← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

قال السدي: " إن قالت المرأة: " لا طاقة لي به فقد ذهب لبني " فتُسترْضَع له أخرى" (١). قال القاسمي: " يعني غير الأم عند إبائها أو عجزها أو إرادتها أن تتزوج" (٢). قال البغوي: أي: إذا اردتم ان تسترضعوا" لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم يرضعنهم أو تعذر لعلة بهن، أي: انقطاع لبن أو أردن النكاح" (٣). قال الشنقيطي: " ذكر في هذه الآية الكريمة أن الرجل إذا أراد أن يطلب لولده مرضعة غير أمه لا جناح عليه في ذلك إذا سلم الأجرة المعينة في العقد ولم يبين هنا الوجه الموجب لذلك ولكنه بينه في سورة (الطلاق) بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ ل [الطلاق: ٦] والمراد بتعاسرهم: امتناع الرجل من دفع ما تطلبه المرأة وامتناع المرأة من قبول الإرضاع بما يبذله الرجل ويرضى به" (٤). قال الشوكاني: " قال الزجاج التقدير أن تسترضعوا لأولادكم غير الوالدة وعن سبيويه أنه حذف اللام لأنه يتعدى إلى مفعولين والمفعول الأول محذوف والمعنى أن تسترضعوا المراضع أولادكم" (٥). قوله تعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، يعني: "فلا إثم عليكم شريطة أن تدفعوا لها ما اتفقتم عليه من الأجر" (٦). قال الطبري: "الجناح: فالحرج" (٧)، وأخرج بسنده عن ابن عباس: " ﴿فلا جناح عليهما﴾، فلا حرج عليهما" (٨). قال القاسمي: يعني إذا" سلمتم الأجرة إلى المراضع بطيب نفس وسرور. والمقصود ندبهم أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس المراضع حتى يؤمن من تفريطهنّ بمصالح الرضيع، والمقصود ندبهم أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس المراضع حتى يؤمن من تفريطهنّ بمصالح الرضيع" (٩). وقوله تعالى ﴿ما آتيتم﴾ بالمد، أي: أعطيتم، وهي قراءة الجماعة إلا ابن كثير، فإنه قرأ بالقصر أي: فعلتم، ومنه قول زهير (١٠): وما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل (١١) وفي قوله تعالى: ﴿إذا سَلَّمْتُم مَّا آتَيتُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، للعلماء فيه ثلاثة تأويلات (١٢): أحدها: إذا سلمتم أيها الآباء إلى الأمهات أجور ما أرضعن قبل امتناعهن، وهذا قول مجاهد (١٣)، والسدي (١٤)، ونقله الربيع عن عطاء (١٥).

стр. 1787

والثاني: إذا سلّمتم الأولاد عن مشورة أمهاتهم إلى من يتراضى به الوالدان في إرضاعه، وهذا قول قتادة (١)، والزهري (٢) والربيع (٣). والثالث: إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف إلى التي استرضعتموها بعد إباء أم المرضع، من الأجرة، بالمعروف. قاله سفيان (٤). والراجح من التفسير هو "وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم إلى تمام رضاعهن، ولم تتفقوا أنتم ووالدتهم على فصالهم، ولم تروا ذلك من صلاحهم، فلا جناح عليكم أن تسترضعوهم ظؤورة، إن امتنعت أمهاتهم من رضاعهم لعلة بهن أو لغير علة إذا سلمتم إلى أمهاتهم وإلى المسترضعة الآخرة حقوقهن التي آتيتموهن بالمعروف، يعني بذلك المعنى: الذي أوجبه الله لهن عليكم، وهو أن يوفيهن أجورهن على ما فارقهن عليه، في حال الاسترضاع، ووقت عقد الإجارة. وهذا هو المعنى الذي قاله ابن جريج، ووافقه على بعضه مجاهد والسدي ومن قال بقولهم في ذلك" (٥). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: "اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره" (٦). قال المراغي: " أي واخشوا الله فلا تفرطوا في شاء من هذه الأحكام مع توخّى الحكمة فيها" (٧). قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، واعلموا أن الله " لا تخفى عليه أعمالكم فهو يجازيكم عليها" (٨). قال القاسمي: " فيه من الوعيد والتحذير عن مخالفة أحكامه ما لا يخفى" (٩). قال الصابوني: " أي راقبوا الله في جميع أفعالكم فإِنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأحوالكم" (١٠). قال المراغي: " واعلموا أن الله بصير بأعمالكم فهو يجازيكم عليها، فإذا قمتم بحقوق الأطفال بتراض وتشاور واجتنبتم المضارّة كان الأولاد قرة أعين لكم في الدنيا وسبب المثوبة في الآخرة، وإن أنتم اتبعتم أهواءكم وعمل كل منكم على مضارة الآخر كان الأولاد بلاء وفتنة لكم في الدنيا واستحققتم عذاب الله في الآخرة، فما أشد هذا التهديد والوعيد على ترك العناية بالأطفال ومضارة كل من الوالدين للآخر من أجل أولادهما، فليعتبر بذلك المسلمون ولا يجعلوا تربية الأولاد موكولة إلى المصادفة، والعناية بها دون العناية بسلعة التاجر، وأدوات الصانع، وماشية الزارع، وما أبعد المسلمين اليوم عن اتباع مناهج دينهم واتباع وصاياه، ولله الأمر من قبل ومن بعد" (١١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب الإرضاع على الأم؛ لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن﴾.

стр. 1788

٢ - ومنها: أن الله أرحم بخلقه من الوالدة بولدها؛ لأنه أمرها أن ترضع مع أن فطرتها، وما جبلت عليه تستلزم الإرضاع؛ وهذا؛ لأن رحمة الله أعظم من رحمة الأم بولدها؛ ومثله قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]؛ فلأن الله أرحم بأولادنا منا أوصانا فيهم. ٣ - ومنها: أن الرضاع التام يكون حولين كاملين؛ لقوله تعالى: ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ٤ - ومنها: توكيد اللفظ لينتفي احتمال النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كاملين﴾؛ ومثله قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦]: فأكدها بـ ﴿كاملة﴾؛ لئلا يتوهم واهم في تلك العشرة الكاملة أن تفريق الثلاثة والسبعة يقتضي أن يكون كل عدد منفرداً عن الآخر. ٥ - ومنها: أنه ينبغي استعطاف المخاطب بما يقتضي عطفه على الشيء؛ لقوله تعالى: ﴿يرضعن أولادهن حيث أضاف الأولاد إلى المرضعات. ٦ - ومنها: أنه يجوز النقص عن الحولين؛ لكن ذلك بالتشاور، والتراضي؛ لقوله تعالى: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾؛ لكن يجب أن نعلم أن الإتمام تارة يكون واجباً إذا ترتب على تركه إخلال بواجب، كقوله ﷺ : «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (١)؛ وتارة يكون من باب الكمال، كما في هذه الآية: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما ... ﴾ إلخ؛ ولو كان الإتمام إتمام واجب لم يكن فيه خيار؛ فإن قيل: هل تجوز الزيادة على الحولين؟ فالجواب: أنه ينظر في حال الطفل إن بقي محتاجاً إلى اللبن زيد بقدره؛ وإن لم يكن محتاجاً فقد انتهت مدة رضاعته؛ وقوله تعالى: ﴿الرضاعة﴾ هي اسم مصدر بمعنى الإرضاع الذي يحتاجه الطفل. ٧ - ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية في قوله تعالى: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾؛ والجبرية يسلبون الإنسان إرادته، وقدرته، واختياره، ويقولون: «الإنسان ليس له إرادة، ولا قدرة؛ إنما هو مجبر على عمله»؛ فلا يرون فرقاً بين الذي يتحرك ارتعاشاً، والذي يتحرك اختياراً. ٨ - ومنها: أن الولد هبة للوالد؛ لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له﴾؛ فبعض العلماء استنبط أن هذه الآية تدل على أن الوالد موهوب له؛ وعلى كل حال هذا شبيه بقول النبي ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» (٢). ٩ - ومنها: أنه قد يكون للشيء الواحد سببان؛ فالرزق، والكسوة هنا لهما سببان، كفقير غارم؛ وإذا تخلف أحد السببين بقي حكم السبب الآخر؛ فلو فرض أن امرأة ناشز لا تطيع زوجها فيما يجب عليها، وهي ترضع ولده كان لها الرزق، والكسوة لا بالزوجية - لأنها ناشز - ولكن بالرضاعة. فإن قيل: إذا كان سبب الرزق، والكسوة الزوجية أصبح الرضاع عديم التأثير. قلنا: لا؛ لأننا إذا قلنا: إن تخلف الإنفاق بالزوجية، وجب بالرضاع - هذه واحدة؛ ثانياً: أنه ربما يترتب لها من الطعام والكسوة إذا كانت ترضع ما لا يترتب لو كانت لا ترضع؛ فالمرضع ربما تحتاج إلى غسل ثيابها دائماً من الرضاعة، وتحتاج إلى زيادة طعام، وشراب. ١٠ - ومن فوائد الآية: اعتبار العرف بين الناس؛ لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾؛ وهذا ما لم يخالف الشرع؛ فإن خالفه رد إلى الشرع.

стр. 1789

١١ - ومنها: أنه يجب على المولود له رزقهن، وكسوتهن بالمعروف؛ فيرجع إلى العرف في نوع الرزق، وكميته، وكيفيته؛ وكذلك الكسوة. ١٢ - ومنها: وجوب الإنفاق على المولود له من زوج، أو غيره للمرضع؛ وظاهر الآية أنه لا فرق بين أن تكون الزوجة في حباله، أو بائناً منه؛ فإن كانت في حباله فلوجوب الإنفاق عليها سببان: الزوجية، والإرضاع؛ وإن لم تكن في حباله فلها سبب واحد - وهو الإرضاع؛ ولا يمتنع أن يكون للحكم الواحد سببان - كما سبق - كما في الزوج يكون ابن عم، فيرث بالزوجية، والقرابة. ١٣ - ومنها: أن المعتبر حال الزوجة؛ لا حال الزوج؛ فيرجع تقدير الرزق والكسوة إلى حال الزوجة، فكأنه قال: الرزق الذي يصلح لمثلها، والكسوة التي تصلح لمثلها؛ وعلى هذا فإذا كان الزوج فقيراً وهي غنية يُلزَم بنفقة غني، وكسوة غني؛ وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم؛ وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن المعتبر حال الزوج، واستدل بقوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧]؛ وأجيب عن الآية بأن المراد: رزقهن من أمثالكم، وكسوتهن من أمثالكم؛ وبهذا تجتمع الآيتان؛ وقال بعض أهل العلم: بل نعمل بالآيتين جميعاً، فنقول: المعتبر حال الزوج، والزوجة جميعاً: إن كانا موسرين فنفقة الموسر؛ وإن كانا معسرين فنفقة المعسر؛ وإن كان أحدهما فقيراً، والآخر غنياً فنفقة المتوسط؛ والراجح أن المعتبر حال الزوج - وهو مذهب الشافعي -. ١٤ - - قال القرطبي: "في هذه الآية دليل لمالك على أن الحضانة للأم، فهي في الغلام إلى البلوغ، وفي الجارية إلى النكاح، وذلك حق لها، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: إذا بلغ الولد ثماني سنين وهو سن التمييز، خير بين أبويه، فإنه في تلك الحالة تتحرك همته لتعلم القرآن والأدب ووظائف العبادات، وذلك يستوي فيه الغلام والجارية (١). ١٥ - ومن فوائد الآية: أن الله لا يكلف نفساً ما لا تطيق؛ لقوله تعالى: ﴿لا تكلف نفس إلا وسعها، أي طاقتها. ويتفرع على هذه الفائدة: بيان رحمة الله بعباده، وأن الله لا يكلفهم إلا ما يطيقون. ١٦ - ومن فوائد الآية: تحريم المضارة؛ لقوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾؛ وقال النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢)، وقال ﷺ : "من ضار ضار الله به" (٣)؛ ولا فرق بين أن تكون المضارة من الوالدة للمولود له، أو بالعكس؛ لأن الآية تحتمل هذا، وهذا. ١٧ - ومنها: وجوب النفقة للمولود على الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾؛ وإيجاب النفقة للمرضع من أجل الرضيع دليل على وجوب الإنفاق على الرضيع نفسه. ١٨ - ومنها: أنه يجوز للأم أن تفطم الولد قبل تمام الحولين؛ لكن بشرط التراضي، والتشاور؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾.

