← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

تكون من الفعل اللازم - أي صدهم أنفسَهم عن سبيل الله -؛ ويجوز أن تكون من المتعدي - أي صدهم غيرهم عن سبيل الله -؛ وكلا الأمرين حاصل من هؤلاء المشركين (١). قال الطبري: " (الصدّ) عن الشيء، المنع منه، والدفع عنه، ومنه" (٢). قال الواحدي: " ومعنى الصد: الحَبْس، يقال: صَدَّ عن الشيء صُدُودًا، إذا صَدَف عنه، وصَدَّ غَيرَه يَصُدّ صَدًّا (٣)، ويعني بهذا الصد: أن المشركين منعوا رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت عام الحديبية" (٤). والمراد بـ ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ طريقه الموصل إليه، أي شريعته (٥). قوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: " وكفر بالله " (٦) قال الصابوني: أي: " وكفرهُم بالله" (٧). قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: " وصدُّهم عن المسجد الحرام - يعني مكة" (٨). وفي خفض ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يُخْفَضُ بالعطف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تقديره: وصدٌّ عن سبيلِ الله وعن المسجدِ الحرام؛ لأن المشركين صدوا المسلمين عنه؛ كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج: ٢٥]. والثاني: أن ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ مخفوض بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ وعن المسجد. قاله الفراء (٩). قال الواحدي: " أُنكر عليه هذا، بأنهم لم يُسْأَلوا عن المسجد، وإنما السؤال عن القتال في الشهر الحرام" (١٠). والثالث: وقيل: إنه خفض بواو القسم وليس بشيء (١١). قوله تعالى: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: وإخراج" أهل المسجد الحرام وهم رسول الله ﷺ والمؤمنون" (١٢). قال الصابوني: أي: " وإِخراجكم من البلد الحرام وأنتم أهله وحماته" (١٣). قال القاسمي: أي: وإخراج "أهل المسجد الحرام - وهم رسول الله ﷺ والمؤمنون الذين هم أولياؤه" (١٤).

стр. 1612

قال ابن عثيمين: "يعني بـ ﴿أهله﴾ النبي ﷺ ، وأصحابه الذين هاجروا من مكة إلى المدينة بسبب إيذاء المشركين لهم، وتضييقهم عليهم حتى خرجوا بإذن الله من مكة إلى المدينة" (١). قوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي أعظم إثماً، وجرماً من القتال في الشهر الحرام (٢). قال الواحدي: أي: " أعظم وزرًا وعقوبة" (٣). قال الشوكاني: " أي أعظم إثما وأشد ذنبا من القتال في الشهر الحرام كذا قال المبرد وغيره" (٤). قال الصابوني: " أعظم وزراً وذنبا عند الله، من قتل من قتلتم من المشركين، فإذا استعظموا قتالكم لهم في الشهر الحرام، فليعلموا أن ما ارتكبوه في حق النبى والمؤمنين أعظم وأشنع" (٥). قال القاسمي: " جرماً مما فعلته السرية: من قتلهم إياهم في الشهر الحرام، لأن الإخراج فتنة " (٦). قوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، " أي: فتنة المسلم عن دينه، ليردوه إلى الكفر بعد إيمانه، أكبر عند الله من القتل" (٧). قال ابن عطية: أي: " والفتنة التي كنتم تفتنون المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا أشد اجتراما من قتلكم في الشهر الحرام" (٨). قال الزجاج: المعنى: " وهذه الأشياء كفر، والكفر أكبر من القتل" (٩). قال القاسمي: " أي: فقد فعلوا بكم في المسجد الحرام ما هو أكبر من القتل فيه، وحرمة المسجد كحرمة الشهر. .! " (١٠). قال الشوكاني: " والمراد بالفتنة هنا الكفر أي كفركم أكبر من القتل الواقع من السرية التي بعثها النبي- ﷺ ، وقيل المراد بالفتنة الاخراج لأهل الحرم منه وقيل المراد بالفتنة هنا فتنتهم عن دينهم حتى يهلكوا أي فتنة المستضعفين من المؤمنين أو نفس الفتنة التي الكفار عليها وهذا ارجح من الوجهين الأولين لأن الكفر والإخراج قد سبق ذكرهما وانهما مع الصد أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام" (١١). وقد تعددت أقوال أهل العلم في تفسير ﴿الفتنة﴾ [البقرة: ٢١٧ [، وفيه وجوه: أحدها: أن الفتنة في الآية: الكفر أو الشرك. وهذا قول ابن عمر (١٢)، وابن عباس (١٣) ومجاهد (١٤)، وأبي مالك (١٥)، وقتادة (١٦)، والشعبي (١٧)، وابن الزبير (١٨)، ومقسم مولى ابن عباس (١٩)، وغيرهم (٢٠)، وبه قال جمع من أهل التفسير (٢١).

стр. 1613

والثاني: أن المراد بالفتنة: الإخراج والشرك. قاله جماعة المفسرين (١). والثالث: أن المراد بها فتنة المسلمين عن دينهم-أي: بالتعذيب-ليرجعوا. قاله جماعة أخرى من المفسرين (٢). قال الشوكاني-بعد ذكره لبعض الأقوال: "وهذا أرجح [أي: فتنة المستضعفين من المؤمنين أو نفس الفتنة التي الكفار عليها] من الوجهين الأولين (الكفر أو الإخراج) لأن الكفر والإخراج قد سبق ذكرهما وأنهما مع الصد أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام" (٣). والأوْلى حمل الفتنة في الآية على جميع الوجوه التي يحتملها السياق، والظاهر أنه لا تعارض بين أقوال المفسرين في الآية، إذ بعضهم أطلق الكفر وإطلاقه يتضمن تعذيب المؤمنين وإخراجهم من ديارهم وصدهم عن المسجد الحرام بسبب إيمانهم بالله ورسوله وكفرهم بالطاغوت، وبعضهم ذكر بعض تلك الصور الكفرية وهو تفسير منهم بالجزء والمثال ولا ضير، والله أعلم قال ابن القيم: " وأكثر السلف فسروا الفتنة هاهنا بالشرك كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، ويدل عليه قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، أي: لم يكن مال شركهم وعاقبته وآخر أمرهم إلا أن تبرؤوا منه وأنكروه. وحقيقتها-أي: الفتنة-: أنها الشرك الذي يدعو صاحبه إليه ويقاتل عليه، ويعاقب من لم يفتن به" (٤). و(الفتنة) في كلام العرب: " الابتلاء والامتحان" (٥). ويعني بـ ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾: "الصد عن سبيل الله، ومنع المؤمنين، وإيذاؤهم؛ و «الفتنة» بمعنى: «إيذاء المؤمنين» قد جاءت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾ [البروج: ١٠] " (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: " لا يزال هؤلاء الكفار يقاتلونكم أيها المؤمنون" (٧).

стр. 1614

قال الصابوني: " أي ولا يزالون جاهدين في قتالكم" (١). قال الزمخشري: " إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها" (٢). قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: " حتى "يرجعوكم عن دينكم الإسلام إلى الكفر" (٣). قال الصابوني: أي: " حتى يعيدوكم إِلى الكفر والضلال" (٤). و﴿حتى﴾ معناها التعليل كقولك: فلان يعبد اللَّه حتى يدخل الجنة، أى: يقاتلونكم كى يردّوكم (٥). قوله تعالى ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: "إن "قدروا على ردَّتكم" (٦). قال ابن عثيمين: أي: "ولن يستطيعوا ذلك" (٧). قال الصابوني: أي: " إِن قدروا فهم غير نازعين عن كفرهم وعدوانهم" (٨). قال القاسمي: أي: "وفيه استبعاد لاستطاعتهم، فهو كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بي فلا تبق عليّ. وهو واثق أنه لا يظفر به" (٩). قال ابن عثيمين: " ومثل هذه الجملة الشرطية تأتي لبيان العجز عن الشيء، كقوله تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: ٣٣]؛ ومن المعلوم أنهم لن يستطيعوا أن ينفذوا من أقطار السموات والأرض" (١٠). قال الراغب: " ونبه بقوله: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أنهم لا يردونكم، لأنهم لا يستطيعون، وذلك نحو قوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ " (١١). قال الشوكاني: " قوله ﴿ولا يزالون﴾ ابتداء كلام يتضمن الإخبار من الله للمؤمنين بأن هؤلاء الكفار لا يزالون مستمرين على قتالكم وعداوتكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر ان استطاعوا ذلك وتهيأ لهم منكم والتقيد بهذا الشرط مشعر باستعباد تمكنهم من ذلك وقدرتهم عليه" (١٢). قال الشيخ الشنقيطي: "قوله تعالى ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾، لم يبين هنا هل استطاعوا ذلك أولا؟ ولكنه بين في موضع آخر أنهم لم يستطيعوا، وأنهم حصل لهم اليأس من رد المؤمنين عن دينهم، وهو قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ ﴿المائدة: ٣] الآية" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: و"من يرجع عن دين الإسلام إلى الكفر" (١٤). قال الزمخشري: أي: " ومن يرجع عن دينه إلى دينهم ويطاوعهم على ردّه إليه" (١٥).

стр. 1615

قال القاسمي: " وبناء صيغة الافتعال من الردة المؤذنة بالتكلف، إشارة إلى أن من باشر دين الحق يبعد أن يرجع عنه، فهو متكلف في ذلك" (١). قوله تعالى ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: "فيموت على الكفر" (٢). قال الصابوني: " ثم يموت على الكفر" (٣). قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: "فقد بطل عمله الصالح في الدارين وذهب ثوابه" (٤). قال الآلوسي: " أي صارت أعمالهم الحسنة التي عملوها في حالة الإسلام فاسدة بمنزلة ما لم تكن" (٥) قال القاسمي: أي: "بطلت جميع مساعيهم النافعة لهم، ورُدّت، إذ يرفع الأمان عن أموالهم وأهلهم ﴿فِي الدُّنْيَا﴾، ويسقط ثوابهم، فلا يجزون ثمة بحسناتهم في ﴿الْآخِرَةِ﴾ " (٦). قال ابن عثيمين: أي "اضمحلت ما قدموه من عمل صالح في الدنيا والآخرة؛ فلا يستفيدون بأعمالهم شيئاً في الدنيا من قبول الحق، والانشراح به؛ ولا في الآخرة؛ لأن أعمالهم ضاعت عليهم بكفرهم" (٧). قال القاسمي: "أي: بطلت جميع مساعيهم النافعة لهم، ورُدّت" (٨). قال الشوكاني: " (حبط): معناه بطل وفسد ومنه الحبط وهو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها للكلأ فتنتفخ أجوافها وربما تموت من ذلك وفي هذه الآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام" (٩). قال الزمخشري: " وبها احتج الشافعي على أن الردّة لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها. وعند أبى حنيفة أنها تحبطها وإن رجع مسلماً" (١٠). قال البيضاوي: " قيد الردة بالموت عليها في إحباط الأعمال كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، والمراد بها الأعمال النافعة" (١١). قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ١١٧]، أي: "الذين ارتدُّوا عن دينهم فماتوا على كفرهم، هم أهل النار المخلَّدون فيها" (١٢). و﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾، أي: أهلها الملازمون لها" (١٣). قال أبو السعود: " أي مُلابِسوها ومُلازِموها" (١٤).

