← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

د- إكثار الأزواج ألفاظ الطلاق الشفوية التي يندفعون إليها بسبب ضغوط الحياة بدون إرادة الطلاق الحقيقي، وقبول كثير منهم أدنى المبررات الفقهية التي تقضي بعدم احتساب لفظ الطلاق الشفوي طلاقاً شرعياً. فهل يعقل أن ينهدم هذا البنيان بكلمة في ساعة غضب أو حتى مزاح. الجواب عنه: أنه استدلال ساقط، عارٍ عن البرهان، فإن الزوج الذى يطلّق إما أنه مالك للفظ الطلاق، قادر على منعه، كامل الأهلية عند النطق به، وإما أن يكون مغلوباً عليه بإكراه (١) أو غضب شديد أو ذهاب عقل، أو غير ذلك. ولا ثالث لهاتين الحالتين، فإن كانت الأولى وقع طلاقه وتحمل تبيعات فعله كباقى التصرفات التى تصدر منه كالبيع والهبة والزواج، فالشّرع لا يدور مَعَ دَوَرانِ أهواء النّاس وأمزجتهم وشهواتهم، ولا يتنزّل على كل ما تركن إليهم نفوسهم. أما إن كانت الثانية فهذا لا يقع طلاقه فى أصح قولى العلماء. هذا وينبغي أن يعلم أن العجلة في تسرُّع بعض الناس في الطلاق، واستعجال بعض الرجال في إطلاق لفظ الطلاق على امرأته من غير أناءة في الأمور، لمجرَّد خصام، أو َ نزاع، أو اختلافٍ فى وجهة نظر، أوعدم قيام المرأة بشيء من الواجبات، أو تقصيرها في بعض الأمور، يؤدِّي ببعض الحمقى إلى أن يتسرَّع فيطلِّق المرأة لأتفه الأسباب وأحقرها، ولسبب لا يستحق شيئاً من ذلك، فيهدم بيته، ويفرِّق أسرته، ويشتِّت أولادَه، لماذا؟ لبعض الأمور التي يمكن تلافيها والصبر عليها، يقول النبي ﷺ " إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا" (٢)، وقال: " لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ" (٣)، وقال: " ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ" (٤) " (٥) هـ-أن الإسلام يعمل دوما على حفظ تماسك الأسرة واستمرارها وتماسكها إلى أقصى درجة ممكنة حتى تتحقق الغاية من الزواج الذى جعله الله آية من آياته. وجوابه من وجهين: الأول: لا يختلف مسلمان على أن هذا المقصد محمود، مرغب فيه، بل تحصيله واجب في الجملة، مجمع عليه من الأمة سلفاً وخلفا. لأن القرآن الكريم والسنة المطهرة كلاهما حث الزوج على إمساك الزوجة والصبر على أذاها وتحمل ذلك منها؛ والطلاق رغم كونه حلالاً إلا أنه بغيض إلى الله تعالى لما فيه من تشريد أسرةٍ وتشتيت شملٍ وتعريض لفتنةٍ، وما شرعه الله إلا رحمة بعباده وتوسعة علهم حين تستعصي الحياة الزوجية ويستحيل دوامها على ما يحبه الله ويرضاه.

стр. 1752

الثاني: لا يتعارض هذا المقصد مع تشريع الطلاق وإعطاء الزوج الحق في إنهاء العلاقة الزوجية، وهذا الحق له وحده لا يشاركه فيه غيره إلا في مواضع محصورة ومستثناه تقدم ذكرها. يقول ابن عاشور ﵀: "وقد يعرض من تنافر الأخلاق وتجافيها ما لا يطمع معه في تكوين هذه العلاقة فاحتيج إلى الطلاق للتخلص من هذه الصحبة، لئلا تنقلب سبب شقاق وعداوة فالتخلص قد يكون مرغوباً لكلا الزوجين" (١). قال الإمام الشاطبي ﵀ في كتابه "الموافقات": "أدلة الشريعة لا تتعارض في نفس الأمر، ولذلك لا تجد البتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن قد يقع التعارض في فهم الناظرين" (٢). و- أن الإشهاد على الطلاق ضروري، يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولا يتم الطلاق إلا به لحماية الأسرة من الانهيار بفعل بعض الأهواء والنزوات الشخصية التى لا تستند إلى العقل. وجواب ذلك من وجهين: الأول: أنه أجمع العلماء على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق (٣).

стр. 1753

الثاني: وقع في عهد النبي ﷺ بعض قضايا الطلاق ولم يثبت ولو في واحدة منها الأمر بالإشهاد وفيما يلى نورد بعضاً منها: - أخرج الإمام أحمد (١)، عن ابن عباس، قال: " طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله ﷺ : " كيف طلقتها؟ " قال: طلقتها ثلاثا، قال: فقال: " في مجلس واحد؟ " قال: نعم قال: " فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت " فلو كان الإشهاد واجبا لسأل رسول الله ركانة: هل أشهدت على طلاق امرأتك؟ . إذ إنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.

стр. 1754

- وأخرج مسلم (١)، وغيره من حديث عبد الله بن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمرُ النبي ﷺ فقال: " مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا " - والحديث روى بألفاظ وروايات كثيرة ولم يثبت فيها أمره لابن عمر بالإشهاد - وفي الموطأ، وغيره: " أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ سِمْوَالٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَمِيمَةَ بِنْتَ وَهْبٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا فَنَكَحَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ فَاعْتَرَضَ عَنْهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا فَفَارَقَهَا فَأَرَادَ رِفَاعَةُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَهُوَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَهَاهُ عَنْ تَزْوِيجِهَا وَقَالَ لَا تَحِلُّ لَكَ حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ " (٢). - وأخرج أحمد (٣)، وغيره أن عمرو بن حزم طلق الغميصاء، فنكحها رجل، فطلقها قبل أن يمسها، فأتت رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال: "حتى يذوق الآخر من عسيلتها". - وأخرج البخاري (٤)، وغيره أن ابنة الجون، لما أدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: "لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك" فطلقها رسول الله ولم يشهد. - وأخرج أحمد (٥)، وغيره عن عبد الله بن عمر، قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان عمر يكرهها، فأمرني أن أطلقها، فأبيت، فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن عند عبد الله بن عمر امرأة كرهتها له، فأمرته أن يطلقها فأبى، فقال لي رسول الله ﷺ : " يا عبد الله طلق امرأتك " فطلقتها " وهذا صريح في أنه لم يأمره بالإشهاد على طلاقه. وهنا يجب على الأزواج والزوجات الحذر وعدم التساعل في مسائل الطلاق، فقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: تساهل الناس بلفظ الطلاق، ثم يأتون إلى العلماء يستفتونهم في هذا، هل من كلمة توجيهية عن هذا؟ فأجاب ﵀: نعم، نوصي إخواننا جميعاً بالحذر من التساهل في الطلاق، لأنه يفرق بين الرجل وأهله، وفي الحديث الصحيح يقول الرسول ﷺ : "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" (٦)، هكذا جاء عنه ﵊ بإسناد حسن، فالمشروع للمؤمن أن يتحفظ وأن يحذر ما يفرق بينه وبين أهله، وأن يعالج الأمور والمشاكل التي بينه وبين أهله بالحكمة والكلام الطيب وبالأسلوب الحسن، لا بالطلاق، فالطلاق يفرق بين الزوجين، فينبغي للمؤمن أن يحذر الطلاق إلا عن وطر عن قصد عن رغبة في الطلاق فلا بأس، وإلا فليحذر أن يقع الطلاق بسبب المشاكل والغضب، بل يتحرى حل المشاكل بالكلام الطيب والأسلوب الحسن الذي تنهى به المشاكل من دون وقوع في الطلاق، أما إذا كان يرغب بالطلاق لسوء خلقها أو لأسباب أخرى فلا بأس، الله شرع الطلاق، يطلق واحدة لا يزيد عليها، يطلق واحدة، والحمد لله، طلقة واحدة" (٧). ويقول د حسام عفانة: التساهل في الطلاق واقعٌ من كثيرٍ من الأزواج، فيطلقون زوجاتهم لأتفه الأسباب، كالخلافات البسيطة على الطعام أو الشراب أو الخروج من البيت ونحوها من الأسباب التافهة، فيخربون بيوتهم بأيديهم بانفعالاتٍ وقتيةٍ، ومن ثمَّ يندمون على ما فعلوا، ويصير الواحد منهم يتنقل من شيخٍ

стр. 1755

إلى آخر ليحصل على فتوى تعيدُ له زوجته، وكأن ورقة المفتي أو الشيخ هي التي تسمح له باستمرار زواجه، ولا يدرك هؤلاء الإثم الذي وقعوا فيه، فمن طلق زوجته بدعياً فهو آثمٌ لوقوعه في الحرام، وكذلك فإنهم يتحملون تبعات الطلاق المالية والاجتماعية كتفكك الأسرة وتشريد الأطفال. ومن أوضح الأمثلة على تساهل بعض الأزواج في الطلاق تلاعبهم بألفاظ الطلاق وادعاؤهم أنهم لا يقصدون الطلاق، ومن المعلوم أن جماهير أهل العلم قد اتفقوا على وقوع الطلاق عند صدور لفظ الطلاق عن الزوج، وإن لم يكن قاصداً للطلاق، كأن يكون هازلاً، وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثلاثٌ جِدُهنَّ جِدٌ وهزلهُنَّ جِد، النكاحُ والطلاقُ والرجعةُ" (١). ومن أمثلة التساهل في الطلاق الحلفُ بالطلاق، فإن هذه الصيغة ليست طلاقاً عند جماعة من الفقهاء واعتبروها من لغو الكلام، ومن الفقهاء من اعتبرها يميناً، فإذا وقع الحنث فيه تلزم كفارةُ يمينٍ، وقد اعتبر قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية أن الحلف بالطلاق لا يقع به طلاقٌ، إذا كان يُقصد به الحملُ على فعل شيءٍ أو تركه، وأما جمهور الفقهاء بما فيهم الأئمة الأربعة في المعتمد عندهم، فقالوا إن الحلف بالطلاق يُعتبر طلاقاً. وعلى كل حالٍ فإن صور التساهل في الطلاق من الأزواج كثيرة، سواء كانت في العدد أو في الأحوال وغيرها، ومعلوم أن الطلاق مبغوضٌ كما روي في الحديث " أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ" (٢). كما ويجب على المفتين الحذر من التساهل في مسائل الطلاق، وللإمام الشاطبي كلام نفيس فذا الموضوع، إذ يقول: "المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يَحمِل الناس على الوسط المعهود فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال. والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة ... بلا إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين ... وقد رد النبي ﷺ على عثمان بن مظعون ﵁ التبتل، وقال لمعاذ ﵁ لما أطال بالناس الصلاة: أفتّان أنت يا معاذ؟ ... ورد عليهم الوصال، وكثير من هذا ... ولأنه إذا ذهب بالمستفتي مذهب العنت والحرج بُغّض إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة ... وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة" (٣). وقال العلامة ابن القيم: "من أفتى الناس، وليس بأهلٍ للفتوى، فهو آثمٌ عاصٍ، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك؛ فهو آثمٌ أيضاً. قال أبو الفرج ابن الجوزي ﵀: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب، وليس له علمٌ بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب، وهو يَطبُّ الناس، بل هو أسوأُ حالاً من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين. وكان شيخنا -ابن تيمية- ﵁ شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء أَجُعلت محتسباً على الفتوى، فقلت له يكون على الخبازين والطباخين محتسبٌ، ولا يكون على الفتوى محتسب" (٤). القرآن ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠]

стр. 1756

التفسير: فإن طلَّق الرجل زوجته الطلقة الثالثة، فلا تحلُّ له إلا إذا تزوجت رجلا غيره زواجًا صحيحًا وجامعها فيه ويكون الزواج عن رغبة، لا بنية تحليل المرأة لزوجها الأول، فإن طلقها الزوج الآخر أو مات عنها وانقضت عدتها، فلا إثم على المرأة وزوجها الأول أن يتزوجا بعقد جديد، ومهر جديد، إن غلب على ظنهما أن يقيما أحكام الله التي شرعها للزوجين. وتلك أحكام الله المحددة يبينها لقوم يعلمون أحكامه وحدوده؛ لأنهم المنتفعون بها. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي: فإن طلقها "المرة الثالثة بعد المرتين" (١). قال ابن كثير: " أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين" (٢). قال الشوكاني: " أي فإن وقع منه ذلك فقد حرمت عليه بالتثليث" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وجهان (٤): أحدهما: أنها الطلقة الثالثة. وهو قول السدي (٥)، وقتادة (٦)، وابن عباس (٧)، والضحاك (٨)، وبه قال جمهور أهل التفسير. والثاني: أن ذلك تخيير لقوله تعالى: ﴿أَو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وهو قول مجاهد (٩). واختاره الطبري (١٠). قوله تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوجاً غَيرَهُ﴾ [القرة: ٢٣٠]، أي: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " (١١). قال ابن عباس: " يقول: إن طلقها ثلاثا فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره" (١٢). وروي عن السدي (١٣) نحوه. قال القرطبي: "وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه" (١٤). وقد اختلف العلماء فيما يكفي من النكاح، وما الذي يبيح التحليل، فذكروا فيه وجهان (١٥): أحدهما: أن مجرد العقد كاف.

