← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

لذا أنزل القرآن مفرقًا فحصلت النتيجة المطلوبة وهي التغير في العادات من حسن إلى أحسن ومن شر إلى خير ومن تفرق في الكلمة إلى اتحاد واعتصام بحبل الله المتين فكانت خير الأمم. القرآن ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ [البقرة: ٢٢٠] التفسير: يسألك المسلمون -أيها النبي- عن حكم تعاطي الخمر شربًا وبيعًا وشراءً، والخمر كل مسكر خامر العقل وغطاه مشروبًا كان أو مأكولا ويسألونك عن حكم القمار -وهو أَخْذُ المال أو إعطاؤه بالمقامرة وهي المغالبات التي فيها عوض من الطرفين-، قل لهم: في ذلك أضرار ومفاسد كثيرة في الدين والدنيا، والعقول والأموال، وفيهما منافع للناس من جهة كسب الأموال وغيرها، وإثمهما أكبر من نفعهما؛ إذ يصدَّان عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويتلفان المال. وكان هذا تمهيدًا لتحريمهما. ويسألونك عن القَدْر الذي ينفقونه من أموالهم تبرعًا وصدقة، قل لهم: أنفقوا القَدْر الذي يزيد على حاجتكم. مثل ذلك البيان الواضح يبيِّن الله لكم الآيات وأحكام الشريعة؛ لكي تتفكروا فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة. ويسألونك -أيها النبي- عن اليتامى كيف يتصرفون معهم في معاشهم وأموالهم؟ قل لهم: إصلاحكم لهم خير، فافعلوا الأنفع لهم دائمًا، وإن تخالطوهم في سائر شؤون المعاش فهم إخوانكم في الدين. وعلى الأخ أن يرعى مصلحة أخيه. والله يعلم المضيع لأموال اليتامى من الحريص على إصلاحها. ولو شاء الله لضيَّق وشقَّ عليكم بتحريم المخالطة. إن الله عزيز في ملكه، حكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه. في قوله تعالى: ﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ثلاثة أوجه من التفسير (١): أحدهما: أنه يتعلق بـ ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾، فيكون المعنى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فيما يتعلق بالدارين فتأخذون بما هو أصلح لكم كما بينت لكم أنّ العفو أصلح من الجهد في النفقة، وتتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع. والثاني: أن يكون إشارة إلى قوله: (وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩]، لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا، حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب العظيم. والثالث: أن يتعلق بـ ﴿يُبَيِّنُ﴾ على معنى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون. قال القرطبي: " والآية متصلة بما قبل، لأنه اقترن بذكر الأموال الأمر بحفظ أموال اليتامى" (٢). وفى الانتهاء بفاصلة الآية السابقة عند قوله تعالى: ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ثم بدء الآية بعدها بقوله سبحانه: ﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فى هذا الأسلوب القرآني تحريض على استحضار العقل دائما، ودعوته إلى النظر المطلق فى رحاب هذا الكون، وفى كل ما يدور فى فلك الحياة .. ثم يجىء بعد هذا، النظر إلى أمور الدنيا فى مواجهة الآخرة، وما يدّخر منها لهذا اليوم العظيم، وعندئذ يجىء النظر صائبا، ويقع متمكنا، بعد أن يكون العقل قد دار دورته الشاملة فى هذا الكون الرحيب! ! (٣). وقد اختلف أهل التأويل في سبب نزول الآية على أقوال (٤):

стр. 1647

أحدها: أخرج الطبري بسنده عن ابن عباس قال: "لما نزلت: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤] و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] انطلق من كان عنده يتيم فعزَل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضُل له الشيء من طعامه فيُحبَس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم" (١). وروي عن سعيد بن جبير (٢)، وابن أبي ليلى (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، مثل ذلك. والثاني: قال ابن عباس: " كان يكون في حِجْر الرجل اليتيمُ فيعزل طعامه وشرابه وآنيته، فشقّ ذلك على المسلمين، فأنزل الله: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾، فأحل خُلطتهم" (٦). وروي عن الشعبي (٧)، وعطاء بن أبي رباح (٨). والثالث: وقال ابن عباس: " إن الناس كانوا إذا كان في حِجْر أحدهم اليتيمُ جعل طعامه على ناحية، ولبنه على ناحية، مخافة الوِزر، وإنه أصاب المؤمنين الجَهْد، فلم يكن عندهم ما يجعلون خدمًا لليتامى، فقال الله: ﴿قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم﴾ إلى آخر الآية" (٩). وروي عن السدي (١٠)، والضحاك (١١)، نحو ذلك. والرابع: وقيل: إن السائل عبدالله بن رواحة (١٢). قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي: ويسألونك "عن مخالطةِ اليتامى" (١٣). قال البقاعي: " أي في ولايتهم لهم وعملهم في أموالهم وأكلهم منها، ونحو ذلك مما يعسر حصره" (١٤). قال الصابوني: "ويسألونك يا محمد عن مخالطة اليتامى في أموالهم؟ أيخالطونهم أم يعتزلونهم؟ " (١٥).

стр. 1648

و ﴿الْيَتَامَى﴾: "جمع يتيم؛ وهو الذي مات أبوه ولم يبلغ؛ مشتق من اليتم - وهو الانفراد؛ واليتيم بما أن أباه قد توفي يحتاج إلى عناية، ورعاية أكثر؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم الوصاية به كثيراً" (١). قوله تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي: "فقل لهم: مداخلتهم على وجه الإصلاح خير من اعتزالهم" (٢). قال القاسمي: "أي: مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خيرٌ من مجانبتهم" (٣). وقرأ طاووسُ: ﴿قُلْ إِصْلاحٌ إليهم﴾ بمعنى الإصلاحِ لأموالهم من غير أجرةٍ ولا أخذِ عِوَضٍ منهم خيرٌ وأعظم أجراً (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي: وإذا "تعاشروهم ولم تجانبوهم، فهم إخوانكم في الدين" (٥). قال ابن كثير: "وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم، فلا بأس عليكم؛ لأنهم إخوانكم في الدين" (٦). قال الصابوني: " إذا خلطتم أموالهم بأموالكم على وجه المصلحة لهم، فهم إخوانكم في الدين، وأخوة الدين أقوى من أخوة النسب، ومن حقوق هذه الأخوة المخالطة بالإصلاح والنفع" (٧). قال القاسمي: "ومن حقوق الأخوة: المخالطة بالإصلاح والنفع " (٨). قال البغوي: " وإن تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم في نفقاتكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من أموالهم عوضا عن قيامكم بأمورهم وتكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم، فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب بعضهم من أموال بعض على وجه الإصلاح والرضا" (٩). قال الشيخ ابن عثيمين: "؛ وكلمة: ﴿إصلاح﴾ تعني أن الإنسان يتبع ما هو أصلح لهم في جميع الشؤون سواء كان ذلك في التربية، أو في المال؛ وسواء كان ذلك بالإيجاب، أو السلب؛ فأيّ شيء يكون إصلاحاً لهم فهو خير؛ وحذف المفضل عليه للعموم، كقوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨]؛ هذه الجملة في شمولها، وعمومها، ووضوحها كالجملة الأولى" (١٠). وقرأ أبو مُخَلَّدٍ: " ﴿فَإِخْوَانَكُمْ﴾ بالنصب؛ أي تخالطوا إخوانَكم (١١). قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي: " والله يعلم المفسد في أمورهم بالمخالطة من المصلح لها بها فيجازي كلا حسب فعله أو نيته" (١٢). قال ابن زيد: "الله يعلم حين تخلط مالك بماله: أتريد أن تصلح ماله، أو تفسده فتأكله بغير حق؟ " (١٣).

стр. 1649

قال الشعبي: " فمن خالط يتيمًا فليتوسَّع عليه، ومن خالطه ليأكل ماله فلا يفعلْ" (١). قال الراغب: "أن الله تعالى لا تخفى عليه مقاصد الإنسان فيما يفعله معهم" (٢). قال ابن كثير: "يعلم مَنْ قَصْدُه ونيته الإفسادَ أو الإصلاح" (٣). قال الطبراني: " أي يعلمُ من كان غرضهُ بالمخالطة إصلاحَ أمر اليتامى، ومن يكون غرضهُ إفسادَ أمرهم" (٤). قال الصابوني: "أي والله تعالى أعلم وأدرى، بمن يقصد بمخالطتهم الخيانة والإفساد لأموالهم، ويعلم كذلك من يقصد لهم الإصلاح، فيجازي كلا بعمله" (٥). و(العلم) هنا: علم معرفة؛ لأنه لم ينصب إلا مفعولاً واحداً؛ وكأنه ضمن (العلم) معنى التميز؛ يعني يعلمه، فيميز بين هذا، وهذا؛ ويجازي كل إنسان بما يستحق؛ لأن التمييز بين هذا، وهذا يقتضي أن يميز بينهما أيضاً في الثواب، والجزاء؛ ويشمل ذلك الإفساد الديني، والدنيوي؛ والإصلاح الديني، والدنيوي؛ ويشمل الذي وقع منه الإفساد، أو الصلاح (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، يعني: " لضيق عليكم وما أباح لكم مخالطتهم" (٧). قال مجاهد: "لحرم عليكم المرعى والأدْم" (٨). قال ابن عباس: " يقول: لو شاء الله لأحرجكم فضيَّق عليكم، ولكنه وسَّع ويسَّر فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: ٦] " (٩). قال قتادة: " لجهدكم، فلم تقوموا بحقّ ولم تؤدُّوا فريضة" (١٠). قال السدي: " ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾، لشدد عليكم" (١١). وقال ابن زيد: " لشقّ عليكم في الأمر. ذلك العنتُ (١٢). وقال ابن عباس: " ولو شاء الله لجعل ما أصبتُم من أموال اليتامى مُوبقًا (١٣). قال ابن حجر: " أي: أحرجكم" (١٤).

стр. 1650

قال أبو عبيدة واليزيدي: "مَعْنَاهُ: وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَهْلَكَكُمْ" (١). قال ابن عثيمين: " أي: لشق عليكم فيما يشرعه لكم؛ ومن ذلك أن يشق عليكم في أمر اليتامى بأن لا تخالطوهم؛ وأن تقدروا غذاءهم تقديراً بالغاً، حيث لا يزيد عن حاجتهم، ولا ينقص عنها" (٢). قال القاسمي: أي: "لحملكم على العنت- وهو المشقة- وأحرجكم، فلم يطلق لكم مداخلتهم، ولا يمنعه من ذلك شيء" (٣). قال الصابوني: "لو شاء تعالى لأوقعكم في الحرج والمشقة وشدد عليكم، ولكنه يسر عليكم الدين وسهله رحمة بكم" (٤). قال الطبراني: " أي لأثَّمكم في مخالطتهم وضيَّق عليكم. والعَنَتُ: الإثمُ؛ ويسمى الفُجُور عَنَتاً؛ لِما فيه من الإثمِ. وأصلُ العَنَتِ: الشدَّةُ والمشقَّة؛ يقال: عَقَبَةٌ عَنُوتٌ؛ أي شاقَّة كَئُودٌ" (٥). قال الطبري: " ولو شاء الله لحرَّم ما أحله لكم من مخالطة أيتامكم بأموالكم أموالَهم، فجَهَدكم ذلك وشقّ عليكم، ولم تقدروا على القيام باللازم لكم من حق الله تعالى والواجب عليكم في ذلك من فرضه، ولكنه رخَّص لكم فيه وسهله عليكم، رحمةً بكم ورأفةً" (٦). قال ابن عثيمين: " أي لشق عليكم فيما يشرعه لكم؛ ومن ذلك أن يشق عليكم في أمر اليتامى بأن لا تخالطوهم؛ وأن تقدروا غذاءهم تقديراً بالغاً، حيث لا يزيد عن حاجتهم، ولا ينقص عنها" (٧). قال ابن كثير: " ولو شاء لضيّق عليكم وأحرجَكم، ولكنه وَسَّع عليكم، وخفَّف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، كما قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ، بل قد جوز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجانًا كما سيأتي بيانه في سورة النساء، إن شاء الله، وبه الثقة" (٨). قال الراغب: " والإعنات من: عنت العظم عنتاً، أصابه وهي أوكسر، وقد أعنته، وكل ما يؤثم أو يشق عنت .. [و] أنه لم يقصد إعناتاً فيما أوصاهم به في هذه الآيات المختلفة" (٩). وقد اختلف أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، على وجهين (١٠): أحدهما: لَشدّد عليكم، وهو قول السدي (١١)، ومجاهد (١٢)، وقتادة (١٣)، وابن زيد (١٤)، وابن عباس (١٥) -في أحد قوليه-.

