ولو بشق تمرة» (٢). مسألة: هل يعطى ابن السبيل إذا سأل، أو يعطى وإن لم يسأل؟ هذا على أوجه: ١ - أن تعلم أنه لا يحتاج، كما لو كان غنياً تعرف أنه غني، ومر بالبلد عابراً؛ فهذا لا حاجة إلى أن تعطيه؛ حتى لو أعطيته لرأى في ذلك نقيصة له. ٢ - أن يغلب على ظنك أنه محتاج؛ ولكنه متعفف يستحيي أن يسأل؛ فالأولى إعطاؤه - وإن لم يسأل -؛ بل قد يجب. ٣ - أن تشك في أمره هل يحتاج أم لا؛ فأعرض عليه الإيتاء؛ ثم اعمل بما يقتضيه الحال. القرآن ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]. التفسير: فرض الله عليكم -أيها المؤمنون- قتال الكفار، والقتال مكروه لكم من جهة الطبع؛ لمشقته وكثرة مخاطره، وقد تكرهون شيئًا وهو في حقيقته خير لكم، وقد تحبون شيئًا لما فيه من الراحة أو اللذة العاجلة، وهو شر لكم. والله تعالى يعلم ما هو خير لكم، وأنتم لا تعلمون ذلك. فبادروا إلى الجهاد في سبيله. اختلف العلماء في حكم هذه الآية، على قولين (٣): القول الأول: أن الجهاد فرض على كافة المسلمين إلى قيام الساعة.

стр. 1600

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق" (١). قال سعيد بن المسيب: " أنه فرض على كل مسلم في عينه أبداً، وهذا قول سعيد بن المسيب، حكاه الماوردي" (٢). أخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿كتب عليكم القتال﴾: "وذلك ان الله ﵎ امر النبي- ﷺ والمؤمنين بمكة، بالتوحيد واقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وان يكفوا ايديهم عن القتال، فلما هاجر إلى المدينة، نزلت سائر الفرائض واذن لهم في القتال، فنزلت: ﴿كتب عليكم القتال﴾ يعني فرض عليكم، واذن لهم بعد ما كان نهاهم عنه" (٣). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب، في قول الله: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾: " فالجهاد مكتوب على كل أحد، غزا أو قعد فالقاعد، عدة، ان استعين به اعان، وان استغيث به اغاث، وان استنفر نفر، وان استغنى عنه قعد" (٤). وأخرج الطبري عن داود بن أبي عاصم، قال: "قلت لسعيد بن المسيب: قد أعلم أن الغزو واجبٌ على الناس! فسكت، وقد أعلم أنْ لو أنكر ما قلت لبيَّن لي" (٥). والقول الثاني: أنها منسوخة، لأنها تقتضي وجوب القتال على الكل؛ لأن الكل خوطبوا بها، وكتب بمعنى فرض. قال ابن جريج سألت عطاء: "أواجب الغزو على الناس من أجل هذه الآية؟ فقال: لا، إنما كتب على أولئك حينئذ" (٦). وقال ابن أبي نجيح: سألت مجاهدا: هل الغزو واجب على الناس؟ فقال: لا. إنما كتب عليهم يومئذ" (٧). وقال أبو إسحاق الفزاري: "سألت الأوزاعي عن قول الله : " كتب عليكم القتال وهو كره لكم "، أواجبٌ الغزو على الناس كلهم؟ قال: لا أعلمه، ولكن لا ينبغي للأئمة والعامة تركه، فأما الرجل في خاصة نفسه فلا" (٨). وقد اختلف أرباب هذا القول في ناسخها على قولين (٩): أحدهما: أنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قاله عكرمة (١٠). والثاني: قوله: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ [التوبة: ١٢٢].