стр. 1757

أي: أن نكاح الثاني إذا طلقها منه، أحلها للأول سواء دخل بها أو لم يدخل، وهو قول سعيد بن المسيب ومن وافقه (١). قال الشوكاني: " وقد أخذ بظاهر الآية سعيد ابن المسيب ومن وافقه، قالوا: يكفي مجرد العقد لأنه المراد بقوله ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوجاً غَيرَهُ﴾ " (٢). وقد اعترض عليه ابن المنذر قائلا: " ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء، وعلى هذا جماعة العلماء إلا سعيد بن المسيب فقال: أما الناس فيقولون: لا تحل، للأول حتى يجامعها الثاني، وأنا أقول: إذا تزوجها زواجا صحيحا لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوجها الأول. وهذا قول لا نعلم أحدا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، والسنة مستغنى بها عما سواها" (٣). قال القرطبي -بعد أن ذكر قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير-: " وأظنهما لم يبلغهما حديث العسيلة أو لم يصح عندهما فأخذا بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ والله أعلم" (٤). وقد قال بعض علماء الحنفية: "من عقد على مذهب سعيد بن المسيب فللقاضي أن يفسخه، ولا يعتبر فيه خلافه لأنه خارج عن إجماع العلماء" (٥). والثاني: أنه لا يكفي مجرد الوطء حتى يكون إنزال. أي: أنها لا تحل للأول بنكاح الثاني، حتى يدخل بها فتذوق عسيلته ويذوق عسيلتها، للسنّة المروية فيه، وهو قول الجمهور (٦). قال الشيخ السعدي: " ويشترط أن يكون نكاح الثاني، نكاح رغبة، فإن قصد به تحليلها للأول، فليس بنكاح، ولا يفيد التحليل، ولا يفيد وطء السيد، لأنه ليس بزوج، فإذا تزوجها الثاني راغبا ووطئها، ثم فارقها وانقضت عدتها" (٧). قال القرطبي: " وذهب الجمهور من العلماء والكافة من الفقهاء إلى أن الوطء كاف في ذلك، وهو التقاء الختانين الذي يوجب الحد والغسل، ويفسد الصوم والحج ويحصن الزوجين ويوجب كمال الصداق. قال ابن العربي: ما مرت بي في الفقه مسألة أعسر منها، وذلك أن من أصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟ فإن قلنا: إن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا أن نقول بقول سعيد بن المسيب. وإن قلنا: إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب الحشفة في الإحلال، لأنه آخر ذوق العسيلة على ما قاله الحسن. قال ابن المنذر: ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء، وعلى هذا جماعة العلماء إلا سعيد بن المسيب" (٨).

стр. 1758

والراجح هو قول الجمهور، والدلالة على ذلك إجماع الأمة جميعا على أن ذلك معناه، ويؤيده حديث عائشة، قالت: " جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفاعَةَ (١) الْقُرَظِيِّ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ. فَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ " (٢).

стр. 1759

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] أي: "الزوج الثاني" (١). قال مقاتل: " ﴿فإن طلقها﴾: هذا الذي نكحها بعد ما جامعها" (٢). قال الطبري: أي: " فإن طلق المرأة - التي بانت من زوجها بآخر التطليقات الثلاث بعد ما نكحها مطلقها الثاني" (٣). قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي" فلا بأس أن تعود إِلى زوجها الأول بعد انقضاء العدّة" (٤). قال ابن عباس: " يقول: إذا تزوجت بعد الأول، فدخل الآخر بها، فلا حرج على الأول أن يتزوجها إذا طلق الآخر أو مات عنها، فقد حلت له " (٥). قال علي: "أشكل علي قوله: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾، فدرست القرآن، فعرضت أنه يعني: إذا طلق الزوج الأخير، رجعت إلى زوجها الأول المطلق ثلاثا" (٦). قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق زوجته ثلاثا ثم انقضت عدتها ونكحت زوجا آخر ودخل بها ثم فارقها وانقضت عدتها ثم نكحت زوجها الأول أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات" (٧). قال القرطبي: " فمتى علم الزوج أنه يعجز عن نفقة زوجته أو صداقها أو شيء من حقوقها الواجبة عليه فلا يحل له أن يتزوجها حتى يبين لها، أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها وكذلك لو كانت به علة تمنعه من الاستمتاع كان عليه أن يبين، كيلا يغر المرأة من نفسه. وكذلك لا يجوز أن يغرها بنسب يدعيه ولا مال له ولا صناعة يذكرها وهو كاذب فيها. وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج، أو كان بها علة تمنع الاستمتاع من جنون أو جذام أو برص أو داء في الفرج لم يجز لها أن تغره، وعليها أن تبين له ما بها من ذلك، كما يجب على بائع السلعة أن يبين ما بسلعته من العيوب، ومتى وجد أحد الزوجين بصاحبه عيبا فله الرد، فإن كان العيب بالرجل فلها الصداق إن كان دخل بها، وإن

стр. 1760

لم يدخل بها فلها نصفه. وإن كان العيب بالمرأة ردها الزوج وأخذ ما كان أعطاها من الصداق، وقد روي أن النبي ﷺ تزوج امرأة من بني بياضة فوجد بكشحها برصا فردها وقال: "دلستم علي" (١) " (٢). قوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي: " إِن كان ثمة دلائل تشير إِلى الوفاق وحسن العشرة" (٣). قال الطبري: أي: "إن رجوا مطمعا أن يقيما حدود الله، وإقامتهما حدود الله: العمل بها، وحدود الله: ما أمرهما به، وأوجب بكل واحد منهما على صاحبه، وألزم كل واحد منهما بسبب النكاح الذي يكون بينهما" (٤). قال النسفي: " إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية ولم يقل إن علما أنهما يقيمان لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله" (٥). قال الراغب: " وعلق بالظن، لأن ما يكون من الإنسان في المستقبل من الممكنات لا سبيل إلى معرفته إلا بالظن، وليس شرطاً في صحة النكاح، بل في إباحته ورفع المآثم، لأن العقد صحيح، فإن ظنا أن لا يقيما حدود الله، وبين أن تلك الحدود بينها لقوم يعلمون- تنبيهاً أنهم هم الذين يتبينونها، لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ " (٦). قال ابن عثيمين: ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي" ما أوجبه الله على كل منهما من المعاشرة بالمعروف" (٧). قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الله﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي و"تلك شرائع الله وأحكامه" (٨). قال مقاتل بن حيان: "تلك طاعته" (٩). و﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾: " أي: أحكامه المحميّة من التغيير والمخالفة" (١٠). قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي: " يوضحها ويبينها لذوي العلم والفهم الذين ينظرون في عواقب الأمور" (١١). قال القرطبي: " لأن الجاهل إذا كثر له أمره ونهيه فإنه لا يحفظه ولا يتعاهده. والعالم يحفظ ويتعاهد، فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال" (١٢). قال ابن عثيمين: " أي لقوم ذوي استعداد، وقبول للعلم" (١٣).

стр. 1761

قال القاسمي: "أي: يكشف اللبس عنها لقوم فيهم نهضة وجدّ في الاجتهاد فيجددون النظر والتأمل بغاية الاجتهاد في كل وقت، فبذلك يعطيهم الله ملكة يميزون بها ما يلبس على غيرهم إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [الأنفال: ٢٩]، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٢] " (١). قال ابن عاشور: "وإقحام كلمة (لقوم) للإيذان بأن صفة العلم سجيتهم وملكة فيهم، كما تقدم بيانه عند قوله تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار إلى قوله لآيات لقوم يعقلون [البقرة: ١٦٤] " (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: تحريم المطلقة ثلاثاً على مطلقها حتى تتزوج؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾. ٢ - ومنها: أن نكاح الزوج الثاني على وجه لا يصح لا تحل به للأول؛ لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾؛ ولا يكون زوجاً إلا بعقد صحيح؛ ولذلك لو تزوجها الثاني بنية تحليلها للأول فنكاحه غير صحيح؛ فلا تحل به للأول. ٣ - ومنها: حلها للزوج الأول بعد مفارقة الثاني لها؛ لقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾؛ وظاهر الآية الكريمة أنها تحل للأول بمجرد عقد الثاني عليها، ومفارقته لها؛ لكن السنة بينت أنه لا بد من وطء الثاني وطأً تاماً بانتشار؛ وذلك أن امرأة رفاعة القرظي بانت منه بالثلاث؛ فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبِير - بفتح الزاي، وكسر الباء -؛ ولم يكن يقدر على الجماع؛ فأتت النبي ﷺ ، وقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني، فَبَتَّ طلاقي، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ولم يكن معه إلا مثل هدبة الثوب، وقالت بثوبها؛ فقال لها النبي ﷺ : «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ ! لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك» (٣). ٤ - ومن فوائد الآية: أن الزوجة المطلقة ثلاثاً لو وطئت بملك اليمين فإنها لا تحل للزوج الأول؛ لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾؛ مثال ذلك: امرأة مملوكة لشخص وقد تزوجها شخص آخر، فطلقها الزوج الآخر، ثم انقضت عدتها، وجامعها سيدها بحكم ملك اليمين، ثم أراد زوجها الأول أن يتزوجها فلا يمكن أن يتزوجها؛ لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾. ٥ - ومنها: إطلاق المراجعة على عقد النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾؛ والمعروف عند الفقهاء أن الرجعة إعادة مطلقة غير بائن إلى عصمة زوجها؛ هذه هي الرجعة عندهم؛ لكن هذا اصطلاح خاص؛ أما في القرآن فتطلق المراجعة على عقد النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾؛ هذا وقد قسم بعض أهل العلم المراجعة شرعاً إلى ثلاثة أقسام؛ فقالوا: قد يراد بها العقد؛ وقد يراد بها إعادة المطلقة رجعياً إلى عصمة زوجها، كما في اصطلاح الفقهاء؛ وقد يراد بالمراجعة أن تعاد المرأة إلى عصمة زوجها بدون طلاق، كما في حديث ابن عمر ﵄ حين طلق امرأته وهي حائض؛ فقال النبي ﷺ لعمر: «مُرْه فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس» (٤)؛ فالمراد بقوله (ص): «فليراجعها» أن يردها إلى عصمته، ويلغي الطلاق، كما لو تبايع رجلان على عقد فاسد، وقلت لهما: «تراجعا» أي راجعا العقد، أو ألغياه؛ فالمراد بالمراجعة في

стр. 1762

حديث ابن عمر إلغاء الطلاق على القول الصحيح - وإن كان الجمهور على أنها مراجعة مطلقة حسب اصطلاح الفقهاء -. ٦ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز أن يتراجع الزوجان حتى يغلب على ظنهما أن يقيما حدود الله؛ أي أن يقوم كل منهما بمعاشرة الآخر بما يجب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ وجه ذلك: أنهما إذا تراجعا بغير هذا الشرط صار هذا العقد عبئاً، وعناءً، وتعباً، وخسارة مالية؛ لأنهما لا يضمنان أن يرجعا إلى الحال الأولى. ٧ - ومنها: الاكتفاء بالظن في الأمور المستقبلة؛ لأن طلب اليقين في المستقبل من باب التكليف بما لا يطاق؛ لقوله تعالى: ﴿إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾؛ وقد قال الله ﵎: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال: «قد فعلت» (١). ويتفرع على هذه الفائدة فائدة مهمة: وهي إذا حلف الإنسان على المستقبل بناءً على غلبة الظن، فتبين بخلافه فلا كفارة فيه؛ لأنه يحلف على ما في نفسه، وعلى ظنه؛ وهذا القول هو الراجح؛ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. ٨ - ومن فوائد الآية: عناية الله بعباده في بيان ما يجب عليهم في عبادتهم، وفي معاملة بعضهم لبعض حتى لا تحصل الفوضى المؤدية إلى النزاع الذي قد يصل إلى القتال. ٩ - ومنها: أنه إذا لزم من فعل المباح شيء محرم صار الشيء المباح حراماً؛ لأن رجوع الزوجة حلال في الأصل؛ فإذا لم يظن الإنسان أنه يقوم بالحدود صار حراماً؛ وهو في الأصل حلال؛ وعلى هذا فنقول: إذا استلزم العقد إبطالاً لواجب، أو وقوعاً في محرم صار ذلك حراماً؛ وهي في مسائل كثيرة؛ منها: لو تبايع رجلان تلزمهما الجمعة بعد ندائها الثاني: فالبيع حرام، والعقد باطل؛ لأنه وقوع فيما حرم الله . ١٠ - ومنها: أنه لا يعرف هذه الحدود، ويتبينها إلا من كان من ذوي العلم؛ فكلما كان أعلم كانت الحدود في حقه أبين وأظهر؛ فطالب العلم يتعلم من اللفظ مسائل أخرى؛ فالعلم يغذي بعضه بعضاً؛ وطالب العلم رابح بكل حال؛ فهو ليس كطالب المال قد يشتري السلعة وهو يظن الربح، ثم يخسر؛ فطالب العلم أيّ مسألة يعلمها فإنها مفتاح له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يبينها لقوم يعلمون﴾. ١١ - ومن فوائد الآية: أنه لا شيء في دين الله يكون مجهولاً لكل أحد؛ لا من العبادات، ولا من المعاملات؛ فكل شيء مبيَّن؛ فإن قيل: هناك أشياء تشكل على أهل العلم، ولا يعرفون حكمها؟ فالجواب: أن الخلل هنا ليس في النص؛ ولكنه فيمن يستنبط الأحكام من النص؛ فقد يكون لنقص في علمه، أو قصور في فهمه، أو عدوان في قصده؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : «رُبَّ مبلغ أوعى من سامع» (٢)؛ وقد يكون الخلل في إعراض الإنسان عن التدبر، وبذْل الاجتهاد، وطلبِ الحق؛ وقد يكون عند الإنسان علم، وفهم، وجلد، وتدبر؛ لكن هناك ذنوباً تحول بينه، وبين وصوله للحق، كما في قوله تعالى: ﴿إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ [المطففين: ١٣، ١٤]؛ لأن المعاصي تُظلم القلب؛ وإذا أظلم القلب لا يستنير؛ وكيف يتبين له الحق وهو مظلم؟ ! ولهذا قال الله لنبيه ﷺ : ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً﴾ [النساء: ١٠٥]، ثم قال تعالى: ﴿واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ١٠٦ أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية أنه ينبغي لمن سئل عن علم أن يستغفر الله حتى تزول عنه الذنوب باستغفاره، ويتبين له الحق؛ وعلى هذا فنقول: إن جميع الأحكام التي تتعلق بالعبادات، أو المعاملات قد بينها