стр. 1616

قال الطبري: يعني: " هم فيها لابثون لَبْثًا، من غير أمَدٍ ولا نهاية" (١). قال الصابوني: أي: "وهم مخلدون في جهنم، لا يخرجون منها أبدا" (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الرسول ﷺ هو مرجع الصحابة في العلم؛ لقوله تعالى: ﴿يسألونك﴾. ٢ - ومنها: اهتمام الصحابة ﵃ بما يقع منهم من المخالفة؛ وأنهم يندمون، ويسألون عن حالهم في هذه المخالفة؛ لقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾. ٣ - ومنها: أن الرسول ﷺ لا يعلم كل الأحكام؛ بل لا يعلم إلا ما علمه الله ؛ ولهذا أجاب الله عن هذا السؤال: ﴿قل قتال فيه كبير ... ﴾. وينبني على هذه المسألة: هل للرسول - ﷺ أن يجتهد، أو لا؟ والصواب أن له أن يجتهد؛ ثم إذا اجتهد فأقره الله صار اجتهاده بمنزلة الوحي. ٤ - ومنها: أن القتال في الشهر الحرام من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿قل قتال فيه كبير﴾؛ وهل هذا الحكم منسوخ، أو باق؟ للعلماء في ذلك قولان؛ فذهب أكثر أهل العلم إلى أن الحكم منسوخ؛ وأن القتال في الأشهر الحرم كان محرماً، ثم نسخ؛ القول الثاني: أن الحكم باقٍ، وأن القتال في الأشهر الحرم حرام؛ دليل من قال: «إنه منسوخ» قوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ [التوبة: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ [التوبة: ٧٣]، وأن الرسول ﷺ قاتل ثقيفاً في شهر ذي القعدة (٣)؛ وهو شهر حرام؛ وأن غزوة تبوك كانت في رجب (٤)؛ وهو شهر حرام؛ والذي يظهر لي أن القتال في الأشهر الحرم باقٍ على تحريمه؛ ويجاب عن أدلة القائلين بالنسخ بأن الآيات العامة كغيرها من النصوص العامة التي تخصص؛ فهي مخصصة بقوله تعالى: ﴿قل قتال فيه كبير﴾؛ وأما قتال الرسول ﷺ أجيب عنه بأنه ليس قتال ابتداء؛ وإنما هو قتال مدافعة؛ وقتال المدافعة لا بأس به حتى في الأشهر الحرم؛ إذا قاتلونا نقاتلهم؛ فثقيف كانوا تجمعوا لرسول الله فخرج إليهم الرسول ﷺ ليغزوهم؛ وكذلك الروم في غزوة تبوك تجمعوا له فخرج إليهم ليدافعهم؛ فالصواب في هذه المسألة أن الحكم باقٍ، وأنه لا يجوز ابتداء الكفار بالقتال في الأشهر الحرم؛ لكن إن اعتدوا علينا نقاتلهم حتى في الشهر الحرام. ٥ - ومنها: أن الأشهر قسمان: أشهر حرم؛ وأشهر غير حرم. ويتفرع على هذه الفائدة: أن الله يختص من خلقه ما شاء؛ فهناك أماكن حرام، وأماكن غير حرام؛ وأزمنة حرام، وأزمنة غير حرام؛ وهناك رسل، وهناك مرسَل إليهم؛ وهناك صديقون، وهناك من دونهم؛ والله كما يفاضل بين البشر يفاضل بين الأزمنة، والأمكنة. ٦ - ومن فوائد الآية: أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: صغائر، وكبائر؛ وكل منهما درجات؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» (٥)؛ وحدُّ الكبائر اختلف فيه أقوال الناس؛ فمنهم من قال: إن الكبائر معدودة؛ وذهب يتتبع كل نص قال فيه الرسول ﷺ : هذا من الكبائر؛ وعدّها سرداً؛ ومنهم من قال: إن الكبائر محدودة؛ يعني أن لها حداً - أي ضابطاً يجمعها -؛ ليست معينة: هذه، وهذه، وهذه؛ ثم اختلفوا في الضابط، فقال بعضهم: كل ذنب لعن فاعله فهو كبيرة؛ وقال بعضهم: كل ذنب فيه حدّ في الدنيا

стр. 1617

فهو كبيرة؛ وقال بعضهم: كل ذنب فيه وعيد في الآخرة فهو كبيرة؛ لكن شيخ الإسلام ﵀ قال في بعض كلام له: إن الكبيرة كل ما رتب عليه عقوبة خاصة سواء كانت لعنة؛ أو غضباً؛ أو حداً في الدنيا؛ أو نفي إيمان؛ أو تبرؤاً منه؛ أو غير ذلك؛ فالذنب إذا قيل: لا تفعل كذا؛ أو حرم عليك كذا؛ أو ما أشبه ذلك بدون أن يجعل عقوبة خاصة بهذا الذنب فهو صغيرة؛ أما إذا رتب عليه عقوبة - أيَّ عقوبة كانت - فإنه يكون من الكبائر -؛ فالغش مثلاً كبيرة؛ لأنه رتب عليه عقوبة خاصة - وهي البراءة منه، كما قال النبي ﷺ : «من غش فليس مني» (١)؛ كون الإنسان لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه كبيرة؛ لأنه رتب عليه عقوبة خاصة؛ وهي قوله - ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٢)؛ وكون الإنسان لا يكرم جاره كبيرة؛ لقوله - ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» (٣)؛ وعدوانه على جاره أكبر؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» (٤)؛ وهذا الضابط أقرب الضوابط في تعريف الكبيرة؛ ولكن مع هذا لا نقول: إن هذه الكبائر سواء؛ بل من الكبائر ما يقرب أن يكون من الصغائر على حسب ما رتب عليه من العقوبة؛ فقطاع الطريق مثلاً أعظم جرماً من اللصوص. ٧ - ومن فوائد الآية: أن الصد عن سبيل الله أعظم من القتال في الأشهر الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله﴾؛ ويحتمل أن مجموع هذه الأفعال الأربعة أكبر عند الله من القتال؛ لا أن كل واحد منها أكبر عند الله. ٨ - ومنها: أن أعظم الذنوب أن يصد الإنسان عن الحق؛ فكل من صد عن الخير فهو صاد عن سبيل الله؛ ولكن هذا الصد يختلف باختلاف ما صد عنه؛ من صد عن الإيمان فهو أعظم شيء - مثل مشركي قريش؛ ومن صد عن شيء أقل، كمن صد عن تطوع مثلاً فإنه أخف؛ ولكن لا شك أن هذا جرم؛ فالنهي عن المعروف من صفات المنافقين. ٩ - ومنها: عظم الصد عن المسجد الحرام؛ ولذلك صور متعددة؛ فقد يكون بمنع الناس من الحج؛ ولكن لو قال وليّ الأمر: أنا لا أمنعهم؛ ولكنني أنظمهم؛ لأن الناس يقتل بعضهم بعضاً لو اجتمعوا جميعاً؛ فهل نقول: إن هذا من باب السياسة الجائزة، كمنع الرسول ﷺ من لا يصلح للجهاد من الجهاد (٥)؟ أو نقول: إن في هذا نظراً؟ هذه المسألة تحتاج إلى نظر بعيد؛ وهل مراعاة المصالح بالنسبة للعموم تقضي على مراعاة المصالح بالنسبة للخصوص؛ أو لا؟ . وقد يكون الصد بإلهائهم، وإشغالهم عن فعل العبادات؛ وقد يكون بتحقير العبادات في أنفسهم؛ وقد يكون بإلقاء الشبهات في قلوب الناس حتى يشكوا في دينهم، ويدَعوه. ١٠ - ومن فوائد الآية: تقديم ما يفيد العليّة؛ لقوله تعالى: ﴿عن الشهر الحرام قتال فيه﴾؛ المسؤول عنه القتال في الشهر الحرام؛ لكنه قدم الشهر الحرام؛ لأنه العلة في تحريم القتال؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ فقدم العلة على الحكم لتنفر النفوس من الفعل قبل الحكم به؛ فيقع الحكم وقد تهيأت النفوس للاستعداد له، وقبوله.

стр. 1618

١١ - ومن فوائد الآية: تفاوت الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿قل قتال فيه كبير﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أكبر عند الله﴾؛ وبتفاوت الذنوب يتفاوت الإيمان؛ لأنه كلما كان الذنب أعظم كان نقص الإيمان به أكبر، كما قال النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (١)؛ فيكون في ذلك رد على من أنكروا زيادة الإيمان، ونقصانه؛ وللناس في ذلك ثلاثة أقوال؛ منهم من قال: إن الإيمان يزيد، وينقص؛ ومنهم من قال: إن الإيمان لا يزيد، ولا ينقص؛ ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد، ولا ينقص؛ وبحث ذلك على وجه التفصيل، والترجيح في كتب العقائد؛ والراجح أن الإيمان يزيد، وينقص. ١٢ - ومن فوائد الآية: تسلية الله للمؤمنين بما جرى من الكافرين مقابل فعل المؤمنين، حيث قاتلوا في الشهر الحرام. ١٣ - ومنها: أن من كان أقوم بطاعة الله فهو أحق الناس بالمسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿وإخراج أهله منه﴾؛ فمع أن المشركين ساكنون في مكة؛ لكنهم ليسوا أهله، كما قال تعالى: ﴿وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون﴾ [الأنفال: ٣٤]. ١٤ - ومنها: التحذير من الفتنة؛ لقوله تعالى: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾. ١٥ - ومنها: أن الفتنة - وهي صد الناس عن دينهم - أكبر من قتلهم؛ لأن غاية ما في قتلهم أن تفوتهم الحياة الدنيا؛ أما صدهم عن الإيمان لو صدوا عنه لفاتتهم الدنيا والآخرة؛ وكثير من الناس يأتون إلى مواضع الفتن وهم يرون أنهم لن يفتتنوا؛ ولكن لا يزال بهم الأمر حتى يقعوا في فتنة؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الدجال: «من سمع بالدجال فلينأ عنه فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فلا يزال به لما معه من الشبه حتى يتبعه» (٢)؛ المهم أن الإنسان لا يعرض نفسه للفتن؛ فكم من إنسان وقع في مواقع الفتن وهو يرى نفسه أنه سيتخلص، ثم لا يتخلص. ١٦ - ومن فوائد الآية: حرص المشركين على ارتداد المؤمنين بكل وسيلة ولو أدى ذلك إلى القتال؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾؛ ولهذا كان الغزو الفكري، والغزو الأخلاقي أعظم من الغزو السلاحي؛ لأن هذا يدخل على الأمة من حيث لا تشعر؛ وأما ذاك فصدام مسلح ينفر الناس منه بالطبيعة؛ فلا يمكنون أحداً أن يقاتلهم؛ أما هذا فسلاح فتاك يفتك بالأمة من حيث لا تشعر؛ فانظر كيف أفسد الغزو الفكري والخلقي على الأمة الإسلامية أمور دينها، ودنياها؛ ومن تأمل التاريخ تبين له حقيقة الحال. ١٧ - ومن فوائد الآية: تيئيس الكافرين أن يردوا المؤمنين كلهم عن الدين؛ لقوله تعالى: ﴿إن استطاعوا﴾؛ ولكن لن يستطيعوا حتى يأتي أمر الله، ويكون في آخر الزمان، فتهب ريح تقبض نفس كل مؤمن حتى لا يبقى إلا شرار الخلق. ١٨ - ومنها: الحذر من الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم﴾؛ وكلمة: ﴿لا يزالون﴾ تفيد الاستمرار، وأنه ليس في وقت دون وقت، وأن محاولتهم ارتداد المسلمين عن دينهم مستمرة. ١٩ - ومنها: أن الردة مبطلة للأعمال إذا مات عليها؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾. ٢٠ - ومنها: أن من ارتد عن دينه، ثم عاد إليه لم يبطل عمله السابق؛ لقوله تعالى: ﴿فيمت وهو كافر﴾.

стр. 1619

٢١ - ومنها: أن المرتد مخلد في النار؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾. ٢٢ - ومنها: أن المرتد لا يعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾؛ فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، ولا يرث؛ وأما أن يورث فقد اختار شيخ الإسلام أنه يرثه أقاربه المسلمون؛ ولكن الصحيح أنه لا توارث؛ لعموم قوله - ﷺ في حديث أسامة: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" (١). القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨] التفسير: إن الذين صَدَّقوا بالله ورسوله وعملوا بشرعه والذين تركوا ديارهم، وجاهدوا في سبيل الله، أولئك يطمعون في فضل الله وثوابه. والله غفور لذنوب عباده المؤمنين، رحيم بهم رحمة واسعة. في سبب نزول الآية وجوه: أحدها: أخرج الطبري بسنده الصحيح عن "المعتمر بن سليمان، عن أبيه، أنه حدثه رجل، عن أبي السَّوار، يحدثه عن جندب بن عبد الله قال: لما كان من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه وأمر ابن الحضرمي ما كان، قال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم - أظنه قال: - وِزْرًا، فليس لهم فيه أجرٌ. فأنزل الله: ﴿إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم﴾ " (٢). والثاني: وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن جندب بن عبد الله قال: "بعث رسول الله- ﷺ رهطا، وبعث عليهم عبد الله بن جحش، فقال بعض المشركين: ان لم يكونوا اصابوا وزرا فليس لهم اجر، فأنزل الله : ﴿ان الذين امنوا والذين هاجروا وجهدوا في سبيل الله اولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم﴾ " (٣). والثالث: ونقل ابن ظفر عن الزهري قال: طلما فرج الله عن أهل تلك السرية ما كانوا فيه من الغم؛ لقتالهم في الشهر الحرام طمعوا في الثواب. فقالوا: يا نبي الله أنطمع أن تكون هذه غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فنزلت هذه الآية" (٤). قال الزمخشري" روى أن عبد اللَّه بن جحش وأصحابه حين قتلوا الحضرمي، ظنّ قوم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر، فنزلت: ﴿أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ " (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٨]؛ يعني" إنّ الذين صَدَّقوا بالله وبرسوله وبما جاء به" (٦). قال القاسمي: أي صدقوا" بحرمة الشهر في نفسه وجواز قتال المخرجين أهل المسجد الحرام منه" (٧).