стр. 1651

والثاني: لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً، وهو قول ابن عباس (١). والقولان، وإن اختلفت ألفاظ قائليها، فإنهما متقاربان في المعاني، والآية تحتمل المعنيين، لأن (الإعنات): "الحمل على مشقة لا تطاق ثقلاً" (٢)، وإن " من حُرِّم عليه شيء فقد ضُيِّق عليه في ذلك الشيء، ومن ضُيق عليه في شيء فقد أحْرِج فيه، ومن أحرج في شيء أو ضيِّق عليه فيه فقد جُهِد. وكل ذلك عائد إلى معنى: الشدة والمشقة" (٣). وإن كان والقول الأول الأقرب لسياق الآية، وهو قول جمهور أهل التفسير. والله تعالى أعلم. وقرئ: ﴿لعنتكم﴾، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على اللام (٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي: "هو تعالى الغالب الذي لا يمتنع عليه شيء، الحكيم فيما يشرع لعباده من الأحكام" (٥). قال القاسمي: " أي: غالب على ما أراد حَكِيمٌ أي: فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس الطاقة" (٦). قال الطبري: أي: " إن الله ﴿عزيز﴾ في سلطانه، ﴿حكيم﴾ في أحكامه وتدبيره" (٧). قال البيضاوي: أي: " غالب يقدر على الاعنات. حَكِيمٌ يحكم ما تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة" (٨). قال ابن عثيمين: " هذه الجملة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، تعليل لما سبق من قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم كأنه قال: ولو شاء الله لأعنتكم؛ لأن له العزة، والحكم؛ و (العزيز)، و (الحكيم) اسمان من أسماء الله تقدم معناهما، وأنواعهما" (٩). الفوائد: ١ - سؤال الصحابة ﵃ عن اليتامى كيف يعاملونهم؛ وهذا السؤال ناتج عن شدة خوف الصحابة ﵃ فيما يتعلق بأمور اليتامى؛ لأن الله تعالى توعد من يأكلون أموال اليتامى ظلماً، وقال تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾. ٢ - ومنها: مراعاة الإصلاح فيمن ولاه الله على أحد. ٣ - ومنها: أن الإنسان إذا راعى ما يرى أنه أصلح، ثم لم يكن ذلك فإنه لا شيء عليه؛ لأن الإنسان إنما يؤاخذ بما يدركه؛ لا بما لا يدركه. ٤ - ومنها: فضيلة الإصلاح في الولايات، وغيرها؛ لقوله تعالى: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾؛ فإن المقصود بهذه الجملة الحث على الإصلاح. ٥ - ومنها: جواز مخالطة الأيتام في أموالهم؛ لقوله تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾. قال القرطبي: " لما أذن الله جل وعز في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنظر إليهم وفيهم كان ذلك دليلا على جواز التصرف في مال اليتيم، تصرف الوصي في البيع والقسمة وغير ذلك، على الإطلاق لهذه

стр. 1652

الآية. فإذا كفل الرجل اليتيم وحازه وكان في نظره جاز عليه فعله وإن لم يقدمه وال عليه، لأن الآية مطلقة والكفالة ولاية عامة. لم يؤثر عن أحد من الخلفاء أنه قدم أحدا على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم، وإنما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم" (١). ٦ - ومنها: أنه يجب في المخالطة أن يعاملهم معاملة الإخوان؛ لقوله تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾؛ ففي هذه الجملة الحث، والإغراء على ما فيه الخير لهم، كما يسعى لذلك الأخ لأخيه. ٧ - ومنها: إطلاق الأخ على من هو دونه؛ لأن اليتيم دون من كان ولياً عليه؛ وهذه الأخوة أخوة الدين. ٨ - ومنها: التحذير من الإفساد؛ لقوله تعالى: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾. ٩ - ومنها: عموم علم الله ﵎، حيث يعلم كل دقيق، وجليل. ١٠ - ومنها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾؛ وهذه المشيئة لما يفعله الله تعالى، ولما يفعله العباد؛ لقوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، ولقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ [البقرة: ٢٥٣]. ١١ - ومنها: أن الدين يسر، ولا حرج فيه، ولا مشقة؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾. وقد احتج الجبائي بهذه الآية، فقال: إنها تدل على أنه تعالى لم يكلف العبد بما لا يقدر عليه، لأن قوله: ﴿ولو شاء الله لاعنتكم﴾ يدل على أنه تعالى لم يفعل الإعنات والضيق في التكليف، ولو كان مكلفا بما لا يقدر العبد عليه لكان قد تجاوز حد الإعنات وحد الضيق (٢). ١٢ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله ؛ وهما «العزيز»، و «الحكيم»؛ وإثبات ما دلا عليه من صفة. القرآن ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١] التفسير: ولا تتزوجوا -أيها المسلمون- المشركات عابدات الأوثان، حتى يدخلن في الإسلام. واعلموا أن امرأة مملوكة لا مال لها ولا حسب، مؤمنةً بالله، خير من امرأة مشركة، وإن أعجبتكم المشركة الحرة. ولا تُزَوِّجوا نساءكم المؤمنات -إماء أو حرائر- للمشركين حتى يؤمنوا بالله ورسوله. واعلموا أن عبدًا مؤمنًا مع فقره، خير من مشرك، وإن أعجبكم المشرك. أولئك المتصفون بالشرك رجالا ونساءً يدعون كل مَن يعاشرهم إلى ما يؤدي به إلى النار، والله سبحانه يدعو عباده إلى دينه الحق المؤدي بهم إلى الجنة ومغفرة ذنوبهم بإذنه، ويبين آياته وأحكامه للناس؛ لكي يتذكروا، فيعتبروا. اختلف أهل التفسير في سبب نزول الآية على قولين (٣): أحدها: قال السدي: "نزلت في عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداءُ، وأنه غضب عليها فلطمها. ثم فزع فأتى النبي ﷺ فأخبره بخبرها، فقال له النبي ﷺ : " ما هي يا عبد الله؟ قال: يا رسول الله، هي تصوم وتصلي وتحسن الوضوءَ وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: هذه مؤمنة! فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتِقنَّها ولأتزوجنَّها! ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين

стр. 1653

فقالوا: تزوج أمة! ! وكانوا يريدون أن يَنكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله فيهم: ﴿ولأمةٌ مؤمنة خيرٌ من مشركة﴾ و ﴿عبدٌ مؤمن خيرٌ من مشرك﴾ " (١). والثاني: قال مقاتل بن حيان: "نزلت في أبي مرثد الغنوي، استأذن النبي ﷺ في عناق أن يتزوجها، وهي امرأة مسكينة من قريش، وكانت ذات حظ من جمال وهي مشركة وأبو مرثد مسلم، فقال: يا نبي الله إنها لتعجبني، فأنزل الله ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ " (٢). والثالث: قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ بعث رجلا من غني يقال له: مرثد بن أبي مرثد حليفا لبني هاشم إلى مكة، ليخرج ناسا من المسلمين بها أسراء؛ فلما قدمها سمعت به امرأة يقال لها: عناق، وكانت خليلة له في الجاهلية، فلما أسلم أعرض عنها، فأتته فقالت: ويحك يا مرثد ألا تخلو؟ فقال لها: إن الإسلام قد حال بيني وبينك وحرمه علينا، ولكن إن شئت تزوجتك، إذا رجعت إلى رسول الله ﷺ استأذنته في ذلك ثم تزوجتك، فقالت له: أبي تتبرم؟ ثم استغاثت عليه فضربوه ضربا شديدا ثم خلوا سبيله، فلما قضى حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله ﷺ راجعا وأعلمه الذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي في سببها، فقال: يا رسول الله، أتحل أن أتزوجها؟ فأنزل الله ينهاه عن ذلك قوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ " (٣). والرابع: قال مقاتل بن حيان: " ﴿قوله: ولأمة مؤمنة﴾، بلغنا والله أعلم أنها كانت أمة لحذيفة سوداء فأعتقها وتزوجها حذيفة، يعني: ونسخ من هذه الآية نساء أهل الكتاب وأحلهن للمسلمين" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، " أي لا تتزوجوا بهن حتى يؤمنَّ" (٥). قال الطبري: أي: " ولا تنكحوا أيها المؤمنون مشركاتٍ، غير أهل الكتاب، حتى يؤمنَّ فيصدِّقن بالله ورسوله وما أنزل عليه" (٦). قال الصابوني: " أي لا تتزوجوا أيها المسلمون بالمشركات من غير أهل الكتاب حتى يؤمن بالله واليوم الآخر" (٧). قال ابن عثيمين: أي: حتى" أي يدخلن في دين الله؛ ودخولهن في دين الله يلزم منه التوحيد" (٨). قال ابن جريج: أي: " المشركات - لشرفهن - حتى يؤمن" (٩).

стр. 1654

و (النكاح) في الأصل "الضم، والجمع" (١)؛ ومنه قول عمر بن أبي ربيعة (٢): أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يَلْتَقِيَانِ يعني: أيها المريد أن تجمع بين الثريا، وسهيل - وهما نجمان معروفان -؛ الأول في الشمال؛ والثاني في الجنوب؛ فقوله: «كيف يجتمعان» يدل على أن النكاح في الأصل الجمع، والضم (٣). واختلف في أصل (النكاح) في اللغة، على أقوال: أحدها: أنه حقيقة في الوطء، مجاز في عقد التزويج. قال الأزهري: "أصل النِّكاح في كلام العرب الوطء. وقيل للتزويج: نكاح؛ لانَّه سبب الوطء المباح" (٤). والثاني: أنَّ النِّكاح حقيقة في كلٍّ من الوطء وعقد التزويج، أي مشترك لفظي، كالعين: للباصرة والجارية. قال الجوهري: "النِّكاح الوطء. وقد يكون العقد، تقول العرب: نكحتُها "بضم التاء" ونكحت هي أي تزوجت، وهي ناكح في بني فلان أي هي ذات زوج منهم، وقال (٥): لصلصلة اللِّجام برأس طِرْفٍ ... أحبّ إليّ من أن تنكحيني واستنكحها بمعنى نكحها، وأنكحها أي زوَّجها، ورجل نُكَحةٌ، كثير النِّكاح. والنُّكح والنِّكح "أي: بضم النون وكسرها وإسكان الكاف فيهما" لغتان، وهي كلمة كانت العرب تتزوج بها، وكان يقال لأمِّ خارجة عند الخِطبة "بكسر الخاء" خُطْب "أي: بكسر الخاء وضمها وإسكان الطاء" فتقول: نُكْحُ "أي: بضم النون" حتى قالوا: أسرع من نكاح أمِّ خارجة" (٦). قال الفيروزآبادي: "النِّكاح الوطء والعقد له، نكح كمنع وضرب" (٧). قال الزبيدي شارحاً تلك العبارة: "النِّكاح بالكسر في كلام العرب الوطء في الأصل. وقيل هو العقد له، وهو التزويج؛ لأنَّه سبب للوطء المباح" (٨). قال ابن فارس: "نكح" النون والكاف والحاء أصل واحد وهو البِضاع (٩)، ونَكَح ينكِح "أي بكسر الكاف"، وامرأة ناكح في بني فلان أي ذات زوج منهم. والنِّكاح يكون العقد دون الوطء يقال: نكحتُ: تزوَّجت. وأنكحتُ غيري "بضم تاء المتكلم فيهما" (١٠).

