← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

واختار هذا القول ابن حجر، إذ يقول: " فمن الأحاديث الصالحة الإِسناد (١) حديث خزيمة بن ثابت (٢) أخرجه أحمد (٣) والنسائي (٤) وابن ماجة (٥)، وصححه ابن حبان (٦)، وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٧) والترمذي (٨)، وصححه ابن حبان (٩) أيضاً، وحديث ابن عباس، وقد تقدمت الإِشارة إليه (١٠)، وأخرجه الترمذي (١١) من وجه آخر بلفظ: "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في الدبر"، وصححه ابن حبان (١٢) أيضاً، وإذا كان ذلك

стр. 1682

صلح أن يخصص عموم الآية، ويحمل على الإِتيان في غير هذا المحل بناء على أن معنى ﴿أَنَّى﴾ (حيث)، وهو المتبادر إلى السياق، ويغني ذلك عن حملها على معنى آخر غير المتبادر (١)، والله أعلم" (٢). وقال الطبري: قوله ﴿أنى شئتم﴾، يعني: "من أيّ وجه شئتم، وذلك أن (أنَّى) في كلام العرب كلمة تدلّ إذا ابتدئ بها في الكلام على المسألة عن الوجوه والمذاهب، وقد فرَّقت الشعراء بين ذلك في أشعارها، فقال الكميت بن زيد (٣): تَذَكَّر مِنْ أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ شُرْبَهُ ... يُؤَامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الأبِلْ وقال أيضًا (٤): أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ - آبَكَ - الطَّرَبُ ... مِنْ حَيْثُ لا صَبْوَةٌ وَلا رِيَبُ فيجاء بـ " أنى " للمسألة عن الوجه، وبـ " أين " للمسألة عن المكان، فكأنه قال: من أيّ وجه، ومن أي موضع راجعك الطرب؟ قال الطبري: " والذي يدل على فساد قول من تأول قول الله تعالى ذكره: " فأتوا حرثكم أنى شئتم "، كيف شئتم - أو تأوله بمعنى: حيث شئتم أو بمعنى: متى شئتم أو بمعنى: أين شئتم أن قائلا لو قال لآخر: " أنى تأتي أهلك؟ "، لكان الجواب أن يقول: " من قُبُلها، أو: من دُبُرها "، كما أخبر الله تعالى ذكره عن مريم إذْ سئلت: (أَنَّى لَكِ هَذَا) أنها قالت: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، وإذ كان ذلك هو الجواب، فمعلومٌ أن معنى قول الله تعالى ذكره: " فأتوا حرثكم أنى شئتم "، إنما هو: فأتوا حرثكم من حيثُ شئتم من وجوه المأتى - وأنّ ما عدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل، وإذ كان ذلك هو الصحيح، فبيِّنٌ خطأ قول من زعم أن قوله: " فأتوا حرثكم أنى شئتم "، دليلٌ على إباحة إتيان النساء في الأدبار، لأن الدُّبر لا مُحْتَرَثَ فيه، وإنما قال تعالى ذكره: ﴿حرث لكم﴾، فأتوا الحرث من أيّ وجوهه شئتم. وأيُّ مُحْتَرَث في الدُبر فيقال: ائته من وجهه؟ وبيِّنٌ بما بينا، صحةُ معنى ما روي عن جابر وابن عباس: من أن هذه الآية نزلت فيما كانت اليهود تقوله للمسلمين: " إذا أتَى الرجلُ المرأةَ من دُبرها في قُبُلها، جاء الولد أحول"" (٥).

стр. 1683

وقال القرطبي: " هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث، أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة، فأما الإتيان في غير المأتى فما كان مباحا، ولا يباح! وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرم" (١). قلت: الأولى حمل كلام من قال بأن ﴿أَنَّى﴾ في الآية بمعنى (حيث) أو (أين) على ذلك، لثبوت النهي عن إتيان النساء في أدبارهن عن النبي ﷺ (٢)، ولأنه لو صح جواز إتيان النساء في أدبارهن عن النبي

стр. 1684

صلى الله عليه وسلم لما أمر الله باعتزال النساء في المحيض لأنه إذا انشغل القبل بالحيض جاز إتيانهن في الدبر، ومما يدل على حرمة ذلك أيضاً سبب النزول الذي سبق ذكره من حديث عمر وفيه: أن النبي ﷺ ، قال له بعد نزول الآية: "أقبل وأدبر واتقِ الدبر والحيضة" (١). كما يدل على حرمة ذلك قوله- : ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فإن كلمة (حَرْثَ) تدل على أن الإباحة لم تقع إلا في موضع الحرث فقط، وهو مزرع الذرية. يقول ابن عطية في كلام له نفيس ما نصه: "وقوله: ﴿أَنَّى شِئْتُم﴾ معناه عند جمهور العلماء من صحابة وتابعين وأئمة: من أي وجهة شئتم، مقبلة ومدبرة وعلى جنب، و (أَنَّى) إنما تجيء سؤالاً أو إخباراً عن أمر له جهات، فهي أعم في اللغة من كيف ومن أين ومن حتى، هذا هو الاستعمال العربي، وقد فسر الناس (أَنَّى) في هذه الآية بهذه الألفاظ، وفسرها سيبويه بـ (كيف) (٢) ومن أين باجتماعهما، وذهبت فرقة ممن فسرها بأين إلى أن الوطء في الدبر جائز روي ذلك عن عبد الله بن عمر، وروي عنه خلافه وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به، ورويت الإباحة أيضاً عن ابن أبي مليكة ومحمد بن المنكدر، ... وروي عن مالك شيء في نحوه ... وقد كذب ذلك على مالك .... " (٣). ثم ذكر أحاديث في حرمة إتيان المرأة في دبرها ثم قال: "وهذا هو الحق المتبع، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن اتضح عنه-أي: النبي ﷺ -حرمة ذلك، والله المرشد لا رب غيره" (٤). قوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي "قدموا صالح الأعمال التي تكون لكم ذخرا في الآخرة" (٥). قال القرطبي: " أي قدموا ما ينفعكم غدا" (٦). وقد اختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (٧): ١ - عن السدي: أما قوله: " وقدموا لأنفسكم "، فالخيرَ" (٨). ٢ - وعن ابن عباس: " وقدموا لأنفسكم "، قال: يقول: " بسم الله "، التسمية عند الجماع" (٩). قاله"ابن عباس وعطاء" (١٠) وابن كثير (١١). وقد ثبت في صحيح البخاري، عن ابن عباس قال: "قال رسول الله ﷺ : "لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جَنِّبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا" (١٢). ٣ - وقيل ابتغاء الولد والنسل، لأن الولد خير الدنيا والآخرة، فقد يكون شفيعا وجنة. ٤ - . وقيل: هو التزوج بالعفائف، ليكون الولد صالحا طاهرا.

стр. 1685

٥ - وقيل: هو تقدم الإفراط، كما قال النبي ﷺ : "من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم" الحديث. والقول الأول هو الراجح، إذ أن قوله تعالى ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾: " أمرٌ من الله تعالى ذكره عبادَه بتقديم الخير والصالح من الأعمال ليوم معادهم إلى ربهم، عُدّةً منهم ذلك لأنفسهم عند لقائه في موقف الحساب، فإنه قال تعالى ذكره: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١١٠ \ وسورة المزمل: ٢٠] " (١). والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي: اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه. قال ابن عثيمين: " لما أمرنا بالتقديم لأنفسنا بالأعمال الصالحة أمرنا بالتقوى - وهي فعل أوامره -، واجتناب نواهيه" (٢). قال القرطبي: "أي فهو مجازيكم على البر والإثم. وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب يقول: " إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا" - ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ (٣). أخرجه مسلم بمعناه" (٤). قال القاسمي: " فلا تجترئوا على المعاصي" (٥). قال الصابوني: " أي خافوا الله باجتناب معاصيه، وأيقنوا بأن مصيركم إليه فيجازيكم بأعمالكم" (٦). قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي: "صائرون إليه فيجزيكم بأعمالكم" (٧). قال القاسمي: " صائرون إليه فاستعدوا للقائه" (٨). قال ابن عثيمين: " أي في يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ .... ﴾ [الانشقاق: ٦ - ٧]، الآيات" (٩). قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي "بشرهم بالفوز العظيم في جنات النعيم" (١٠) قال القاسمي: " بالثواب. وإنما حذف لكونه كالمعلوم، فصار كقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ [الأحزاب: ٤٧] " (١١). قال القرطبي: " تأنيس لفاعل البر ومبتغي سنن الهدى" (١٢). قال ابن عثيمين: " أي أخبرهم بما يسرهم؛ و «المؤمن» هنا يتضمن المسلم؛ وعلى هذا فلا بد مع الإيمان من عمل صالح" (١٣).