стр. 1620

و (الإيمان) في اللغة: " التصديق: قال تعالى عن إخوة يوسف قائلين لأبيهم: ﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾ [البقرة: ٢١٨]؛ وأما في الشرع فهو التصديق المستلزم للقبول والإذعان" (١). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ [البقرة: ٢١٨]؛ أي: و" الذين هجروا مُساكنة المشركين في أمصارهم ومجاورتهم في ديارهم، فتحولوا عنهم، وعن جوارهم وبلادهم، إلى غيرها هجرة" (٢). قال الصابوني: " أي: والذين فارقوا الأهل والأوطان" (٣). قال الشوكاني: " الهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع وترك الأول لإيثار الثاني والهجر ضد الوصل والتهاجر التقاطع والمراد بها هنا الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام" (٤). قال القاسمي: " فتركوا مكة وعشائرهم إذ أخرجوا من المسجد الحرام" (٥). قال البغوي: " فارقوا عشائرهم ومنازلهم وأموالهم" (٦). و(الهجر) في اللغة: الترك؛ وأصل المهاجرة: " (المفاعلة)، من هجرة الرجل الرجلَ للشحناء تكون بينهما، ثم تستعمل في كل من هجر شيئًا لأمر كرهه منه" (٧). قال القرطبي: " والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع، وقصد ترك الأول إيثارا للثاني. والهجر ضد الوصل. وقد هجره هجرا وهجرانا، والاسم الهجرة. والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية. والتهاجر التقاطع. ومن قال: المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم، بسبب أن ذلك كان الأغلب في العرب، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله" (٨). و(الهجر) في الشرع له معنيان (٩): أحدهما: معنى عام: وهو هجر ما حرم الله ، كما قال النبي ﷺ : «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (١٠). والثاني: معنى خاص: وهو أن يهجر الإنسان بلده ووطنه لله ورسوله، بأن يكون هذا البلد بلد كفر لا يقيم فيه الإنسان دينه؛ فيهاجر من أجل إقامة دين الله، وحماية نفسة من الزيغ، كما جاء في الحديث صحيح: «من كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (١١)؛ والمراد بالهجرة في الآية ما يشمل المعنيين: العام، والخاص. قال الراغب: " الهجر: مفارقة الإنسان غيره، إما بالبدن أو بالنسيان والقلب، والهاجرة الساعة التي تمنع عن السير كأنها هجرت الناس بحرها، والهجار حبل يشد به الفحل، فيصير سبباً لهجرانه الإبل، وجعل بناؤه على بناء الآلات، كالعقال والزمام، والهجر: الكلام المهجور لقبحه، وقيل: هجر فلان إذا

стр. 1621

هدى عن قصد واهجر المريض إذا هذي عن غير قصد والجهد: تحمل المشقة ومجاهدة العدو ومقاومته ببذل الجهد، وجهدت رأيي واجتهدته أتعبته بالفكر والنظر" (١). قوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]، اي: "وجاهدوا الأعداء لإعلاء دين الله" (٢). قال الطبري: " وقاتلوا وحاربوا" (٣). وأصل (المجاهدة): " (المفاعلة) من قول الرجل: قد جَهَد فلان فلانًا على كذا، إذا كرَبَه وشقّ عليه" (٤). والاجتهاد والتجاهد: "بذل الوسع والمجهود" (٥). فـ (الجهاد) هو بَذْلُكَ الجهد لأمر مطلوب؛ والجهد معناه الطاقة، كما قال تعالى: ﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾، [التوبة: ٧٩] يعني إلا طاقتهم؛ وهو يغلب على بذل الجهد في قتال الأعداء؛ وإلا فكل أمر شاق تبذل فيه الطاقة فإنه جهاد؛ ولهذا كان جهاد النفس يسمى جهاداً؛ ولكن لا صحة للحديث الذي يذكر عن النبي ﷺ أنه لما رجع من تبوك قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» (٦) يعني: جهاد النفس؛ ولكن لا شك أن النفس تحتاج إلى مجاهدة لحملها على فعل الطاعة، وترك المعصية (٧). و﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعني: "طريقه ودينه" (٨). قال البغوي: في "طاعة الله" (٩). قوله تعالى: ﴿أولئك يرجون رحمة الله﴾ [البقرة: ٢١٨]؛ أي: أولئك"يطمعون أن يرحمهم الله فيدخلهم جنته بفضل رحمته إياهم" (١٠). قال الصابوني: " أي أولئك الموصوفون بالأوصاف الحميدة، هم الجديرون أن ينالوا رحمة الله" (١١). قال الشوكاني: " "معناه يطمعون، وإنما قال ﴿يرجون﴾ بعد تلك الأوصاف المادحة التي وصفهم بها لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ" (١٢). قال القاسمي: أي يرجون: "جنته على إيمانهم وهجرتهم وجهادهم" (١٣). قال البغوي: " أخبر أنهم على رجاء الرحمة" (١٤). وتصدير خبر ﴿إن﴾ باسم الإشارة للبعيد يدل على علو همتهم؛ فيكون في ذلك تنويه بذكرهم من وجهين (١٥): الأول: الإشارة إليهم بما يدل على الرفعة والعلو.

стр. 1622

والثاني: أن تعدد المبتدأ يجعل الجملة الواحدة كالجملتين؛ فيكون في ذلك توكيد على توكيد. و(الرجاء): " الطمع في حصول ما هو قريب؛ ومعلوم أن الطمع بما هو قريب لا يكون قريباً إلا بفعل ما يكون قريباً به؛ وهؤلاء فعلوا ما تكون الرحمة قريبة منهم؛ والذي فعلوه: الإيمان، والهجرة، والجهاد؛ فإذا لم يرْجُ هؤلاء رحمة الله فمن الذي يرجوها؟ ! ! فهؤلاء هم أهل الرجاء؛ فالرجاء لا بد له من أسباب؛ وحسن الظن لا بد له من أسباب" (١). قال القرطبي: " ﴿ويرجون﴾ معناه يطمعون ويستقربون، وإنما قال "يرجون" وقد مدحهم لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ، لأمرين: أحدهما: لا يدري بما يختم له. والثاني: لئلا يتكل على عمله. والرجاء ينعم، والرجاء أبدا معه خوف ولا بد، كما أن الخوف معه رجاء، والرجاء من الأمل ممدود، يقال: رجوت فلانا رجوا ورجاء ورجاوة، يقال: ما أتيتك إلا رجاوة الخير. وترجيته وارتجيته ورجيته وكله بمعنى رجوته، قال بشر يخاطب بنته (٢): فرجي الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القارظ العنزي آبا وما لي في فلان رجية، أي ما أرجو. وقد يكون الرجو والرجاء بمعنى الخوف، قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح: ١٣] أي لا تخافون عظمة الله، قال أبو ذؤيب (٣): إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عوامل أي لم يخف ولم يبال. والرجا - مقصور -: ناحية البئر وحافتاها، وكل ناحية رجا. والعوام من الناس يخطئون في قولهم: يا عظيم الرجا، فيقصرون ولا يمدون" (٤). والمراد بـ (الرحمة) هنا "يحتمل أن تكون الرحمة التي هي صفته - أي أن يرحمهم -؛ ويحتمل أن يكون المراد ما كان من آثار رحمته؛ وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء» (٥)؛ فجعل المخلوق رحمة له؛ لأنه من آثار رحمة الله؛ ولهذا قال: «أرحم بك»؛ أما الرحمة التي هي وصفه فهي شيء آخر؛ فالآية محتملة للمعنيين؛ وكلاهما متلازمان؛ لأن الله إذا رحم عبداً أدخله الجنة التي هي رحمته" (٦). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]؛ أي: والله" ساتر ذنوبَ عباده بعفوه عنها، متفضل عليهم بالرحمة" (٧). قال الصابوني: " والله عظيم المغفرة، واسع الرحمة" (٨). قال القاسمي: " ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لهتكهم حرمة الشهر: ﴿رَّحِيمٌ﴾ بما تجاوز عن قتالهم، مع قيام دليل الحرمة فلم يعاقبهم" (٩).

стр. 1623

أخرج ابن ابي حاتم بسنده عن السدى: "ثم رجع إلى اصحاب النبي ﷺ ، فغفر لهم فقال: ﴿ان الذين امنوا والذين هاجروا وجهدوا في سبيل الله اولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم﴾ " (١). وقد يقول قائل: "ما محل ذكر اسم الله «الغفور» هنا مع أن هؤلاء قاموا بأعمال صالحة؟ الجواب: أن القائم بالأعمال الصالحة قد يحصل منه شيء من التفريط، والتقصير؛ ولذلك شرع للمصلي أن يستغفر الله ثلاثاً بعد السلام؛ وأما ذكر «الرحيم» فواضح مناسبته؛ لأن كل هذه الأعمال التي عملوها من آثار رحمته؛ وسبق الكلام على هذين الاسمين الكريمين" (٢). قال الراغب: "ونهى عن تضييع الشهر الحرام والمسجد الحرام، وعن تهييج الفتنة نبه على فضل من هاجر وجاهد في سبيل الله محافظة على ذلك، فمن المفسرين من حمل المهاجرة على مهاجرة الأهل والولد، كهجرة النبي- ﵇ وأصحابه والمجاهدة على الغزو، ومنهم من قال: عنى ذلك هجران الشهوات، ومجاهدة الهوى ... وهذه المنازل الثلاث التي هي الإيمان والمهاجرة والجهاد هي المعنية بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَآمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ ولا سبيل إلي المهاجرة إلا بعد الإيمان، ولا إلى الجهاد في سبيله إلا بعد هجران الشهوات، ومن وصل إلي ذلك فحق له أن يرجو رحمته" (٣). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، والهجرة؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا﴾ الآية. ٢ - ومنها: أن الجهاد دون مرتبة الهجرة؛ لأنه جعل الجهاد معطوفاً على الهجرة؛ ولم يجعل له اسماً موصولاً مستقلاً. ٣ - ومنها: مراعاة الإخلاص في الهجرة، والجهاد؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾؛ وأما بدون الإخلاص فهجرته إلى ما هاجر إليه؛ واعلم أنه يقال: في كذا؛ ولكذا؛ وبكذا؛ تقول مثلاً: جاهدت لله؛ وجاهدت بالله؛ وجاهدت في الله؛ فـ «لله»: اللام لبيان القصد؛ فتدل على الإخلاص؛ و «بالله»: الباء للاستعانة؛ فتدل على أنك جاهدت مستعيناً بالله؛ و «في الله»: «في» للظرفية؛ فتدل على أن ذلك الجهاد على وفق شرع الله - لم يتعد فيه الحدود -. ٤ - ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يكون جازماً بقبول عمله؛ بل يكون راجياً؛ ولكنه يرجو رجاءً يصل به إلى حسن الظن بالله ؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك يرجون رحمة الله﴾؛ لأنهم لا يغترون بأعمالهم؛ ولا يُدْلُون بها على الله؛ وإنما يفعلونها وهم راجون رحمة الله. ٥ - ومنها: إثبات اسمي «الغفور»، و «الرحيم» لله ؛ وإثبات ما دلَّا عليه من المغفرة والرحمة؛ وما يترتب على ذلك من غفران الذنوب والرحمة؛ فبالمغفرة يزول المكروه من آثار الذنوب؛ وبالرحمة يحصل المطلوب. ٦ - ومنها: كمال رحمة الله بالخلق؛ فلله على العامل عملاً صالحاً ثلاث نعم عظيمة: الأولى: أنه بيّن له العمل الصالح من العمل غير الصالح؛ وذلك بما أنزله من الوحي على رسله؛ بل هي أعظم النعم. الثانية: توفيقه لهذا العمل الصالح؛ لأن الله قد أضل أمماً عن العمل الصالح. الثالثة: ثوابه على هذا العمل الصالح ثواباً مضاعفاً: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.

стр. 1624

وهذا مما يدل على كمال رحمة الله بالخلق: أنه ينعم، ثم يشكر المنعمَ عليه، كما قال تعالى: ﴿إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً﴾ [الإنسان: ٢٢]. القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ [البقرة: ٢١٩] التفسير: يسألك المسلمون -أيها النبي- عن حكم تعاطي الخمر شربًا وبيعًا وشراءً، والخمر كل مسكر خامر العقل وغطاه مشروبًا كان أو مأكولا ويسألونك عن حكم القمار -وهو أَخْذُ المال أو إعطاؤه بالمقامرة وهي المغالبات التي فيها عوض من الطرفين-، قل لهم: في ذلك أضرار ومفاسد كثيرة في الدين والدنيا، والعقول والأموال، وفيهما منافع للناس من جهة كسب الأموال وغيرها، وإثمهما أكبر من نفعهما؛ إذ يصدَّان عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويتلفان المال. وكان هذا تمهيدًا لتحريمهما. ويسألونك عن القَدْر الذي ينفقونه من أموالهم تبرعًا وصدقة، قل لهم: أنفقوا القَدْر الذي يزيد على حاجتكم. مثل ذلك البيان الواضح يبيِّن الله لكم الآيات وأحكام الشريعة؛ لكي تتفكروا فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة. ويسألونك -أيها النبي- عن اليتامى كيف يتصرفون معهم في معاشهم وأموالهم؟ قل لهم: إصلاحكم لهم خير، فافعلوا الأنفع لهم دائمًا، وإن تخالطوهم في سائر شؤون المعاش فهم إخوانكم في الدين. وعلى الأخ أن يرعى مصلحة أخيه. والله يعلم المضيع لأموال اليتامى من الحريص على إصلاحها. ولو شاء الله لضيَّق وشقَّ عليكم بتحريم المخالطة. إن الله عزيز في ملكه، حكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه. وفي سبب نزولها، ثلاثة أقوال (١): أحدهما: عن عمر ﵁؛ قال: اللهمَّ بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فإنها تذهب المال والعقل؛ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ التي في سورة البقرة؛ فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزلت الآية التي في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]؛ فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام إلى صلاة نادى: "أن لا يقربن الصلاة سكران"؛ فدعي عمر؛ فقرئت عليه، فقال: اللهمَ بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر؛ فقرئت عليه، فلما بلغ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ قال عمر: انتهينا انتهينا" (٢). [صحيح]

стр. 1625

والثاني: أن نفر من الأنصار أتوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال؟ فأنزل الله هذه الآية" (١). قال مقاتل: "نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ونفر من الأنصار"، (٢) "أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية" (٣). وقال الثعلبي: "نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى هذه الآية " (٤). وذكره الواحدي بتمامه (٥). والثالث: أخرج ابن أبي حاتم (٦) بسنده عن "يحيى، انه بلغه ان معاذ بن جبل (٧)، وثعلبة (٨) اتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله ان لنا أرقاء وأهلين، فما ننفق من اموالنا؟ فأنزل الله : ﴿ويسئلونك ماذا ينفقون﴾ " (٩) [ضعيف].

