← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

ومعنى الآية: " أو يترك، الذي يلي على المرأة عقد نكاحها من أوليائها، للزوج النصف الذي وجب للمطلقة عليه قبل مسيسه فيصفح له عنه، إن كانت الجارية ممن لا يجوز لها أمر في مالها" (١). الثاني: هو الزوج، وبه قال: علي (٢)، وشريح (٣)، وابن عباس (٤) -في احد قوليه-، وسعيد بن المسيب (٥)، وجبير بن مطعم (٦)، ومحمد بن سيرين (٧)، ومجاهد (٨)، وأيوب (٩)، وعامر (١٠)، وأبو حذيفة، وطاوس (١١)، ومحمد بن كعب القرظي (١٢)، والشعبي ونافع (١٣)، والربيع (١٤)، والضحاك (١٥)، وسفيان (١٦) وسعيد بن عبدالعزيز (١٧) (١٨).

стр. 1822

قالوا: " ومعنى ذلك: أو يعفو الذي بيده نكاح المرأة فيعطيها الصداق كاملا" (١). وروي عن عمرو بن شعيب أن رسول الله ﷺ قال: " الذي بيده عقدة النكاح "، الزوج، يعفو أو تعفو " (٢). والثالث: هو أبو بكر، والسيد في أمته، وهو قول مالك (٣). والراجح هو القول الأول، أي: أن المقصود به هو (الزوج)، وذلك لأمور منها: أولا: أن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح حقيقة. والثاني: أن عفوه بإكمال المهر صادر عن مالك مطلق التصرف في ماله بخلاف الولي. والثالث: بخصوص تسمية الزيادة عفواً وإن كان بخلاف الظاهر لكن لما كان الغالب على الأزواج أنهم يسوقون المهر كاملاً عند العقد كان العفو معقولاً؛ لأن الزوج على هذه الحال ترك النصف لها بعدم مطالبتها بالنصف واسترجاعه منها. والرابع: أن قوله تعالى في آخر الآية: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ يدل على أنه الزوج؛ لأن الفضل يكون في هبة الإنسان مال نفسه لا مال غيره (٤). قال ابن عثيمين: "وفي قوله تعالى: ﴿عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ إشارة إلى أن النكاح ربط بين الزوجين، كما تربط العقدة بين طرفي الحبل" (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي: "وعفو بعضكم عن بعض أقرب للتقوى" (٦). قال الخازن: " وعفو بعضكم عن بعض أيها الرجال والنساء أقرب إلى حصول التقوى" (٧).

стр. 1823

قال النسفي: " أي عفو الزوج بإعطاء كل المهر خير له، وعفو المرأة بإسقاط كله خير لها أو للأزواج" (١). قال المراغي: " أي إن من عفا من الرجال والنساء فهو المتّقى، فأحيانا تكون المصلحة في عفو الرجل عن النصف الآخر، وأحيانا في عفو المرأة عن النصف الواجب لها، لأن الطلاق قد يكون من قبله بلا سبب داع منها، وقد يكون بالعكس، والمراد بالتقوى هنا تقوى الله المطلوبة في كل أمر، إذ العفو أكثر ثوابا وأجرا، أو المراد تقوى الريبة بما يترتب على الطلاق من التباغض، إذ السماح بالمال يذهب هذا الأثر ويعيد الصفاء إلى القلوب" (٢). واختلف أهل التفسير فيمن خوطب بقوله تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وذكروا فيه قولين (٣): أحدهما: أنه خطاب للزوج وحده، وهو قول الشعبي (٤). وتفسير الآية على هذا القول: "وأن تعفوا أيها المفارقون أزواجهم، فتتركوا لهن ما وجب لكم الرجوع به عليهن من الصداق الذي سقتموه إليهن، أو تتموا لهن، بإعطائكم إياهن الصداق الذي كنتم سميتم لهن في عقدة النكاح إن لم تكونوا سقتموه إليهن أقرب لكم إلى تقوى الله" (٥). والثاني: أنه خطاب للزوج والزوجة، وهو قول ابن عباس (٦)، وسعيد بن عبدالعزيز (٧). ومعنى الآية على هذا القول: " وأن يعفوا، أيها الناس، بعضكم عما وجب له قبل صاحبه من الصداق قبل الافتراق عند الطلاق، أقرب له إلى تقوى الله" (٨). والراجح هو قول القول الأول، أي أن معنى ذلك: "وأن يعفو بعضكم لبعض أيها الأزواج والزوجات، بعد فراق بعضكم بعضا عما وجب لبعضكم قبل بعض، فيتركه له إن كان قد بقي له قبله. وإن لم يكن بقي له، فبأن يوفيه بتمامه أقرب لكم إلى تقوى الله" (٩). وفي قوله تعالى ﴿تَعْفُوا﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وجهان من القراءة (١٠): الأول: ﴿تَعْفُوا﴾ بالتاء باثنتين من فوق. قراءة الجمهور. الثاني: ﴿وأن يعفوا﴾ بالياء، قرأ بها أبو نهيك والشعبي، وذلك راجع إلى الذي بيده عقدة النكاح. قال القرطبي: "ولم يقرأ (وأن تعفون) بالتاء فيكون للنساء" (١١). وفي قوله: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، تأويلان (١٢): أحدهما: أقرب لاتقاء كل واحد منهما ظُلْمَ صاحبه. والثاني: أقرب إلى اتقاء معاصي الله.

стр. 1824

قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي "ولا تتركوا الإفضال بينكم بالتسامح، والعفو" (١). قال الطبري: أي: " ولا تغفلوا، أيها الناس، الأخذ بالفضل بعضكم على بعض فتتركوه" (٢). قال النسفي: " أي ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض" (٣). قال البغوي: "أي إفضال بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمام الصداق أو ترك المرأة نصيبها، حثهما جميعا على الإحسان" (٤). قال الصابوني: " أي لا تنسوا أيها المؤمنون الجميل والإِحسان بينكم، فقد ختم تعالى الآيات بالتذكير بعدم نسيان المودّة والإِحسان والجميل بين الزوجين، فإِذا كان الطلاق قد تمَّ لأسباب ضرورية قاهرة فلا ينبغي أن يكون هذا قاطعاً لروابط المصاهرة ووشائج القربى" (٥). قال الثعلبي: " ومعنى (الفضل): إتمام الرجل الصداق أو ترك المرأة النصف، حثّ الله تعالى الزوج والمرأة على الفضل والإحسان وأمرهما جميعا أن يسبقا إلى العفو" (٦). قال السعدي: "ثم رغب في العفو، وأن من عفا، كان أقرب لتقواه، لكونه إحسانا موجبا لشرح الصدر، ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف، وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة، لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين: إما عدل وإنصاف واجب، وهو: أخذ الواجب، وإعطاء الواجب. وإما فضل وإحسان، وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق، والغض مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة، ولو في بعض الأوقات، وخصوصا لمن بينك وبينه معاملة، أو مخالطة، فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم" (٧). قال المراغي: " أي ينبغى لمن تزوج من أسرة ثم طلق، ألا ينسى مودة أهل ذلك البيت وصلتهم، ولكن المسلمين نسوا دينهم أو تناسوه، وجروا على عكس هذا، فصارت روابط الصهر وسائر أنواع القرابة واهنة ضعيفة، وإنك لو رأيت ما يجرى بين الأزواج من المخاصمات والمنازعات وما يكيد به بعضهم لبعض، لوجدت أنهم تجافوا أوامر شريعتهم وجعلوا إلههم هواهم، فالرجال يتركون نساءهم بلا نفقة حتى يضطررن أحيانا إلى بيع أعراضهن، أو يذرونهن كالمعلقات، فلا هم يمسكونهن بمعروف ولا يسرحونهن بإحسان حتى يفتدين منهم بالمال، والمطلقات المعتدات بالأقراء يزعمن أن الحيض قد حبس عنهن، فتمضى السنة أو أكثر منها ولا تنقضى عدتهن بزعمهن، وما الغرض من هذا إلا إلزام المطلق النفقة طول هذه المدة انتقاما منه، ولكن العمل الآن في المحاكم المصرية على أن نفقة العدة لا تزيد على سنة قمرية (٣٥٤ يوما)، وإذا حدث طلاق - كان بين أسرتي الزوجين حرب عوان ونصبت كل منهما للأخرى الحبائل والأشراك، لتوقعها في مهاوى الهلاك، فأين هؤلاء من كتاب الله وشرعه، إنهم ليسوا منه في شاء، فقد عميت أبصارهم وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" (٨).