стр. 1763

الله لكن العيب عيب المستدل؛ فالأدلة واضحة كافية؛ لكن المستدل قد تخفى عليه الأحكام للأسباب التي ذكرناها، وغيرها. ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي غلط من قال: «إن النصوص لم تستوعب جميع الأحكام، وأننا محتاجون إلى العقول في الأحكام»؛ فإن الله قال: ﴿يبينها لقوم يعلمون﴾؛ فالنصوص كافية من كل ناحية. ١٢ - ومن فوائد الآية: أن كل ما خالف شريعة الله فليس من أحكام الله؛ لقوله تعالى: ﴿يبينها﴾. ١٣ - ومنها: أن الخلع ليس بطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له﴾ الآية؛ ولو كان الخلع طلاقاً لكان قوله تعالى: ﴿فإن طلقها﴾ هي الطلقة الرابعة؛ وهذا خلاف إجماع المسلمين؛ لأن المرأة تبين بالطلاق الثلاث بإجماعهم؛ وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق صار طلاقاً؛ واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الخلع فسخ بأي لفظ كان - ولو بلفظ الطلاق -، وقال: إن هذا هو ظاهر الآية؛ لأنه تعالى قال: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت﴾؛ ولم يذكر صيغة معينة؛ لأنه إنما يعتبر في العقود بمعانيها لا بألفاظها؛ فما دام هذا الطلاق الذي وقع من الزوج إنما وقع بفداء من المرأة افتدت نفسها به - فهذا لا يمكن أن نعده طلاقاً ولو وقع بلفظ الطلاق؛ وما ذكره ﵀ فإنه منظور فيه إلى المعنى؛ وما قاله غيره - من أنه إذا وقع بلفظ الطلاق كان طلاقاً - فقد نظر فيه إلى اللفظ؛ ولا ريب أن من تأمل الشريعة وجد أنها تعتني بالمعنى أكثر من الاعتناء باللفظ؛ أما الألفاظ فهي قوالب للمعاني؛ وأنت إذا ألبست المرأة ثوب رجل لا تكون رجلاً؛ كما أنك إذا ألبست رجلاً ثوب امرأة لم يكن امرأة؛ فالألفاظ عبارة عن قوالب تدل على ما وراءها؛ فإذا صار المعنى هو التخلص من الزوج بهذا الفداء فكيف يحسب طلاقاً؟ ! ١٤ - ومن فوائد الآية: تعظيم شأن النكاح بأن الله ذكر له حدوداً في عقده، وفي حله؛ لأنه يترتب عليه مسائل كثيرة من المحرمية، والنسب، والميراث، وغير ذلك - كحقوق الزوجية -؛ ولهذا اشترط فيه أن يكون بِوَلي؛ فالمرأة تستطيع أن تبيع كل مالها؛ لكن لا تستطيع أن تزوج نفسها، كما اشترط فيه الإشهاد على رأي كثير من أهل العلم؛ وكل العقود لا يشترط فيها ذلك؛ وأيضاً اشترط فيه الإعلان على رأي بعض أهل العلم؛ والعقود الأخرى لا يشترط فيها ذلك؛ وأيضاً أنه لا يصلح العقد في بعض الأحوال، والأزمان؛ وهذا يشاركه فيه بعض العقود؛ وكل ذلك من باب الأهمية في هذا العقد العظيم الذي تترتب عليه هذه الأمور الكبيرة. القرآن ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٣١] التفسير: وإذا طَلَّقتم النساء فقاربن انتهاء عدتهن، فراجعوهن، ونيتكم القيام بحقوقهن على الوجه المستحسن شرعًا وعرفًا، أو اتركوهن حتى تنقضي عدتهن. واحذروا أن تكون مراجعتهن بقصد الإضرار بهن لأجل الاعتداء على حقوقهن. ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه باستحقاقه العقوبة، ولا تتخذوا آيات الله وأحكامه لعبًا ولهوًا. واذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام وتفصيل الأحكام. واذكروا ما أنزل الله عليكم من القرآن والسنة، واشكروا له سبحانه على هذه النعم الجليلة، يُذكِّركم الله بهذا، ويخوفكم من المخالفة، فخافوا الله وراقبوه، واعلموا أن الله عليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء، وسيجازي كلا بما يستحق. في سبب نزول الآية، قال ابن عباس: " كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قيل انقضاء عدتها، ثم يطلقها. يفعل ذلك يضارها ويعضلها، فأنزل الله هذه الآية " (١). قال ابن كثير: "هذا أمر من الله للرجال إذا طلق أحدهم المرأة طلاقا له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها، ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها، أي: يرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف، وهو أن يشهد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها، أي: يتركها حتى تنقضي عدتها، ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن، من غير شقاق ولا مخاصمة ولا تقابح" (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣١]، " أي إِذا طلقتم يا معشر الرجال النساء طلاقاً رجعياً" (٣). والخطاب هنا لعامة الناس؛ أي إذا طلق الأزواج نساءهم (٤). قال القاسمي: " أي: طلاقا رجعيا" (٥). قوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١]، أي" أي قاربن انقضاء أجل العدة وشارفن آخرها" (٦). قال الصابوني: "وقاربن انقضاء العدة" (٧). قال القرطبي: " معنى ﴿بَلَغْنَ﴾ قاربن، بإجماع من العلماء، ولأن المعنى يضطر إلى ذلك، لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك، وهو في الآية التي بعدها بمعنى التناهي، لأن المعنى يقتضي ذلك، فهو حقيقة في الثانية مجاز في الأولى" (٨). قال الشوكاني: " البلوغ إلى الشئ، معناه الحقيقي الوصول إليه ولا يستعمل البلوغ بمعنى المقاربة إلا مجازا لعلاقة مع قرينة كما هنا فإنه لا يصح إرادة المعنى الحقيقي لأن المرأة إذا قد بلغت آخر جزء من مدة العدة وجاوزته إلى الجزء الذي هو الأجل للأنقضاء فقد خرجت من العدة ولم يبق للزوج عليها سبيل" (٩). قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، " أي: فراجعوهنّ من غير ضرار ولا أذى" (١٠). قال القرطبي: " الإمساك بالمعروف هو القيام بما يجب لها من حق على زوجها، ولذلك قال جماعة من العلماء: إن من الإمساك بالمعروف أن الزوج إذا لم يجد ما ينفق على الزوجة أن يطلقها، فإن لم يفعل خرج عن حد المعروف، فيطلق عليه الحاكم من أجل الضرر اللاحق لها من بقائها عند من لا يقدر على نفقتها، والجوع لا صبر" (١١). قوله تعالى: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، أي: " أو اتركوهن حتى تنقضي عدتهن بإِحسان من غير تطويل العدّة عليهن" (١٢).

стр. 1764

قال القاسمي: "بأن تتركوهن حتى تنقضي العدة فيملكن أنفسهن" (١). قال القرطبي: يعني "فطلقوهن" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ " أي: ولا تراجعوهن إِرادة الإِضرار بهنّ" (٣). قال القاسمي: " أي: بالرجعة ضِراراً، أي: مضارة بإزالة الألفة وإيقاع الوحشة وموجبات النفرة" (٤). قال ابن عثيمين: "أي"لا تمسكوهن لأجل الإضرار بهن؛ وقد مر أنهم كانوا في الجاهلية يراجعون الزوجات في العدة من أجل المضايقة؛ فحدد الله المراجعة باثنتين، وأنه بعد الثالثة لا رجوع حتى تنكح زوجاً غيره" (٥). قال الصابوني: " أي بقصد الإِضرار، قال القفال: الضرّار هو المضارّة كقوله: ﴿مَسْجِداً ضِرَاراً﴾ [التوبة: ١٠٧] أي ليضاروا المؤمنين" (٦). قوله تعالى: ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، " أي: لتكون عاقبة أمركم الاعتداء أو للتعليل" (٧). قال الطبري: أي": لتظلموهن بمجاوزتكم في أمرهن حدودي التي بينتها لكم" (٨). قال الصابوني: " لتظلموهن بالإِلجاء إِلى الافتداء، وفيه زجرٌ لما كان عليه الناس حيث كان الزوج يترك المعتدة حتى إِذا شارفت انقضاء العدّة يراجعها للإِضرار بها ليطوّل عليها العدّة لا للرغبة فيها" (٩). أخرج الطبري بسنده "عن مسروق: ﴿ولا تمسكوهن ضرارا﴾، قال: يطلقها، حتى إذا كادت تنقضي راجعها، ثم يطلقها، فيدعها، حتى إذا كادت تنقضي عدتها راجعها، ولا يريد إمساكها: فذلك الذي يضار ويتخذ آيات الله هزوا" (١٠)، وروي نحوه عن ابن عباس (١١)، ومجاهد (١٢)، والحسن (١٣)، وقتادة (١٤)، والضحاك (١٥)، والربيع (١٦)، والسدي (١٧)، ومقاتل بن حيان (١٨)، وابن شهاب (١٩)، وعطية (٢٠). و(اللام) في قوله تعالى ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ للعاقبة؛ والمعنى: لتقعوا في الاعتداء؛ أي أن عاقبة أمركم إذا أمسكتموهن ضراراً هي الاعتداء؛ واللام التي تعرف عند بعض النحويين بـ «لام كي» تارة يراد بها التعليل؛ وتارة تكون زائدة؛ وتارة تكون للعاقبة؛ فتكون للتعليل، كما في قوله تعالى: ﴿ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا﴾ [العنكبوت: ٦٦]؛ وتكون زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ [النساء: ٢٦]؛ فإذا جاءت بعد

стр. 1765

الإرادة فهي زائدة؛ لأن فعل الإرادة يتعدى بنفسه؛ وتأتي للعاقبة: وهي إذا علم بأن ما بعدها غير مقصود، مثل قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً﴾ [القصص: ٨] (١). قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَالِكَ﴾ [البقرة: ٢٣١]، " أي: من يمسكها للإِضرار بها أو ليكرهها على الافتداء" (٢). قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١]، أي: " فقد ظلم بذلك العمل نفسه لأنه عرّضها لعذاب الله" (٣). قال الزجاج: "يعني عرض نفسه للعذاب، لأن إتيان ما نهى الله عنه تعرض لعذاب الله" (٤). قال النسفي: " بتعريضها لعقاب الله" (٥). قال القاسمي: " أي: بتعريضها لسخط الله عليه ونفرة الناس منه" (٦). قال ابن عثيمين: " وأضاف الظلم إلى نفسه - وإن كان ظلمه واقعاً على غيره -؛ لأنه جلب على نفسه الإثم، والعقوبة" (٧). قوله تعالى: ﴿وَلا تتخذوا آيَاتِ الله هُزُواً﴾ [البقرة: ٢٣١]، "أي: لا تهزءوا بأحكام الله وأوامره ونواهيه فتجعلوا شريعته مهزوءاً بها بمخالفتكم لها" (٨). قال القرطبي: "لا تتخذوا أحكام الله تعالى في طريق الهزو بالهزو فإنها جد كلها، فمن هزل فيها لزمته" (٩). قال ابن عثيمين: "أي لا تجعلوها مهزوءاً بها؛ أي موضع استهزاء بحيث لا تعملون بها استخفافاً بها" (١٠). قال النسفي: " أي جدوا بالأخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها وإلا فقد اتخذتموها هزواً" (١١). قال القاسمي: " أي: أوامره ونواهيه مهزوّا، بها بأن تعرضوا عنها وتتهاونوا في المحافظة عليها" (١٢). وأخرج ابن كثير بسنده "عن عبادة بن الصامت، في قول الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ قال: كان الرجل على عهد النبي ﷺ يقول للرجل زوجتك ابنتي ثم يقول: كنت لاعبًا. ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبًا فأنزل الله: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فقال رسول الله ﷺ : "ثلاث من قالهن لاعبًا أو غير لاعب، فهن جائزات عليه: الطلاق، والعتاق، والنكاح" (١٣). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة" (١٤).

стр. 1766

وقيل: "المعنى لا تتركوا أوامر الله فتكونوا مقصرين لاعبين، ويدخل في هذه الآية الاستغفار من الذنب قولا مع الإصرار فعلا، وكذا كل ما كان في هذا المعنى فاعلمه" (١). قال القرطبي: " ولا خلاف بين العلماء أن من طلق هازلا أن الطلاق يلزمه" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُم﴾ [البقرة: ٢٣١]، " أي: واذكروا فضل الله عليكم بهدايتكم للإِسلام" (٣). قال ابن كثير: " أي: في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم" (٤). قال القرطبي: " أي بالإسلام وبيان الأحكام" (٥). قال النسفي: " بالإسلام وبنبوة محمد ﵇" (٦). قال القاسمي: " أي: في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم" (٧). قال الشوكاني: "أي النعمة التي صرتم فيها بالإسلام وشرائعه بعد أن كنتم في جاهلية جهلاء وظلمات بعضها فوق بعض" (٨). قال ابن عثيمين: "أي اذكروا باللسان، وبالقلب، وبالجوارح، نعمة الله عليكم حتى تقوموا بشكرها؛ فإن الغفلة عن ذكر النعم سبب لعدم الشكر، وقوله تعالى: ﴿نعمة الله﴾ مفرد مضاف؛ والمفرد المضاف يدل على العموم، كما في قوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [النحل: ١٨]؛ ولو كان المراد بالنعمة مدلولها الإفرادي لكان إحصاؤها ممكناً؛ المهم أن نعمة الله هنا عامة؛ ونعم الله لا تحصى أجناسها فضلاً عن أفرادها؛ فقوله تعالى: ﴿نعمة الله عليكم﴾ يشمل كل النعم - وإن دقت؛ لأن الله يقول: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [النحل: ٥٣] " (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [البقرة: ٢٣١]، ؛ أي: " وما أنعم به عليكم من القرآن العظيم والسنّة المطهّرة" (١٠). قال النسفي: " من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها" (١١). قال القرطبي: " ﴿والحكمة﴾ هي السنة المبينة على لسان رسول الله ﷺ مراد الله فيما لم ينص عليه في الكتاب" (١٢). قال ابن عثيمين: "والمراد بـ ﴿الكتاب﴾ القرآن؛ ﴿والحكمة﴾ أي السنة النبوية" (١٣). قال الشوكاني: "أفرد الكتاب والحكة بالذكر مع دخولهما في النعمة دخولا أوليا تنبيها على خطرهما وعظم شأنهما" (١٤). قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١]، أي "يذكِّركم به ترغيباً، وترهيباً" (١٥).