стр. 1626

وفي السياق نفسه روي عن ابن عباس: " أن نفراً من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله أتوا النبي ﷺ ، فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا، فما ننفق منها؟ فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾، وكان قبل ذلك ينفق ماله حتى ما يجد ما يتصدق به، ولا ما يأكل حتى يتصدق عليه " (١). [ضعيف] قال الصابوني: " لما ذكر تعالى أحكام القتال، وبين الهدف السامي من مشروعيته، وهو نصرة الحق وإعزاز الدين، وحماية الأمة من أن يلتهمها العدو الخارجي، ذكر بعدها ما يتعلق بإصلاح (المجتمع الداخلي) على أسس من الفضيلة والخلق الكريم، لتقوم دعائمها على أسس متينة، وتبقى صرحاً شامخاً لا تؤثر في الأعاصير" (٢). قال الدكتور عبدالكريم الخطيب: "في هذه الآية: إشارة حادّة من إشارات السماء، إلى أمرين من أمور الجاهلية، كانت حياتهم متلبسة بهما، دائرة فى فلكهما، وهما الخمر والميسر، وقد كان هذان المنكران متلازمين، لا يكاد يفترق أحدهما عن الآخر .. فحيث كان خمر كان معه ميسر، وحيث كان قمار ومقامرة دارت كئوس الخمر ودارت معها رءوس النّدمان .. ولهذا قرنهما الله سبحانه فى هذا المقام .. الخمر والميسر، ودمغهما بالإثم، والحكم ـ كما ترى ـ أنهما يحملان فى كيانهما قدرا كبيرا من الإثم، إلى جانب ما يحملان من نفع .. وإن كفة الإثم فيهما ترجح عن كفة النفع" (٣). قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، " أي: يسألونك يا محمد عن حكم الخمر وحكم القمار" (٤). قال ابن عثيمين: " أي يسألك الناس، أو الصحابة ﵃" (٥). قال الماوردي: " يعني: يسألك أصحابك يا محمد عن الخمر والميسر وشربها" (٦). قال القرطبي: " السائلون هم المؤمنون (٧). كذا قاله الشوكاني (٨). و«الخمر»: " كل ما أسكر على وجه اللذة، والطرب" (٩). قال الطبري: و" ﴿الخمر﴾ كل شراب خمَّر العقل فستره وغطى عليه" (١٠). قال الشوكاني: " وسمي خمرا لأنه يخمر العقل أي يغطيه ويستره" (١١).

стр. 1627

قال الصابوني: " ﴿الخمر﴾ المسكر من الأشربة سميت خمرا لأنها تستر العقل وتغطيه، وقولهم: خمرت الغناء أي غطيته" (١). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: "قام عمر على. فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: الا وان الخمر نزل تحريمها يوم نزل، من خمس: من العنب والعسل والتمر والحنطة والشعير والخمر: ما خامر العقل، ثلاثا" (٢). وقال سعيد بن المسيب: "إنما سميت الخمر، لأنها صفا صفوها وسفل كدرها" (٣). قال القرطبي: " والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه خمار المرأة. وكل شيء غطى شيئا فقد خمره، ومنه " خمروا آنيتكم" فالخمر تخمر العقل، أي تغطيه وتستره ... والجمهور من الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره، والحد في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال، وإذا سكر منه أحد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه، وهذا ضعيف يرده النظر والخبر (٤). وقال الراغب: " الخمر: ستر الشيء وقال لما يستتر به خمار، لكن للخمار صار الخمار في التعارف لما تغطي به المرأة رأسها، واختمرت المرأة، وتخمرتُ، وخمرتُ الإناء غطيته، وكذلك خمرت العجين، وسميت الخميرة لكونها مخمورة، ودخل في خمار الناس أي في جماعتهم يسترونه، والخمار الموروث من الخمر جعل ماؤه ماء الأدواء، نحو الكباد، والصداع، وخامره الحزن إذا استولى عليه حتى سترفهمه وفكره، وبنحوه سوي غماً، وأصله من الستر، ومن الناس من جعل الخمر اسماً لدى مسكر، ومنهم من جعله اسماً للمتحد من التمر والعنب، لقوله- ﵇: " الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة "، ومنهم من جعلها اسماً لما لم يكن مطبوخاً، ثم كمية الطبخ الذي يخرجها عن كونه خمراً مختلف فيها" (٥). وقد ذكر ابن القيم: بأن "في تسمية الخمر خمرا، ثلاثة أقوال: أحدها: أنها سميت خمرا لأنها تخامر العقل أي تخالطه. والثاني: لأنها تخمر العقل أي تستره. والثالث: لأنها تخمر أي تغطي. ذكر هذه الاقوال محمد بن القاسم " (٦). وقال أهل العلم بأن "سبب سؤالهم هو أن الإنسان العاقل إذا رأى ما يترتب على الخمر، والميسر من المضار التي تخالف الفطرة فلا بد أن يكون عنده إشكال في ذلك؛ ولهذا سألوا النبي ﷺ عن حكمهما - لا عن معناهما -؛ لأن المعنى معلوم" (٧). قال القرطبي: " قال بعض المفسرين: إن الله تعالى لم يدع شيئا من الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة، ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة، فكذلك تحريم الخمر، وهذه الآية أول ما نزل في أمر الخمر، ثم بعده: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] ثم قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ

стр. 1628

ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] ثم قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] على ما يأتي بيانه في «المائدة» " (١). وقد أنزل الله في الخمر أربع آيات (٢): إحداها: آية تبيحه: وهي قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً﴾ [النحل: ٦٧]. نزلت بمكة " وكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم" (٣). والثانية: آية تعرض بالتحريم: وهي هذه الآية، " فشربها قوم وتركها آخرون" (٤). والثالثة: آية تمنعه في وقت دون آخر، وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣]، " فقل من شربها" (٥). والرابعة: آية تمنعه دائماً مطلقاً: وهي آية المائدة التي نزلت في السنة الثامنة من الهجرة، وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ... ﴾ [المائدة: ٩٠] الآيات. قال القفال ﵀: "والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيرا، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج، وهذا الرفق، ومن الناس من قال بأن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية، ثم نزل قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلواة وأنتم سكارى﴾ فاقتضى ذلك تحريم شرب الخمر وقت الصلاة، لأن شارب الخمر لا يمكنه أن يصلي إلا مع السكر، فكان المنع من ذلك منعا من الشرب ضمنا، ثم نزلت آية المائدة فكانت في غاية القوة في التحريم، وعن الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر" (٦). وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن ابن عمر يقول: "نزلت في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء: ﴿يسئلونك عن الخمر والميسر﴾ الآية. فقيل: حرمت الخمر. فقالوا: يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله. قال: فسكت عنهم. ثم نزلت هذه الآية: ﴿لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى﴾ فقيل: حرمت الخمر فقالوا يا رسول الله انا لا نشربها قرب الصلاة. فسكت عنهم. ثم نزلت: ﴿يايها الذين امنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام﴾ الآية، فقال رسول الله- ﷺ : حرمت الخمر" (٧). و﴿الْمَيْسِرُ﴾: من قولهم: يسَرَ لي هذا الأمر، إذا وجب لي، فهو يَيْسِر لي يَسَرًا وَميسِرًا، و «الياسر» الواجب، بقداح وَجب ذلك، أو فُتاحة أو غير ذلك، ثم قيل للمقامر، : ياسرٌ ويَسَر، كما قال الشاعر (٨): فَبِتُّ كَأَنَّنِي يَسَرٌ غَبِينٌ ... يُقَلِّبُ، بَعْدَ مَا اخْتُلِعَ، القِدَاحَا وكما قال النابغة (٩):

стр. 1629

أَوْ يَاسِرٌ ذَهَبَ القِدَاح بوَفْرِهِ ... أَسِفٌ تآكَلَهُ الصِّدِيقُ مُخَلَّعُ (١). يعني: بالـ «ياسر»: المقامر. وقيل للقمار: «ميسر»؛ وهو كل كسب عن طريق المخاطرة، والمغالبة؛ وضابطه: أن يكون فيه بين غانم، وغارم (٢). قال الراغب: «الميسر»: آلة اليسر، أي الضرب بالقداح ويقال للضارب به ياسر، وسمي الجاذر، وذلك الجذور ياسراً تشبيهاً به، وأصله من اليسر، وهو ضد العسر، وسمي الغنى يسراً، وسمي ذلك يسراً لاعتقادهم أنه غني للفقراء" (٣). قال القرطبي: ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾: "قمار العرب بالأزلام" (٤) قال الصابوني: " ﴿الميسر﴾: القمار وأصله من اليسر لأنه كسب من غير كد ولا تعب، وقيل من اليسار، لأنه سبب الغنى" (٥). وقد تعددت أقوال أهل العلم في تفسير: ﴿الْمَيْسِرُ﴾ [البقرة: ٢١٩]، على وجوه: أحدها: أنه القمار. قاله ابن عمر (٦)، ومجاهد (٧)، وروي عن عبد الله بن مسعود (٨)، وابن عباس (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، والحسن (١١)، وعطاء (١٢)، وطاوس (١٣)، ومحمد بن سيرين (١٤)، وقتادة (١٥)، والضحاك (١٦)، وكحول (١٧)، والسدي (١٨)، ومقاتل (١٩). والثاني: أنه الشطرنج. قاله علي (٢٠). الثالث: أنه بيع اللحم بالشاة والشاتين (٢١). الرابع: أن كل ما لهى عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو ميسر. وهذا قول القاسم بن محمد (٢٢).

стр. 1630

الخامس: أنه الضرب بالقداح على الأموال والثمار. قاله الأعرج (١). السادس: أنه الضرب بالكعاب (٢). وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عن يزيد بن شريح، ان النبي- ﷺ ، قال: "ثلاث من الميسر: الصغير بالحمام، والقمار، والضرب بالكعاب" (٣). قال القرطبي: "وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء" (٤). قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، أي: "قل لهم إن في تعاطي الخمر والميسر ضررا عظيما وإثما كبيرا" (٥). قال البغوي: "أي" وزر عظيم من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش" (٦). قال النيسابوري: " أي إنهما من الكبائر" (٧). قال مجاهد: "هذا أوَّل ما عِيبَتْ به الخمر" (٨). وقد تدل لفظة (الإثم) في كلام العرب، على معنيين: أحدهما: العقوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] قال ابن عثيمين: "فقوله ﴿إثم﴾ أي عقوبة؛ أو كان سبباً للعقوبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، ويقال: (فلان آثم) أي مستحق للعقوبة" (٩). ومنه قول الشاعر [ينسب إلى بشر] (١٠): وكان مُقامنا نَدْعُو عليهم ... بأبْطَحَ ذي المجازِ له أَثَامُ والثاني: الخمر، " لأن شربها سبب في الإثم" (١١). قال الشاعر (١٢): شَرِبْتُ الإثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي ... كَذَاكَ الإثْمُ تَذْهَبُ بالعُقُولِ فعبر عن الخمر بالإثم لما كان مسببا عنها (١٣). وقول الآخر (١٤): نشرب الإثم في الصباحِ جهارا ... فترى الكاس بيننا مستعارا