стр. 1825

روي عن مجاهد: في قوله تعالى " ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، قال: "إتمام الزوج الصداق، أو ترك المرأة الشطر" (١). وعن الربيع في قوله: " ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، قال: يقول ليتعاطفا" (٢). وعن قتادة: " ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير﴾، يرغبكم الله في المعروف، ويحثكم على الفضل" (٣). وعن الضحاك في قوله: " ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، قال: المرأة يطلقها زوجها وقد فرض لها ولم يدخل بها، فلها نصف الصداق. فأمر الله أن يترك لها نصيبها، وإن شاء أن يتم المهر كاملا. وهو الذي ذكر الله: " ولا تنسوا الفضل بينكم " (٤). وعن السدى: " ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، حض كل واحد على الصلة - يعني الزوج والمرأة، على الصلة" (٥). وعن أبي وائل في قوله: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، قال: "هو الرجل يتزوج فيعينه أو المكاتب فيعينه وأشباه هذا من العطية" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، قراءتان (٧): إحداهما: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ بضم (الواو). قراءة الجمهور: والثانية: ﴿وَلا تَنْسَوِا الْفَضْلَ﴾، بكسر (الواو). قرأ بها يحيى بن يعمر. والثالث: ﴿ولا تناسوا الْفَضْلَ﴾. قرأ بها علي ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة. قال القرطبي: " وهي قراءة متمكنة المعنى؛ لأنه موضع تناس لا نسيان إلا على التشبيه. قال مجاهد: الفضل إتمام الرجل الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها" (٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، " أي إن الله بكل ما تعملون من خير وشر عليم" (٩). قال البيضاوي: أي: " لا يضيع تفضلكم وإحسانكم" (١٠). قال القرطبي: "خبر في ضمنه الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن، أي لا يخفى عليه عفوكم واستقضاؤكم" (١١). قال المراغي: " ختم سبحانه الآية بالتذكير باطلاعه تعالى وإحاطة بصره بما يعامل به الأزواج بعضهم بعضا، ترغيبا في المحاسنة والفضل، وترهيبا لأهل المخاشنة والجهل، لتكون مقرونة بالموعظة التي تغذّى الإيمان وتبعث على الامتثال" (١٢). الفوائد:

стр. 1826

١ - من فوائد الآية: أنه إذا طلقها قبل المسيس وقد سمى لها صداقاً وجب لها نصف المهر. ٢ - ومنها: أنه إذا خلا بها، ولم يمسها لم يكن عليه إلا نصف المهر؛ لكن الصحابة ألحقوا الخلوة بها بالمسيس في وجوب العدة؛ وقياس ذلك وجوب المهر كاملاً إذا خلا بها. ٣ - ومنها: جواز الطلاق قبل المسيس مع تعيين المهر؛ وجهه أن الله أقر هذه الحال، ورتب عليها أحكاماً؛ ولو كانت حراماً ما أقرها، ولا رتب عليها أحكاماً؛ وعلى هذا فيكون ارتباط الآية بما قبلها ظاهراً؛ لأن الآية قبلها فيما إذا طلِّقت قبل المسيس ولم يسمَّ لها مهر؛ وهذه الآية فيما إذا طلقت قبل المسيس وسُمي لها مهر؛ وإن طلقت بعد المسيس؛ إن سُمي لها مهر فلها المهر كاملاً؛ وإن لم يسمَّ لها مهر فلها مهر المثل. ٤ - ومن فوائد الآية: أن تعيين المهر إلى الزوج لا إلى الزوجة؛ لقوله تعالى: ﴿وقد فرضتم﴾. ٥ - ومنها: جواز إسقاط المرأة ما وجب لها من المهر عن الزوج، أو بعضه؛ لقوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾؛ ويشترط لذلك أن تكون حرة بالغة عاقلة رشيدة. ٦ - ومنها: جواز تصرف المرأة في مالها - ولو على سبيل التبرع - لقوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾؛ وهل نقول: عمومه يقتضي جواز عفوها - وإن كان عليها دين يستغرق؛ أو نقول: إن كان عليها دين يستغرق فليس لها أن تعفو؟ يحتمل هذا، وهذا؛ وظاهر الآية العموم؛ لكن تبرع المدين لا ينفذ على القول الراجح إذا كان يضر بالغرماء؛ لكن قد يقال: هذا ليس تبرعاً محضاً؛ وإنما هو إسقاط ما وجب على الغير؛ وليس كالتبرع المحض الذي ينتزع من مال المدين. ٧ - ومنها: جواز عفو الزوج عما يبقى له من المهر إذا طلق قبل الدخول؛ لقوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾؛ ويقال فيما إذا كان مديناً كما قيل في عفو الزوجة. ٨ - ومنها: أن النكاح من العقود؛ لقوله تعالى: ﴿عقدة النكاح﴾ ويترتب على هذه الفائدة جواز التوكيل فيه؛ لأن النبي ﷺ وكَّل في العقود؛ فيجوز أن يوكل الإنسان من يعقد النكاح له؛ وحينئذٍ يقول وليّ المرأة لوكيل الزوج: زوجت موكِّلَك فلاناً بنتي فلانة؛ ولا يصح أن يقول: زوجتك بنتي فلانة؛ ويقول وكيل الولي للزوج: زوجتك بنت موكلي فلانٍ فلانة؛ ولا يصح أن يقول: زوجتك فلانة بنت فلان؛ لأن لا بد من النص على الوكالة، حيث إنه لا بد من الشهادة على عقد النكاح؛ وإذا لم يصرح بما يدل على الوكالة أوهم أن العقد للوكيل؛ وقال بعض العلماء: إنه إذا كان معلوماً عند الجميع أن العقد بوكالة لم يحتج إلى ذكر موكل؛ والأول أحوط سداً للباب؛ لئلا يدعي الوكيل أنه فسخ الوكالة، ونوى العقد لنفسه. وهل يثبت لعقد النكاح ما يثبت لعقد البيع من خيار المجلس، أو خيار الشرط؟ أما خيار المجلس فلا يثبت؛ لأن النبي ﷺ قال: «البيعان بالخيار» (١)؛ ولا يصح قياس النكاح على البيع؛ لأن النكاح غالباً إنما يصدر بعد تروٍّ دقيق، ونظر، وبحث؛ بخلاف البيع فقد يصدر عن عجلة، وعن حرص على الربح بدون أن يتروى الإنسان؛ واحتياط الإنسان لعقد النكاح أشد من احتياطه للبيع. لكن هل يثبت فيه خيار الشرط فالمذهب أنه لا يثبت فيه خيار الشرط؛ واختار شيخ الإسلام أنه يجوز خيار الشرط في النكاح؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (٢)، وقوله (ص): «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً» (٣)؛ وهذا القول قد تحتاج إليه المرأة فيما إذا أراد الزوج أن يسكنها مع أهله؛ فتشترط عليه الخيار؛ وهذا له حالان:

стр. 1827

الحال الأولى: أن تشترط عليه الخيار في أصل العقد: فَتَفسَخ النكاح إذا لم يمكن المقام معهم. الحال الثانية: أن تشترط عليه الخيار في البقاء مع أهله - يعني إن استقامت الحال؛ وإلا أنزلها في بيت آخر. ٩ - ومن فوائد الآية: الترغيب في العفو؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾؛ وقد حث الله على العفو، وبيَّن أن أجر العافي على الله ؛ ولكنه تعالى قيد ذلك بما إذا كان العفو إصلاحاً فقال تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠]. ١٠ - ومنها: أن الأعمال تتفاضل؛ لقوله تعالى: ﴿أقرب للتقوى﴾. ١١ - ومنها: أن الناس يتفاضلون في الإيمان؛ لأن تفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل؛ والأعمال من الإيمان، كما قد تقرر في غير هذا الموضع. ١٢ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا ينسى الفضل مع إخوانه في معاملته؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾؛ وقد جاء في الحديث: «رحم الله عبداً سمحاً إذا باع؛ سمحاً إذا اشترى؛ سمحاً إذا اقتضى» (١)؛ فإن هذا فيه من حسن المعاملة ما هو ظاهر؛ والدين الإسلامي يحث على حسن المعاملة، وعلى حسن الخلق، وعلى البر كله. ١٣ - ومنها: إحاطة علم الله ، وبصره بكل شيء مما نعمله؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله بما تعملون بصير﴾. ١٤ - ومنها: الترغيب في العمل الصالح، والترهيب من العمل السيء؛ لأن ختم الآية بهذه الجملة مقتضاه: احرصوا على العمل الصالح؛ فإنه لن يضيع؛ واحذروا من العمل السيء؛ فإنكم تجازون عليه؛ لأن كلاً معلوم عند الله . القرآن ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨] التفسير: حافظوا -أيها المسلمون- على الصلوات الخمس المفروضة بالمداومة على أدائها في أوقاتها بشروطها وأركانها وواجباتها، وحافظوا على الصلاة المتوسطة بينها وهي صلاة العصر، وقوموا في صلاتكم مطيعين لله، خاشعين ذليلين. في سبب نزول الآية: أخرج الطبري عن إبراهيم، ومجاهد أنهما قالا: " كانوا يتكلمون في الصلاة، يأمر أحدهم أخاه بالحاجة، فنزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾، قال: فقطعوا الكلام، و (القنوت): السكوت، و (القنوت) الطاعة" (٢). وروي نحوه عن ابن مسعود (٣)، وزيد بن أرقم (٤)، والسدي (٥)، وابن زيد (٦).

стр. 1828

قوله تعالى: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أي: " واظبوا أيها المؤمنون وداوموا على أداء الصلوات في أوقاتها" (١). قال مسروق: "المحافظة عليها: المحافظة على وقتها، وعدم السهو عنها" (٢). قال الطبري: " واظبوا على الصلوات المكتوبات في أوقاتهن، وتعاهدوهن والزَمُوهن" (٣). قال البغوي: " أي واظبوا وداوموا على الصلوات المكتوبات بمواقيتها وحدودها وإتمام أركانها" (٤). قال القاسمي: أي"داوموا على أدائها لأوقاتها مع رعاية فرائضها وسننها من غير إخلال بشيء منها" (٥). وفي معنى (المحافظة) في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، قولان (٦): أحدهما: ذكرها. والثاني: تعجيلها. قوله تعالى: ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أي: "وخاصة صلاة الوسطى " (٧). قال البيضاوي: " أي الوسطى بينها، أو الفضلى منها خصوصاً وهي صلاة العصر" (٨). وقد اختلف السلف والخلف في ﴿الصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، على أقوال (٩): أحدها: أنها صلاة العصر، وهو قول عليّ (١٠)، وابن عباس (١١)، وأبي هريرة (١٢)، وأبي سعيد الخدري (١٣)، وإبراهيم (١٤)، والحسن (١٥)، وزر بن حبيش (١٦)، وقتادة (١٧)، والضحاك (١٨)، وأبي أيوب (١٩)، وعائشة (٢٠)، وأم سلمة (٢١)، وحفصة (٢٢).