стр. 1655

قال ابن جنِّي: "سألت أبا علي الفارسي عن قولهم "نكحها"، فقال: فرّقت العرب فرقاً لطيقاً يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: "نكح فلانة" أو "بنت فلان" أرادوا تزويجها والعقد عليها، وإذا قالوا "نكح امرأته" لم يريدوا إلا المجامعة؛ لأنّه بذكر امرأته وزوجته تستغنى عن العقد" (١). الثالث: أنّه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء (٢). الرابع: أنّه حقيقة في الجمع والضَّمِّ والتداخل. أي مطلقاً، سواء كان حسيّاً أم معنويّاً. قال أبو عمر غلام ثعلب: الذي حصّلناه عن ثعلب عن الكوفيين، وعن المبرِّد عن البصريين أنّه الجمع، قال الشاعر (٣): أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يَلْتَقِيَانِ ومن وروده في الضمِّ قولهم: تناكحت الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض. ومنه قول الشاعر: ضممت إلى صدري معطَّر صدرها ... كما نكحت أمُّ الغلام صبيَّها أي كما ضمَّته (٤). ومن وروده في الدخول قولهم: نكح النومُ عينَه إذا غلبه، ونكحت الحصاة أخفاف الإبل إذا دخلت فيها، ومنه قول المتنبي (٥): أنكحتْ صمُّ حصاها خُفَّ يَعْمَلَةٍ ... تَغَشْمَرَتْ بي إليك السهلَ والجبلا" (٦). قال القرطبي: " ونكح أصله الجماع، ويستعمل في التزوج تجوزا واتساعا" (٧). قال الراغب: " النكاح اسم للعقد، واستعير للجماع بدلالة أن عامة أسماء الجماع كنايات، وأنهم يتحاشون النكاح من التصريح بذكر الجماع، وآلاته، كما يتحاشون من إظهاره حتى سموا ذلك العضو " السوءة "، ولم يستعيروا اسم الجماع وآلاته إلا فيما يقصدون به سبعة، نحو: شَوَّرَبِهِ إذا خجله وجعله بحيث كأنه أبدى شواره، والشوار مع ذلك كناية للفرح، وبهذا يعلم أن النكاح وفي اللغة مستعار للجماع" (٨). وأما (النكاح) في الشرع: "فهو عقد على مُحَلَّلة لقصد المصالح المترتبة على النكاح من تحصين الفرج، والولادة، والاستمتاع، وغير ذلك" (٩). و﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾: "مع مشركة؛ والمشركة، أو المشرك، هو من جعل لله شريكاً فيما يختص به سواء كان ذلك في الربوبية، أو في الألوهية، أو في الأسماء، والصفات؛ فمن اتخذ إلهاً يعبده فهو مشرك - ولو آمن بأن الله خالق للكون -؛ ومن اعتقد أن مع الله خالقاً للكون، أو منفرداً بشيء في الكون، أو معيناً لله تعالى في خلق شيء من الكون فهو مشرك" (١٠).

стр. 1656

وقراءة الجمهور: ﴿وَلا تَنْكِحُوا﴾، بفتح التاء، وقرئت في الشاذ بالضم، كأن المعنى أن المتزوج لها أنكحها من نفسه (١). وقد اختلف أهل التفسير في هذه الآية: هل نزلت مرادًا بها كل مشركة، أم مراد بحكمها بعض المشركات دون بعض؟ وهل نسخ منها بعد وجوب الحكم بها شيء أم لا؟ (٢): أحدها: أنها نزلت مرادًا بها تحريم نكاح كل مشركة على كلّ مسلم من أيّ أجناس الشِّرك كانت، عابدةَ وثن كانت، أو كانت يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو من غيرهم من أصناف الشرك، ثم نسخ تحريم نكاح أهل الكتاب بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٤ - ٥]. وهذا قول ابن عباس (٣)، وبه قال مالك بن أنس (٤)، والحسن البصري (٥)، ومجاهد (٦)، والربيع (٧)، وسفيان بن سعيد الثوري (٨)، وعبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي (٩). قال القرطبي: وعلى هذا القول" يتناولهن العموم، ثم نسخت آية "المائدة" بعض العموم. وهذا مذهب مالك ﵀، ذكره ابن حبيب، وقال: ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله تعالى مستثقل مذموم" (١٠). قال الراغب: "والنهي عن نكاح المشركات عام فيمن ليس من أهل الكتابة ولم يدخل في ذلك أهل الكتاب لقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، الآية، والنكاح يجب المودة لقوله: ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، وقد نهانا عن مودتهم، فيجب أن لا نواصلهم! قيل: المودة النهي عنها هي الدينية لا المودة النفعية أو الشهوية، فإنا إذا أوددناهم لنفع ما، فإنما نود النفع كمودتنا لذمي يعيننا على مدافعة المشركين، فقوله: ﴿يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ عنى بها المودة الدينية" (١١). قال الشنقيطي: " الآية ظاهر عمومه شمول الكتابيات ولكنه بين في آية أخرى أن الكتابيات لسن داخلات في هذا التحريم وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] " (١٢). الثاني: أنها أنزلت مرادًا بحكمها مشركات العرب، لم ينسخ منها شيء ولم يُستثن، وإنما هي آية عامٌّ ظاهرُها، خاصٌّ تأويلها. وهذا قول قتادة (١٣)، وسعيد بن جبير (١٤)، وهو أحد قولي الشافعي (١٥). الثالث: أنها أنزلت مرادًا بها كل مشركة من أيّ أصناف الشرك كانت، غير مخصوص منها مشركةٌ دون مشركة، وثنيةً كانت أو مجوسية أو كتابيةً، ولا نُسخ منها شيء.

стр. 1657

ودليل هذا القول ما أخرجه الطبري بسنده عن شهر بن حوشب قال: "سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله ﷺ عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وحرَّم كل ذات دين غير الإسلام، وقال الله تعالى ذكره: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [سورة المائدة: ٥]، وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب ﵁ غضبًا شديدًا، حتى همّ بأن يسطُو عليهما. فقالا نحن نطلِّق يا أمير المؤمنين، ولا تغضب! فقال: لئن حل طلاقُهن لقد حل نكاحهن، ولكن أنتزعهن منكم صَغَرة قِماءً" (١). والصواب-والله أعلم- ما قاله قتادة: " بأن الله تعالى عنى بقوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ﴾، من لم يكن من أهل الكتاب من المشركات وأن الآية عام ظاهرها خاص باطنها، لم ينسخ منها شيء وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها، وذلك أنّ الله تعالى ذكره أحل بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ - للمؤمنين من نكاح محصناتهن، مثلَ الذي أباح لهم من نساء المؤمنات" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، أي: وامرأة مؤمنة " خير وأفضل من حرة مشركة، ولو أعجبتكم المشركة بجمالها ومالها وسائر ما يوجب الرغبة فيها، من حسب أو جاه أو سلطان" (٣). قال القرطبي: " إخبار بأن المؤمنة المملوكة خير من المشركة، وإن كانت ذات الحسب والمال" (٤). قال الطبري: أي: " وإن أعجبتكم المشركة من غير أهل الكتاب في الجمال والحسب والمال، فلا تنكحوها، فإن الأمة المؤمنة خيرٌ عند الله منها، ولا تبتغوا المناكح في ذوات الشرف من أهل الشرك بالله، فإنّ الإماء المسلمات عند الله خير مَنكحًا منهن" (٥). قال ابن عثيمين: أطلق الخيرية ليعم كل ما كان مطلوباً في المرأة؛ ﴿ولو أعجبتكم﴾ أي سرتكم، ونالت إعجابكم في جمالها، وخلقها، ومالها، وحسبها، وغير ذلك من دواعي الإعجاب" (٦). قال الشوكاني: " أي ولرقيقة مؤمنة، [خير من مشركة]، ولو أعجبتكم المشركة من جهة كونها ذات جمال أو مال أو شرف" (٧). وقيل المراد بالأمة: الحرة، لأن الناس كلهم عبيدالله وإماؤه والأول أولى لما سيأتي لأنه الظاهر من اللفظ ولأنه أبلغ فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرة المشركة يستفاد منه تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة بالأولى (٨). قال الراغب: " ونبه بقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ أن الاعتبار بإعجابكم، فليس الإعجاب إلا من ثمرة الجهل بحقيقة الشيء والجهل لا يوجب حكماً، فإذن لا اعتبار بإعجابكم" (٩). فإن قيل: كيف جاءت الآية بلفظ: ﴿خير من مشركة﴾ مع أن المشركة لا خير فيها؟ فالجواب من أحد وجهين (١٠):

стр. 1658

الأول: أنه قد يرد اسم التفضيل بين شيئين، ويراد به التفضيل المطلق - وإن لم يكن في جانب المفضل عليه شيء منه -، كما قال تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. الثاني: أن المشركة قد يكون فيها خير حسي من جمال، ونحوه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿ولو أعجبتكم﴾؛ فبين أن ما قد يعتقده ناكح المشركة من خير فيها فإن نكاح المؤمنة خير منه. قوله تعالى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، أي: "ولا تُزَوّجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات" (١)، حتى يؤمنوا. قال البغوي: " هذا إجماع: لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك" (٢). قال الصابوني: " أي ولا تزوجوا بناتكم من المشركين – وثنيين كانوا أو أهل كتاب – حتى يؤمنوا بالله ورسوله" (٣). قال الطبري: " أن الله قد حرَّم على المؤمنات أن ينكحن مشركًا كائنًا من كان المشرك، ومن أيّ أصناف الشرك كان، فلا تنكحوهنَّ أيها المؤمنون منهم، فإنّ ذلك حرام عليكم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، أي: "ولرجل مؤمن - ولو كان عبدًا حبشيًا - خير من مشرك، وإن كان رئيسًا شريفا" (٥). قال الصابوني: " أي ولأن تزوجوهن من عبد مؤمن، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، مهما أعجبكم في الحسب والنسب والجمال" (٦). قال الطبري: أي: " ولأن تزوجوهن من عبدٍ مؤمن مصدق بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، ولو شرُف نسبه وكرم أصله، وإن أعجبكم حسبه ونسبه" (٧). وكان أبو جعفر محمد بن عليّ يقول: "هذا القولُ من الله تعالى ذكره، دلالةٌ على أن أولياء المرأة أحق بتزويجها من المرأة" (٨). وقال قتادة والزهري: لا يحل لك أن تنكح يهوديًّا أو نصرانيًّا ولا مشركًا من غير أهل دينك" (٩). وقال عكرمة والحسن البصري: "حرَّم المسلمات على رجالهم - يعني رجال المشركين" (١٠). قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، " أي: أولئك المذكورون من المشركين والمشركات، الذين حرمت عليكم مصاهرتهم ومناكحتهم، يدعونكم إلى ما يوصلكم إلى النار وهو الكفر والفسوق فحقكم ألا تتزوجوا منهم ولا تزوجوهم" (١١). قال البغوي: " أي إلى الأعمال الموجبة للنار" (١٢).

