← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾

стр. 1717

القرآن ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨] التفسير: والمطلقات ذوات الحيض، يجب أن ينتظرن دون نكاح بعد الطلاق مدة ثلاثة أطهار أو ثلاث حيضات على سبيل العدة؛ ليتأكدن من فراغ الرحم من الحمل. ولا يجوز لهن تزوج رجل آخر في أثناء هذه العدة حتى تنتهي. ولا يحل لهن أن يخفين ما خلق الله في أرحامهن من الحمل أو الحيض، إن كانت المطلقات مؤمنات حقًا بالله واليوم الآخر. وأزواج المطلقات أحق بمراجعتهن في العدة. وينبغي أن يكون ذلك بقصد الإصلاح والخير، وليس بقصد الإضرار تعذيبًا لهن بتطويل العدة. وللنساء حقوق على الأزواج، مثل التي عليهن، على الوجه المعروف، وللرجال على النساء منزلة زائدة من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف والقِوامة على البيت وملك الطلاق. والله عزيز له العزة القاهرة، حكيم يضع كل شيء في موضعه المناسب. في سبب نزول الآية، أقوال: أحدها: قال عبد الرزاق: "حدثنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِن﴾ قال: كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر فنهاهن الله عن ذلك" (١). واخرجه الطبري (٢). والثاني: أخرج الطبري من طريق أسباط بن نصر عن السدي في هذه الآية: " فالرجل يريد أن يطلق امرأته فيسألها: هل بك حمل؟ فتكتمه إرادةَ أن تفارقه، فيطلقها وقد كتمته حتى تضع. وإذا علم بذلك فإنها تردّ إليه، عقوبةً لما كتمته، وزوجها أحق برجعتها صاغرةً " (٣). والثالث: قال القرطبي: " حكي أن رجلا من أشجع أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني طلقت امرأتي وهي حبلى، ولست آمن أن تتزوج فيصير ولدي لغيري فأنزل الله الآية، وردت امرأة الأشجعي عليه" (٤). قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: "والنساء اللاتي طلقهن أزواجهن، ينتظرن في العدة، ويَحبسن أنفسهن عن الزواج، ثلاث حيض" (٥). قال الصابوني: " أي الواجب على المطلقات المدخول بهن أن ينتظرن مدة ثلاثة أطهار - على قول الشافعي ومالك - أو ثلاث حِيَض على قول أبي حنيفة وأحمد ثم تتزوج إِن شاءت بعد انتهاء عدتها، وهذا في المدخول بها أما غير المدخول بها فلا عدة عليها لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: ٤٩] " (٦). قال القاسمي: " هذا أمر للمطلقات بأن يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء أي بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء ثم تتزوج إن شاءت" (٧).

стр. 1718

قال الشوكاني: " قوله ﴿المطلقات﴾ يدخل تحت عمومه المطلقة قبل الدخول ثم خصص بقوله تعالى ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فوجب بناء العام على الخاص وخرجت من هذا العموم المطلقة قبل الدخول وكذلك خرجت الحامل بقوله تعالى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وكذلك خرجت الآيسة بقوله تعالى ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] " (١). قال الحافظ ابن حجر: "والمراد بالمطلقات هنا: ذوات الحيض (٢)، كما دلت عليه آية سورة الطلاق المذكورة قبل (٣)، والمراد بالتربص: الانتظار (٤) " (٥). قال ابن عثيمين: "لأن المرأة بطبيعتها تطلب النكاح؛ فقيل لها: تربصي بنفسك؛ انتظري، مثلما أقول: ارفق بنفسك - أي هوِّن على نفسك -؛ وما أشبهها؛ وأما قول من قال: إن ﴿أنفسهن﴾ توكيد للفاعل في ﴿يتربصن﴾ زيدت فيه الباء، وجعل معنى الآية: يتربصن أنفسُهن؛ فهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل عدم الزيادة؛ ولأن مثل هذا التعبير شاذ في اللغة العربية؛ فلا يحمل كلام الله على الشاذ؛ وعلى هذا فالمعنى الصحيح: أن ينتظرن بأنفسهن فلا يعجلن" (٦). قال الطبري: " ﴿المطلقات﴾: اللواتي طُلِّقن بعد ابتناء أزواجهن بهنّ، وإفضائهم إليهن، إذا كن ذوات حيض وطهر" (٧). قال القرطبي: " ﴿والمطلقات﴾ لفظ عموم، والمراد به الخصوص في المدخول بهن، وخرجت المطلقة قبل البناء بآية "الأحزاب": ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] على ما يأتي. وكذلك الحامل بقوله: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] " (٨). و" (التربص) الانتظار ... وهذا خبر والمراد الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] " (٩)، و"إن قيل: كيف استعير لفمظ الخبر للأمر في قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾؟ قيل: لما كانت العدة تحصل من الرأي بانقضاء الأيام، نوتها أو لم تنوها، أجدت أو لم تجد صار لفظ الخبر أملك له من لفظ الأمر، ويدلك على صحة هذا الاعتبار إتيان جميع العدد بلفظ" (١٠). وفي إعراب قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ثلاثة أقوال:

стр. 1719

أحدها: أنه خبر يراد به الأمر. وهذا قول الأكثرين (١). كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وجاز لأن المعنى مفهوم، وفائدة ذلك: أولا: رفع إيهام أن العدة لا تحصل إلا بالقصد والاختيار، وتعريف العباد أنه إذا انقضت العدة حصل المقصود، أفاده الرازي (٢). ثانيا: أن "إخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً"، أي: ثقة بالاستجابة. قاله الزمخشري (٣). والثاني: أنه أمر لفظاً ومعنى، على إضمار اللام في ﴿يَتَربَّصْن﴾. وهذا قول الكوفيين. والثالث: أنه على بابه (أي: الخبر)، وفي الآية حذف، والتقدير: وحكم المطلقات أن يتربصن. قال ابن العربي: "قال جماعة: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ﴾ خبر معناه الأمر، وهذا باطل، بل هو خبر عن حكم الشرع، فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع" (٤). وهذا الذي ذكره ابن العربي-وإن كان مستقيماً من حيث المعنى-استبعده جداً أبو حيان (٥)، والسمين (٦)، للحاجة فيه إلى تقدير الحذف في موضعين والأصل عدمه، ولا خلاف في المعنى على الأقوال الثلاثة، والله أعلم. وقد اختلف العلماء في عدة الأمة على قولين (٧): أحدهما: أن عدة الأمة التي تحيض من طلاق زوجها حيضتان. وهذا قول الجمهور. واحتجوا بقوله ﵇: "طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ" (٨)، فأضاف إليها الطلاق والعدة جميعا، إلا أن مظاهر بن أسلم انفرد بهذا الحديث وهو ضعيف. وروي عن ابن عمر: "أيهما رق نقص طلاقه" (٩)، وقالت به فرقة من العلماء (١٠). قال الشيخ السعدي: "، وسياق الآية يدل على أن المراد بها الحرة" (١١). والثاني: أن عدة الأمة كعدة الحرة، إلا أن تكون مضت في ذلك سنة: فإن السنة أحق أن تتبع. قاله ابن سيرين (١٢). والثالث: إن الآيات في عدة الطلاق والوفاة بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة، فعدة الحرة والأمة سواء، وهذا قول الأصم عبدالرحمن بن كيسان، وداود بن علي، وجماعة أهل الظاهر (١٣).

стр. 1720

والطلاق لغةً: مصدر طَلَقَت المرأة وطَلُقَت (١) تطلُق طلاقًا فهي طالق، ويدل على الترك والتخلية، يقال طلَّق البلاد أي تركها، وأطلق الأسير أي خلاًّه، ويستعمل في معان أخر فيطلق على الصفو الطيب الحلال فيقال هو لك طلق أي حلال، ويطلق على البعد يقال طلق فلان إذا تباعد، ويطلق على الخروج يقال أنت طِلْقٌ من هذا الأمر أي خارج من (٢). وهذه المعاني المذكورة إذا أمعنا النظر فيها وجدنا بينها وبين مقصود الطلاق ترابطًا واضحًا فالمطلق تارك لزوجته وهو أيضًا قد أحلها لغيره، وقد باعدها بفراقه لها وقد خرج أيضًا عن العقد الذي كان يربطهما، فالطلاق قد اجتمعت فيه هذه المعاني جميعًا (٣). وقد تنوعت عبارات الفقهاء، وتعددت تعريفاتهم للطلاق في العرف الشرعي، هو: "حلُّ قيد النكاح [أو بعضه] (٤) في الحال أو المآل بلفظ مخصوص" (٥). وقد دلَّ على مشروعية الطلاق الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. - أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]. - وأما السنة: فقوله ﷺ : "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" (٦)، وما ورد عنه ﷺ أنه طلق حفصة ﵂ ثم راجعها (٧). - والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًا (٨). - وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على جوازه وهو واقع منذ الصدر الأول في الإسلام إلى هذا الزمان لا ينكره أحد (٩). والمعقول يؤيد جوازه الحكمة من مشروعيته، إذ شرع الله الزواج ليكون دائمًا مؤبدًا إذ به تتحقق المنافع والمصالح المرادة منه، ولا بد لتحقيق أهداف النكاح العظيمة من وجود المودة والتفاهم بين الزوجين فإذا حصل ما يقطع هذه المودة ويفسد هذا التفاهم مما هو واقع وكثير، لأسباب مشاهدة، كأن تفسد أخلاق أحد الزوجين فيندفع في تيار الفسق والفجور ويعجز المصلحون عن ردة إلى سواء الصراط، أو يحدث بين

стр. 1721

الزوجين تنافر في الطباع وتخالف في العادات أو يلقى في نفس أحدهما كراهية الآخر والسَّأم منه والتبرم من أفعاله وقد يكون الزوج عقيمًا أو قد يصيبه مرض معد خطير أو قد يغيب غيبة لا يعلم فيها حاله، ولا حياته من موتِهِ، وقد يصاب بضيق ذلك اليد فلا يستطيع الإنفاق على زوجته وليست بخليه فتنكح غيره. وهذه الأمثلة وليست من الخيال في شيء تفسد على البيت نظامه وتعكر عليه صفوه، فينحرف الزوجان في البحث على لذة بديلة أو سكن غير ما يجدانه في نكاحهما، وينحرف الأولاد حيث لا كافل لهم ولا راعي لشؤونهم ولا قائم بحقوقهم وينشأ الأطفال نشأة يملؤها التشاؤم، ويغلب عليها الحزن والانطواء في مجتمع أسري كهذا. لهذه الأمور وغيرها كثير؛ أباح الله الطلاق ليكون علاجًا لهذا الوضع الرديء، والحال المفجع، والخطب الأليم، الذي أصاب الأسرة التي هي اللَّبنة الأولى لبناء المجتمع. ولأن الإسلام دين رب العالمين الذي هو أعلم بمصالح العباد من أنفسهم، ولأنه الدين الصالح لكل زمان ومكان، فقد حرص على وقاية المجتمعات من كل داهية تفتك به وكل فجيعة تلم به، وكل نكبة تصيبه، فقد شرع الطلاق ليتخلص به الزوجان من حياة مقلقة، وصلة موجعة، وارتباط مؤلم، ومن ثم ينقب كل منهما عمّن هو خير من سابقه، وأجدر بالارتباط به، قال تعالى: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته وكان الله واسعا حكيماً﴾ [سورة النساء، الآية ١٣٠] (١). واختلفوا في (الأقراء)، على قولين (٢): أحدهما: أنها (الحِيَضُ). وهو قول عمر (٣)، وعليّ (٤)، وابن مسعود (٥)، ومجاهد (٦)، والربيع (٧)، وقتادة (٨)، والضحاك (٩)، وابن عباس (١٠)، وعمرو بن دينار (١١)، وعكرمة (١٢)، والسدي (١٣)، والحسن وأبي موسى الأشعري (١٤)، وعبدالله وعلي وسعيد بن جبير (١٥)، وإبراهيم (١٦)، وعثمان (١٧)، وأبيّ (١٨)، ومعبد الجهني (١٩).