стр. 1829

وهذا القول هو الصحيح من مذهب أبي حنيفة (١)، وقول أحمد (٢)، والذي صار إليه معظم الشافعية (٣) لصحة الحديث فيه. قال الترمذي: "هو قول أكثر علماء الصحابة" (٤). قال الماوردي (٥): "هو قول جمهور التابعين" (٦). قال ابن عبد البر: "هو قول أكثر أهل الأثر" (٧). قال ابن حجر: " وبه قال من المالكية: ابن حبيب (٨) (٩) وابن العربي (١٠) وابن عطية (١١) (١٢)، ويؤيده أيضاً ما روى مسلم عن البراء بن عازب: "نزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وصلاة

стр. 1830

العصر﴾، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخت فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فقال رجل: فهي إذن صلاة العصر، فقال: أخبرتك كيف نزلت" (١) (٢). القول الثاني: أنها صلاة الظهر، وهو قول زيد بن ثابت (٣)، وأبي سعيد الخدري (٤)، وابن عمر (٥)، وحفصة (٦). القول الثالث: أنها صلاة المغرب، لأنها ليست بأقلها ولا بأكثرها ولا تقصر في السفر، وأن رسول الله ﷺ لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها. وهذا قول قبيصة بن ذؤيب (٧). القول الرابع: أنها صلاة الصبح، وهو قول أنس بن مالك (٨)، وأبي موسى الأشعري (٩)، وأبي أمامة (١٠)، وجابر بن عبد الله (١١)، وأبي العالية (١٢)، وعبيد بن عمير (١٣)، مجاهد (١٤)، وعطاء (١٥)، عكرمة (١٦)، والربيع (١٧)، وهو احد قولي ابن عباس (١٨)، وابن عمر (١٩). واحتجوا بأنه " لا صلاة مكتوبة من الصلوات الخمس فيها قنوت سوى صلاة الصبح، فعلم بذلك أنها هي دون غيرها" (٢٠). القول الخامس: أنها إحدى الصلوات الخمس ولا تعرف بعينها، ليكون أبعث لهم على المحافظة على جميعها، وهذا قول نافع (٢١)، وابن المسيب (٢٢)، والربيع ابن خثيم (٢٣). القول السادس: أن الصلاة الوسطى: صلاة الجمعة خاصة. القول السابع: أن الصلاة الوسطى صلاة الجماعة من جميع الصلوات. القول الثامن: صلاة الجمعة؛ لأنها خصت بالجمع لها والخطبة فيها وجعلت عيدا. القول التاسع: أنها الصلوات الخمس بجملتها؛ والمعنى: حافظوا عليهن كلهن، لأن قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾؛ يعم الفرض والنفل ثم خص الفرض بالذكر. وهو قول عبدالله (٢٤) في رواية ونافع عنه.

стр. 1831

قلت: وجل هذه الأقوال ضعيفة لا يعول عليها، لعدم وجود النص الصحيح الذي يسندها، وأقواها قولان: الأول: أنها العصر، وهو قول الجمهور (١). الثاني: أنها الفجر، وهو قول جماعة من الصحابة، والتابعين، ومذهب مالك وقول الشافعي وبعض أصحابه (٢). وفي تسميتها بالوسطى ثلاثة أوجه (٣): أحدها: لأنها أوسط الصلوات الخمس محلاً، لأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار. والثاني: لأنها أوسط الصلاة عدداً، لأن أكثرهن أربع وأقلهن ركعتان. والثالث: لأنها أفضل الصلوات ووسط الشيء ووسطاه أفضله، وتكون الوُسْطَى بمعنى الفُضْلَى. قال ابن حجر: "و (الأوسط): الأعدل من كل شيء، وليس المراد به التوسط بين الشيئين؛ لأن فُعلى معناها: التفضيل، ولا ينبني للتفضيل إلا ما يقبل الزيادة والنقص (٤)، والوسط: بمعنى الخيار، والعدل يقبلهما؛ بخلاف المتوسط فلا يقبلهما؛ فلا ينبني منه أفعل تفضيل (٥) (٦).

стр. 1832

قوله تعالى: ﴿﴿وَقُومُوا للَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أي "قوموا لله في صلاتكم خاشعين" (١). قال السعدي: ": ذليلين خاشعين، ففيه الأمر بالقيام والقنوت والنهي عن الكلام، والأمر بالخشوع، هذا مع الأمن والطمأنينة" (٢). وقد تعددت عبارات أهل التفسير في معنى (القنوت) في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، على أقوال (٣): أحدها: يعني مطيعين، قاله ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، والحسن والشعبي (٦)، وجابر بن زيد (٧)، وعطاء (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، وسعيد بن عبدالعزيز (١٠)، والضحاك (١١)، وقتادة (١٢)، وعطية (١٣)، وعكرمة (١٤)، ومقاتل بن حيان (١٥)، وطاووس (١٦). والثاني: ساكتين عما نهاكم الله أن تتكلموا به في صلاتكم، وهو قول ابن مسعود (١٧)، وزيد بن أرقم (١٨) (١٩)، والسدي (٢٠)، وابن زيد (٢١).

стр. 1833

والثالث: خاشعين، نهيأ عن العبث والتفلت، وهو قول مجاهد (١)، والربيع بن أنس (٢). والرابع: داعين، وهو مروي عن ابن عباس (٣). والخامس: طول القيام في الصلاة، وهو قول مجاهد (٤)، أيضاً. وإذا دققنا النظر في الأقوال السابقة نرى بأنه لا تعارض بينها، لأن أصل القنوت في اللغة الطاعة كما أفاد ذلك ابن فارس (٥)، وابن سيدة وابن منظور (٦)، وابن قتيبة (٧)، والطبري، والذي قال: "وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: (وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِين) قول من قال: تأويله: مطيعين، وذلك أن أصل القنوت الطاعة، وقد تكون الطاعة لله في الصلاة بالسكوت عما نهاه عنه من الكلام فيها ... وقد تكون الطاعة فيها بالخشوع وخفض الجناح وإطالة القيام وبالدعاء لأن كل ذلك غير خارج من أحد معنيين: من أن يكون مما أُمِر به المصلي أو مما ندب إليه، والعبد بكل ذلك لله مطيع وهو لربه فيه قانت" (٨). وقيل: إن أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء (٩)، وعليه يجوز أيضاً أن يسمى مديم الطاعة قانتاً، وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في الصلاة أو أطال الخشوع والسكوت كل هؤلاء فاعلو القنوت (١٠). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب المحافظة على الصلوات؛ لقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات﴾؛ والأصل في الأمر الوجوب. فإن قيل: إن النوافل لا تجب المحافظة عليها؟ فالجواب أنه لا مانع من استعمال المشترك في معنييه؛ فتكون المحافظة على الفرائض واجبة؛ وعلى النوافل سنة. ٢ - ومنها: فضيلة صلاة العصر؛ لأن الله خصها بالذكر بعد التعميم؛ وهي أفضل الصلاتين المفضلتين - العصر، والفجر؛ وقد بين النبي ﷺ فضلهما في أحاديث؛ منها قوله (ص): «من صلى

стр. 1834

البردين دخل الجنة» (١)، وقوله (ص): «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته؛ فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» (٢). ٣ - ومنها: وجوب القيام؛ لقوله تعالى: ﴿وقوموا لله﴾. ٤ - ومنها: وجوب الإخلاص لله؛ لقوله تعالى: ﴿لله﴾. ٥ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان إذا تعبد لله أن يستشعر أمر الله؛ لأنه أبلغ في الامتثال، والطاعة؛ وكذلك ينبغي أن يستحضر أنه متأسٍ برسول الله (ص) كأنما يشاهده رأي عين؛ لقول النبي ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣) - فتتم له المتابعة. ٦ - ومنها: الأمر بالقنوت لله ؛ وهو خشوع القلب الذي يظهر منه سكون الجوارح؛ لقوله تعالى: ﴿قانتين﴾. ٧ - ومنها: تحريم الكلام في الصلاة - بناءً على سبب النزول؛ وهو أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية؛ فأمروا بالسكوت، ونهوا عن الكلام. ٨ - ومنها: وجوب القيام في الصلاة؛ ويستثني من ذلك: أ - صلاة النافلة؛ لدلالة السنة على جوازها من قاعد؛ هذا إذا جعلنا قوله تعالى: ﴿الصلوات﴾ عامة؛ وأما إذا جعلناها خاصة بالفرائض فلا استثناء. ب - ويستثني أيضاً الخائف، مثل أن يصلي خلف الجدار إن قام علم به عدوه فمال عليه؛ وإن صلى جالساً سَلِم. ج - ويستثني أيضاً العاجز؛ لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. د - ويستثني أيضاً المأموم القادر على القيام إذا صلى إمامه العاجز عنه قاعداً من أول صلاته؛ لقول النبي ﷺ في الإمام: «إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون» (٤)؛ أما إذا طرأ عليه العجز في أثناء الصلاة فإن المأمومين يتمونها قياماً؛ لقصة صلاة أبي بكر بالناس، حيث ابتدأ بهم الصلاة قائماً؛ فلما حضر النبي ﷺ في أثناء الصلاة صلى جالساً، وأتموا خلفه قياماً (٥). القرآن ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ [البقرة: ٢٣٩] التفسير: فإن خفتم من عدو لكم فصلوا صلاة الخوف ماشين، أو راكبين، على أي هيئة تستطيعونها ولو بالإيماء، أو إلى غير جهة القبلة، فإذا زال خوفكم فصلُّوا صلاة الأمن، واذكروا الله فيها، ولا تنقصوها عن هيئتها الأصلية، واشكروا له على ما علَّمكم من أمور العبادات والأحكام ما لم تكونوا على علم به. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، " أي: فإِذا كنتم في خوفٍ من عدوٍ أو غيره" (٦). قال السعدي: " لم يذكر ما يخاف منه ليشمل الخوف من كافر وظالم وسبع، وغير ذلك من أنواع المخاوف، أي: إن خفتم بصلاتكم على تلك الصفة" (٧). قوله تعالى: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أي: " فصلوا ماشين على الأقدام أو راكبين على الدواب" (٨). قال السعدي: " أي: ماشين على أقدامكم أو على الخيل والإبل وغيرها، ويلزم على ذلك أن يكونوا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وفي هذا زيادة التأكيد على المحافظة على وقتها حيث أمر بذلك ولو مع الإخلال بكثير من الأركان والشروط، وأنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها ولو في هذه الحالة الشديدة، فصلاتها على تلك الصورة أحسن وأفضل بل أوجب من صلاتها مطمئنا خارج الوقت" (٩). قال القرطبي: " والرجال جمع راجل أو رجل من قولهم: رجل الإنسان يرجل رجلا إذا عدم المركوب ومشى على قدميه، فهو رجل وراجل ورجل - "بضم الجيم" وهي لغة أهل الحجاز" (١٠). واختلف في قدر صلاته على ثلاثة أقوال (١١): أحدها: أنها على عددها تُصَلَّى ركعتين. قاله إبراهيم (١٢)، والزهري (١٣)، والربيع (١٤)، وهو قول الجمهور (١٥). والثاني: أن تُصَلَّى ركعة واحدة إذا كان خائفاً. وهذا قول الحسن (١٦)، والحكم (١٧)، وقتادة (١٨)، وحماد (١٩)، وجابر (٢٠). والثالث: إن استطاع صلى ركعتين وإلا فواحدة. قاله قتادة (٢١)، والحسن (٢٢) في أحد قوليهما. واختلفوا في وجوب الإِعادة عليه بعد أمنه، فذهب أهل الحجاز إلى سقوط الإِعادة عنه لعذره، وذهب أهل العراق إلى وجوب الإِعادة عليه لأن مشيه فيها عمل ليس منها (٢٣). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنتُم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]، " أي: فإِذا زال الخوف وجاء الأمن، فأقيموا الصلاة مستوفية لجميع الأركان كما أمركم الله وعلى الوجه الذي شرعه لكم" (٢٤). قال مجاهد: "خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة" (٢٥).