стр. 1790

١٩ - ومنها: عناية الله بالرضَّع؛ لأنه لم يبح فطامهم قبل الحولين إلا بعد التراضي بين الوالدة، والمولود له، والتشاور. ٢٠ - ومنها: أنه لا يكفي المراضاة بين الزوجين في الفطام؛ بل لا بد أن يكون هذا بعد التشاور، والمراجعة في الأمر حتى إذا تبينت مصلحة الطفل جاز ذلك. ٢١ - ومنها: جواز استرضاع الإنسان لولده المراضع؛ لقوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم﴾؛ ولو أن الأم طلبت أن ترضعه، وقال الأب: ترضعه غيرها أجبر الأب على موافقة الأم؛ لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾؛ فبدأ بـ ﴿الوالدات﴾؛ لأن الأم أشفق، ولبنها لطفلها أطيب؛ ولأن ذلك أدعى إلى التعاطف بين الأم، وولدها. فإن قيل: لو طلبت عليه أجرة أكثر من غيرها فهل يلزمه إجابتها؟ فالجواب: إن كانت الزيادة يسيرة وجبت إجابتها؛ وإن كانت كثيرة لم تلزم إجابتها. فإن قيل: هل للأم أن تطلب الأجرة إذا كانت مع المولود له؟ فالجواب: أن في ذلك قولين لأهل العلم؛ والراجح أنه ليس لها ذلك اكتفاءً بإنفاق الزوج عليها بالزوجية. ٢٢ - ومن فوائد الآية: أنه يجب على الإنسان تسليم العوض بالمعروف - أي بدون مماطلة، وبدون نقص -؛ لقوله تعالى: ﴿إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف﴾. ٢٣ - ومنها: أنه لا يجب للأجير إلا ما اتفق عليه في العقد؛ لقوله تعالى: ﴿إذا سلمتم ما آتيتم﴾؛ فلو أن المستأجر طلب منه أن يزيد في الأجرة فإنه لا يلزمه؛ حتى ولو زادت المؤن فلا يلزمه شيء سوى ما اتفقا عليه. ٢٤ - ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾. ٢٥ - ومنها: وجوب الإيمان بأسماء الله، وما تضمنته من الصفات؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾. ٢٦ - ومنها: التحذير من مخالفة أمر الله؛ لأنه بعد أن أمر بالتقوى قال: ﴿واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾ يحذرنا من مخالفة أمره بذلك. ٢٧ - ومنها: عموم علم الله بكل ما نعمل؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون﴾؛ و ﴿ما﴾ اسم موصول عام. ٢٨ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون﴾، وقوله تعالى: ﴿آتيتم﴾، وقوله تعالى: ﴿وإن أردتم﴾؛ فهذه عدة شواهد تردّ على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله ليس له إرادة فيه. ٢٩ - ومنها: إثبات بصر الله، وعلمه بما نعمل؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون بصير﴾. ٣٠ - ومنها: أن وساوس القلوب لا يؤاخذ بها؛ لأنها ليست من الأعمال؛ لقول النبي ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت بها أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم (١). القرآن ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ [البقرة: ٢٣٤] التفسير: والذين يموتون منكم، ويتركون زوجات بعدهم، يجب عليهن الانتظار بأنفسهن مدة أربعة أشهر وعشرة أيام، لا يخرجن من منزل الزوجية، ولا يتزيَّنَّ، ولا يتزوجن، فإذا انتهت المدة المذكورة فلا إثم عليكم يا أولياء النساء فيما يفعلن في أنفسهن من الخروج، والتزين، والزواج على الوجه المقرر شرعًا. والله خبير بأعمالكم ظاهرها وباطنها، وسيجازيكم عليها.

стр. 1791

في سبب نزول الآية: أخرج الواحدي عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدثت عن مقاتل بن حيان في هذه الآية: أن رجلا من أهل الطائف قدم المدينة وله أولاد رجال ونساء، ومعه أبواه وامرأته، فمات بالمدينة، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فأعطى الوالدين وأعطى أولاده بالمعروف ولم يعط امرأته شيئا، غير أنه أمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها إلى الحول" (١). قال الشوكاني: " لما ذكر سبحانه عدة الطلاق واتصل بذكر ذكر الإرضاع عقب ذلك بذكر عدة الوفاة لئلا يتوهم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق" (٢). واختلف في حكم الآيتين [البقرة: ٢٤٠، والبقرة: ٢٣٤]، على قولين (٣): أحدهما: أن الآية الأولى (٤) منسوخة بالآية الثانية، حيث كانت العدة في الجاهليَّة وأول الإسلام حولاً، ثُمَّ نسخت بأربعة أشهر وعشراً. وهذا قول الجمهور. قال النحاس: قال أكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله جل وعز: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج﴾ [البقرة: ٢٤٠]، لأن الناس أقاموا برهة من الإسلام إذا توفي الرجل، وخلف امرأته حاملا أوصى لها زوجها بنفقة سنة وبالسكنى ما لم تخرج فتتزوج، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر وبالميراث" (٥). والثاني: أن الآية غير منسوخة، لأن النص القرآني لم يصرح بالعدة، وإنَّما قال ذلك متاع لها إن أرادت سبعة أشهر وعشرين ليلة تقضيها في البيت، فالواجب في العدة أربعة أشهر وعشراً، وما زاد إلى الحول فهو وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت. وهذا قول مجاهد (٦)، وابن عباس (٧) في رواية عطاء عنه. قال ابن حجر: " فالتحقيق: أن لا نسخ هناك بل عموم آية البقرة مخصوص بآية الطلاق" (٨). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، أي: والذين"يموتون وتتوفى آجالهم" (٩). قال القرطبي: " أي والرجال الذين يموتون منكم، ولهم زوجات" (١٠). قال القاسمي: والذين"يموتون من رجالكم" (١١). قال البغوي: " وتوفى واستوفى بمعنى واحد، ومعنى التوفي أخذ الشيء وافيا" (١٢).

стр. 1792

قال الرازي: " وأصل التوفي أخذ الشيء وافيا كاملا، فمن مات فقد وجد عمره وافيا كاملا، ويقال: توفي فلان، وتوفي إذا مات، فمن قال: توفي، كان معناه قبض وأخذ ومن قال: توفى، كان معناه توفى أجله واستوفى أكله وعمره" (١). وقوله تعالى: ﴿يتوفون﴾ بضم الياء - أي يتوفاهم الله -؛ وذلك بقبض أرواحهم عند الموت؛ وقد أضاف الله التوفي إليه تارة، كما في قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ [الزمر: ٤٢]؛ وإلى ملك الموت تارة، كما في قوله تعالى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾ [السجدة: ١١]؛ وإلى رسله - وهم الملائكة - تارة، كما في قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾ [الأنعام: ٦١]، فإضافتها إلى الله؛ لأنها بأمره؛ وإلى ملك الموت؛ لأنه الذي يقبض الروح؛ وإلى الرسل؛ لأنهم يقبضونها من ملك الموت يصعدون بها إلى السماء؛ ولذلك بني الفعل في الآية لما لم يسم فاعله؛ ليشمل كل ذلك (٢). وقرأ علي ﵁ ﴿يَتوفون﴾ بفتح الياء" (٣)، أي" أى يستوفون آجالهم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، أي: و"يتركون أزواجا" (٥) بعدهم. و(الأزواج): جمع زوج - وهو من عقد له النكاح من رجل، أو امرأة -؛ إلا أن الفرضيين ﵏ اصطلحوا على أن الرجل يقال له: زوج؛ والمرأة يقال لها زوجة من أجل التمييز بينهما في قسمة الميراث (٦). قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، أي "ينتظرن، ويَحبسن أنفسهن عن الزواج" (٧) لمدة أربعة أشهر وعشرة أيام، حداداً على أزواجهنَّ. قال السعدي: " والحكمة في ذلك، ليتبين الحمل في مدة الأربعة، ويتحرك في ابتدائه في الشهر الخامس، وهذا العام مخصوص بالحوامل، فإن عدتهن بوضع الحمل (٨)، وكذلك الأمة، عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران وخمسة أيام" (٩). قال القرطبي: " التربص: التأني والتصبر عن النكاح، وترك الخروج عن مسكن النكاح وذلك بألا تفارقه ليلا" (١٠). وقال ابن العربي ﵀: "هو الانتظار" (١١). وقال الحافظ بن كثير ﵀: "هذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال" (١٢).

стр. 1793

قال الصابوني: " أي على النساء اللواتي يموت أزواجهن أن يمكثن في العدّة أربعة أشهر وعشرة أيام حداداً على أزواجهنَّ" (١). قال ابن عثيمين: " لأن المرأة بطبيعتها تطلب النكاح؛ فقيل لها: تربصي بنفسك؛ انتظري، مثلما أقول: ارفق بنفسك - أي هوِّن على نفسك -؛ وما أشبهها؛ وأما قول من قال: إن «أنفسهن» توكيد للفاعل في ﴿يتربصن﴾ زيدت فيه الباء، وجعل معنى الآية: يتربصن أنفسُهن؛ فهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل عدم الزيادة؛ ولأن مثل هذا التعبير شاذ في اللغة العربية؛ فلا يحمل كلام الله على الشاذ؛ وعلى هذا فالمعنى الصحيح: أن ينتظرن بأنفسهن فلا يعجلن" (٢). وللعلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]، قولان (٣): القول الأول: ذهب جمهور العلماء من الحنفية (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧) إلى أن المراد بالآية عشر ليال بأيامها، فلا تحل حتى تدخل اليلة الحادية عشرة. قال ابن عطية ﵀: "قال جمهور أهل العلم: ويدخل في ذلك اليوم العاشر وهو من العدة لأن الأيام مع الليالي" (٨). وقال ابن المنذر ﵀: "والعشرة التي مع الأربعة الأشهر عشرة أيام بلياليها" (٩). والتمسوا لتذكير العدد في الآية عللاً فقالوا: إن المعنى وعشر مدد كل مدة يوم وليلة، وقالوا: ذكر العدد في الآية تغليباً لحكم الليالي إذ الليلة أسبق من اليوم والأيام في ضمنها ابتداء الشهور بالليل عند الاستهلال فلما كان أول الشهر الليلة غلّب الليل، وقالوا أيضاً إن التذكير أخف في اللفظ من التأنيث (١٠). وأورد بعضهم فقال: إن تذكير اللفظ وإرادة الأيام والليالي غير جائز في اللغة. قال الطبري ﵀: " فإن جاز ذلك المعنى فيه ما قلت – أي التذكير وإرادة الأيام والليالي جميعاً -. فهل تجيز: (عندي عشر) وأنت تريد عشرة من رجال ونساء؟ قلت: ذلك جائز في عدد الليالي والأيام غير جائز مثله في عدد بني آدم من الرجال والنساء وذلك أن العرب في الأيام والليالي خاصة إذا أبهمت العدد غلبت في الليالي حتى إنهم فيما روي لنا يقولون: (صمنا عشراً من شهر رمضان) لتغليبهم الليالي على الأيام وذلك أن العدد عندهم قد جرى في ذلك فإن أظهروا مع العدد مفسرة أسقطوا من عدد المؤنث (الهاء) وأثبتوها في عدد المذكر كما قال تعالى ذكره: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة: ٧]، فأسقط الهاء من سبع وأثبتها في

стр. 1794

الثمانية. وأما بنو آدم فإن من شأن العرب إذا اجتمعت الرجال والنساء ثم أبهمت عددها: أن تخرجه على عدد الذكران دون الإناث (١)، وذكر نحوه النووي ﵀ (٢). القول الثاني: اختار الأوزاعي ويحي بن أبي كثير وبعض السلف وابن حزم ﵀ اقتصار الحكم على الليالي فتخرج المرأة من العدة في يوم العاشر فليس من العدة بل انقضت عدتها بانقضاء عشر ليال واستندوا إلى ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قرأ ﴿وعشر ليال﴾ (٣). والراجح هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو اختيار الشيخ محمد العثيمين (٤)، ومهما يكن من أمر فإن المسلم إذا اختلطت عليه الأمور واشتبه الحلال بالحرام وجب عليه الأخذ بالأحوط، والاحتياط هنا أن لا تخرج من عدتها إلا بتمام يوم العاشر والفارق بين القولين من حيث المدة لا يكاد يذكر فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه والله أعلم. قال الصابوني: " وهذا الحكم [أي التربص أربعة أشهر وعشر أيام]، لغير الحامل (٥) أما الحامل فعدتها، وضع الحمل لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] " (٦).