стр. 1722

وقال به مالك وأبو حنيفة وأهل الكوفة (١)، وقد احتجوا بقول الشاعر (٢): يا رُبَّ ذي صغن عليّ فارض ... له قروءٌ كقروءِ الحائض قال الزجاج: " وما احتج به أهل اللغة مما يقوي مذهبهم" (٣). والثاني: أنها الأطهار. وهو قول عائشة (٤)، وزيد بن ثابت (٥)، وعلي (٦)، وابن عمر (٧)، وسالم بن عبدالله (٨)، وأبان بن عثمان (٩)، وسليمان (١٠). وكذا قاله الشافعي وأهل الحجاز (١١)، واستشهدوا بقول الأعشى (١٢): وَفيِ كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ ... تَشُدُّ لأقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا مُوَرِّثَةٍ مَالا وَفِي الذِّكْرِ رِفْعةً ... لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءٍ نِسَائِكَا فالذي ضاع هنا الأطهار لا الحيض (١٣)، "لأنّه خرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فأضاع اقراءهنّ أي أطهارهن، ومن قال بهذا القول قال: إذا حاضت المرأة الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وحلّت للزواج" (١٤). قال الراغب: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، " أي ثلاثة دخول من الطهر في الحيض وليس حقيقة هذا إلا ما قاله الشافعي دون ما قاله غيره في أنها إذا رأت الدم ثلاث مرات، فقد انقضى عدتها، وجعل غيره حصول ثلاثة أطهار تتعقبها ثلاث حيض" (١٥). قلت: إن سبب اختلاف أهل التفسير في معنى (القروء) يعود إلى الإختلاف في المعنى اللغوي للكلمة، فـ (القروء) في كلام العرب: جمع (قُرْء)، وقد تجمعه العرب (أقراء)، يقال في (فعل) منه: أقرأت المراة، إذا صارت ذات حيض وطُهر، فهي تقرئ إقراء. وقد واختلفوا في اشتقاق (القرء) على قولين (١٦):

стр. 1723

أحدهما: أن القرء الاجتماع، ومنه أخذ اسم القرآن لاجتماع حروفه، وقيل: قد قرأ الطعام في شدقه وقرأ الماء في حوضه إذا جمعه، وقيل: ما قرأتِ الناقة سَلَى قط، أي لم يجتمع رحمها على ولد قط، قال عمرو بن كلثوم (١): ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أدْمَاءَ بكرِ ... هَجَانَ اللون لم تقرَأْ جَنِينَا فقوله (لم تقرَأْ): أي: لم تضم في رحمها ولداً قط (٢). وهذا قول الأصمعي (٣)، والأخفش (٤)، والكسائي (٥)، والزجاج (٦)، والشافعي (٧). والثاني: أن القرء الوقت، لمجيء الشيء المعتاد مجِيؤه لوقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم. وهذا قول أبي عمرو بن العلاء (٨)، واختاره الطبري (٩). ولذلك قالت العرب: قرأت حاجةُ فلان عندي، بمعنى دنا قضاؤها، وحَان وقت قضائها، واقرأ النجم، إذا جاء وقت أفوله، وأقرأ، إذا جاء وقت طلوعه، كما قال الشاعر (١٠): إذَا مَا الثُّرَيَّا وَقَدْ أقْرَأَتْ ... أَحَسَّ السِّمَا كَانِ مِنْها أُفُولا وقيل: " أقرأت الريح "، إذا هبت لوقتها، كما قال مالك بن الحارث الهذلي (١١): شَنِئْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شُلَيْلٍ ... إِذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ بمعنى: هبت لوقتها وحين هُبوبها. ومن ذلك قول الأعشى ميمون بن قيس (١٢): وَفيِ كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ ... تَشُدُّ لأقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا مُوَرِّثَةٍ مَالا وَفِي الذِّكْرِ رِفْعةً ... لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءٍ نِسَائِكَا ولذلك قال ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبّيْش: "دعي الصلاة أيام أقرائك" (١٣). بمعنى: دعي الصلاة أيام إقبال حيضك، إذ جعل (القُرء): وقت الطهر (١٤).

стр. 1724

قال الماوردي: " فمن جعل القرْء اسماً للحيض، فلأنه وقت خروج الدم المعتاد، ومن جعله اسماً للطهر، فلأنه وقت احتباس الدم المعتاد " (١). قال الراغب: " والقرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر، ولما كان اسماً للأمرين الطهر والحيض المتعقب له أطلق على كل واحد منهما، لأن عادة العرب أن كل اسم موضوع لمعنيين معاً يطلق على كل واحد منهما إذا انفرد، كالمائدة هي للخوان والطعام، وقد سمي كل واحد منهما بانفراده مائدة، وعلى ذلك الظعينة والكأس والراوية، فكذلك القرؤ، وليس هما اسماً للطهر مجرداً بدلالة أن الطاهر التي لم تر الدم لا يقال لها ذات قرء، وكذا الحائض التي استمر بها الدم، والنفساء لا يقال لهما ذلك" (٢). والراجح أن قوله تعالى ﴿قُرُوءٍ﴾، جمع قَرْء بفتح القاف؛ وهو الحيض؛ وهو رأي الجمهور؛ لقول النبي ﷺ في المستحاضة: "تجلس أيام أقرائها" (٣) أي حيضها؛ فقوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ أي ثلاث حيض. والله تعالى أعلم (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: "ولا يباح للمطلقات أن يخفين ما في أرحامهن من حبلٍ أو حيض استعجالاً في العدة وإِبطالاً لحق الزوج في الرجعة" (٥). قال القاسمي: " من الحيض أو الولد، استعجالا في العدة أو إبطالا لحقّ الزوج في الرجعة" (٦). و(الأرحام): جمع رحم؛ "وهو مقر الحمل؛ وسمي رحماً؛ لأنه ينضم على الجنين، ويحفظه؛ فهو كذوي الأرحام من انضمامهم على قريبهم، وحنوهم عليه، وعطفهم عليه" (٧). وذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ في أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ثلاثة تأويلات (٨): أحدها: أنه الحيض، وهو قول عكرمة (٩)، والزهري (١٠)، وإبراهيم النخعي (١١)، وعطية (١٢). إذ "حرّم عليهن أن يكتمن أزواجهن الذين طلَّقوهن، في الطلاق الذي عليهم لهنّ فيه رجعة يبتغين بذلك إبطال حقوقهم من الرجعة عليهن" (١٣).

стр. 1725

والثاني: أنه الحمل والحيض جميعا. قاله ابن عمر (١)، ومجاهد (٢)، والربيع (٣)، وابن زيد (٤)، والضحاك (٥)، وابن عباس (٦)، والشعبي (٧)، والحكم بن عتيبة (٨)، وهذا قول جمهور أهل التفسير. والثالث: أنه الحمل، قاله عمر (٩)، وابن عباس (١٠)، ومحمد بن كعب القرظي (١١)، والسدي (١٢)، والنخعي (١٣) - في أحد قوليه-، وقتادة (١٤)، ومقاتل بن حيان (١٥). ثم اختلف قائلو ذلك في السبب الذي من أجله نُهِيتْ عن كتمان ذلك الرجلَ، وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: نهيت عن ذلك لئلا تبطل حقَّ الزوج من الرجعة، إذا أراد رجعتها قبل وضعها وحملها. قاله عمر (١٦)، وابن عباس (١٧)، وعكرمة (١٨). والثاني: أن السبب الذي من أجله نُهين عن كتمان ذلك أنهن في الجاهلية كنّ يكتمنَه أزواجهن، خوف مراجعتهم إياهُنّ، حتى يتزوجن غيرهم، فيُلحق نسب الحمل - الذي هو من الزوج المطلِّق - بمن تزوجته. فحرم الله ذلك عليهن. قاله قتادة (١٩). والثالث: أن السبب الذي من أجله نُهين عن كتمان ذلك، هو أنّ الرجل كان إذا أراد طلاق امرأته سألها هل بها حملٌ؟ كيلا يطلقها، وهي حامل منه للضرر الذي يلحقُه وولدَه في فراقها إن فارقها، فأمِرن بالصدق في ذلك ونُهين عن الكذب. قاله السدي (٢٠). والراجح هو القول الثاني، وهو قول الجمهور، فـ "الذي نُهيت المرأة المطلَّقة عن كتمانه زوجها المطلِّقَها تطليقة أو تطليقتين مما خلق الله في رحمها - الحيضُ والحبَل، لأنه لا خلاف بين الجميع أنّ العِدّة تنقضي بوضع الولد الذي خلق الله في رحمها، كما تنقضي بالدم إذا رأته بعد الطهر الثالث، في قول من قال: " القُرء " الطهر، وفي قول من قال: هو الحيض، إذا انقطع من الحيضة الثالثة، فتطهرت بالاغتسال" (٢١).

стр. 1726

قوله تعالى: ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي "إِن كنَّ حقاً مؤمنات بالله ويخشين من عقابه" (١). قال الصابوني: "وهذا تهديد لهنَّ حتى يخبرن بالحق من غير زيادة ولا نقصان لأنه أمر لا يُعلم إِلاّ من جهتهنَّ" (٢). قال القاسمي: " أي: "إن جرين على مقتضى الإيمان به، المخوف من ذاته وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، المخوف من جزائه. ودلّ هذا على أن المرجع في هذا إليهنّ. لأنه أمر لا يعلم إلّا من جهتهن. ويتعذر إقامة البينة على ذلك. فرد الأمر إليهن، وتوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحقّ. وهذه الآية دالة على أنّ كل من جعل أمينا في شيء فخان فيه، فأمره عند الله شديد" (٣). وقال ابن عثيمين: "قوله تعالى: ﴿إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ هذه الجملة فيها إغراء لالتزام الحكم السابق؛ وهي تشبه التحدي؛ يعني إن كن صادقات في الإيمان بالله، واليوم الآخر فلا يكتمن حملهن" (٤). قال القرطبي: " ومعنى النهي عن الكتمان النهي عن الإضرار بالزوج وإذهاب حقه، فإذا قالت المطلقة: حضت، وهي لم تحض، ذهبت بحقه من الارتجاع، وإذا قالت: لم أحض، وهي قد حاضت، ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرت به، أو تقصد بكذبها في نفي الحيض ألا ترتجع حتى تنقضي العدة ويقطع الشرع حقه، وكذلك الحامل تكتم الحمل، لتقطع حقه من الارتجاع" (٥). قال الراغب: " فليس ذلك شرطاً في أنهن إذا لم يكن مؤمنات، يجوز أن يكتمن، وإنما ذلك تنبيه أنه مناف للإيمان، وأنه ليس من فعل المؤمن، كقوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ " (٦). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن "سعيد بن جبير قال: جاء أعرابي فسأل: من أعلم أهل مكة؟ فقيل له: سعيد بن جبير. فسأل عنه فإذا هو في حلقة، وهو حديث السن. زاد يوسف فقال: إن هذا الحدث. فقيل له: هو هذا. قالا: جميعا فسأله ابن أخ له تزوج امرأة، ثم عرض بينهما فرقة، وبها حبل، فكتمت حبلها حتى وضعت. هل له أن يراجعها؟ قال: لا. قال: فاشتد على الأعرابي. فقال له سعيد: ما تصنع بامرأة لا تؤمن بالله واليوم الآخر. فلم يزل يزهده فيها حتى زهد فيها" (٧).

стр. 1727

و ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، المراد: "يوم القيامة؛ وإنما سمي اليوم الآخر؛ لأنه لا يوم بعده؛ فالناس إذا بعثوا يوم القيامة فليس هناك موت؛ بل إما خلود في الجنة؛ وإما خلود في النار؛ وذكر اليوم الآخر؛ لأن الإيمان به يحمل الإنسان على فعل الطاعات، واجتناب المنهيات؛ لأنه يعلم أن أمامه يوماً يجازى فيه الإنسان على عمله؛ فتجده يحرص على فعل المأمور، وترك المحظور" (١). قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾، " أي: وزوجها الذي طلقها أحق بردتها ما دامت في عدتها، إذا كان مراده بردتها الإصلاح والخير" (٢). قال الصابوني: "وأزواجهن أحقُّ بهنَّ في الرجعة من التزويج للأجانب إِذا لم تنقض عدتهن وكان الغرض من الرجعة الإِصلاح لا الإِضرار، وهذا في الطلاق الرجعي" (٣). قال ابن عباس: " يقول: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة، أو تطليقتين وهي حامل، فهو أحق برجعتها ما لم تضع" (٤). و(البعولة)، جمع (بعل)، وهو الزوج للمرأة، و (البعل) هو الزوج، كما قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: ﴿قال يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً﴾ [هود: ٧٢] أي: زوجي، ومنه قول جرير (٥): أَعِدُّوا مَعَ الحَلْيِ المَلابَ فَإنَّمَا ... جَرِيرٌ لَكُمْ بَعْلٌ وَأَنْتُمْ حَلائِلُهْ وقد يجمع (البعل) (البعولة)، و (البعول)، كما يجمع (الفحل) (والفحول) و (الفحولة)، و (الذكر) (الذكور) (والذكورة)، وكذلك ما كان على مثال (فعول) من الجمع، فإن العرب كثيرًا ما تدخل فيه (الهاء) (٦). وسمي الزوج بعلاً مع أنه مطلِّق؛ لأن الأحكام الزوجية في الرجعية باقية إلا ما استثني (٧). و﴿إِصْلاحًا﴾ أي ائتلافاً، والتئاماً بين الزوج، وزوجته، وإزالة لما وقع من الكسر بسبب الطلاق، وما أشبه ذلك (٨). قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: "ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن" (٩). قال السعدي: " أي: وللنساء على بعولتهن من الحقوق واللوازم مثل الذي عليهن لأزواجهن من الحقوق اللازمة والمستحبة" (١٠).