стр. 1631

وقال السمين الحلبي: " والذي قاله الحذاق: إن الإثم ليس من أسماء الخمر. قال ابن الأنباري: الإثم لا يكون اسما للخمر؛ لأن العرب لم تسم الخمر إثما في جاهلية ولا إسلام" (١). وقد ذكر أهل التفسير في إثم ﴿الخمر﴾ قولين: أحدهما: أن" إثم الخمر أنّ الرجل يشرَب فيسكر فيؤذي الناس، وإثم الميسر أن يُقامر الرجلُ فيمنعَ الحق ويظلم". قاله السدي (٢). والثاني: أنه "يعني ما ينقُص من الدين عند من يشربها". قاله ابن عباس (٣). وفي المعنى نفسه قال سعيد بن جبير: "قال الله: فيهما اثم كبير لان في شرب الخمر والقمار، ترك الصلاة، وترك ذكر الله " (٤). قلت: وقول السدي أولى بالتفسير، أي "زوال عقل شارب الخمر إذا سكر من شربه إياها حتى يعزب عنه معرفة ربه، وذلك أعظمُ الآثام، وذلك معنى قول ابن عباس إن شاء الله" (٥). والله أعلم. وقال القرطبي: " إثم الخمر ما يصدر عن الشارب من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور، وزوال العقل الذي يعرف به ما يجب لخالقه، وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر الله، إلى غير ذلك" (٦) (٧). وقال الراغب: " وأشار الله- بقوله: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ إلى تحريمه إشارة لطيفة تحتاج في كشفها إلى مقدمة، وهي أن النفع ضربان، ديني ودنيوي، والدنيوي ضربان، نفع ضروري، ونفع غير ضروري، فالضروري كالأكل والجماع اللذين لو تصورناهما مرتفعين لارتفع بارتفاع الجماع نوع الحيوان، وبارتفاع اجل أشخاص الحيوان، ونفع غير ضروري، كالتنقل بعد الأكل وترك التحلل بعده، والخمر نفعها دنيوي غير ضروري، فإن نفعها تقوية الأبدان المسنة، وهضم طعام والمعاونة على الباءة والزيادة في الرطوبة والحرارة الغريزيتين، وليس ذلك بضروري ولا متحقق النفع فيه، وفيهما إثم متحقق أو مظنون، والعقل يقتضي أن يتحاشى من الترام الإثم المظنون للنفع المتحقق الذي ليس بضروري، فكيف من النفع المظنون؟ ، ومن هذا الوجه صار الخمر فيما بين الأمم المتقدمة مترددة بين خمر، ودم، وإباحة، وحظر، وتركها عامة في العقول الراجحة لما أراد الله ﵎ تحريم الخمر على الناس لما رأى في

стр. 1632

ذلك من المصلحة، وعلم من غريزتهم التي غرزها عليها إن كثيراً منهم إذا ردع عما ألفه واستحسنه لا يكاد يرتدع ابتداء بتقبيح السكر في نفوسهم، ولكونه منافياً لذكر الله وعبادته، فقال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فلما رسخ ذلك في نفوسهم أنزل قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، وكأن في هذا إشارة لا يعرفها إلا ذوو العقول الراجحة، فلما قوي ذلك في نفوسهم فال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ " (١). ثم قال: وعلى قريب من هذا الكلام (٢) في الميسر، لكن كان أمره أخف، ومن الناس من جعل كل ما فيه خطر ومقامرة ميسراً، ومنهم من قاسه عليه، وقد روي عن النبي- ﵇ " من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله " (٣). وقال الطبري: "وأما إثم ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾، فلما "فيه من الشغل به عن ذكر الله وعن الصلاة، ووقوع العداوة والبغضاء بين المتياسرين بسببه، كما وصف ذلك به ربنا جل ثناؤه بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ [سورة المائدة: ٩١] " (٤). والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، أي: " ومنافع مادية ضئيلة" (٥). قال القاسمي: أي: " دنيوية من اللذة والطرب والتجارة في الخمر. وإصابة المال بلا كدّ في الميسر" (٦). قال البغوي: " فمنفعة الخمر اللذة عند شربها والفرح واستمراء الطعام وما يصيبون من الربح بالتجارة فيها، ومنفعة الميسر إصابة المال من غير كد ولا تعب وارتفاق الفقراء به. والإثم فيه أنه إذا ذهب ماله من غير عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه فقصده بالسوء" (٧). قال ابن عثيمين: " وتأمل قوله تعالى: ﴿منافع للناس﴾؛ لأنها منافع مادية بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس؛ وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون" (٨). قال الطبري: "فإن منافعَ الخمر كانت أثمانها قبل تحريمها، وما يصلون إليه بشربها من اللذة، كما قال الأعشى في صفتها (٩):

стр. 1633

لَنَا مِنْ ضُحَاها خُبْثُ نَفْسٍ وَكَأْبَةٌ ... وذِكْرَى هُمُوم مَا تُغِبُّ أَذَاتُهَا وَعِنْد العِشَاءِ طِيبُ نَفْسٍ وَلَذَّةٌ ... وَمَالٌ كَثِير، عِزَّةٌ نَشَوَاتُهَا وكما قال حسان (١): فَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا ... وَأُسْدًا، مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ وقال القرطبي: أما المنافع "في الخمر فربح التجارة، فإنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص فيبيعونها في الحجاز بربح، وكانوا لا يرون المماسكة فيها، فيشتري طالب الخمر الخمر بالثمن الغالي. هذا أصح ما قيل في منفعتها، وقد قيل في منافعها: إنها تهضم الطعام، وتقوي الضعف، وتعين على الباه، وتسخي البخيل، وتشجع الجبان، وتصفي اللون، إلى غير ذلك من اللذة بها" (٢)، ثم استشهد بقول حسان السابق، وقول الآخر (٣): فإذا شربت فإنني ... رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير وأما منافع ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ففيه قولان: أحدهما: اكتساب المال من غير كدّ. والثاني: ما يصيبون من أنصباء الجزور، وذلك أنهم كانوا يتياسرون على الجزور فإذا أفلح الرجل منهم على أصحابه نحروه ثم اقتسموه أعشاراً على عدة القداح، وفي ذلك يقول أعشى بني ثعلبة (٤): وَجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ إلَى النَّدَى ... وَنِيَاطِ مُقْفِرَةٍ أَخَافُ ضَلالَهَا وهذا قول ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، والسدي (٧). قال الطبري: "وأما منافع «الميسر»، فما يصيبون فيه من أنصِباء الجزور، وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور، وإذا أفلجَ الرجلُ منهم صاحبَه نحره، ثم اقتسموا أعشارًا على عدد القداح " (٨). وقال القرطبي: " ومنفعة ﴿الميسر﴾ مصير الشيء إلى الإنسان في القمار بغير كد ولا تعب، فكانوا يشترون الجزور ويضربون بسهامهم، فمن خرج سهمه أخذ نصيبه من اللحم ولا يكون عليه من الثمن شيء

стр. 1634

، ومن بقي سهمه آخر كان عليه ثمن الجزور كله ولا يكون له من اللحم شيء. وقيل: منفعته التوسعة على المحاويج، فإن من قمر منهم كان لا يأكل من الجزور وكان يفرقه في المحتاجين" (١). وقد اختلفت القرأءة في قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، على وجهين (٢): أحدهما: ﴿قل فيهما إثم كبيرٌ﴾، بالباء الموحدة، قرأ بها عُظْم أهل المدينة وبعضُ الكوفيين والبصريين، بمعنى قل: في شرب هذه، والقمار هذا، كبيرٌ من الآثام. واحتج أصحاب هذا القول: بـ"أن الذنب في القمار وشرب الخمر من الكبائر، فوصفه بالكبير أليق. وأيضا فاتفاقهم على "أكبر" حجة لـ "كبير" بالباء بواحدة. وأجمعوا على رفض "أكثر" بالثاء المثلثة، إلا في مصحف عبدالله بن مسعود فإن فيه "قل فيهما إثم كثير" "وإثمهما أكثر" بالثاء مثلثة في الحرفين" (٣). قال الراغب: " فكبير لقوله تعالي: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية، وبقوله الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وعظيم وكبير متلازمان " (٤). والثاني: ﴿قل فيهما إثمٌ كثيرٌ﴾ بالثاء المثلثة، وهي قراءة الكسائيّ وحمزة، بمعنى الكثرة من الآثام، وكأنهم رأوا أن (الإثم) بمعنى (الآثام)، وإن كان في اللفظ واحدًا، فوصفوه بمعناه من الكثرة. واستندوا في قراءتهم بأن "النبي ﷺ لعن الخمر ولعن معها عشرة: بائعها ومبتاعها والمشتراة له وعاصرها والمعصورة له وساقيها وشاربها وحاملها والمحمولة له وآكل ثمنها (٥). وأيضا فجمع المنافع يحسن معه جمع الآثام. و"كثير" بالثاء المثلثة يعطي ذلك" (٦). والراجح هو من قرأ بـ (الباء): ﴿قل فيهما إثم كبير﴾، وذلك "لإجماع جميعهم على قوله: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، وقراءته بالباء، وفي ذلك دلالة بيّنة على أن الذي وُصف به الإثم الأول من ذلك، هو العظم والكبَر، لا الكثرة في العدد، ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة، لقيل: وإثمهما أكثر من نفعهما" (٧). قال ابن عثيمين: " والفرق بينهما (أي القرائتين)، أن الكبر تعود إلى الكيفية؛ والكثرة تعود إلى الكمية؛ والمعنى أن فيهما إثماً كثيراً بحسب ما يتعامل بهما الإنسان؛ والإنسان المبتلى بذلك لا يكاد يقلع عنه؛ وهذا يستلزم تعدد الفعل منه؛ وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم؛ أيضاً الإثم فيهما كبير - أي عظيم -؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والبدن، والاجتماع، والسلوك؛ وقد ذكر محمد رشيد رضا ﵀ في هذا المكان أضراراً كثيرة جداً؛ من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبر الله عن ذلك بقوله تعالى: ﴿إثم كبير﴾، أو ﴿إثم كثير﴾؛ وهاتان القراءتان لا تتنافيان؛ لأنهما جمعتا وصفين مختلفين جهة؛ فيكون الإثم كثيراً باعتبار آحاده؛ كبيراً باعتبار كيفيته" (٨). قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، أي: "ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما" (٩). قال ابن عثيمين: " لأن العقوبة في الآخرة؛ وأما النفع ففي الدنيا؛ وعذاب الآخرة أشق، وأبقى" (١٠).

стр. 1635

قال الطبري: " أي: " والإثم بشرب الخمر هذه والقمار هذا، أعظمُ وأكبرُ مضرة عليهم من النفع الذي يتناولون بهما ... وإنما كان ذلك كذلك، لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتَل بعضهم بعضًا، وإذا ياسرُوا وقع بينهم فيه بسببه الشرُّ، فأدَّاهم ذلك إلى ما يأثمون به" (١). قال الشوكاني: "أخبر سبحانه بأن الخمر والميسر وإن كان فيهما نفع فالإثم الذي يلحق متعاطيهما أكثر من هذا النفع لأنه لا خير يساوي فساد العقل الحاصل بالخمر فإنه ينشأ عنه من الشرور ما لا يأتي عليه الحصر وكذلك لا خير في الميسر يساوي ما فيها من المخاطرة بالمال والتعرض للفقر واستجلاب العداوات المفضية إلى سفك الدماء وهتك الحرم" (٢). قال الصابوني: "أي وضررهما أعظم من نفعهما، فإن ضياع العقل وذهاب المال، وتعريض البدن للمرض في الخمر، وما يجره القمار من خراب البيوت ودمار الأسر، وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين، كل ذلك محسوس مشاهد، وإذا قيس الضرر الفادح بالنفع التافه، ظهر خطر المنكر الخبيث" (٣). قال القاسمي: " أي: المفاسد المترتبة على تعاطيهما أعظم من الفوائد المترتبة عليه. أي: لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة لتعلقها بالعقل والدين. وفي هذا من التنفير عنها ما لا يخفى. ولهذا كانت هذه الآية ممهّدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة؛ ولهذا، قال عمر لما قرأت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً! حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١] ... وفي تقديم بيان إثمه، ووصفه بالكب، وتأخير ذكر منافعه مع تخصيصها بالناس، من الدلائل على غلبة الأول - ما لا يخفى على ما نطق به" (٤). وقرأ أبيّ: ﴿وإثمهما أقرب من نفعهما﴾ (٥). قال الدكتور عبدالكريم الخطيب: " ويلاحظ أن التعبير بالإثم جاء فى مقابله لفظ النفع، والنفع لا يقابل الإثم، وإنما يقابل الضرّ .. وهذا يعنى أن الإثم ليس مجرد ذنب ومعصية، يضاف حسابهما إلى الحياة الآخرة، بحيث لا يجد من يقترفهما ممن لا يؤمن بهذه الحياة ما يضيمه أو يضيره، بل إن هذا الإثم هو ذنب ومعصية يترصد صاحبه فى الآخرة، ثم هو ضرر وشر يصيب مقترفة فى الدنيا .. ومعنى هذا أن صاحب الخمر والميسر إن كان لا يؤمن بالحياة الآخرة ولا يخاف مأثما منهما، فإنّ ما فيهما من ضرر يصيبه فى حياته الدنيا .. فى جسده وماله، جدير به أن يخيفه ويزعجه، ويقيمه منهما على حذر وتخوف، فكيف بصاحب الدّين الذي ينظر إلى هذين المنكرين وقد أصاباه فى دينه وفى دنياه جميعا؟ . هذا، وليس جمع «المنافع» بالذي يرجّح كفة الشر على الخير، فى جانب الخمر والميسر، فإن هذا الجمع لا يتجه إلى النفع فى ذاته وقدره، وإنما هو لتعدد وجوه الناس فى التماس الكسب منهما .. فمن صانع للخمر، إلى جالب لها، إلى بائع، إلى ساق، إلى مغنّ فى حانها .. إلى غير ذلك ممن يعملون للخمر، وفى طريقها .. وكذلك الميسر وأصناف الناس الذين يجتمعون عليه، ويعملون فى ميدانه! .