стр. 1601

وقد زعم بعضهم أنها ناسخة من وجه، ومنسوخة من وجه، وذلك أن الجهاد كان على ئلاث طبقات (١): الأولى: المنع من القتال، وذلك مفهوم من قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ [النساء: ٧٧]. ثم فنسخت بهذ الآية ووجب بها التعين على الكل، وساعدها قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ [التوبة: ٤١]. ثم استقر الأمر على أنه إذا قام بالجهاد قوم سقط على الباقين بقوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ [التوبة: ١٢٢]. قال ابن الجوزي: " والصحيح أن قوله: ﴿كتب عليكم القتال﴾ محكم وأن فرض الجهاد لازم للكل، إلا أنه من فروض الكفايات، إذا قام به قوم سقط عن الباقين فلا وجه للنسخ" (٢). وقال أبو جعفر النحاس في هذه الآية: "وأما قول من قال: أن الجهاد فرض بالآية فقول صحيح، وهذا قول حذيفة، وعبد الله بن عمرو، وقول الفقهاء الذين تدور عليهم الفتيا، إلا أنه فرض يحمله بعض الناس عن بعض، فإن احتيج إلى الجماعة نفروا فرضا واجبا، لأن نظير كتب عليكم القتال كتب عليكم الصيام" (٣). وقال مكي بن أبي طالب: والأمر لا يحمل على الندب إلا بقرينة ودليل" (٤). وقال ابن عطية: "والذي استمر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد ﷺ فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين" (٥). والراجح -والله أعلم- هو ما قاله ابن الجوزي، وهو قول الجمهور، : إذ أن الجهاد فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين مثل صلاة الجنازة ورد السلام، وذلك "لإجماع الحجة على ذلك، ولقول الله : ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [سورة النساء: ٩٥]، فأخبر جل ثناؤه أنّ الفضل للمجاهدين، وأن لهم وللقاعدين الحسنى، ولو كان القاعدون مضيِّعين فرضًا لكان لهم السُّوأى لا الحسنى" (٦). قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]، أي: "فُرض عليكم قتال المشركين" (٧). قال البغوي: "أي: فرض عليكم الجهاد" (٨). قال القاسمي: أي " قتال المتعرضين لقتالكم، كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] " (٩). وقرأ قوم ﴿كتب عليكم القتل﴾، وقال الشاعر (١٠): كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول (١١) فـ «الكتْب» هنا بمعنى (الفرْض)، كما في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿القتال﴾ أي قتال أعداء الله الكفار؛ و ﴿القتال﴾ مصدر قاتل (١٢). قال القرطبي: " والمراد بالقتال قتال الأعداء من الكفار، وهذا كان معلوما لهم بقرائن الأحوال، ولم يؤذن للنبي ﷺ في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] ثم أذن له في قتال المشركين عامة" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، أي: " وهو مكروه لكم" (١٤). قال البغوي: أي: "شاق عليكم" (١٥). قال القرطبي: " وهو كره في الطباع" (١٦). قال ابن كثير: " أي: شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك، فإنه إما أن يُقْتَلَ أو يجرحَ مع مشقة السفر ومجالدَة الأعداء" (١٧). قال الشوكاني: " يعنى القتال وهو مشقة عليكم" (١٨) قال الصابوني: "وهو شاق ومكروه على نفوسكم، لما فيه من بذل المال، وخطر هلاك النفس" (١٩). قال بعض أهل المعاني: "هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما فيه، من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح، لا أنهم كرهوا أمر الله تعالى" (٢٠). قال سعيد بن جبير: "يعني: القتال هو مشقة لكم " (٢١). وقال قتادة: "شديد عليكم" (٢٢). وقال معاذ بن مسلم: "الكُرْه: المشقة، والكَرْه الإجبار" (٢٣). وقد كان بعض أهل العربية يقول: (الكُره والكَره)، لغتان بمعنى واحد، وقال بعضهم: (الكره) بضم (الكاف) اسم و (الكره) بفتحها مصدر (٢٤). و﴿كُرْهٌ﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول - يعني: وهو مكروه لكم -؛ والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيراً، مثل: ﴿وإن كن أولات حمل﴾ [الطلاق: ٦] يعني: محمول؛ وقول الرسول ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢٥)، أي مردود (٢٦).

стр. 1602

وأخرج ابن أبي حاتم عن عن عكرمة، في قوله: " ﴿كتب عليكم القتال وهو كره﴾ لكم قال: نسختها هذه الآية: ﴿سمعنا واطعنا﴾ " (١)، يعني أنهم كرهوه ثم أحبوه فقالوا: ﴿سمعنا وأطعنا﴾. قال ابن عرفة: "الكره، المشقة والكره - بالفتح - ما أكرهت عليه، هذا هو الاختيار، ويجوز الضم في معنى الفتح فيكونان لغتين، يقال: كرهت الشيء كرها وكرها وكراهة وكراهية، وأكرهته عليه إكراها. وإنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل، والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس، فكانت كراهيتهم لذلك، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. وقال عكرمة في هذه الآية: إنهم كرهوه ثم أحبوه وقالوا: سمعنا وأطعنا، وهذا لأن امتثال الأمر يتضمن مشقة، لكن إذا عرف الثواب هان في جنبه مقاساة المشقات" (٢). قلت-القرطبي-: ومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ويخاف منه كقطع عضو وقلع ضرس، وفصد وحجامة ابتغاء العافية ودوام الصحة، ولا نعيم أفضل من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدق" (٣). وقال الراغب: " الكره في الإنسان يستعمل على ضربين، أحدهما ما يعاف من حيث الطبع، والثاني ما يعاف من حيث الفعل وإن مال إليه الطبع، ولهذا يصح أن يوصف الشيء بأنه مراد مكروه، والكره والكره قيل هما واحد في معنى نحو الضعف والضعف وقيل بل الكره المشقة التي يحمل عليها الإنسان بإكراه، والكره ما يتحمله بلا إكراه، من غيره، وقيل للحرب كريهة" (٤). قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، : أي: و"عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم، في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيدا" (٥). قال الصابوني: " أي ولكن قد تكره نفوسكم شيئا وفيه كل النفع والخير" (٦). قال الشوكاني: " يعنى الجهاد قتال المشركين وهو خير لكم ويجعل الله عاقبته فتحا وغنيمة وشهادة" (٧). قال ابن كثير: " أي: لأنّ القتالَ يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم، وأموالهم، وذرَاريهم، وأولادهم (٨). قال الطبري: أي: " ولا تكرهوا القتالَ، فإنكم لعلكم أن تكرهوه وهو خيرٌ لكم، ولا تحبوا تركَ الجهاد، فلعلكم أن تحبوه وهو شر لكم" (٩). قال سعيد بن جبير: " يعني: الجهاد، قتال المشركين: وهو خير لكم ويجعل الله عاقبته فتحا وغنيمة وشهادة " (١٠). وقال السدي: " يقول: ان في القتال الغنيمة والظهور والشهادة، ولكم في القعود، الا تظهروا على المشركين ولا تستشهدوا ولا تصيبوا شيئا" (١١).