стр. 1728

وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ﴾ أي للزوجات سواء كن مطلقات، أو ممسكات، فكما أن على الزوجة أن تتقي الله تعالى في حقوق زوجها، وأن تقوم بما فرض الله عليها؛ فلها أيضاً مثل الذي له في أنه يجب على الزوج أن يعاشرها بالمعروف، وأن يقوم بحقها الذي أوجب الله عليه (١). ولما كانت المماثلة تقتضي المساواة أخرج ذلك بقوله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ أي فضل في العقل، والحقوق؛ وهذا من باب الاحتراس حتى لا يذهب الذهن إلى تساوي المرأة، والرجل من كل وجه (٢). قال ابن كثير: " فلْيؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف، كما ثبت في صحيح مسلم، عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال في خطبته، في حجة الوداع: "فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهُنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٣) " (٤). وعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ قَالَ أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوْ اكْتَسَبْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ " (٥). وأخرج الطبري بسنده عن ابن عباس قال: "إني لأحب أن أتزيَّن للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ " (٦). قال الراغب: "يتبين أن لكل واحد على الآخر حقاً كحق الآخر، فمما تشاركا فيه مراعاتهما للمعنى الذي شرع لأجله النكاح وهو طلب النسل، وتربية الولد، ومعاشرة كل واحد منهما للآخر بالمعروف وحفظ المنزل، وتدبير ما فيه وسياسة ما تحت أيديهما، حماية كل واحد على الآخر بقدر جهده وحده" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ثلاثة أوجه من التفسير (٨): أحدها: ولهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن، مثل الذي عليهن من الطاعة، فيما أوجبه الله تعالى عليهن لأزواجهن، وهو قول الضحاك (٩)، وابن زيد (١٠). والثاني: ولهن على أزواجهن من التصنع والتزين، مثل ما لأزواجهن، وهو قول ابن عباس (١١). والثالث: أن الذي لهن على أزواجهن، ترك مضارتهن، كما كان ذلك لأزواجهن، وهو قول أبي جعفر (١٢). قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي "وللرجال على النساء ميزةٌ" (١٣).

стр. 1729

قال الصابوني: " هي فيما أمر تعالى به من القوامة والإِنفاق والإِمرة ووجوب الطاعة فهي درجة تكليفٍ لا تشريف لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] " (١). قال السعدي: " أي: رفعة ورياسة، وزيادة حق عليها، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، ومنصب النبوة والقضاء، والإمامة الصغرى والكبرى، وسائر الولايات مختص بالرجال، وله ضعفا ما لها في كثير من الأمور، كالميراث ونحوه" (٢). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ سبعة أوجه (٣): أحدها: فضل الميراث والجهاد، وهو قول مجاهد (٤)، وقتادة (٥). والثاني: أنه الإمْرَةُ والطاعة، وهو قول الضحاك وزيد بن أسلم (٦)، وابنه عبد الرحمن (٧). والثالث: أنه إعطاء الصداق، وأنه إذا قذفها لاعنها، وإن قذفته حُدَّتْ، وهو قول الشعبي (٨). والرابع: أفضاله عليها، وأداء حقها إليها، والصفح عما يجب له من الحقوق عليها، وهو قول ابن عباس (٩)، وقتادة (١٠). والخامس: أنه "يطلقها، وليس لها من الأمر شيء". قاله أبو مالك (١١). والسادس: وقيل: " فضيلة بما أنفقوا عليهن من أموالهم". قاله مقاتل بن حيان (١٢). والسابع: أن جعل له لحْية، وهو قول حميد (١٣). قال القرطبي: " وهذا إن صح عنه، فهو ضعيف لا يقتضيه لفظ الآية ولا معناها (١٤).

стр. 1730

وقول ابن عباس أقربها إلى الصواب، "وهو أن الـ ﴿درجة﴾ التي ذكر الله تعالى ذكره في هذا الموضع، الصفحُ من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها، وإغضاؤه لها عنه، وأداء كل الواجب لها عليه، وذلك أن الله تعالى ذكره قال: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ عَقيب قوله: ﴿ولهن مثلُ الذي عليهن بالمعروف﴾، فأخبر تعالى ذكره أن على الرجل من ترك ضرارها في مراجعته إياها في أقرائها الثلاثة وفي غير ذلك من أمورها وحُقوقها، مثل الذي له عليها من ترك ضراره في كتمانها إياه ما خلق الله في أرحامهنّ وغير ذلك من حقوقه. ثم ندب الرجال إلى الأخذ عليهن بالفضل إذا تركن أداءَ بعض ما أوجب الله لهم عليهن، فقال تعالى ذكره: " وللرجال عليهن درجة " بتفضّلهم عليهن، وصفحهم لهن عن بعض الواجب لهم عليهن، وهذا هو المعنى الذي قصده ابن عباس بقوله: " ما أحب أن أستنظف جميع حقي عليها " لأن الله تعالى ذكره يقول: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ " (١). قوله تعالى ﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: والله "غالب ينتقم ممن عصاه، حكيم في أمره وتشريعه" (٢). قال الربيع: " ﴿عزيز﴾ في نقمته، ﴿حكيم﴾ في أمره" (٣). قال السعدي: "أي: له العزة القاهرة والسلطان العظيم، الذي دانت له جميع الأشياء، ولكنه مع عزته حكيم في تصرفه" (٤). قال الطبري: " ﴿والله عزيز﴾ في انتقامه ممن خالف أمره، وتعدَّى حدوده، فأتى النساء في المحيض، وجعل الله عُرضة لأيمانه أن يبرَّ ويتقي، ويصلح بين الناس، وعضَل امرأته بإيلائه، وضَارَّها في مراجعته بعد طلاقه، ولمن كتم من النساء ما خلق الله في أرحامهن أزواجهن، ونكحن في عددهن، وتركنَ التربُّص بأنفسهن إلى الوقت الذي حده الله لهن، وركبن غير ذلك من معاصيه " حكيم " فيما دبَّر في خلقه، وفيما حكم وقضَى بينهم من أحكامه .. وإنما توعَّد الله تعالى ذكره بهذا القول عباده، لتقديمه قبل ذلك بيان ما حرَّم عليهم أو نهاهم عنه، من ابتداء قوله: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ " إلى قوله: " وللرجال عليهن درجة " ثم أتبع ذلك بالوعيد ليزدجر أولو النُّهى، وليذكر أولو الحجى، فيتقوا عقابه، ويحذروا عذابه" (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب اعتداد المطلقة بثلاث حيض؛ لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن﴾؛ وهي جملة خبرية بمعنى الأمر؛ قال البلاغيون: إذا جاء الأمر بصيغة الخبر كان ذلك توكيداً له؛ كأنه أمر واقع صح أن يخبر عنه. ٢ - ومنها: قوة الداعي في المرأة للزواج؛ لقوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾؛ فكأن النفس تحثها على أن تنهي علاقتها بالأول، وتتزوج؛ فقيل: «تربصي بنفسك» أي انتظري؛ مثل أن تقول: تربصتُ بكذا، وكذا، وكذا. ٣ - ومنها: وجوب العدة بثلاث حيض على كل مطلقة سواء كان طلاقها بائناً أم لا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والمطلقات﴾.

стр. 1731

ويستثنى من ذلك: من لا تحيض لصغر، أو إياس: فعدتها ثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق: ٤]. ويستثنى أيضاً من طلقت قبل الدخول، والخلوة: فليس عليها عدة؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب: ٤٩]. ويستثنى أيضاً الحامل؛ فعدتها إلى وضع الحمل؛ لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤]. فهذه ثلاث مسائل مستثناة من عموم قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾. ٤ - ومن فوائد الآية: أن من فارق الزوجة بغير طلاق فليس عليها أن تعتد بثلاث حيض، كالمختلعة؛ وعليه فيكفي أن تستبرئ بحيضة؛ وهذا هو القول الراجح. ٥ - ومنها: أنه لو طلقها في أثناء الحيض لم يحتسب بالحيضة التي وقع فيها الطلاق؛ وجهه: أن الحيض لا يتبعض؛ فتلغى بقية الحيضة التي وقع فيها الطلاق؛ ولا بد لها من ثلاث حيض جديدة؛ وإلا يلزم على ذلك أن تكون عدتها ثلاثة قروء وبعض القرء؛ وهو خلاف النص؛ وهذا على القول بأن طلاق الحائض واقع؛ ولكن الصواب أن طلاق الحائض لا يقع؛ لحديث ابن عمر (١)؛ ولقول النبي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢)؛ ولنصوص أخرى دلت على عدم وقوع طلاق الحائض. ٦ - ومن فوائد الآية: أن الطلاق لا يقع قبل النكاح منجزاً كان، أو معلقاً؛ معيناً كان، أو مطلقاً؛ فلو قال لامرأة: «إن تزوجتك فأنت طالق» فتزوجها لم تطلق؛ لقوله تعالى: ﴿والمطلقات﴾؛ ولا طلاق إلا بعد قيد - وهو عقد النكاح -. ٧ - ومنها: أنه يرجع إلى قول المرأة في عدتها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾؛ وجه ذلك أن الله جعل قولها معتبراً؛ ولو لم يكن معتبراً لم يكن لكتمها أيّ تأثير؛ فإذا ادعت أن عدتها انقضت، وكان ذلك في زمن ممكن فإنها تصدق؛ وهي مؤتمنة على ذلك؛ أما إذا ادعت أن عدتها انقضت في زمن لا يمكن فإن قولها مردود؛ لأن من شروط سماع الدعوى أن تكون ممكنة؛ ودعوى المستحيل غير مسموعة أصلاً. ٨ - ومن فوائد الآية: أن المطلقة البائن عدتها ثلاثة قروء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والمطلقات﴾؛ فيشمل حتى البوائن؛ وهو قول جمهور العلماء؛ حتى لو كانت بائناً بالثلاث؛ فإنها لا بد أن تعتدّ بثلاثة قروء؛ وقال شيخ الإسلام ﵀: إن كانت المسألة إجماعية فالإجماع معتبر، وهو حجة؛ وإن لم تكن إجماعية فإن القول بأن المبانة تعتد بحيضة واحدة قول وجيه؛ فعلق القول به على وجود مخالف؛ وقد وجد؛ ويؤيد هذا القول قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾؛ فإن هذا الحكم إنما هو للرجعيات؛ فيكون العموم مخصصاً بذكر الحكم المختص ببعض أفراده؛ وهذه المسألة فيها نزاع بين العلماء - وهي أنه إذا ورد لفظ عام، ثم فرع عليه حكم يتعلق ببعض أفراده فهل يكون ذلك مخصصاً لعمومه -؛ أو يقال: إن ذكر حكم يختص ببعض الأفراد لا يقتضي التخصيص؛ ومن أمثلته حديث جابر: «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» (٣)؛ إذا نظرنا إلى أول الحديث: «في كل ما