стр. 1835

قال مقاتل بن حيان: " فإذا أمنتم من العدو" (١)، صلوا كما علمكم" (٢). قال السعدي: " أي: زال الخوف عنكم، ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ " (٣). وذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنتُم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]، تأويلان (٤): أحدهما: معناه فإذا أمنتم فصلّوا كما علّمكم. قال ابن زيد: "فإذا أمنتم فصلوا الصلاة كما افترض الله عليكم - إذا جاء الخوف كانت لهم رخصة" (٥). قال القرطبي: " أي ارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الأركان" (٦). قال الصابوني: " وهذه كقوله: ﴿فَإِذَا اطمأننتم فَأَقِيمُوا الصلاة﴾ [النساء: ١٠٣] والذكرُ في الآية يراد به الصلاة الكاملة المستوفية للأركان، قال الزمخشري: المعنى اذكروه بالعبادة كام أحسن إِليكم بما علمكم من الشرائع وكيف تصلون في حال الخوف والأمن" (٧). قال السعدي: " وهذا يشمل جميع أنواع الذكر ومنه الصلاة على كمالها وتمامها" (٨). والثاني: يريد فاذكروه بالثناء عليه والحمد له، كما علمكم من أمر دينكم ما لم تكونوا تعلمون. قال ابن عباس: " يعني: كما علمكم أن يصلي الراكب على دابته، والراجل على رجليه" (٩). قال القرطبي: "وقيل: معناه اشكروه على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء؛ ولم تفتكم صلاة من الصلوات وهو الذي لم تكونوا تعلمونه" (١٠). الفوائد: ١ - ومن فوائد الآية: سعة رحمة الله ، وأن هذا الدين يسر؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾؛ لأن هذا من التيسير على العباد. ٢ - ومنها: جواز الحركة الكثيرة في الصلاة للضرورة؛ لقوله تعالى: ﴿فرجالاً﴾؛ لأن الراجل - وهو الماشي - يتحرك حركة كثيرة. ٣ - ومنها: جواز الصلاة على الراحلة في حال الخوف؛ لقوله تعالى: ﴿أو ركباناً﴾؛ أما في حال الأمن فلا تجوز الصلاة على الراحلة إلا النافلة؛ إلا إذا تمكن من الإتيان بالصلاة على وجه التمام فإنه يجوز؛ ولهذا جوزنا الصلاة في السفينة، وفي القطار، وما أشبه ذلك؛ لأنه سيأتي بها على وجه التمام بخلاف الراحلة من بعير، وسيارة، وطائرة إلا أن يكون في الطائرة مكان متسع يتمكن فيه من الإتيان بالصلاة كاملة: فتصح؛ لكن إذا خاف الإنسان خروج الوقت يصلي على أي حال - ولو مضطجعاً - في أيّ مكان. ٤ - ومن فوائد الآية: أنه يجب على المرء القيام بالعبادة على التمام متى زال العذر؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾. ٥ - ومنها: أن الصلاة من الذكر؛ لقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله﴾؛ والكلام هنا في الصلاة.

стр. 1836

٦ - ومنها: بيان منة الله علينا بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾. ٧ - ومنها: بيان نقص الإنسان لكون الأصل فيه الجهل، حيث قال تعالى: ﴿كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾؛ فالأصل في الإنسان الجهل حتى يُعَلِّمَه الله . ٨ - ومنها: الرد على القدرية الذين يقولون: «إن الإنسان مستقل بعمله»؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمكم﴾؛ والرد على الجبرية أيضاً؛ لتوجيه الأوامر إلى الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿حافظوا﴾، وقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله﴾، وما أشبههما؛ لأننا لو قلنا بأن العبد مجبر صار توجيه الخطاب إليه نوعاً من العبث؛ لأنه أمر بما لا يطاق، ولا يمكن تطبيقه. القرآن ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠] التفسير: والأزواج الذين يموتون ويتركون زوجات بعدهم، فعليهم وصيةً لهنَّ: أن يُمَتَّعن سنه تامة من يوم الوفاة، بالسكنى في منزل الزوج من غير إخراج الورثة لهن مدة السنة؛ جبرًا لخاطر الزوجة، وبرًا بالمتوفَّى. فإن خرجت الزوجات باختيارهن قبل انقضاء السنة فلا إثم عليكم -أيها الورثة- في ذلك، ولا حرج على الزوجات فيما فعلن في أنفسهن من أمور مباحة. والله عزيز في ملكه، حكيم في أمره ونهيه. وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا. اختلف السلف ومن تبعهم من المفسرين في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة (١): القول الأول: يرى الجمهور بأن الآية منسوخة (٢). فالناسخ هو قوله- : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، حيث عدة المتوفى عنها زوجها فيها: أربعة أشهر وعشراً، والمنسوخ هذه الآية حيث عدة المتوفى عنها زوجها فيها: حولاً كاملاً. الثاني: وذهب بعض أهل العلم إلى أن الآية محكمة غير منسوخة، ومنهم: ابن عباس (٣)، والضحاك (٤)، ومجاهد (٥)، وعطاء (٦)، وابن زيد (٧)، وابن كثير (٨)، والسعدي (٩)، وابن عثيمين (١٠)، وغيرهم.