стр. 1686

قال الطبري: " وهذا تحذيرٌ من الله تعالى ذكره عبادَه: أن يأتوا شيئًا مما نهاهم عنه من معاصيه وتخويفٌ لهم عقابَه عند لقائه، كما قد بيَّنا قبل وأمرٌ لنبيه محمد ﷺ أن يبشر من عباده، بالفوز يوم القيامة وبكرامة الآخرة وبالخلود في الجنة، من كان منهم محسنًا مؤمنًا بكتبه ورسله، وبلقائه، مصدِّقًا إيمانَه قولا بعمله ما أمره به ربُّه، وافترض عليه من فرائضه فيما ألزمه من حقوقه، وبتجنُّبه ما أمره بتجنُّبه من معاصيه" (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن النساء حرث للرجال؛ بمعنى موضع زراعة. ٢ - ومنها: أن الرجل حرٌّ في الحرث: إن شاء فعل؛ وإن شاء لم يفعل؛ لكن عليه أن يعاشر زوجته بالمعروف في كل ما يعاملها به؛ لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ٣ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يحاول كثرة النسل؛ لقوله تعالى: ﴿حرث لكم﴾؛ وإذا كانت حرثاً فهل الإنسان عندما يحرث أرضاً يقلل من الزرع، أو يكثر من الزرع؟ فالجواب: الإنسان عندما يحرث أرضاً يكثر من الزرع؛ ويؤيد هذا قول النبي ﷺ : «تزوجوا الودود الولود» (٢)؛ وأما القول بتحديد النسل فهذا لا شك أنه من دسائس أعداء المسلمين يريدون من المسلمين ألا يكثروا؛ لأنهم إذا كثروا أرعبوهم، واستغنوا بأنفسهم عنهم: حرثوا الأرض، وشغَّلوا التجارة، وحصل بذلك ارتفاع للاقتصاد، وغير ذلك من المصالح؛ فإذا بقوا مستحسرين قليلين صاروا أذلة، وصاروا محتاجين لغيرهم في كل شيء؛ ثم هل الأمر بيد الإنسان في بقاء النسل الذي حدده؟ ! فقد يموت هؤلاء المحدَّدون؛ فلا يبقى للإنسان نسل. ٤ - ومن فوائد الآية: جواز إتيان المرأة في محل الحرث من أيّ جهة؛ قوله تعالى: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾. ٥ - ومنها: مشروعية أن ينوي الإنسان بجماعه الولد؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوا حرثكم﴾؛ فجعل الإتيان للحرث؛ فكأنه أشار إلى أنه ينبغي للإنسان أن يأتي المرأة من أجل طلب الولد؛ وقد ذكروا عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه ما جامع إلا بقصد الولد؛ وعلى كل حال الناس مختلفون في هذا؛ ولا مانع من أن الإنسان يريد بذلك الولد، ويريد بذلك قضاء الوطر. ٦ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يحافظ على هذه المرأة التي أضيفت له، وسميت حرثاً له كما يحافظ على حرث أرضه. ٧ - ومنها: أنه يشرع للمرء أن يقدم لنفسه عند الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾؛ وسبق معنى قوله تعالى: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾. ٨ - ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾. ٩ - ومنها: وجوب معاملة الأهل حسب ما شرع الله؛ لأن ذلك من تقوى الله؛ ولقوله تعالى: ﴿من حيث أمركم الله﴾. ١٠ - ومنها: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أنكم ملاقوه﴾. ١١ - ومنها: إثبات رؤية الله؛ لقوله تعالى: ﴿ملاقوه﴾؛ والملاقاة في الأصل المقابلة مع عدم الحاجب.

стр. 1687

١٢ - ومنها: تهديد الإنسان من المخالفة؛ لأنه لما أمر بالتقوى قال تعالى: ﴿واعلموا أنكم ملاقوه﴾. ١٣ - ومنها: أن من البلاغة إذا أخبرت إنساناً بأمر هام أن تقدم بين يدي الخبر ما يقتضي انتباهه؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا﴾؛ وهذا مما يزيد الإنسان انتباهاً وتحسباً لهذه الملاقاة. ١٤ - ومنها: أن المؤمنين ناجون عند ملاقاة الله؛ لقوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾. ١٥ - ومنها: أن البشارة للمؤمنين مطلقة، حيث قال تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾. ١٦ - ومنها: أن البشارة للمؤمنين في الدنيا، وفي الآخرة؛ ووجهه: عدم التقييد؛ وقد قال الله في آية أخرى: ﴿لهم البشرى في الحياة وفي الآخرة﴾ [يونس: ٦٤]؛ وسئل النبي ﷺ عنها فقال: «الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له» (١). ١٧ - ومنها: تحذير غير المؤمنين من هذه الملاقاة؛ لقوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾؛ فدل ذلك على أن غير المؤمنين لا بشرى لهم. ١٨ - ومنها: فضيلة الإيمان؛ لأن الله علق البشارة عليه؛ فقال تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾. القرآن ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾ [البقرة: ٢٢٤] التفسير: ولا تجعلوا -أيها المسلمون- حلفكم بالله مانعًا لكم من البر وصلة الرحم والتقوى والإصلاح بين الناس: بأن تُدْعَوا إلى فعل شيء منها، فتحتجوا بأنكم أقسمتم بالله ألا تفعلوه، بل على الحالف أن يعدل عن حلفه، ويفعل أعمال البر، ويكفر عن يمينه، ولا يعتاد ذلك. والله سميع لأقوالكم، عليم بجميع أحوالكم. اختلف في سبب نزول الآية على أقوال (٢): أحدها: قال الكلبي: "نزلت في عبد الله بن رواحة ينهاه عن قطيعة ختنه بشير بن النعمان، وذلك أن ابن رواحة حلف أن لا يدخل عليه أبدا، ولا يكلمه، ولا يصلح بينه وبين امرأته ويقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، ولا يحل لي إلا أن أبر في يميني، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ الآية" (٣). والثاني: وقال سعيد بن المسيب: "كان الإيلاء من ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها أبدا، وكان يتركها كذلك لا أيما ولا ذات بعل، فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر وأنزل الله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ الآية" (٤). والثالث: قال مقاتل بن سليمان: " نزلت في أبي بكر الصديق- ﵁ وفي ابنه عبد الرحمن. حلف أبو بكر- ﵁ ألا يصله حتى يسلم. وذلك أن الرجل كان إذا حلف قال: لا يحل إلا إبرار القسم. فأنزل الله- ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾، يقول: لا يحلف على ما هو في معصية" (٥). والرابع: ةقال ابن جريج: " نزلت في أبي بكر، في شأن مِسْطَح" (٦).

стр. 1688

وذلك" حين حلف أن لا ينفق على مسطح حين خاض مع أهل الإفك" (١). والخامس: قال ابن عباس: " كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله، فنهى الله عن ذلك فقال: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا﴾ " (٢). والسادس: قال الربيع: " ذلك في الرجل يحلف أن لا يبر، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس. فأمره الله أن يدع يمينه، ويصل رحمه، ويأمر بالمعروف، ويصلح بين الناس" (٣). قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾، أي: ولا تجعلوا الحلف بالله "حاجزاً لما حلفتم عليه" (٤). قال الصابوني: " أي لا تجعلوا الحلف بالله، سبباً مانعاً عن فعل الخير" (٥). قال الزمخشري: أي: " ولا تعرضوا اسم الله تعالى للأيمان به، ولا تكثروا من الأيمان فإن الحنث مع الإكثار، وفيه قلة رعي لحق الله تعالى" (٦). قال ابن عثيمين: " أي لا تصيروا الحلف بالله معترضاً بينكم، وبين ما حلفتم عليه" (٧). قال القرطبي: " المعنى: لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم، وعدة في الامتناع من البر" (٨). قال البغوي: لاتجعلوا "الحلف بالله سببا مانعا لكم من البر والتقوى، يدعى أحدكم إلى صلة رحم أو بر فيقول حلفت بالله أن لا أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البر" (٩). قال ابن حجر: " والمراد: لا تجعل اليمين الذي حلفت أن لا تفعل خيراً-سواء كان ذلك من عمل أو (١٠) ترك سبباً يعتذر به عن الرجوع عما حلفت عليه خشية من الإثم المرتب على الحنث؛ لأنه لو كان إثماً حقيقة لكان عمل ذلك الخير رافعاً له بالكفارة المشروعة، ثم يبقى ثواب البر زائداً على ذلك (١١). والـ (عُرْضَةً) في اللغة جاءت على معان عدة (١٢): أحدها: العرضة النصبة، يقال جعلت فلانا عرضة لكذا، أي نصبة. قاله الجوهري. والثاني: أن العرضة من الشدة والقوة، ومنه قولهم للمرأة عرضة للنكاح إذا صلحت له وقويت عليه، ولفلان عرضة أي قوة، ومنه قول كعب بن زهير في صفة نوق (١٣): مِنْ كُلِّ نَضَّاحةِ الذِّفْرَى إذَا عَرِقَتْ ... عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأَعْلامِ مَجْهُولُ

стр. 1689

يعني بـ (عرضتها): قوتها وشدتها (١). وقال عبدالله بن الزَّبير (٢): فهذِي لأَيّامِ الحُرُوبِ وَهَذِه ... للَهْوِي وهذِي عُرْضَةٌ لارْتِحالِنا ومثله قول أوس بن حجر (٣): وأدماء مثل العجل يوما عرضتها ... لرحلى وفيها جرأة وتقاذف قال الطبري: " (العُرْضة)، في كلام العرب، القوة والشدة. يقال منه: " هذا الأمر عُرْضة لك " يعني بذلك: قوة لك على أسبابك، ويقال: " فلانة عُرْضة للنكاح"، أي قوة (٤). والثالث: أن (العرضة): الهمة، ومنه قول حسان (٥): وقال الله قد يسرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء أي همتها ويقال فلان عرضة للناس لا يزالون يقعون فيه. والرابع: أن (العرضة): أي الحاجز والمانع للشيء. قال الزمخشري: " ما تعرضه دون الشيء من عرض العود على الإناء فيعترض دونه ويصير حاجزاً ومانعاً منه. تقول: فلان عرضة دون الخير" (٦). قال البغوي: " والعرضة: أصلها الشدة والقوة ومنه قيل للدابة التي تتخذ للسفر عرضة، لقوتها عليه، ثم قيل لكل ما يصلح لشيء هو عرضة له حتى قالوا للمرأة هي عرضة النكاح إذا صلحت له والعرضة كل ما يعترض فيمنع عن الشيء" (٧). والخامس: أن (العرضة) أيضاً: المعرض للأمر (٨). قال الشاعر (٩): دَعُونِي أَنُحْ مِنْ قَبْلِ نَوْحِ الْحَمَائِمِ ... ولَا تَجْعَلُونِى عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ يريد: اتركوني أنح من الشوق ولا تجعلوني معرضا للوم اللوائم (١٠). و(اليمين): "أصله العضو، واستعير للحلف لما جرت به العادة في تصافح المتعاقدين، وعلى هذا قال الشاعر (١١): قلتُ كَفِّي لكِ رَهْنٌ بالرضى ... وازعُمي يا هندُ قالتْ قد وَجَبْ فوضع الكف: موضع اليمين" (١٢).

стр. 1690

قال الزمخشري: " وسمى المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين، كما قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" (١)، أى على شيء مما يحلف عليه" (٢). وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، على وجوه: (٣): أحدها: ولا تجعلوه عِلَّة لأيمانكم، وذلك إذا سئل أحدكم الشيء من الخير والإصلاح بين الناس قال: (عليّ يمين بالله ألا أفعل ذلك) أو (قد حلفت بالله أن لا أفعله)، فيعتلّ في تركه فعل الخير والإصلاح بين الناس بالحلف بالله. وهذا قول طاوس (٤)، وابن عباس (٥)، وقتادة (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وعطاء (٨)، والضحاك (٩)، والسدي (١٠)، وإبرهيم (١١). وهذا قول جمهور أهل التفسير (١٢). وهذا على أن معنى ﴿عُرْضَةً﴾ أي: علة يتعلل بها في بره، من عَرَض العودَ على الإناء إذا صيره حاجزاً له ومانعاً منه، والمعنى نهيهم عن أن يحلفوا بالله على أنهم لا يبرون ولا يتقون، ويقولون: لا نقدر أن نفعل ذلك لأجل حلفنا، ويحتمل أن تكون ﴿عُرضَةً﴾ بمعنى القوة من قولهم: جمل عرضة للسفر، أي: قوي عليه، والمعنى: لا تجعلوا اليمين باسمه تعالى قوة لأنفسكم في الامتناع عن البر. الثاني: أن المعنى: ولا تعترضوا بالحلف بالله في كلامكم فيما بينكم، فتجعلوا ذلك حجة لأنفسكم في ترك فعل الخير. قاله ابن عباس (١٣)، وإبراهيم (١٤)، ومجاهد (١٥)، والربيع (١٦)، وعائشة (١٧)، وابن جريج (١٨)، ومكحول (١٩).