стр. 1767

قال ابن كثير: " أي: يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على ارتكاب المحارم" (١). قال الصابوني: " أي يرشدكم ويذكّركم وهدي رسوله إِلى سعادتكم في الدارين" (٢). قال القرطبي: " أي يخوفكم" (٣). قال القاسمي: " أي: يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على المخالفة" (٤). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٣١]، "أي: خافوا الله وراقبوه في أعمالكم" (٥). قال ابن كثير: " أي: فيما تأتون وفيما تذرون" (٦). قال النسفي: " فيما امتحنكم به" (٧). قال ابن عثيمين: " ما أكثر ما يأمر الله بالتقوى؛ لأن بالتقوى صلاح القلوب، والأعمال؛ و (التقوى) فعل أوامر الله، واجتناب نواهيه تقرباً إليه، وخوفاً منه" (٨). قوله تعالى: ﴿واعلموا أَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١]، أي: " واعلموا أنه تعالى لا تخفى عليه خافية من أحوالكم" (٩). قال ابن كثير: أي ": فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية، وسيجازيكم على ذلك" (١٠). قال ابن عثيمين: " أمر بالعلم بأن الله بكل شيء عليم؛ فلا يخفى عليه شيء، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ [آل عمران: ٥] " (١١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن لكل طلاق أجلاً؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن﴾؛ الأجل هنا مجمل؛ ولكنه مبين في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ وغيرها من الآيات الدالة على العدة. ويتفرع على هذه الفائدة: أن القرآن يأتي مجملاً أحياناً، ومفصلاً أحياناً؛ ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت﴾ [هود: ١]؛ وفائدة الإتيان بالإجمال، ثم التفصيل: أنه إذا ورد النص مجملاً فإن النفس تتطلع إلى معرفة ذلك المجمل، وبيان ذلك المبهم؛ فيكون في ذلك شدة الاشتياق إلى العلم. ٢ - ومن فوائد الآية: جواز المراجعة بعد تمام العدة قبل أن تغتسل؛ لقوله تعالى: ﴿فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن﴾؛ وجه الدلالة أن قوله تعالى: ﴿فأمسكوهن﴾ جواب للشرط في قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن﴾؛ وهذا يقتضي أن يكون الإمساك، أو التسريح، بعد بلوغ الأجل ضرورة أن المشروط يقع بعد الشرط؛ وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ فذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أن للزوج أن يراجع زوجته بعد طهرها من الحيضة الثالثة حتى تغتسل؛ فلو طهرت في الصباح بعد الفجر، ثم لم تغتسل إلا لصلاة الظهر، وراجعها زوجها فيما بين طهارتها، واغتسالها صحت المراجعة؛

стр. 1768

وذهب كثير من أهل العلم إلى أنه ينتهي وقت المراجعة بالطهارة من الحيضة الثالثة؛ وأوَّلوا قوله تعالى: ﴿فبلغن أجلهن﴾ أن المعنى: قاربن بلوغ أجلهن؛ وأنه لا رجعة بعد الطهر من الثالثة؛ والقول الأول أصح؛ لأنه هو ظاهر الآية؛ وهو الوارد عن الصحابة ﵃؛ ويكون هذا من باب التوسعة على الزوج؛ لأنه قد يندم فيرجع؛ وهو نظير ثبوت الخيار بين المتبايعين ما داما في المجلس؛ وإلا فالعقد قد تم بالإيجاب، والقبول؛ لكن لهما الخيار ما داما في المجلس توسعة عليهما؛ وهذا شيء معلوم في غريزة الإنسان، وطبيعته: إنه إذا منع من الشيء صار في شوق إليه؛ فإذا حصله فقد يزهد فيه. ٣ - ومن فوائد الآية: أن الإمساك بمعروف، أو التسريح بمعروف واجب؛ لقوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف﴾. ٤ - ومنها: وجوب المعاشرة بالمعروف حتى بعد الطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف﴾ لئلا يؤذي الإنسان زوجته بالقول؛ أو بالفعل، أو بمنع الحقوق، أو ما أشبه ذلك؛ ومما هو معروف أن ما يجري بين الأزواج أحياناً من المشاحنة، وادعاء الزوج ما يكون لزوجته من الأمتعة التي أعطاها إياها في المهر، أو فيما بعد ذلك حتى يطالبها بالحلي الذي أعطاها؛ خلاف المعروف الذي أمر الله به. ٥ - ومنها: عناية الله بعباده في أن يتعاملوا بينهم بالمعروف سواء في حال الاتفاق، أو في حال الاختلاف؛ لأن ذلك هو الذي يقيم وحدة الأمة؛ فإن الأمة إذا لم تتعامل بالمعروف - بل بالمنكر، والإساءة - تفرقت، واختلفت؛ فالأمة الإسلامية أمة واحدة، كما قال الله تعالى: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ٦ - ومنها: تحريم إمساك المطلقة - أي مراجعتها - للإضرار بها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا﴾. ٧ - ومنها: أن كل من عامل أخاه ضراراً فهو معتدٍ؛ فلا يحل لأحد أن يعامل أخاه المسلم على وجه المضارة؛ وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : "من ضار ضار الله به، ومن شاق شق الله عليه" (١)؛ وجاء في حديث آخر: "لا ضرر ولا ضرار" (٢)؛ فالمضارة بين المسلمين محرمة؛ لذلك قال تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا﴾. ٨ - ومنها: أن المضارة عدوان؛ لقوله تعالى: ﴿لتعتدوا﴾ سواء كانت اللام للعاقبة، أو للتعليل - أي سواء كان المقصود من المضارة الاعتداء؛ أو لم يقصد الاعتداء لكن حصل. ٩ - ومنها: تحريم ظلم الإنسان لنفسه؛ لأن الله تعالى نهى عن هذه الأشياء، ثم قال تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾. ١١ - ومنها: أن فعل المعاصي ظلم للنفس؛ فلا يقول الإنسان: «أنا حر أفعل ما أشاء، وأصبر على العذاب»؛ هذا خطأ؛ فأنت لا يحل لك أن تظلم نفسك؛ فظلم الغير عدوان، وحرام؛ وظلم النفس أيضاً عدوان، وحرام؛ وفي الحديث: «ولنفسك عليك حقاً» (٣).

стр. 1769

١٢ - ومنها: أن من ظلم غيره بعدوانه عليه فقد ظلم نفسه في الحقيقة؛ لأن المظلوم إذا لم يتخلص الظالم من مظلمته في الدنيا فسوف يؤخذ من حسناته للمظلوم في الآخرة؛ فإذا فنيت حسناته أُخذ من سيئات المظلوم؛ فطرحت عليه، ثم طرح في النار؛ ولذلك عبر الله عن الإضرار بالزوجة في إمساكها بقوله تعالى: ﴿فقد ظلم نفسه﴾ مع أنه ظالم للزوجة أيضاً. ١٣ - ومنها: إغراء المخاطب باجتناب ظلم غيره؛ لأن الظالم قد يظن أنه منتصر على المظلوم؛ فإذا علم أنه ظالم لنفسه تهيب ذلك، واستقام على العدل. ١٤ - ومنها: أن آيات الله تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية؛ وهي ما جاءت به الرسل من الشرع؛ وآيات كونية؛ وهي هذه الكائنات التي نشاهدها في السموات، والأرض، والشمس، والقمر؛ أما كون ما جاءت به الرسل من الشرع آية فلأنها أمور لا يمكن أن يأتي البشر بمثلها - ولا سيما القرآن الكريم -؛ وأما كون هذه الكائنات آيات كونية فإن هذه المخلوقات لا يمكن لأحد أن يخلق مثلها؛ وقد تحدى الله أولئك العابدين أن تخلق معبوداتهم شيئاً من هذه الكائنات، فقال : ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب﴾ [الحج: ٧٣]؛ فهذه المخلوقات في انتظامها وحسنها، كلها آيات تدل على أن الله هو الخالق؛ وعلى وحدانيته، وعلى قدرته، وتمام حكمته، كما قيل: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. ١٥ - ومن فوائد الآية: تحريم اتخاذ آيات الله هزواً سواء اتخذ الكل أم البعض؛ فمثال اتخاذ آيات الله الشرعية هزواً أن يهزأ الإنسان ويسخر من شرع الله ، سواء سخر بالشرع كله، أو بجزء منه؛ لأن الاستهزاء ببعض الشريعة استهزاء بجميع الشريعة؛ وهناك فرق بين من يدع العمل مع تعظيمه لشرع الله ؛ وبين من يسخر بالشرع، ويستهزئ به، ويرى أنه عبث، وأنه باطل، وما أشبه ذلك؛ فالأول له حكم العصاة؛ فإن كانت معصيته كبيرة تبلغ به الكفر فهو كافر؛ وإلا فهو فاسق؛ وإلا فهو دون الفاسق - كما لو كانت من صغائر الذنوب، ولم يصر عليها -؛ وأما الثاني المستهزئ الذي يرى أن الشرع عبث، أو أنه لأناس انقرضوا، ومضوا، وأن هذا العصر لا يصلح للعمل بهذا الشرع؛ فهذا لا شك أنه كافر؛ وإذا استهزأ مستهزئ بحامل الشريعة، أو العامل بها من أجل حمله الشريعة، أو عمله بها فهو كافر؛ لأنه استهزأ بشريعة من شرائع الله؛ ولهذا قال في أولئك النفر الذين قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء - يعنون الرسول، وأصحابه - أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء»؛ قال الله فيهم: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]؛ أما الذين يقولون عن حملة الشرع، والعاملين به: «هؤلاء دراويش لا يعرفون المجتمع ولا الدنيا»، وما أشبه ذلك من الكلمات؛ فهؤلاء أيضاً كفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢]؛ وفي معنى ذلك قولهم: «هؤلاء رجعيون»، وقد ذكر الله في آخر الآيات ما يدل على كفرهم في قوله تعالى: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾ [المطففين: ٣٤]؛ فدل هذا على أن أولئك الذين يسخرون بالمؤمنين من أجل إيمانهم كفار. ومثال اتخاذ الآيات الكونية هزواً: لو نزل المطر في أيام الصيف - وهذا لم تجر به العادة - فقال: «ما هذا التبديل! يوم أن يكون الناس محتاجين إلى المطر في الشتاء لا يجيء؛ والآن يأتي! » وهذا يمكن أن يوجد من بعض الفجرة الذين يقولون مثل هذا الكلام؛ أو مثلاً يُغْلَبُ قوميون من العرب - تغلبهم اليهود مثلاً، فيقول المستهزئ بآيات الله الكونية -: «ما هذا؟ كيف يكون النصر لليهود على العرب - على بني كنعان، وعدنان، وقحطان؛ كيف هذا وهم بنو إسرائيل؟ ! » وما أشبه ذلك؛ لكن المؤمن يستسلم لأمر الله الكوني كما

стр. 1770

يستسلم لأمره الشرعي؛ ويرى أنه في غاية الحكمة، وفي غاية الإتقان، وأنه في مكانه، وأن ما حدث فهو واقع موقعه، وأن الحكمة تقتضي ذلك؛ لأن الله حكيم؛ لا يصنع شيئاً إلا لحكمة؛ فالمهم أن الاستهزاء بالآية الكونية يمكن أن يكون؛ وقد نهى الله تعالى أن تتخذ آياته هزواً؛ وهو عام للكونية، والشرعية؛ لكن بما أن الآية في سياق الآية الشرعية تكون أخص بالآيات الشرعية منها بالآيات الكونية. ١٦ - ومن فوائد الآية: أن المخالفة نوع من الاستهزاء؛ لأنك إذا آمنت بأن الله هو الرب العظيم الذي له الحكم، وإليه الحكم، ثم عصيته فكأنك تستهزئ بهذه العظمة؛ فلو أن ملكاً من الملوك - ولله المثل الأعلى - نهاك عن شيء، ثم إنك أمامه، وعلى عينه تخالف هذا الأمر، فسيقول لك: «أنت تستهزئ بي؛ لأني نهيتك، ففعلتَ ما نهيتك عنه أمامي»؛ فالمعصية نوع من الاستهزاء بالله وإن كانت ليست من النوع الذي يخرج به الإنسان من الإسلام -. ١٧ - ومن فوائد الآية: وجوب ذكر نعمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم﴾؛ والذكر يكون بالقلب، واللسان، والجوارح؛ فذكرها باللسان أن تقول: أنعم الله عليّ بكذا، كما قال تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى: ١١]؛ فتثني على الله بها تقول: اللهم لك الحمد على ما أنعمت عليّ به من المال، أو الزوجة، أو الأولاد، أو ما أشبه ذلك؛ وذكرها بالقلب أن تستحضرها بقلبك معترفاً بأنها نعمة من الله؛ وذكرها بالجوارح أن تعمل بطاعة الله، وأن يُرى أثر نعمته عليك. ١٨ - ومن فوائد الآية: أن منة الله علينا بإنزال الكتاب والحكمة أعظم من كل منة؛ يؤخذ ذلك من تخصيصها بعد التعميم؛ لأن التخصيص بعد التعميم يدل على أهميتها. ١٩ - ومنها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب﴾؛ لأن ما أنزل الله إما أن يكون عيناً قائمة بنفسها؛ أو صفة قائمة بموصوفها؛ فأما الأول فمخلوق، كما في قوله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماءً﴾ [الأنعام: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾ [الزمر: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد﴾ [الحديد: ٢٥]؛ وأما الثاني فكقوله تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١]، وكما في هذه الآية: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب﴾؛ وهذا يكون صفة لله غير مخلوقة. ٢٠ - ومن فوائد الآية: أن شريعة الله كلها حكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة﴾. ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي أنه لا حاجة إلى أن نتعب أنفسنا في طلب الحكمة، أو أن نتمحل حكمة بعيدة قد تكون مرادة لله، أو غير مرادة؛ لأننا نعلم أن كل ما شرعه الله فهو لحكمة؛ ومن الحكمة امتحان العبد بالامتثال فيما لا يعلم حكمته؛ ولهذا لما سئلت عائشة ﵂: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نقضي الصلاة» (١)؛ فجعلت الحكمة أمر الله، ورسوله؛ أما السؤال عن الحكمة من باب الاسترشاد فإن هذا لا بأس به؛ ولهذا كان الصحابة ﵃ يسألون الرسول ﷺ عن حكمة بعض الأشياء، كما في قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ [البقرة: ١٨٩]؛ والسؤال على هذا الوجه من باب طلب العلم الذي يزداد به المؤمن إيماناً، وعلماً؛ وأما السؤال عن الحكمة بحيث لا يستسلم الإنسان للحكم، ولا ينقاد إلا بمعرفتها فهذا ضلال، واستكبار عن الحق، واتباع للهوى، وجعل الشريعة تابعة لا متبوعة.