стр. 1837

والقول الثاني هو الأظهر، قال السعدي بعد ذكره القول بالنسخ: "وهذا القول لا دليل عليه، ومن تأمل الآيتين اتضح له أن القول الآخر في الآية هو الصواب، وأن الآية الأولى في وجوب التربص أربعة أشهر وعشراً على وجه التحتيم على المرأة، وأما في هذه الآية فإنها وصية لأهل الميت أن يبقوا زوجة ميتهم عندهم حولاً كاملاً جبراً لخاطرها وبرأ بميتهم، ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ أي: وصية من الله لأهل الميت أن يستوصوا بزوجته ويمتعوها ولا يخرجوها" (١). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، "أي: يقبضون من رجالكم" (٢). قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أي: " ويتركون زوجاتهم" (٣)، بعد الموت. قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أي: "كتب الله عليهم وصية" (٤) لأزواجهم. قال ابن كثير: " أي: يوصيكم الله بهن وصية كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١] " (٥). قال الزمخشري: " أن يوصوا قبل أن يحتضروا" (٦). قال المراغي: " أي وصية من الله لأزواجهم" (٧). قال ابن عثيمين: "أي عهداً لأزواجهم؛ ولا تكون الوصية إلا في الأمر الذي له شأن، وبه اهتمام" (٨). وفي قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً﴾ [البقرة: ٢٤٠]، قراءتان (٩): الأولى: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ بالنصب، وهي قراءة ابن عامر وأبي عمرو وحمزة، وحفص عن عاصم، بمعنى: فليوصوا وصية لأزواجهم، أو: عليهم أن يوصوا وصية لأزواجهم. والثانية: ﴿وَصِيِّةٌ لأزْوَاجِهِمْ﴾ بالرفع؛ قرأ بها ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي، ثم اختلفوا في وجه رفعهاعلى قولين (١٠): أحدها: أنها رفعت بمعنى: كتبت عليهم الوصية، وواحتجوا في ذلك بأنها كذلك في قراءة عبد الله. ومعنى الكلام على هذا الوجه: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا، كتبت عليهم وصية لأزواجهم - ثم ترك ذكر " كتبت "، ورفعت " الوصية " بذلك المعنى، وإن كان متروكا ذكره. والثاني: أن (الوصية) مرفوعة بقوله: ﴿لأزواجهم﴾، فتأول: لأزواجهم وصية. والراجح هو القول الأول، وهو أن تكون (الوصية) إذا رفعت مرفوعة بمعنى: كتبت عليكم وصية لأزواجكم. "لأن العرب تضمر النكرات مرافعها قبلها إذا أضمرت، فإذا أظهرت بدأت به قبلها، فتقول: جاءني رجل اليوم، وإذا قالوا: رجل جاءني اليوم، لم يكادوا أن يقولونه إلا والرجل حاضر يشيرون إليه ب (هذا)، أو غائب قد علم المخبر عنه خبره، أو بحذف (هذا) وإضماره وإن حذفوه، لمعرفة السامع بمعنى المتكلم، كما قال الله تعالى ذكره: (سورة أنزلناها) [سورة النور: ١] و ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة التوبة: ١]، فكذلك ذلك في قوله: ﴿وصية لأزواجهم﴾ " (١١). والصواب هو القراءة بالرفع ﴿وَصِيِّةٌ﴾، وذلك "لدلالة ظاهر القرآن على أن مقام المتوفى عنها زوجها في بيت زوجها المتوفى حولا كاملا كان حقا لها قبل نزول قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٤]، وقبل نزول آية الميراث ولتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ بنحو الذي دل عليه الظاهر من ذلك، أوصى لهن أزواجهن بذلك قبل وفاتهن، أو لم يوصوا لهن به" (١٢). قوله تعالى: ﴿مَّتَاعاً إِلَى الحول﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أي: "بأن تمتَّع أزواجهم بعدهم حولاً كاملا" (١٣). قال الزمخشري: " بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا، أى ينفق عليهنّ من تركته" (١٤). قال الشوكاني: "ن يمتعن بعدهم حولا كاملا بالنفقة والسكنى من تركتهم" (١٥). وقرأ أبىّ: متاع لأزواجهم متاعا. وروى عنه: فمتاع لأزواجهم. ومتاعا نضب بالوصية، إلا إذا أضمرت يوصون، فإنه نصب بالفعل، وعلى قراءة أبىّ متاعا نصب بمتاع، لأنه في معنى التمتيع كقولك: الحمد للَّه حمد الشاكرين، وأعجبنى ضرب لك زيداً ضربا شديداً. وغَيْرَ إِخْراجٍ مصدر مؤكد، كقولك: هذا القول غير ما تقول. أو بدل من متاعاً. أو حال من الأزواج، أى غير مخرجات (١٦). قوله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أي: " لهن ذلك المتاع وهن مقيمات في البيت غير مخرجات منه، ولا ممنوعات من السكنى فيه" (١٧). قال ابن عثيمين: "أي: من الورثة الذين يرثون المال بعد الزوج؛ ومنه البيت الذي تسكن فيه الزوجة" (١٨). قال القرطبي: " معناه ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجها" (١٩). قال الزمخشري: " ولا يخرجن من مساكنهن، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخت المدة بقوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ وقيل: نسخ ما زاد منه على هذا المقدار، ونسخت النفقة بالإرث الذي هو الربع والثمن. واختلف في السكنى، فعند أبى حنيفة وأصحابه: لا سكنى لهن فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التزين والتعرض للخطاب مِنْ مَعْرُوفٍ مما ليس بمنكر شرعاً. فإن قلت: كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة؟ قلت: قد تكون الآية متقدّمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل، كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ مع قوله: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ " (٢٠). قال المراغي: " وهذا الأمر أمر ندب واستحسان لا أمر وجوب وإلزام تهاون فيه الناس كما تهاونوا فى كثير من المندوبات" (٢١).

стр. 1838

واختلف في نصب قوله ﴿غَيْرَ﴾ على أربعة أقوال (١): الأول: نصب على المصدر، كأنه قال لا إخراجا. قاله الأخفش (٢). الثاني: وقيل: نصب، لأنه صفة المتاع. الثالث: وقيل: نصب على الحال من الموصين، أي: متعوهن غير مخرجات. الرابع: وقيل: بنزع الخافض، أي من غير إخراج. قاله الفراء (٣). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، "أي: فإِن خرجن مختارات راضيات" (٤). قال الشوكاني: "يعني: باختيارهن قبل الحول" (٥). قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أي: " أي لا حرج على الولي والحاكم وغيرهما" (٦). قال الصابوني: " فلا إِثم عليكم يا أولياء الميت" (٧). قوله تعالى: ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أي: "في تركهن أن يفعلن ما لا ينكره الشرع، كالتزين والتطيب والتعرض للخُطّاب" (٨). قال الشوكاني: " من التعرض للخطاب والتزين لهم" (٩). قال السعدي: " أي: من مراجعة الزينة والطيب ونحو ذلك" (١٠). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، على أربعة أقوال (١١): الأول: أي بما هو معروف في الشرع غير منكر. قال الشوكاني: "وفيه دليل على أن النساء كن مخيرات في سكنى الحول وليس ذلك بحتم عليهن" (١٢). قال القرطبي: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ " الآية: " أي لا حرج على أحد ولِيٍّ أو حاكم أو غيره؛ لأنه لا يجب عليها المقام في بيت زوجها حولا" (١٣). الثاني: وقيل المعنى لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهن. ضعّفه الشوكاني، "لأن متعلق الجناح هو مذكور في الآية بقوله ﴿فيما فعلن﴾ " (١٤). الثالث: وقيل: "لا جناح عليهن في التشوف إلى الأزواج، إذ قد انقطعت عنهن مراقبتكم أيها الورثة، ثم عليها ألا تتزوج قبل انقضاء العدة بالحول" (١٥).

стр. 1839

الرابع: وقيل: "لا جناح في تزويجهن بعد انقضاء العدة. لأنه قال "من معروف" وهو ما يوافق الشرع" (١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أي "والله عزيز غالب على أمره يعاقب من خالفه، حكيم يراعى فى أحكامه مصالح عباده" (٢). قال الصابوني: "أي: هو سبحانه غالبٌ في ملكه حكيم في صنعه" (٣). قال ابن عثيمين: " أي: ذو عزة، وحُكم، وحِكمة" (٤). قال القرطبي: " ﴿والله عزيز﴾ صفة تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحد في هذه النازلة، فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج. ﴿حَكِيمٌ﴾ أي محكم لما يريد من أمور عباده" (٥). قال المراغي: " ومن عزته وقدرته أن يحوّل الأمم من عادات ضارة، إلى عادات نافعة تقتضيها المصلحة، كتحويل العرب من عادتهم في العدة والحداد، إذ كانوا يجعلون المرأة أسيرة ذليلة مقهورة في عقر دارها سنة كاملة - إلى ما هو خير من ذلك وهو إكرامها في بيت زوجها بين أهله، وعدم الحجر على حريتها إذا أرادت الخروج منه ما دامت في حظيرة الشرع وآدابه" (٦). قال الشيخ ابن عثيمين: "والخطاب لعموم الأمة؛ وليس خاصاً بالصحابة ﵃؛ لأن القرآن نزل للجميع إلى يوم القيامة؛ فالخطاب الموجود فيه عام لكل الأمة؛ إلا إذا دل دليل على الخصوصية، كما في قوله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًّا وعد الله الحسنى﴾ [الحديد: ١٠] " (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الزوجة تبقى زوجيتها حتى بعد الموت؛ لقوله تعالى: ﴿ويذرون أزواجاً﴾؛ ولا يقول قائل: إن المراد باعتبار ما كان؛ لأن هذا خلاف الأصل. فإن قال قائل: فإذا كان الأمر كذلك فإنها لا تحل لأحد بعده؟ قلنا: هي مقيدة بمدة العدة؛ ويدل على ذلك أن المرأة إذا مات زوجها جاز أن تغسله؛ ولو كانت أحكام الزوجية منقطعة ما جاز لها أن تغسِّل زوجها. ٢ - ومنها: أنه يشرع للزوج أن يوصي لزوجته أن تبقى في بيته، وينفق عليها من تركته لمدة حول كامل؛ هذا ما تفيده الآية؛ فهل هذا الحكم منسوخ، أو محكم؟ على قولين للعلماء؛ أحدهما: أنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]؛ ويؤيده ما في صحيح البخاري حينما سئل عثمان ﵁: لماذا أبقيت هذه الآية وهي منسوخة؛ ولماذا وضعتها بعد الآية الناسخة - وكان الأولى أن تكون المنسوخة قبل الآية الناسخة لمراعاة الترتيب؟ فأجاب عثمان ﵁ بأنه لا يغير شيئاً من مكانه (٨)؛ وذلك لأن الترتيب بين الآيات توقيفي؛ فهذه الآية توفي رسول الله (ص) وهي تتلى في القرآن، وفي مكانها؛ ولا يمكن أن تغير؛ وعلى هذا فتكون هذه الآية منسوخة بالآية السابقة بالنسبة للعدة؛ وأما بالنسبة لما يوصي به الزوج من المال فهو منسوخ بآية المواريث - وهي