стр. 1636

أما الإثم فهو الإثم، وإن تعددت مصادره، واختلفت موارده، والوصف الذي يلحقه هو الذي يفرق بين إثم وإثم، فيقال إثم كبير، أو عظيم، أو غليظ، أو يسكت عنه فلا يوصف بوصف ما .. ويكفى فى وصفه فى هذه الآية أن يقال: (إثم كبير) فيكون وصفا جامعا لكل منكر" (١). قال أهل العلم: " نزلت هذه الآية في الخمر قبل أن يُصرَّح بتحريمها، فأضاف الإثم جل ثناؤه إليهما، وإنما الإثم بأسبابهما، إذ كان عن سببهما يحدث" (٢). وقد قال عددٌ من أهل التفسيبر: معنى ذلك: "وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما" (٣). قال القرطبي: " أعلم الله جل وعز أن الإثم أكبر من النفع، وأعود بالضرر في الآخرة، فالإثم الكبير بعد التحريم، والمنافع قبل التحريم" (٤). بهذا فإن في قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعْهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، تأويلان: أحدهما: أن إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما بعد التحريم، وهو قول ابن عباس (٥)، والربيع (٦)، والضحاك (٧)، ومقاتل بن حيان (٨). والثاني: أن كلاهما قبل التحريم يعني الإثم الذي يحدث من أسبابهما أكبر من نفعهما، وهو قول سعيد بن جبير (٩). والصواب أن هذه الآية "نزلت قبل تحريم الخمر والميسر، فكان معلومًا بذلك أن الإثم الذي ذكره الله في هذه الآية فأضافه إليهما، إنما عنى به الإثم الذي يحدث عن أسبابهما - على ما وصفنا - لا الإثم بعد التحريم" (١٠). والله أعلم. وقد تواترت الأخبار على صحة ما قلناه، وبه قال أهل التفسير: أخرج الطبري بسنده الصحيح عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: " ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيها إثمٌ كبير ومنافع للناس﴾، فكرهها قوم لقوله: ﴿فيها إثم كبير﴾، وشربها قوم لقوله: " ومنافع للناس "، حتى نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [سورة النساء: ٤٣]، قال: فكانوا يدعونها في حين الصلاة ويشربونها في غير حين الصلاة، حتى نزلت: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [سورة المائدة: ٩٠] فقال عمر: ضَيْعَةً لك! اليوم قُرِنْتِ بالميسر! " (١١). وعن أبي توبة المصري، قال، سمعت عبد الله بن عمر يقول: أنزل الله في الخمر ثلاثًا، فكان أول ما أنزل: " يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثم كبير " الآية، فقالوا: يا رسول الله، ننتفع بها ونشربها كما قال الله جل وعز في كتابه! ثم نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية، قالوا: يا رسول الله، لا نشربها عند قرب الصلاة. قال: ثم نزلت: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ

стр. 1637

وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الآية، قال: فقال رسول الله ﷺ : حُرِّمت الخمر " (١). وعن عكرمة والحسن قالا قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ و " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبيرٌ ومنافعُ للناس وإثمهما أكبر من نفعهما "، فنسختها الآية التي في المائدة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾، الآية" (٢). وعن أبي القَمُوص زيد بن علي قال: أنزل الله في الخمر ثلاثَ مرات. فأول ما أنزل قال الله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبرُ من نفعهما﴾، قال: فشربها من المسلمين من شاء الله منهم على ذلك، حتى شرب رجلان فدخلا في الصلاة فجعلا يَهْجُران كلامًا لا يدري عوف ما هو، فأنزل الله فيهما: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، فشربها من شربها منهم، وجعلوا يتقونها عند الصلاة، حتى شربها - فيما زعم أبو القموص - رجلٌ، فجعل ينوح على قتلى بدر (٣): تُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمُّ عَمْروٍ ... وَهَلْ لَكِ بَعْدَ رَهْطِكِ مِنْ سَلامِ ذَرِيني أَصْطَبِحْ بَكْرًا، فَإنِّي ... رَأَيْتُ المَوْتَ نَقَّبَ عَنْ هِشَامِ وَوَدَّ بَنُو المُغِيرَةِ لَوْ فَدَوْهُ ... بِأَلْفٍ مِنْ رِجَالٍ أَوْ سَوَامِ كَأَيٍّ بالطَّو ... مِنْ الشِّيزَى يُكَلَّلُ بالسَّنَامِ كَأَيٍّ بالطَّوِىِّ طَوِيِّ بَدْرٍ ... مِنَ الفِتْيَانِ والحُلَلِ الكِرَامِ قال: فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ ، فجاء فزِعًا يجرُّ رداءه من الفزع، حتى انتهى إليه، فلما عاينه الرجل، فرفع رسول الله ﷺ شيئًا كان بيده ليضربه، قال: أعوذ بالله من غضب الله ورسوله! والله لا أطعمُها أبدًا! فأنزل الله تحريمها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، فقال عمر بن الخطاب ﵁: انتهينا، انتهينا! ! " (٤).

стр. 1638

وعن الشعبي قال: نزلت في الخمر أربعُ آيات: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾، فتركوها، ثم نزلت: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [سورة النحل: ٦٧]، فشربوها ثم نزلت الآيتان في " المائدة ": ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ " (١). وعن السدي قال: " نزلت هذه الآية: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية، فلم يزالوا بذلك يشربونها، حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعا ناسًا من أصحاب النبي ﷺ فيهم علي بن أبي طالب، فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ولم يفهمها. فأنزل الله يشدد في الخمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، فكانت لهم حلالا يشربون من صلاة الفجر حتى يرتفع النهار، أو ينتصف، فيقومون إلى صَلاة الظهر وهم مُصْحُون، ثم لا يشربونها حتى يُصَلوا العَتَمة - وهي العشاء - ثم يشربونها حتى ينتصف الليل، وينامون، ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صحوا - فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعامًا، فدعا ناسًا من أصحاب النبي ﷺ فيهم رجل من الأنصار، فشوى لهم رأس بعير ثم دعاهم عليه، فلما أكلوا وشربوا من الخمر، سكروا وأخذوا في الحديث. فتكلم سعد بشيء فغضب الأنصاري، فرفع لَحْي البعير فكسر أنف سعد، فأنزل الله نَسْخ الخمر وتحريمها وقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ " (٢). وقال مجاهد في قوله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾، : لما نزلت هذه الآية شربها بعض الناس وتركها بعضٌ، حتى نزل تحريمها في " سورة المائدة" (٣). وعن قتادة: قوله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾، فذمَّهما الله ولم يحرِّمهما، لما أراد أن يبلغ بهما من المدة والأجل. ثم أنزل الله في " سورة النساء " أشد منها: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، فكانوا يشربونها، حتى إذا حضرت الصلاة سكتوا عنها، فكان السكر عليهم حرامًا. ثم أنزل الله جل وعز في " سورة المائدة " بعد غزوة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فجاء تحريمها في هذه الآية، قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر. وليس للعرب يومئذ عيش أعجبُ إليهم منها" (٤). وعن الربيع قوله: "ر يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : إن ربكم يُقدِّم في تحريم الخمر، قال: ثم نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، قال النبي ﷺ : إنّ ربكم يقدِّم في تحريم الخمر. قال: ثم نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، فحرّمت الخمر عند ذلك" (٥). وقال ابن زيد في قوله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية كلها، قال: نسخت ثلاثةً، في " سورة المائدة "، وبالحدّ الذي حدَّ النبي ﷺ ، وضَرْب النبيِّ ﷺ . قال: كان النبي ﷺ يضربهم بذلك حدًّا، ولكنه كان يعمل في ذلك برأيه، ولم يكن حدًّا مسمًّى وهو حَدٌّ، وقرأ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية" (٦).

стр. 1639

وقد استدل بعض أهل العلم بهذه الآية على تحريم الخمر، وذلك من وجهين: أحدهما: لأن الله تعالى قد قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فأخبر في هذه الآية أن فيها إثما فهو حرام. قال ابن عطية: "ليس هذا النظر بجيد، لأن الإثم الذي فيها هو الحرام، لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر " (١). والثاني: لأنه سماه إثما، وقد حرم الإثم في آية أخرى، وهو قوله : ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم﴾ فقالوا: الإثم أراد به الخمر، بدليل قول قال الشاعر (٢): شَرِبْتُ الإثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي ... كَذَاكَ الإثْمُ تَذْهَبُ بالعُقُولِ فعبر عن الخمر بالإثم لما كان مسببا عنها (٣). قال القرطبي: "وهذا أيضا ليس بجيد، لأن الله تعالى لم يسم الخمر إثما في هذه الآية، وإنما قال: ﴿قل فيهما إثم كبير﴾ ولم يقل: قل هما إثم كبير ... وقد قال قتادة: إنما في هذه الآية ذم الخمر، فأما التحريم فيعلم بآية أخرى وهي آية "المائدة" وعلى هذا أكثر المفسرين" (٤). قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، أي: ويسألونك ماذا "يتصدقون به من أموالهم" (٥). قوله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: "أنفقوا العفو" (٦). أخرج ابن أبي حاتم (٧) بسنده عن "يحيى، انه بلغه ان معاذ بن جبل (٨)، وثعلبة (٩) اتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله ان لنا أرقاء وأهلين، فما ننفق من اموالنا؟ فأنزل الله ويسئلونك ماذا ينفقون" (١٠). قال الراغب: " إن قيل؟ كيف أعيد السؤال عما ينفقون وجواب بين الجوابين؟ قيل: أما الأول: فسؤال عن الجنس الذي ينفق، وعمن ينفق عليه، فبين لهم الأمران، وأما السؤال هاهنا فعن القدر المنفق، فأجيبوا بحسبه، فبين أن الذي ينفق هو العفو" (١١). واختلف أهل التأويل في معنى: ﴿الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، في هذا الموضع على وجوه (١٢): أحدها: أن معناه: الفضل. وهذا قول ابن عباس (١٣).وروي عن عبد الله بن عمر ومجاهد وعطاء والحسن وعكرمة، وابن زيد (١٤)، ومحمد بن كعب وقتادة والقاسم وسالم وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني والربيع بن أنس نحو ذلك (١٥).

стр. 1640

والثاني: أن معنى ذلك: الوسط من النفقة، ما لم يكن إسرافًا ولا إقتارًا. وهذا قول الحسن (١)، وعطاء (٢)، ومجاهد (٣). قال ابن حجر: " وأخرج عبد بن حميد (٤) أيضاً من وجه آخر عن الحسن قال: أن لا تجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس، فعرف بهذا المراد بقوله: الفضل، أي: مالا يؤثر في المال فيمحقه" (٥). والثالث: أن معنى ذلك: خذ منهم ما أتوك به من شيء قليلا أو كثيرًا. قاله ابن عباس -في أحد قوليه- (٦). والرابع: أن معنى ذلك: ما طابَ من أموالكم. قاله الربيع (٧)، وقتادة (٨). والخامس: أن معنى ذلك: الصدقة المفروضة. قاله مجاهد" (٩). والسادس: أنه اليسر من كل شيء، قاله طاووس (١٠). والسابع: أن المراد: مالا يتبين في اموالكم وكان هذا قبل ان تقرض الصدقة. قاله ابن عباس (١١). والراجح أن ﴿العفو﴾: هو "الفضلُ من مالِ الرجل عن نفسه وأهله في مؤونتهم ما لا بد لهم منه. وذلك هو الفضل الذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ بالإذن في الصدقة، وصَدقته في وجوه البر" (١٢). وقد روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: "أتى رسولَ الله ﷺ رجلٌ ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن، فقال: يا رسول الله، خذ هذه مني صدقة، فوالله ما أصبحت أملك غيرها! فأعرض عنه، فأتاه من ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه. ثم قال له مثل ذلك، فأعرض عنه. ثم

стр. 1641

قال له مثل ذلك، فقال: هاتها! مغضبًا، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه شجَّه أو عقَره، ثم قال: " يجيء أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس يتكفف الناس! ! إنما الصدقة عن ظهر غِنًى" (١). قال الطبري: " فإذا كان الذي أذن ﷺ لأمته، الصدقةَ من أموالهم بالفضل عن حاجة المتصدق، فالفضل من ذلك هو " العفو " من مال الرجل، إذْ كان " العفو "، في كلام العرب، في المال وفي كل شيء: هو الزيادة والكثرة - ومن ذلك قوله جل ثناؤه: " حتى عَفَوْا " بمعنى: زادوا على ما كانوا عليه من العدد وكثروا، ومنه قول الشاعر (٢): وَلكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ منا ... بِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ يعني به: كثيرات الشحوم. ومن ذلك قيل للرجل: " خذ ما عفا لك من فلان "، يراد به ما فضل فصفا لك عن جُهده بما لم يَجْهده كان بيِّنًا أنّ الذي أذن الله به في قوله: " قل العفو " لعباده من النفقة، فأذنهم بإنفاقه إذا أرادوا إنفاقه، هو الذي بيّن لأمته رسولُ الله ﷺ بقوله: " خير الصدقة ما أنفقت عن غنى "، وأذِنهم به" (٣). ثم اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل هي منسوخة أم ثابتة الحكم على العباد، وفي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنها منسوخة، نسختها الزكاة المفروضة، والصحابة كانوا يكتسبون المال ويمسكون قدر الحاجة ويتصدقون بالفضل بحكم هذه الآية، ثم نسخ ذلك بآية الزكاة وهي قوله- : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. قاله ابن عباس (٤)، وعطاء الخراساني (٥)، والسدي (٦). والثاني: أنها مُثْبَتة الحكم غير منسوخة، وأن المراد بالعفو الصدقة الواجبة. قاله مجاهد (٧). والثالث: أنها محكمة مخصوصة بالتطوع. نسبه النحاس إلى أكثر المفسرين (٨).