стр. 1603

قال الشيخ الشنقيطي: "لم يصف هذا الخير هنا بالكثرة وقد وصفه في قوله ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] " (١). قال القرطبي: ": ﴿عسى﴾: بمعنى قد، قاله الأصم. وقيل: هي واجبة. و"عسى" من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله﴾ [التحريم: ٥]. وقال أبو عبيدة: "عسى" من الله إيجاب" (٢). قال أبو مالك: " كل شيء في القران: (عسى|) فهو واجب الا حرفين، حرف في التحريم: ﴿عسى ربه ان طلقكن﴾، وفي بني اسرائيل: ﴿عسى ربكم ان يرحمكم﴾ " (٣). قال الشيخ ابن عثيمين: " ﴿عَسَى﴾ تأتي لأربعة معانٍ: للرجاء؛ والإشفاق؛ والتوقع؛ والتعليل؛ والظاهر أنها هنا للتوقع، أو للترجية - لا الترجي -؛ فإن الله لا يتَرجى؛ كل شيء عنده هين؛ لكن الترجية بمعنى أنه يريد من المخاطَب أن يرجو هذا؛ أي افعلوا ما آمركم به عسى أن يكون خيراً؛ وهذا الذي ذكره الله هنا واقع حتى في الأمور غير التعبدية، أحياناً يفعل الإنسان شيئاً من الأمور العادية، ويقول: ليتني لم أفعل، أو ليت هذا لم يحصل؛ فإذا العاقبة تكون حميدة؛ فحينئذ يكون كره شيئاً وهو خير له؛ القتال كره لنا ولكن عاقبته خير؛ لأن المقاتل في سبيل الله حاله كما قال آمراً نبيه أن يقول: ﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين﴾ [التوبة: ٥٢]- يعني: لا بد من إحدى حسنيين وهما إما النصر، والظفر؛ وإما الشهادة" (٤). قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، " أي لعلَّكم تحبُّون القعودَ عن الجهاد وهو شرٌّ لكم، تُحرمون الفتحَ والغنيمة والشهادةَ، ويتسلطُ عليكم العدوُّ" (٥). قال القرطبي: " وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم" (٦). قال الصابوني: " أي وقد تحب نفوسكم شيئا وفيه كل الخطر والضرر عليكم، فلعل لكم في القتال – وإن كرهتموه– خيرا لأن فيه إما الظفر والغنيمة، أو الشهادة والأجر، ولعل لكم في تركه – وإن أحببتموه – شرا لأن فيه الذل والفقر، وحرمان الأجر" (٧). قال ابن كثير: " وهذا عام في الأمور كلّها، قد يُحِبّ المرءُ شيئًا، وليس له فيه خيرة ولا مصلحة. ومن ذلك القُعُود عن القتال، قد يَعْقُبُه استيلاء العدو على البلاد والحكم" (٨).

стр. 1604

قال الشوكاني: وقد تحبوا شيئا " يعنى القعود عن الجهاد، فيجعل الله عاقبته شرا فلا تصيبوا ظفرا ولا غنيمة" (١). قال سعيد بن جبير: " "يقول: القعود عن الجهاد: وهو شر لكم فيجعل الله عاقبته شرا لكم، فلا تصيبوا ظفرا ولا غنيمة" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، " والله يعلم ما هو خيرٌ لكم، مما هو شر لكم، وأنتم لا تعلمون" (٣). قال الصابوني: أي: " الله أعلم بعواقب الأمور منكم، وأدرى بما فيه صلاحكم، في دنياكم وآخرتكم، فبادروا إلى ما يأمركم به ربكم" (٤). قال الطبراني: " أي يعلمُ ما فيه مصلحتُكم وما هو خيرٌ في عاقبة أموركم وأنتم لا تعلمون ذلك، فبادرُوا إلى ما أُمرتم به إذ ليس كلُّ ما تشتهون خيراً، ولا كل ما تحذرون شرّاً" (٥). قال الضحاك: يعلم من كل أحد ما لا تعلمون " (٦). قال الطبري: أي: " فلا تكرهوا ما كتبتُ عليكم من جهاد عدوكم، وقتال من أمرتكم بقتاله" (٧). قال ابن كثير: " أي: هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبَرُ بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم؛ فاستجيبوا له، وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون" (٨). قال الراغب: " ونبه بقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾ بألطف وجه على أن ما كتب عليهم من القتال خير لهم بأوضح الأدلة وهي أنه إذا جاز أن يكون منكم كراهية لأمر وفيه الخير، فيجوز أن يكون كراهتكم لما كتب عليكم من القتال كذلك، وإذا جاز أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، فيجوز أن تكون محبتكم لما أحببتموه شراً، ثم نبه أن هذا الجائز كونه عندكم هو واجب كونه في نفسه بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي إذا كان الله يعلم وأنتم لا تعلمون، وقد قضي بأن ذلك خيرا، فإنما قضي به لأنه خير، وإذا كان خيرا فيحبب أن تحبوه، ولا تكرهوه، فالخير يجب إرادته، والشر يجب كراهته، وعلى نحوه دل قوله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، وإياه قصد الشاعر (٩): قضى الله في بعِض المكارهِ للفْتَىَ ... برُشدٍ وقي يعضِ الهَوَى مَأ يُحَاذِرُ" (١٠). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فرضية الجهاد؛ لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾؛ لكن لابد من شروط؛ منها القدرة على قتال العدو بحيث يكون لدى المجاهدين قدرة بشرية، ومالية، وعتادية؛ ومنها أن يكونوا تحت راية إمام يجاهدون بأمره. ٢ - ومنها: أنه لا حرج على الإنسان إذا كره ما كتب عليه؛ لا كراهته من حيث أمَر الشارع به؛ ولكن كراهته من حيث الطبيعة؛ أما من حيث أمر الشارع به فالواجب الرضا، وانشراح الصدر به.