стр. 1691

الثالث: أن المراد من الآية: النهي عن الجرأة على الله بكثرة الحلف به؛ لأن مَن أكثر من ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له ولذا قال الله- : ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقال سبحانه ذاماً مَنْ أكثر مِن اليمين ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]، والعرب تمتدح بقلة الأيمان، حتى قال قائلهم (١): قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن صدرت منه الألية برت قال القرطبي: " وعلى هذا" أن تبروا" معناه: أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فإن الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى، وهذا تأويل حسن" (٢). وقال مالك بن أنس: "بلغني أنه الحلف بالله في كل شيء" (٣). والرابع: أن المراد: النهي عن أن يحلف الرجل بالله ليفعلن الخير والبر، فيقصد في قيامه بفعل الخير البرُ في يمينه وعدم الحنث فيها لا الرغبة في القيام بالبر والمسابقة في الخيرات، وعرضة هنا بمعنى مفعول من العرض أيضاً. والخامس: وقيل: المعنى لا تجعلوا اليمين مبتذلة في كل حق وباطل (٤). والسادس: وقيل: أن المعنى: لا تحلفوا بالله كاذبين لتتقوا المخلوقين وتبروهم وتصلحوا بينهم بالكذب، روى هذا المعنى عطية عن ابن عباس، و ﴿عرضة﴾ أيضاً هنا بمعنى مفعول من العرض أيضاً (٥). والصواب أن "معنى ذلك: لا تجعلوا الحلف بالله حجة لكم في ترك فعل الخير فيما بينكم وبينَ الله وبين الناس، وهذا اختيار جمهور أهل التفسير. والله تعالى أعلم. كما أن الأقوال السابقة محتملة جميعا، ولكن القول الأول أظهرها؛ إذ يشهد له ويقويه قوله ﷺ ، لعبد الرحمن ابن سمرة-: "والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" (٦). وقوله ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأتها وليكفر عن يمينه" (٧). وقوله ﷺ : " من حلف على يمين ثم رأى أتقى لله منها فليأت التقوى" (٨) وغيرها. كما يدل عليه سبب النزول على اختلاف فيه وضعف (٩).

стр. 1692

وترك ذكر (لا) من الكلام، لدلالة الكلام عليها، واكتفاءً بما ذُكر عما تُرِك، كما قال أمرؤ القيس (١): فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا ... وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيكَ وَأَوْصَالِي بمعنى: فقلت: يمين الله لا أبرح، فحذف " لا "، اكتفاء بدلالة الكلام عليها (٢). واختلف في تعلق (اللام) في قوله ﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، على ثلاثة أوجه (٣): أحدها: أنها متعلقة بالفعل، أى ولا تجعلوا اللَّه لأيمانكم برزخاً وحجازاً. قاله الزمخشري (٤). والثاني: أنها متعلقة بقوله: ﴿عُرْضَةً﴾، لما فيها من معنى الاعتراض، بمعنى لا تجعلوه شيئا يعترض البر، من اعترضني كذا. والثالث: أنها للتعليل (٥). قوله تعالى ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، " أى إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا" (٦). قال الزمخشري: " لأن الحلاف مجترئ على اللَّه، غير معظم له، فلا يكون براً متقياً، ولا يثق به الناس فلا يدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم" (٧). قال البيضاوي: "علة للنهي، أي: أنهاكم عنه إرادة بركم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس، فإن الحلّاف مجترئ على الله تعالى، والمجترئ عليه لا يكون براً متقياً ولا موثوقاً به في إصلاح ذات البين" (٨). قال الصابوني: " أي: لا تجعلوه تعالى سببا مانعا عن البر والتقوى والإصلاح بين الناس" (٩). قال القرطبي: " معناه: أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فان الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى، وهذا تأويل حسن" (١٠). قال الشوكاني: " أي لا تجعلوا الله مانعا للأيمان التي هي بركم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس" (١١). و(الإصلاح) بين الناس: أي: "الإصلاح بينهم بالمعروف فيما لا مَأثَم فيه، وفيما يحبه الله دون ما يكرهه" (١٢). قال ابن عثيمين: " فـ (البر) فعل الخيرات؛ و (التقوى) هنا اجتناب الشرور؛ و (الإصلاح بين الناس) التوفيق بين المتنازعين حتى يلتئم بعضهم إلى بعض، ويزول ما في أنفسهم" (١٣).

стр. 1693

وقد اختلف أهل العلم في تفسير ﴿البر﴾ الذي عناه الله تعالى في الآية على قولين (١): أحدهما: أنه فعل الخير كله. والثاني: أنه البر بذي رحمه. والراجح هو القول الأول، وذلك " أن أفعال الخير كلها من (البر)، ولم يخصص الله في قوله: ﴿أن تبرُّوا﴾ معنى دون معنى من معاني (البر)، فهو على عمومه، والبر بذوي القرابة أحد معاني (البر) " (٢). والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة: ٢٢٤]، أي " أن تتقوا ربكم فتحذروه وتحذروا عقابه في فرائضه وحدوده أن تضيعوها أو تتعدَّوْها" (٣). قال ابن عباس: " كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله، فنهى الله عن ذلك فقال: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس " الآية. قال: ويقال: لا يتق بعضكم بعضًا بي، تحلفون بي وأنتم كاذبون، ليصدقكم الناس وتصلحون بينهم، فذلك قوله: " أن تبروا وتتقوا "، الآية" (٤). واختلف في اعراب موضع ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤]، على ثلاثة أوجه: الوجه الاول: موضع ﴿أن﴾ النصب، ويكون على ثلاث تقديرات: الأول: (في أن تبرّوا) ثم حذف (في) فتعدّى الفعل. قاله الزجاج (٥)، والنحاس (٦). والثاني: (كراهية أن تبروا)، ثم حذفت، ذكره النحاس (٧) والمهدوي (٨). والثالث: (لئلا تبرّوا). ذكره النحاس (٩). الوجه الثاني: الخفض، وذلك على قول الخليل والكسائي، التقدير: في أن تبروا، فأضمرت (في) وخفضت بها. ذكره النحاس (١٠). والثالث: الرفع بالابتداء وحذفت الخبر. والتقدير أن تبرّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس أولى أو أمثل مثل طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد: ٢١]. ذكره النحاس (١١). قال الزجاج: " والنصب في (أن) في هذا الموضع، هو الاختيار عند جميع النحويين" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، " أي والله سميع لأقوالكم عليم بأحوالكم" (١٣). قال البيضاوي: " ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لأيمانكم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم" (١٤). قال القرطبي: ﴿سميع﴾ أي لأقوال العباد، ﴿عليم﴾ بنياتهم" (١٥).

стр. 1694

قال الشوكاني: أي " ﴿سميع﴾ لأقوال العباد، ﴿عليم﴾ بما يصدر منهم" (١). قال الطبري: " ﴿والله سميع﴾، لما يقوله الحالفُ منكم بالله إذا حلف فقال: والله لا أبر ولا أتقي ولا أصلح بين الناس، ولغير ذلك من قيلكم وأيمانكم، ﴿عليم﴾ بما تقصدون وتبتغون بحلفكم ذلك، الخير تريدون أم غيره؟ لأني علام الغيوب وما تضمره الصدور، لا تخفى عليّ خافية، ولا ينكتم عني أمر عَلَن فطهر، أو خَفي فبَطَن، وهذا من الله تعالى ذكره تهدُّد ووعيدٌ. يقول تعالى ذكره: واتقون أيها الناس أن تظهروا بألسنتكم من القول، أو بأبدانكم من الفعل، ما نهيتكم عنه - أو تضمروا في أنفسكم وتعزموا بقلوبكم من الإرادات والنيات بفعل ما زجرتكم عنه، فتستحقوا بذلك مني العقوبة التي قد عرَّفتكموها، فإنّي مطَّلع على جميع ما تعلنونه أو تُسرُّونه" (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: نهي الإنسان عن جعل اليمين مانعة له من فعل البر، والتقوى، والإصلاح بين الناس؛ والنهي للتحريم إذا كانت مانعة له من واجب؛ وقد صح عن النبي ﷺ قوله: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير» (٣). ٢ - ومنها: الحث على البر، والتقوى، والإصلاح بين الناس؛ وجهه: أنه إذا كان الله نهانا أن نجعل اليمين مانعاً من فعل البر فما بالك إذا لم يكن هناك يمين. ٣ - ومنها: فضيلة الإصلاح بين الناس؛ لقوله تعالى: ﴿وتصلحوا بين الناس﴾؛ فنص عليه مع أنه من البر؛ والتنصيص على الشيء بعد التعميم يدل على العناية به، والاهتمام به؛ ولا ريب أن الإصلاح بين الناس من الأمور الهامة لما فيه من رأب الصدع، ولمّ الشعث، وجمع الشمل؛ وهذا خلاف من يفعلون ما يوجب القطيعة بين الناس، مثل النميمة - فهي توجب القطيعة بين الناس -؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «لا يدخل الجنة نمام» (٤). ٤ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «السميع» و «العليم»؛ وما تضمناه من صفة، وما تضمناه من حكم، وأثر. ٥ - ومنها: تحذير الإنسان من المخالفة؛ وجهه: أنه إذا كان الله سميعاً عليماً فإياك أن تخالف ما أمرك به؛ فإنك إن خالفته بما يُسمَع سَمِعك؛ وبما يُعلَم عَلِمك؛ فاحذر الله . القرآن ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ [البقرة: ٢٢٥] التفسير: لا يعاقبكم الله بسبب أيمانكم التي تحلفونها بغير قصد، ولكن يعاقبكم بما قصدَتْه قلوبكم، والله غفور لمن تاب إليه، حليم بمن عصاه حيث لم يعاجله بالعقوبة. قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، أي: "لا يعاقبكم الله ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية" (٥).