стр. 1771

٢١ - ومن فوائد الآية: أن ما جاء في كتاب الله موعظة يتعظ بها العبد؛ و «الاتعاظ» معناه أن الإنسان يجتنب ما فيه مضرة إلى ما فيه منفعة؛ يقال: وعظته فاتعظ - أي انتفع، وترك ما فيه مضرته إلى ما فيه مصلحته؛ لقوله تعالى: ﴿يعظكم به﴾ [البقرة: ٢٣١]. ٢٢ - ومنها: ثبوت رحمة الله ، وأن الله تعالى ذو رحمة واسعة؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾؛ فرحمة الله تعرف بآثارها. ٢٣ - ومنها: وجوب التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾. ٢٤ - ومنها: عموم علم الله لكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿أن الله بكل شيء عليم﴾. ٢٥ - ومنها: تحذير المرء من المخالفة؛ لأنه إذا علم أن الله بكل شيء عليم حذر من مخالفته؛ ولهذا أعقبها بعد الأمر بالتقوى، وقال تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم﴾. ٢٦ - ومنها: الرد على غلاة القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم أفعال العباد حتى تقع منهم؛ وهذا كان الغلاة يقولونه قديماً؛ قال شيخ الإسلام: «ومنكروه اليوم قليل»؛ والقدرية هم الذين يقولون: إن للعبد مشيئة، وقدرة مستقلتين عن الله . القرآن ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ [البقرة: ٢٣٢] في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال: احدها: أخرج الواحدي عن الحسن أنه قال في قول الله ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا﴾ الآية، قال: "حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه قال: كنت زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها، ثم جئت تخطبها؟ لا والله لا تعود إليها أبدا قال: وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، فزوجتها إياه" (١). والثاني: قال السدي: "نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري، وكانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة، فانقضت عدتها، ثم رجع يريد رجعتها. فأما جابر فقال: طلقت ابنة عمنا، ثم تريد أن تنكحها الثانية! وكانت المرأة تريد زوجها، قد راضته. فنزلت هذه الآية" (٢).

стр. 1772

والثالث: أنها نزلت عموماً في نهي كل ولي عن مضارة وليّته من النساء أن يعضلها عن النكاح، وهذا قول ابن عباس (١)، والضحاك (٢)، والزهري (٣)، ومسروق (٤)، وإبراهيم (٥). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، " أي إِذا طلقتم النساء وانقضت عدتهن " (٦). قال الشافعي: " خاطب الأولياء، وأن هذا انقضاء الأجل، لا الأشراف على انقضائه" (٧). قال الزجاج: " هذا مخاطبة للأولياء، وفي هذا دليل أن أمر الأولياء بين، لأن المطلقة التي تراجع إنما هي مالكة بضعها إلا أن الولي لا بد منه" (٨). قا الماوردي: " بلوغ الأجل ها هنا [تناهيه]، بخلاف بلوغ الأجل في الآية التي قبلها، لأنه لا يجوز لها أن تنكح غيره قبل انقضاء عدتها، قال الشافعي: فدخل اختلاف المعنيين على افتراق البلوغين " (٩). قال الزجّاج: "الأجل آخر المدة وعاقبة الأمور، قال لبيد (١٠): وَاخْزُها بالبرِّ للهِ الأجَلّ. يريد عاقبة الأمور" (١١). قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٢]، "أي: فلا تمنعوهن يا معشر الأولياء من العودة لأزواجهن إِذا صلحت الأحوال بين الزوجين وظهرت أمارات الندم ورضي كل منهما إِلى العودة لصاحبه والسير بما يرضي الله" (١٢). قال الزجاج: أي فلا" تمنعوهن وتحبسوهن، من أن ينكحن أزواجهن" (١٣). قال الشافعي: " قال للولي: لا يعضلها عن النكاح إن أرادته كنعها منه" (١٤). قال الماوردي: " فنهى الله أولياء المرأة عن عضلها ومنعها من نكاح مَنْ رضيته من الأزواج" (١٥). وفي معنى (العضل)، قولان (١٦): أحدهما: أنه المنع، ومنه قولهم: داء عضال إذا امتنع من أن يُداوَى، وفلان عُضَلَةٌ أي داهية، لأنه امتنع بدهائه.

стр. 1773

والقول الثاني: أن العضل الضيق، ومنه قولهم: قد أعضل بالجيش الفضاء، إذا ضاق بهم، ومنه أيضا " الداء العضال " وهو الداء الذي لا يطاق علاجه، لضيقه عن العلاج، وتجاوزه حد الأدواء التي يكون لها علاج، ومنه قول ذي الرمة (١): ولم أقذف لمؤمنة حصان ... بإذن الله موجبة عضالا وفي قوله تعالى: ﴿إِذَا تَرَاضَوا بَينَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وجهان من التفسير (٢): أحدهما: إذا تراضى الزوجان. والثاني: إذا رضيت المرأة بالزوج الكافي. قال الشافعي: " وهذه أبين آية في كتاب اللَّه تعالى دلالة على: أن ليس للمرأة أن تتزوج بغير ولي " (٣). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، "أي ما نهيتكم عنه من الإِضرار والعضل يُنصح به ويوعظ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لأنه هو المنتفع بالمواعظ الشرعية" (٤). قال الطبري: أي: " فهذا الذي نهيتكم عنه من عضلهن عن النكاح، عظة مني من كان منكم أيها الناس يصدق بالله، فيوحده، ويقر بربوبيته، ومن يؤمن باليوم الآخر، فيصدق بالبعث للجزاء والثواب والعقاب" (٥). قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، أي الاتعاظ بما ذكر والتمسك بأوامر الله خير وأنفع لكم وأطهر من الآثام وأوضار الذنوب" (٦). قال الطبري: أي: " نكاحهن أزواجهن، ومراجعة أزواجهن إياهن، بما أباح لهن من نكاح ومهر جديد " أزكى لكم "، أيها الأولياء والأزواج والزوجات" (٧). قال الثعلبي: " وذلك أنهما إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة حبّ لم يؤمن بأن يتجاوز ذلك إلى غير ما أحلّ الله لهما، ولم يؤمن من أوليائهما إن سبق إلى قلوبهم منهما لعلّهما أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون" (٨). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، " أي والله يعلم ما هو أصلح لكم من الأحكام والشرائع وأنتم لا تعلمون ذلك" (٩). قال الزجاج: " أي: الله يعلم ما لكم فيه الصلاح في العاجل والآجل، وأنتم غير عالمين إلا بما أعلمكم" (١٠). قال البيضاوي: " ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فيه من النفع والصلاح، ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ لقصور علمكم" (١١). قال ابن عثيمين: " ﴿والله يعلم﴾ ما فيه مصلحتكم، ونقاؤكم، وطهركم، وأنتم لا تعلمون ذلك" (١٢).

стр. 1774

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أنه لا يحل عقد النكاح قبل انقضاء العدة؛ لقوله تعالى: ﴿فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن﴾؛ فإن النكاح في العدة باطل إلا ممن كانت العدة له إذا لم يكن طلاقه بينونة كبرى. ٢ - ومنها: تحريم منع الولي موليته أن تنكح من رضيته؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾. ٣ - ومنها: أن النكاح لا بد فيه من ولي؛ وأن المرأة لا تزوج نفسها؛ وجه ذلك أنه لو كانت تملك العقد لنفسها ما كان للعضل تأثير؛ فلولا أن عضلهم مؤثر ما قال الله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾؛ لأنهم لو عضلوا، ولم يكن الولي شرطاً لزوجن أنفسهن؛ وربما ينازع منازع في دلالتها على ذلك؛ لأنه قد يقول: إن الله نهى عن منعهن؛ والإنسان قد يمنع بحسب العادة، أو العرف ابنته، أو موليته من أن تنكح زوجاً - وإن كان يمكنها أن تتزوج هي بنفسها -؛ لأنها لا تريد أن تخالفهم مخافة المعرة، واللوم من الناس؛ بمعنى أن الآية ليست صريحة واضحة في أنه لا يمكن النكاح إلا بولي؛ لأنه ممكن أن يكون لها حق تزويج نفسها لكن يمنعها أبوها، ويقول: إذا زوجتِ نفسك قاطعتك، أو هجرتك؛ وعلى فرض أنها لا تدل على ذلك فهناك أدلة أخرى تدل على اشتراط الولي، مثل قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقول النبي ﷺ : «لا نكاح إلا بولي» (١). ٤ - ومن فوائد الآية: إطلاق الشيء على ما مضى، أو ما يستقبل مع أنه في الحال لا يتصف به؛ وذلك قوله تعالى: ﴿أن ينكحن أزواجهن﴾؛ لأنه إذا كان المراد من طلقت، ثم أراد زوجها أن يعود إليها، فهم أزواجهن باعتبار ما مضى؛ وإن كان المراد الخطّاب الذين يخطبونهن بعد انقضاء العدة فهم أزواجهن باعتبار المستقبل؛ وقد جاء التعبير عن الماضي، والمستقبل في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ [النساء: ٢] مع أنهم حين إتيان المال قد بلغوا؛ فهذا تعبير عن الماضي؛ وقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾ [يوسف: ٣٦] وهو لا يعصر الخمر؛ ولكن يعصر عنباً يكون خمراً؛ فهذا تعبير عن المستقبل. ٥ - ومن فوائد الآية: اعتبار الرضا في عقد النكاح سواء كان من الزوج، أو من الزوجة؛ لقوله تعالى: ﴿إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾؛ فالرضا شرط لصحة النكاح سواء أكانت المرأة بكراً، أم ثيباً؛ وسواء أكان الولي أباها، أم غيره - على القول الراجح -؛ وأنه ليس للأب، ولا لغيره أن يجبر المرأة على النكاح؛ لعموم قول النبي ﷺ : «لا تنكح الأيم حتى تستأمر؛ ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: كيف إذنها يا رسول الله؟ قال: أن تسكت» (٢)؛ وورد في صحيح مسلم: «البكر يستأذنها أبوها» (٣)؛ وهذا صريح في أنه لا يحل لأحد أن يزوج ابنته وهي كارهة؛ بل لا بد من رضاها؛ والمعنى يقتضيه أيضاً؛ لأنه إذا كان الأب لا يملك أن يبيع شيئاً من مالها إلا برضاها، فكيف يملك أن يزوجها بدون رضاها؟ ! فلو أن رجلاً أكره ابنته أن تشتري هذا البيت فالعقد غير صحيح مع أنه بإمكانها إذا اشترت البيت وهي كارهة أن تبيعه بعد يوم، أو