стр. 1659

قال الشوكاني: " أي إلى الأعمال الموجبة للنار فكان في مصاهرتهم ومعاشرتهم ومصاحبتهم من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له ويدخلوا فيه" (١). قال الطبري: أي: " هؤلاء الذين حرمت عليكم أيها المؤمنون مناكحتهم من رجال أهل الشرك ونسائهم، يدعونكم إلى النار يعني: يدعونكم إلى العمل بما يدخلكم النار، وذلك هو العمل الذي هم به عاملون من الكفر بالله ورسوله" (٢). قال الراغب: " أي إلى الأفعال الوجبة للنار، وواجب اجتناب الداعي إلى النار الحامل عليها فواجب مجانبتهم إذن، وعلى هذا قال ﵇ " لا تترائى ناراهما " (٣) " (٤). قال ابن كثير: " أي: معاشَرتهم ومخالطتهم تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة" (٥). قال الزمخشري: " أُولئِكَ إشارة إلى المشركات والمشركين، أى يدعون إلى الكفر فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا المناصبة والقتال" (٦). قال ابن عثيمين: " أي يدعون الناس إلى النار بأقوالهم، وأفعالهم، وأموالهم؛ حتى إنهم يبنون المدارس، والمستشفيات، ويلاطفون الناس في معاملتهم خداعاً، ومكراً؛ ولكن قد بين الله نتيجة عملهم في قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون﴾ [الأنفال: ٣٦] " (٧). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، أي "وهو تعالى يريد بكم الخير ويدعوكم إلى ما فيه سعادتكم، وهو العمل الذي يوجب الجنة ومغفرة الذنوب" (٨). قال الطبري: أي: " يدعوكم إلى العمل بما يدخلكم الجنة، ويوجب لكم النجاة إن عملتم به من النار، وإلى ما يمحو خطاياكم أو ذنوبكم، فيعفو عنها ويسترها عليكم" (٩). قال الشوكاني: " أي إلى الأعمال الموجبة للجنة وقيل المراد أن أولياء الله هم المؤمنون يدعون إلى الجنة" (١٠). قال ابن عثيمين: "أي يدعو الناس إلى الجنة بالحث على الأعمال الصالحات؛ ومغفرة الذنوب بالحث على التوبة، والاستغفار" (١١). قال الراغب: " والداعي إلى الجنة واجب إتباعه، وعلى هذا دل قوله حكاية عمن أخبر عنه: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ " (١٢). قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، أي "بقضائه وإرادته" (١٣).

стр. 1660

قال ابن كثير: "أي: بشرعه وما أمر به وما نهى عنه" (١). قال الطبري: أي" بإعلامه إياكم سبيلَه وطريقَه الذي به الوصول إلى الجنة والمغفرة" (٢). قال الراغب: " أي بعلمه وأمره وآياته وحججه ودلائله العقلية والشرعية من أنكم إذا فعلتم ذلك، فأنتم أهل لرجاء التذكر وحقيقة التذكر الاستدراك عن نسيان أو غفلة لما استثبته القلب" (٣). قال الزمخشري: " بتيسير اللَّه وتوفيقه للعمل الذي تستحق به الجنة والمغفرة" (٤). قال الشوكاني: " أي بأمره، قاله الزجاج" (٥). وقرأ الحسن: " ﴿والمغفرةُ بإذنه﴾، بالرفع، أى: والمغفرة حاصلة بتيسيره" (٦). قال بعض أهل العلم: والإذن على قسمين (٧): أحدهما: إذن كوني: وهو ما يتعلق بالمخلوقات، والتقديرات، ومنه قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والثاني: إذن شرعي: وهو ما يتعلق بالتشريعات، ومنه تعالى: ﴿ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩] يعني شرع لكم. والظاهر أن الإذن في هذه الآية (٨) - والله أعلم - يشمل القسمين؛ لأن دخول الإنسان فيما يكون سبباً للجنة، والمغفرة كوني؛ وما يكون سبباً للجنة، والمغفرة هذا مما شرعه الله. قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، أي والله يوضح "أوامره ونواهيه للناس" (٩). قال الصابوني: " أي يوضح حججه وأدلته للناس" (١٠). قال البطري: " ويوضح حججه وأدلته في كتابه الذي أنزله على لسان رسوله لعباده" (١١). و﴿آيات﴾: " جمع آية؛ وهي العلامة القاطعة التي تستلزم العلم بمدلولها، كما قال تعالى: ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون﴾ [يس: ٤١] " (١٢). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١]، أي "ليتعظون" (١٣). قال الصابوني: أي: " ليتذكروا فيميزوا بين الخير والشر والخبيث والطيب" (١٤). قال الطبري: أي: " ليتذكروا فيعتبروا، ويميزوا بين الأمرين اللذين أحدهما دَعَّاءٌ إلى النار والخلود فيها، والآخر دَعَّاءٌ إلى الجنة وغفران الذنوب، فيختاروا خيرهما لهم. ولم يجهل التمييز بين هاتين إلا غبيّ [غَبين] الرأي مدخول العقل" (١٥).

стр. 1661

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أنه يحرم على المؤمن نكاح المشركات؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾؛ ويستثنى من ذلك أهل الكتاب من اليهود، والنصارى؛ لقوله تعالى: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان﴾ [المائدة: ٥]، فإن هذه الآية: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات ... ﴾ مخصِّصة لآية البقرة؛ و «أل» في قوله تعالى: ﴿اليوم﴾ للعهد الحضوري تفيد أن هذا الحكم ثبت في ذلك اليوم نفسه؛ والآية في سورة المائدة، ونزولها بعد نزول سورة البقرة؛ لكن مع كون ذلك مباحاً فإن الأولى أن لا يتزوج منهن؛ لأنها قد تؤثر على أولاده؛ وربما تؤثر عليه هو أيضاً: إذا أعجب بها لجمالها، أو ذكائها، أو علمها، أو خلقها، وسلبت عقله فربما تجره إلى أن يكفر. ٢ - ومن فوائد الآية: أن الحكم يدور مع علته وجوداً، وعدماً؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يؤمن﴾؛ فدل ذلك على أنه متى زال الشرك حل النكاح؛ ومتى وجد الشرك حرم النكاح. ٣ - ومنها: أن الزوج وليّ نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾؛ فوجه الخطاب للزوج. ٤ - ومنها: أن المؤمن خير من المشرك؛ ولو كان في المشرك من الأوصاف ما يعجب؛ لقوله تعالى: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾؛ ومثله قوله تعالى: ﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾ [المائدة: ١٠٠]؛ فلا تغتر بالكثرة؛ ولا تغتر بالمهارة؛ ولا بالجودة؛ ولا بالفصاحة؛ ولا بغير ذلك؛ ارجع إلى الأوصاف الشرعية المقصودة شرعاً. ٥ - ومنها: تفاضل الناس في أحوالهم، وأنهم ليسوا على حد سواء؛ لقوله تعالى: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾. ٦ - ومنها: الرد على الذين قالوا: «إن دين الإسلام دين مساواة»؛ لأن التفضيل ينافي المساواة؛ والعجيب أنه لم يأت في الكتاب، ولا في السنة لفظة «المساواة» مثبتاً؛ ولا أن الله أمر بها؛ ولا رغب فيها؛ لأنك إذا قلت بالمساواة استوى الفاسق، والعدل؛ والكافر، والمؤمن؛ والذكر، والأنثى؛ وهذا هو الذي يريده أعداء الإسلام من المسلمين؛ لكن جاء دين الإسلام بكلمة هي خير من كلمة «المساواة»؛ وليس فيها احتمال أبداً، وهي «العدل»، كما قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ [النحل: ٩٠]؛ وكلمة «العدل» تعني أن يسوى بين المتماثلين، ويفرق بين المفترقين؛ لأن «العدل» إعطاء كل شيء ما يستحقه؛ والحاصل: أن كلمة «المساواة» أدخلها أعداء الإسلام على المسلمين؛ وأكثر المسلمين - ولا سيما ذوو الثقافة العامة - ليس عندهم تحقيق، ولا تدقيق في الأمور، ولا تمييز بين العبارات؛ ولهذا تجد الواحد يظن هذه الكلمة كلمة نور تحمل على الرؤوس: «الإسلام دين مساواة»! ونقول: لو قلتم: «الإسلام دين العدل» لكان أولى، وأشد مطابقة لواقع الإسلام. القرآن ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢] التفسير: ويسألونك عن الحيض- وهو الدم الذي يسيل من أرحام النساء جِبِلَّة في أوقات مخصوصة-، قل لهم -أيها النبي-: هو أذى مستقذر يضر من يَقْرَبُه، فاجتنبوا جماع النساء مدة الحيض حتى ينقطع الدم، فإذا انقطع الدم، واغتسلن، فجامعوهن في الموضع الذي أحلَّه الله لكم، وهو القبل لا الدبر. إن الله يحب عباده المكثرين من الاستغفار والتوبة، ويحب عباده المتطهرين الذين يبتعدون عن الفواحش والأقذار.

стр. 1662

اختلف في سبب نزولها على أقوال (١): أحدها: أخرج الواحدي عن أنس: "أن اليهود كانت إذا حاضت منهم امرأة أخرجوها من البيت، فلم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ إلى آخر الآية" (٢)، ورواه مسلم (٣) وأبو داود (٤). وأخرج الطبري نحوه عن قتادة (٥)، والربيع (٦). والثاني: قال مجاهد: " كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن، فسألوا النبي ﷺ عن ذلك، فأنزل الله: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ إلى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهنّ من حيث أمركم الله﴾، - في الفرج لا تعدوه" (٧). الثالث: أن السائل الذي سأل رسول الله ﷺ عن ذلك كان ثابتَ بن الدَّحداح الأنصاري. قاله ابن عباس (٨)، والسدي (٩)، ومقاتل بن حيان (١٠). والرابع: أخرج الواحدي عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾ قال: " إن اليهود قالت: من أتى امرأته من دبرها كان ولده أحول، فكان نساء الأنصار لا يدعن أزواجهن يأتونهن من أدبارهن، فجاءوا إلى رسول الله ﷺ فسألوه عن إتيان الرجل امرأته وهي حائض، وعما قالت اليهود، فأنزل الله ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ يعني الاغتسال ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ يعني القبل ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ فإنما الحرث حيث ينبت الولد ويخرج منه" (١١). قال القرطبي: " قال علماؤنا: كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض، وكانت النصارى يجامعون الحيض، فأمر الله بالقصد بين هذين" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي: "ويسألك يا محمد أصحابك عن الحيض" (١٣).