стр. 1695

قال القاسمي: " أي: لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية - إذا لم تقصدوا هتك حرمته - وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا قصد إليها" (١). قال ابن عباس: " هي: بلى والله، ولا والله" (٢). قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : هو قول الرجل في بيته: " كلا والله " و " بلى والله " (٣). و(اللغو): معناه في اللغة: "الكلام الذي لا فائدة فيه ولا يعتد به" (٤). قال الراغب: " اللغو: المطروح الذي لا يفيد من الكلام، يقال: ألغى في كلامه، ولغاً، وقد يقال في غيره تشبيهاً، كقول الشاعر (٥): كما أَلْغَيْتْ في الديةِ الحُوَارا ويكني باللغو عن القبيح من الكلام، وأصله من لغي العصافير" (٦). قال البغوي: " اللغو كل مطرح من الكلام لا يعتد به" (٧). قال الطبري: ": و (اللغو) من الكلام في كلام العرب، كلّ كلام كان مذمومًا وسَقَطًا لا معنى له مهجورًا، يقال منه: " لغا فلان في كلامه يلغُو لَغْوًا " إذا قال قبيحًا من الكلام، ومنه قول الله تعالى ذكره: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) [سورة القصص: ٥٥]، وقوله: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) [سورة الفرقان: ٧٢]. ومسموع من العرب: " لَغَيْتُ باسم فلان "، بمعنى أولعت بذكره بالقبيح. فمن قال: " لَغَيْت "، قال: " ألْغَى لَغًا "، وهي لغة لبعض العرب، ومنه قول الراجز (٨): وَرَبِّ أَسْرَابِ حَجيجٍ كُظَّم ... عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ " (٩)

стр. 1696

قال ابن عثيمين: (اللغو) في اللغة الشيء الساقط؛ والمراد به هنا اليمين التي لا يقصدها الحالف، كقول: (لا واللَّهِ)؛ (بلى والله) في عرض حديثه؛ ويبين ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩] أي نويتم عقده؛ و (الأيمان) جمع يمين؛ وهو القسم؛ والقسم: تأكيد الشيء بذكر معظَّم بصيغة مخصوصة - هي الواو، والباء، والتاء -؛ مثل: (والله)، و (بالله)، و (تالله) " (١). وقد اختلف العلماء في اليمين التي هي لغو، على أقوال (٢): أحدها: أن المعنى: لا يؤاخذكم بما جرى على لسانكم من ذكر اسم الله، من غير قصد الحلف، كقول أحدكم: بلى والله، ولا والله، لا يقصد به اليمين. وهذا قول عائشة (٣)، وابن عباس (٤)، الشعبي (٥)، وعامر (٦)، وأبو قلابة (٧)، وأبو صالح (٨)، وعطاء (٩)، وعكرمة (١٠)، ومجاهد (١١). قال المروزي: "لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها" (١٢). والثاني: أن اللغو: ما يحلف به على الظن، فيكون بخلافه، وهذا قول أبي هريرة (١٣)، وابن عباس (١٤)، ومجاهد (١٥)، والسدي (١٦)، وقتادة (١٧)، والربيع (١٨)، وابن أبي طلحة (١٩)، ويحيى بن سعيد (٢٠)، وسليمان بن يسار (٢١)، والحسن (٢٢)، وإبراهيم (٢٣)، ومكحول (٢٤)، وأبي مالك (٢٥)، وزياد (٢٦)، وعامر (٢٧)، وزرارة بن أوفى (٢٨).

стр. 1697

والثالث: أن اللغو: من الأيمان التي يحلف بها صاحبها في حال الغضب، على غير عقد قلب ولا عزم، ولكن وُصْلةً للكلام. قاله ابن عباس (١)، وطاوس (٢). واحتجوا بقوله ﷺ : "لا يمين في غضب" (٣). والرابع: أن اللغو في اليمين: الحلفُ على فعل ما نهى الله عنه، وترك ما أمر الله بفعله. وهذا قول سعيد بن جبير (٤)، وابن عباس (٥)، وسعيد بن المسيب (٦)، وأبي بكر (٧)، وعروة بن الزبير (٨) ومسروق (٩)، والشعبي (١٠). واحتج هؤلاء بحديث رسول الله ﷺ : " من نذر فيما لا يملك فلا نذر له، ومن حلف على معصية لله فلا يمين له، ومن حلف على قطيعة رَحِمٍ فلا يمينَ له " (١١). وبما روي "عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : من حلف على يمينِ قطيعةِ رحم أو معصية لله، فبِرُّه أن يحنَث بها ويرجع عن يمينه" (١٢). والخامس: أن اللغو من الأيمان: كل يمين وصَل الرجل بها كلامه، على غير قصدٍ منه إيجابَها على نفسه. قاله إبراهيم (١٣)، ومجاهد (١٤)، وعائشة (١٥) في رواية عروة عنها. واستندوا بحديث الحسن بن أبي الحسن، قال: "مرَّ رسول الله ﷺ بقوم ينتضلون - يعني: يرمون - ومع النبي ﷺ رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله، وأخطأت! فقال الذي مع النبي ﷺ : حنث الرجل يا رسول الله! قال: كلا أيمان الرُّماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة" (١٦). والسادس: أن اللغو من الأيمان، ما كان من يمينٍ بمعنى الدعاء من الحالف على نفسه: إن لم يفعل كذا وكذا، أو بمعنى الشرك والكفر. وهذا قول زيد بن أسلم (١٧)، وابن زيد (١٨). والسابع: أن اللغو في الأيمان: ما كانت فيه كفارة. قاله ابن عباس (١٩)، والضحاك (٢٠). والثامن: أن اللغو من الأيمان: هو ما حنث فيه الحالف ناسيًا. قاله إبراهيم (٢١). والراجح-والله أعلم- أن الأيمان اللاغية، هي "التي يتكلم بها العبد، من غير قصد منه ولا كسب قلب، ولكنها جرت على لسانه كقول الرجل في عرض كلامه: "لا والله "و "بلى والله "وكحلفه على أمر ماض، يظن صدق نفسه، وإنما المؤاخذة على ما قصده القلب، وفي هذا دليل على اعتبار المقاصد في الأقوال، كما هي معتبرة في الأفعال" (٢٢). و(الأيْمان): "جمع يمين، واليمين الحلف، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه، ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا. وقيل: يمين فعيل من اليمن، وهو البركة، سماها الله تعالى بذلك لأنها تحفظ الحقوق. ويمين تذكر وتؤنث، وتجمع أيمان وأيمن، قال زهير: فتجمع أيمن منا ومنكم" (٢٣) قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، أي: ولكن يعاقبكم بما اقترفته قللوبكم بالقصد إليه وهي اليمين المعقودة (٢٤). قال الطبري: يعني "ما تعمدت" (٢٥). قال الزجاج: " أي بعزمكم على ألا تبروا وألا تتقوا، وأن تعتلوا في ذلك بأنكم قد حلفتم" (٢٦). قال الواحدي: " أي: عزمتم وقصدتم، لأن كسب القلب العقد والنية" (٢٧). قال الطبراني: " بما عزمتم وقصدتُم وتعمدتُم؛ لأن كَسْبَ القلب العقدُ والنيةُ" (٢٨). قال البغوي: " أي عزمتم وقصدتم إلى اليمين، وكسب القلب العقد والنية" (٢٩). قال القاسمي: " أي: تعمدته قلوبكم فاجتمع فيه، مع اللفظ، النية" (٣٠).

стр. 1698

قال الحافظ ابن حجر: أي: بما استقر فيها، والآية وإن وردت في الأيمان -بالفتح - فالاستدلال بها في الإِيمان - بالكسر - واضح للاشتراك في المعنى، إذ مدار الحقيقة فيهما على عمل القلب (١) (٢). قال الشنقيطي: " لم يصرح هنا بالمراد بما كسبته قلوبهم ولم يذكر هنا ما يترتب على ذلك إذا حنث ولكنه بين في سورة المائدة أن المراد بما كسبت القلوب هو عقد اليمين بالنية والقصد وبين أن اللازم في ذلك إذا حنث كفارة هي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة ومن عجز عن واحد من الثلاثة فصوم ثلاثة أيام وذلك في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] " (٣). وقد اختلف أهل التفسير في المعنى الذي أوعد الله تعالى بقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، عبادَه أنه مؤاخذهم به، وفي ذلك أقوال (٤): أحدها: أن المعنى الذي أوعد الله عبادَه مؤاخذتهم به: هو حلف الحالف منهم على كذب وباطل. قاله ابن عباس (٥)، وإبراهيم (٦)، ومجاهد (٧)، وعطاء (٨).

стр. 1699

قال الطبري: " والواجب على هذا التأويل أن يكون قوله تعالى ذكره: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾، في الآخرة بها بما شاء من العقوبات - وأن تكون الكفارة إنما تلزم الحالف في الأيمان التي هي لغو. وكذلك روي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أنه كان لا يرى الكفارة إلا في الأيمان التي تكون لغوًا، فأما ما كسبته القلوب وعقدت فيه على الإثم، فلم يكن يوجبُ فيه الكفارة. وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك فيما مضى قبل، وإذ كان ذلك تأويلَ الآية عندهم، فالواجب على مذهبهم أن يكون معنى الآية في سورة المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وبنحو ما ذكرناه عن ابن عباس من القول في ذلك، كان سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وجماعة أخر غيرهم يقولون، وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك آنفًا (١) " (٢). والثاني: أن المعنى الذي أوعد الله تعالى عبادَه المؤاخذةَ بهذه الآية، هو حلف الحالف على باطل يعلمه باطلا. وفي ذلك أوجب الله عندهم الكفارة، دون اللغو الذي يحلف به الحالف وهو مخطئ في حلفه، يحسب أن الذي حلف عليه كما حلف، وليس ذلك كذلك. وهذا قول قتادة (٣)، والربيع (٤)، وروي عن عطاء (٥)، والحكم (٦) نحو ذلك. قال الطبري: " وكأنَّ قائلي هذه المقالة، وجَّهوا تأويل مؤاخذة الله عبدَه على ما كسبه قلبه من الأيمان الفاجرة، إلى أنها مؤاخذةٌ منه له بها بإلزامه الكفارة فيه" (٧). والثالث: أن لذلك معنيان: أحدهما مؤاخذ به العبد في حال الدنيا بإلزام الله إياه الكفارةَ منه، والآخر منهما مؤاخذٌ به في الآخرة إلا أن يعفو. وهذا معنى قول السدي (٨). قال الطبري: " وكأنَّ قائل هذه المقالة، وجَّه تأويل قوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾، إلى غير ما وجَّه إليه تأويل قوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾، وجعل قوله: " بما كسبت قلوبكم "، الغموسَ من الأيمان التي يحلف بها الحالف على علم منه بأنه في حلفه بها مبطل - وقوله: ﴿بما عقدتم الأيمان﴾، اليمينَ التي يستأنف فيها الحِنث أو البرَّ، وهو في حال حلفه بها عازم على أن يبرَّ فيها" (٩). والرابع: أنه اعتقاد الشرك بالله والكفر. وهذا قول زيد بن اسلم (١٠)، وابن زيد (١١). والصواب: "إن الله تعالى ذكره أوعد عباده أن يؤاخذهم بما كسبت قلوبهم من الأيمان، فالذي تكسبه قلوبهم من الأيمان هو ما قصدته وعزمت عليه على علم ومعرفة منها بما تقصده وتريده، وذلك يكون منها على وجهين: أحدهما: على وجه العزم على ما يكون به العازم عليه في حال عزمه بالعزم عليه آثمًا، وبفعله مستحقًا المؤاخذةَ من الله عليها. وذلك كالحالف على الشيء الذي لم يفعله أنه قد فعله، وعلى الشيء الذي قد فعله أنه لم يفعله، قاصدًا قِيلَ الكذب، وذاكرًا أنه قد فعل ما حلف عليه أنه لم يفعله، أو أنه لم يفعل ما حلف عليه أنه