стр. 1840

قوله تعالى: ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم﴾ [النساء: ١٢]، وقول النبي ﷺ : «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث» (١). والقول الثاني: أن الآية محكمة؛ فتحمل على معنًى لا يعارض الآية الأخرى؛ فيقال: إن الآية الأخرى يخاطَب بها الزوجة: تتربص بنفسها أربعة أشهر وعشراً؛ والآية الثانية يخاطَب بها الزوج ليوصي لزوجته بما ذُكر. ٣ - ومن فوائد الآية: أن الله ذو رحمة واسعة حتى أوصى الزوج بأن يوصي لزوجته مع أن الزوج قد جعل الله فيه رحمة لزوجته حين قال لله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ [الروم: ٢١]؛ ورحمة الله لهذه الزوجة أعظم من رحمة الزوج لها. ٤ - ومنها: أن المرأة يحل لها إذا أوصى زوجها أن تبقى في البيت أن تخرج، ولا تنفذ وصيته؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خرجن فلا جناح عليكم﴾؛ لأن هذا شيء يتعلق بها، وليس لزوجها مصلحة فيه. ويتفرع عليه لو أوصى الزوج الزوجة ألا تتزوج من بعده لا يلزمها؛ لأنه إذا كان لا يلزمها أن تبقى في البيت مدة الحول فلأن لا يلزمها أن تبقى غير متزوجة من باب أولى. وكذلك يؤخذ منه قياساً كل من أوصى شخصاً بأمر يتعلق بالشخص الموصى له فإن الحق له في تنفيذ الوصية، وعدم تنفيذها. ٥ - ومن فوائد الآية: أن المسؤولين عن النساء هم الرجال؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم﴾. ٦ - ومنها: أن على الرجال الإثم فيما إذا خرجت المرأة عن المعروف شرعاً؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف﴾. ويتفرع على هذا أن كل مسؤول عن شخص إذا تمكن من منعه عن المنكر فإنه يمنعه؛ ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ لأن الإنسان ما دام مسؤولاً فإنه إذا فرط في مسؤوليته كان وازراً، ووزره على نفسه. ٧ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج عن المعروف في جميع أحوالها؛ و «المعروف» هو ما أقره الشرع والعرف جميعاً؛ فلو خرجت في لباسها، أو مشيتها، أو صوتها، عن المعروف شرعاً فهي آثمة؛ وعلينا أن نردعها عن الخروج على هذا الوجه. ٨ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «العزيز»، و «الحكيم»؛ وإثبات ما تضمناه من صفة سواء كان ذلك عن طريق اللزوم، أو المطابقة، أو التضمن؛ وهي العزة، والحكمة، والحُكم؛ وقد سبق تفسير ذلك. ٩ - ومنها: إثبات العزة، والحكمة على سبيل الإطلاق، لأن الله أطلق: قال: ﴿عزيز حكيم﴾؛ فيكون عزيزاً في كل حال؛ وحكيماً حاكماً في كل حال. القرآن ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١] التفسير: وللمطلقات متاع من كسوة ونفقة على الوجه المعروف المستحسن شرعًا، حقًا على الذين يخافون الله ويتقونه في أمره ونهيه.

стр. 1841

قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، " أي واجبٌ على الأزواج أن يُمتِّعوا المطلقات بقدر استطاعتهم جبراً لوحشة الفراق" (١). قال الشنقيطي: وهذا" يقتضي وجوب المتعة في الجملة خلافا لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلا واستدل بعض المالكية على عدم وجوب المتعة بأن الله تعالى قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قالوا: فلو كانت واجبة لكانت حقا على كل أحد وبأنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب ... وهذا الاستدلال على عدم وجوبها لا ينهض فيما يظهر؛ لأن قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ و ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، تأكيد للوجوب وليس لأحد أن يقول لست متقيا مثلا؛ لوجوب التقوى على جميع الناس " (٢). أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قوله: " ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾، وهي المطلقة التي يطلقها بل أن يمسها، ولم يسم لها صداقا، فأمر الله أن يمتعها على قدر عسره ويسره، فأما التي سمى لها الصداق فلها نصف الصداق" (٣). وقد اختلف أهل التفسير في المعنية بهذه الآية من المطلقات على أقوال (٤): الأول: قيل هي المتعة وأنها واجبة لكل مطلقة، وهو قول عن الشافعي (٥)، ﵀، وإليه ذهب سعيد بن جبير (٦)، والزهري (٧)، وأبو العالية (٨)، وأحد قولي عطاء (٩)، واختاره ابن جرير (١٠). قال ابن عثيمين: " وقوله تعالى: ﴿وللمطلقات﴾ من ألفاظ العموم؛ لأن «أل» فيها اسم موصول؛ فيشمل كل المطلقات بدون استثناء؛ وهن من فارقهن أزواجهن؛ وسمي طلاقاً؛ لأن الزوجة قبله في قيد النكاح؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان" (١١) أي: أسيرات؛ وقال تعالى عن امرأة العزيز: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]؛ و ﴿سَيِّدَهَا﴾: زوجها" (١٢). قال ابن كثير: " وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مفوضة أو مفروضًا لها أو مطلقًا قبل المسيس أو مدخولا بها" (١٣). الثاني: وقيل إن هذه الآية خاصة بالثيبات اللواتي قد جومعن، لأنه قد تقدم قبل هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن الأزواج، وهذا قول عطاء ومجاهد (١٤).

стр. 1842

الثالث: وقال آخرون: إنما نزلت هذه الآية، لأن الله تعالى ذكره لما أنزل قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦]، قال رجل من المسلمين: فإنا لا نفعل إن لم نرد أن نحسن. فأنزل الله: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾، فوجب ذلك عليهم. وبهذا فإن الآية نسخ محض، وهو قول ابن زيد (١). وأخرج ابن أبي حام بسنده "عن سعيد بن المسيب قال: نسخت هذه الآية التي بعدها: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾، نسخت ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ " (٢). وأخرج أيضا "عن عتاب بن خصيف، في قوله: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾، قال: كان ذلك قبل الفرائض" (٣). الرابع: وقيل المراد بالمتعة هنا نفقة العدة (٤). والراجح هو القول الأول، وهو: أن الله تعالى ذكره أنزلها دليلا لعباده على أن لكل مطلقة متعة، "لأن الله تعالى ذكره ذكر في سائر آي القرآن التي فيها ذكر متعة النساء، خصوصا من النساء، فبين في الآية التي قال فيها: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦]، وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [سورة الأحزاب: ٤٩]، ما لهن من المتعة إذا طلقن قبل المسيس، وبقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [سورة الأحزاب: ٢٨]، حكم المدخول بهن، وبقي حكم الصبايا إذا طلقن بعد الابتناء بهن، وحكم الكوافر والإماء. فعم الله تعالى ذكره بقوله: " وللمطلقات متاع بالمعروف " ذكر جميعهن، وأخبر بأن لهن المتاع، كما خص المطلقات الموصوفات بصفاتهن في سائر آي القرآن، ولذلك كرر ذكر جميعهن في هذه الآية" (٥) (٦). وقوله تعالى: ﴿مَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١]، أي: " أي نفقة العدة" (٧). والمتاع: هو "ما تتمتع به من لباس، وغيره" (٨). قوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، يعني "بقدر الإمكان، جبرا لوحشة الفراق" (٩). قال ابن عثيمين: "يعني: هذا المتاع مقيد بالمعروف - أي ما يعرفه الناس -؛ وهذا قد يكون مفسَّراً بقوله تعالى: ﴿وعلى الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: المتاع على الموسر بقدر إيساره؛ وعلى المعسر بقدر إعساره" (١٠).

стр. 1843

قوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، أي: " وهذه المتعة حقٌّ لازم على المؤمنين المتقين لله" (١). قال المراغي: " والذي يفعل ذلك من أشرب قلبه تقوى الله والخوف من عقابه، فهو الذي يجود بالمال تطييبا للقلوب وإزالة للضغن" (٢). قال الطبري: "فأما (المتقون)، فهم الذين اتقوا الله في أمره ونهيه وحدوده، فقاموا بها على ما كلفهم القيام بها خشية منهم له، ووجلا منهم من عقابه" (٣). و(التقوى): هي القيام بطاعة الله على علم وبصيرة؛ وما أحسن ما قاله بعضهم: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله (٤). روي "عن ابن عباس: ﴿المتقين﴾، أي: الذين يحذرون من الله عقوبته وترك ما يعرفون من الهوى، ويرجون رحمته، بتصديق ما جاء منه" (٥). وقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ فأنه لا يعني أنه لا يجب على غير المتقين؛ ولكن تقييده بالمتقين من باب الإغراء، والحث على لزومه؛ ويفيد أن التزامه من تقوى الله ؛ وأن من لم يلتزمه فقد نقصت تقواه (٦). قال الماوردي: " وإنما خص المتقين بالذكر - وإن كان عاماً - تشريفاً لهم" (٧). وقد أخرج ابن ابي حاتم بسنده عن "يعلي ابن حكيم، قال: سمعت رجلا سأل سعيد بن جبير عن المتعة، على كل أحد هي؟ قال: لا. قال: فعلى من؟ قال: على المتقين" (٨). وعنه أيضا بسنده عن حسين بن حفص، قال: قال سفيان وإن طلقها وقد دخل بها، فسمى لها مهرا، فعليه المتعة ولا يجبر على ذلك، ولكن يقال له: متع إن كنت من المتقين، من غير أن يجبر عليه" (٩). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب المتعة لكل مطلقة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وللمطلقات﴾؛ ويستثنى من ذلك: أ - من طلقت قبل الدخول وقد فرض لها المهر؛ لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ب - من طلقت بعد الدخول فلها المهر: إن كان مسمًّى فهو ما سمي؛ وإن لم يكن مسمًّى فمهر المثل؛ واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن من طلقت بعد الدخول فلها المتعة على زوجها مطلقاً؛ لعموم الآية. ٢ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي تأكيد الحقوق التي قد يتهاون الناس بها؛ لقوله تعالى: ﴿حقًّا على المتقين﴾. ٣ - ومنها: أنه ينبغي ذكر الأوصاف التي تحمل الإنسان على الامتثال فعلاً للمأمور، وتركاً للمحظور؛ لقوله تعالى: ﴿حقًّا للمتقين﴾؛ لأن عدم القيام به مخالف للتقوى؛ والقيام به من التقوى.