стр. 1663

قال الصابوني: " أي يسألونك يا أيها الرسول عن إتيان النساء في حالة الحيض، أيحل أم يحرم؟ " (١). قال القاسمي: المحيض: " وهو الدم الخارج من الرحم على وجه مخصوص في وقت مخصوص. ويسمى الحيض أيضاً " (٢). قال الراغب: " المحيض: وقت الحيض وموضعه، وقد قيل: يقال للحيض محيض، على أن المصدر في هذا الباب يجئ على (مفعل)، نحو: معاش ومعاد، وقول الشاعر (٣): لا يستطيع بها الفراد مقيلا فالأظهر: أنه مكان وإن كان قد قيل هو مصدر، وقيل ما في ترك مكال ومكيل، أي كيل وهو أيضا محتمل، والحيض هو الدم الخارج من الرحم على وصف مخصوص في وقت مخصوص ويتعلق به منع الصلاة، والصوم، وحظر الجماع، وانقضاء العدة، واجتناب دخول المسجد ومس المصحف، وقراءة القرآن، وأن تصير المرأة به في الابتداء مكلفة" (٤). قال الشيخ ابن عثيمين: ﴿الْمَحِيضِ﴾: "يحتمل أن تكون مصدراً ميمياً فتكون بمعنى الحيض؛ أو تكون اسم مكان فيكون المراد به مكان الحيض؛ وهو الفَرْج؛ ولكن الأرجح الاحتمال الأول؛ لقوله تعالى: ﴿قل هو أذًى﴾؛ فإنه لا يحتمل عوده إلى مكان الحيض" (٥). وأصل الحيض في اللغة: "السيلُ، حاض السيلُ، يقال: وفاض" (٦). وأنشد المبردُ عن عمارة بن عقيل (٧): أجالَت حَصَاهُنَّ الذَّوَارِي وَحَيَّضَتْ ... عَلَيْهِنّ حَيْضَات السُّيولِ الطَّواحِمِ قال: ومعنى (حيّضت): سيِّلت (٨). قال الأزهري: "ومن هذا قيل للحوض حوض؛ لأن الماء يحيض إليه، أي: يسيل، والعرب تدخل الواو على الياء، والياء على الواو؛ لأنهما من حَيِّزٍ واحدٍ وهو الهواء" (٩). قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، : أي " هو شيء تتأذى به المرأة وغيرها" (١٠). قال القاسمي: " أي: الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه، نفرة منه وكراهة له" (١١). قال الشيخ ابن عثيمين: أي "لكل من الزوج، والزوجة، وبيان ذلك عند الأطباء" (١٢) (١٣).

стр. 1664

قال الصابوني: أي " فقل لهم: إنه شيء مستقذر، ومعاشرتهن في هذه الحالة فيه أذى للزوجين" (١). قال الطبري: " (والأذى) هو ما يؤذى به من مكروه فيه. وهو في هذا الموضع يسمى " أذى " لنتن ريحه وقذره ونجاسته، وهو جامع لمعان شتى من خلال الأذى، غير واحدة" (٢). قال الراغب: "، والأذى: اسم لما ينال النفس منه مكروه" (٣).

стр. 1665

وقد اختلف أهل التفسير في معنى ﴿أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، على أقوال متقاربة (١): أحدها: أنه قَذَر. قاله السدي (٢)، وقتادة (٣). قال القرطبي: " والأذى كناية عن القذر على الجملة. ويطلق على القول المكروه، ومنه قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي بما تسمعه من المكروه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] أي دع أذى المنافقين لا تجازهم إلا أن تؤمر فيهم، وفي الحديث: "وأميطوا عنه الأذى" (٤) يعني بـ "الأذى" الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، يحلق عنه يوم أسبوعه، وهي العقيقة. وفي حديث الإيمان: "وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (٥) أي تنحيته، يعني الشوك والحجر، وما أشبه ذلك مما يتأذى به المار. وقوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢] " (٦). الثاني: أنه دمٌ. قاله مجاهد (٧). قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، [البقرة: ٢٢٢]، أي اجتنبوا؛ "جماع النساء ونكاحهن في محيضهنّ" (٨). قال القرطبي: " أي في زمن الحيض، إن حملت المحيض على المصدر، أو في محل الحيض إن حملته على الاسم. ومقصود هذا النهي ترك المجامعة" (٩). قال ابن كثير: "يعني [في] الفرج" (١٠). قال القاسمي: " ولما كان الْإِنْسَان قد يتحمل الأذى ولا يراه محرماً، صرح بتحريمه بقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء﴾ " (١١). قال الصابوني: " أي اجتنبوا معاشرة النساء في حالة الحيض" (١٢). قال ابن عثيمين: "والمراد بـ ﴿الْمَحِيضِ﴾ هنا مكان الحيض - وهو الفرج -؛ فهي ظرف مكان؛ أي لا تجامعوهن في فروجهن؛ لأنه مكان الحيض" (١٣). قال ابن عباس: "يقول: اعتزلوا نكاحَ فُروجهنّ" (١٤). قال القاسمي: " أي: فاجتنبوا مجامعتهن في زمنه " (١٥). وقد اختلف العلماء في مباشرة الحائض وما يستباح منها، على أقوال (١٦): أحدها: أن الواجبُ على الرجل، اعتزالُ جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه.

стр. 1666

عن محمد قال: قلت لعبيدة: ما يحلُّ لي من امرأتي إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراش واحد، واللحاف شتى" (١). وأخرج الطبري سنده عن "ندبة مولاة آل عباس قالت: بعثتني ميمونة ابنة الحارث - أو: حفصة ابنة عمر - إلى امرأة عبد الله بن عباس، وكانت بينهما قرابةٌ من قبل النساء، فوجدت فراشَها معتزلا فراشَه، فظنت أن ذلك عن الهجران، فسألتها عن اعتزال فراشِه فراشَها، فقالت: إنيّ طامث، وإذا طمثت اعتزل فراشي. فرجعتُ فأخبرتُ بذلك ميمونة - أو حفصة - فردَّتني إلى ابن عباس، تقول لك أمك: أرغبت عن سنة رسول الله ﷺ ! فوالله لقد كان النبي ﷺ ينام مع المرأة من نسائه وإنها لحائض، وما بينه وبينها إلا ثوبٌ ما يجاوز الركبتين" (٢). واستدلّ قائلو هذه المقالة: "بأنّ الله تعالى ذكره أمر باعتزال النساء في حال حيضهنّ، ولم يخصصن منهن شيئًا دون شيء، وذلك عامٌّ على جميع أجسادهنّ، واجبٌ اعتزالُ كل شيء من أبدانهن في حيضهنّ" (٣). قال القرطبي: "وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء، وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسنة الثابتة بخلافه " (٤). قال الشوكاني: "وأما ما يروى عن ابن عباس وعبيدة السلماني انه يجب على الرجل ان يعتزل فراش زوجته إذا حاضت فليس ذلك بشيء ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض وهو معلوم من ضرورة الدين" (٥). والثاني: أن الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن، موضع الأذى، وذلك موضعُ مخرج الدم. وهذا قول عائشة (٦)، وأم سلمة (٧)، وابن عباس (٨)، والحسن (٩)، ومجاهد (١٠)، وعامر (١١)، وعكرمة (١٢).

стр. 1667

واستدل صاحب هذا القول من خلال "الأخبار المتواترة عن رسول الله ﷺ أنه كان يباشر نساءه وهن حُيَّض، ولو كان الواجبُ اعتزالَ جميعهنّ، لما فعل ذلك رسول الله ﷺ . فلما صحّ ذلك عن رسول الله ﷺ ، علم أن مراد الله تعالى ذكره بقوله: " فاعتزلوا النساءَ في المحيض "، هو اعتزال بعض جسدها دون بعض. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون ذلك هو الجماع المجمع على تحريمه على الزوج في قُبُلها، دون ما كان فيه اختلاف من جماعها في سائر بدنها" (١). والثالث: أن الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهنّ في حال حيضهن، ما بين السرّة إلى الركبة، وما فوق ذلك ودونه منها. وهذا قول شريح (٢)، وسعيد بن المسيب (٣)، وابن عباس-في رواية سعيد بن جبير (٤). واحتج هؤلاء بصحة الخبر عنه ﷺ (٥)، قالوا: "فما فعل النبي ﷺ من ذلك فجائز، وهو مباشرة الحائض ما دون الإزار وفوقه، وذلك دون الركبة وفوق السرة، وما عدا ذلك من جسد الحائض فواجبٌ اعتزالُه، لعموم الآية" (٦). والراجح أن "للرجل من امرأته الحائض ما فوق المؤتَزَر ودونه، لما ذكرنا من العلة لهم" (٧). والله تعالى أعلم (٨) (٩).

стр. 1668

قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي و"لا تجامعوهن حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويغتسلن" (١). قال الطبري: " ولا تقربوهن حتى يغتسلن فيتطهرن من حيضهن بعد انقطاعه" (٢). قال الصابوني: " والمراد من الآية التنبيه على أن الغرض (عدم المعاشرة) لا عدم القرب منهن، وعدم مؤاكلتهن ومجالستهن، كما كان يفعل اليهود إذا حاضت عندهم المرأة" (٣). وقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، على وجهين (٤): أحدهما: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بضم (الهاء) وتخفيفها. وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، وحفص عن عاصم. إذ وجهوا معناه إلى: ولا تقربوا النساء في حال حيضهنّ حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويَطهُرن. أخرج الطبري سنده "عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، قال: انقطاع الدم" (٥)، وروي عن سفيان (٦)، وعكرمة (٧)، نحو ذلك. والثانية: ﴿حَتَّى يطهَّرن﴾ بتشديد (الهاء) وفتحها. قرأ بها عاصم في رواية أبي بكر والمفضل وحمزة والكسائي. وهؤلاء عنوا به: حتى يغتسلن بالماء. وشددوا (الطاء)، لأنهم قالوا: معنى الكلمة: حتى يتطهَّرْنَ، أدغمت (التاء) في (الطاء)، لتقارب مخرجيهما.

стр. 1669

والصواب "قراءة من قرأ: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ﴾ بتشديدها وفتحها، بمعنى: حتى يغتسلن - لإجماع الجميع على أن حرامًا على الرجل أن يقرَب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتى تطهر" (١). قال القرطبي: " وفي مصحف أبي وعبدالله ﴿يتطهرن﴾، وفي مصحف أنس بن مالك ﴿ولا تقربوا النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يتطهرن﴾ " (٢). قال الطبري: "وإنما اختُلف في (التطهر) الذي عناه الله تعالى ذكره، فأحل له جماعها. فقال بعضهم: هو الاغتسال بالماء، لا يحل لزوجها أن يقربها حتى تغسل جميع بدنها. وقال بعضهم: هو الوضوء للصلاة. وقال آخرون: بل هو غسل الفرج، فإذا غسلت فرجها، فذلك تطهرها الذي يحلّ به لزوجها غشيانُها. فإذا كان إجماعٌ من الجميع أنها لا تحلُّ لزوجها بانقطاع الدم حتى تطَّهر، كان بيِّنًا أن أولى القراءتين بالصواب أنفاهما للَّبس عن فهم سامعها. وذلك هو الذي اخترنا، إذ كان في قراءة قارئها بتخفيف " الهاء " وضمها، ما لا يؤمن معه اللبس على سامعها من الخطأ في تأويلها، فيرى أن لزوج الحائض غشيانَها بعد انقطاع دم حيضها عنها، وقبل اغتسالها وتطهُّرها" (٣). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي" فإذا اغتسلن" (٤). قال ابن عثيمين: وجمهور أهل العلم على أن المراد (اغتسلن)؛ فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً؛ فهي كقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]، أي اغتسلوا (٥). قال الطبري: " فإذا اغتسلن فتطهَّرن بالماء" (٦). قال الراغب: " دل أن ذلك شرط في إباحتها وأن لا يصح وطؤها إلا بانقطاع دمها" (٧). وقد ذكر أهل التفسير في قوله: ﴿فإذا تطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢] وجوها (٨): أحدها: فإذا اغتسلن. قاله ابن عباس (٩)، ومجاهد (١٠)، وعكرمة (١١)، والحسن (١٢)، وإبراهيم (١٣). وهو قول الجمهور (١٤).