стр. 1700

قد فعل. فيكون الحالف بذلك - إن كان من أهل الإيمان بالله وبرسوله - في مشيئة الله يوم القيامة، إن شاء واخذه به في الآخرة، وإن شاء عفا عنه بتفضله، ولا كفارة عليه فيها في العاجل، لأنها ليست من الأيمان التي يحنث فيها. وإنما تجب الكفارة في الأيمان بالحنث فيها. والحالف الكاذب في يمينه، ليست يمينه مما يُتْبَدَأ فيه الحنث، فتلزم فيه الكفارة. والوجه الآخر منهما: على وجه العزم على إيجاب عقد اليمين في حال عزمه على ذلك. فذلك مما لا يؤاخذ به صاحبه حتى يحنث فيه بعد حلفه. فإذا حنِث فيه بعد حلفه، كان مؤاخذا بما كان اكتسبه قلبه - من الحلف بالله على إثم وكذِب - في العاجل بالكفارة التي جعلها الله كفارةً لذنبه" (١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، أي: والله " غفور لعباده، حليم عليهم" (٢). قال الصابوني: "أي واسع المغفرة لا يعاجل عبادة بالعقوبة" (٣). قال القرطبي: " صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة، إذ هو باب رفق وتوسعة" (٤). قال الشوكاني: " أي حيث لم يؤاخذكم بما تقولونه بألسنتكم من دون عمد وقصد وآخذكم بما تعمدته قلوبكم وتكلمت به ألسنتكم وتلك هي اليمين المعقودة المقصودة" (٥). قال الطبري: " ﴿والله غفورٌ﴾ لعباده فيما لَغَوْا من أيمانهم التي أخبر الله تعالى ذكره أنه لا يؤاخذهم بها، ولو شاء وَاخذهم بها ولما واخذهم به فكفَّروها في عاجل الدنيا بالتكفير فيه، ولو شاء واخذهم في آجل الآخرة بالعقوبة عليه، فساتر عليهم فيها، وصافح لهم بعفوه عن العقوبة فيها، وغير ذلك من ذنوبهم، ﴿حليمٌ﴾ في تركه معاجلة أهل معصيته العقوبةَ على معاصيهم" (٦). قال ابن عثيمين: " (الحليم): هو الذي يؤخر العقوبة عن مستحقها" (٧). قال الواحدي: " معنى الحلم في كلام العرب: الأناة والسكون، والعرب تقول: ضع الهودج على أحلم الجمال، أي: على أشدها تؤدة في السير. ومنه الحلم؛ لأنه يرى في حال السكون، وحلمة الثدي لأنها تحلم المرتضع، أي: تسكنه، والحلمة: القراد، مشبهة بحلمة الثدي، ومعنى الحليم في صفة الله: الذي لا يعجل بالعقوبة، بل يؤخر عقوبة الكافرين والعصاة" (٨). قال الراغب: " (الحلم): ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب، وجمعه أحلام، قال الله تعالى: ﴿أم تأمرهم أحلامهم﴾ [الطور: ٣٢] قيل معناه: عقولهم، وليس الحلم في الحقيقة هو العقل، لكن فسروه بذلك لكونه من مسببات العقل" (٩). قال السمين الحلبي: " (الحلم): أصله ضبط عن هيجان الغضب، وإذا ورد في صفات الله فمعناه: الذي لا يستفزه عصيان العصاة، ولا يستخفه الغضب عليهم" (١٠). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: عدم مؤاخذة العبد بما لم يقصده في لفظه؛ وهذه الفائدة قاعدة عظيمة يترتب عليها مسائل كثيرة؛ منها لو جرى لفظ الطلاق على لسانه بغير قصد لم تطلق امرأته؛ ولو طلق في حال غضب شديد لم

стр. 1701

تطلق امرأته؛ ولو قال كفراً في حال فرح شديد لم يكفر، كما في حديث: «للَّهُ أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم ... » (١) الحديث؛ ولو أكره على كلمة الكفر فقالها وقلبه مطمئن بالإيمان لم يكفر؛ وأمثلتها كثيرة. ٢ - ومن فوائد الآية: أن المدار على ما في القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾. ٣ - ومنها: أن للقلوب كسباً، كما للجوارح؛ فأما ما حدَّث به الإنسان نفسه دون اطمئنان إليه فإنه لا يؤاخذ به؛ لأنه ليس بعمل؛ ولهذا جاء في الحديث قول النبي ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (٢). ٤ - ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين؛ وهما «الغفور»، و «الحليم»؛ وما تضمناه من وصف، وحكم. ٥ - ومنها: الإشارة إلى أن من مغفرة الله وحلمه أن أسقط المؤاخذة باللغو في الأيمان. ٦ - ومنها: أن لا نيأس من رحمة الله؛ لأنه غفور؛ وأن لا نأمن مكر الله؛ لأنه حليم؛ فيكون العبد سائراً إلى الله بين الرجاء والخوف. القرآن ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦] التفسير: للذين يحلفون بالله أن لا يجامعوا نساءهم، انتظار أربعة أشهر، فإن رجعوا قبل فوات الأشهر الأربعة، فإن الله غفور لما وقع منهم من الحلف بسبب رجوعهم، رحيم بهم. في سبب نزول الآية: قال قتادة: "كان أهل الجاهلية [يعدون] الإيلاء طلاقا فحد لهم أربعة أشهر، فإن فاء فيها كفر يمينه وكانت امرأته، وإن مضت أربعة أشهر ولم يفئ بها فهي تطليقه" (٣). وأخرجه الطبري (٤)، وذكر الثعلبي (٥)، والواحدي (٦). قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أي: "للذين يحلفون على ترك وطء زوجاتهم" (٧). قال الطبري: " للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم" (٨). قال الماوردي: " وفي الكلام حذف، تقديره: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم لكنه إنما دل عليه ظاهر الكلام" (٩). و(اللام) في قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ﴾ يحتمل أن تكون للإباحة؛ ويحتمل أن تكون للتوقيت؛ يعني: أنه يباح للمولين أن يتربصوا أربعة أشهر؛ أو أن لهم وقتاً محدداً بأربعة أشهر (١٠). و﴿يُؤْلُونَ﴾ أي: "يحلفون". قاله سعيد بن جبير (١١).

стр. 1702

قال الطبري: "و (الألية): الحلف، يقال: آلى فلان يُؤْلي إيلاء وأليَّة، كما قال الشاعر (١): كَفَيْنَا مَنْ تَغَيَّبَ في تُرَابٍ ... وَأَحْنَثْنَا أَليَّةَ مُقْسِمِينَا ويقال: "أَلْوة وأُلْوة "، كما قال الراجز (٢): يَا أُلْوَةٌ مَا أُلْوَةٌ مَا أُلْوَتِي وقد حكي عنهم أيضًا أنهم يقولون: (إلوة) مكسورة الألف" (٣). ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وقال الشاعر (٤): فآليت لا أنفك أحدو قصيدة ... تكون وإياها بها مثلا بعدي وقال آخر (٥): قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الألية برت وقال ابن دريد (٦): ألية باليعملات يرتمي ... بها النجاء بين أجواز الفلا و﴿مِن﴾: قيل إنها بمعنى (عن)؛ يعني يحلفون عن وطء نسائهم؛ وقيل: إنها على بابها؛ فهي مبينة لموضع الإيلاء - يعني: الحلف -؛ و ﴿نسائهم﴾ أي زوجاتهم (٧). وقرأ عبد اللَّه: ﴿للذين آلوا من نسائهم﴾، يقال: آلَى يُؤْلِي إِيلَاءً، وَتَأَلَّى تَأَلِّيًا، وَائْتَلَى ائْتِلَاءً، أي: حلف، ومنه: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢]. وقرأ أبيّ وابن عباس: ﴿يقسمون من نسائهم﴾ " (٨). قال القرطبي: "ومعلوم أن يقسمون، تفسير يؤلون" (٩). قوله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أي "انتظار أربعة أشهر" (١٠). قال البغوي: "والتربص: التثبت والتوقف" (١١)، ومنه قوله تعالى ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١]، أي انتظروا. قال ابن عثيمين: " (والتربص) شبيه بـ (الصبر) لموافقته إياه في الحروف - وإن خالفه في الترتيب -؛ و (الصبر) بمعنى حبس النفس، وانتظارها؛ ﴿أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي مدة أربعة أشهر؛ فينتظرون لمدة أربعة أشهر ابتداءً من إيلائهم" (١٢).