стр. 1732

يقسم» وجدنا أن الشفعة تجري في كل شيء؛ وإذا نظرنا إلى آخره: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق»، قلنا: إن الشفعة لا تجري إلا فيما كان له حدود، وطرق - وهو الأرض -. و«الشفعة» أن ينتزع الشريك حصة شريكه التي باعها لطرف ثالث؛ مثال ذلك: زيد شريك لعمرو في أرض؛ فباع عمرو نصيبه لخالد؛ فلزيد أن يأخذ هذا النصيب من خالد بالثمن الذي يستقر عليه العقد؛ فإذا كان لشخصين سيارة واحدة، وباع أحدهما نصيبه من هذه السيارة لشخص ثالث فللشريك أن يأخذ هذا النصيب ممن اشتراه بثمنه على مقتضى أول الحديث العام؛ لكن قوله تعالى: «فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق» يقتضي أن لا شفعة له في نصيب شريكه في السيارة؛ لأنه لا حدود، ولا طرق فيها؛ والمسألة ذات خلاف معروف في كتب الفقه. ٩ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي ذكر ما يوجب القبول، والعمل؛ لقوله تعالى: ﴿إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾. ١٠ - ومنها: أنه ينبغي تحذير المؤتمن الذي لا يعلم بأمانته إلا الله من عذاب يوم الآخر إن هو لم يقم بواجب الأمانة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾. ١١ - ومنها: إثبات اليوم الآخر. ١٢ - ومنها: أن الرجعية في حكم الزوجات؛ لقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق﴾؛ فأثبت أنه بعل. فإن قال قائل: ألا يمكن أن يقال: ﴿بعولتهن﴾ فيما مضى؛ لأن الشيء قد يعبر عنه بعد انتهائه، كقوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ [النساء: ٢]؛ وهم لا يؤتونها إلا بعد زوال اليتم؛ كما أنه قد يعبر عن الشيء قبل وجوده، كقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾ [يوسف: ٣٦]؛ وهو إنما يعصر عنباً ليكون خمراً؟ فالجواب: أن الأصل خلاف ذلك؛ ولا يصار إلى خلاف الأصل إلا بدليل؛ لأن الأصل أن الوصف متحقق في الموصوف حتى يتبين زوال الوصف عنه؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الرجعية زوجة في حكم الزوجات؛ وينبني على ذلك أن كل ما يترتب على الزوجية فهو ثابت للرجعية إلا أنهم استثنوا بعض المسائل. ١٣ - ومن فوائد الآية: أنه لا حق للزوج في الرجعة إذا لم يرد الإصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿إن أرادوا إصلاحاً﴾؛ وقال بعض أهل العلم: «إن هذا ليس على سبيل الشرط؛ ولكنه على سبيل الإرشاد»؛ وهو خلاف ظاهر الآية؛ والواجب إبقاء الآية على ظاهرها؛ فليس له أن يراجع إلا بهذا الشرط. ١٤ - ومنها: أنه لا رجعة بعد انقضاء العدة؛ لقوله تعالى: ﴿أحق بردهن في ذلك﴾. ١٥ - ومنها: أن للزوجة حقاً كما أن عليها حقاً؛ لقوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن﴾. ١٦ - ومنها: إثبات الرجوع إلى العرف؛ لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾؛ وهكذا كل ما جاء، ولم يحدد بالشرع فإن مرجعه إلى العرف. ١٧ - ومنها: استعمال الاحتراس؛ وأنه لا ينبغي الإطلاق في موضع يخشى فيه من التعميم؛ لقوله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ أي حقوق الرجال أكثر من حقوق النساء؛ ولهذا كان على الزوجة أن تطيع زوجها؛ وليس على الزوج أن يطيع زوجته؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً﴾ [النساء: ٣٤]؛ وهذا من معنى الدرجة؛ ودرجة الرجال على النساء من وجوه متعددة؛ فالدرجة التي فضل بها الرجال على النساء في العقل، والجسم، والدين، والولاية، والإنفاق، والميراث، وعطية الأولاد.

стр. 1733

الأمر الأول: العقل؛ فالرجل عقله أكمل من عقل المرأة؛ وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن؛ قلن: ما نقصان العقل يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة الرجل بشهادة امرأتين؟ فذلك نقصان عقلها» (١). الأمر الثاني: الجسم؛ فإن الرجل أكمل من المرأة في الجسم؛ فهو أنشط من المرأة، وأقوى في الجسم. الأمر الثالث: الدين؛ فإن الرجل أكمل من المرأة في الدين؛ لأن الرسول ﷺ قال في المرأة: «إنها ناقصة في الدين»؛ وفَسر ذلك بأنها إذا حاضت لم تصلّ، ولم تصم؛ ولهذا يجب على الرجل من الواجبات الدينية ما لا يجب على المرأة، كالجهاد مثلاً. الأمر الرابع: الولاية؛ فقد فضل الرجل على المرأة في الولاية؛ فإن الله جعل الرجل قواماً على المرأة؛ فالرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض؛ ولهذا لا يحل أن تتولى المرأة ولاية عامة أبداً - لا وزارة، ولا غير وزارة -؛ فالولاية العامة ليست من حقوق النساء أبداً، ولا يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة. الأمر الخامس: الإنفاق؛ فالزوج هو الذي ينفق على المرأة؛ وقد قال النبي ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى" (٢)؛ و (اليد العليا): هي المعطية؛ و (السفلى): الآخذة. الأمر السادس: الميراث، وعطية الأولاد؛ فإن للذكر مثل حظ الأنثيين. ١٨ - ومن فوائد الآية: أن الذين لهم درجة على النساء هم الرجال الذين هم جديرون بهذا الوصف؛ وأما من جعل نفسه بمنزلة النسوة فهذا يكون شراً من المرأة؛ لأنه انتكس من الكمال إلى الدون؛ ومن ثم لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء؛ والمتشبهات من النساء بالرجال (٣)؛ حتى لا يعتدي أحد على حق؛ أو على اختصاصات أحد. ١٩ - ومنها: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: «العزيز»، و «الحكيم»؛ وما تضمناه من صفة - وهي العزة في (العزيز) -؛ والحكمة، والحكم في «الحكيم»؛ وما يترتب على ذلك من أثر. القرآن ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩] التفسير: الطلاق الذي تحصل به الرجعة مرتان، واحدة بعد الأخرى، فحكم الله بعد كل طلقة هو إمساك المرأة بالمعروف، وحسن العشرة بعد مراجعتها، أو تخلية سبيلها مع حسن معاملتها بأداء حقوقها، وألا يذكرها مطلقها بسوء. ولا يحل لكم- أيها الأزواج- أن تأخذوا شيئًا مما أعطيتموهن من المهر ونحوه، إلا أن يخاف الزوجان ألا يقوما بالحقوق الزوجية، فحينئذ يعرضان أمرهما على الأولياء، فإن خاف الأولياء عدم إقامة الزوجين حدود الله، فلا حرج على الزوجين فيما تدفعه المرأة للزوج مقابل طلاقها. تلك الأحكام هي حدود الله الفاصلة بين الحلال والحرام، فلا تتجاوزوها، ومن يتجاوز حدود الله تعالى فأولئك هم الظالمون أنفسهم بتعريضها لعذاب الله. في سبب نزول الآية أقوال:

стр. 1734

أحدها: أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن "هشام بن عروة عن أبيه، أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدا، ولا أؤيدك أبدا وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، حتى إذا دنا أجلك راجعتك فأتت رسول الله ﷺ ، فذكرت له، فأنزل الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾. قال هشام: ولم يكن لهم شيء ينتهون إليه من الطلاق" (١). والثاني: أخرج الطبري بسنده الصحيح عن عبد الله بن رباح، عن جميلة بنت أبي ابن سلول، أنها كانت عند ثابت بن قيس فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي ﷺ ، فقال: " يا جميلة، ما كرهت من ثابت؟ قالت: والله ما كرهت منه دينا ولا خلقا، إلا أني كرهت دمامته! فقال لها: أتردين الحديقة " قالت: نعم! فردت الحديقة وفرق بينهما" (٢). والثالث: أخرج الواحدي عن عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، أنها أتتها امرأة فسألتها عن شيء من الطلاق، قالت: "فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ قال: فنزلت: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ " (٣). قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: عدد الطلاق الذي يستحق الزوج فيه الردّ والرجعة: اثنتان" (٤). قال ابن عثيمين: "يعني أن الطلاق الذي فيه الرجعة مرتان: بأن يطلق مرة، ثم يراجع، ثم يطلق مرة، ثم يراجع" (٥). قال الشوكاني: "أي الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة للأزواج هو مرتان أي الطلقة الأولى والثانية إذلارجعة بعد الثالثة وإنما قال سبحانه ﴿مرتان﴾ ولم يقل طلقتان إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الطلاق مرة بعد مرة لا طلقتان دفعة واحدة كذا قال جماعة من المفسرين" (٦). وقد اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] على قولين (٧): الاول: أنه بيان لعدد الطلاق وتقديره بالثلاث، وأنه يملك في الاثنين الرجعة ولا يملكها في الثالثة. وهذا قول قتادة (٨)، وابن زيد (٩)، وعروة (١٠)، والسدي (١١)، وعكرمة (١٢). وذلك لأن "أهل الجاهلية وأهل الإسلام قبل نزولها لم يكن لطلاقهم نهاية تبين بالانتهاء إليها امرأته منه ما راجعها في عدتها منه، فجعل الله تعالى ذكره لذلك حدًّا، حرَّم بانتهاء الطلاق إليه على الرجل امرأتَه المطلقة، إلا بعد زوج، وجعلها حينئذ أملك بنفسها منه" (١٣).

стр. 1735

الثاني: أنه بيان لسنة الطلاق أن يوقع في كل قول طلقة واحدة، وهو قول عبد الله بن مسعود (١)، وعبد الله بن عباس (٢)، ومجاهد (٣). والراجح هو القول الأول، لأنه أولى بظاهر الآية، و"الآية إنما هي دليل على عدد الطلاق الذي يكون به التحريم، وبُطولُ الرجعة فيه، والذي يكون فيه الرجعة منه. وذلك أن الله تعالى ذكره قال في الآية التي تتلوها: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، فعرَّف عباده القدرَ الذي به تحرُم المرأة على زوجها إلا بعد زوجٍ - ولم يبين فيها الوقتَ الذي يجوز الطلاق فيه، والوقتَ الذي لا يجوز ذلك فيه، فيكون موجَّهًا تأويلُ الآية إلى ما روي عن ابن مسعود ومجاهد ومن قال بمثل قولهما فيه" (٤). والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، "أي ليس لكم بعد المرتين إلا الإمساك بالمعروف" (٥). قال الصابوني: أي: "وليس بعدهما إلا المعاشرة بالمعروف مع حسن المعاملة" (٦). قال الشوكاني: " أي فأمساك بعد الرجعة لمن طلقها زوجها طلقتين بمعروف أي بما هو معروف عند الناس من حسن العشرة" (٧). قال ابن عثيمين: " فعليكم إمساك بمعروف، أي: بما يتعارفه الناس من العشرة الطيبة الحسنة -" (٨). قال الضحاك: "المعروف: أن يحسن صحبتها" (٩). قال ابن عباس: " ليتق الله في التطليقة الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها " (١٠). قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: "أو الطلاق بإحسان" (١١). قال الشوكاني: " أي بترك الرجعة بعد الثانية حتى تنقضي عدتها" (١٢). قال الصابوني: يعني: "بألا يظلمها من حقها شيئاً ولا يذكرها بسوء ولا ينفّر الناس عنها" (١٣). قال ابن عثيمين: " أي إطلاق لهن؛ وهو كقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]؛ والمراد بـ (الإحسان) هنا أن يمتعها بشيء يجبر كسرها، ويطيب قلبها" (١٤). قال ابن عباس: " يسرحها، ولا يظلمها من حقها شيئًا" (١٥). قال السدي: " الإحسان: أن يوفيها حقها، فلا يؤذيها، ولا يشتمها" (١٦). قال الضحاك: " التسريح بإحسان: أن يدعها حتى تمضي عِدَّتها، ويعطيها مهرًا إن كان لها عليه إذا طلَّقها. فذلك التسريح بإحسان، والمتعة على قَدْر الميسرة" (١٧).

стр. 1736

قال الشوكاني: " عدد الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة مرتان، وقد اختلف أهل العلم في إرسال الثلاث دفعة واحدة هل يقع ثلاثا أو واحدة فقط فذهب إلى الأول الجمهور وذهب إلى الثاني من عداهم وهو الحق وقد قررته في مؤلفاتي تقريرا بالغا وأفردته برسالة مستقلة" (١). وقد ذكر العلماء بأن الطلاق على قسمين من حيث الصيغة: الصريح والكناية (٢) (٣).

стр. 1737

وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وذكروا فيه قولان (١): الأول: أن هذا في الطلقة الثالثة. وهذا قول عطاء (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤)، وهذا التفسير نقله الطبري (٥) (٦) وغيره (٧) عن الجمهور (٨).