стр. 1642

والأظهر هو القول الأخير؛ لأن الآية لا دليل فيها على الإيجاب، وكون فرض الزكاة نزل بعدها لا يلزم منه أن الأمر بإنفاق العفو منسوخ. وعليه فالزكاة واجبة وإنفاق العفو مشروع-مستحب-، وبالتالي لا نسخ في الآية، لأن الواجب لا ينسخ التطوع، والله أعلم. وقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، على وجهين (١): أحدهما: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾، نصبًا. وهي قراءة عامة قرأة الحجاز وقرأة الحرمين وعُظم قرأة الكوفيين. والنصب على تقدير ﴿ماذا﴾ مفعولاً مقدماً؛ و ﴿العفو﴾ منصوب بفعل محذوف؛ والتقدير: أنفقوا العفوَ، فيكون معنى الكلام حينئذ: ويسألونك أيّ شيء ينفقون؟ والثاني: ﴿قُلِ الْعَفْوُ﴾ رفعًا، قرأ بها أبو عمرو (٢)، والحسن وقتادة (٣)، وروي عن بن عامرٍ نصب الواو أيضاً (٤). وذلك على تقدير ﴿ما﴾ اسمَ استفهام مبتدأ؛ و ﴿ذا﴾ اسمَ موصول خبراً؛ فيكون ﴿العفو﴾ خبراً لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هو العفو، فيكون معنى الكلام حينئذ: ما الذي ينفقون؟ قل: الذي ينفقون، العفو. قال الطبري: " ولو نصب ﴿العفو﴾، ثم جعل ﴿ماذا﴾ حرفين، بمعنى: يسألونك ماذا ينفقون؟ قل: ينفقون العفو ورفع الذين جعلوا ﴿ماذا﴾ حرفًا واحدًا، بمعنى: ما ينفقون؟ قل: الذي ينفقون، خبرًا، كان صوابًا صحيحًا في العربية" (٥). وقال النحاس: "إن جعلت (ذا) بمعنى الذي كان الاختيار الرفع على معنى: الذي ينفقون هو العفو، وإن جعلت (ما) و (ذا) شيئا واحدا، كان الاختيار النصب على معنى: قل ينفقون العفو" (٦). وكلا القراءتين صحيح، كما قال ابن كثير: " وكلاهما حسن متَّجَه قريب" (٧)، لأن المعنيين متقاربين، ولكن القراءة بالنصب أشهر ومن قرأ به أكثر. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، أي: " كما فصَّل لكم هذه الأحكام وبينَها وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده، ووعيده" (٨). قال المفضل بن سلمة: "أي في أمر النفقة" (٩). قال الفخر الرازي: " معناه أني بينت لكم الأمر فيما سألتم عنه من وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا أبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون" (١٠). قال الصابوني: " أي كما يبين لكم الأحكام يبين لكم المنافع والمضار، والحلال والحرام" (١١). قال الدكتور عبدالكريم الخطيب: " أي بمثل هذا البيان الواضح الشافي يبين الله لكم أحكامه فى آياته المحكمة، لتكونوا على رجاء من التعرف على مواقع الخير والشر، فتقبلوا على الخير وأهله،

стр. 1643

وتجتنبوا الشر ودواعيه، ولتفرقوا بين ما هو للدنيا وما هو للآخرة، فذلك هو الذي يقيمكم على الصراط المستقيم" (١). قال ابن عثيمين: "أي مثل هذا البيان (٢)، و (البيان) بمعنى الإظهار؛ يقال: بينته، فتبين - أي ظهر -؛ و ﴿الآيات﴾ جمع آية؛ وهي العلامة المعينة لمعلومها؛ والمعنى: أن الله يبين لعباده الأحكام الشرعية بياناً واضحاً" (٣). قال الزجاج: " أي: مثل هذا البيان في الخمر والميسر ﴿يبين الله لكم الآيات﴾: لأن خطاب النبي ﷺ مشتمل على خطاب أمته، كما قال : ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق: ١] " (٤). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، " أي: لتكونوا على حالة يرجى لكم معها التفكر" (٥). قال الآلوسي: أي: لتتفكروا " في الآيات فتسنتنبطوا الأحكام منها وتفهموا المصالح والمنافع المنوطة بها" (٦). وقيل في الكلام تقديم وتأخير (٧): "أي لتتفكروا في أمر الدنيا والآخرة، فتعلموا أن الأولى فانية والآخرة باقية، فتعملوا لما هو أصلح، والعاقل من آثر ما يبقى على ما يفنى" (٨). قال القرطبي: "أي: لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها فتزهدون فيها، وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبون فيها، فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى" (٩). قال البغوي: أي: " هكذا: يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة" (١٠). قال ابن عاشور: " أي: ليحصل للأمة تفكر وعلم في أمور الدنيا وأمور الآخرة" (١١). و(التفكر) إعمال الفكر للوصول إلى الغاية؛ و (لعل) للتعليل؛ واسمها: الكاف؛ وخبرها: جملة: ﴿تتفكرون﴾. قال الراغب: " وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾، فيه حث على تجنب الخمر والميسر، وتنبيه على تحريمهما، فإن في التفكر في الدنيا والآخرة معرفتهما ومعرفة منافعهما، وأن النفع القليل في الدنيا لا يجب أن يشترى بكثير الإثم في الآخرة" (١٢). أخرج الطبري بسنده عن ابن عباس: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾، قال: يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها" (١٣).

стр. 1644

وعن الصغق التميمي، قال: "شهدت الحسن، وقرا هذه الآية في البقرة: لعلكم تتفكرون في الدنيا والاخرة قال: هي والله لمن تفكر فيها ليعلم ان الدنيا دار بلاء ثم دار فناء وليعلم ان دار الاخرة، دار جزاء، ثم دار بقاء " (١). وعن قتادة في قوله: ﴿لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾، قال يقول: لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة، فتعرفون فضل الآخرة على الدنيا" (٢). وعن ابن جريج قال: قوله: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾، قال: أما الدنيا، فتعلمون أنها دار بلاء ثم فناء، والآخرة دارُ جزاء ثم بقاء، فتتفكرون فتعملون للباقية منهما قال: وسمعت أبا عاصم يذكر نحو هذا أيضًا" (٣). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: حرص الصحابة ﵃ على معرفة أحكام الله فيما يفعلونه، ويأتونه من مآكل، ومشارب، وغيرها. ٢ - ومنها: أن الدين الإسلامي جاء بتحصيل المصالح، ودرء المفاسد. ٣ - ومنها: المقارنة في الأمور بين مصالحها، ومفاسدها. ٤ - ومنها: ترجيح المصالح على المفاسد، أو المفاسد على المصالح حسب ما يترتب عليها. ٥ - ومنها: أنه مهما كثرت المنافع في الخمر والميسر، فإن الإثم أكبر من منافعهما. ٦ - ومنها: حرص الصحابة ﵃ على معرفة ما يُبذل، ويُنفَق؛ لقوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون﴾. ٧ - ومنها: أن الأفضل في الإنفاق أن ينفق الإنسان ما يزيد على حاجته. ٨ - ومنها: أن دفع الحاجة أفضل من الإنفاق؛ لقوله تعالى: ﴿قل العفو﴾ أي ما زاد على حاجتكم، كما سبق بيانه. ٩ - ومنها: أن الله ﵎ قد بين لعباده البيان التام في آياته الكونية، والشرعية. ١٠ - ومنها: إثبات الحكمة في أفعال الله ؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتفكرون﴾. ١١ - ومنها: الحث على التفكر في آيات الله؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتفكرون﴾. ١٢ - ومنها: أن التفكر لا يقتصر على أمور الدنيا؛ بل هو في أمور الدنيا، والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتفكرون * في الدنيا والآخرة﴾. ١٣ - ومنها: التدرج في تربية هذه الأمة علماً وعملاً: التدرج في انتزاع العادات الضارة، وذلك بالتخلي عنها شيئًا فشيئًا والتدرج في نقل الناس من حياة الفوضى والتفلت إلى حياة النظام والتقييد بالمعايير الإسلامية الصحيحة، فقد بُعث النبي ﷺ إليهم وهم يعبدون الأصنام، ويشركون بالله ومع الله، ويسفكون الدماء ويشربون الخمر ويزنون، ويقتلون الأولاد خشية الفقر، ويتعاملون بالربا الفاحش، ويلعبون الميسر، ويستقسمون بالأزلام، وينكحون نساء الآباء ويجمعون بين الأختين ويكرهون الفتيات على البغاء، وذكر العلماء في كتب التاريخ أن الحروب كانت تقع بين القبائل العربية لأوهى الأسباب ومجرد حب الانتقام، حتى أدى هذا إلى قطع حبال المودة بينهم وجعلهم شيعًا متباغضة يتربص كل فريق منهم بغيره الدوائر، واعتادوا على كثير من

стр. 1645

هذه الأخلاق المنحطة وتغلغلت فيهم حتى صارت جزءًا لا يتجزأ منهم ومن المعلوم أنه يصعب على المرء والمجتمع ترك هذه الأمور مرة واحدة لأن للعقائد حتى ولو كانت باطلة وللعادات ولو كانت مستهجنة سلطانًا على النفوس، والناس أَسْرى ما أَلفوا ونشأوا عليه، فلو أن القرآن نزل جملة واحدة وطالبهم بالتخلي عما هم منغمسون فيه من كفر وجهل وشرك مرة واحدة لما استجاب إليه أحد ولكن القرآن نجح معهم في هدم العادات الباطلة وانتزاعها بالتدريج بسبب نزول القرآن عليهم شيئًا فشيئًا (١). وأبلغ دليل على ذلك هو انتزاع الخمر من ذلك المجتمع الذي كان يشربه كالماء، فعن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويلعبون الميسر، فسألوا رسول الله عنهما فأنزل الله على نبيه ﷺ ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، فقال الناس: ما حرم علينا إنما قال فيهما إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أمَّ أصحابه في المغرب خَلَط في قراءته فأنزل الله فيها آية أغلظ منها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، فقالوا: انتهينا يا رب، فقال الناس: يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويلعبون الميسر وقد جعله الله رجسًا ومن عمل الشيطان فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]، فقال النبي ﷺ لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم﴾ (٢). ومن هذا الحديث نستنبط أن الخمر حرمت على مراحل فتاب الناس والصحابة منها حتى جرت في سكك المدينة، ولو حرمت دفعة واحدة لاستمروا عليها، ولذلك تقول عائشة ﵂ ﴿إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل (٣) فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء (لا تشربوا الخمر) لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا قالوا: لا ندع الزنا أبدًا﴾ (٤). والتدرج في تربية هذه الأمة الناشئة علمًا وعملًا، فبدأت الآيات تنزل على النبي ﷺ سالكة التدرج في تربية الأمة، فأول ما نزلت الآيات المتعلقة بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره والتوحيد وما يتعلق بذلك من أمور العقيدة، بدأت الآيات أولًا بفطامهم عن الشرك والإباحية وإحياء قلوبهم بعقائد التوحيد والجزاء، فإذا اطمأنت قلوبهم بالإيمان وأشربوا حبه انتقل بهم بعد ذلك إلى العبادات فبدأهم بالصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج ثم الأمور الأخرى، ولذلك كان مدار الآيات في القسم المكي على إثبات العقائد والفضائل التي لا تختلف باختلاف الشرائع، بخلاف القسم المدني فكان مدار التشريعات فيه على الأحكام العملية وتفصيل ما أجمل قبل ذلك (٥).