стр. 1795

وقد أختلف أهل العلم في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها على قولين (١). القول الأول: أن الحامل أجلها أن تضع حملها ولو بعد الوفاة بوقت يسير ولو قبل دفنه. وهو مذهب أكثر العلماء (٢)، ومنهم الأئمة الأربعة (٣). وحكى ابن قدامة الإجماع عليه فقال: " وأجمعوا أيضاً على أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً وضع حملها إلا ابن عباس. وروي عن علي من وجه منقطع أنها تعتد بأقصى الأجلين (٤)، وحكاه أيضاً ابن عبدالبر ﵀. واحتجوا في قولهم بالأدلة الآتية: أولا: قال الله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فالآية دالة على أن كل حامل أجلها وضع الحمل ومعلوم عند جمهور المفسرين أن آية الطلاق متأخرة عن آية البقرة، قال ابن مسعود ﵁: " نزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى " (٥) وهو قال جمهور الصحابة ﵃ (٦) ومن بعدهم، قال ابن النحاس: وهذا أعني أن قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَال﴾ ناسخة للتي في البقرة أو مبينة لها – قول أكثر الصحابة والتابعين والفقهاء (٧)، والذي جعلهم يقولون هذا هو تعارض العمومين فإن عموم البقرة يشمل الحامل والحائل وعموم آية الطلاق يشمل المطلقة والمتوفى عنها فلا بد من حمل أحد العمومين لآية البقرة وبهذا نعمل بالآيتين فنقول: كل متوفى عنها تعتد أربعة أشهر وعشراً إلا الحامل فإن أجلها وضع حملها (٨). واستدل بعضهم على شمول آية ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَال﴾ للمتوفى عنها بما روي عن أبي بن كعب ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن قوله تعالى ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَال﴾ للمطلقة ثلاثاً؟ فقال ﷺ " هي للمطلقة ثلاثاً وللمتوفى عنها زوجها " إلا أن الحديث لا يصح عند التحقيق ولو صح لكان نصاً في محل النزاع.

стр. 1796

ثانيا: عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ : أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة كانت تحت زوجها توفي عنها وهي حبلى فخطبها أبو السنابل بن بعكك فأبت أن تنكحه فقال: والله ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدي آخر الأجلين فمكثت قريباً من عشر ليال ثم جاءت النبي ﷺ فقال: انكحي " رواه الجماعة (١). وروايات هذا الحديث متعددة كلها فيها إذن النبي ﷺ لسبيعة في النكاح إذا وضعت حملها ورده لما قال أبو السنابل ﵁. وهذا الحديث متأخر عن آية البقرة فإن القصة إنما وقعت في حجة الوداع فإن زوجها الذي توفي عنها هو سعد بن خولة ﵂ وقد توفي في حجة الوداع كما في الصحيحين ولفظه: فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل. فتبين بهذا أن عموم آية البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ مخصوص بآية الطلاق: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال القرطبي ﵀: " فبين الحديث – أي حديث سبيعة الأسلمية – أن قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ محمول على عمومه في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، وأن عدة الوفاة مختصة بالحائل من الصنفين" (٢). وقال ابن عبدالبر ﵀: "لما كان عموم الآيتين معارضاً – أعني قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ وقوله ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُن﴾ - لم يكن بد من بيان رسول الله ﷺ لمراد الله منهما على ما أمره الله بقوله ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فبين رسول الله ﷺ مراد الله من ذلك بما أفتى به سبيعة الأسلمية، فكل ما خالف لك فلا معنى له من جهة الحجة وبالله التوفيق (٣). وقال البغوي ﵀: " وعامة الفقهاء خصوا الآية بخبر سبيعة (٤). وعلل الجمهور لهذا القول بتعليلين، قال ابن قدامة ﵀: " ويحقق أن العدة إنما شرعت لمعرفة براءتها من الحمل، ووضعه أدل الأشياء على البراءة منه فوجب أن تنقضي به العدة ولأنه لا خلاف في بقاء العدة ببقاء الحمل فوجب أن تنقضي به كما في حق المطلقة (٥). القول الثاني: أن الحامل تعتد بأطول الأجلين، روي هذا عن علي وابن عباس ﵃ (٦)، واختاره ابن سحنون ﵀ (٧) (٨).

стр. 1797

قال ابن حجر: " وهو شذود مردود (١)؛ لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع (٢)، والسبب الحامل له الحرص على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومهما فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ عام في كل من مات عنها زوجها يشمل الحامل وغيرها، وقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] عام أيضاً يشمل المطلقة والمتوفى عنها، فجمع أولئك بين العمومين بقصر الثانية على المطلقة بقرينة ذكر عِدَد المطلقات، كالآيسة والصغيرة قبلهما، ثم لم يهملوا ما تناولته الآية الثانية من العموم لكن قصروه على من مضت عليها العدة ولم تضع، فكان تخصيص بعض العموم أولى وأقرب إلى العمل بمقتضى الآيتين من إلغاء أحدهما في حق بعض من شمله العموم (٣). ويترجح قول الجمهور أيضاً بأن الآيتين، وإن كانتا عامتين من وجه خاصتين من وجه فكان الاحتياط أن لا تنقضي العدة إلا بآخر الأجلين، لكن لما كان المعنى المقصود الأصلي من العدة براءة الرحم-ولا سيما فيمن تحيض-يحصل المطلوب بالوضع، ووافق ما دل عليه حديث (٤) (٥) ويقويه قول ابن مسعود في تأخر نزول آية الطلاق عن آية البقرة (٦) " (٧). قال ابن عبدالبر ﵀: " وأما مذهب علي وابن عباس – في هذه المسألة – فمعناه الأخذ باليقين. وجملة ﴿يَتَرَبَّصْن﴾ خبر ﴿َالَّذِينَ﴾؛ وفيها أشكال، حيث لم يوجد رابط يربطها بالمبتدأ؛ لأن قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ليس فيها ضمير يعود على ﴿َالَّذِينَ﴾؛ فاختلف الناس في كيفية الربط بين المبتدأ، والخبر على قولين (٨): أحدهما: أن التقدير: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بعدهم؛ وعلى هذا يكون الضمير: في (بعدهم) هو الرابط الذي يربط بين المبتدأ، والخبر. والثاني: أن التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن؛ فقدر المبتدأ. قال ابن عثيمين: "هذان وجهان؛ ولكن الأول أيسر من الثاني، وأقرب. والله أعلم" (٩). قال الماوردي: "والإِحْدَادُ: الامتناع من الزينة، والطيب، والترجل، والنُّقْلة" (١٠).

стр. 1798

وقد اختلف أهل العلم في وجوب الإِحْدَادِ فيها على قولين (١): أحدهما: أن الإِحْدَاد فيها واجب، وهو قول ابن عباس (٢)، وابن عمر (٣)، والزهري (٤). والثاني: ليس بواجب، وقالوا: ": إنما أمرت المتوفى عنها زوجها أن تربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب والزينة والمبيت عن المنزل، فلم تنه عن ذلك، ولم تؤمر بالتربص بنفسها عنه" (٥). وهو قول الحسن (٦)، وابن عباس (٧) في أحد قوليه. واستدلوا بدليلين: الأول: حديث أسماء بنت عميس ﵂: روى عبد الله ابن شداد بن الهاد، عن أسماء بنت عُمَيس قالت: لمّا أصيب جعفر بن أبي طالب، قال لي رسول الله ﷺ : " تَسَلَّبي ثَلاثاً ثُمَّ اصْنَعِي مَا شِئْتِ" (٨). قال ابن القيم ﵀ في بيان وجه استدلالهم بهذا الحديث: " قالوا: وهذا ناسخ لأحاديث الإحداد لأنه بعدها، فإن أم سلمة ﵂ روت حديث الإحداد وأنه ﷺ أمرها به إثر موت أبي سلمة لا خلاف أن موت أبي سلمة كان قبل موت جعفر ﵄ (٩). ثانياً: ما رواه ابن عمر ﵁ مرفوعاً: "لا إحداد فوق ثلاث" (١٠). والراجح هو قول الجمهور، وقد أجابوا عما استدل به أصحاب القول الثاني بما يلي: أولا: - أما حديث أسماء بنت عميس:

стр. 1799

أ- أن الحديث شاذ، وبهذا قال أحمد وإسحاق رحمهما الله (١) وأشار إلى هذه العلة البيهقي ﵀ فقال: والأحاديث قبله أثبت والمصير إليها أولى وبالله التوفيق (٢). وقال في معرفة السنن والآثار: " والحديث في إحدادها ثابت فالمصير إليه أولى وبالله التوفيق (٣). وحكى الحافظ ابن حجر ﵀ عن شيخه العراقي القول بشذوذه، قال ﵀: " وأجاب – يعني شيخه – بأن هذا الحديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة وأجمعوا على خلافه (٤). وقال ابن القيم ﵀ عن رواية من روايات حديث أسماء ﵂: " وفي الحديث الثاني حجاج بن أرطأة ولا يعارض بحديثه حديث الأئمة الأثبات الذين هم فرسان الحديث (٥). ب- أن الحديث منقطع الإسناد، قال البيهقي ﵀: " فلم يثبت سماع عبدالله من أسماء وقد قيل فيه: عن أسماء فهو مرسل (٦). وقد قال أبو محمد بن حزم ﵀: " هذا منقطع لا حجة فيه لأن عبدالله بن شداد لم يسمع من رسول الله ﷺ شيئاً " (٧). وقد أجاب عن هذه العلة الحافظ ابن حجر ﵀ فقال " وهذا تعليل مدفوع فقد صححه أحمد ولكنه قال: إنه مخالف للأحاديث الصحيحة في الإحداد، قلت وهو مصير منه إلى أنه يعله بالشذوذ " (٨). وأعله البيهقي أيضاً بأن فيه محمد بن طلحة ليس بالقوي (٩). قال الألباني أثابه الله معلقاً على كلام البيهقي ﵀: " ورجال أحمد رجال الصحيح" (١٠). ج- أن الحديث منسوخ، قال الطحاوي ﵀ في كلامه على حديث أسماء: ففي هذا الحديث أن الإحداد لم يكن على المعتدة في كل عدتها وإنما في وقت منها ثم نسخ ذلك وأمرت بأن تحد عليه أربعة أشهر وعشراً (١١)، وساق بعد هذا الكلام الأحاديث الناسخة. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " وليس فيها ما يدل على النسخ لكنه يكثر من ادعاء النسخ بالاحتمال فجرى على عادته (١٢).

стр. 1800

د- أن يكون المراد بالإحداد المقيد بالثلاث قدراً زائداً على الإحداد المعروف الذي فعلته أسماء مبالغة في حزنها على جعفر، فنهاها عن ذلك بعد الثلاث، أو لكونها كانت حاملاً فوضعت بعد ثلاث فانقضت عدتها فنهاها بعدها عن الإحداد ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى: " ثلاثاً" لأنه يحمل على أنه ﷺ أُطلع على أن عدتها تنقضي عند الثلاث، ولعله كان أبانها بالطلاق قبل استشهاده فلم يكن عليها إحداد (١). ولا تخلو هذه الأجوبة من نقاش وأصح ما أجاب به العلماء على هذا الحديث القول بشذوذه كما قال أحمد واسحاق والبيهقي رحمهم الله تعالى. ثانياً: الجواب على حديث ابن عمر. أجاب الإمام أحمد لما سئل عن هذا الحديث قائلا: " هذا منكر والمعروف عن ابن عمر من رأيه (٢). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " وهذا – أي حديث ابن عمر – يحتمل أن يكون لغير المعتدة، فلا نكارة فيه بخلاف حديث أسماء والله أعلم (٣). نستنتج مما سبق بأن ما ذهب إليه عامة أهل العلم هو الموافق للنصوص وأنه ليس مع المخالف ما يقاوم أدلة الجمهور والله أعلم (٤) (٥).

стр. 1801

أما حداد المرأة على القريب، فقد اتفق العلماء رحمهم الله تعالى على جواز إحداد المرأة على غير زوجها ثلاثة أيام؛ لقوله ﷺ : " لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا " (١). ولا يجوز للمرأة أن تزيد على ثلاثة أيام على غير الزوج، وللزّوج منعها من الإحداد على القريب، لأن حقه عليها أعظم من حق القريب. قال ابن القيم ﵀: " فإن الإحداد على الزوج واجب وعلى غيره جائز " (٢). وقال العيني ﵀: " قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن من مات أبوها أو ابنها، وكانت ذات زوج وطالبها زوجها في الثلاثة أيام التي أبيح لها الإحداد فيها أنه يُقضى له عليها بالجماع فيها " (٣). واختار جوازه على كل ميت الشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد العثيمين أثابهما الله عملاً بعموم الحديث (٤). وذهب بعض أهل العلم إلى عدم جوازه على الأجنبي مطلقاً، وخصه بعضهم بما إذا وجدت الريبة قال الهيثمي ﵀: " وبحث الأذرعي حرمته من أجنبية على أجنبي ولو بعض يوم، وهو متجه حيث وجدت ريبة وإلا كأن حزنت عليه لنحو علمه وصلاحه وصداقته لنحو والدها وإحسانه إليها ولا ريبة بوجه فلا حرمة كما هو ظاهر" (٥). وما قاله متوجه إلا أنه لا يخالف ما تقدم عن جمهور العلماء إذ إن كلامهم ﵏ على المسألة من حيث الأصل دون ما قد يعرض لها مما يؤدي إلى تحريمه. وأما ما ذكره عن الأذرعي فلا وجه له وظاهر السنة يرده والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، " أي: فإذا انقضت عدتهن" (٦). قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، أي: فلا إِثم عليكم أَيها الأولياء في الإذن لهنّ بالزواج وفعل ما أباحه لهنّ الشرع من الزينة والتعرض للخطّاب" (٧). قال السعدي: أي: "من مراجعتها للزينة والطيب، على وجه غير محرم ولا مكروه" (٨).