стр. 1738

قال الكرماني: "أو التسريح بإحسان: عام يتناول إيقاع الثلاث دفعة" (١). ويسند القول ما أخرجه الطبري وغيره (٢) عن أبي رزين قال، أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله أرأيت قوله: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ فأين الثالثة؟ قال رسول الله ﷺ : " إمساكٌ بمعروف، أو تسريحٌ بإحسان " هي الثالثة" (٣). قال الحافظ ابن حجر: " وسنده حسن لكنه مرسل؛ لأن أبا رزين لا صحبة له (٤)، وقد وصله الدارقطني (٥) من وجه آخر عن إسماعيل فقال: عن أنس (٦) لكنه شاذ، والأول هو المحفوظ (٧) " (٨). والثاني: أنه عنى الله بذلك الدلالة على ما يلزمهم لهن بعد التطليقة الثانية من مراجعة بمعروف أو تسريح بإحسان، بترك رجعتهن حتى تنقضي عدتهن، فيصرن أملك لأنفسهن. وهو قول السدي (٩)، والضحاك (١٠) (١١). قال ابن حجر: " وقد رجح إلكيا الهراسي (١٢) من الشافعية في كتاب: (أحكام القرآن) له قول السدي، ودفع الخبر لكونه مرسلاً، وأطال في تقرير ذلك بما حاصله أن فيه زيادة فائدة، وهي بيان حال المطلقة وأنها تَبِين إذا انقضت عدتها، قال: وتؤخذ الطلقة الثالثة من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ اهـ" (١٣).

стр. 1739

ثم قال الحافظ: "والأخذ بالحديث أولى، فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري (١) من حديث ابن عباس بسند صحيح، قال: "إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في الثالثة، فإما أن يمسكها فيحسن صحبتها أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئاً"" (٢). قلت: قول ابن عباس لا يدل على أكثر من أن التسريح يراد به التطليق، وهو أمر مسلم به إذ لا ذكر للآية في أثره، ولا يلزم منه كون المراد بالتسريح في الآية التطليق، ومرسل أبي رزين ضعيف للإِرسال فإن ثبت فهو القول ولا قول لأحد بعد قوله ﷺ ، ويحمل الطلاق في قوله- : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ على أنه التسريح في قوله: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ويكون المعنى: فإن سرحها التسريحة الثالثة فلا تحل له من بعده حتى تنكح زوجاً غيره، وإن لم يثبت فالقولان محتملان. والراجح -والله أعلم- هو قول السدي والضحاك، وذلك لوجوه أربعة، ذكرها الرازي في تفسيره (٣): أحدها: أن الفاء في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ تقتضي وقوع الطلقة متأخرة عن التسريح، فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة لكان قوله: فإن طلقها طلقة رابعة وذلك لا يجوز. والثاني: أنه في حال حمل التسريح في الآية على ترك المراجعة في العدة تكون الآية متناولة لجميع الأحوال؛ لأنه بعد الطلقة الثانية إما أن يراجعها وهو المراد بقوله: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أو لا يراجعها وهو المراد بقوله: ﴿تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أو يطلقها الثالثة وهو المراد بقوله ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]. والثالث: أن ظاهر لفظ التسريح يدل على الإرسال والإهمال مما يدل على أن حمل التسريح في الآية على عدم المراجعة أولى من حمله على التطليق. والرابع: أنه قال بعد ذكر التسريح: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] والمراد به الحلغ، ولا يصح الخلع بعد الطلقة الثالثة. قال الرازي بعد ذكره تلك الوجوه: "فهذه الوجوه ظاهرة لو لم يثبت الخبر الذي رويناه في صحة ذلك القول، فإن صح ذلك الخبر فلا مزيد عليه" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: "لا يحل لكم أيها الأزواج أن تأخذوا مما دفعتم إِليهن من المهور شيئاً ولو قليلاً" (٥). قال الطبري: " ولا يحل لكم أيها الرجال، أن تأخذوا من نسائكم، إذا أنتم أردتم طلاقهن - لطلاقكم وفراقكم إياهن شيئا مما أعطيتموهن من الصداق، وسقتم إليهن، بل الواجب عليكم تسريحهن بإحسان، وذلك إيفاؤهن حقوقهن من الصداق والمتعة وغير ذلك مما يجب لهن عليكم" (٦). قال الشوكاني: " وتنكير ﴿شيئا﴾ للتحقير أي شيئا نزرا فضلا عن الكثير وخص ما دفعوه إليهن بعدم حل الأخذ منه مع كونه لا يحل للأزواج أن يأخذوا شيئا من أموالهن التي يملكنها من غير المهر لكون ذلك هو

стр. 1740

الذي تتعلق به نفس الزوج وتتطلع لأخذه دون ما عداه مما هو في ملكها على أنه إذا كان أخذ ما دفعه إليها لا يحل له كان ما عداه ممنوعا منه بالأولى" (١). وقد اختلف أهل العلم في الخطاب الموجه في قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، على قولين (٢): أحدهما: أن الخطاب للأزواج، أي لا يحل للأزواج أن يأخذوا مما دفعوه إلى نسائهم من المهر شيئا على وجه المضارة لهن. وهذا قول الجمهور. والثاني: أن الخطاب فيه للأئمة والحكام ليطابق قوله ﴿فإن خفتم﴾، فإن الخطاب فيه للأئمة والحكام وعلى هذا يكون إسناد الأخذ إليهم لكونهم الآمرين بذلك. والقول الأول أولى، وذلك لقوله تعالى ﴿مما آتيتموهن﴾، "فإن إسناده إلى غير الأزواج بعيد جدا لأن إيتاء الأزواج لم يكن عن أمرهم وقيل إن الثاني أولى لئلا يتشوش النظم" (٣). قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: "إِلا أن يخاف الزوجان سوء العشرة وألا يرعيا حقوق الزوجية التي أمر الله تعالى" (٤). قال الشوكاني: " أي لا يجوز لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا عدم إقامة حدود الله التي حدها للزوجين وأوجب عليهما الوفاء بها من حسن العشرة والطاعة" (٥). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، على وجهين (٦): أحدهما: ﴿يُخَافَآ﴾، قراءة حمزة وحده. على البناء للمجهول والفاعل محذوف، وهو الأئمة والحكام، واختاره أبو عبيد قال لقوله ﴿فإن خفتم﴾ فجعل الخوف لغير الزوجين، وقد احتج بذلك من جعل الخلع إلى السلطان وهو سعيد بن جبير (٧)، والحسن وابن سيرين، وقد ضعف النحاس اختيار أبي عبيد المذكور (٨). والثاني: ﴿يَخَافَآ﴾، بفتح (الياء)، وهي قراءة معظم أهل الحجاز والبصرة. وذلك بمعنى إلا أن يخاف الرجل والمرأة أن لا يقيما حدود الله، وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي بن كعب: ﴿إِلاَّ أَن يظنا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ (٩). والعرب قد تضع (الظن) موضع (الخوف)، و (الخوف) موضع (الظن) في كلامها، لتقارب معنييهما، كما قال أبو الغول الطهوي (١٠):

стр. 1741

أتاني كلام عن نصيب يقوله ... وما خفت يا سلام أنك عائبي بمعنى: ما ظننت. وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وجوها (١): أحدها: أن يظهر من المرأة النُّشُوز وسوء الخُلُق، وهو قول ابن عباس (٢) والضحاك (٣). والثاني: أن لا تطيع له أمراً، ولا تبرّ له قَسَماً، وهو قول ابن عباس (٤)، والحسن (٥)، والشعبي (٦)، وإبراهيم (٧)، والربيع (٨)، والزهري (٩)، وعروة (١٠)، وعامر (١١)، والسدي (١٢)، ومقسم (١٣) ومجاهد (١٤). والثالث: هو أن يبدي لسانها أنها له كارهة، وهو قول عطاء (١٥). والرابع: أن يكره كل واحد منهما صحبة الآخر، فلا يقيم كل واحد منهما ما أوجب الله عليه من حق صاحبه. وهو قول عامر (١٦)، طاووس (١٧)، وسعيد بن المسيب (١٨)، والقاسم بن محمد (١٩). وأولى هذه الأقوال بالصواب: "قول من قال: لا يحل للرجل أخذ الفدية من امرأته على فراقه إياها، حتى يكون خوف معصية الله من كل واحد منهما على نفسه - في تفريطه في الواجب عليه لصاحبه - منهما جميعا، على ما ذكرناه عن طاوس والحسن، ومن قال في ذلك قولهما; لأن الله تعالى ذكره إنما أباح للزوج أخذ الفدية من امرأته، عند خوف المسلمين عليهما أن لا يقيما حدود الله" (٢٠). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي "فإِن خفتم سوء العشرة بينهما وأرادت الزوجة أن تختلع بالنزول عن مهرها أو بدفع شيء من المال لزوجها حتى يطلقها" (٢١).

стр. 1742

قال الشوكاني: " أي إذا خاف الأئمة والحكام أو المتوسطون بين الزوجين وإن لم يكونوا أئمة وحكاما عدم إقامة حدود الله من الزوجين وهي ما أوجبه عليهما" (١). قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: " فلا إثم على الزوجين فيما بذلته فداءً لنفسها عن المقام معه" (٢). قال الشوكاني: "أي لا جناح على الرجل في الأخذ وعلى المرأة في الإعطاء، بأن تفتدي نفسها من ذلك النكاح ببذل شئ من المال يرضي به الزوج فيطلقها لأجله، وهذا هو الخلع وقد ذهب الجمهور إلى جواز ذلك للزوج وانه يحل له الأخذ مع ذلك الخوف وهو الذي صرح به القرآن" (٣). قال الصابوني: "فلا إِثم على الزوج في أخذه ولا على الزوجة في بذله" (٤). قال القاسمي: "أي: لا إثم على الزوج في أخذ ما افتدت به، ولا عليها في إعطائه. وهذه الآية أصل في الخلع" (٥). وحكى ابن المنذر عن بعض أهل العلم: "انه لا يحل له ما أخذ ولا يجبر على رده وهذا في غاية السقوط" (٦). وإن قيل: "لماذا جاءت الآية بنفي الجناح عليهما؟ فالجواب أن طلب الفداء والطلاق حرام على الزوجة بدون سبب؛ وحرام على الزوج أيضاً أن يأخذ شيئاً مما آتاها بدون سبب" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَليهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وجهان (٨): أحدهما: افتدت به نفسها من الصداق وحده من غير زيادة، وهو قول عليّ (٩)، وعطاء (١٠)، والربيع (١١)، والزهري (١٢)، وعمرو بن شعيب (١٣)، وابن المسيب (١٤)، وطاوس (١٥)، والشعبي (١٦)، والحكم (١٧)، والحسن (١٨). والقول الثاني: يجوز أن تُخَالِعَ زوجها بالصداق وبأكثر منه، وهذا قول عمر (١٩)، وعثمان (٢٠)، وعبد الله بن عمر (٢١)، وابن عباس (٢٢)، ومجاهد (٢٣)، والنخعي (٢٤)، وقبيصة بن ذؤيب (٢٥)، والشافعي (٢٦).

стр. 1743

وقد "احتجوا لقولهم ذلك بعموم الآية، وأنه غير جائزة إحالة ظاهر عام إلى باطن خاص إلا بحجة يجب التسليم لهاقالوا: ولا حجة يجب التسليم لها بأن الآية مراد بها بعض الفدية. دون بعض من أصل أو قياس، فهي على ظاهرها وعمومها" (١). والقول الثاني هو الأفرب إلى الصواب، واختاره الشوكاني قائلا: "وظاهر القرآن الجواز، لعدم تقييده بمقدار معين وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وروى مثل ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين" (٢). وقد اختلف العلماء في نسخها، على قولين (٣): أحدهما: أن الخلع منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوجٍ وَآتَيتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئاً﴾ [النساء: ٢٠]، وهذا قول بكر بن عبدالله (٤). قال الشوكاني: " وهو قول خارج عن الإجماع ولا تنافي بين الإثنين" (٥). والثاني: أن حكمها ثابت في جواز الخلع. وهذا قول الجمهور. وقد روى أيوب، عن كثير مولى سَمُرة "أن عمر بن الخطاب ﵁ أُتِيَ بامرأة ناشزة، فأمر بها إلى بيت كثير، فحبسها ثلاثاً، ثم دعاها فقال: كيف وجدت مكانك؟ قالت: ما وجدتُ راحة منذ كنت إلا هذه الليالي التي حبستني، فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها" (٦). والراجح هو قول الجمهور، فـ"إذا خيف من الرجل والمرأة أن لا يقيما حدود الله - على سبيل ما قدمنا البيان عنه - فلا حرج عليهما فيما افتدت به المرأة نفسها من زوجها، من قليل ما تملكه وكثيره مما يجوز للمسلمين أن يملكوه، وإن أتى ذلك على جميع ملكها. لأن الله تعالى ذكره لم يخص ما أباح لهما من ذلك على حد لا يجاوز، بل أطلق ذلك في كل ما افتدت به. غير أني أختار للرجل استحبابا لا تحتيما إذا تبين من امرأته أن افتداءها منه لغير معصية لله، بل خوفا منها على دينها أن يفارقها بغير فدية ولا جعل. فإن شحت نفسه بذلك، فلا يبلغ بما يأخذ منها جميع ما آتاها" (٧). قال الطبري: " فأما ما قاله بكر بن عبد الله، من أن هذا الحكم في جميع الآية منسوخ بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ فقول لا معنى له، فنتشاغل بالإبانة عن خطئه لمعنيين: أحدهما: إجماع الجميع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المسلمين، على تخطئته وإجازة أخذ الفدية من المفتدية نفسها لزوجها، وفي ذلك الكفاية عن الاستشهاد على خطئه بغيره. والآخر: أن الآية التي في " سورة النساء " إنما حرم الله فيها على زوج المرأة أن يأخذ منها شيئا مما آتاها، بأن أراد الرجل استبدال زوج بزوج من غير أن يكون هنالك خوف من المسلمين عليهما مقام أحدهما