стр. 1646

لذا أنزل القرآن مفرقًا فحصلت النتيجة المطلوبة وهي التغير في العادات من حسن إلى أحسن ومن شر إلى خير ومن تفرق في الكلمة إلى اتحاد واعتصام بحبل الله المتين فكانت خير الأمم. القرآن ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ [البقرة: ٢٢٠] التفسير: يسألك المسلمون -أيها النبي- عن حكم تعاطي الخمر شربًا وبيعًا وشراءً، والخمر كل مسكر خامر العقل وغطاه مشروبًا كان أو مأكولا ويسألونك عن حكم القمار -وهو أَخْذُ المال أو إعطاؤه بالمقامرة وهي المغالبات التي فيها عوض من الطرفين-، قل لهم: في ذلك أضرار ومفاسد كثيرة في الدين والدنيا، والعقول والأموال، وفيهما منافع للناس من جهة كسب الأموال وغيرها، وإثمهما أكبر من نفعهما؛ إذ يصدَّان عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويتلفان المال. وكان هذا تمهيدًا لتحريمهما. ويسألونك عن القَدْر الذي ينفقونه من أموالهم تبرعًا وصدقة، قل لهم: أنفقوا القَدْر الذي يزيد على حاجتكم. مثل ذلك البيان الواضح يبيِّن الله لكم الآيات وأحكام الشريعة؛ لكي تتفكروا فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة. ويسألونك -أيها النبي- عن اليتامى كيف يتصرفون معهم في معاشهم وأموالهم؟ قل لهم: إصلاحكم لهم خير، فافعلوا الأنفع لهم دائمًا، وإن تخالطوهم في سائر شؤون المعاش فهم إخوانكم في الدين. وعلى الأخ أن يرعى مصلحة أخيه. والله يعلم المضيع لأموال اليتامى من الحريص على إصلاحها. ولو شاء الله لضيَّق وشقَّ عليكم بتحريم المخالطة. إن الله عزيز في ملكه، حكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه. في قوله تعالى: ﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ثلاثة أوجه من التفسير (١): أحدهما: أنه يتعلق بـ ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾، فيكون المعنى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فيما يتعلق بالدارين فتأخذون بما هو أصلح لكم كما بينت لكم أنّ العفو أصلح من الجهد في النفقة، وتتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع. والثاني: أن يكون إشارة إلى قوله: (وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩]، لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا، حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب العظيم. والثالث: أن يتعلق بـ ﴿يُبَيِّنُ﴾ على معنى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون. قال القرطبي: " والآية متصلة بما قبل، لأنه اقترن بذكر الأموال الأمر بحفظ أموال اليتامى" (٢). وفى الانتهاء بفاصلة الآية السابقة عند قوله تعالى: ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ثم بدء الآية بعدها بقوله سبحانه: ﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فى هذا الأسلوب القرآني تحريض على استحضار العقل دائما، ودعوته إلى النظر المطلق فى رحاب هذا الكون، وفى كل ما يدور فى فلك الحياة .. ثم يجىء بعد هذا، النظر إلى أمور الدنيا فى مواجهة الآخرة، وما يدّخر منها لهذا اليوم العظيم، وعندئذ يجىء النظر صائبا، ويقع متمكنا، بعد أن يكون العقل قد دار دورته الشاملة فى هذا الكون الرحيب! ! (٣). وقد اختلف أهل التأويل في سبب نزول الآية على أقوال (٤):

стр. 1647

أحدها: أخرج الطبري بسنده عن ابن عباس قال: "لما نزلت: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤] و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] انطلق من كان عنده يتيم فعزَل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضُل له الشيء من طعامه فيُحبَس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم" (١). وروي عن سعيد بن جبير (٢)، وابن أبي ليلى (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، مثل ذلك. والثاني: قال ابن عباس: " كان يكون في حِجْر الرجل اليتيمُ فيعزل طعامه وشرابه وآنيته، فشقّ ذلك على المسلمين، فأنزل الله: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾، فأحل خُلطتهم" (٦). وروي عن الشعبي (٧)، وعطاء بن أبي رباح (٨). والثالث: وقال ابن عباس: " إن الناس كانوا إذا كان في حِجْر أحدهم اليتيمُ جعل طعامه على ناحية، ولبنه على ناحية، مخافة الوِزر، وإنه أصاب المؤمنين الجَهْد، فلم يكن عندهم ما يجعلون خدمًا لليتامى، فقال الله: ﴿قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم﴾ إلى آخر الآية" (٩). وروي عن السدي (١٠)، والضحاك (١١)، نحو ذلك. والرابع: وقيل: إن السائل عبدالله بن رواحة (١٢). قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي: ويسألونك "عن مخالطةِ اليتامى" (١٣). قال البقاعي: " أي في ولايتهم لهم وعملهم في أموالهم وأكلهم منها، ونحو ذلك مما يعسر حصره" (١٤). قال الصابوني: "ويسألونك يا محمد عن مخالطة اليتامى في أموالهم؟ أيخالطونهم أم يعتزلونهم؟ " (١٥).

стр. 1648

و ﴿الْيَتَامَى﴾: "جمع يتيم؛ وهو الذي مات أبوه ولم يبلغ؛ مشتق من اليتم - وهو الانفراد؛ واليتيم بما أن أباه قد توفي يحتاج إلى عناية، ورعاية أكثر؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم الوصاية به كثيراً" (١). قوله تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي: "فقل لهم: مداخلتهم على وجه الإصلاح خير من اعتزالهم" (٢). قال القاسمي: "أي: مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خيرٌ من مجانبتهم" (٣). وقرأ طاووسُ: ﴿قُلْ إِصْلاحٌ إليهم﴾ بمعنى الإصلاحِ لأموالهم من غير أجرةٍ ولا أخذِ عِوَضٍ منهم خيرٌ وأعظم أجراً (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي: وإذا "تعاشروهم ولم تجانبوهم، فهم إخوانكم في الدين" (٥). قال ابن كثير: "وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم، فلا بأس عليكم؛ لأنهم إخوانكم في الدين" (٦). قال الصابوني: " إذا خلطتم أموالهم بأموالكم على وجه المصلحة لهم، فهم إخوانكم في الدين، وأخوة الدين أقوى من أخوة النسب، ومن حقوق هذه الأخوة المخالطة بالإصلاح والنفع" (٧). قال القاسمي: "ومن حقوق الأخوة: المخالطة بالإصلاح والنفع " (٨). قال البغوي: " وإن تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم في نفقاتكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من أموالهم عوضا عن قيامكم بأمورهم وتكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم، فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب بعضهم من أموال بعض على وجه الإصلاح والرضا" (٩). قال الشيخ ابن عثيمين: "؛ وكلمة: ﴿إصلاح﴾ تعني أن الإنسان يتبع ما هو أصلح لهم في جميع الشؤون سواء كان ذلك في التربية، أو في المال؛ وسواء كان ذلك بالإيجاب، أو السلب؛ فأيّ شيء يكون إصلاحاً لهم فهو خير؛ وحذف المفضل عليه للعموم، كقوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨]؛ هذه الجملة في شمولها، وعمومها، ووضوحها كالجملة الأولى" (١٠). وقرأ أبو مُخَلَّدٍ: " ﴿فَإِخْوَانَكُمْ﴾ بالنصب؛ أي تخالطوا إخوانَكم (١١). قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي: " والله يعلم المفسد في أمورهم بالمخالطة من المصلح لها بها فيجازي كلا حسب فعله أو نيته" (١٢). قال ابن زيد: "الله يعلم حين تخلط مالك بماله: أتريد أن تصلح ماله، أو تفسده فتأكله بغير حق؟ " (١٣).

стр. 1649

قال الشعبي: " فمن خالط يتيمًا فليتوسَّع عليه، ومن خالطه ليأكل ماله فلا يفعلْ" (١). قال الراغب: "أن الله تعالى لا تخفى عليه مقاصد الإنسان فيما يفعله معهم" (٢). قال ابن كثير: "يعلم مَنْ قَصْدُه ونيته الإفسادَ أو الإصلاح" (٣). قال الطبراني: " أي يعلمُ من كان غرضهُ بالمخالطة إصلاحَ أمر اليتامى، ومن يكون غرضهُ إفسادَ أمرهم" (٤). قال الصابوني: "أي والله تعالى أعلم وأدرى، بمن يقصد بمخالطتهم الخيانة والإفساد لأموالهم، ويعلم كذلك من يقصد لهم الإصلاح، فيجازي كلا بعمله" (٥). و(العلم) هنا: علم معرفة؛ لأنه لم ينصب إلا مفعولاً واحداً؛ وكأنه ضمن (العلم) معنى التميز؛ يعني يعلمه، فيميز بين هذا، وهذا؛ ويجازي كل إنسان بما يستحق؛ لأن التمييز بين هذا، وهذا يقتضي أن يميز بينهما أيضاً في الثواب، والجزاء؛ ويشمل ذلك الإفساد الديني، والدنيوي؛ والإصلاح الديني، والدنيوي؛ ويشمل الذي وقع منه الإفساد، أو الصلاح (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، يعني: " لضيق عليكم وما أباح لكم مخالطتهم" (٧). قال مجاهد: "لحرم عليكم المرعى والأدْم" (٨). قال ابن عباس: " يقول: لو شاء الله لأحرجكم فضيَّق عليكم، ولكنه وسَّع ويسَّر فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: ٦] " (٩). قال قتادة: " لجهدكم، فلم تقوموا بحقّ ولم تؤدُّوا فريضة" (١٠). قال السدي: " ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾، لشدد عليكم" (١١). وقال ابن زيد: " لشقّ عليكم في الأمر. ذلك العنتُ (١٢). وقال ابن عباس: " ولو شاء الله لجعل ما أصبتُم من أموال اليتامى مُوبقًا (١٣). قال ابن حجر: " أي: أحرجكم" (١٤).

стр. 1650

قال أبو عبيدة واليزيدي: "مَعْنَاهُ: وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَهْلَكَكُمْ" (١). قال ابن عثيمين: " أي: لشق عليكم فيما يشرعه لكم؛ ومن ذلك أن يشق عليكم في أمر اليتامى بأن لا تخالطوهم؛ وأن تقدروا غذاءهم تقديراً بالغاً، حيث لا يزيد عن حاجتهم، ولا ينقص عنها" (٢). قال القاسمي: أي: "لحملكم على العنت- وهو المشقة- وأحرجكم، فلم يطلق لكم مداخلتهم، ولا يمنعه من ذلك شيء" (٣). قال الصابوني: "لو شاء تعالى لأوقعكم في الحرج والمشقة وشدد عليكم، ولكنه يسر عليكم الدين وسهله رحمة بكم" (٤). قال الطبراني: " أي لأثَّمكم في مخالطتهم وضيَّق عليكم. والعَنَتُ: الإثمُ؛ ويسمى الفُجُور عَنَتاً؛ لِما فيه من الإثمِ. وأصلُ العَنَتِ: الشدَّةُ والمشقَّة؛ يقال: عَقَبَةٌ عَنُوتٌ؛ أي شاقَّة كَئُودٌ" (٥). قال الطبري: " ولو شاء الله لحرَّم ما أحله لكم من مخالطة أيتامكم بأموالكم أموالَهم، فجَهَدكم ذلك وشقّ عليكم، ولم تقدروا على القيام باللازم لكم من حق الله تعالى والواجب عليكم في ذلك من فرضه، ولكنه رخَّص لكم فيه وسهله عليكم، رحمةً بكم ورأفةً" (٦). قال ابن عثيمين: " أي لشق عليكم فيما يشرعه لكم؛ ومن ذلك أن يشق عليكم في أمر اليتامى بأن لا تخالطوهم؛ وأن تقدروا غذاءهم تقديراً بالغاً، حيث لا يزيد عن حاجتهم، ولا ينقص عنها" (٧). قال ابن كثير: " ولو شاء لضيّق عليكم وأحرجَكم، ولكنه وَسَّع عليكم، وخفَّف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، كما قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ، بل قد جوز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجانًا كما سيأتي بيانه في سورة النساء، إن شاء الله، وبه الثقة" (٨). قال الراغب: " والإعنات من: عنت العظم عنتاً، أصابه وهي أوكسر، وقد أعنته، وكل ما يؤثم أو يشق عنت .. [و] أنه لم يقصد إعناتاً فيما أوصاهم به في هذه الآيات المختلفة" (٩). وقد اختلف أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، على وجهين (١٠): أحدهما: لَشدّد عليكم، وهو قول السدي (١١)، ومجاهد (١٢)، وقتادة (١٣)، وابن زيد (١٤)، وابن عباس (١٥) -في أحد قوليه-.
следующие страницы →