стр. 1802

قال مجاهد: " ﴿المعروف﴾: النكاح الحلال الطيب" (١)، وروي نحوه عن السدي (٢) والزهري (٣). قال النسفي: : أي: "بالوجه الذي لا ينكره الشرع" (٤). قال الزمخشري: " والمعنى أنهن لو فعلن ما هو منكر كان على الأئمة أن يكفوهنّ" (٥). قال الشيخ السعدي: " وفي هذا وجوب الإحداد مدة العدة، على المتوفى عنها زوجها، دون غيرها من المطلقات والمفارقات، وهو مجمع عليه بين العلماء .. وفي خطابه للأولياء بقوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] دليل على أن الولي ينظر على المرأة، ويمنعها مما لا يجوز فعله ويجبرها على ما يجب، وأنه مخاطب بذلك، واجب عليه" (٦). قال ابن عثيمين: " فلو أرادت المرأة أن تعمل شيئاً محرماً عليها في هذه العدة لزم وليها أن يمنعها؛ وإذا تمت العدة فلا جناح على وليها أن يمكنها من أن تفعل في نفسها ما تشاء - لكن بالمعروف" (٧). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، أي: والله" عليم بجميع أعمالكم فيجازيكم عليها" (٨). قال السعدي: أي: "عالم بأعمالكم، ظاهرها وباطنها، جليلها وخفيها، فمجازيكم عليها" (٩). قال ابن عثيمين: "أي عليم ببواطن الأمور؛ فالخبير أخص من العليم" (١٠). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾؛ لأنها خبر بمعنى الأمر. ٢ - ومنها: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها سواء كانت صغيرة، أم كبيرة؛ لقوله تعالى: ﴿أزواجاً﴾، وأطلق؛ فأما الكبيرة فتقوم بما يلزمها من الإحداد؛ وأما الصغيرة فالمخاطب بذلك وليها يجنبها ما تتجنبه المحادة الكبيرة. ٣ - ومنها: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها سواء دخل بها، أم لم يدخل؛ لقوله تعالى: ﴿أزواجاً﴾؛ لأن الزوجة تكون زوجة بمجرد العقد بخلاف الطلاق؛ فإن الطلاق قبل الدخول، والخلوة لا عدة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب: ٤٩]. ٤ - ومنها: وجوب انتظار المرأة بنفسها مدة العدة بحيث لا تتزوج، ولا تتعرض للزواج؛ لقوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾، كما تقول: تربص بكذا، وكذا - يعني لا تتعجل. ٥ - ومنها: أن السرية لا تلزمها عدة الوفاة؛ لأنها ليست بزوجة. ٦ - ومنها: أنه لو تبين عند الوفاة أن النكاح باطل لم تعتد بالوفاة، مثل أن يتبين عند وفاته أنها أخته من الرضاع؛ لأنه تبين أن النكاح باطل - وجوده كالعدم -.

стр. 1803

٧ - ومنها: أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام سواء كانت تحيض، أو لا تحيض؛ ويستثنى من ذلك الحامل؛ فعدتها إلى وضع الحمل؛ لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤]؛ ولا عدة للمتوفى عنها زوجها سوى هاتين. ٨ - ومنها: حكمة الله بتقدير عدة المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشر؛ وعلق الحكم بهذا العدد، ولم يعلقه بالأقراء - كما في المطلقات -؛ لأن أقل ما يمكن أن يتحرك فيه الجنين أربعة أشهر؛ وزيدت العشرة للاستثبات؛ هكذا قال بعض أهل العلم؛ ولكن عند التأمل يتبين لك ضعف هذا التعليل؛ لأن المرأة المتوفى عنها زوجها قد لا يدخل بها؛ وقد تكون صغيرة لا يمكن أن تحمل؛ وقد تكون كبيرة آيسة من الحمل؛ ثم الاحتياط بأربعة أشهر وعشر: يمكن العلم ببراءة الرحم قبل هذه المدة؛ فتبين بهذا أن الحكمة شيء آخر؛ وعندي - والله أعلم - أن الحكمة أنهم لما كانوا في الجاهلية تبقى المرأة حولاً كاملاً في العدة بعد موت زوجها، وتبقى في بيت صغير، كالخباء لها، ولا تمس الماء أبداً؛ تأكل، وتشرب حتى لا تموت؛ وتبقى بعرقها، ورائحتها، وحيضها، ونتنها لمدة سنة كاملة؛ فإذا تمت السنة أتوا لها بفأرة، أو عصفور، فقالوا لها: «امحشي به فرجك»؛ فقلّ ما تتمسح بشيء إلا مات من الرائحة الكريهة؛ مدة سنة ربما يأتيها الحيض اثنتي عشرة مرة وهي في هذا المكان؛ ثم إذا تم الحول أتوا لها ببعرة؛ فأخذت البعرة، ورمت بها، كأنها تقول: كل ما مر عليّ فهو أهون من رمي هذه البعرة؛ فجاء الإسلام، وأبدل الحول بأربعة أشهر؛ لأن أربعة أشهر: ثلث حول؛ وعشرة أيام: ثلث شهر؛ والثلث كثير؛ فأُتي من الحول بثلثه، ومن الشهر بثلثه؛ فإن تبينت هذه الحكمة، وكانت هي مراد الله فهذا من فضل الله؛ وإن لم تتبين فإننا نقول: الله أعلم بما أراد؛ وهذا كغيرها من العبادات ذوات العدد التي لا نعلم ما الحكمة فيها. ٩ - ومن فوائد الآية: أن العدة إذا انتهت جاز للمرأة أن تفعل كل ما كان معروفاً من تجمل، وخروج من البيت، وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم﴾. ١٠ - ومنها: أن الأولياء مسؤولون عن مولياتهم؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم﴾ إشارة إلى أن الرجال لهم ولاية على النساء؛ فيكونون مسؤولين عنهن. ١١ - ومنها: اعتبار العرف؛ لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾؛ والعرف معتبر إذا لم يخالف الشرع؛ فإن خالف الشرع فلا يعتبر. ١٢ - ومنها: إثبات علم الله بالظاهر، والخفي؛ لقوله تعالى: ﴿والله بما تعملون خبير﴾؛ والخبير هو العليم ببواطن الأمور؛ ومن كان عليماً ببواطن الأمور كان عليماً بظواهرها من باب أولى. ١٣ - ومنها: التحذير من مخالفة هذا الحكم؛ لقوله تعالى: ﴿والله بما تعملون خبير﴾ أي احذروا من مخالفته؛ فإن الله بما تعملون خبير. القرآن ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥] التفسير: ولا إثم عليكم -أيها الرجال- فيما تُلَمِّحون به مِن طلب الزواج بالنساء المتوفَّى عنهنَّ أزواجهن، أو المطلقات طلاقًا بائنًا في أثناء عدتهن، ولا ذنب عليكم أيضًا فيما أضمرتموه في أنفسكم من نية الزواج بهن بعد انتهاء عدتهن. علم الله أنكم ستذكرون النساء المعتدَّات، ولن تصبروا على السكوت عنهن، لضعفكم؛ لذلك أباح لكم أن تذكروهن تلميحًا أو إضمارًا في النفس، واحذروا أن تواعدوهن على النكاح سرًا بالزنى أو الاتفاق على الزواج في أثناء العدة، إلا أن تقولوا قولا يُفْهَم منه أن مثلها يُرْغَبُ فيها الأزواج، ولا تعزموا

стр. 1804

على عقد النكاح في زمان العدة حتى تنقضي مدتها. واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فخافوه، واعلموا أن الله غفور لمن تاب من ذنوبه، حليم على عباده لا يعجل عليهم بالعقوبة. قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيكُم﴾ [البقرة: ٢٣٥]، "أي: لا إثم عليكم" (١). و(الجناح): "الإثم، وهو أصح في الشرع وقيل: بل هو الأمر الشاق، وهو أصح في اللغة؛ قال الشاعر (٢): إذا تعلو براكبها خليجا ... تذكر ما لديه من الجناح والمخاطبة لجميع الناس؛ والمراد بحكمها هو الرجل الذي في نفسه تزوج معتدة، أي لا وزر عليكم في التعريض بالخطبة في عدة الوفاة" (٣). قوله تعالى: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: " بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح" (٤). قال الصابوني: أي: "بخطبة النساء المتوفّى عنهن أزواجهن في العدّة، بطريق التلميح لا التصريح" (٥). قال الخازن: اي: من طلب نكاح "المعتدات في عدتهم" (٦). قال القاسمي: " في التعريض بخطبتكم النساء المتوفى عنهن أزواجهنّ قبل انقضاء العدة لتتزوجوهن بعد انقضائها" (٧). قال الخازن: " و (التعريض): ضد التصريح، ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده ويصلح للدلالة على غير مقصوده ولكن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح وقيل هو الإشارة إلى الشيء بما يفهم السامع مقصوده من غير تصريح به وقيل التعريض من الكلام ما له ظاهر وباطن" (٨). قال القاسمي: " و (التعريض): إفهام المقصود بما لم يوضع له، حقيقة ولا مجازا. كأن يقال لها: إنك جميلة أو صالحة، أو ربّ راغب فيك، أو من يجد مثلك" (٩). قال ابن عثيمين: و (التعريض) هو أن يأتي الإنسان بكلام لا يصرح فيه بمراده؛ لكنه مقارب، كنا قال الماروردي: " فهو الإشارة بالكلام إلى ما ليس فيه ذكر النكاح" (١٠)، مثل أن يقول للمرأة: (إني في مثلكِ لراغب)؛ (إنكِ امرأة يرغب فيكِ الرجال)؛ (إذا انقضت العدة فأخبريني)؛ وعلى هذا فقس؛ فهذا ليس فيه تصريح أن يخطبها لا لنفسه، ولا لغيره؛ لكنه يسمى تعريضاً؛ والتعريض، والتلويح بمعنًى واحد" (١١). وأما (الخطِبة) فمعناها: "أن يعرض الإنسان نفسه على المرأة ليتزوجها، ويطلبها إليه؛ فهي"طلب النكاح" (١٢)، وسميت خطبة إما من الخَطْب بمعنى الشأن؛ لأن هذا شأنه عظيم؛ وإما من الخطابة؛ لأنها مقرونة بالقول - حتى إنه كان فيما سلف يأتي الخاطب إلى المرأة، وأهلها، ويخطب فيهم - يعني يتكلم بخطبة،

стр. 1805

ثم يبدي أنه يرغبها؛ ومع ذلك يفرقون بين الخِطبة بالكسر؛ وبين الخُطبة بالضم؛ فيقول: الخُطبة بالضم: " وأما الخُطبة بالضَّمِ فهي كلام يتضمن وعْظاً أو بلاغاً" (١)، وما أشبه ذلك؛ والخِطبة بالكسر: هي طلب المرأة لتكون زوجة للطالب؛ والمراد بـ ﴿النساء﴾ من مات عنهن أزواجهن" (٢). قال البغوي: " روي أن سكينة بنت حنظلة بانت من زوجها فدخل عليها أبو جعفر محمد بن علي الباقر في عدتها وقال: يا بنت حنظلة أنا من قد علمت قرابتي من رسول الله ﷺ وحق جدي علي وقدمي في الإسلام فقالت سكينة أتخطبني وأنا في العدة وأنت يؤخذ العلم عنك؟ فقال: إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله ﷺ ، قد دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة وهي في عدة زوجها أبي سلمة فذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده" (٣) " (٤). قوله تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: أو " أضمرتم في أنفسكم خطْبَتَهُنّ" (٥). قال النسفي: " أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرضين ولا مصرحين" (٦). قال ابن عثيمين: أي "أخفيتم، وأضمرتم في أنفسكم" (٧)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩] وكقوله: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ [المتحنة: ١] قال البيضاوي: " أو أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه تصريحاً ولا تعريضاً" (٨). قال الماوردي: " يعني ما أسررتموه من عقدة النكاح" (٩). قال الطبري: " أو أخفيتم في أنفسكم، فأسررتموه، من خطبتهن، وعزم نكاحهن وهن في عددهن، فلا جناح عليكم أيضا في ذلك، إذا لم تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله" (١٠). قال مجاهد: "الإكنان: ذكر خطبتها في نفسه، لا يبديه لها. هذا كله حل معروف" (١١). وروي نحوه عن السدي (١٢)، القاسم بن محمد (١٣)، وابن زيد (١٤)، وسفيان (١٥)، والحسن (١٦). يقال: كننته في البيت أو في الأرض، إذا خبأته فيه، ومنه قوله تعالى ذكره: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [سورة الصافات: ٤٩]، أي مخبوء، ومنه قول الشاعر (١٧):