стр. 1744

على صاحبه أن لا يقيما حدود الله، ولا نشوز من المرأة على الرجل. وإذا كان الأمر كذلك، فقد ثبت أن أخذ الزوج من امرأته مالا على وجه الإكراه لها والإضرار بها حتى تعطيه شيئا من مالها على فراقها حرام، ولو كان ذلك حبة فضة فصاعدا، وأما الآية التي في " سورة البقرة " فإنها إنما دلت على إباحة الله تعالى ذكره له أخذ الفدية منها في حال الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله بنشوز المرأة، وطلبها فراق الرجل، ورغبته فيها. فالأمر الذي أذن به للزوج في أخذ الفدية من المرأة في " سورة البقرة " ضد الأمر الذي نهى من أجله عن أخذ الفدية في " سورة النساء "، كما الحظر في " سورة النساء "، غير الإطلاق والإباحة في " سورة البقرة "، فإنما يجوز في الحكمين أن يقال أحدهما ناسخ إذا اتفقت معاني المحكوم فيه، ثم خولف بين الأحكام فيه باختلاف الأوقات والأزمنة، وأما اختلاف الأحكام باختلاف معاني المحكوم فيه في حال واحدة ووقت واحد، فذلك هو الحكمة البالغة، والمفهوم في العقل والفطرة، وهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل" (١). وقد زعم الفراء أن في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وجهان (٢): أحدهما: أن يكون مرادا به: فلا جناح على الرجل فيما افتدت به المرأة دون المرأة، وإن كانا قد ذكرا جميعا كما قال في " سورة الرحمن ": ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وهما من الملح لا من العذب، قال: ومثله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]، وإنما الناسي صاحب موسى وحده، ومثله في الكلام أن تقول: " عندي دابتان أركبهما وأستقي عليهما "، وإنما تركب إحداهما، وتستقي على الأخرى، وهذا من سعة العربية التي يحتج بسعتها في الكلام. والوجه الآخر: أن يشتركا جميعا في أن لا يكون عليهما جناح، إذ كانت تعطي ما قد نفي عن الزوج فيه الإثم. اشتركت فيه، لأنها إذا أعطت ما يطرح فيه المأثم، احتاجت إلى مثل ذلك. والقولان فيهما نظر، وقد اعترض عليهما الطبري في تفسيره (٣). قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: "تلك شرائعه فَلا تتجاوزوها بالمخالفة والرفض" (٤). قال الشوكاني: " أي أحكام النكاح والفراق المذكورة هي حدود الله التي أمرتم بامتثالها فلا تعتدوها بالمخالفة لها" (٥). قال الصابوني: أي "هذه الأحكام العظيمة من الطلاق والرجعة والخلع وغيرها هي شرائع الله وأحكامه فلا تخالفوها ولا تتجاوزوها إِلى غيرها ممّا لم يشرعه الله" (٦). قال السعدي: " ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي، أحكامه التي شرعها لكم، وأمر بالوقوف معها" (٧).

стр. 1745

قال العلماء: "إذا كانت الحدود مما يجب فعله قال تعالى: ﴿فَلا تَعْتَدُوهَا﴾؛ وأما إذا كانت الحدود من المحرمات فإنه تعالى يقول: ﴿فلا تقربوها﴾ " (١). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وجهين: أحدهما: أن المعنى: تلك طاعة الله فلا تعتدوها. قاله الضحاك (٢). والثاني: أن الطلاق من حدود الله فلا تعتدوها. قاله ابن شهاب (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فأولئك هُمُ الظالمون﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي و"من خالف أحكام الله، فقد عرَّض نفسه لسخط الله وهو من الظالمين المستحقين للعقاب الشديد" (٤). قال الضحاك: "يقول: " من طلق على غير هذا فقد ظلم نفسه" (٥). قال القاسمي: " أي: [الظالمين] لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعقابه. وتعقيب النهي بالوعيد للمبالغة في التهديد" (٦). قال الشيخ السعدي: " وأي ظلم أعظم ممن اقتحم الحلال، وتعدى منه إلى الحرام، فلم يسعه ما أحل الله؟ والظلم ثلاثة أقسام: ظلم العبد فيما بينه وبين الله، وظلم العبد الأكبر الذي هو الشرك، وظلم العبد فيما بينه وبين الخلق، فالشرك لا يغفره الله إلا بالتوبة، وحقوق العباد، لا يترك الله منها شيئا، والظلم الذي بين العبد وربه فيما دون الشرك، تحت المشيئة والحكمة" (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: حكمة الله ورحمته في حصر الطلاق بالثلاث بأنه لا رجعة بعد الثالثة حتى تنكح زوجاً غيره؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يطلِّق الإنسان زوجته عدة طلقات؛ فإذا قاربت انتهاء العدة راجع، ثم طلق، فتستأنف العدة؛ فإذا شارفت الانقضاء راجع، ثم طلق؛ فإذا شارفت الانقضاء راجع ثم طلق ... وهكذا؛ فتبقى المرأة معذبة: لا مزوجة، ولا مطلقة؛ فتبقى معلقة؛ فجعل الله الأمر في ثلاث طلقات فقط. ٢ - ومنها: اعتبار التكرار بالثلاث؛ وهذه لها نظائر كثيرة؛ فالسلام ثلاث؛ والاستئذان ثلاث؛ ورد الكلام إذا لم يفهم من أول مرة ثلاث؛ وفي الوضوء والعبادات أيضاً تكرار الثلاث كثير؛ فإذاً الثلاث تعتبر تكراراً يكتفى به في كثير من الأمور. ٣ - ومنها: الإشارة إلى أن الطلاق المكرر بلفظ واحد ليس بطلاق؛ بمعنى أنه لا يتكرر به الطلاق؛ لأن قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ وصف يجب أن يكون معتبراً؛ فإذا طلقت امرأتك؛ فقلت: أنت طالق؛ فقد طلقت؛ فإذا قلت ثانية: «أنت طالق» فكيف تورد طلاقاً على مطلقة؛ لأن الطلاق لا يرد إلا على من كانت غير مطلقة حتى يقال: طلقت؛ وهنا قال تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾؛ ولهذا قال الفقهاء ﵏: لو أن الرجل طلق امرأته، وحاضت مرتين، ثم طلقها بعد الحيضة الثانية لا تستأنف عدة جديدة للطلقة الثانية؛ بل تبني على ما مضى؛ وإذا حاضت الثالثة، وطهرت انقضت عدتها؛ لأن الطلاق الثاني ليس له عدة؛ وهذا مما يؤيد اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الطلاق المكرر لا عبرة به إلا أن يصادف زوجة غير مطلقة؛ ولأن الله قال: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾؛ والفقهاء الذين خالفوا في ذلك يقولون: إنه إذا كرر الطلاق في المرة الثانية لا تستأنف العدة؛ فإذاً هي مطلقة لغير عدة فلا يقع الطلاق؛ لأنه سيكون على خلاف ما أمر الله

стр. 1746

به؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)؛ وقد قال شيخنا عن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن من تأمله تبين له أنه لا يسوغ القول بخلافه»؛ لأنك إذا تأملت كلامه في أنه لا يقع طلاق على طلاق، وأنه لا يتكرر إلا على زوجة غير مطلقة فلا يمكن أن يتكرر الطلاق إلا إذا راجعها، أو عقد عليها عقداً جديداً؛ وهذا القول هو الراجح؛ وهو الذي أفتي به؛ وهو أنه لا طلاق على طلاق حتى لو قال ألف مرة: أنت طالق؛ فليس إلا مرة واحدة فقط؛ ويدل على هذا قول تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ أي مرة بعد مرة؛ فلا بد أن يقع على زوجة غير مطلقة. ٤ - ومن فوائد الآية: أن الواجب على المرء الذي طلق زوجته أحد أمرين؛ إما إمساك بمعروف؛ أو تسريح بإحسان؛ وأما أن يردها مع الإيذاء، والمنة، والتقصير، أو يسرحها بجفوة وعدم إحسان فلا يجوز. ٥ - ومنها: بيان حكمة الله في تشريعه ؛ إذ قال تعالى في الإمساك: ﴿بمعروف﴾؛ لأنه إذا ردها جبر قلبها بالرد؛ وقال تعالى في التسريح: ﴿بإحسان﴾؛ لأنه سيفارقها، فيحتاج إلى زيادة في معاملتها بالتي هي أحسن حتى ينضم إلى الفراق الإحسانُ - والله أعلم -. ٦ - ومنها: تحريم أخذ الزوج شيئاً مما أعطى زوجته من مهر، أو غيره؛ إلا أن يطلقها قبل الدخول والخلوة فله نصف المهر؛ لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ٧ - ومنها: جواز افتداء المرأة نفسها من زوجها بعوض؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾. ٨ - ومنها: أن ذلك إنما يكون إذا خافا ألا يقيما حدود الله؛ أما مع استقامة الحال فلا يجوز طلب الخلع؛ وفي الحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» (٢). ٩ - ومنها: أهمية النكاح، وبيان أنه راجع إلى الأسرة كلها؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله﴾. ١٠ - ومنها: أن للوسائل أحكام المقاصد؛ يؤخذ ذلك من جواز أخذ الإنسان من امرأته ما آتاها، أو بعضه إذا خيفت المفسدة في البقاء على الزوجية. ١١ - ومنها: اعتبار المفاسد، وسلوك الأهون لدفع الأشد؛ لأن الأخذ من مال الزوجة محرم بلا شك - كما قال تعالى -؛ لكن إذا أريد به دفع ما هو أعظم من تضييع حدود الله صار ذلك جائزاً؛ وهذه القاعدة لها أصل في الشريعة؛ منه قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم﴾ [الأنعام: ١٠٨]؛ فإنّ سبّ آلهة المشركين واجب؛ ولكن إذا كان يخشى من ذلك أن يسبوا الله عدواً بغير علم صار سبّ آلهتهم ممنوعاً. ١٢ - ومنها: جواز الخلع بأكثر مما أعطاها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فيما افتدت به﴾؛ فهو يشمل ما افتدت به من كثير، أو قليل؛ وقيل: إن هذا العموم عائد على قوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً﴾؛ فيكون المعنى: فيما افتدت به مما آتيتموهن؛ وعلى هذا فلا يأخذ منها أكثر مما أعطاها؛ ويمكن أن يقال: إن كانت هي التي أساءت، وطلبت الخلع فلا بأس أن يأخذ أكثر مما أعطاها؛ وإلا فلا.