стр. 1703

قال القرطبي: "وقد آلى النبي ﷺ وطلق، وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده، كذا في صحيح مسلم (١). وقيل: لأن زينب ردت عليه هديته، فغضب ﷺ فآلى منهن، ذكره ابن ماجة" (٢). واختلف أهل التفسير في صفة اليمين التي يكون بها الرجل موليًا من امرأته، على أقوال (٣): أحدها: أن اليمين التي يكون بها الرجل موليًا من امرأته: أن يحلف عليها في - حال غضب على وجه الضِّرار - أن لا يجامعها في فرجها، فأما إن حلف على غير وجه الإضرار، وعلى غير غضب، فليس هو موليًا منها. علي-كرم الله وجهه- (٤)، وابن عباس (٥)، والحسن (٦) وعطاء (٧)، وابن شهاب (٨). قال الطبري: " وعلة من قال: " إنما الإيلاء في الغضب والضَرار ": أنّ الله تعالى ذكره إنما جعل الأجلَ الذي أجَّل في الإيلاء مخرجًا للمرأة من عَضْل الرجل وضراره إياها، فيما لها عليه من حُسن الصحبة والعِشرة بالمعروف. وإذا لم يكن الرجل لها عاضلا ولا مُضارًا بيمينه وحلفه على ترك جماعها، بل كان طالبًا بذلك رضاها، وقاضيًا بذلك حاجتها، لم يكن بيمينه تلك مُوليًا، لأنه لا معنى هنالك لَحِق المرأةَ به من قِبَل بعلها مساءةٌ وسوء عشرة، فيجعل الأجل - الذي جُعل للمولي - لها مخرجًا منه" (٩). والثاني: سواءٌ إذا حلف الرجل على امرأته أن لا يجامعها في فرجها، كان حلفه في غضب أو غير غضب، كلّ ذلك إيلاء. وهذا قول إبراهيم (١٠)، وابن سيرين (١١)، والشعبي (١٢). قال الطبري: " وأما علة من قال: " الإيلاء في حال الغضب والرضا سواء"، عموم الآية، وأن الله تعالى ذكره لم يخصص من قوله: " للذين يؤلون من نسائهم تربُّص أربعة أشهر " بعضًا دون بعض، بل عمّ به كلَّ مُولٍ ومُقسِم. فكل مقسِم على امرأته أن لا يغشاها مدةً هي أكثر من الأجل الذي جَعل الله له تربُّصه، فمُولٍ من امرأته عند بعضهم. وعند بعضهم: هو مُولٍ، وإن كانت مدة يمينه الأجل الذي جُعل له تربُّصه" (١٣). والثالث: أن كل يمين حلف بها الرجل في مَسَاءة امرأته، فهي إيلاء منه منها، على الجماع حلف أو غيره، في رضًا حلف أو سخط. قاله الشعبي (١٤)، وابن أبي ذئب العامري (١٥)، والقاسم، وسالم، وإبراهيم (١٦)، والحكم (١٧)، وسعيد بن المسيب (١٨).

стр. 1704

قال الطبري: " وأما علة من قال بقول الشعبي والقاسم وسالم: أن الله تعالى ذكره جعل الأجل الذي حدَّه للمُولي مخرجًا للمرأة مِن سوء عشرتها بعلها إياها وضراره بها. وليست اليمين عليها بأن لا يجامعها ولا يقرَبها، بأولى بأن تكون من معاني سوء العشرة والضِّرار، من الحلف عليها أن لا يكلمها أو يسوءَها أو يغيظها. لأن كل ذلك ضررٌ عليها وسوء عشرة لها" (١). والراجح هو "قولُ من قال: كل يمين منَعت المقسم الجماعَ أكثر من المدة التي جعل الله للمولي تربُّصَها، قائلا في غضب كان ذلك أو رضًا. وذلك للعلة التي ذكرناها قبل لقائلي ذلك" (٢). والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أي: فإن"رجعوا عن اليمين بالوطء" (٣). قال القاسمي: " أي: رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح" (٤). قال الماوردي: " والفيء: والرجوع من حال إلى حال" (٥). قال القرطبي: " معناه رجعوا، ومنه ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، ومنه قيل للظل بعد الزوال: فيء، لأنه رجع من جانب المشرق إلى جانب المغرب، يقال: فاء يفيء فيئة وفيوءا. وإنه لسريع الفيئة، يعني الرجوع، قال (٦): فَفاءَتْ وَلَمْ تَقْضِ الَّذِي أَقْبَلَتْ لَهُ ... وَمِنْ حَاجَةِ الإنْسَانِ مَا لَيْسَ قَاضِيَا " (٧) وقد اختلف العلماء فيما يكون به المولي فائيا، على أقوال (٨): أحدها: أنه لا يكون فائيًا إلا بالجماع. وهذا قول ابن عباس (٩)، ومسروق (١٠)، وعامر (١١)، وسعيد بن جبير (١٢)، والشعبي (١٣)، وسعيد بن المسيب (١٤)، والحكم (١٥). وهو قول من قال إن المُوِلَي هو الحالف على الجماع دون غيره (١٦). قال الطبري: " وأما قولُ من رأى أنّ الفيء هو الجماع دون غيره، فإنه لم يجعل العائقَ له عذرًا، ولم يجعل له مخرجًا من يمينه غيرَ الرجوع إلى ما حلف على تركه، وهو الجماع" (١٧). والثاني: أن الجماع لغير المعذور، والنية بالقلب. وهذا قول الحسن (١٨)، وعكرمة (١٩)، وأبي وائل وإبراهيم (٢٠)، وأبي الشعثاء (٢١)، وسعيد بن المسيب (٢٢)، والربيع (٢٣)، وحماد (٢٤)، علقمة (٢٥).

стр. 1705

والثالث: أن (الفيء): المراجعة باللسان بكلّ حال. قاله إبراهيم (١)، والحسن (٢)، وأبي قلابة (٣)، ومن قال إن المُولي هو الحالف على مساءة زوجته. ومذهب الجمهور: أن (الفيء) هو الجماع، "لأن الرجل لا يكون موليًا عندنا من امرأته إلا بالحلف على ترك جماعها المدةَ التي ذكرنا، للعلل التي وصفنا قبلُ. فإذ كان ذلك هو الإيلاء، فالفيء الذي يبطل حكم الإيلاء عنه، لا شك أنه غير جائز أن يكون إلا ما كان للذي آلى عليه خلافًا، لأنه لما جعل حكمه إن لم يفئ إلى ما آلى على تركه، الحكمَ الذي بينه الله لهم في كتابه، كان الفيء إلى ذلك، معلومٌ أنه فعلُ ما آلى على تركه إن أطاقه، وذلك هو الجماع. غير أنه إذا حيل بينه وبين الفيء - الذي هو جماعٌ - بعذر، فغير جائز أن يكون تاركًا جماعها على الحقيقة، لأن المرء إنما يكون تاركًا ما له إلى فعله وتركه سبيل. فأما من لم يكن له إلى فعل أمر سبيل، فغير كائنٍ تاركَهُ، وإذ كان ذلك كذلك، فإحداث العزم في نفسه على جماعها، مجزئ عنه في حال العذر، حتى يجد السبيل إلى جماعها. وإن أبدى ذلك بلسانه وأشهدَ على نفسه في تلك الحال بالأوبة والفيء، كان أعجبَ إلي" (٤). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أي: " فإِن الله يغفر ما صدر منهم من إِساءة ويرحمهم" (٥). قال القاسمي: أي: "لا يؤاخذهم بتلك اليمين، بل يغفر لهم ويرحمهم" (٦). قال الزمخشري: " يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب ضرار النساء بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان يجوز أن يكون على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من الغيل، أو لبعض الأسباب لأجل الفيئة التي هي مثل التوبة" (٧). قال ابن عثيمين: "أي يغفر لهم ما تجرؤوا عليه من الحلف على حرمان الزوجات من حقوقهن؛ لأن حلفهم على ألا يطؤوا لمدة أربعة أشهر اعتداء على حق المرأة؛ إذ إن الرجل يجب عليه أن يعاشر زوجته بالمعروف؛ وليس من العشرة بالمعروف أن يحلف الإنسان ألا يطأ زوجته مدة أربعة أشهر؛ فإن فعل فقد عرض نفسه للعقوبة؛ لكنه إذا رجع غفر الله له؛ و ﴿غفور﴾ أي ذو مغفرة، كما قال تعالى: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾ [الرعد: ٦]؛ والمغفرة هي ستر الذنب مع التجاوز عنه مأخوذة من «المغفر»؛ وهو ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتقاء السهام؛ وفي المغفر تغطية، ووقاية؛ و ﴿رحيم﴾ أي ذو رحمة، كما قال تعالى: ﴿وربك الغني ذو الرحمة﴾ [الأنعام: ١٣٣]؛ فهو مشتق من الرحمة المستلزمة للعطف، والحنوّ، والإحسان، ودفع النقم" (٨). قال القرطبي: " ولم يذكر كفارة، وأيضا فإن هذا يتركب على أن لغو اليمين ما حلف على معصية، وترك وطء الزوجة معصية" (٩). وقد اختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، على ثلاثة أقوال (١٠): أحدها: أنه أراد غفران الإثم وعليه الكفارة، والتفسير: " ﴿فإن الله غفور﴾ للمُولين من نسائهم فيما حنِثوا فيه من إيلائهم، فإن فاؤوا فكفّروا أيمانهم، بما ألزم الله الحانثين في أيمانهم من الكفارة، ﴿رحيم﴾ بهم، بإسقاطه عنهم العقوبة في العاجل والآجل على ذلك، بتكفيره إياه بما فرض عليهم من الجزاء والكفارة، وبما جعل لهم من المَهَل الأشهرَ الأربعة، فلم يجعل فيها للمرأة التي آلى منها زوجها ما جعل لها بعد الأشهر الأربعة" (١١). وهذا قول ابن عباس (١٢)، وسعيد بن جبير (١٣)، وإبراهيم (١٤)، وقتادة (١٥)، والربيع (١٦)، وعكرمة (١٧). والثاني: أنه تعالى غفور بتخفيف الكفارة وإسقاطها، والتفسير: " ﴿فإن الله غفورٌ﴾ لكم فيما اجترمتم بفيئكم إليهنّ، من الحِنْث في اليمين التي حلفتم عليهن بالله أن لا تَغْشَوْهنّ ﴿رحيم﴾ بكم في تخفيفه عنكم كفَّارةَ أيمانكم التي حلفتم عليهن، ثم حنِثتم فيه" (١٨). وهذا قول الحسن (١٩)، وإبراهيم (٢٠). وهذا قول من زعم أن الكفارة لا تلزم فيما كان الحنث براً. والثالث: أن المعنى: فإنه تعالى غفور لمأثم اليمين، رحيم في ترخيص المخرج منها بالتفكير، قاله ابن زيد (٢١). والراجح -والله أعلم - هو القول الأول، وذلك لأن " الحنث موجبٌ الكفارةَ في كل ما ابتدئ فيه الحنث من الأيمان بعد الحلف، على معصية كانت اليمين أو على طاعة" (٢٢). الفوائد ١ - من فوائد الآيتين: ثبوت حكم الإيلاء؛ لأن الله تعالى وقَّت له أربعة أشهر. ٢ - ومنها: أن الإيلاء لا يصح من غير زوجة؛ لقوله تعالى: [من نسائهم﴾؛ فلو حلف أن لا يطأ أمته لم يثبت له حكم الإيلاء؛ ولو حلف أن لا يطأ امرأة، ثم تزوجها، لم يكن له حكم الإيلاء - لكن لو جامع وجبت عليه كفارة يمين -.