стр. 1806

ثلاث من ثلاث قداميات ... من اللائي تكن من الصقيع (١) قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، "أي: قد علم الله أنكم ستذكرونهن: "إما سرا وإما إعلانا في نفوسكم وبألسنتكم؛ فرخص في التعريض دون التصريح" (٢). قال الصابوني: " أي قد علم الله أنكم ستذكرونهن في أنفسكم ولا تصبرون عنهن فرفع عنكم الحرج" (٣). قال البيضاوي: " ولا تصبرون على السكوت عنهن وعن الرغبة فيهن وفيه نوع توبيخ" (٤). عن الحسن: ﴿علم الله أنكم ستذكرونهن﴾، قال: الخطبة" (٥). قال مجاهد: "ذكرك إياها في نفسك. قال: فهو قول الله: " علم الله أنكم ستذكرونهن " (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: "ولكنْ لا تواعدوهنَّ بالنكاح سرّا" (٧). قال المراغي: " فإن المواعدة على هذه الحال مدرجة للفتنة، ومظنّة للقيل والقال، بخلاف التعريض فإنه يكون على ملأ من الناس، فلا عار فيه ولا عيب، ولا يكون وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه" (٨). وذكر العلماء في (السر) في قوله تعالى: ﴿لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وجوها (٩): أحدها: أنه الزنى، قاله أبو مِجْلَز (١٠)، وأبو الشعثاء - جابر بن زيد - (١١) والحسن البصري (١٢)، وإبراهيم النخعي وقتادة (١٣)، والضحاك (١٤)، والربيع بن أنس (١٥)، وسليمان التيمي (١٦)، والسدي (١٧)، وهو معنى رواية العَوفي عن ابن عباس (١٨). واختاره قال الطبري قائلا: " وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، تأويل من قال: السر، في هذا الموضع، (الزنا)، وذلك أن العرب تسمي الجماع وغشيان الرجل المرأة (سرا)، لأن ذلك مما يكون بين الرجال والنساء في خفاء غير ظاهر مطلع عليه، فيسمى لخفائه (سرا)، من ذلك قوله رؤبة بن العجاج (١٩):

стр. 1807

فعف عن أسرارها بعد العسق ... ولم يضعها بين فرك وعشق يعني بذلك: عف عن غشيانها بعد طول ملازمته ذلك، ومنه قول الحطيئة (١): ويحرم سر جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع وكذلك يقال لكل ما أخفاه المرء في نفسه: (سرا)، ويقال: هو في سر قومه، يعني: في خيارهم وشرفهم. ثم قال: فلما كان " السر " إنما يوجه في كلامها إلى أحد هذه الأوجه الثلاثة، وكان معلوما أن أحدهن غير معني به قوله: " ولكن لا تواعدوهن سرا "، وهو السر الذي هو معنى الخيار والشرف فلم يبق إلا الوجهان الآخران، وهو " السر " الذي بمعنى ما أخفته نفس المواعد بين المتواعدين، و (السر) الذي بمعنى الغشيان والجماع، فلما لم يبق غيرهما، وكانت الدلالة واضحة على أن أحدهما غير معني به، صح أن الآخر هو المعني به" (٢). الثاني: ألا تأخذوا ميثاقهن وعهودهن في عِددهن ألا ينكحن غيركم، وهذا قول ابن عباس (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، والشعبي (٥)، ومجاهد (٦)، وعكرمة (٧)، والسدي (٨) وقتادة (٩) وسفيان (١٠). الثالث: ألا تنكحوهن في عِددهن سراً، وهو قول عبد الرحمن بن زيد (١١). الرابع: أن يقول لها: لا تفوتني نفسك، وهو قول مجاهد (١٢). الخامس: الجماع، وهو قول الشافعي (١٣). وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً﴾ [البقرة: ٢٣٥]، " أي إلا وعدا معروفا، وهو التعريض الذي سبق" (١٤). قال الشافعي: أي: " قولاً حسناً لا فحش فيه" (١٥). قال المراغي: "أي لا تواعدوهن بالمستهجن، ولكن واعدوهن بقول معروف لا يستحيا منه في الجهر، كذكر حسن العشرة وسعة الصدر للزوجات إلى نحو ذلك" (١٦).

стр. 1808

قال الصابوني: " إِلا بطريق التعريض والتلويح وبالمعروف الذي أقرّه لكم الشرع" (١). قال البيضاوي: "وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا والمستثنى منه محذوف أي: لا تواعدوهن مواعدة إلا مواعدة معروفة، أو إلا مواعدة بقول معروف. وقيل إنه استثناء منقطع من سراً وهو ضعيف لأدائه إلى قولك لا تواعدوهن إلا التعريض، وهو غير موعود. وفيه دليل حرمة تصريح خطبة المعتدة وجواز تعريضها إن كانت معتدة وفاة. واختلف في معتدة الفراق البائن والأظهر جوازه" (٢). قال الرازيّ: " لما أذن في أول الآية بالتعريض، ثم نهى عن المسارة معها دفعا للريبة والغيبة استثنى عنه أن يساررها بالقول المعروف، وذلك أن يعدها في السر بالإحسان إليها، والاهتمام بشأنها، والتكفل بمصالحها، حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض والله أعلم" (٣). قال ابن عاشور: " فإن القول المعروف من أنواع الوعد إلا أنه غير صريح، وإذا كان النهي عن المواعدة سرا، علم النهي عن لمواعدة جهرا بالأول" (٤). قال سعيد بن جبير: "يقول: إني فيك لراغب، وإني لأرجو أن نجتمع" (٥). قال ابن عباس: ": هو قوله: " إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك " (٦). قال مجاهد: "يعني التعريض" (٧). قال السدي: " هو الرجل يدخل على المرأة وهي في عدتها فيقول: " والله إنكم لأكفاء كرام، وإنكم لرغبة، وإنك لتعجبيني، وإن يقدر شيء يكن ". فهذا القول المعروف" (٨). قال الضحاك: "المرأة تطلق أو يموت عنها زوجها، فيأتيها الرجل فيقول: " احبسي علي نفسك، فإن لي بك رغبة، فتقول: " وأنا مثل ذلك "، فتتوق نفسه لها. فذلك القول المعروف" (٩). قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٤٣٩]، أي "ولا تصمموا تصميما جازما على الارتباط الشرعي مع معتدة الوفاة حتى تنتهى عدتها" (١٠). قال النسفي: " ولا تعزموا عقد عقدة النكاح، أو ولا تقطعوا عقدة النكاح" (١١). قال الطبري: " ولا تصححوا عقدة النكاح في عدة المرأة المعتدة، فتوجبوها بينكم وبينهن، وتعقدوها قبل انقضاء العدة يبلغن أجل الكتاب الذي بينه الله تعالى ذكره بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ " (١٢). قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، "حتى ينتهي ما كتب من العدة" (١٣). قال مجاهد: "حتى تنقضي العدة" (١٤). وروي نحوه عن السدي (١٥) وقتادة (١٦) والربيع (١٧) وابن عباس (١٨) والضحاك (١٩) والشعبي (٢٠) وسفيان (٢١).

стр. 1809

قال أبو حيان: " وإذا كان العزم منهياً عنه فأحرى أن ينهي عن العقدة " (١). وقد ذكر العلماء في لفظ العزم وجوها (٢): الأول: أنه عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال، قال تعالى: فإذا عزمت فتوكل على الله [آل عمران: ١٥٩] القول الثاني: أن يكون العزم عبارة عن الإيجاب، يقال: عزمت عليكم، أي أوجبت عليكم ويقال: هذا من باب العزائم لا من باب الرخص، وقال ﵊: "عزمة من عزمات ربنا" (٣)، وقال: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" (٤). قال الرازي": "ولذلك فإن العزم بهذا المعنى جائز على الله تعالى، وبالوجه الأول لا يجوز، وعلى هذا فقوله: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح﴾، أي لا تحققوا ذلك ولا تنشئوه، ولا تفرغوا منه فعلا، حتى يبلغ الكتاب أجله، وهذا القول هو اختيار أكثر المحققين" (٥). القول الثالث: قال القفال ﵀: "إنما لم يقل ولا تعزموا على عقدة النكاح، لأن المعنى: لا تعزموا عليهن عقدة النكاح، أي لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح، كما تقول: عزمت عليك أن تفعل كذا" (٦). و(أجل) الشيء: "منتهاه، وغايته؛ أي حتى يبلغ غايته حسب ما فرض الله " (٧). وفي ﴿الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، قولان (٨): الأول: المراد منه: المكتوب، والمعنى: تبلغ العدة المفروضة آخرها، وصارت منقضية. والثاني: أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض، كقوله: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]، فيكون المعنى حتى يبلغ هذا التكليف آخره ونهايته. قال النسفي: " وسميت العدة كتاباً لأنها فرضت بالكتاب يعني حتى يبلغ التربص المكتوب عليها أجله أي غايته" (٩). قال الرازي: "وإنما حسن أن يعبر عن معنى: فرض، بلفظ كتب، لأن ما يكتب يقع في النفوس أنه أثبت وآكد" (١٠).

стр. 1810

قال ابن كثير: " وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في مدة العدة" (١). قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: "واعلموا أن الله يعلم ما تضمرونه فى قلوبكم من العزم على ما لا يجوز، فاحذروا أن تعزموا على ما حظر عليكم من قول أو فعل" (٢). قال البغوي: " أي فخافوا الله" (٣). قال السعدي: " أي: فانووا الخير، ولا تنووا الشر، خوفا من عقابه ورجاء لثوابه" (٤). قال ابن كثير: " توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر" (٥). قال الرازي: " وهو تنبيه على أنه تعالى لما كان عالما بالسر والعلانية، وجب الحذر في كل ما يفعله الإنسان في السر والعلانية" (٦). قال المراغي: "وقد جاء هذا التحذير عقب ذكر الأحكام المتقدمة على سنن القرآن من قرن الأحكام بالموعظة ترغيبا وترهيبا، ليكون ذلك آكد في المحافظة عليها والعناية بها" (٧). وقيل: "المعنى ما في أنفسكم من هواهنّ، وقيل: من الوفاء والإخلاف" (٨). وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ فعل أمر؛ وأتى به للأهمية، والتحذير من المخالفة؛ وهذه الجملة يؤتى بها من أجل التنبيه (٩). واختلف في الضمير (الهاء) في قوله تعالى: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، على وجهين: أحدهما: أنها تعود على الله تعالى، أي: فاحذروا عقابه (١٠). والثاني: ويحتمل أن تعود على ما لا يجوز من العزم، أي فاحذروا ما لا يجوز ولا تعزموا عليه. قاله الزمخشري (١١). قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: "واعلموا أن الله غفور رحيم لما فرط منكم من الذنب، حليم لا يعجل بالعقوبة (١٢).