стр. 1605

٣ - ومنها: أن البشر لا يعلمون الغيب؛ لقوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾. ٤ - ومنها: أن الله قد يحكم حكماً شرعياً، أو كونياً على العبد بما يكره وهو خير له. ٥ - ومنها: عموم علم الله ؛ لقوله تعالى: ﴿والله يعلم﴾؛ فحذف المفعول يفيد العموم، كما قال تعالى: ﴿ألم يجدك يتيماً فآوى * ووجدك ضالًّا فهدى * ووجدك عائلًا فأغنى﴾ [الضحى: ٦ - ٨]: كلها محذوفة المفاعيل: آواك، وآوى بك أيضاً؛ وأغناك، وأغنى بك؛ وهداك، وهدى بك، كما قال النبي ﷺ للأنصار: «ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؛ وعالة فأغناكم الله بي» (١). ٦ - ومنها: ضعف الإنسان، وأن الأصل فيه عدم العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم لا تعلمون﴾، كما قال تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً﴾ [النحل: ٧٨]، وقال ممتناً على رسوله ﷺ : ﴿وعلَّمك ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: ١١٣]. القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧] التفسير: يسألك المشركون -أيها الرسول- عن الشهر الحرام: هل يحل فيه القتال؟ قل لهم: القتال في الشهر الحرام عظيم عند الله استحلاله وسفك الدماء فيه، ومَنْعكم الناس من دخول الإسلام بالتعذيب والتخويف، وجحودكم بالله وبرسوله وبدينه، ومَنْع المسلمين من دخول المسجد الحرام، وإخراج النبي والمهاجرين منه وهم أهله وأولياؤه، ذلك أكبر ذنبًا، وأعظم جرمًا عند الله من القتال في الشهر الحرام. والشرك الذي أنتم فيه أكبر وأشد من القتل في الشهر الحرام. وهؤلاء الكفار لم يرتدعوا عن جرائمهم، بل هم مستمرون عليها، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا تحقيق ذلك. ومن أطاعهم منكم -أيها المسلمون- وارتدَّ عن دينه فمات على الكفر، فقد ذهب عمله في الدنيا والآخرة، وصار من الملازمين لنار جهنم لا يخرج منها أبدًا. اختلف العلماء في سبب نزول الآية على أقوال (٢): أحدها: قال مجاهد: "إن رجلا من بني تميم أرسله النبي ﷺ في سرية، فمرّ بابن الحضرميّ يحمل خمرًا من الطائف إلى مكة، فرماه بسهم فقتله. وكان بين قريش ومحمد عَقْدٌ، فقتله في آخر يوم من جُمادى الآخرة وأول يوم من رجب، فقالت قريش: في الشهر الحرام! ولنا عهد! فأنزل الله جل وعز: " قتالٌ فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله وكُفر به " وصد عن المسجد الحرام " وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله " من قتل ابن الحضرميّ، والفتنة كفرٌ بالله، وعبادة الأوثان أكبر من هذا كله" (٣). وروي نحوه عن جندب بن عبد الله (٤).

стр. 1606

والثاني: أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن مقسم مولى ابن عباس: "لقي واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي في أول ليلة من رجب، وهو يرى أنه في جمادى، فقتله. وهو أول قتيل قتل من المشركين، فعير المشركون المسلمين، فقال: أتقتلون في الشهر الحرام، فأنزل الله: ﴿يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ " (١). قال الزهري: " كان النبي ﷺ فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام، ثم أحل له بعد ذلك" (٢). والثالث: قال السدي: " ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبيرٌ﴾، وذلك أنّ رسول الله ﷺ بعث سرية - وكانوا سبعةَ نفر - وأمَّر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي، حليفٌ لعمر بن الخطاب. وكتب مع ابن جحش كتابًا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل [بطن] مَلَل، فلما نزل ببطن ملل فتحَ الكتاب، فإذا فيه: أنْ سِرْ حتى تنزل بطن نخلة، فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمضِ وليوص، فإني موصٍ وماضٍ لأمر رسول الله ﷺ . فسار وتخلّف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، أضلا راحلةً لهما، فأتيا بُحران يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هم بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي، فاقتتلوا، فأسَرُوا الحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة، وقُتل عمرو بن الحضرميّ، قتله واقد بن عبد الله. فكانت أوّل غنيمةٍ غنمها أصحاب محمد ﷺ . فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا من الأموال، أراد أهل مكة أن يفادوا بالأسيرين، فقال النبي ﷺ : حتى ننظر ما فعل صاحبانا! فلما رجع سعد وصاحبه فادَى بالأسيرين، ففجَر عليه المشركون وقالوا: محمد يزعم أنه يتَّبع طاعة الله، وهو أول من استحلَّ الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب! فقال المسلمون: إنما قتلناه في جُمادى! - وقيل: في أول ليلة من رجب، وآخر ليلة من جمادى - وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رَجب. فأنزل الله جل وعز يعيِّر أهل مكة: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير " لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصددتم عنه محمدًا وأصحابه، وإخراجُ أهل المسجد الحرام منه، حين أخرجوا محمدًا، أكبر من القتل عند الله، والفتنة - هي الشرك - أعظم عند الله من القتل في الشهر الحرام، فذلك قوله: ﴿وصد عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرامِ وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل﴾ " (٣). قال القرطبي: "والقول بأن نزولها في قصة عبدالله بن جحش أكثر وأشهر، وأن النبي ﷺ بعثه مع تسعة رهط، وقيل ثمانية، في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين، وقيل في رجب" (٤). واختلف العلماء في نسخ حكم هذه الآية على قولين (٥): القول الأول: أنها منسوخة، وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح. قاله علي بن أبي طالب (٦)، وسعيد بن المسيب (٧)، وسليمان بن يسار (٨)، وسفيان الثوري (٩)، وعطاء بن ميسرة (١٠)، وهذا قول الجمهور.