стр. 1670

والثاني: أن المعنى: فإذا تطهَّرن للصلاة. قاله طاوس (١)، وعطاء (٢)، ومجاهد (٣). والثالث: أن المراد بالتطهر: غسل الموضع. قاله الأوزاعي (٤)، وتبعه الالباني (٥) في ذلك. قال أبو حيان: " وسبب الخلاف أن يحمل التطهر بالماء، على التطهر الشرعي أو اللغوي، فمن حمله على اللغوي قال: تغسل مكان الأذى بالماء، ومن حمله على الشرعي حمله على أخف النوعين وهو الوضوء لمراعاة الخفة أو على أكمل النوعين وهو أن تغتسل كما تغتسل للجنابة إذ به يتحقق البراءة من العهدة" (٦). والراجح قول الجمهور وهو أن المراد بـ: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) فإذا اغتسلن؛ لأن الغسل هو الذي يحل لها ما كان محرماً عليها من صلاة ونحوها بعد الحيض بإجماع، فتفسير الآية به هو الأولى. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، "فأتوهنَّ في المكان الذي أحله الله لكم، وهو مكان النسل والولد القُبُل لا الدبر" (٧). قال الطبري: يعني: "فجامعوهن" (٨). قال القرطبي: " أمر إباحة، وكنى بالإتيان عن الوطء" (٩). قال القاسمي: " أي: فجامعوهن من المكان الذي أمركم الله بتجنبه في الحيض وهو القبل، ولا تتعدّوه إلى غيره" (١٠). قال ابن كثير: " وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة، لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ وليس له في ذلك مستند، لأن هذا أمر بعد الحظر، ومنهم من يقول: إنه [أي الجماع بعد كل حيضة] للإباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر، والذي ينهض عليه الدليل أنه يُرَدّ الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإن كان واجبًا فواجب، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا

стр. 1671

انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، أو مباحًا فمباح، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، واختاره بعض أئمة المتأخرين، وهو الصحيح" (١). وقد اختلف أهل التفسير في تفسير قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (٢): أحدها: أن معنى ذلك: فأتوا نساءكم إذا تطهَّرن من الوجه الذي نهيتُكم عن إتيانهن منه في حال حيضهن، وذلك: الفرجُ الذي أمر الله بترك جماعهن فيه في حال الحيض. وهذا قول ابن عباس (٣)، وعكرمة (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، ومجاهد (٦)، وقتادة (٧)، وإبراهيم (٨). قال ابن كثير: " وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر" (٩). والثاني: أن المعنى: فأتوهن من الوجه الذي أمركم الله فيه أن تأتوهن منه. وذلك الوجه، هو الطهر دون الحيض. فكان معنى قائل ذلك في الآية: فأتوهنّ من قُبْل طُهرهنّ لا من قُبْل حيضهن. وهو قول أبي رزين (١٠)، والضحاك (١١)، والسدي (١٢)، وأحد قولي: عكرمة (١٣)، وقتادة (١٤)، وابن عباس (١٥). الثالث: أن المراد: فأتوا النساء من قِبل النكاح، لا من قِبل الفُجور. وهو قول ابن حنيفة (١٦). قال ابن عثيمين: " والمراد بالإتيان الجماع - كني بالإتيان عن المجامعة -؛ والأمر هنا للإباحة" (١٧). وقد ذكر العلماء في معنى ﴿مِن﴾ في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وجهين (١٨): أحدهما: أنها بمعنى (في)، "كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، أي في يوم الجمعة، وقوله ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠] أي في الأرض" (١٩). فيكون المعنى: فأتوهن في المكان الذي أمركم الله بإتيانه؛ وهو الفرج. والثاني: أنها للابتداء؛ فهي على بابها؛ أي: "فأتوهن من هذه الطريق من حيث أمركم الله؛ وهو أن تطؤوهن في الفروج؛ لقوله تعالى في الآية بعدها: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ [البقرة: ٢٢٣]، و (الحرث): "هو موضع الزرع؛ وموضع الزرع هو القبل؛ فيكون معنى قوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ أي من قُبُلهن؛ وليس من الدبر" (٢٠)

стр. 1672

قال الشوكاني: وقيل "ان المعنى من الوجه الذي أذن الله لكم فيه أي من غير صوم وإحرام وأعتكاف وقيل إن المعنى ومن قبل الطهر لا من قبل الحيض وقيل من قبل الحلال لا من قبل الزنا" (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ أيإن الله" يحب التائبين من الذنوب" (٢). قال الطبري: التوابين" المنيبين من الإدبار عن الله وعن طاعته، إليه وإلى طاعته" (٣). قال ابن كثير: " أي: من الذنب وإن تكرر غشْيانه" (٤). قال ابن عثيمين: "و ﴿التوابين﴾ صيغة مبالغة تفيد الكثرة؛ فالتوابون كثيرو التوبة؛ و (التوبة) هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته" (٥). قال القاسمي: " وفي ذكر التوبة إشعار بمساس الحاجة إليها - بارتكاب بعض الناس لما نهُوا عنه - وتكرير الفعل لمزيد العناية بأمر التطهر" (٦). قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ أي: وإن الله يحب" المتنزهين عن الفواحش والأقذار" (٧). قال ابن كثير: " أي: المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض، أو في غير المأتى" (٨). قال القاسمي: أي "المتنزهين عن الفواحش والأقذار، كمجامعة الحائض والإتيان فيغير المأتى" (٩). وقد تعددت اقوال أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، على وجوه (١٠): أحدها: التوابون من الذنوب والشرك، والمتطهرون: أي بالماء من الجنابة والأحداث، قاله عطاء (١١). قال ابن عثيمين: "و ﴿المتطهرين﴾ أي "الذين يتطهرون من الأحداث، والأخباث" (١٢). والثاني: أن المعنى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾، من الذنوب، ﴿ويحب المتطهرين﴾، من أدبار النساء أن يأتوها. وهذا قول مجاهد (١٣). والثالث: أن المعنى: ﴿ويحب المتطهرين﴾، من الذنوب أن يعودوا فيها بعد التوبة منها. وهو قول مجاهد مجاهد (١٤) أيضا. والرابع: أن "المتطهرون الذين لم يذنبوا (١٥).

стр. 1673

والقول الأول هو الراجح -والله أعلم-، فالمراد التوابين من الذنوب والمتطهرون من الجنابة والأحداث، لأنه الأظهر بسياق الآية. قال ابن عثيمين: " وجمع بين ذلك ﴿التطهر﴾، وبين التوبة؛ لأن (التوبة) تطهير الباطن؛ و (التطهر) تطهير الظاهر" (١). قال الراغب: " ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ تنبيها أن من كان منه شيء من ذلك، فحق عليه أن يتوب ويتطهر من بعد، والتطهر عام في استعمال الماء، وتطهر القلوب من الذنوب والتوبة اجتناب الذنب والتطهر عمل الصالحات، وجعل التوبة مقدمة على التطهير تنبيهاً أن اجتناب القاذورات مدرجة إلى فعل الخيرات، وعظم أمر المتطهرين حيث جعلهم محبوبيه، وروي خريم بن ساعدة قال: يا رسول الله: من الذين قال الله فيهم ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾؟ فقال ﵇: " نعم الرجل منهم خريم " (٢)، ويدل على إرادة هذا المعنى بالتطهر قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ " (٣). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: تتابع أسئلة الصحابة ﵃ على رسول الله - ﷺ . ٢ - ومنها: حرص الصحابة على العلم، حيث يسألون رسول الله - ﷺ عن مثل هذه الأمور. ٣ - ومنها: أنه لا ينبغي أن يستحيي الإنسان من سؤال العلم؛ لقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾. ٤ - ومنها: أن الله قد يتولى الإجابة فيما سئل عنه رسول الله - ﷺ ، حيث قال تعالى: ﴿قل هو أذًى﴾. ٥ - ومنها: أن المحيض - وهو الحيض - أذًى؛ لأنه قذر، ونجس؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بغسله قليله، وكثيره؛ فقد كان النساء يصيب ثيابهن الحيض، فيسألن النبي ﷺ عن ذلك فيأمرهن بحته، ثم قرصه بالماء، ثم نضحه (٤) - أي غسله -. ٦ - ومنها: تعليل الأحكام الشرعية؛ لقوله تعالى: ﴿هو أذًى فاعتزلوا﴾. ويتفرع على هذه الفائدة: إثبات الحكمة فيما شرعه الله ؛ لكن من الحكمة ما هو معلوم للخلق؛ ومنها ما ليس بمعلوم؛ لكننا نعلم أن جميع أحكام الله الشرعية والقدرية مقرونة بالحكمة. ٧ - ومن فوائد الآية: تقديم علة الحكم عليه حتى تتهيأ النفوس لقبول الحكم، والطمأنينة إليه؛ ويكون قبوله فطرياً؛ لقوله تعالى: ﴿قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾؛ وقد يتقدم الحكم على العلة - وهو الأكثر كما في قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وكما في الحديث الصحيح: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه» (٥).

стр. 1674

٨ - ومن فوائد الآية: وجوب اعتزال المرأة حال الحيض؛ لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾؛ وقد بينت السنة ماذا يعتزل منهن - وهو الجماع -؛ لقول النبي ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (١). ٩ - ومنها: منة الله على الرجل والمرأة في اعتزالها حال الحيض؛ لأنه أذًى مضر بالمرأة، ومضر بالرجل. ١٠ - ومنها: تحريم الوطء بعد الطهر قبل الغسل؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾. ١١ - ومنها: وجوب جماع الزوجة بعد طهرها من الحيض؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوهن﴾؛ وقد قال به بعض أهل العلم؛ ولكن هذا القول ضعيف جداً؛ والصواب أن الأمر فيه لرفع الحظر؛ لأنه ورد بعد النهي؛ ويبقى الحكم على ما كان عليه قبل النهي. ١٢ - ومنها: أنه لا يجوز للإنسان أن يتعدى حدود الله لا زماناً ولا مكاناً فيما أباحه الله من إتيان أهله؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾. ١٣ - ومنها: جواز وطء المرأة في فرجها من ورائها؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾؛ ولم يحدد الجهة التي تؤتى منها المرأة. ١٤ - ومنها: أنه لا يباح وطؤها في الدبر؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، ولقوله تعالى في المحيض: ﴿قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾؛ ومن المعلوم أن أذى الغائط أقبح من أذى دم الحيض؛ وهذا - أعني تحريم وطء الدبر - قد أجمع عليه الأئمة الأربعة؛ ولم يصح عن أحد من السلف جوازه؛ وما روي عن بعضهم مما ظاهره الجواز فمراده إتيانها من الدبر في الفرج. ١٥ - ومنها: إثبات محبة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾؛ والمحبة صفة حقيقية لله على الوجه اللائق به؛ وهكذا جميع ما وصف الله به نفسه من المحبة، والرضا، والكراهة، والغضب والسخط، وغيرها؛ كلها ثابتة لله على وجه الحقيقة من غير تكييف ولا تمثيل. ١٦ - ومنها: أن محبة الله من صفاته الفعلية - لا الذاتية -؛ لأنها علقت بالتوبة؛ والتوبة من فعل العبد تتجدد؛ فكذلك محبة الله تتعلق بأسبابها؛ وكل صفة من صفات الله تتعلق بأسبابها فهي من الصفات الفعلية. ١٧ - ومنها: فضيلة التوبة، وأنها أمر مطلوب، وأنها من أسباب محبة الله للعبد؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾. ١٨ - ومنها: محبة الله تعالى للمتطهرين؛ لقوله تعالى: ﴿ويحب المتطهرين﴾. ١٩ - ومنها: حسن أسلوب القرآن؛ لأنه جمع في هذه الآية بين التطهر المعنوي الباطني، والتطهر الحسي الظاهري؛ لقوله تعالى: ﴿يحب التوابين﴾ - وهي طهارة باطنة -؛ وقوله تعالى: ﴿ويحب المتطهرين﴾ - وهي طهارة ظاهرة -. القرآن ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ [البقرة: ٢٢٣] التفسير: نساؤكم موضع زرع لكم، تضعون النطفة في أرحامهن، فَيَخْرج منها الأولاد بمشيئة الله، فجامعوهن في محل الجماع فقط، وهو القبل بأي كيفية شئتم، وقَدِّموا لأنفسكم أعمالا صالحة بمراعاة أوامر الله، وخافوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه للحساب يوم القيامة. وبشِّر المؤمنين -أيها النبي- بما يفرحهم ويسرُّهم من حسن الجزاء في الآخرة. في سبب نزولها أقوال:

стр. 1675

أحدها: أخرج الطبري بسنده عن مرة الهمداني قال: "أن رجلا من اليهود لقي رجلا من المسلمين فقال له: أيأتي أحدكم أهلهُ باركًا؟ قال: نعم. قال: فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾، يقول: كيف شاء، بعد أن يكون في الفرج" (١). والثاني: وأخرج الطبري بسنده عن عبد الله بن علي: أنه بلغه أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ جلسوا يومًا ورجل من اليهود قريبٌ منهم، فجعل بعضهم يقول: إنيّ لآتي امرأتي وهي مضطجعة. ويقول الآخر: إني لآتيها وهي قائمة. ويقول الآخر: إني لآتيها على جنبها وباركةً. فقال اليهودي: ما أنتم إلا أمثال البهائم! ولكنا إنما نأتيها على هيئة واحدة! فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿نساؤكم حرثٌ لكم﴾، فهو القُبُل" (٢). والثالث: وقال الربيع: " ذكر لنا - والله أعلم - أن اليهود قالوا: إن العرب يأتون النساء من قِبَل إعجازهن، فإذا فعلوا ذلك، جاء الولد أحول، فأكذب الله أحدوثتهم فقال: ﴿نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ " (٣). وأخرج الواحدي عن جابر بن عبدالله (٤) نحو ذالك. والرابع: قال نافع: " كان ابن عمر إذا قرئ القرآن لم يتكلم. قال: فقرأت ذات يوم هذه الآية: ﴿نساؤكم حرثٌ لكم، فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، فقال: أتدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قلت: لا! قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن" (٥). وروي عن ابن عباس (٦) مثل ذلك. والخامس: وقال عطاء بن يسار: "أن رجلا أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول الله ﷺ ، فأنكر الناس ذلك وقالوا: أثْفَرها! فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، الآية" (٧). والسادس: وقال مجاهد: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عَرَضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية وأساله عنها، حتى انتهى إلى هذه الآية: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة، ويتلذذون بهن مقبلاتٍ ومدبراتٍ. فلما قدموا المدينة تزوّجوا في الأنصار، فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بالنساء بمكة، فأنكرن ذلك، وقلن: هذا شيء لم نكن نُؤْتَى عليه! فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، إن شئت فمقبلة، وإن شئت فمدبرة، وإن شئت فباركة، وإنما يعني بذلك موضع الولد للحرث. يقول: ائت الحرث من حيث شئت " (٨). وأخرجه الواحدي في رواية الكلبي عن ابن عباس (٩).

стр. 1676

والسابع: وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: "جاء عمر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكتُ! ! قال: وما الذي أهلكك؟ قال: حوَّلتُ رحلي الليلة! قال: فلم يردّ عليه شيئًا، قال: فأوحى الله إلى رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، أقبِل وأدبِر، واتق الدُّبر والحيْضة " (١). وأخرجه الواحدي في أسباب النزول (٢). والثامن: وقال حنش الصنعاني عن ابن عباس: أن ناسًا من حميرَ أتوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه عن أشياء، فقال رجل منهم: يا رسول الله، إنّي رجل أحب النساء، فكيف ترى في ذلك؟ فأنزل الله تعالى ذكره في سورة (البقرة) بيان ما سألوا عنه، وأنزل فيما سأل عنه الرجل: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنَّى شئتم﴾، فقال رسول الله ﷺ : ائتها مُقبلةً ومُدبرةً، إذا كان ذلك في الفرج " (٣). قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، يعني: " نساؤكم مُزدَرَعُ أولادكم" (٤). قال ابن عثيمين: " يعني زوجاتكم موضع حرث لكم، كما تكون الأرض حرثاً للزارع يبث فيها الحب؛ فيخرج الحب، وينمو، ويُنتفع به؛ كذلك النساء بالنسبة للرجال حرث يضع فيها الإنسان هذا الماء الدافق، فينزرع في الرحم حتى ينمو، ويخرج بشراً سوياً" (٥). عن ابن عباس: " ﴿فأتوا حرثكم﴾، قال: منبت الولد" (٦). وعن السدي: " ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾، أما (الحرث)، فهي مَزْرَعة يحرث فيها" (٧). قوله تعالى: " ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي "كيف شئتم، قائمة وقاعدة ومضطجعة، بعد أن يكون في مكان الحرث " الفرج " وهو رد لقول اليهود: إذا أتى الرجل امرأته في قبلها من دبرها جاء الولد أحول" (٨). قال ابن كثير: " أي: كيف شئْتم مقبلة ومدبرة في صِمام واحد، كما ثبتت بذلك الأحاديث" (٩). قال ابن عثيمين: " أي من حيث شئتم؛ فـ ﴿أنى﴾ ظرف مكان؛ والمعنى: ائتوا هذا الحرث من أي جهة شئتم؛ من جهة القبل - يعني الأمام -؛ أو من جهة الخلف؛ أو على جنب؛ المهم أن يكون الإتيان في الحرث" (١٠). قال الطبري: " فانكحوا مزدرَع أولادكم من حيث شئتم من وجوه المأتى" (١١).

стр. 1677

و " الإتيان " في هذا الموضع، كناية عن اسم الجماع" (١). واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (٢): ١ - فقال بعضهم: معنى ﴿أنَّى﴾، (كيف) (٣). ومن قال إن ﴿أَنَّى﴾ بمعنى: (كيف)، فالمعنى عنده تخيير في الصفات والهيئة، وفيه قولان: أحدهما: أن ذلك على الإطلاق، أي: على أي حالة اختارها الواطئ مقبلة ومدبرة، على شق أو قائمة أو مضطجعة وغير ذلك من الصفات إذا اتقى الدبر والحيض، وهو قول: ابن عباس ومجاهد وعطية والسدي وابن قتيبة في آخرين. ثانيهما: أن ذلك بالنسبة إلى العزل والمعنى: إن شاء عزل، وإن شاء لم يعزل، وهو قول سعيد بن المسيب. أخرج الطبري بسنده الصحيح عن ابن عباس: " فأتوا حرثكم أنّى شئتم "، قال: يأتيها كيف شاء، ما لم يكن يأتيها في دبرها أو في الحيض" (٤). كذا قاله عكرمة ومجاهد وابن كعب ومرة الهمداني وقتادة والسدي وعبدالله بن علي وابن حجر (٥) (٦). ٢ - وقال آخرون معنى قوله: " أنى شئتم "، متى شئتم (٧). ومن قال: إن ﴿أَنَّى﴾ بمعنى: (متى) فالمعنى: في أي زمان أردتم، أي من زمن الطهر، وقد اختاره السيوطي وابن عاشور (٨). قال الضحاك: " ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، يقول: مَتى شئتم" (٩). وقال ابن عباس: " أنى شئتم من الليل والنهار" (١٠). ٣ - وقال آخرون: بل معنى ذلك: أين شئتم، وحيث شئتم (١١).

стр. 1678

واحتج هؤلاء بقول ابن عمر " أن رجلا أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك، فأنزل الله: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ " (١). وما روي عن عطاء بن يسار: "أن رجلا أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول الله ﷺ ، فأنكر الناس ذلك وقالوا: أثْفَرها! فأنزل الله تعالى ذكره: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " الآية" (٢). عن نافع، قال: قرأتُ ذاتَ يوم: " نساؤكم حرْثٌ لكم فائتوا حرثكم أنى شئتم "، فقال ابن عمر: أتدري فيمَ نزلتْ؟ قلتُ: لا! قال: نزلتْ في إتيان النساء في أدْبارهنّ" (٣). وقيل لزيد بن أسلم: "إن محمد بن المنكدر ينهى عن إتيان النساء في أدبارهن. فقال زيد: أشهد على محمد لأخبرني أنه يفعله" (٤). وري عن مالك بن أنس أنه قيل له: يا أبا عبد الله، إن الناس يروون عن سالم: " كذب العبد، أو: العلجُ، على أبي "! فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له: فإنَّ الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار: أنه سأل ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن، إنا نشتري الجواري فنُحمِّض لهن؟ فقال: وما التحميض؟ قال: الدُّبُر.

стр. 1679

فقال ابن عمر: أفْ! أفْ! يفعل ذلك مؤمن! - أو قال: مسلم! - فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب، عن ابن عمر، مثل ما قال نافع" (١). وأخرج الطبري سنده عن "موسى بن أيوب الغافقي قال: قلت لأبي ماجد الزيادي: إنّ نافعًا يحدث عن ابن عمر في دُبر المرأة. فقال: كذب نافع! صحبت ابن عمر ونافعٌ مملوكٌ، فسمعته يقول: ما نظرت إلى فرج امرأتي منذ كذا وكذا (٢). وعن قتادة قال: سئل أبو الدرداء عن إتيان النساء في أدبارهن، فقال: هل يفعل ذلك إلا كافر! قال روح: فشهدت ابن أبي مليكة يُسأل عن ذلك فقال: قد أردته من جارية لي البارحةَ فاعتاص عليّ، فاستعنت بدهن أو بشحم. قال: فقلت له، سبحان الله! ! أخبرنا قتادة أنّ أبا الدرداء قال: هل يفعل ذلك إلا كافر! فقال: لعنك الله ولعن قتادة! فقلت: لا أحدث عنك شيئًا أبدًا! ثم ندمت بعد ذلك" (٣). قال ابن كثير: "وقد روى الحاكم، والدارقطني، والخطيب البغدادي، عن الإمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك. ولكن في الأسانيد ضعف شديد، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك، فالله أعلم" (٤). وقال الطحاوي: "حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي ﷺ في تحليله ولا تحريمه شيء. والقياس أنه حلال. وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب، عن أبي سعيد الصيرفي، عن أبي العباس الأصم، سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول ... فذكر. قال أبو نصر الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد كذب - يعني ابن عبد الحكم - على الشافعي في ذلك فإن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه، والله أعلم" (٥).