стр. 1811

قال السعدي: غفور "لمن صدرت منه الذنوب، فتاب منها، ورجع إلى ربه، ﴿حَلِيمٌ﴾ حيث لم يعاجل العاصين على معاصيهم، مع قدرته عليهم" (١). قال ابن كثير: " ثم لم يُؤْيِسْهُم من رحمته، ولم يُقْنطهم من عائدته، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ " (٢). قال المراغي: " أي واعلموا أن الإنسان إذا تعدى حدود الله وأراد الرجوع إليه بالتوبة يغفر له، وهو الحليم الذي لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل عباده ليصلحوا بصالح أعمالهم ما أفسدوا بما سبق من زلّاتهم، فعليكم أن تجتنبوا أسباب العقوبة، وتعملوا بما أمرتم به، وتغتنموا زمان الحياة القصيرة حتى لا تأسوا على ما فاتكم" (٣). والـ ﴿غفور﴾ مأخوذ من: الـ (غَفْر) وهو الستر مع الوقاية؛ والمراد به ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ والـ (حليم) هو الذي يؤخر العقوبة عن مستحقها" (٤). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: جواز التعريض في خطبة المتوفى عنها زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾. ٢ - ومنها: تحريم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة؛ لقوله تعالى: ﴿فيما عرضتم به﴾ فنفي الجناح عن التعريض - وهو دون التصريح - يدل على تحريم التصريح؛ ويؤيده قوله تعالى: ﴿ولكن لا تواعدهن سراً﴾. تكميلاً لهذه الفائدة نقول: إن خطبة المعتدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: تحرم تصريحاً وتعريضاً؛ وتباح تصريحاً وتعريضاً؛ وتحرم تصريحاً لا تعريضاً؛ فالأول: في الرجعية لغير زوجها؛ فيحرم على الإنسان أن يخطب الرجعية لا تصريحاً، ولا تعريضاً؛ والرجعية هي المعتدة التي يجوز لزوجها أن يراجعها بغير عقد؛ لأنها زوجة، كما قال تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] إلى أن قال: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ والتي تحل تصريحاً وتعريضاً هي البائن من زوجها بغير الثلاث، كالمطلقة على عوض، والمختلعة، والفاسخة لنكاحها بسبب، وما أشبه ذلك؛ فيجوز لزوجها أن يخطبها تعريضاً، وتصريحاً، وأن يتزوجها؛ والتي تباح تعريضاً لا تصريحاً كل مبانة لغير زوجها؛ فيجوز لغير زوجها أن يعرض بخطبتها بدون تصريح، كالمتوفى عنها زوجها تجوز خطبتها تعريضاً لا تصريحاً. ٣ - ومن فوائد الآية: جواز إضمار الإنسان في نفسه خطبة امرأة لا يجوز له التصريح بخطبتها؛ لقوله تعالى: ﴿أو أكننتم في أنفسكم﴾. ٤ - ومنها: جواز ذكر الإنسان المرأة المعتدة في نفسه، ولغيره؛ لقوله تعالى: ﴿علم الله أنكم ستذكرونهن﴾؛ فلو قال شخص: «إنني أريد أن أتزوج امرأة فلان المتوفى عنها زوجها» يحدث غيره: فلا بأس به. ٥ - ومنها: أنه لا يجوز للإنسان أن يواعد المعتدة من الوفاة بالنكاح، فيقول: «إذا انتهت عدتك فإنني سأتزوجك»؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن لا تواعدهن سراً﴾. ٦ - ومنها: أن التعريض بخطبة المتوفى عنها زوجها من القول المعروف غير المنكر؛ لقوله تعالى: ﴿إلا أن تقولوا قولاً معروفاً﴾. ٧ - ومنها: تحريم عقد النكاح في أثناء العدة إلا من زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾.

стр. 1812

ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي أن النكاح باطل؛ لقوله ﷺ : "فأيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل - وإن كان مائة شرط" (١)، وقوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢)؛ فلو عقد عليها في العدة فالعقد باطل؛ وهل له أن يتزوجها بعد انقضاء العدة؟ اختلف العلماء ﵏ هل تحل له لزوال المانع؛ وهو قول الجمهور؛ أو لا تحل له عقوبة له لتعجله الشيء قبل أوانه على وجه محرم؛ في المسألة قولان؛ وينبغي أن يرجع في ذلك إلى حكم الحاكم فيحكم بما يراه أصلح للعباد. ٨ - ومن فوائد الآية: الإشارة إلى العناية بالعدة، وأنه ينبغي أن تكتب؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الكتاب أجله﴾. ٩ - ومنها: المخاطبة بالمجمل، وأنها أسلوب من أساليب البلاغة؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الكتاب أجله﴾؛ ومن فوائد الإجمال أن النفس تتطلع إلى بيانه، وتحرص عليه حتى تدركه؛ فإذا أدركت البيان بعد الإجمال كان ذلك أحرى بأن يبقى العلم في نفس الإنسان، ولا ينساه. ١٠ - ومنها: إحاطة علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه﴾. ويتفرع على هذا: أن لا يضمر الإنسان في نفسه ما لا يرضاه الله . ١١ - ومنها: أن هذا القرآن العظيم مثاني - بمعنى تُثَنَّى فيه الأمور، والمواضيع؛ فإذا ذكر أهل الجنة ذكر أهل النار؛ وإذا ذكر الرجاء ذكر معه الخوف ... وهكذا؛ وقد نص الله على ذلك فقال تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني﴾ [الزمر: ٢٣]- وهو هذا القرآن؛ ومثاله في هذه الآية: أن الله لما حذَّر قال: ﴿واعلموا أن الله غفور حليم﴾. ١٢ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغفور» و «الحليم»؛ وقد ذكرنا فيما سبق أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن للصفة؛ فإذا كان متعدياً فهو يتضمن الحكم؛ وإن كان غير متعدٍّ لم يتضمنه؛ وربما يدل على أكثر من صفة بدلالة الالتزام؛ لأن أنواع الدلالة ثلاثة: مطابقة، وتضمن، والتزام؛ فـ «المطابقة» دلالة اللفظ على جميع معناه؛ و «التضمن» دلالته على بعض معناه؛ و «الالتزام» دلالته على لازم خارج؛ مثل «الخالق» من أسماء الله؛ دلالته على الذات، والخلق: مطابقة؛ ودلالته على الذات وحدها، أو على الخلق وحده: تضمن؛ ودلالته على العلم، والقدرة: التزام؛ فلا يمكن أن يكون خالقاً إلا أن يكون عالماً قادراً؛ لأنه لا يخلق من لا يقدر؛ ولا يخلق من لا يعلم؛ فلا بد أن يكون عالماً قادراً؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً﴾ [الطلاق: ١٢]؛ فذكر العلم، والقدرة بعد أن ذكر أنه خلق؛ ولا يمكن أن يكون هناك خلق إلا أن يعلم كيف يخلق، ويقدر على ذلك. القرآن ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦] التفسير:

стр. 1813

لا إثم عليكم -أيها الأزواج- إن طلقتم النساء بعد العقد عليهن، وقبل أن تجامعوهن، أو تحددوا مهرًا لهن، ومتِّعوهن بشيء ينتفعن به جبرًا لهن، ودفعًا لوحشة الطلاق، وإزالة للأحقاد. وهذه المتعة تجب بحسب حال الرجل المطلِّق: على الغني قَدْر سَعَة رزقه، وعلى الفقير قَدْر ما يملكه، متاعًا على الوجه المعروف شرعًا، وهو حق ثابت على الذين يحسنون إلى المطلقات وإلى أنفسهم بطاعة الله. في سبب نزول الآية قال مجاهد: "نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها قبل أن يمسها فقال له النبي ﷺ : "أطلقتها؟ " قال: نعم إني لم أجد نفقة. قال: "متعها بقلنسوتك أما إنها لا تساوي شيئا، ولكن أردت أن أحيي سنة" (١). قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [القرة: ٢٣٦]، أي: " لا يلزمكم شاء من المهر وغيره عند طلاقكم للنساء" (٢). قال الشوكاني: " أي لا تبعة عليكم بالمهر ونحوه إن طلقتم النساء على الصفة المذكورة" (٣). قوله تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: " ما لم تجامعوهن" (٤). قال المراغي: أي: " قبل الدخول بهن" (٥). وقرأ ابن مسعود: ﴿من قبل أن تجامعوهن﴾، أخرجه عنه ابن جرير (٦). واختلف أهل العلم في إعراب ﴿ما﴾ [البقرة: ٢٣٦]، على ثلاثة أقوال (٧): الأول: هي مصدرية ظرفية بتقدير المضاف، أي: مدة عدم مسيسكم. والثاني: ونقل أبو البقاء: أنها شرطية، من باب اعتراض الشرط على الشرط ليكون الثاني قيدا للأول كما في قولك: إن تأتني أن تحسن إلي أكرمك، أي: إن تأتني محسنا إلي، والمعنى: إن طلقتموهن غير ماسين لهن، ومنها قوله تعالى: ﴿فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين﴾ [الواقعة: ٨٦، ٨٧] فهنا شرط في شرط. والثالث: وقيل إنها موصولة أي إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن. قلت: المعنى واحد؛ ولكن الاختلاف في الإعراب. والله أعلم. وفي قوله تعالى: ﴿ما لم تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، قراءتان (٨): الأولى: قرأ حمزة والكسائي: ﴿تُماسوهن﴾، بالألف على المفاعلة، وكذلك في "الأحزاب" (٩). وحجتهم: أن بدن كل واحد يمس بدن صاحبه ويتماسان جميعا وأيضا يدل على ذلك قوله تعالى: من قبل أن يتماسا [المجادلة: ٣] وهو إجماع. الثانية: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ بغير الألف. وهي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر.

стр. 1814

واحتجوا بإجماعهم على قوله: ﴿ولم يمسسني بشر﴾ [آل عمران: ٤٧]، فجعل المسّ من جانب واحد وهو الرجل، ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على المعنى بفعل دون فاعل كقوله: ﴿لم يطمثهن﴾ [الرحمن: ٥٦] وكقوله: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾ [النساء: ٢٥] وأيضا المراد من هذا المس: الغشيان، وذلك فعل الرجل، ويدل في الآية الثانية على المراد من هذا المس الغشيان، وأما ما جاء في الظهار من قوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ فالمراد به المماسة التي هي غير الجماع وهي حرام في الظهار، وبعض من قرأ: ﴿تماسوهن﴾ قال: إنه بمعنى (تمسوهن)، لأن فاعل قد يراد به فعل، كقوله: طارقت النعل، وعاقبت اللص، وهو كثير (١). قلت: إن كلا القولين بمعنًى واحد؛ والمراد به الجماع؛ لكن جرت عادة العرب - والقرآن بلسان عربي مبين - أن يُكَنوا عما يستحيا من ذكره صريحاً بما يدل عليه؛ ولكل من القراءتين وجه كما سبق. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: " أو توجبوا لهن صداقا واجبا" (٢). قال ابن عباس: "الفريضة: الصداق" (٣). قال الدكتور محمد الحجازي: أي: "وقبل أن تحددوا لهن صداقا" (٤). قال المراغي: " إلا إذا سميتم لهن مهرا" (٥). قال الزمخشري: " إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة تسمية المهر" (٦). قال السعدي: " وفرض المهر، وإن كان في ذلك كسر لها، فإنه ينجبر بالمتعة" (٧). قال النسفي: "وذلك أن المطلقة غير الموطوءة لها نصف المسمى إن سمى لها مهر، وإن لم يسم لها مهر فليس لها نصف مهر المثل بل تجب المتعة" (٨). وأصل (الفرض) في اللغة: الواجب، كما قال الشاعر (٩): كَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُولُ، كَمَا ... كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ يعني: كما كان الرجم الواجب من حد الزنا. ولذلك قيل: " فرض السلطان لفلان ألفين، يعني بذلك: أوجب له ذلك، ورزقه من الديوان (١٠). وكما يقال: فرض السلطان لفلان في الفيء، يعني أوجب له ذلك (١١). وذكر العلماء في معنى ﴿أو﴾ في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وجوها (١٢): أحدها: أنها بمعنى (الواو)، أي: ولم تفرضوا لهن فريضة. قال الراغب: "و ﴿أو﴾ فى نحو هذا الموضع يفيد ما يفيد (الواو) على وجه، وذاك أنه إذا قيل: " افعل كذا إن جاءك زيد أو عمرو يقتضي أن يفعله إن جاء أحدهما، ولا شك أنه يحتاج أن يفعله إذا جاءا جميعاً، لأنه

стр. 1815

قد جاء أحدهما وزيادة، وعلى هذا قال النحويون: " جالس الحسين وابن سيرين " يقتضي أنه إذا جالسهما، فقد امتثل، وعلى هذا قوله- : ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] (١)، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] (٢)، فظاهر الآية يقتضي أنه لم يكن مسيس أو لم يكن لها فرض أو لم يكن الأمران، فلها المتعة كالأمثلة المتقدمة" (٣). قال الرازي: " وذكر كثير من المفسرين أن (أو) هاهنا بمعنى الواو، ويريد: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، كقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] وأنت إذا تأملت فيما لخصناه علمت أن هذا التأويل متكلف، بل خطأ قطعا والله أعلم" (٤). والثاني: أن في الكلام حذفاً وتقديره: فرضتم أو لم تفرضوا لهن فريضة. والثالث: أنها بمعنى (إلا)، والمعنى: إلا أن تفرضوا. والرابع: أنها بمعنى (حتى)، أي: حتى تفرضوا. قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِر قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: "أعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على حسب أحوالكم في الغنى والإقتار" (٥). قال الطبري: أي " وأعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم، على أقداركم ومنازلكم من الغنى والإقتار" (٦). قال ابن كثير: "معناه: أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن" (٧). قال ابن حجر: " وهو (٨) ما يعطي الزوج المطلقة بعد طلاقها إحساناً إليها، وأما غير المدخول بها فمتاعها ما فرض لها" (٩). وفي ﴿قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، قراءتان (١٠): إحداهما: ﴿قَدَرُهُ﴾ بفتح الدال؛ قرأ بها ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. والثانية: ﴿قَدْرُهُ﴾ بسكونها؛ وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر. قال ابن عثيمين: " فعلى القراءة الأولى يكون المعنى ما يقدِر عليه؛ وعلى الثانية يكون المعنى بقَدْره، أي بقدر سعته" (١١). و﴿الْمُوسِعِ﴾: " هو الغني الكثير المال؛ و ﴿المُقْتِر﴾ هو الفقير الذي ليس عنده شيء" (١٢). قال ابن حجر: ﴿الْمُوسِعِ﴾ " أي: من يكون ذا سعة (١٣). واختلف في قدر (المتعة) على ثلاثة أقاويل (١٤):