стр. 1747

١٣ - ومن فوائد الآية: أن المخالَعة ليست رجعية؛ بمعنى أن الفراق في الخلع فراق بائن فلا سبيل لإرجاعها إلا بعقد جديد؛ لقوله تعالى: ﴿افتدت به﴾؛ فإذا كان فداءً فالفداء فيه عوض عن شيء؛ وإذا استلم الفداء لا يمكن أن يرجع المفدى عنه - وهو الزوجة - إلا بعقد جديد. ١٤ - ومنها: جواز تصرف المرأة في مالها بغير إذن زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿فيما افتدت به﴾؛ فإن الزوجة تتصرف في مالها كما تشاء في الحدود الشرعية سواء وافق زوجها على هذا التصرف، أم لم يوافق؛ ما دامت امرأة حرة رشيدة فلا اعتراض للزوج عليها؛ وهذه الفائدة قد ينازع فيها. ١٥ - ومنها: عظم شأن النكاح، وما يتعلق به؛ لأن الله قال: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾؛ فبين أن هذا من حدود الله، ونهى عن تعديه؛ وقد سبق الفرق بين قوله تعالى: ﴿فلا تعتدوها﴾، وقوله تعالى: ﴿فلا تقربوها﴾. ١٦ - ومنها: أن لله أن يحكم في عباده بما شاء؛ لقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله﴾. ١٧ - ومنها: أنه لا حاكم للخلق، ولا مشرِّع، إلا الله ؛ لقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾؛ ولو كان مشرع غيره لكان يمكن لكل إنسان أن يشرع لنفسه - ولو كان في ذلك تعدي حدود الله . ١٨ - ومنها: أن الخلع لا بد فيه من رضا الزوجة؛ لقوله تعالى: ﴿فيما افتدت به﴾؛ فإذا كانت الفدية منها فلا بد من رضاها؛ وأما إذا كانت الفدية من غيرها فإنه لا يشترط رضاها، كما لو أن أحداً من الناس رأى أن بقاء هذه المرأة مع زوجها فيه ضرر عليه في دينه؛ فذهب إليه، وأعطاه فدية ليخلع هذه المرأة، ويسلم من شرها؛ فهذا جائز - حتى وإن لم ترض بذلك -. ١٩ - ومنها: تحريم تعدي حدود الله؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾؛ والظلم حرام. ٢٠ - ومنها: أن التعدي لحدود الله ظلم عظيم؛ يؤخذ من حصر الظلم في تعديها، ومن الإتيان به في الجملة الاسمية الخبرية: ﴿فأولئك هم الظالمون﴾. ٢١ - ومنها: جواز الطلاق الثلاث المتفرق؛ لقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ إلى أن قال: ﴿فإن طلقها﴾ يعني الثالثة؛ فهنا لا شك أن الطلاق متفرق؛ لأنه تعالى قال: ﴿الطلاق مرتان﴾؛ ثم أدخل الفداء بينهما، وبين الطلاق الثالث؛ فدل هذا على أنه طلاق متفرق؛ وهذا جائز بالإجماع؛ أما إذا جمع الثلاث جميعاً في دفعة واحدة، مثل أن يقول: «أنت طالق ثلاثاً»، أو «أنت طالق طالق طالق» يريد الثلاث؛ أو «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق»؛ فقد اختلف أهل العلم في جواز ذلك؛ فمنهم من قال بإباحته، ونفوذه - فتبين به المرأة بينونة كبرى -؛ ومنهم من قال بتحريمه، ونفوذه؛ ومنهم من قال بتحريمه، ويقع واحدة؛ ومنهم من قال بتحريمه، وأنه لا يقع لا واحدة، ولا أكثر؛ فإذاً الأقوال أربعة؛ والصحيح أنه حرام، وأنه لا يقع إلا واحدة (١)؛ وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وعليه يدل الكتاب، والسنة؛ لأنه لا تقع البينونة إلا إذا طلقها بعد طلاق مرتين؛ والطلاق مرتين لا يكون إلا إذا كان بينهما رجعة، أو عقد؛ أما أن يرسل طلاقاً بعد طلاق فهذا ليس بشيء. ٢٢ - هناك من أفتى بأن الطلاق الشفوى للمتزوجات رسميًا لا يترتب عليه أثرًا شرعيًا حتى يوثق لدا الجهات المتختصة وقالوا: بل تظل هذه المطلقة شفويًا مرهونة على ذمة زوجها حتى يصدر لها وثيقة الطلاق الرسمية التى من تاريخها تبدأ المطلقة السير فى آثار الطلاق الشرعية مما يجعل الحكم بوقوع الطلاق الشفوى محل نظر، وفيما يأتي ذكر أدلتهم ومناقشتها:

стр. 1748

أ- أن الطلاق لا يقع بمجرد التلفظ به فى بعض الأحوال " كوجود الحيض أو المس فى الطهر الذى يراه الظاهرية وابن تيمية وابن القيم مانعًا من إيقاع الطلاق، وهو المعروف بالطلاق البدعى، حيث يلزم من وجود هذا المانع فى نظرهم عدم الطلاق، ولا يلزم من عدمه وجود الطلاق ولا عدمه. قالوا: ومن أمثلة موانع الطلاق أيضًا وجود حال الغضب المغيرة لوضع الزوج عن عادته بحيث لو كان فى حال اعتداله لما طلق، وهذا عند ابن تيمية وابن القيم، واشترط الجمهور لعدم وقوع طلاق الغضبان شدة الغضب لدرجة الهذيان واختلاط الكلام. وبهذا يتضح أكذوبة الحكم بوقوع كل ألفاظ الطلاق، استنادًا إلى حديث ما يمكن تسميته بعد توسع الفقهاء فى تطبيقه بأنه «سيف الأسر»، وهو ما أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذى بإسناد حسن وصححه الحاكم عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة" (١). فهل يهدم هذا الحديث أصول العقود والتصرفات التى تقوم على أسبابها وشروطها وانعدام موانعها، أم يجب عند تطبيق هذا الحديث أن يكون فى ظل تلك الأصول الثلاثة «وجود السبب، وتحقق الشرط، وانعدام المانع؟ » إذا أردنا الانتصار لأصول المعاملات فليس أمامنا فى تفسير هذا الحديث إلا أن نقول إنه إذا وقع أى عقد من «النكاح أو الطلاق أو الرجعة» على وجهه المعتبر عند الناس بوجود سببه وتحقق شرطه وانعدام موانعه فإننا نحكم بصحته حتى لو كان على وجه اللعب أو الهزل، كمن يريد مفاجأة زوجته فقدم لها مظروفًا بداخله وثيقة رسمية بطلاقها معتمدة من الجهات المعنية وبتوقيعه، فهنا نحكم بوقوع الطلاق حتى ولو كان تصرف هذا الزوج على وجه اللعب أو الهزل. أما إذا انعدم سبب الطلاق، أو تخلف شرط من شروط صحته، أو وجد مانع من موانع الحكم بصحته فهو والعدم سواء حتى ولو وقع لفظه بالجد لا بالهزل. وهذا هو الفقه الذى يحفظ الأسر من الضياع الذى يسببه أصحاب الفتاوى الطائشة الموهومون بحاكمية حديث «ثلاث جدهن جد» على الأصول المرعية فى العقود والتصرفات من ضرورة انضباطها بالأحكام الجعلية الثلاثة "السببية والشرطية والمانعية" (٢). الجواب عنه من وجهين: الأول: أن هذا كله خارج محل النزاع وهذه المسائل – التى قاسوا عليها - معتبرة فى الشرع وهى قديمة ولها أدلتها فى الكتاب والسنة وهى مؤصلة فى كتب الفقه والدواوين. فلا نزاع معهم فى عدم وقوع طلاق المكره ولا طلاق السكران ولا طلاق الغضبان الذى أغلق عليه غضبه.

стр. 1749

إنما النزاع هنا فى رجل قال لامرأته: أنت طالق ولم يلحق به أو بها مانع من هذه الموانع يبطل تلفظه بالطلاق. فلا هى حائض ولا هو قد جامعها فى مدة طهرها ولا هو متلبس بغضب أو سكر أو إكراه. فإن كانوا يقصدون عدم وقوع الطلاق بهذه الصور بحيث يدور مذهبهم فى فلكها ولا يخرج عنها وحاله التقييد بما جاءت به النصوص فى الكتاب والسنة فاللهم نعم وأيدينا على أيديهم. فهذا هو الذى عليه فقهاء السلف من الصحابة رضوان الله عليهم وممن تبعهم بأحسان. أما إطلاق القول بعدم وقوع الطلاق دون توثيق فهو قول ظاهر البطلان، عار من البرهان ولا تقوم به حجة ولا تصلح معه محجة. الثاني: فوقوع الطلاق بالقول الصريح هو حكم الله وحكم رسوله وعليه أجمعت الأمة وهو ظاهر بيّن ليس دونه سحاب، وعليه جماهير أهل العلم وعليه استقرت الفتوي وانتشر في الأفاق أنتشار الهواء في جو السماء، وحضوره في دواوين أهل العلم لا يخفى على بصير. فالله تعالى يقول ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] نص عام لم يشترط الله تعالى لإيقاع الطلاق به كتابةً أو إشهاداً أو توثيقاً. فمن اشترط لإيقاع الطلاق شيئا من ذلك فقد تعدى وأدخل فى الدين ما ليس فيه لقوله ﷺ "ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرطه مئة مرة، شرط الله أحق وأوثق" (١). ب- قالوا أن الحكم بإيقاع الطلاق اللفظى دون توثيق هو فى الحقيقة دعوة للزنا صراحة، لإنه لو طلق رجل امرأته وسافر إلى بلد أخرى وتركها، لن تسطيع أخذ حقها قانونا -لأن المحاكم مكدسة بالقضايا – فلن تستطيع إثبات الطلاق والبتالى لو غاب عنها مدة طويلة لن تستطيع الزواج من آخر ومعظمهم يصبرون على هذا الأمر، والبعض الآخر ينحرف عن الطريق السليم. والجواب عنه: أن هذا استدلالٌ باطل وحجةٌ واهية وتعاطف مذموم وليس في محله، لقد جعل الشرع الحكيم مخارجاً وسبلاً شرعية ومحكمة تكفل معالجة هذه المشكلات التي يصنعها إهمال الزوج تارة وغضبه تارة أخرى، كإقامة البينة على أن زوجها طلقها أو الاختلاع منه أو غير ذلك من السبل، فالشاهد أن الله تعالى لم يترك لأحد من خلقه التشريع لعباده ولا التبديل فى دينه بل أختص به دون خلقه فلا تجد أية تضرب أية ولا حديثا يخالف حديثا ولا إجماعا يضاد مصلحةً للمسلمين ولا نقصا يخل دينا، يقول الله تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ويقول تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. يقول أبو حامد الغزالي ﵀ في المستصفى: " لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع، فكل مصلحة كل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب أو السنة أو الإجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة مطرحة، ومن صار إليها فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع " (٢).

стр. 1750

ج- ومن استدلالاتهم أن الذمم والمقاييس الشرعية اختلفت في هذا العصر، فكان لا بد من الذهاب إلى هذا القول مخافةً أن يدعي الزوج عدم طلاقه زوجته أو تدعي هي العكس. جدير بالذكر أن الزواج قديمًا لم يكن بعقد رسمي وكان بإيجاب وقبول وشهادين، وقول «زوجتك وقبلت»، واستحدث بعد ذلك الوثائق والتسجيل في المحكمة وذلك لما خربت الذمم. الجواب عنه من وجوه: الأول: أن ما قُطِعَ بالشّرعِ ثبوتُهُ، أو كان على غلبة الظَّنِّ حكمًا شرعيًّا؛ فإنهُ لا يتغيّر بتغير الأزمان ولا يتبدّل بتبدل الذمم والطباع، وهذا من جملة الأحكام الشّرعيّة الثّابتة بالكتاب والسُّنَّة ومنها حكم الطلاق الذي ملّكه اللهُ تعالى للزوج. فالشّريعة لا تدور مَعَ دَوَرانِ شهواتِ النّاس واحتياجاتِهم المحضةِ، وإنّما تتجدّد بتجدّدِ النّظرِ في النّصوص الشّرعيّة والاستنباطِ منها. فتثبت بذلك الفتوى حينئذ؛ لأن مبناها ليس على زمانٍ أو مكانٍ أو عرفٍ أو حالٍ معين، وهناك من الفتاوى ما تكون مبنية على عرفٍ معين أو معنى معين، أو في حالٍ معينة، فإذا تغيرت هذه الأحوال والأعراف، تغيرت الأحكام، وبالتالي تتغير الفتوى إلى ما يناسب حال الناس واحتياجهم، وأعرافهم، وزمانهم ومكانهم بما لا يخالف النصوص الشرعية. قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: "فاعلم أنّ ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد؛ فليس في الحقيقة باختلافٍ في أصل الخطاب؛ لأنّ الشّرع موضوع على أنّه دائم أبدي لو فُرض بقاء الدّنيا من غير نهاية، والتّكليف كذلك؛ لم يحتج في الشّرع على مزيد، وإنّما معنى الاختلاف أنّ العوائد إذا اختلفت رَجَعَت كلُّ عادةٍ إلى أصلٍ شرعيٍّ يحكم به عليها؛ كما في البلوغ مثلاً، فإن الخطاب التّكليفي مرتفع عن الصبي ما كان قبل البلوغ، فإذا بلغ وقع عليه التكليف. فسقوط التّكليف قبل البلوغ، ثمّ ثبوته بعده ليس باختلاف في الخطاب، وإنّما وقع الاختلاف في العوائد والشّواهد" (١). الثاني: أنه لا يجوز ترك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة الصريحة وإجماعات السلف قرنا بعد قرن، قولاً وعملاً وفُتيا لمجرد احتمالات ومخاوف من تصرف بعض الأفراد الذين يتجرؤون على الشريعة وأحكامها وعلى هدم زيجاتهم وبيوتهم. قال ابن القيم ﵀: "فصل: في تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف النصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص وذكر إجماع العلماء على ذلك، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا). [الأحزاب: ٣٦]. وذكر ﵀ جملة من الأدلة من الكتاب والسنة والأقوال الموقوفة على الصحابة رضوان الله عليهم" (٢). الثالث: لا ينبغى للزوجين أن يتغافلا عن عظم جناية الكذب في هذا الباب، لأن كذب الزوج يعني استمتاعه بالفرج الحرام، وكذب الزوجة فيه استحلال مال زوجها بغير حق والله تعالى يقول ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠]. الرابع: إذا كانت الذمم قد خربت فى هذا الزمان فهل يأمنون التلاعب في الأوراق الموثقة والتزوير فيها، وهل يأمنون الكذب عند القاضي وإحضار رجالٍ لا يتورعون عن شهادة الزور؟ ومن تتبع مثل هذا في زماننا سيجد ما تشيب منه الرؤوس.