стр. 1607

أخرج الطبري عن الزهري قال: كان النبي ﷺ ، فيما بلغنا، يحرّم القتال في الشهر الحرام، ثم أحِلَّ بعد" (١). وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي إسحاق الفزاري قال: "سألت سفيان الثوري عن قول الله: ﴿يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾، قال: هذا شيء منسوخ، وقد مضى، ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام وفي غيره" (٢). ثم اختلفوا في ناسخها على أقوال (٣): أحدها: قيل: نسخها: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وبقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: ٥]. قال عطاء بن ميسرة: "أحلَّ القتالَ في الشهر الحرام في (براءة)، قوله: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [سورة التوبة: ٣٦]: يقول: فيهن وفي غيرهن" (٤). وروى عبد خير بن يزيد الهمداني عن علي ﵇ في قوله: " ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ [البقرة: ٢١٧]، قال: نسختها ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] " (٥). والثاني: وقيل نسخها غزو النبي ﷺ ثقيفا في الشهر الحرام، وإغزاؤه أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام. والثالث: وقيل: نسخها بيعة الرضوان على القتال في ذي القعدة. قال القرطبي: " وهذا ضعيف، فإن النبي ﷺ لما بلغه قتل عثمان بمكة وأنهم عازمون على حربه بايع حينئذ المسلمين على دفعهم لا على الابتداء بقتالهم (٦). والرابع: وذكر البيهقي عن عروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أثر قصة الحضرمي: فأنزل : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية، قال: فحدثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وأن الذي يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله ﷺ ، وكفرهم بالله وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين، وفتنتهم إياهم عن الدين، فبلغنا أن النبي ﷺ عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه، حتى أنزل الله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]. القول الثاني: أن ذلك حكم ثابتٌ، لا يحلّ القتال لأحد في الأشهر الحرم بهذه الآية، لأن الله جعل القتال فيه كبيرًا. أخرج الطبري عن ابن جريج، قال: " قلت لعطاء: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ﴾، قلت: ما لهم! وإذ ذاك لا يحل لهم أن يغزوا أهل الشرك في الشهر الحرام، ثم غزوهم بعد فيه؟

стр. 1608

فحلف لي عطاء بالله: ما يحل للناس أن يغزوا في الشهر الحرام، ولا أن يقاتلوا فيه، وما يستحب. قال: ولا يدعون إلى الإسلام قبل أن يقاتَلوا، ولا إلى الجزية، تركوا ذلك" (١). قال ابن عطية: " وقال عطاء: «لم تنسخ، ولا ينبغي القتال في الأشهر الحرم»، وهذا ضعيف" (٢). وقد عد هذه الآية من المنسوخة معظم كتب النسخ، ويقول النحاس: "أجمع العلماء على نسخ هذه الآية إلا عطاء" (٣). وقال مكي بن أبي طالب: "أكثر العلماء على أنها منسوخة إلا عطاء ومجاهد" (٤). ؛ واختار النسخ الطبري (٥). والصواب هو قول عطاء بن ميسرة: "من أن النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرُم منسوخ بقول الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [سورة التوبة: ٣٦]، وهو قول الجمهور. والله أعلم. واختلفوا فيمن سأل عن ذلك على قولين (٦): أحدهما: أنهم المشركون ليعيّروا بذلك رسول الله ﷺ ، واستحلوا قتاله فيه، وهو قول الأكثر. والثاني: أنهم المسلمون سألوا عن القتال في الشهر الحرام ليعلموا حكم ذلك. فأخبرهم الله تعالى: أن الصد عن سبيل الله وإخراج أهل الحرم منه والفتنة أكبر من القتل في الشهر الحرام وفي الحرم، وهذا قول قتادة (٧). قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ " أي يسألك أصحابك يا محمد عن القتال في الشهر الحرام، أيحل لهم القتال فيه؟ " (٨). قال الزمخشري: " المعنى: يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام" (٩). قال الشوكاني: " والشهر الحرام المراد به الجنس، وقد كانت العرب لا تسفك فيه دما ولا تغير على عدو والأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب ثلاثة سرد وواحد فرد" (١٠). قال ابن عثيمين: "والمراد به الجنس؛ فيشمل كل الأشهر الحرم؛ وهي أربعة: ذو القعدة؛ وذو الحجة؛ ومحرم؛ ورجب؛ و ﴿قتال فيه﴾ بدل اشتمال؛ فيكون السؤال عن القتال فيه" (١١). قال الراغب: "إن قيل: ما فائدة ذكر الشهر ثم إبدال القتال منه ولم يقل: يسألونك عن قتال في الشهر؟ قيل: في ذكر الشهر أولاً، ثم إبدال القتال منه ولم يقل: (يسألونك عن قتال في الشهر) قيل: في ذكر الشهر أولاً بنية أن السؤال عن القتال لأجل الشهر لا لغيره، ولو قيل: (يسألونك عن قتال الشهر) لكان