стр. 1706

٣ - ومنها: أن المولي يضرب له مدة أربعة أشهر من إيلائه؛ لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾؛ فيفيد أن ابتداء المدة من الإيلاء. ٤ - ومنها: حكمة الله ، ورحمته بعباده في مراعاة حقوق الزوجة؛ وكما أنه حق للزوجة فهو من مصلحة الزوج أيضاً حتى لا يضيع حق المرأة على يده، فيكون ظالماً. ٥ - ومنها: أن المولي يوقف عند مضي أربعة أشهر، ويقال له: إما أن تفيء؛ وإما أن تطلق؛ لقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾. ٧ - ومنها: صحة الإيلاء من غير المدخول بها؛ لقوله تعالى: ﴿من نسائهم﴾؛ والمرأة تكون من نساء الإنسان بمجرد العقد الصحيح. ٨ - ومنها: أن الإيلاء من أربعة أشهر فما فوق محرم؛ لقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾؛ فإن المغفرة لا تكون إلا في مقابلة ذنب. ٩ - ومنها: أن رجوع الإنسان عما هو عليه من المعصية سبب للمغفرة؛ لقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾. مسألة: هل يصح الإيلاء من الصغير الذي لم يبلغ؟ الجواب: لا يصح؛ لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾؛ والصبي لا تنعقد منه اليمين؛ لأنه غير مكلف. ١٠ - ومنها: إثبات اثنين من أسماء الله ؛ وهي «الغفور»، و «الرحيم»، وما تتضمنه هذه الأسماء من الصفات، والأحكام. القرآن ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٧] التفسير: وإن عقدوا عزمهم على الطلاق، باستمرارهم في اليمين، وترك الجماع، فإن الله سميع لأقوالهم، عليم بمقاصدهم، وسيجازيهم على ذلك. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، " أي وإِن صمّموا على عدم المعاشرة والامتناع عن الوطء" (١). قال الثعلبي: " أي حققوا وصدّقوا ونووا" (٢). قال البغوي: أي: " حققوه بالإيقاع" (٣). قال ابن عثيمين: "أي قصدوه بعزيمة تامة؛ ويدل على أن العزم هنا بمعنى القصد أنه تعدى بنفسه إلى الطلاق؛ ولو كان العزم بمعناه الأصلي لتعدى بـ (على)؛ فإنك تقول: (عزم على كذا)؛ ولا تقول: (عزم كذا) " (٤). قال السعدي: " أي: امتنعوا من الفيئة، فكان ذلك دليلا على رغبتهم عنهن، وعدم إرادتهم لأزواجهم، وهذا لا يكون إلا عزما على الطلاق، فإن حصل هذا الحق الواجب منه مباشرة، وإلا أجبره الحاكم عليه أو قام به" (٥). قال القاسمي: " أي: وقع العزم منهم عليه والقصد له" (٦).

стр. 1707

قال القرطبي: " العزيمة: تتميم العقد على الشيء ... العزيمة والعزم ما عقدت عليه نفسك من أمر أنك فاعله" (١). قال الراغب: "دواعي الإنسان إلى الفعل على مراتب أولها السابح، ثم الخاطر، تم التخيل والتفكر فيه، ثم الإرادة، ثم الهمة، ثم العزم، فالهمة إجماع من النفس على الأمر وإزماع عليه، والعزم هو العقد على إمضائه، ولهذا قال- ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، ويقال: (مالفلان عزمه) أي عقد على إمضائه ... ويقال: المعود عزائم تصوراً أنك قد عقدت على الشيطان أو الداء أن يمضي إراداتك فيما سميته ... والطلاق: تخلية عن وثاق أو داء أو انقباض وإمساك، ومنه: " طلقت المرأة عند الولادة وبالتخليه عن الوثاق شبه الطلق في العدو، ورجل طلق الوجه وطلق اليدين " (٢). وقرأ ابن عباس ﴿وإن عزموا السّراح﴾ (٣). قال الثعلبي: " وهو الطلاق أيضا" (٤). وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] على أربعة أقوال (٥): أحدها: أن عزيمة الذي لا يفيء حتى تمضي أربعة أشهر فتطلق بذلك. واختلف من قال بهذا في الطلاق الذي يلحقها على قولين: أحدهما: طلقة بائنة، وهو قول عثمان (٦)، وعليّ (٧)، وابن زيد، وزيد بن ثابت (٨)، وابن مسعود (٩)، وابن عمر (١٠)، وابن عباس (١١)، والحسن (١٢)، وقتادة (١٣)، والربيع (١٤)، والسدي (١٥)، والضحاك (١٦)، ومحمد (١٧)، وإبراهيم (١٨)، وعطاء (١٩)، وعوف (٢٠)، وقبيصة بن ذؤيب قبيصة بن ذؤيب (٢١)، وشريح (٢٢)، وسالم بن عبدالله (٢٣)، وأبي سلمة بن عبدالرحمن (٢٤).

стр. 1708

والثاني: طلقة رجعية، وهو قول ابن المسيب (١)، وأبي بكر بن عبد الرحمن (٢)، ومكحول (٣)، وربيعة (٤)، وابن شبرمة (٥). الثاني: أن تمضي الأربعة الأشهر، يستحق عليها أن يفيء، أو يطلق، وهو قول عمر (٦)، وعلي في رواية عمرو بن سلمة (٧)، وابن أبي ليلى (٨) عنه، وعثمان في رواية طاووس عنه (٩)، وأبي الدرداء (١٠)، وعائشة (١١)، وابن عمر في رواية نافع (١٢) وابن جبير (١٣) عنه، وسعيد بن المسيب (١٤)، وطاوس (١٥)، ومجاهد (١٦)، وعمر بن عبدالعزيز (١٧)، وابن عباس (١٨)، وابن زيد (١٩)، ومالك (٢٠)، ومحمد بن كعب القرظي (٢١)، والقاسم بن محمد (٢٢). وأخرج الطبري عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: "سألت اثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة الأشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق" (٢٣). والثالث: ليس الإيلاء بشيء، وهو قول ابن عمر (٢٤) في رواية ميمون بن مهران عنه، سعيد بن المسيب (٢٥)، في رواية عمرو ابن دينار عنه. والرابع: وإن امتنعوا من الفيئة، بعد استيقاف الإمام إيّاهم على الفيء أو الطلاق. وهذا قول إبراهيم (٢٦) في رواية الأعمش عنه. والراجح هو القول الأول، وهو "إن لم يفئ ألزم بالطلاق، فإن لم يطلق طلق عليه الحاكم، والطلقة تكون رجعية له رجعتها في العدة، وانفرد مالك بأن قال: لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة وهذا غريب جدا" (٢٧). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، أي: فإن الله سميع لأقوالهم ومنها الطلاق؛ عليم بأحوالهم ومنها مفارقة زوجاتهم" (٢٨). قال الثعلبي: أي: " ﴿سَمِيعٌ﴾ لقولهم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيّاتهم، وفيه دليل على أنّها لا تطلّق بعد مضي الأربعة الأشهر ما لم يطلقها زوجها أو السلطان لأنه شرط فيه العزم" (٢٩). قال السعدي: "فيه وعيد وتهديد، لمن يحلف هذا الحلف، ويقصد بذلك المضارة والمشاقة" (٣٠). وقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، وجهان (٣١): أحدهما: يسمع إيلاءه. والثاني: يسمع طلاقه. كما ذكروا في قوله تعالى ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، وجهان (٣٢): أحدهما: يعلم نيته. والثاني: يعلم صبره. قال الراغب: " ونبه تعالى بقوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أنه عارف بضميره ومقاله في إيلائه وتطليقه" (٣٣). قال الحرالي: "وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام، ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام، فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر. ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال، كما أن العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء، فلذلك انتظمت آية تربص المرأة في عدتها بآية تربص الزوج في إيلائه " (٣٤). الفوائد: ١ - ومنها: أن الطلاق بيد الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾؛ والضمير يعود على «الذين يؤلون من نسائهم». ٢ - ومنها: أن الله لا يحب الطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ٣ - ومنها: أن الطلاق لا يقع بمجرد تمام مدة الإيلاء؛ لقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾؛ فإن قيل: لو امتنع عن الفيئة، والطلاق فهل يجبر على أحدهما؟ فالجواب: نعم؛ يجبر على أحدهما إذا طالبت الزوجة بذلك؛ لأنه حق لها؛ فإن أبى فللحاكم أن يطلق، أو يفسخ النكاح؛ والفسخ أولى من الطلاق لئلا تحسب عليه طلقة، فيضيق عليه العدد - أي عدد الطلاق -.