стр. 1816

أحدها: أن المتعة الخادم، ودون ذلك الوَرِق، ودون ذلك الكسوة، وهو قول ابن عباس والشعبي وعامر والربيع بن أنس وقتادة وعبدالرحمن بن عوف وابن سيرين وابن شهاب (١). والثاني: أنه قدر نصف صداق مثلها، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (٢). والثالث: أنه مُقَدَّر باجتهاد الحاكم، وهو قول الشافعي (٣). والراجح هو القول الأول، بأن "الواجب من ذلك للمرأة المطلقة على الرجل على قدر عسره ويسره، كما قال الله تعالى ذكره: " على الموسع قدره وعلى المقتر قدره "، لا على قدر المرأة. ولو كان ذلك واجبا للمرأة على قدر صداق مثلها إلى قدر نصفه، لم يكن لقيله تعالى ذكره: " على الموسع قدره وعلى المقتر قدره "، معنى مفهوم ولكان الكلام: ومتعوهن على قدرهن وقدر نصف صداق أمثالهن" (٤). واختلفوا في وجوب (المتعة) في قوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾ [البقرة: ٢٣٦]، على أقوال (٥): أحدها: أنه تجب المتعة لكل مطلقة، لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨] وقد كن مفروضا لهن ومدخولا بهن. قاله سعيد بن جبير (٦)، وأبو العالية (٧)، والحسن (٨). وانتصر له الطبري (٩). الثاني: أنها واجبة لكل مطلقة إلا غير المدخول بها، فلا متعة لها. وهو قول ابن عمر (١٠)، وسعيد بن المسيب (١١)، ومجاهد (١٢)، ونافع (١٣)، وابن ابي نجيح (١٤)، وشريح (١٥). الثالث: أنها حق لكل مطلقة، غير أن منها ما يقضى به على المطلق، ومنها ما لا يقضى به عليه، ويلزمه فيما بينه وبين الله إعطاؤه. قاله الزهري (١٦).

стр. 1817

الرابع: أنها غير واجبة، وإنما الأمر بها ندب وإرشاد، وهو قول شريح (١). الخامس: أنها واجبة لغير المدخول بها إذا لم يُسمّ لها صداق، وهو قول الشافعي (٢). قال الطبري: " وكأن قائلي هذا القول ذهبوا في تركهم إيجاب المتعة فرضا للمطلقات، إلى أن قول الله تعالى ذكره: " حقا على المحسنين "، وقوله: " حقا على المتقين "، دلالة على أنها لو كانت واجبة وجوب الحقوق اللازمة الأموال بكل حال، لم يخصص المتقون والمحسنون بأنها حق عليهم دون غيرهم، بل كان يكون ذلك معموما به كل أحد من الناس، وأما موجبوها على كل أحد سوى المطلقة المفروض لها الصداق، فإنهم اعتلوا بأن الله تعالى ذكره لما قال: " وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين "، كان ذلك دليلا على أن لك مطلقة متاعا سوى من استحدثناه الله تعالى ذكره في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ . فلما قال: " وإذ طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم "، كان في ذلك دليل عندهم على أن حقها النصف مما فرض لها، لأن المتعة جعلها الله في الآية التي قبلها عندهم، لغير المفروض لها. فكان معلوما عندهم بخصوص الله بالمتعة غير المفروض لها، أن حكمها غير حكم التي لم يفرض لها إذا طلقها قبل المسيس، فيما لها على الزوج من الحقوق" (٣). والراجح هو قول من قال: " لكل مطلقة متعة، لأن الله تعالى ذكره قال: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾، فجعل الله تعالى ذكره ذلك لكل مطلقة، ولم يخصص منهن بعضا دون بعض. فليس لأحد إحالة ظاهر تنزيل عام، إلى باطن خاص، إلا بحجة يجب التسليم لها" (٤). قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِين﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: " تمتيعاً بالمعروف حقّاً على المؤمنين المحسنين" (٥). قال المراغي: "وجعل هذه المتعة حقا واجبا على من يريد الإحسان في معاملة المرأة بما يتعارفه الناس بينهم" (٦). قال البغوي: " أي: بما أمركم الله به من غير ظلم" (٧). قال القرطبي: " أي يحق ذلك عليهم حقا" (٨). قال ابن حجر: " المتاع: ما يتمتع به، أي: ينتفع" (٩). و﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ أي على فاعلي الإحسان، و (الإحسان) هنا ما كان موافقاً للشرع؛ فإذا قرن بـ (العدل) صار المراد بـ (الإحسان) الفضل الزائد على العدل، كما في قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]؛ فـ (الإحسان) تارة يراد به موافقة الشرع - ولو كان شيئاً واجباً -؛ وتارة يراد به ما زاد على الواجب؛ وهذا إذا قُرن بـ «العدل» (١٠). وذكر العلماء بأن " الحكمة في شرع هذه المتعة، أن في الطلاق قبل الدخول امتهانا وسوء سمعة لها، لأن فيه إيهاما للناس بأن الزوج ما طلقها إلا وقد رابه شاء من أخلاقها، فإذا هو متعها متاعا حسنا تزول هذه الغضاضة، ويكون ذلك شهادة لها بأن سبب الطلاق كان من قبله لا من قبلها ولا علة فيها، فتحتفظ بما كان لها من صيت وشهرة طيبة، ويتسامع الناس ويقولون إن فلانا أعطى فلانة كذا وكذا فهو لم يطلقها إلا لعذر وهو معترف بفضلها، لا أنه رأى فيها عيبا، أو رابه من أمرها شاء، فيكون ذلك كالمرهم لجرح القلب، وجبر وحشة الطلاق. وقد أثر عن الحسن السبط، أنه متّع إحدى زوجاته بعشرة آلاف درهم فقالت: "متاع قليل من حبيب مفارق" (١١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: جواز طلاق الرجل امرأته قبل أن يمسها؛ لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾؛ وربما يشعر قوله تعالى: ﴿لا جناح﴾ أن الأولى عدم ذلك؛ لأن طلاقه إياها قبل أن يمسها وقد خطبها، وقدم إليها الصداق فيه شيء على المرأة، وغضاضة، وإن كان الإنسان قد يتأمل في أمره، وتضطره الأمور إلى الطلاق فإنه لا ينبغي أن يكون متسرعاً متعجلاً.

стр. 1818

٢ - ومنها: إطلاق المس على الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿ما لم تمسوهن﴾. ٣ - ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يتزوج المرأة بلا تسمية مهر؛ لقوله تعالى: ﴿أو تفرضوا﴾ يعني: ما لم تفرضوا لهن فريضة؛ وقد اختلف العلماء فيما إذا تزوج المرأة، وشرط ألا مهر لها؛ فمنهم من يرى أن النكاح غير صحيح - وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وهو الراجح؛ لأن الله اشترط للحل المال؛ قال تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: ٢٤]؛ ولأن النكاح إذا شرط فيه عدم المهر صار بمعنى الهبة؛ والنكاح بالهبة خاص بالنبي ﷺ ؛ والحال لا تخلو من ثلاثة أمور: إما أن يشترط المهر ويعيَّن؛ وإما أن يسكت عنه؛ وإما أن يشترط عدمه؛ ففي الحال الأولى يكون النكاح صحيحاً، ولا نزاع فيه؛ وفي الثانية النكاح صحيح، ولها مهر المثل؛ وفي الثالثة موضع خلاف بين أهل العلم؛ وسبق بيان الراجح. ٤ - ومن فوائد الآية: وجوب المتعة على من طلق قبل الدخول، ولم يسم لها مهراً؛ لقوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾. ٥ - ومنها: أن ظاهر الآية الكريمة أنه إذا خلا بها، ولم يمسها لم يكن عليه إلا المتعة؛ لكن الصحابة ألحقوا الخلوة بها بالمسيس في وجوب العدة؛ وقياس ذلك وجوب مهر المثل إذا خلا بها، ولم يسم لها صداقاً. ٦ - ومنها: أن العبرة في المتعة حالُ الزوج: إن كان موسراً فعليه قدره؛ وإن كان معسراً فعليه قدره؛ لقوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾. ٧ - ومنها: امتناع التكليف بما لا يطاق؛ لقوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾؛ وهذه القاعدة دل عليها القرآن في عدة مواضع؛ منها قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ٨ - ومنها: مراعاة الأحوال في الأحكام؛ فيثبت في كل حال ما يناسبها؛ لقوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾. ٩ - ومنها: أن للعرف اعتباراً شرعياً؛ لقوله تعالى: ﴿متاعاً بالمعروف﴾. ١٠ - ومنها: أن الحق إما أن يكون في الأخبار، أو يكون في الأحكام؛ فإن كان في الأخبار فهو الصدق؛ وإن كان في الأحكام فهو العدل؛ وقد يجمع بين العدل وبين الصدق، فيحمل الصدق على الخبر؛ والعدل على الأحكام، مثل قوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]. القرآن ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧] التفسير: وإن طلَّقتم النساء بعد العقد عليهن، ولم تجامعوهن، ولكنكم ألزمتم أنفسكم بمهر محدد لهن، فيجب عليكم أن تعطوهن نصف المهر المتفق عليه، إلا أنْ تُسامِح المطلقات، فيتركن نصف المهر المستحق لهن، أو يسمح الزوج بأن يترك للمطلقة المهر كله، وتسامحكم أيها الرجال والنساء أقرب إلى خشية الله وطاعته، ولا تنسوا -أيها الناس- الفضل والإحسان بينكم، وهو إعطاء ما ليس بواجب عليكم، والتسامح في الحقوق. إن الله بما تعملون بصير، يُرغِّبكم في المعروف، ويحثُّكم على الفضل. اختلف أهل العلم في هذه الآية على ثلاثة أقوال (١): أحدها: قالت فرقة منها مالك وغيره: إنها مخرجة المطلقة بعد الفرض من حكم التمتع؛ إذ يتناولها قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾.

стр. 1819

والثاني: أنه نسخت هذه الآية الآية التي في (الأحزاب): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [سورة الأحزاب: ٤٩]، لأن تلك تضمنت تمتيع كل من لم يدخل بها. وهذا قول سعيد بن المسيب (١). والثالث: أنه نسخت هذه الآية الآية التي قبلها، إذا كان لم يدخل بها وقد كان سمى لها صداقا، فجعل لها النصف ولا متاع لها. وهذا قول قتادة (٢). قال القرطبي: "قول سعيد وقتادة فيه نظر؛ إذ شروط النسخ غير موجودة والجمع ممكن" (٣). وقال ابن القاسم: "كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة "الأحزاب" فاستثنى الله تعالى المفروض لها قبل الدخول بها بهذه الآية، وأثبت للمفروض لها نصف ما فرض فقط. وقال فريق من العلماء منهم أبو ثور: المتعة لكل مطلقة عموما، وهذه الآية إنما بينت أن المفروض لها تأخذ نصف ما فرض لها، ولم يعن بالآية إسقاط متعتها، بل لها المتعة ونصف المفروض" (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، " أي: وإِذا طلقتموهن قبل الجماع" (٥). قال أبو مسلم: "وإنما كنى تعالى بقوله: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ عن المجامعة، تأديبا للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به" (٦). وفي قراءة: ﴿تماسوهن﴾، وسبق توجيههما، ومعناهما، في الآية السابقة (٧). قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي "وقد كنتم ذكرتم لهنَّ مهراً معيناً" (٨). قال القاسمي: أي: "سميتم لهن مهرا مقدّرا" (٩). قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي: " فلهنّ نصف ما سميتم لهنّ من المهر" (١٠). قال القرطبي: "أي: فالواجب نصف ما فرضتم من المهر، فالنصف للزوج والنصف للمرأة بإجماع " (١١). قال الشوكاني: "وهذا مجمع عليه" (١٢). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ﴾ [البقرة: ٢٣٧] على وجوه (١٣): الأول: قرأ الجمهور ﴿فَنِصْفُ﴾ بالرفع. الثاني: وقرأت فرقة ﴿فَنِصْفَ﴾ بنصب (الفاء)؛ المعنى: فادفعوا نصف. الثالث: وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت ﴿فَنُصْفُ﴾ بضم (النون) في جميع القرآن، وهي لغة.