стр. 1609

يصح أن يفيد أن الغرض في السؤال عن القتال لا لتعظيم الشهر، بل لشيء آخر، وعلى هذا إذا قيل: " سُرق زيد ثوبه " تنبيها أن المقصد أن يذكر حال زيد، لا أن يخبر بسرقة ثوب ما" (١). واختلف في اعراب ﴿قِتَالٍ﴾، في قوله تعالى: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وفيه وجوه (٢): أحدها: أنه بدل الاشتمال من (الشهر)، لأن القتال يقع في الشهر. قاله الزجاج (٣)، الواحدي (٤)، والزمخشري (٥)، وغيرهم. ومثله قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ﴾ [البروج: ٤ - ٥]، ومنه قول الأعشى (٦): لَقَدْ كان في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُه ... تُقَضِّى لُبَانَاتٍ وَيسْأَم سَائِم ومعنى الاشتمال في الآية: أن سؤالهم اشتمل على الشهر وعلى القتال، وسؤالهم عن الشهر إنما كان لأجل القتال (٧). والثاني: أنه مخفوض على التكرير، والتقدير: عن قتالٍ فيه، قاله الكسائي، وهو معنى قول الفراء: مخفوض بـ (عن) مضمرة. وكذلك هو في قراءة: ابن مسعود والربيع (٨). قال القاسمي: " وهذا ضعيف جدا لأن حرف الجر لا يبقى عمله بعد حذفه في الاختيار" (٩). والثالث: وقيل: أنه على التقديم والتأخير، تقديره: يسألونك عن قتالٍ في الشَّهْرِ الحرامِ، وتم الكلام عند قوله: ﴿قتال فيه كبير﴾. ثم ابتدأ فقال: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهو رفع على الابتداء، وما بعده من قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ مرتفع بالعطف على الابتداء، وخبره قوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، قاله الزجاج (١٠)، ووافقه الواحدي (١١). والرابع: أنه مجرور على الجوار. قاله أبو عبيدة (١٢).

стр. 1610

قال القاسمي: " وهو أبعد، لأن الجوار من مواضع الضرورة والشذوذ، ولا يحمل عليه ما وجدت عنه مندوحة" (١). واعترض النحاس فقال: " لا يجوز أن يعرب شيء على الجوار في كتاب الله ولا في شيء من الكلام وإنما الجوار غلط وإنما وقع في شيء شاذّ وهو قولهم، هذا جحر ضبّ خرب. والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية: هذان جحرا ضبّ خربان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء ولا يحمل شيء من كتاب الله على هذا، ولا يكون إلّا بأفصح اللّغات وأصحّها، ولا يجوز إضمار «عن»، والقول فيه أنه بدل، وأنشد سيبويه: [الطويل] (٢): فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما " (٣). والخامس: وقد قرئ بالرفع في الشاذ، ووجهه على أن يكون خبر مبتدأ محذوف معه همزة الاستفهام، تقديره: أجائز قتال فيه؟ قال النحاس: "فأمّا (قتالٌ فيه) (٤) بالرفع، فغامض في العربية، والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه" (٥). قوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: قل لهم: " القتال فيه أمر كبير مستنكر " (٦). قال الصابوني: أي: "قل لهم القتال فيه أمره كبير ووزره عظيم، ولكن هناك ما هو أعظم وأخطر" (٧). قال الراغب: " إن قيل: لم لم يقل: القتال فيه كبير، وشروط النكرة المذكورة إدا أعيد ذكرها أن يُعاد معرفاً نحو سألتني عن رجل، والرجل كذا وكذا؟ قيل: في ذكره منكرا تنبيه أن ليس كل القتال في الشهر الحرام هذا حكمه، فإن قتال النبي- ﵇ لأهل مكة لم يكن هذا حكمه، وقد قال: " أحلت لي ساعة من نهار) " (٨). قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: " ومنع المؤمنين عن دين الله" (٩). قال القاسمي: أي: "عن دينه الموصل إلى رضوانه، أو عن البيت الحرام، فإن النبي ﷺ : سمى الحج: سبيل الله" (١٠). وقوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جملة استئنافية لبيان أن ما فعله هؤلاء الكفار من الصد عن سبيل الله، والكفر به، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر عند الله؛ فهذه أربعة أشياء يفعلها المشركون الذين اعترضوا على القتال في الشهر الحرام أعظم عند الله من القتال في الشهر الحرام؛ و ﴿صد﴾ يجوز أن