стр. 1775

يومين؛ فكيف يملك أن يكرهها على أن تتزوج برجل لا تريده؟ ! فالشريعة جاءت من لدن حكيم خبير؛ فالصواب بلا شك أنه لا يحل للإنسان أن يجبر ابنته على نكاح من لا تريد مهما كان؛ لكن إذا أرادت إنساناً ليس مرضياً في دينه، وخلقه فللولي أن يأبى - ولو بقيت لا تتزوج طوال عمرها -؛ فليس عليه شيء؛ لأنه مأمور بذلك؛ وما يترتب على المأمور فغير محظور؛ فإن قيل: يرد على ذلك تزويج أبي بكر عائشة من النبي ﷺ ولها ست سنين؟ فالجواب: أن يقال: لن يرد مثل هذه الصورة؛ لأننا نعلم علم اليقين أن عائشة سترضى برسول الله ﷺ ، ولا تبغي به بديلاً؛ ولذلك لما أمره الله أن يخير نساءه فبدأ بها ﵂، وقال ﷺ : «لا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك؛ قالت: يا رسول الله، أفي هذا أستأمر أبوي؟ ! إنني أريد الله ورسوله والدار الآخرة» (١)؛ وعلى هذا لا يتم الاستدلال بها على تزويج المرأة بغير إذنها. ٦ - ومن فوائد الآية: أن المرأة لو رضيت الزوج على وجه غير معروف - بل على وجه منكر لا يقره الشرع - فإنها لا تمكن من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾؛ فلو أن المرأة رضيت هذا الخاطب لفسقه، وانسلاخه من الدين - وإن لم يصل إلى حد الكفر - فلوليها أن يمنعها؛ لقوله تعالى: ﴿إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾. ٧ - ومنها: إثبات اليوم الآخر - وهو يوم القيامة -؛ لقوله تعالى: ﴿من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ويدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما ذكر في ذلك اليوم من البعث، والحساب، والصراط، ودنوّ الشمس، والعرق، وغير ذلك مما ذكر في الكتاب والسنة مجملاً أحياناً، ومفصلاً أحياناً؛ بل قال شيخ الإسلام ﵀: يدخل فيه الإيمان بكل ما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذابه، ونعيمه، وغير ذلك. ٨ - ومنها: أن الاتعاظ بأحكام الله تزكية للنفس؛ لقوله تعالى: ﴿ذلكم أزكى لكم﴾؛ فهو ينمي النفس، وينمي الإيمان، وينمي الأخلاق، وينمي الآداب؛ فكلما كان الإنسان أشد تطبيقاً لأحكام الله كان ذلك أزكى له. ٩ - ومنها: أن تطبيق الأحكام أطهر للإنسان؛ يعني أطهر للقلب؛ لأن الأعمال الصالحة تطهر القلب من أرجاس المعاصي؛ ولذلك تجد عند الإنسان المؤمن من الحيوية، والنشاط، والسرور، والفرح ما ليس عند غيره؛ ويعرف ذلك في وجهه؛ فالإنسان صاحب المعاصي مظلم الوجه كاسف البال؛ ولو فرح بما فرح من زهرة الدنيا فهو فرح خاسر؛ لكن المؤمن الذي شرح الله صدره للإسلام، وامتلأ قلبه بنور الله وهدايته، ليس كذلك؛ وأسعد الناس في الدنيا أطهرهم قلباً. ١٠ - ومن فوائد الآية: الإشارة إلى نقص الإنسان في علمه؛ لقوله تعالى: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ فنفى عن الإنسان العلم - والمراد نفي كماله؛ لأن الإنسان له علم، كما قال الله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾ [النور: ٣٣] لكن لنقصان علمه نفى الله عنه العلم؛ وهنا قال تعالى: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾؛ فإذا كان الله يعلم، ونحن لا نعلم فإن مقتضى ذلك أن نستسلم غاية الاستسلام لأحكامه ، وأن لا نعارضها بعقولنا مهما كانت؛ ولهذا ينعى الله على الكفار والمشركين عدم العقل؛ وكل ما خالف الشرع فليس بعقل. القرآن ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ

стр. 1776

ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] التفسير: وعلى الوالدات إرضاع أولادهن مدة سنتين كاملتين لمن أراد إتمام الرضاعة، ويجب على الآباء أن يكفُلوا للمرضعات المطلقات طعامهن وكسوتهن، على الوجه المستحسن شرعًا وعرفًا؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا قدر طاقتها، ولا يحل للوالدين أن يجعلوا المولود وسيلة للمضارة بينهما، ويجب على الوارث عند موت الوالد مثل ما يجب على الوالد قبل موته من النفقة والكسوة. فإن أراد الوالدان فطام المولود قبل انتهاء السنتين فلا حرج عليهما إذا تراضيا وتشاورا في ذلك؛ ليصلا إلى ما فيه مصلحة المولود. وإن اتفق الوالدان على إرضاع المولود من مرضعة أخرى غير والدته فلا حرج عليهما، إذا سلَّم الوالد للأم حقَّها، وسلَّم للمرضعة أجرها بما يتعارفه الناس. وخافوا الله في جميع أحوالكم، واعلموا أن الله بما تعملون بصير، وسيجازيكم على ذلك. قال الشوكاني: "لما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر الرضاع لأن الزوجين قد يفترقان وبينهما ولد ولهذا قيل إن هذا خاص بالمطلقات وقيل هو عام" (١). قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: "واللاتي ولدن من المطلقات" (٢). قوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، " أي: على جميع الوالدات أن يرضعن أولادهن مدى حولين كاملين لا زيادة عليهما" (٣). قال القاسمي: أي: "أنهن أحق برضاعهم من غيرهم" (٤). قال السدي: " فالرجل يطلق امرأته وله منها ولد، وأنها ترضع له ولده بما يرضع له غيرها" (٥)، وروي ونحوه عن الضحاك (٦). قال الصابوني: "أي الواجب على الأمهات أن يرضعن أولادهن" (٧). قال الطبري: " وليس ذلك بإيجاب من الله تعالى ذكره عليهن رضاعهم، إذا كان المولود له ولد، حيا موسرا، لأن الله تعالى ذكره قال في " سورة النساء القصرى " ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [سورة الطلاق: ٦]، فأخبر تعالى ذكره: أن الوالدة والمولود له إن تعاسرا في الأجرة التي ترضع بها المرأة ولدها، أن أخرى سواها ترضعه، فلم يوجب عليها فرضا رضاع ولدها" (٨). و(الأولاد) يشمل الذكور، والإناث، كما في قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١]؛ والجملة خبرية بمعنى الأمر؛ وإتيان الأمر بصيغة الخبر أبلغ من الأمر المحض؛ كأنه حين يأتي بصيغة الخبر أمر مستقر يتحدث عنه (٩)، وقيل "هو خبر على بابه ليس هو في معنى الأمر على حسب ما سلف في قوله ﴿يتربصن﴾ " (١٠).

стр. 1777

قال الراغب: " وذكر جماعة من الفقهاء أن قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ أمر وإن كان لفظه خبراً، لأنه لو كان خبراً لم يقع مخبره بخلافه، وهذه قضية إنما تصح في كل خبر لفظه لا يحتمل التخصيص، فأما إذا كان عاما يمكن أن يخصص على وجه يخرج من كونه كذباً، فادعاء ذلك فيه ليس بواجب، وهذه الآية مما يمكن ذلك فيه، ثم ذلك لو كان أمرا لكان أمراً للوالدات، وقد علم أن الأم وإن لم تكن مكلفة فهي أحق برضاعها، فإن قيل: فإذا لم يكن أمرا فما وجهه؟ قيل أخبر الله تعالى أن حكم الله في ذلك أن الوالدات أحق بإرضاع أولادهن سواء كانت في حبالة الزوج أو لم تكن، فإن الإرضاع من خصائص الولادة، لا من خصائص الزوجية، ولهذا قال ﵇: في الأمر إنها أحق بالولد ما لم تتزوج" (١). ثم أكد الله هذين الحولين بقوله تعالى: ﴿كاملين﴾ أي بدون نقص (٢). قال الطبري: "وإنما ذكر ﴿كاملين﴾، لأنه قد يقال: فلان فعل كذا سنتين " وإن كان ذلك في سنة وبعض الأخرى، وكذا يقال: شهرين ويومين، فأريد إزالة هذه الشبهة، وقال الفقهاء: لما جعل الرضاع حولين وقال في موضع: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، نبه على أن الولد قد يولد لستة أشهر، وفيه تنبيه على لطيفة، وهو أن الولد متى كان زمان حمله وفاصله أقل ثلاثين شهرا أضر ذلك به، فإذا ولد لسبعة أشهر لم يضره أن ينقص رضاعه عن الحولين، وجعل ابن عباس ذلك حكما شرعياً، وقال: يجب أن يكون الحمل والرضاع هذا القدر" (٣). والحول السنة، قاله مجاهد (٤)، وفي أصله قولان (٥): أحدهما: أنه مأخوذ من قولهم: حال الشيء إذا انقلب عن الوقت الأول ومنه قيل: تحول فلان من مكان كذا، إذا انتقل عنه. والثاني: أنه مأخوذ من التحول عن المكان، وهو الانتقال منه إلى المكان الأول. قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، " أي: إِذا شاء الوالدان إتمام الرضاعة ولا زيادة عليه" (٦). قال الراغب: "أي: هذا التوقيت ليس بفرض، لكن لمن أراد إتمام الرضاعة، وفيه تنبيه أنه لا وفيه تنبيه أنه لا يجوز تجاوز ذلك وأن لا حكم للرضاع بعد الحولين ويقويه ما روي جابر أنه قال ﵇: " لا رضاع بعد حولين كاملين" (٧) (٨). قال ابن عثيمين: لمن أراد" أن يأتي بها على وجه التمام؛ فإنها لا تنقص عن حولين" (٩). واختلف أهل التفسير فيما دلت عليه هذه الآية من رضاع حولين كاملين، على قولين (١٠): أحدهما: أن ذلك في التي تضع لستة أشهر فإن وضعت لتسعة أشهر أرضعت واحداً وعشرين شهراً، استكمالاً لثلاثين شهراً، لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥]، وهذا قول ابن عباس (١١).

стр. 1778

والثاني: أن ذلك أمر برضاع كل مولود اختلف والداه في رضاعه أن يرضع حولين كاملين، وهذا قول عطاء (١)، والثوري (٢)، وأحد قولي ابن عباس (٣). والثالث: أن المراد: أنه لا رضاع بعد الحولين، فإن الرضاع إنما هو كان في الحولين. قاله عبدالله ابن مسعود (٤)، وابن عمر، (٥) وابن عباس (٦)، والعلقمة (٧)، والشعبي (٨). والرابع: أن في قوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾، دلالة من الله تعالى ذكره عباده، على أن فرضا على والدات المولودين أن يرضعنهم حولين كاملين، ثم خفف تعالى ذكره ذلك بقوله: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾، فجعل الخيار في ذلك إلى الآباء والأمهات، إذا أرادوا الإتمام أكملوا حولين، وإن أرادوا قبل ذلك فطم المولود، كان ذلك إليهم على النظر منهم للمولود. قاله قتادة (٩)، والربيع (١٠). والراجح هو القول الثاني، أما "الذي روي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وابن عمر: وهو أنه دلالة على الغاية التي ينتهي إليها في رضاع المولود إذا اختلف والداه في رضاعه، وأن لا رضاع بعد الحولين يحرم شيئا، وأنه معني به كل مولود، لستة أشهر كان ولاده أو لسبعة أو لتسعة" (١١). وفي قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، قراءتان (١٢): إحداهما: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، بـ (الياء) في قوله ﴿يتم﴾، ونصب رالرضاعة﴾، بمعنى: لمن أراد من الآباء والأمهات أن يتم رضاع ولده. وهي قراءة عامة أهل المدينة والعراق والشام. والثانية: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ تُتِمَّ الرَّضَاعَةُ﴾، بـ (التاء) في (تتم)، ورفع ﴿الرضاعة﴾ بصفتها. وهي قراءة بعض أهل الحجاز. والصواب هو قراءة من قرأ ب ـ (الياء) في (يتم) ونصب ﴿الرضاعة﴾، "لأن الله تعالى ذكره قال: " والوالدات يرضعن أولادهن "، فكذلك هن يتممنها إذا أردن هن والمولود له إتمامها وأنها القراءة التي جاء بها النقل المستفيض الذي ثبتت به الحجة، دون القراءة الأخرى" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، " أي: على والد الطفل نفقة أمّه المطلقة مدّة الإرضاع" (١٤). قال القاسمي: " أي: طعامهنّ ولباسهنّ" (١٥). قال سفيان: "على الأب طعامها وكسوتها بالمعروف" (١٦). وروي نحوه عن الربيع (١٧).

стр. 1779

قال القرطبي: " في حال الرضاع لأنه اشتغال في مصالح الزوج، فصارت كما لو سافرت لحاجة الزوج بإذنه فإن النفقة لا تسقط" (١). قال الطبري: " ويعني بـ (الرزق): ما يقوتهن من طعام، وما لا بد لهن من غذاء ومطعم، و ﴿كسوتهن﴾، ويعني: بـ (الكسوة): الملبس" (٢). قال ابن عاشور: " والمراد بالرزق والكسوة هنا ما تأخذه المرضع أجرا عن إرضاعها، من طعام ولباس لأنهم كانوا يجعلون للمراضع كسوة ونفقة، وكذلك غالب إجاراتهم إذ لم يكن أكثر قبائل العرب أهل ذهب وفضة، بل كانوا يتعاملون بالأشياء، وكان الأجراء لا يرغبون في الدرهم والدينار، وإنما يطلبون كفاية ضروراتهم، وهي الطعام والكسوة، ولذلك أحال الله تقديرهما على المعروف عندهم من مراتب الناس وسعتهم، وعقبه بقوله: لا تكلف نفس إلا وسعها" (٣). ثم ذكر أهل العلم في قوله: ﴿وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وجهين (٤): أحدهما: أن ذلك في الأم المطلقة إذا أرضعت ولدها فلها رزقها من الغذاء، وكسوتها من اللباس، ومعنى بالمعروف أجرة المثل، وهذا قول الضحاك (٥). والثاني: أنه يعني به الأم ذات النكاح، لها نفقتها وكسوتها بالمعروف في مثلها، على مثله من يسار، وإعسار. قوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي "بما تعارفه أمثالهم وما لا يجحف بالأب" (٦). قال القاسمي: " وهو قدر الميسرة كما فسّره قوله تعالى: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها﴾، يعني طاقتها" (٧). قال الضحاك: "إذا طلق الرجل امرأته وهي ترضع له ولدا، فتراضيا على أن ترضع حولين كاملين، فعلى الوالد رزق المرضع والكسوة بالمعروف على قدر الميسرة، لا نكلف نفسا إلا وسعها" (٨). قال الطبري: " فأمر كلا أن ينفق على من لزمته نفقته من زوجته وولده على قدر ميسرته، كما قال تعالى ذكره: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ [سورة الطلاق: ٧] " (٩). قوله تعالى: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، " أي: لا تلزم نفس إلا بما تتسع له قدرتها بحيث لا ينتهى إلى الضيق" (١٠). قال الطبري: "لا تحمل نفس من الأمور إلا ما لا يضيق عليها، ولا يتعذر عليها وجوده إذا أرادت" (١١). قال سعيد بن جبير: "يقول لا يكلف الله نفسا في نفقة المراضع إلا ما أطاقت" (١٢). وروي عن أبي مالك وقتادة، ومقاتل بن حيان والثوري، نحو ذلك (١٣).