стр. 1844

٤ - ومنها: اعتبار العرف؛ لقوله تعالى: ﴿متاعاً بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٦]؛ وهذا ما لم يكن العرف مخالفاً للشرع؛ فإن كان مخالفاً له وجب رده إلى الشرع. ٥ - ومنها: أن التقوى تحمل على طاعة الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه. القرآن ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾ [البقرة: ٢٤٢] التفسير: مثل ذلك البيان الواضح في أحكام الأولاد والنساء، يبيِّن الله لكم آياته وأحكامه في كل ما تحتاجونه في معاشكم ومعادكم؛ لكي تعقلوها وتعملوا بها. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٢]، أي مثلَ ذلك البيان السابق يبين الله لكم آياته. أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن "سعيد بن جبير، في قول الله: ﴿كذلك﴾ [البقرة: ٢٤٢]، يعني: هكذا يبين الله لكم آياته" (١). قال ابن عثيمين: " أي يبين الآيات لأجلكم حتى تتبين لكم، وتتضح" (٢). قال القاسمي: "أي: مثل ذلك البيان الشافي يبين الله لكم، في جميع المواضع آياته الدالة على أحكامه" (٣). قال الراغب: " نبه أنه كما بين لكم هذه الأحكام يبين لكم سائر الآيات العقلية والسمعية لتكونوا أقرب إلى استعادة العمل المكتسب" (٤). ومعنى (البيان) التوضيح؛ أي "أن الله يوضحه حتى لا يبقى فيه خفاء" (٥). و﴿آيَاتِهِ] [البقرة: ٢٤٢]، أي: "حدوده، وحلاله وحرامه والأحكام النافعة لكم" (٦). و(الآيات): جمع آية؛ وهي العلامة المعينة لمدلولها؛ وتشمل الآيات الكونية والشرعية؛ فإن الله بيّن لنا من آياته الكونية والشرعية ما لا يبقى معه أدنى شبهة في أن هذه الآيات علامات واضحة على وجود الله ، وعلى ما له من حكمة، ورحمة، وقدرة (٧). وفي إعراب قوله ﴿لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٢]، وجهان (٨): الأول: يحتمل أن تكون اللام لتعدية الفعل: ﴿يُبَيِّنُ﴾. والثاني: ويحتمل أن تكون اللام للتعليل؛ أي يبين الآيات لأجلكم حتى تتبين لكم، وتتضح. قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٢]؛ "أي لتكونوا من ذوي العقول الرشيدة" (٩). روي عن "عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قول الله: ﴿يعقلون﴾ [البقرة: ٢٤٢]، قال: يتفكرون" (١٠).

стр. 1845

قال السعدي: " لعلكم تعقلونها فتعرفونها وتعرفون المقصود منها، فإن من عرف ذلك أوجب له العمل بها" (١). قال الصابوني: "لتعقلوا ما فيها وتعملوا بموجبها" (٢). قال القاسمي: "لكي تفهموا ما فيها وتعملوا بموجبها" (٣). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: منة الله على عباده بتبيين الآيات؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون﴾. ٢ - ومنها: أن مسائل النكاح والطلاق، قد يخفى على الإنسان حكمتها؛ لأن الله جعل بيان ذلك إليه، فقال تعالى: ﴿كذلك يبين الله لكم﴾. ٣ - ومنها: الرد على المفوضة - أهل التجهيل؛ وعلى أهل التحريف - الذين يسمون أنفسهم بأهل التأويل؛ لقوله تعالى: ﴿يبين الله لكم آياته﴾؛ لأن أهل التفويض يقولون: إن الله لم يبين ما أراد في آيات الصفات، وأحاديثها؛ وأنها بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم معناها؛ وأهل التحريف يقولون: إن الله لم يبين المعنى المراد في آيات الصفات، وأحاديثها؛ وإنما وكل ذلك إلى عقولنا؛ وإنما البيان بما ندركه نحن بعقولنا؛ فنقول: لو كان الأمر كما ذكرتم لكان الله يبيّنه؛ فلما لم يبين ما قلتم علم أنه ليس بمراد. ٤ - ومن فوائد الآية: الثناء على العقل، حيث جعله الله غاية لأمر محمود - وهو تبيين الآيات؛ والمراد عقل الرشد السالم من الشبهات، والشهوات - أي الإرادات السيئة. ٥ - ومنها: إثبات العلة لأفعال الله؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تعقلون﴾. ٦ - ومنها: أنه لا يمكن أن يوجد في الشرع حكم غير مبين؛ لقوله تعالى: ﴿يبين الله لكم آياته﴾؛ والآيات هنا جمع مضاف؛ فيعم. فإن قال قائل: إننا نجد بعض النصوص تخفى علينا؟ فالجواب: أن ذلك إما لقصور في فهمنا؛ وإما لتقصير في تدبرنا؛ وإما لنقص في علومنا؛ أما أن النص نفسه لم يبين فهذا شيء مستحيل. القرآن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣] التفسير: ألم تعلم -أيها الرسول- قصة الذين فرُّوا من أرضهم ومنازلهم، وهم ألوف كثيرة؛ خشية الموت من الطاعون أو القتال، فقال لهم الله: موتوا، فماتوا دفعة واحدة عقوبة على فرارهم من قدر الله، ثم أحياهم الله تعالى بعد مدة؛ ليستوفوا آجالهم، وليتعظوا ويتوبوا؟ إن الله لذو فضل عظيم على الناس بنعمه الكثيرة، ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضل الله عليهم. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، " أي ألم يصل إِلى سمعك يا محمد أو أيها المخاطب حال أولئك القوم الذين خرجوا من وطنهم" (٤).

стр. 1846

قال القاسمي: " أي: ممن تقدمكم من الأمم من ديارهم، التي ألفوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به من الموت" (١). والخطاب هنا إما لرسول الله ﷺ ؛ أو لكل من يتأتى خطابه؛ والأخير أحسن؛ لأنه أعم؛ و (الرؤية) هنا رؤية الفكر؛ لا رؤية البصر (٢). وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي "ألم تعلم بإعلامي إياك، وهو من رؤية القلب" (٣). قال القرطبي: "وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي ﴿ألم ترْ﴾ بجزم (الراء)، وحذفت الهمزة حذفا من غير إلقاء حركة، لأن الأصل ألم ترء" (٤). قال الزمخشري: قوله تعالى" ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأوّلين، وتعجيب من شأنهم، ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع، لأنّ هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجيب" (٥). وفي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وجهان (٦): أحدهما: يعني مُؤْتَلِفِي القلوب، وهو قول ابن زياد (٧). أي "لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم إنما كانوا مؤتلفين، فخالفت هذه الفرقة فخرجت فرارا من الموت وابتغاء الحياة بزعمهم، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم" (٨). والثاني: يعني ألوفاً في العدد. قاله ابن عباس (٩)، ووهب بن منبه (١٠)، والحجاج بن أرطأة (١١)، والسدي (١٢) ومجاهد (١٣) وعطاء (١٤) ومحمد بن إسحاق (١٥)، وهو قول الجمهور وهو الصحيح. واختلف قائلوا هذا في عددهم على أربعة أقاويل (١٦): أحدها: كانوا أربعة آلاف، رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس (١٧). والثاني: كانوا ثمانية آلاف. والثالث: كانوا بضعة وثلاثين ألفاً، وهو قول السدي (١٨). والرابع: كانوا أربعين ألفاً، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً (١٩). قال الماوردي: "والألوف تستعمل فيما زاد على عشرة آلاف" (٢٠).

стр. 1847

والصواب أن عدد القوم، كان أكثر من عشرة آلاف، "دون من حده بأربعة آلاف، وثلاثة آلاف، وثمانية آلاف. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم كانوا ألوفا، وما دون العشرة آلاف لا يقال لهم: " ألوف ". وإنما يقال " هم آلاف "، إذا كانوا ثلاثة آلاف فصاعدا إلى العشرة آلاف. وغير جائز أن يقال: هم خمسة ألوف، أو عشرة ألوف" (١). قوله تعالى: ﴿حَذَرَ الموت﴾ [البقرة: ٢٤٣]، "أي خوفاً من الموت وفراراً منه" (٢). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وجهين (٣): أحدهما: أنهم فرّوا من الطاعون، وهذا قول ابن عباس (٤)، والحسن (٥)، وعمرو بن دينار (٦)، وقتادة (٧)، وهلال بن يساف (٨). أخرج الطبري بسنده "عن ابن عباس في قوله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾، كانوا أربعة آلاف، خرجوا فرارا من الطاعون، قالوا: نأتي أرضا ليس فيها موت! حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال لهم الله: رموتوا﴾، فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم، فأحياهم، فتلا هذه الآية: ﴿إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ " (٩). والثاني: أنهم فروا من الجهاد، وهذا قول الضحاك (١٠)، ومطر (١١)، وهو وأحد قولي ابن عباس (١٢). وأصح الأقوال وأبينها وأشهرها أنهم خرجوا فرارا من الوباء، وهو اختيار جمهور أهل التفسير (١٣). والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، " أي: قال الله لهم موتوا فماتوا ثم أحياهم" (١٤). قال النسفي: " أي فأماتهم الله، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته وتلك ميتة خارجة عن العادة، وفيه تشجيع للمسلمين على الجهاد، وأن الموت إذا لم يكن منه بد ولم ينفع منه مفر فأولى أن يكون في سبيل الله ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وفضائه" (١٥).