стр. 1611

تكون من الفعل اللازم - أي صدهم أنفسَهم عن سبيل الله -؛ ويجوز أن تكون من المتعدي - أي صدهم غيرهم عن سبيل الله -؛ وكلا الأمرين حاصل من هؤلاء المشركين (١). قال الطبري: " (الصدّ) عن الشيء، المنع منه، والدفع عنه، ومنه" (٢). قال الواحدي: " ومعنى الصد: الحَبْس، يقال: صَدَّ عن الشيء صُدُودًا، إذا صَدَف عنه، وصَدَّ غَيرَه يَصُدّ صَدًّا (٣)، ويعني بهذا الصد: أن المشركين منعوا رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت عام الحديبية" (٤). والمراد بـ ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ طريقه الموصل إليه، أي شريعته (٥). قوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: " وكفر بالله " (٦) قال الصابوني: أي: " وكفرهُم بالله" (٧). قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: " وصدُّهم عن المسجد الحرام - يعني مكة" (٨). وفي خفض ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يُخْفَضُ بالعطف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تقديره: وصدٌّ عن سبيلِ الله وعن المسجدِ الحرام؛ لأن المشركين صدوا المسلمين عنه؛ كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج: ٢٥]. والثاني: أن ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ مخفوض بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ وعن المسجد. قاله الفراء (٩). قال الواحدي: " أُنكر عليه هذا، بأنهم لم يُسْأَلوا عن المسجد، وإنما السؤال عن القتال في الشهر الحرام" (١٠). والثالث: وقيل: إنه خفض بواو القسم وليس بشيء (١١). قوله تعالى: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: وإخراج" أهل المسجد الحرام وهم رسول الله ﷺ والمؤمنون" (١٢). قال الصابوني: أي: " وإِخراجكم من البلد الحرام وأنتم أهله وحماته" (١٣). قال القاسمي: أي: وإخراج "أهل المسجد الحرام - وهم رسول الله ﷺ والمؤمنون الذين هم أولياؤه" (١٤).

стр. 1612

قال ابن عثيمين: "يعني بـ ﴿أهله﴾ النبي ﷺ ، وأصحابه الذين هاجروا من مكة إلى المدينة بسبب إيذاء المشركين لهم، وتضييقهم عليهم حتى خرجوا بإذن الله من مكة إلى المدينة" (١). قوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي أعظم إثماً، وجرماً من القتال في الشهر الحرام (٢). قال الواحدي: أي: " أعظم وزرًا وعقوبة" (٣). قال الشوكاني: " أي أعظم إثما وأشد ذنبا من القتال في الشهر الحرام كذا قال المبرد وغيره" (٤). قال الصابوني: " أعظم وزراً وذنبا عند الله، من قتل من قتلتم من المشركين، فإذا استعظموا قتالكم لهم في الشهر الحرام، فليعلموا أن ما ارتكبوه في حق النبى والمؤمنين أعظم وأشنع" (٥). قال القاسمي: " جرماً مما فعلته السرية: من قتلهم إياهم في الشهر الحرام، لأن الإخراج فتنة " (٦). قوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، " أي: فتنة المسلم عن دينه، ليردوه إلى الكفر بعد إيمانه، أكبر عند الله من القتل" (٧). قال ابن عطية: أي: " والفتنة التي كنتم تفتنون المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا أشد اجتراما من قتلكم في الشهر الحرام" (٨). قال الزجاج: المعنى: " وهذه الأشياء كفر، والكفر أكبر من القتل" (٩). قال القاسمي: " أي: فقد فعلوا بكم في المسجد الحرام ما هو أكبر من القتل فيه، وحرمة المسجد كحرمة الشهر. .! " (١٠). قال الشوكاني: " والمراد بالفتنة هنا الكفر أي كفركم أكبر من القتل الواقع من السرية التي بعثها النبي- ﷺ ، وقيل المراد بالفتنة الاخراج لأهل الحرم منه وقيل المراد بالفتنة هنا فتنتهم عن دينهم حتى يهلكوا أي فتنة المستضعفين من المؤمنين أو نفس الفتنة التي الكفار عليها وهذا ارجح من الوجهين الأولين لأن الكفر والإخراج قد سبق ذكرهما وانهما مع الصد أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام" (١١). وقد تعددت أقوال أهل العلم في تفسير ﴿الفتنة﴾ [البقرة: ٢١٧ [، وفيه وجوه: أحدها: أن الفتنة في الآية: الكفر أو الشرك. وهذا قول ابن عمر (١٢)، وابن عباس (١٣) ومجاهد (١٤)، وأبي مالك (١٥)، وقتادة (١٦)، والشعبي (١٧)، وابن الزبير (١٨)، ومقسم مولى ابن عباس (١٩)، وغيرهم (٢٠)، وبه قال جمع من أهل التفسير (٢١).

стр. 1613

والثاني: أن المراد بالفتنة: الإخراج والشرك. قاله جماعة المفسرين (١). والثالث: أن المراد بها فتنة المسلمين عن دينهم-أي: بالتعذيب-ليرجعوا. قاله جماعة أخرى من المفسرين (٢). قال الشوكاني-بعد ذكره لبعض الأقوال: "وهذا أرجح [أي: فتنة المستضعفين من المؤمنين أو نفس الفتنة التي الكفار عليها] من الوجهين الأولين (الكفر أو الإخراج) لأن الكفر والإخراج قد سبق ذكرهما وأنهما مع الصد أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام" (٣). والأوْلى حمل الفتنة في الآية على جميع الوجوه التي يحتملها السياق، والظاهر أنه لا تعارض بين أقوال المفسرين في الآية، إذ بعضهم أطلق الكفر وإطلاقه يتضمن تعذيب المؤمنين وإخراجهم من ديارهم وصدهم عن المسجد الحرام بسبب إيمانهم بالله ورسوله وكفرهم بالطاغوت، وبعضهم ذكر بعض تلك الصور الكفرية وهو تفسير منهم بالجزء والمثال ولا ضير، والله أعلم قال ابن القيم: " وأكثر السلف فسروا الفتنة هاهنا بالشرك كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، ويدل عليه قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، أي: لم يكن مال شركهم وعاقبته وآخر أمرهم إلا أن تبرؤوا منه وأنكروه. وحقيقتها-أي: الفتنة-: أنها الشرك الذي يدعو صاحبه إليه ويقاتل عليه، ويعاقب من لم يفتن به" (٤). و(الفتنة) في كلام العرب: " الابتلاء والامتحان" (٥). ويعني بـ ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾: "الصد عن سبيل الله، ومنع المؤمنين، وإيذاؤهم؛ و «الفتنة» بمعنى: «إيذاء المؤمنين» قد جاءت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾ [البروج: ١٠] " (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: " لا يزال هؤلاء الكفار يقاتلونكم أيها المؤمنون" (٧).