стр. 1780

قال سفيان: " إلا ما أطاقت" (١). قال النسفي: أي: "وجدها أو قدر إمكانها" (٢). قال الصابوني: " أي تكون النفقة بقدر الطاقة لأنه تعالى لا يكلّف نفساً إِلا وسعها" (٣). قال البيضاوي: " تعليل لإيجاب المؤمن والتقييد بالمعروف، ودليل على أنه لا يكلف العبد بما لا يطيقه وذلك لا يمنع إمكانه" (٤). قال الشوكاني: " أي هذه النفقة والكسوة الواجبتان على الأب بما يتعارفه الناس لا يكلف منها إلا ما يدخل تحت وسعه وطاقته لا ما يشق عليه ويعجز عنه وقيل المراد لا تكلف المرأة الصبر على التقتير في الاجرة ولا يكلف الزوج ما هو إسراف بل يراعى القصد" (٥). قال ابن عثيمين: "التكليف معناه إلزام ما فيه مشقة؛ أي لا يلزم الله نفساً إلا ما تقدر عليه" (٦)، والوسع، بتثليث الواو: الطاقة، وأصله من وسع الإناء الشيء إذا حواه ولم يبق منه شيء، وهو ضد ضاق عنه، والوسع هو ما يسعه الشيء فهو بمعنى المفعول، وأصله استعارة .. فكأنهم شبهوا تحمل النفس عملا ذا مشقة باتساع الظرف للمحوى، لأنهم ما احتاجوا لإفادة ذلك إلا عند ما يتوهم الناظر أنه لا يسعه، فمن هنا استعير للشاق البالغ حد الطاقة (٧). قال القاسمي: " والمعنى: أنّ أبا الولد لا يكلّف في الإنفاق عليه وعلى أمه إلا قدر ما تتسع به مقدرته، ولا يبلغ إسراف القدرة" (٨). قال صاحب الكشاف: " وقرئ (لا تكلف) بفتح التاء و (لا نكلف) بالنون" (٩). قوله تعالى: ﴿لا تُضَار وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، " أي لا تمتنع الأم من إرضاعه إضراراً بالأب، ولا ينزع الأب الولد من أمه إضراراً بها" (١٠). قال البيضاوي: أي: لا يكلف كل واحد منهما الآخر ما ليس في وسعه، ولا يضاره بسبب الولد" (١١). قال الثعلبي: " فينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه وألفها الصبي، ولا تلقيه هي إلى أبيه بعد ما عرفها تضارّه بذلك" (١٢). قال القاسمي: " أي: يأخذ ولدها منها بعد رضاها بإرضاعه ورغبتها في إمساكه وشدة محبتها له، ولا الأب بطرح الولد عليه" (١٣). قال الصابوني: " أي: لا يضرَّ الوالدان بالولد فيفرِّطا في تعهده ويقصّرا في ما ينبغي له، أو يضارَّ أحدهما الآخر بسبب الولد فترفض الأم إرضاعه لتضرّ أباه بتربيته، وينتزع الأب الولد منها إِضراراً بها مع رغبتها في إِرضاعه ليغيط أحدهما صاحبه" (١٤).

стр. 1781

قال الزمخشري: أي: "لا تضارّ والدة زوجها بسبب ولدها، وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبى: اطلب له ظئراً، وما أشبه ذلك ولا يضارّ مولود له امرأته بسبب ولده، بأن يمنعها شيئا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها ولا يأخذه منها وهي تريد إرضاعه، ولا يكرهها على الإرضاع. وكذلك إذا كان مبنياً للمفعول فهو نهى عن أن يلحق بها الضرار من قبل الزوج، وعن أن يلحق بها الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد: ويجوز أن يكون (تُضَارَّ) بمعنى تضر، وأن تكون الباء من صلته، أى لا تضرّ والدة بولدها، فلا تسيء غذاءه وتعهده، ولا تفرط فيما ينبغي له، ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها. ولا يضرّ الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يقصر في حقها فتقصر هي في حق الولد" (١). وقد اختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿لا تُضَارَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، على وجوه (٢): أحدها: ﴿لا تُضَارُّ﴾، بالرفع على الإخبار، قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو وقتيبة عن الكسائي، وهو يحتمل البناء للفاعل والمفعول، وأن يكون الأصل: تضارر بكسر الراء، وتضارر بفتحها. والثاني: رلا تُضَارَّ﴾، بالفتح. قراءة الجمهور. والثالث: ﴿لا تُضَارِّ﴾، بالكسر على النهى، قرأ بها الحسن، قال الرازي: "وهو جائز في اللغة" (٣)، وهو محتمل للبناءين أيضاً. ويبين ذلك أنه قرئ ﴿لا تضارَرْ﴾، و ﴿لا تضارِرْ﴾، بالجزم وفتح (الراء) الأولى وكسرها. والرابع: ﴿لا تضارّْ﴾، بالسكون مع التشديد على نية الوقف. قراءة أبي جعفر. والخامس: (لا تضارْ) بالسكون والتخفيف، قرأ بها الأعرج، وهو من ضاره يصيره. ونوى الوقف كما نواه أبو جعفر، أو اختلس الضمة فظنه الراوي سكونا. والسادس: وعن كاتب عمر بن الخطاب: ﴿لا تضرر﴾. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، " أي وعلى الوارث مثلُ ما على والد الطفل من الإِنفاق على الأم والقيام بحقوقها وعدم الإِضرار بها" (٤). واختلف أهل التفسير في ﴿الْوَارِثِ﴾ الذي عناه الله تعالى، فذكروا فيه وجوها (٥): أحدها: أن الوارث هو المولود نفسه، وهذا قول قبيصة بن ذؤيب (٦) (٧)، وبشير بن نصر المزني (٨)، والضحاك (٩). ومعنى الآية على هذا الوجه: وعلى الوارث المولود، مثل ما كان على المولود له. والثاني: أنه الباقي من والدي بعد وفاة الآخر منهما، وهو قول سفيان (١٠). والثالث: أنه وارث الولد، وهذا قول الحسن (١١)، والسدي (١٢)، وقتادة (١٣).

стр. 1782

ومعنى الآية: وعلى وارث الصبي إذا كان أبوه ميتا، مثل الذي كان على أبيه في حياته. واعترض عليه ابن حجر قائلا: " وأما قول الحسن ومن تابعه فتعقب بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فلما وجب على الأب الإِنفاق على من يرضع ولده ليغذي ويربي، فكذلك يجب عليه إذا فطم فيغذيه بالطعام كما يغذيه بالرضاع مادام صغيراً، ولو وجب مثل ذلك على الوارث لوجب إذا مات عن الحامل أنه يلزم العصبة بالإِنفاق عليها لأجل ما في بطنها، وكذا يلزم الحنفية إلزام كل ذي رحم محرم (١). ثم اختلف قائلوا هذه المقالة (٢) في وارث المولود، الذي ألزمه الله تعالى مثل الذي وصف، فذكروا أربعة أقاويل (٣): أحدها: أن وارثه من عصبته إذا كان أبوه ميتاً سواء كان عماً أو أخاً أو ابن أخ أو ابن عم دون النساء من الورثة، وهذا قول عمر بن الخطاب (٤)، ومجاهد (٥)، والحسن (٦)، وعبدالله بن عتبة (٧)، وإبراهيم (٨)، وعطاء (٩)، والضحاك (١٠). والثاني: أن ورثته من الرجال والنساء، وهو قول قتادة (١١)، وأحمد وإسحاق (١٢). والثالث: أنهم مِنْ ورثته من كان منهم ذا رحم محرم (١٣)، كابن العم والمولى ومن أشبههما، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه (١٤).

стр. 1783

اعترض علي هذا القول ابن حجر، قائلا: "وأما قول الحنفية فيلزم منه أن النفقة تجب على الخال لابن أخته، ولا تجب على العم لابن أخيه (١)، وهو تفصيل لا دلالة عليه من الكتاب ولا السنة ولا القياس، قاله إسماعيل القاضي (٢) (٣) " (٤). والثالث: أنهم الأجداد ثم الأمهات، وهذا قول الشافعي. والراجح هو القول الأول، وهو قول قبيصة بن ذؤيب والضحاك بن مزاحم؛ ومن قال بقولهم، من أنه معني بالوارث: المولود وفي قوله: ﴿مثل ذلك﴾، أن يكون معنيا به: مثل الذي كان على والده من رزق والدته وكسوتها بالمعروف، إن كانت من أهل الحاجة، ومن هي ذات زمانة وعاهة، ومن لا احتراف فيها، ولا زوج لها تستغني به، وإن كانت من أهل الغنى والصحة، فمثل الذي كان على والده لها من أجر رضاعه (٥) (٦). وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، على أقوال (٧):

стр. 1784

أحدها: أن على الوارث مثل ما كان على والده من أجرة رضاعته ونفقته، وهو قول الحسن (١)، وابن عباس (٢)، وقتادة (٣)، وإبراهيم (٤)، وعبدالله بن عتبة (٥)، والشعبي (٦)، ومجاهد (٧). والثاني: أن على الوارث مثل ذلك في ألاَّ تضار والدة بولدها، وهذا قول ابن عباس (٨)، والشعبي (٩) والضحاك (١٠)، والزهري (١١)، ومجاهد (١٢) والجمهور (١٣). الثالث: وقال آخرون: بل تأويل ذلك: وعلى وارث المولود، مثل الذي كان على المولود له، من رزق والدته وكسوتها بالمعروف. قاله الضحاك (١٤)، والسدي (١٥) وآخرون (١٦). الرابع: أن معنى ذلك: وعلى الوارث مثل ما ذكره الله تعالى ذكره. وهو قول عطاء (١٧). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: "فإن أراد والد المولود ووالدته فصال ولدهما من اللبن" (١٨). قال السدي: " يقول: إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين" (١٩)، وروي ونحوه عن ابن عباس (٢٠)، والضحاك (٢١). قوله تعالى: ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: "بتراضي الأب والأم وبمشاورتهما" (٢٢).

стр. 1785

قال مجاهد: "غير مسيئين في ظلم أنفسهما ولا إلى صبيهما ﴿فلا جناح عليهما﴾ " (١). قال الطبري: "عن تراض منهما وتشاور فيما فيه مصلحة المولود لفطمه" (٢). قال الشوكاني: " أي صادرا عن تراض من الأبوين إذا كان الفصال قبل الحولين" (٣). قال الصابوني: " أي فإِذا اتفق الوالدان على فطامه قبل الحولين ورأيا في ذلك مصلحة له بعد التشاور" (٤). قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: " فلا إِثم عليهما" (٥)، "إن لم يرضعا ولدهما سنتين" (٦). قال الماوردي: " والفصال: الفصام، سمي فصالاً لانفصال المولود عن ثدي أمه، من قولهم قد فاصل فلان فلاناً إذا فارقه من خلطة كانت بينهما. والتشاور: استخراج الرأي بالمشاورة (٧). وفي زمان هذا الفِصال عن تراض قولان (٨): أحدهما: أنه قبل الحولين إذا تراضى الوالدان بفطام المولود فيه جاز، وإن رضي أحدهما وأبى الآخر لم يجز، وهذا قول مجاهد (٩)، وقتادة (١٠)، والزهري (١١)، والسدي (١٢)، وسفيان (١٣) وابن زيد (١٤). والقول الثاني: أنه قبل الحولين وبعده، وهذا قول ابن عباس (١٥). والراجح هو القول الأول، يعني: فإن أرادا فصالا في الحولين عن تراض منهما وتشاور، لأن تمام الحولين غاية لتمام الرضاع وانقضائه، ولا تشاور بعد انقضائه، وإنما التشاور والتراضي قبل انقضاء نهايته. وهو اختيار الإام الطبري (١٦). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُم﴾ [البقرة: ٢٣٣]، " أي: وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم المراضع الأجنبيات" (١٧). قال مجاهد: خيفة الضيعة على الصبي" (١٨).

стр. 1786

قال السدي: " إن قالت المرأة: " لا طاقة لي به فقد ذهب لبني " فتُسترْضَع له أخرى" (١). قال القاسمي: " يعني غير الأم عند إبائها أو عجزها أو إرادتها أن تتزوج" (٢). قال البغوي: أي: إذا اردتم ان تسترضعوا" لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم يرضعنهم أو تعذر لعلة بهن، أي: انقطاع لبن أو أردن النكاح" (٣). قال الشنقيطي: " ذكر في هذه الآية الكريمة أن الرجل إذا أراد أن يطلب لولده مرضعة غير أمه لا جناح عليه في ذلك إذا سلم الأجرة المعينة في العقد ولم يبين هنا الوجه الموجب لذلك ولكنه بينه في سورة (الطلاق) بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ ل [الطلاق: ٦] والمراد بتعاسرهم: امتناع الرجل من دفع ما تطلبه المرأة وامتناع المرأة من قبول الإرضاع بما يبذله الرجل ويرضى به" (٤). قال الشوكاني: " قال الزجاج التقدير أن تسترضعوا لأولادكم غير الوالدة وعن سبيويه أنه حذف اللام لأنه يتعدى إلى مفعولين والمفعول الأول محذوف والمعنى أن تسترضعوا المراضع أولادكم" (٥). قوله تعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، يعني: "فلا إثم عليكم شريطة أن تدفعوا لها ما اتفقتم عليه من الأجر" (٦). قال الطبري: "الجناح: فالحرج" (٧)، وأخرج بسنده عن ابن عباس: " ﴿فلا جناح عليهما﴾، فلا حرج عليهما" (٨). قال القاسمي: يعني إذا" سلمتم الأجرة إلى المراضع بطيب نفس وسرور. والمقصود ندبهم أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس المراضع حتى يؤمن من تفريطهنّ بمصالح الرضيع، والمقصود ندبهم أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس المراضع حتى يؤمن من تفريطهنّ بمصالح الرضيع" (٩). وقوله تعالى ﴿ما آتيتم﴾ بالمد، أي: أعطيتم، وهي قراءة الجماعة إلا ابن كثير، فإنه قرأ بالقصر أي: فعلتم، ومنه قول زهير (١٠): وما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل (١١) وفي قوله تعالى: ﴿إذا سَلَّمْتُم مَّا آتَيتُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، للعلماء فيه ثلاثة تأويلات (١٢): أحدها: إذا سلمتم أيها الآباء إلى الأمهات أجور ما أرضعن قبل امتناعهن، وهذا قول مجاهد (١٣)، والسدي (١٤)، ونقله الربيع عن عطاء (١٥).