стр. 1709

٤ - قال الشيخ السعدي: " ويستدل بهذه الآية على أن الإيلاء، خاص بالزوجة، لقوله: ﴿من نسائهم﴾ وعلى وجوب الوطء في كل أربعة أشهر مرة، لأنه بعد الأربعة، يجبر إما على الوطء، أو على الطلاق، ولا يكون ذلك إلا لتركه واجبا" (١). ٥ - ومنها: إثبات اثنين من أسماء الله ؛ وهي «السميع»، و «العليم»؛ وما تتضمنه هذه الأسماء من الصفات، والأحكام. ٦ - ومنها: الإشارة إلى أن الفيئة أحب إلى الله من الطلاق؛ لأن ذلك نوع من التهديد. ------------------------------------------------------ انتهى المجلد الرابع من التفسير ويليه المجلد الثامن بإذن الله وبدايته تفسير الآية (٢٢٨) من سورة البقرة. فهرست المجلد الرابع ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢] ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ [البقرة: ١٧٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾ [البقرة: ١٧٥] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ [البقرة: ١٧٦] ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْم

стр. 1710

الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠] ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨١] ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة: ١٨٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤] ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦] ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧] ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ [البقرة: ١٨٩] ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]

стр. 1711

﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)﴾ [البقرة: ١٩١] ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾ [البقرة: ١٩٢] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣] ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥] ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦] ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧] ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨] ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩] ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ [البقرة: ٢٠٠] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١] ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠٢] ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤] ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾ [البقرة: ٢٠٦]

стр. 1712

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨] ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [البقرة: ٢٠٩] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ [البقرة: ٢١٠] ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١)﴾ [البقرة: ٢١١] ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾ [البقرة: ٢١٢] ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البقرة: ٢١٣] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤] ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ [البقرة: ٢١٥] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ [البقرة: ٢٢٠] ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا

стр. 1713

تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢] ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ [البقرة: ٢٢٣] ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾ [البقرة: ٢٢٤] ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ [البقرة: ٢٢٥] ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦] ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٧]

стр. 1714

الكِفاية في التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية تأليف الفقير إلى رحمة ربه د. عبدالله خضر حمد الجزء الخامس سورة البقرة الآية (٢٢٨ - ٢٨٦) الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م

стр. 1715

حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم الرقم الدولي (ISBN): ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥ الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م الناشر: دار القلم بيروت - لبنان

стр. 1716

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾

стр. 1717

القرآن ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨] التفسير: والمطلقات ذوات الحيض، يجب أن ينتظرن دون نكاح بعد الطلاق مدة ثلاثة أطهار أو ثلاث حيضات على سبيل العدة؛ ليتأكدن من فراغ الرحم من الحمل. ولا يجوز لهن تزوج رجل آخر في أثناء هذه العدة حتى تنتهي. ولا يحل لهن أن يخفين ما خلق الله في أرحامهن من الحمل أو الحيض، إن كانت المطلقات مؤمنات حقًا بالله واليوم الآخر. وأزواج المطلقات أحق بمراجعتهن في العدة. وينبغي أن يكون ذلك بقصد الإصلاح والخير، وليس بقصد الإضرار تعذيبًا لهن بتطويل العدة. وللنساء حقوق على الأزواج، مثل التي عليهن، على الوجه المعروف، وللرجال على النساء منزلة زائدة من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف والقِوامة على البيت وملك الطلاق. والله عزيز له العزة القاهرة، حكيم يضع كل شيء في موضعه المناسب. في سبب نزول الآية، أقوال: أحدها: قال عبد الرزاق: "حدثنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِن﴾ قال: كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر فنهاهن الله عن ذلك" (١). واخرجه الطبري (٢). والثاني: أخرج الطبري من طريق أسباط بن نصر عن السدي في هذه الآية: " فالرجل يريد أن يطلق امرأته فيسألها: هل بك حمل؟ فتكتمه إرادةَ أن تفارقه، فيطلقها وقد كتمته حتى تضع. وإذا علم بذلك فإنها تردّ إليه، عقوبةً لما كتمته، وزوجها أحق برجعتها صاغرةً " (٣). والثالث: قال القرطبي: " حكي أن رجلا من أشجع أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني طلقت امرأتي وهي حبلى، ولست آمن أن تتزوج فيصير ولدي لغيري فأنزل الله الآية، وردت امرأة الأشجعي عليه" (٤). قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: "والنساء اللاتي طلقهن أزواجهن، ينتظرن في العدة، ويَحبسن أنفسهن عن الزواج، ثلاث حيض" (٥). قال الصابوني: " أي الواجب على المطلقات المدخول بهن أن ينتظرن مدة ثلاثة أطهار - على قول الشافعي ومالك - أو ثلاث حِيَض على قول أبي حنيفة وأحمد ثم تتزوج إِن شاءت بعد انتهاء عدتها، وهذا في المدخول بها أما غير المدخول بها فلا عدة عليها لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: ٤٩] " (٦). قال القاسمي: " هذا أمر للمطلقات بأن يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء أي بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء ثم تتزوج إن شاءت" (٧).

стр. 1718

قال الشوكاني: " قوله ﴿المطلقات﴾ يدخل تحت عمومه المطلقة قبل الدخول ثم خصص بقوله تعالى ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فوجب بناء العام على الخاص وخرجت من هذا العموم المطلقة قبل الدخول وكذلك خرجت الحامل بقوله تعالى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وكذلك خرجت الآيسة بقوله تعالى ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] " (١). قال الحافظ ابن حجر: "والمراد بالمطلقات هنا: ذوات الحيض (٢)، كما دلت عليه آية سورة الطلاق المذكورة قبل (٣)، والمراد بالتربص: الانتظار (٤) " (٥). قال ابن عثيمين: "لأن المرأة بطبيعتها تطلب النكاح؛ فقيل لها: تربصي بنفسك؛ انتظري، مثلما أقول: ارفق بنفسك - أي هوِّن على نفسك -؛ وما أشبهها؛ وأما قول من قال: إن ﴿أنفسهن﴾ توكيد للفاعل في ﴿يتربصن﴾ زيدت فيه الباء، وجعل معنى الآية: يتربصن أنفسُهن؛ فهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل عدم الزيادة؛ ولأن مثل هذا التعبير شاذ في اللغة العربية؛ فلا يحمل كلام الله على الشاذ؛ وعلى هذا فالمعنى الصحيح: أن ينتظرن بأنفسهن فلا يعجلن" (٦). قال الطبري: " ﴿المطلقات﴾: اللواتي طُلِّقن بعد ابتناء أزواجهن بهنّ، وإفضائهم إليهن، إذا كن ذوات حيض وطهر" (٧). قال القرطبي: " ﴿والمطلقات﴾ لفظ عموم، والمراد به الخصوص في المدخول بهن، وخرجت المطلقة قبل البناء بآية "الأحزاب": ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] على ما يأتي. وكذلك الحامل بقوله: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] " (٨). و" (التربص) الانتظار ... وهذا خبر والمراد الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] " (٩)، و"إن قيل: كيف استعير لفمظ الخبر للأمر في قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾؟ قيل: لما كانت العدة تحصل من الرأي بانقضاء الأيام، نوتها أو لم تنوها، أجدت أو لم تجد صار لفظ الخبر أملك له من لفظ الأمر، ويدلك على صحة هذا الاعتبار إتيان جميع العدد بلفظ" (١٠). وفي إعراب قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ثلاثة أقوال:

стр. 1719

أحدها: أنه خبر يراد به الأمر. وهذا قول الأكثرين (١). كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وجاز لأن المعنى مفهوم، وفائدة ذلك: أولا: رفع إيهام أن العدة لا تحصل إلا بالقصد والاختيار، وتعريف العباد أنه إذا انقضت العدة حصل المقصود، أفاده الرازي (٢). ثانيا: أن "إخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً"، أي: ثقة بالاستجابة. قاله الزمخشري (٣). والثاني: أنه أمر لفظاً ومعنى، على إضمار اللام في ﴿يَتَربَّصْن﴾. وهذا قول الكوفيين. والثالث: أنه على بابه (أي: الخبر)، وفي الآية حذف، والتقدير: وحكم المطلقات أن يتربصن. قال ابن العربي: "قال جماعة: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ﴾ خبر معناه الأمر، وهذا باطل، بل هو خبر عن حكم الشرع، فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع" (٤). وهذا الذي ذكره ابن العربي-وإن كان مستقيماً من حيث المعنى-استبعده جداً أبو حيان (٥)، والسمين (٦)، للحاجة فيه إلى تقدير الحذف في موضعين والأصل عدمه، ولا خلاف في المعنى على الأقوال الثلاثة، والله أعلم. وقد اختلف العلماء في عدة الأمة على قولين (٧): أحدهما: أن عدة الأمة التي تحيض من طلاق زوجها حيضتان. وهذا قول الجمهور. واحتجوا بقوله ﵇: "طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ" (٨)، فأضاف إليها الطلاق والعدة جميعا، إلا أن مظاهر بن أسلم انفرد بهذا الحديث وهو ضعيف. وروي عن ابن عمر: "أيهما رق نقص طلاقه" (٩)، وقالت به فرقة من العلماء (١٠). قال الشيخ السعدي: "، وسياق الآية يدل على أن المراد بها الحرة" (١١). والثاني: أن عدة الأمة كعدة الحرة، إلا أن تكون مضت في ذلك سنة: فإن السنة أحق أن تتبع. قاله ابن سيرين (١٢). والثالث: إن الآيات في عدة الطلاق والوفاة بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة، فعدة الحرة والأمة سواء، وهذا قول الأصم عبدالرحمن بن كيسان، وداود بن علي، وجماعة أهل الظاهر (١٣).

стр. 1720

والطلاق لغةً: مصدر طَلَقَت المرأة وطَلُقَت (١) تطلُق طلاقًا فهي طالق، ويدل على الترك والتخلية، يقال طلَّق البلاد أي تركها، وأطلق الأسير أي خلاًّه، ويستعمل في معان أخر فيطلق على الصفو الطيب الحلال فيقال هو لك طلق أي حلال، ويطلق على البعد يقال طلق فلان إذا تباعد، ويطلق على الخروج يقال أنت طِلْقٌ من هذا الأمر أي خارج من (٢). وهذه المعاني المذكورة إذا أمعنا النظر فيها وجدنا بينها وبين مقصود الطلاق ترابطًا واضحًا فالمطلق تارك لزوجته وهو أيضًا قد أحلها لغيره، وقد باعدها بفراقه لها وقد خرج أيضًا عن العقد الذي كان يربطهما، فالطلاق قد اجتمعت فيه هذه المعاني جميعًا (٣). وقد تنوعت عبارات الفقهاء، وتعددت تعريفاتهم للطلاق في العرف الشرعي، هو: "حلُّ قيد النكاح [أو بعضه] (٤) في الحال أو المآل بلفظ مخصوص" (٥). وقد دلَّ على مشروعية الطلاق الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. - أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]. - وأما السنة: فقوله ﷺ : "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" (٦)، وما ورد عنه ﷺ أنه طلق حفصة ﵂ ثم راجعها (٧). - والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًا (٨). - وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على جوازه وهو واقع منذ الصدر الأول في الإسلام إلى هذا الزمان لا ينكره أحد (٩). والمعقول يؤيد جوازه الحكمة من مشروعيته، إذ شرع الله الزواج ليكون دائمًا مؤبدًا إذ به تتحقق المنافع والمصالح المرادة منه، ولا بد لتحقيق أهداف النكاح العظيمة من وجود المودة والتفاهم بين الزوجين فإذا حصل ما يقطع هذه المودة ويفسد هذا التفاهم مما هو واقع وكثير، لأسباب مشاهدة، كأن تفسد أخلاق أحد الزوجين فيندفع في تيار الفسق والفجور ويعجز المصلحون عن ردة إلى سواء الصراط، أو يحدث بين
следующие страницы →