стр. 1614

قال الصابوني: " أي ولا يزالون جاهدين في قتالكم" (١). قال الزمخشري: " إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها" (٢). قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: " حتى "يرجعوكم عن دينكم الإسلام إلى الكفر" (٣). قال الصابوني: أي: " حتى يعيدوكم إِلى الكفر والضلال" (٤). و﴿حتى﴾ معناها التعليل كقولك: فلان يعبد اللَّه حتى يدخل الجنة، أى: يقاتلونكم كى يردّوكم (٥). قوله تعالى ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: "إن "قدروا على ردَّتكم" (٦). قال ابن عثيمين: أي: "ولن يستطيعوا ذلك" (٧). قال الصابوني: أي: " إِن قدروا فهم غير نازعين عن كفرهم وعدوانهم" (٨). قال القاسمي: أي: "وفيه استبعاد لاستطاعتهم، فهو كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بي فلا تبق عليّ. وهو واثق أنه لا يظفر به" (٩). قال ابن عثيمين: " ومثل هذه الجملة الشرطية تأتي لبيان العجز عن الشيء، كقوله تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: ٣٣]؛ ومن المعلوم أنهم لن يستطيعوا أن ينفذوا من أقطار السموات والأرض" (١٠). قال الراغب: " ونبه بقوله: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أنهم لا يردونكم، لأنهم لا يستطيعون، وذلك نحو قوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ " (١١). قال الشوكاني: " قوله ﴿ولا يزالون﴾ ابتداء كلام يتضمن الإخبار من الله للمؤمنين بأن هؤلاء الكفار لا يزالون مستمرين على قتالكم وعداوتكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر ان استطاعوا ذلك وتهيأ لهم منكم والتقيد بهذا الشرط مشعر باستعباد تمكنهم من ذلك وقدرتهم عليه" (١٢). قال الشيخ الشنقيطي: "قوله تعالى ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾، لم يبين هنا هل استطاعوا ذلك أولا؟ ولكنه بين في موضع آخر أنهم لم يستطيعوا، وأنهم حصل لهم اليأس من رد المؤمنين عن دينهم، وهو قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ ﴿المائدة: ٣] الآية" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: و"من يرجع عن دين الإسلام إلى الكفر" (١٤). قال الزمخشري: أي: " ومن يرجع عن دينه إلى دينهم ويطاوعهم على ردّه إليه" (١٥).

стр. 1615

قال القاسمي: " وبناء صيغة الافتعال من الردة المؤذنة بالتكلف، إشارة إلى أن من باشر دين الحق يبعد أن يرجع عنه، فهو متكلف في ذلك" (١). قوله تعالى ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: "فيموت على الكفر" (٢). قال الصابوني: " ثم يموت على الكفر" (٣). قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: "فقد بطل عمله الصالح في الدارين وذهب ثوابه" (٤). قال الآلوسي: " أي صارت أعمالهم الحسنة التي عملوها في حالة الإسلام فاسدة بمنزلة ما لم تكن" (٥) قال القاسمي: أي: "بطلت جميع مساعيهم النافعة لهم، ورُدّت، إذ يرفع الأمان عن أموالهم وأهلهم ﴿فِي الدُّنْيَا﴾، ويسقط ثوابهم، فلا يجزون ثمة بحسناتهم في ﴿الْآخِرَةِ﴾ " (٦). قال ابن عثيمين: أي "اضمحلت ما قدموه من عمل صالح في الدنيا والآخرة؛ فلا يستفيدون بأعمالهم شيئاً في الدنيا من قبول الحق، والانشراح به؛ ولا في الآخرة؛ لأن أعمالهم ضاعت عليهم بكفرهم" (٧). قال القاسمي: "أي: بطلت جميع مساعيهم النافعة لهم، ورُدّت" (٨). قال الشوكاني: " (حبط): معناه بطل وفسد ومنه الحبط وهو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها للكلأ فتنتفخ أجوافها وربما تموت من ذلك وفي هذه الآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام" (٩). قال الزمخشري: " وبها احتج الشافعي على أن الردّة لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها. وعند أبى حنيفة أنها تحبطها وإن رجع مسلماً" (١٠). قال البيضاوي: " قيد الردة بالموت عليها في إحباط الأعمال كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، والمراد بها الأعمال النافعة" (١١). قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ١١٧]، أي: "الذين ارتدُّوا عن دينهم فماتوا على كفرهم، هم أهل النار المخلَّدون فيها" (١٢). و﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾، أي: أهلها الملازمون لها" (١٣). قال أبو السعود: " أي مُلابِسوها ومُلازِموها" (١٤).
следующие страницы →