стр. 1787

والثاني: إذا سلّمتم الأولاد عن مشورة أمهاتهم إلى من يتراضى به الوالدان في إرضاعه، وهذا قول قتادة (١)، والزهري (٢) والربيع (٣). والثالث: إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف إلى التي استرضعتموها بعد إباء أم المرضع، من الأجرة، بالمعروف. قاله سفيان (٤). والراجح من التفسير هو "وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم إلى تمام رضاعهن، ولم تتفقوا أنتم ووالدتهم على فصالهم، ولم تروا ذلك من صلاحهم، فلا جناح عليكم أن تسترضعوهم ظؤورة، إن امتنعت أمهاتهم من رضاعهم لعلة بهن أو لغير علة إذا سلمتم إلى أمهاتهم وإلى المسترضعة الآخرة حقوقهن التي آتيتموهن بالمعروف، يعني بذلك المعنى: الذي أوجبه الله لهن عليكم، وهو أن يوفيهن أجورهن على ما فارقهن عليه، في حال الاسترضاع، ووقت عقد الإجارة. وهذا هو المعنى الذي قاله ابن جريج، ووافقه على بعضه مجاهد والسدي ومن قال بقولهم في ذلك" (٥). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: "اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره" (٦). قال المراغي: " أي واخشوا الله فلا تفرطوا في شاء من هذه الأحكام مع توخّى الحكمة فيها" (٧). قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، واعلموا أن الله " لا تخفى عليه أعمالكم فهو يجازيكم عليها" (٨). قال القاسمي: " فيه من الوعيد والتحذير عن مخالفة أحكامه ما لا يخفى" (٩). قال الصابوني: " أي راقبوا الله في جميع أفعالكم فإِنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأحوالكم" (١٠). قال المراغي: " واعلموا أن الله بصير بأعمالكم فهو يجازيكم عليها، فإذا قمتم بحقوق الأطفال بتراض وتشاور واجتنبتم المضارّة كان الأولاد قرة أعين لكم في الدنيا وسبب المثوبة في الآخرة، وإن أنتم اتبعتم أهواءكم وعمل كل منكم على مضارة الآخر كان الأولاد بلاء وفتنة لكم في الدنيا واستحققتم عذاب الله في الآخرة، فما أشد هذا التهديد والوعيد على ترك العناية بالأطفال ومضارة كل من الوالدين للآخر من أجل أولادهما، فليعتبر بذلك المسلمون ولا يجعلوا تربية الأولاد موكولة إلى المصادفة، والعناية بها دون العناية بسلعة التاجر، وأدوات الصانع، وماشية الزارع، وما أبعد المسلمين اليوم عن اتباع مناهج دينهم واتباع وصاياه، ولله الأمر من قبل ومن بعد" (١١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب الإرضاع على الأم؛ لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن﴾.

стр. 1788

٢ - ومنها: أن الله أرحم بخلقه من الوالدة بولدها؛ لأنه أمرها أن ترضع مع أن فطرتها، وما جبلت عليه تستلزم الإرضاع؛ وهذا؛ لأن رحمة الله أعظم من رحمة الأم بولدها؛ ومثله قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]؛ فلأن الله أرحم بأولادنا منا أوصانا فيهم. ٣ - ومنها: أن الرضاع التام يكون حولين كاملين؛ لقوله تعالى: ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ٤ - ومنها: توكيد اللفظ لينتفي احتمال النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كاملين﴾؛ ومثله قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦]: فأكدها بـ ﴿كاملة﴾؛ لئلا يتوهم واهم في تلك العشرة الكاملة أن تفريق الثلاثة والسبعة يقتضي أن يكون كل عدد منفرداً عن الآخر. ٥ - ومنها: أنه ينبغي استعطاف المخاطب بما يقتضي عطفه على الشيء؛ لقوله تعالى: ﴿يرضعن أولادهن حيث أضاف الأولاد إلى المرضعات. ٦ - ومنها: أنه يجوز النقص عن الحولين؛ لكن ذلك بالتشاور، والتراضي؛ لقوله تعالى: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾؛ لكن يجب أن نعلم أن الإتمام تارة يكون واجباً إذا ترتب على تركه إخلال بواجب، كقوله ﷺ : «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (١)؛ وتارة يكون من باب الكمال، كما في هذه الآية: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما ... ﴾ إلخ؛ ولو كان الإتمام إتمام واجب لم يكن فيه خيار؛ فإن قيل: هل تجوز الزيادة على الحولين؟ فالجواب: أنه ينظر في حال الطفل إن بقي محتاجاً إلى اللبن زيد بقدره؛ وإن لم يكن محتاجاً فقد انتهت مدة رضاعته؛ وقوله تعالى: ﴿الرضاعة﴾ هي اسم مصدر بمعنى الإرضاع الذي يحتاجه الطفل. ٧ - ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية في قوله تعالى: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾؛ والجبرية يسلبون الإنسان إرادته، وقدرته، واختياره، ويقولون: «الإنسان ليس له إرادة، ولا قدرة؛ إنما هو مجبر على عمله»؛ فلا يرون فرقاً بين الذي يتحرك ارتعاشاً، والذي يتحرك اختياراً. ٨ - ومنها: أن الولد هبة للوالد؛ لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له﴾؛ فبعض العلماء استنبط أن هذه الآية تدل على أن الوالد موهوب له؛ وعلى كل حال هذا شبيه بقول النبي ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» (٢). ٩ - ومنها: أنه قد يكون للشيء الواحد سببان؛ فالرزق، والكسوة هنا لهما سببان، كفقير غارم؛ وإذا تخلف أحد السببين بقي حكم السبب الآخر؛ فلو فرض أن امرأة ناشز لا تطيع زوجها فيما يجب عليها، وهي ترضع ولده كان لها الرزق، والكسوة لا بالزوجية - لأنها ناشز - ولكن بالرضاعة. فإن قيل: إذا كان سبب الرزق، والكسوة الزوجية أصبح الرضاع عديم التأثير. قلنا: لا؛ لأننا إذا قلنا: إن تخلف الإنفاق بالزوجية، وجب بالرضاع - هذه واحدة؛ ثانياً: أنه ربما يترتب لها من الطعام والكسوة إذا كانت ترضع ما لا يترتب لو كانت لا ترضع؛ فالمرضع ربما تحتاج إلى غسل ثيابها دائماً من الرضاعة، وتحتاج إلى زيادة طعام، وشراب. ١٠ - ومن فوائد الآية: اعتبار العرف بين الناس؛ لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾؛ وهذا ما لم يخالف الشرع؛ فإن خالفه رد إلى الشرع.

стр. 1789

١١ - ومنها: أنه يجب على المولود له رزقهن، وكسوتهن بالمعروف؛ فيرجع إلى العرف في نوع الرزق، وكميته، وكيفيته؛ وكذلك الكسوة. ١٢ - ومنها: وجوب الإنفاق على المولود له من زوج، أو غيره للمرضع؛ وظاهر الآية أنه لا فرق بين أن تكون الزوجة في حباله، أو بائناً منه؛ فإن كانت في حباله فلوجوب الإنفاق عليها سببان: الزوجية، والإرضاع؛ وإن لم تكن في حباله فلها سبب واحد - وهو الإرضاع؛ ولا يمتنع أن يكون للحكم الواحد سببان - كما سبق - كما في الزوج يكون ابن عم، فيرث بالزوجية، والقرابة. ١٣ - ومنها: أن المعتبر حال الزوجة؛ لا حال الزوج؛ فيرجع تقدير الرزق والكسوة إلى حال الزوجة، فكأنه قال: الرزق الذي يصلح لمثلها، والكسوة التي تصلح لمثلها؛ وعلى هذا فإذا كان الزوج فقيراً وهي غنية يُلزَم بنفقة غني، وكسوة غني؛ وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم؛ وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن المعتبر حال الزوج، واستدل بقوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧]؛ وأجيب عن الآية بأن المراد: رزقهن من أمثالكم، وكسوتهن من أمثالكم؛ وبهذا تجتمع الآيتان؛ وقال بعض أهل العلم: بل نعمل بالآيتين جميعاً، فنقول: المعتبر حال الزوج، والزوجة جميعاً: إن كانا موسرين فنفقة الموسر؛ وإن كانا معسرين فنفقة المعسر؛ وإن كان أحدهما فقيراً، والآخر غنياً فنفقة المتوسط؛ والراجح أن المعتبر حال الزوج - وهو مذهب الشافعي -. ١٤ - - قال القرطبي: "في هذه الآية دليل لمالك على أن الحضانة للأم، فهي في الغلام إلى البلوغ، وفي الجارية إلى النكاح، وذلك حق لها، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: إذا بلغ الولد ثماني سنين وهو سن التمييز، خير بين أبويه، فإنه في تلك الحالة تتحرك همته لتعلم القرآن والأدب ووظائف العبادات، وذلك يستوي فيه الغلام والجارية (١). ١٥ - ومن فوائد الآية: أن الله لا يكلف نفساً ما لا تطيق؛ لقوله تعالى: ﴿لا تكلف نفس إلا وسعها، أي طاقتها. ويتفرع على هذه الفائدة: بيان رحمة الله بعباده، وأن الله لا يكلفهم إلا ما يطيقون. ١٦ - ومن فوائد الآية: تحريم المضارة؛ لقوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾؛ وقال النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢)، وقال ﷺ : "من ضار ضار الله به" (٣)؛ ولا فرق بين أن تكون المضارة من الوالدة للمولود له، أو بالعكس؛ لأن الآية تحتمل هذا، وهذا. ١٧ - ومنها: وجوب النفقة للمولود على الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾؛ وإيجاب النفقة للمرضع من أجل الرضيع دليل على وجوب الإنفاق على الرضيع نفسه. ١٨ - ومنها: أنه يجوز للأم أن تفطم الولد قبل تمام الحولين؛ لكن بشرط التراضي، والتشاور؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾.

стр. 1790

١٩ - ومنها: عناية الله بالرضَّع؛ لأنه لم يبح فطامهم قبل الحولين إلا بعد التراضي بين الوالدة، والمولود له، والتشاور. ٢٠ - ومنها: أنه لا يكفي المراضاة بين الزوجين في الفطام؛ بل لا بد أن يكون هذا بعد التشاور، والمراجعة في الأمر حتى إذا تبينت مصلحة الطفل جاز ذلك. ٢١ - ومنها: جواز استرضاع الإنسان لولده المراضع؛ لقوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم﴾؛ ولو أن الأم طلبت أن ترضعه، وقال الأب: ترضعه غيرها أجبر الأب على موافقة الأم؛ لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾؛ فبدأ بـ ﴿الوالدات﴾؛ لأن الأم أشفق، ولبنها لطفلها أطيب؛ ولأن ذلك أدعى إلى التعاطف بين الأم، وولدها. فإن قيل: لو طلبت عليه أجرة أكثر من غيرها فهل يلزمه إجابتها؟ فالجواب: إن كانت الزيادة يسيرة وجبت إجابتها؛ وإن كانت كثيرة لم تلزم إجابتها. فإن قيل: هل للأم أن تطلب الأجرة إذا كانت مع المولود له؟ فالجواب: أن في ذلك قولين لأهل العلم؛ والراجح أنه ليس لها ذلك اكتفاءً بإنفاق الزوج عليها بالزوجية. ٢٢ - ومن فوائد الآية: أنه يجب على الإنسان تسليم العوض بالمعروف - أي بدون مماطلة، وبدون نقص -؛ لقوله تعالى: ﴿إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف﴾. ٢٣ - ومنها: أنه لا يجب للأجير إلا ما اتفق عليه في العقد؛ لقوله تعالى: ﴿إذا سلمتم ما آتيتم﴾؛ فلو أن المستأجر طلب منه أن يزيد في الأجرة فإنه لا يلزمه؛ حتى ولو زادت المؤن فلا يلزمه شيء سوى ما اتفقا عليه. ٢٤ - ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾. ٢٥ - ومنها: وجوب الإيمان بأسماء الله، وما تضمنته من الصفات؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾. ٢٦ - ومنها: التحذير من مخالفة أمر الله؛ لأنه بعد أن أمر بالتقوى قال: ﴿واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾ يحذرنا من مخالفة أمره بذلك. ٢٧ - ومنها: عموم علم الله بكل ما نعمل؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون﴾؛ و ﴿ما﴾ اسم موصول عام. ٢٨ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون﴾، وقوله تعالى: ﴿آتيتم﴾، وقوله تعالى: ﴿وإن أردتم﴾؛ فهذه عدة شواهد تردّ على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله ليس له إرادة فيه. ٢٩ - ومنها: إثبات بصر الله، وعلمه بما نعمل؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون بصير﴾. ٣٠ - ومنها: أن وساوس القلوب لا يؤاخذ بها؛ لأنها ليست من الأعمال؛ لقول النبي ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت بها أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم (١). القرآن ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ [البقرة: ٢٣٤] التفسير: والذين يموتون منكم، ويتركون زوجات بعدهم، يجب عليهن الانتظار بأنفسهن مدة أربعة أشهر وعشرة أيام، لا يخرجن من منزل الزوجية، ولا يتزيَّنَّ، ولا يتزوجن، فإذا انتهت المدة المذكورة فلا إثم عليكم يا أولياء النساء فيما يفعلن في أنفسهن من الخروج، والتزين، والزواج على الوجه المقرر شرعًا. والله خبير بأعمالكم ظاهرها وباطنها، وسيجازيكم عليها.
следующие страницы →