стр. 1680

وقال القرطبي: "وممن ينسب إليه هذا القول - وهو إباحة وطء المرأة في دبرها - سعيد ابن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن الماجشون. وهذا القول في العتبية. وحكى ذلك عن مالك في كتاب له أسماه كتاب السر، وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له كتاب السر ووقع هذا القول في العتبية، وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من رواية كثيرة من كتاب جماع النسوان وأحكام القرآن هذا لفظه قال: وحكى الكيا الهراسي الطبري عن محمد بن كعب القرظي أنه استدل على جواز ذلك بقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ* وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ الشعراء: [١٦٥، ١٦٦] " (١). قال ابن كثير معلقا على كلام القرطبي: " يعني مثله من المباح ثم رده بأن المراد بذلك من خلق الله لهم من فروج النساء لا أدبارهن قلت: وهذا هو الصواب وما قاله القرظي إن كان صحيحًا إليه فخطأ. وقد صنف الناس في هذه المسألة مصنفات منهم أبو العباس القرطبي وسمى كتابه إطهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار" (٢). ٤ - وقال آخرون: معنى ذلك: ائتوا حرثكم كيف شئتم - إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا. قاله سعيد بن المسيب وابن عباس (٣). ٥ - وقال آخرون: معنى: " أنى شئتم "، من حيث شئتم، وأي وجه أحببتم. ومن قال إن (أَنَّى) بمعنى: (حيث) أو (أين) فالمعنى عنده: من حيث شئتم على تقدير من قبل الظرف، ولا يصح أن يكون المعنى في أي مكان شئتم لعدم جواز إتيان المرأة في الدبر على الصحيح. روي عن ابن عباس: أنه كان يكره أن تُؤتى المرأة في دبرها، ويقول: إنما الحرث من القُبُل الذي يكون منه النسل والحيض وينهى عن إتيان المرأة في دُبُرها ويقول: إنما نزلت هذه الآية: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم "، يقول: من أيّ وجه شئتم" (٤). عن عكرمة: " فأتوا حرثكم أنى شئتم "، قال: ظهرها لبطنها غير مُعاجَزة - يعني الدبر" (٥). كذا قاله الربيع ومجاهد وعطاء (٦). وروي عن حفصة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أم سلمة قالت: قدِم المهاجرون فتزوجوا في الأنصار، وكانوا يُجَبُّون، وكانت الأنصار لا تفعل ذلك، فقالت امرأة لزوجها: حتى آتي النبي ﷺ فأسأله عن ذلك! فأتت النبيَّ ﷺ فاستحيت أن تسأله، فسألتُ أنا، فدعاها رسول الله ﷺ فقرأ عليها: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم "، " صمامًا واحدًا، صمامًا واحدًا " (٧).

стр. 1681

واختار هذا القول ابن حجر، إذ يقول: " فمن الأحاديث الصالحة الإِسناد (١) حديث خزيمة بن ثابت (٢) أخرجه أحمد (٣) والنسائي (٤) وابن ماجة (٥)، وصححه ابن حبان (٦)، وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٧) والترمذي (٨)، وصححه ابن حبان (٩) أيضاً، وحديث ابن عباس، وقد تقدمت الإِشارة إليه (١٠)، وأخرجه الترمذي (١١) من وجه آخر بلفظ: "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في الدبر"، وصححه ابن حبان (١٢) أيضاً، وإذا كان ذلك

стр. 1682

صلح أن يخصص عموم الآية، ويحمل على الإِتيان في غير هذا المحل بناء على أن معنى ﴿أَنَّى﴾ (حيث)، وهو المتبادر إلى السياق، ويغني ذلك عن حملها على معنى آخر غير المتبادر (١)، والله أعلم" (٢). وقال الطبري: قوله ﴿أنى شئتم﴾، يعني: "من أيّ وجه شئتم، وذلك أن (أنَّى) في كلام العرب كلمة تدلّ إذا ابتدئ بها في الكلام على المسألة عن الوجوه والمذاهب، وقد فرَّقت الشعراء بين ذلك في أشعارها، فقال الكميت بن زيد (٣): تَذَكَّر مِنْ أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ شُرْبَهُ ... يُؤَامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الأبِلْ وقال أيضًا (٤): أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ - آبَكَ - الطَّرَبُ ... مِنْ حَيْثُ لا صَبْوَةٌ وَلا رِيَبُ فيجاء بـ " أنى " للمسألة عن الوجه، وبـ " أين " للمسألة عن المكان، فكأنه قال: من أيّ وجه، ومن أي موضع راجعك الطرب؟ قال الطبري: " والذي يدل على فساد قول من تأول قول الله تعالى ذكره: " فأتوا حرثكم أنى شئتم "، كيف شئتم - أو تأوله بمعنى: حيث شئتم أو بمعنى: متى شئتم أو بمعنى: أين شئتم أن قائلا لو قال لآخر: " أنى تأتي أهلك؟ "، لكان الجواب أن يقول: " من قُبُلها، أو: من دُبُرها "، كما أخبر الله تعالى ذكره عن مريم إذْ سئلت: (أَنَّى لَكِ هَذَا) أنها قالت: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، وإذ كان ذلك هو الجواب، فمعلومٌ أن معنى قول الله تعالى ذكره: " فأتوا حرثكم أنى شئتم "، إنما هو: فأتوا حرثكم من حيثُ شئتم من وجوه المأتى - وأنّ ما عدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل، وإذ كان ذلك هو الصحيح، فبيِّنٌ خطأ قول من زعم أن قوله: " فأتوا حرثكم أنى شئتم "، دليلٌ على إباحة إتيان النساء في الأدبار، لأن الدُّبر لا مُحْتَرَثَ فيه، وإنما قال تعالى ذكره: ﴿حرث لكم﴾، فأتوا الحرث من أيّ وجوهه شئتم. وأيُّ مُحْتَرَث في الدُبر فيقال: ائته من وجهه؟ وبيِّنٌ بما بينا، صحةُ معنى ما روي عن جابر وابن عباس: من أن هذه الآية نزلت فيما كانت اليهود تقوله للمسلمين: " إذا أتَى الرجلُ المرأةَ من دُبرها في قُبُلها، جاء الولد أحول"" (٥).

стр. 1683

وقال القرطبي: " هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث، أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة، فأما الإتيان في غير المأتى فما كان مباحا، ولا يباح! وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرم" (١). قلت: الأولى حمل كلام من قال بأن ﴿أَنَّى﴾ في الآية بمعنى (حيث) أو (أين) على ذلك، لثبوت النهي عن إتيان النساء في أدبارهن عن النبي ﷺ (٢)، ولأنه لو صح جواز إتيان النساء في أدبارهن عن النبي

стр. 1684

صلى الله عليه وسلم لما أمر الله باعتزال النساء في المحيض لأنه إذا انشغل القبل بالحيض جاز إتيانهن في الدبر، ومما يدل على حرمة ذلك أيضاً سبب النزول الذي سبق ذكره من حديث عمر وفيه: أن النبي ﷺ ، قال له بعد نزول الآية: "أقبل وأدبر واتقِ الدبر والحيضة" (١). كما يدل على حرمة ذلك قوله- : ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فإن كلمة (حَرْثَ) تدل على أن الإباحة لم تقع إلا في موضع الحرث فقط، وهو مزرع الذرية. يقول ابن عطية في كلام له نفيس ما نصه: "وقوله: ﴿أَنَّى شِئْتُم﴾ معناه عند جمهور العلماء من صحابة وتابعين وأئمة: من أي وجهة شئتم، مقبلة ومدبرة وعلى جنب، و (أَنَّى) إنما تجيء سؤالاً أو إخباراً عن أمر له جهات، فهي أعم في اللغة من كيف ومن أين ومن حتى، هذا هو الاستعمال العربي، وقد فسر الناس (أَنَّى) في هذه الآية بهذه الألفاظ، وفسرها سيبويه بـ (كيف) (٢) ومن أين باجتماعهما، وذهبت فرقة ممن فسرها بأين إلى أن الوطء في الدبر جائز روي ذلك عن عبد الله بن عمر، وروي عنه خلافه وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به، ورويت الإباحة أيضاً عن ابن أبي مليكة ومحمد بن المنكدر، ... وروي عن مالك شيء في نحوه ... وقد كذب ذلك على مالك .... " (٣). ثم ذكر أحاديث في حرمة إتيان المرأة في دبرها ثم قال: "وهذا هو الحق المتبع، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن اتضح عنه-أي: النبي ﷺ -حرمة ذلك، والله المرشد لا رب غيره" (٤). قوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي "قدموا صالح الأعمال التي تكون لكم ذخرا في الآخرة" (٥). قال القرطبي: " أي قدموا ما ينفعكم غدا" (٦). وقد اختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (٧): ١ - عن السدي: أما قوله: " وقدموا لأنفسكم "، فالخيرَ" (٨). ٢ - وعن ابن عباس: " وقدموا لأنفسكم "، قال: يقول: " بسم الله "، التسمية عند الجماع" (٩). قاله"ابن عباس وعطاء" (١٠) وابن كثير (١١). وقد ثبت في صحيح البخاري، عن ابن عباس قال: "قال رسول الله ﷺ : "لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جَنِّبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا" (١٢). ٣ - وقيل ابتغاء الولد والنسل، لأن الولد خير الدنيا والآخرة، فقد يكون شفيعا وجنة. ٤ - . وقيل: هو التزوج بالعفائف، ليكون الولد صالحا طاهرا.

стр. 1685

٥ - وقيل: هو تقدم الإفراط، كما قال النبي ﷺ : "من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم" الحديث. والقول الأول هو الراجح، إذ أن قوله تعالى ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾: " أمرٌ من الله تعالى ذكره عبادَه بتقديم الخير والصالح من الأعمال ليوم معادهم إلى ربهم، عُدّةً منهم ذلك لأنفسهم عند لقائه في موقف الحساب، فإنه قال تعالى ذكره: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١١٠ \ وسورة المزمل: ٢٠] " (١). والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي: اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه. قال ابن عثيمين: " لما أمرنا بالتقديم لأنفسنا بالأعمال الصالحة أمرنا بالتقوى - وهي فعل أوامره -، واجتناب نواهيه" (٢). قال القرطبي: "أي فهو مجازيكم على البر والإثم. وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب يقول: " إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا" - ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ (٣). أخرجه مسلم بمعناه" (٤). قال القاسمي: " فلا تجترئوا على المعاصي" (٥). قال الصابوني: " أي خافوا الله باجتناب معاصيه، وأيقنوا بأن مصيركم إليه فيجازيكم بأعمالكم" (٦). قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي: "صائرون إليه فيجزيكم بأعمالكم" (٧). قال القاسمي: " صائرون إليه فاستعدوا للقائه" (٨). قال ابن عثيمين: " أي في يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ .... ﴾ [الانشقاق: ٦ - ٧]، الآيات" (٩). قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي "بشرهم بالفوز العظيم في جنات النعيم" (١٠) قال القاسمي: " بالثواب. وإنما حذف لكونه كالمعلوم، فصار كقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ [الأحزاب: ٤٧] " (١١). قال القرطبي: " تأنيس لفاعل البر ومبتغي سنن الهدى" (١٢). قال ابن عثيمين: " أي أخبرهم بما يسرهم؛ و «المؤمن» هنا يتضمن المسلم؛ وعلى هذا فلا بد مع الإيمان من عمل صالح" (١٣).
следующие страницы →