стр. 1820

الرابع: وكذلك روى الأصمعي قراءة عن أبي عمرو بن العلاء يقال: (نصف ونصف ونصيف) لغات ثلاث في (النصف)؛ وفي الحديث: " لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (١)، أي نصفه. والنصيف أيضا القناع. قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي: " إلا أن يعفو المطلقات عن أخذ النصف كله أو بعضه" (٢). قال الضحاك: "المرأة تترك الذي لها" (٣)، وروي نحوه عن عكرمة (٤)، وابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، والربيع (٧)، وشريح (٨)، ونافع (٩)، والسدي (١٠)، والزهري (١١)، وأبي صالح (١٢)، والشعبي (١٣)، وابن المسيب (١٤)، وابن زيد (١٥)، وسفيان (١٦). قال البغوي: " إلا أن تترك المرأة نصيبها فيعود جميع الصداق إلى الزوج" (١٧). قال الصابوني: " إِلا إِذا أسقطت المطلّقة حقها" (١٨). قال القاسمي: أي: "المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، تقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئا .. ؟ " (١٩). قا المراغي: " وحق الإسقاط إنما يكون للمرأة البالغة الرشيدة" (٢٠). وقد اختلف أهل التفسير فيمن عنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وذكروا فيه ثلاثة أقاويل (٢١): أحدها: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وهو قول ابن عباس (٢٢)، ومجاهد (٢٣)، وطاووس، والحسن (٢٤)، وعكرمة (٢٥)، ومعمر (٢٦)، والسدي (٢٧)، وعلقمة (٢٨) وإبراهيم (٢٩)، والأسود بن زيد، وعطاء (٣٠)، والشعبي (٣١)، وشريح في أحد قوليه وأبي صالح (٣٢)، وزيد (٣٣)، وربيعة (٣٤)، ومالك (٣٥) والزهري (٣٦) (٣٧).

стр. 1821

ومعنى الآية: " أو يترك، الذي يلي على المرأة عقد نكاحها من أوليائها، للزوج النصف الذي وجب للمطلقة عليه قبل مسيسه فيصفح له عنه، إن كانت الجارية ممن لا يجوز لها أمر في مالها" (١). الثاني: هو الزوج، وبه قال: علي (٢)، وشريح (٣)، وابن عباس (٤) -في احد قوليه-، وسعيد بن المسيب (٥)، وجبير بن مطعم (٦)، ومحمد بن سيرين (٧)، ومجاهد (٨)، وأيوب (٩)، وعامر (١٠)، وأبو حذيفة، وطاوس (١١)، ومحمد بن كعب القرظي (١٢)، والشعبي ونافع (١٣)، والربيع (١٤)، والضحاك (١٥)، وسفيان (١٦) وسعيد بن عبدالعزيز (١٧) (١٨).

стр. 1822

قالوا: " ومعنى ذلك: أو يعفو الذي بيده نكاح المرأة فيعطيها الصداق كاملا" (١). وروي عن عمرو بن شعيب أن رسول الله ﷺ قال: " الذي بيده عقدة النكاح "، الزوج، يعفو أو تعفو " (٢). والثالث: هو أبو بكر، والسيد في أمته، وهو قول مالك (٣). والراجح هو القول الأول، أي: أن المقصود به هو (الزوج)، وذلك لأمور منها: أولا: أن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح حقيقة. والثاني: أن عفوه بإكمال المهر صادر عن مالك مطلق التصرف في ماله بخلاف الولي. والثالث: بخصوص تسمية الزيادة عفواً وإن كان بخلاف الظاهر لكن لما كان الغالب على الأزواج أنهم يسوقون المهر كاملاً عند العقد كان العفو معقولاً؛ لأن الزوج على هذه الحال ترك النصف لها بعدم مطالبتها بالنصف واسترجاعه منها. والرابع: أن قوله تعالى في آخر الآية: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ يدل على أنه الزوج؛ لأن الفضل يكون في هبة الإنسان مال نفسه لا مال غيره (٤). قال ابن عثيمين: "وفي قوله تعالى: ﴿عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ إشارة إلى أن النكاح ربط بين الزوجين، كما تربط العقدة بين طرفي الحبل" (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي: "وعفو بعضكم عن بعض أقرب للتقوى" (٦). قال الخازن: " وعفو بعضكم عن بعض أيها الرجال والنساء أقرب إلى حصول التقوى" (٧).

стр. 1823

قال النسفي: " أي عفو الزوج بإعطاء كل المهر خير له، وعفو المرأة بإسقاط كله خير لها أو للأزواج" (١). قال المراغي: " أي إن من عفا من الرجال والنساء فهو المتّقى، فأحيانا تكون المصلحة في عفو الرجل عن النصف الآخر، وأحيانا في عفو المرأة عن النصف الواجب لها، لأن الطلاق قد يكون من قبله بلا سبب داع منها، وقد يكون بالعكس، والمراد بالتقوى هنا تقوى الله المطلوبة في كل أمر، إذ العفو أكثر ثوابا وأجرا، أو المراد تقوى الريبة بما يترتب على الطلاق من التباغض، إذ السماح بالمال يذهب هذا الأثر ويعيد الصفاء إلى القلوب" (٢). واختلف أهل التفسير فيمن خوطب بقوله تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وذكروا فيه قولين (٣): أحدهما: أنه خطاب للزوج وحده، وهو قول الشعبي (٤). وتفسير الآية على هذا القول: "وأن تعفوا أيها المفارقون أزواجهم، فتتركوا لهن ما وجب لكم الرجوع به عليهن من الصداق الذي سقتموه إليهن، أو تتموا لهن، بإعطائكم إياهن الصداق الذي كنتم سميتم لهن في عقدة النكاح إن لم تكونوا سقتموه إليهن أقرب لكم إلى تقوى الله" (٥). والثاني: أنه خطاب للزوج والزوجة، وهو قول ابن عباس (٦)، وسعيد بن عبدالعزيز (٧). ومعنى الآية على هذا القول: " وأن يعفوا، أيها الناس، بعضكم عما وجب له قبل صاحبه من الصداق قبل الافتراق عند الطلاق، أقرب له إلى تقوى الله" (٨). والراجح هو قول القول الأول، أي أن معنى ذلك: "وأن يعفو بعضكم لبعض أيها الأزواج والزوجات، بعد فراق بعضكم بعضا عما وجب لبعضكم قبل بعض، فيتركه له إن كان قد بقي له قبله. وإن لم يكن بقي له، فبأن يوفيه بتمامه أقرب لكم إلى تقوى الله" (٩). وفي قوله تعالى ﴿تَعْفُوا﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وجهان من القراءة (١٠): الأول: ﴿تَعْفُوا﴾ بالتاء باثنتين من فوق. قراءة الجمهور. الثاني: ﴿وأن يعفوا﴾ بالياء، قرأ بها أبو نهيك والشعبي، وذلك راجع إلى الذي بيده عقدة النكاح. قال القرطبي: "ولم يقرأ (وأن تعفون) بالتاء فيكون للنساء" (١١). وفي قوله: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، تأويلان (١٢): أحدهما: أقرب لاتقاء كل واحد منهما ظُلْمَ صاحبه. والثاني: أقرب إلى اتقاء معاصي الله.

стр. 1824

قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي "ولا تتركوا الإفضال بينكم بالتسامح، والعفو" (١). قال الطبري: أي: " ولا تغفلوا، أيها الناس، الأخذ بالفضل بعضكم على بعض فتتركوه" (٢). قال النسفي: " أي ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض" (٣). قال البغوي: "أي إفضال بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمام الصداق أو ترك المرأة نصيبها، حثهما جميعا على الإحسان" (٤). قال الصابوني: " أي لا تنسوا أيها المؤمنون الجميل والإِحسان بينكم، فقد ختم تعالى الآيات بالتذكير بعدم نسيان المودّة والإِحسان والجميل بين الزوجين، فإِذا كان الطلاق قد تمَّ لأسباب ضرورية قاهرة فلا ينبغي أن يكون هذا قاطعاً لروابط المصاهرة ووشائج القربى" (٥). قال الثعلبي: " ومعنى (الفضل): إتمام الرجل الصداق أو ترك المرأة النصف، حثّ الله تعالى الزوج والمرأة على الفضل والإحسان وأمرهما جميعا أن يسبقا إلى العفو" (٦). قال السعدي: "ثم رغب في العفو، وأن من عفا، كان أقرب لتقواه، لكونه إحسانا موجبا لشرح الصدر، ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف، وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة، لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين: إما عدل وإنصاف واجب، وهو: أخذ الواجب، وإعطاء الواجب. وإما فضل وإحسان، وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق، والغض مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة، ولو في بعض الأوقات، وخصوصا لمن بينك وبينه معاملة، أو مخالطة، فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم" (٧). قال المراغي: " أي ينبغى لمن تزوج من أسرة ثم طلق، ألا ينسى مودة أهل ذلك البيت وصلتهم، ولكن المسلمين نسوا دينهم أو تناسوه، وجروا على عكس هذا، فصارت روابط الصهر وسائر أنواع القرابة واهنة ضعيفة، وإنك لو رأيت ما يجرى بين الأزواج من المخاصمات والمنازعات وما يكيد به بعضهم لبعض، لوجدت أنهم تجافوا أوامر شريعتهم وجعلوا إلههم هواهم، فالرجال يتركون نساءهم بلا نفقة حتى يضطررن أحيانا إلى بيع أعراضهن، أو يذرونهن كالمعلقات، فلا هم يمسكونهن بمعروف ولا يسرحونهن بإحسان حتى يفتدين منهم بالمال، والمطلقات المعتدات بالأقراء يزعمن أن الحيض قد حبس عنهن، فتمضى السنة أو أكثر منها ولا تنقضى عدتهن بزعمهن، وما الغرض من هذا إلا إلزام المطلق النفقة طول هذه المدة انتقاما منه، ولكن العمل الآن في المحاكم المصرية على أن نفقة العدة لا تزيد على سنة قمرية (٣٥٤ يوما)، وإذا حدث طلاق - كان بين أسرتي الزوجين حرب عوان ونصبت كل منهما للأخرى الحبائل والأشراك، لتوقعها في مهاوى الهلاك، فأين هؤلاء من كتاب الله وشرعه، إنهم ليسوا منه في شاء، فقد عميت أبصارهم وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" (٨).

стр. 1825

روي عن مجاهد: في قوله تعالى " ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، قال: "إتمام الزوج الصداق، أو ترك المرأة الشطر" (١). وعن الربيع في قوله: " ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، قال: يقول ليتعاطفا" (٢). وعن قتادة: " ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير﴾، يرغبكم الله في المعروف، ويحثكم على الفضل" (٣). وعن الضحاك في قوله: " ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، قال: المرأة يطلقها زوجها وقد فرض لها ولم يدخل بها، فلها نصف الصداق. فأمر الله أن يترك لها نصيبها، وإن شاء أن يتم المهر كاملا. وهو الذي ذكر الله: " ولا تنسوا الفضل بينكم " (٤). وعن السدى: " ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، حض كل واحد على الصلة - يعني الزوج والمرأة، على الصلة" (٥). وعن أبي وائل في قوله: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، قال: "هو الرجل يتزوج فيعينه أو المكاتب فيعينه وأشباه هذا من العطية" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، قراءتان (٧): إحداهما: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ بضم (الواو). قراءة الجمهور: والثانية: ﴿وَلا تَنْسَوِا الْفَضْلَ﴾، بكسر (الواو). قرأ بها يحيى بن يعمر. والثالث: ﴿ولا تناسوا الْفَضْلَ﴾. قرأ بها علي ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة. قال القرطبي: " وهي قراءة متمكنة المعنى؛ لأنه موضع تناس لا نسيان إلا على التشبيه. قال مجاهد: الفضل إتمام الرجل الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها" (٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، " أي إن الله بكل ما تعملون من خير وشر عليم" (٩). قال البيضاوي: أي: " لا يضيع تفضلكم وإحسانكم" (١٠). قال القرطبي: "خبر في ضمنه الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن، أي لا يخفى عليه عفوكم واستقضاؤكم" (١١). قال المراغي: " ختم سبحانه الآية بالتذكير باطلاعه تعالى وإحاطة بصره بما يعامل به الأزواج بعضهم بعضا، ترغيبا في المحاسنة والفضل، وترهيبا لأهل المخاشنة والجهل، لتكون مقرونة بالموعظة التي تغذّى الإيمان وتبعث على الامتثال" (١٢). الفوائد:
следующие страницы →