стр. 1751

د- إكثار الأزواج ألفاظ الطلاق الشفوية التي يندفعون إليها بسبب ضغوط الحياة بدون إرادة الطلاق الحقيقي، وقبول كثير منهم أدنى المبررات الفقهية التي تقضي بعدم احتساب لفظ الطلاق الشفوي طلاقاً شرعياً. فهل يعقل أن ينهدم هذا البنيان بكلمة في ساعة غضب أو حتى مزاح. الجواب عنه: أنه استدلال ساقط، عارٍ عن البرهان، فإن الزوج الذى يطلّق إما أنه مالك للفظ الطلاق، قادر على منعه، كامل الأهلية عند النطق به، وإما أن يكون مغلوباً عليه بإكراه (١) أو غضب شديد أو ذهاب عقل، أو غير ذلك. ولا ثالث لهاتين الحالتين، فإن كانت الأولى وقع طلاقه وتحمل تبيعات فعله كباقى التصرفات التى تصدر منه كالبيع والهبة والزواج، فالشّرع لا يدور مَعَ دَوَرانِ أهواء النّاس وأمزجتهم وشهواتهم، ولا يتنزّل على كل ما تركن إليهم نفوسهم. أما إن كانت الثانية فهذا لا يقع طلاقه فى أصح قولى العلماء. هذا وينبغي أن يعلم أن العجلة في تسرُّع بعض الناس في الطلاق، واستعجال بعض الرجال في إطلاق لفظ الطلاق على امرأته من غير أناءة في الأمور، لمجرَّد خصام، أو َ نزاع، أو اختلافٍ فى وجهة نظر، أوعدم قيام المرأة بشيء من الواجبات، أو تقصيرها في بعض الأمور، يؤدِّي ببعض الحمقى إلى أن يتسرَّع فيطلِّق المرأة لأتفه الأسباب وأحقرها، ولسبب لا يستحق شيئاً من ذلك، فيهدم بيته، ويفرِّق أسرته، ويشتِّت أولادَه، لماذا؟ لبعض الأمور التي يمكن تلافيها والصبر عليها، يقول النبي ﷺ " إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا" (٢)، وقال: " لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ" (٣)، وقال: " ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ" (٤) " (٥) هـ-أن الإسلام يعمل دوما على حفظ تماسك الأسرة واستمرارها وتماسكها إلى أقصى درجة ممكنة حتى تتحقق الغاية من الزواج الذى جعله الله آية من آياته. وجوابه من وجهين: الأول: لا يختلف مسلمان على أن هذا المقصد محمود، مرغب فيه، بل تحصيله واجب في الجملة، مجمع عليه من الأمة سلفاً وخلفا. لأن القرآن الكريم والسنة المطهرة كلاهما حث الزوج على إمساك الزوجة والصبر على أذاها وتحمل ذلك منها؛ والطلاق رغم كونه حلالاً إلا أنه بغيض إلى الله تعالى لما فيه من تشريد أسرةٍ وتشتيت شملٍ وتعريض لفتنةٍ، وما شرعه الله إلا رحمة بعباده وتوسعة علهم حين تستعصي الحياة الزوجية ويستحيل دوامها على ما يحبه الله ويرضاه.

стр. 1752

الثاني: لا يتعارض هذا المقصد مع تشريع الطلاق وإعطاء الزوج الحق في إنهاء العلاقة الزوجية، وهذا الحق له وحده لا يشاركه فيه غيره إلا في مواضع محصورة ومستثناه تقدم ذكرها. يقول ابن عاشور ﵀: "وقد يعرض من تنافر الأخلاق وتجافيها ما لا يطمع معه في تكوين هذه العلاقة فاحتيج إلى الطلاق للتخلص من هذه الصحبة، لئلا تنقلب سبب شقاق وعداوة فالتخلص قد يكون مرغوباً لكلا الزوجين" (١). قال الإمام الشاطبي ﵀ في كتابه "الموافقات": "أدلة الشريعة لا تتعارض في نفس الأمر، ولذلك لا تجد البتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن قد يقع التعارض في فهم الناظرين" (٢). و- أن الإشهاد على الطلاق ضروري، يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولا يتم الطلاق إلا به لحماية الأسرة من الانهيار بفعل بعض الأهواء والنزوات الشخصية التى لا تستند إلى العقل. وجواب ذلك من وجهين: الأول: أنه أجمع العلماء على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق (٣).

стр. 1753

الثاني: وقع في عهد النبي ﷺ بعض قضايا الطلاق ولم يثبت ولو في واحدة منها الأمر بالإشهاد وفيما يلى نورد بعضاً منها: - أخرج الإمام أحمد (١)، عن ابن عباس، قال: " طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله ﷺ : " كيف طلقتها؟ " قال: طلقتها ثلاثا، قال: فقال: " في مجلس واحد؟ " قال: نعم قال: " فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت " فلو كان الإشهاد واجبا لسأل رسول الله ركانة: هل أشهدت على طلاق امرأتك؟ . إذ إنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.

стр. 1754

- وأخرج مسلم (١)، وغيره من حديث عبد الله بن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمرُ النبي ﷺ فقال: " مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا " - والحديث روى بألفاظ وروايات كثيرة ولم يثبت فيها أمره لابن عمر بالإشهاد - وفي الموطأ، وغيره: " أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ سِمْوَالٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَمِيمَةَ بِنْتَ وَهْبٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا فَنَكَحَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ فَاعْتَرَضَ عَنْهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا فَفَارَقَهَا فَأَرَادَ رِفَاعَةُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَهُوَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَهَاهُ عَنْ تَزْوِيجِهَا وَقَالَ لَا تَحِلُّ لَكَ حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ " (٢). - وأخرج أحمد (٣)، وغيره أن عمرو بن حزم طلق الغميصاء، فنكحها رجل، فطلقها قبل أن يمسها، فأتت رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال: "حتى يذوق الآخر من عسيلتها". - وأخرج البخاري (٤)، وغيره أن ابنة الجون، لما أدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: "لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك" فطلقها رسول الله ولم يشهد. - وأخرج أحمد (٥)، وغيره عن عبد الله بن عمر، قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان عمر يكرهها، فأمرني أن أطلقها، فأبيت، فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن عند عبد الله بن عمر امرأة كرهتها له، فأمرته أن يطلقها فأبى، فقال لي رسول الله ﷺ : " يا عبد الله طلق امرأتك " فطلقتها " وهذا صريح في أنه لم يأمره بالإشهاد على طلاقه. وهنا يجب على الأزواج والزوجات الحذر وعدم التساعل في مسائل الطلاق، فقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: تساهل الناس بلفظ الطلاق، ثم يأتون إلى العلماء يستفتونهم في هذا، هل من كلمة توجيهية عن هذا؟ فأجاب ﵀: نعم، نوصي إخواننا جميعاً بالحذر من التساهل في الطلاق، لأنه يفرق بين الرجل وأهله، وفي الحديث الصحيح يقول الرسول ﷺ : "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" (٦)، هكذا جاء عنه ﵊ بإسناد حسن، فالمشروع للمؤمن أن يتحفظ وأن يحذر ما يفرق بينه وبين أهله، وأن يعالج الأمور والمشاكل التي بينه وبين أهله بالحكمة والكلام الطيب وبالأسلوب الحسن، لا بالطلاق، فالطلاق يفرق بين الزوجين، فينبغي للمؤمن أن يحذر الطلاق إلا عن وطر عن قصد عن رغبة في الطلاق فلا بأس، وإلا فليحذر أن يقع الطلاق بسبب المشاكل والغضب، بل يتحرى حل المشاكل بالكلام الطيب والأسلوب الحسن الذي تنهى به المشاكل من دون وقوع في الطلاق، أما إذا كان يرغب بالطلاق لسوء خلقها أو لأسباب أخرى فلا بأس، الله شرع الطلاق، يطلق واحدة لا يزيد عليها، يطلق واحدة، والحمد لله، طلقة واحدة" (٧). ويقول د حسام عفانة: التساهل في الطلاق واقعٌ من كثيرٍ من الأزواج، فيطلقون زوجاتهم لأتفه الأسباب، كالخلافات البسيطة على الطعام أو الشراب أو الخروج من البيت ونحوها من الأسباب التافهة، فيخربون بيوتهم بأيديهم بانفعالاتٍ وقتيةٍ، ومن ثمَّ يندمون على ما فعلوا، ويصير الواحد منهم يتنقل من شيخٍ

стр. 1755

إلى آخر ليحصل على فتوى تعيدُ له زوجته، وكأن ورقة المفتي أو الشيخ هي التي تسمح له باستمرار زواجه، ولا يدرك هؤلاء الإثم الذي وقعوا فيه، فمن طلق زوجته بدعياً فهو آثمٌ لوقوعه في الحرام، وكذلك فإنهم يتحملون تبعات الطلاق المالية والاجتماعية كتفكك الأسرة وتشريد الأطفال. ومن أوضح الأمثلة على تساهل بعض الأزواج في الطلاق تلاعبهم بألفاظ الطلاق وادعاؤهم أنهم لا يقصدون الطلاق، ومن المعلوم أن جماهير أهل العلم قد اتفقوا على وقوع الطلاق عند صدور لفظ الطلاق عن الزوج، وإن لم يكن قاصداً للطلاق، كأن يكون هازلاً، وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثلاثٌ جِدُهنَّ جِدٌ وهزلهُنَّ جِد، النكاحُ والطلاقُ والرجعةُ" (١). ومن أمثلة التساهل في الطلاق الحلفُ بالطلاق، فإن هذه الصيغة ليست طلاقاً عند جماعة من الفقهاء واعتبروها من لغو الكلام، ومن الفقهاء من اعتبرها يميناً، فإذا وقع الحنث فيه تلزم كفارةُ يمينٍ، وقد اعتبر قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية أن الحلف بالطلاق لا يقع به طلاقٌ، إذا كان يُقصد به الحملُ على فعل شيءٍ أو تركه، وأما جمهور الفقهاء بما فيهم الأئمة الأربعة في المعتمد عندهم، فقالوا إن الحلف بالطلاق يُعتبر طلاقاً. وعلى كل حالٍ فإن صور التساهل في الطلاق من الأزواج كثيرة، سواء كانت في العدد أو في الأحوال وغيرها، ومعلوم أن الطلاق مبغوضٌ كما روي في الحديث " أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ" (٢). كما ويجب على المفتين الحذر من التساهل في مسائل الطلاق، وللإمام الشاطبي كلام نفيس فذا الموضوع، إذ يقول: "المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يَحمِل الناس على الوسط المعهود فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال. والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة ... بلا إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين ... وقد رد النبي ﷺ على عثمان بن مظعون ﵁ التبتل، وقال لمعاذ ﵁ لما أطال بالناس الصلاة: أفتّان أنت يا معاذ؟ ... ورد عليهم الوصال، وكثير من هذا ... ولأنه إذا ذهب بالمستفتي مذهب العنت والحرج بُغّض إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة ... وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة" (٣). وقال العلامة ابن القيم: "من أفتى الناس، وليس بأهلٍ للفتوى، فهو آثمٌ عاصٍ، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك؛ فهو آثمٌ أيضاً. قال أبو الفرج ابن الجوزي ﵀: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب، وليس له علمٌ بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب، وهو يَطبُّ الناس، بل هو أسوأُ حالاً من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين. وكان شيخنا -ابن تيمية- ﵁ شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء أَجُعلت محتسباً على الفتوى، فقلت له يكون على الخبازين والطباخين محتسبٌ، ولا يكون على الفتوى محتسب" (٤). القرآن ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠]
следующие страницы →