стр. 1848

قال الشوكاني: " هو أمر تكوين عبارة عن تعلق إرادته بموتهم دفعة أو تمثيل لإماتته سبحانه إياهم ميتة نفس واحدة كأنهم أمروا فأطاعوا قوله ثم أحياهم" (١). قال البغوي: " أمر تحويل كقوله ﴿كونوا قردة خاسئين"﴾ [البقرة: ٦٥] " (٢). قال ابن العربي: "أماتهم الله تعالى مدة عقوبة لهم ثم أحياهم؛ وميتة العقوبة بعدها حياة، وميتة الأجل لا حياة بعدها" (٣). قال الماوردي: و"إنما فعل ذلك معجزة لنبي من أنبيائه كان اسمه شمعون من أنبياء بني إسرائيل، وأن مدة موتهم إلى أن أحياهم الله سبعة أيام " (٤). وقد ذكر العلماء في تفسير قوله تعالى ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]، قولان (٥): أحدهما: يعني فأماتهم الله، كما يقال: قالت السماء فمطرت، لأن القول مقدمة الأفعال، فعبر به عنها. والثاني: أنه تعالى قال قولاً سمعته الملائكة. قال القرطبي: " و ﴿موتوا﴾ أمر تكوين، ولا يبعد أن يقال: نودوا وقيل لهم: موتوا. وقد حكي أن ملكين صاحا بهم: موتوا فماتوا؛ فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين "موتوا"، والله أعلم" (٦). قال السعدي: ثم إن الله تعالى أحياهم" إما بدعوة نبي أو بغير ذلك، رحمة بهم ولطفا وحلما، وبيانا لآياته لخلقه بإحياء الموتى" (٧). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، " أي: ذو إِنعام وإِحسان على الناس حيث يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة ما يبصّرهم بما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة" (٨). قال البغوي: قيل هو على العموم في حق الكافة في الدنيا، وقيل على الخصوص في حق المؤمنين" (٩). قال النسفي: " حيث يبصرهم ما يعتبرون به كما بصر أولئك وكما بصركم باقتصاص خبرهم، أو لذو فضل على الناس حيث أحيا أولئك ليعتبروا فيفوزوا ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم النشور" (١٠). قال الشوكاني: " التنكير في قوله ﴿فضل﴾ للتعظيم أي لذو فضل عظيم على الناس جميعا، أما هؤلاء الذين خرجوا فلكونه أحياهم ليعتبروا وأما المخاطبون فلكونه قد أرشدهم إلى الإعتبار والاستبصار بقصة هؤلاء" (١١). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، أي: ولكن أكثر الناس لا يقومون بشكر الله حين يتفضل عليهم" (١٢). قال ابن كثير: " أي: لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم" (١٣).

стр. 1849

قال الصابوني: " أي لا يشكرون الله على نعمه بل ينكرون ويجحدون" (١). قال السعدي: " فلا تزيدهم النعمة شكرا، بل ربما استعانوا بنعم الله على معاصيه، وقليل منهم الشكور الذي يعرف النعمة ويقر بها ويصرفها في طاعة المنعم" (٢). و«الشكر»: "طاعة المتفضل" (٣). الفوائد ١ - من فوائد الآية: أنه لا فرار من قدر الله؛ لقوله تعالى: ﴿حذر الموت فقال لهم الله موتوا﴾؛ وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال في الطاعون: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه" (٤). قال ابن كثير: " وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يغني حذر من قدر وأنه، لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن هؤلاء فروا من الوباء طلبًا لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعًا في آن واحد" (٥). ٢ - ومنها: تمام قدرة الله بإماتة الحيّ، وإحياء الميت؛ لقوله تعالى: ﴿موتوا﴾؛ فماتوا بدليل قوله تعالى: ﴿ثم أحياهم﴾. ٣ - ومنها: أن فيها دلالة على البعث؛ وجهه: أن الله أحياهم بعد أن أماتهم. ٤ - ومنها: أن بيان الله آياته للناس، وإنقاذهم من الهلاك من فضله؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾. ٥ - ومنها: أن لله نعمة على الكافر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿على الناس﴾؛ ولكن نعمة الله على الكافر ليست كنعمته على المؤمن؛ لأن نعمته على المؤمن نعمة متصلة بالدنيا والآخرة؛ وأما على الكافر فنعمة في الدنيا فقط. ٦ - ومنها: أن الشاكر من الناس قليل؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾. ٧ - ومنها: أن العقل يدل على وجوب شكر المنعم؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾؛ وهذا على سبيل الذم؛ فيكون من لا يشكر مذموماً عقلاً، وشرعاً. ٨ - ومنها: أن كلام الله بحروف مرتبة؛ لقوله تعالى: ﴿موتوا﴾؛ فيكون فيه رد على من قال: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه. ٩ - ومنها: أن معنى قوله تعالى: ﴿إذا أراد شيئاً أن يقول له كن﴾ [يس: ٨٢] أن الله يتكلم بما أراد؛ لا أن يقول: ﴿كن﴾ فقط؛ بل يتكلم بما أراد: كن كذا؛ كن كذا؛ لأن الكلام بكلمة ﴿كن﴾ مجمل؛ ولما قال الله للقلم: «اكتب قال: رب ماذا أكتب؟ » (٦)؛ فيصير معنى ﴿كن﴾ أي الأمر المستفاد من هذه الصيغة؛ ولكنه يكون

стр. 1850

أمراً خاصاً؛ فلو كان الله يريد أن ينزل مطراً؛ لا يقول: ﴿كن﴾ فقط؛ بل يكون بالصيغة التي أراد الله . ١٠ - ومن فوائد الآية: جواز حذف ما كان معلوماً، وأنه لا ينافي البلاغة؛ وهو ما يسمى عند البلاغيين بإيجاز الحذف؛ لقوله تعالى: ﴿موتوا ثم أحياهم﴾؛ والتقدير: «فماتوا ثم أحياهم»؛ وهذا كثير في القرآن، وكلام العرب. ١١ - ومنها: أنه يمدح نفسه بما أنعم به على عباده؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «لا أحد أحب إليه المدح من الله» (١)؛ فهو يحب أن يُمدح، ويُحمد؛ لأن ذلك صدق، وحق؛ فإنه أحق من يُثنى عليه، وأحق من يُحمَد؛ وهو يحب الحق. ١٢ - ومنها: أن من طبيعة البشر الفرار من الموت؛ لقوله تعالى: ﴿خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يستعد للذي يحذر منه وهو لا يدري متى يفجؤه. القرآن ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾ [البقرة: ٢٤٤] التفسير: وقاتلوا -أيها المسلمون- الكفار لنصرة دين الله، واعلموا أن الله سميع لأقوالكم، عليم بنيَّاتكم وأعمالكم قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، أي وقاتلوا "لإعلاء دينه" (٢). قال البغوي: " أي في طاعة الله أعداء الله" (٣). قال الطبري: " ﴿وقاتلوا﴾ أيها المؤمنون في دينه الذي هداكم له، لا في طاعة الشيطان أعداء دينكم" (٤). قال ابن عثيمين: " أي في الطريقة الموصلة إليه - وهي شريعته -؛ وهذا يشمل النية، والعمل؛ أما النية فأن يكون الإنسان قاصداً بقتاله أن تكون كلمة الله هي العليا، كما جاء في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ سئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه؛ أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٥)؛ وأما العمل فأن يكون جهاده على وفق الشرع" (٦). أخرج ابن ابي حاتم بسنده "عن سعيد بن جبير، في قول الله : ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، يعني: في طاعة الله" (٧). قال الصابوني: " أي قاتلوا الكفار لإِعلاء دين الله، لا لحظوظ النفس وأهوائها" (٨).

стр. 1851

قال الطبري: أي: " وقاتلوا أيها المؤمنون في دينية الذي هداكم، لا في طاعة الشيطان أعداء دينكم، الصادين عن سبيل ربكم، ولا تحتموا عن قتالهم عند لقائهم، ولا تجبنوا عن حربهم، فإن بيدي حياتكم وموتكم. ولا يمنعن أحدكم من لقائهم وقتالهم حذر الموت وخوف المنية على نفسه بقتالهم، فيدعوه ذلك إلى التعريد عنهم والفرار منهم، فتذلوا، ويأتيكم الموت الذي خفتموه في مأمنكم الذي وألتم إليه، كما أتى الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الموت، الذين قصصت عليكم قصتهم، فلم ينجهم فرارهم منه من نزوله بهم حين جاءهم أمري، وحل بهم قضائي، ولا ضر المتخلفين وراءهم ما كانوا لم يحذروه، إذ دافعت عنهم مناياهم، وصرفتها عن حوبائهم، فقاتلوا في سبيل الله من أمرتكم بقتاله من أعدائي وأعداء ديني، فإن من حيي منكم فأنا أحييه، ومن قتل منكم فبقضائي كان قتله" (١). قال المراغي: " لقتال في سبيل الله هو القتال لإعلاء كلمة الحق، وتأمين الدعوة، ونشر الدين، حتى لا يغلب أهله، ولا يصدهم صادّ عن إقامة شعائره، وتلقين أوامره، والدفاع عن بلاد الإسلام إذا همّ الطامع في اغتصابها والتمتع بخيراتها، وإرادة إذلالها، والعدوان على استقلالها، فهذا أمر لنا بأن نتحلّى بالشجاعة، ونلبس سرابيل القوة، ليخشى العدو بأسنا، ويرهب جانبنا، ونكون أعزاء ونحيا حياة سعيدة في دنيانا وأخرانا" (٢). قال القاسمي: " وأصل السبيل هو الطريق. وسميت المجاهدة سبيلا إلى الله تعالى من حيث إن الإنسان يسلكها ويتوصل إلى الله بها ليتمكن من إظهار عبادته تعالى، ونشر الدعوة إلى توحيده وحماية أهلها والمدافعة عن الحق وأهله. فالقتال دفاع في سبيل الله لإزالة الضرر العام. وهو منع الحق وتأييد الشرك. وذلك بتربية الذين يفتنون الناس عن دينهم وينكثون عهودهم لا لحظوظ النفس وأهوائها، والضراوة بحب التسافك وإزهاق الأرواح، ولا لأجل الطمع في الكسب" (٣). قال الراغب: " وأقرب الأعداء إلى الإنسان وأصعبها دفاعاً وأكثرهم أذى الهوى المدلول عليه بقوله: " جهادك هواك" (٤)، وقوله: "أعدي عدوك نفسك التي بين جنبيك" (٥)، وقوله لما رجعوا من تبوك: " جئتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" (٦) ... وصعوبة مجاهدته أنه عدو يخفي وتخفى مكائده، ونحو هذا نظر الشاعر حيث قال (٧): رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمي وليس برامي وعلى هذا قوله : ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، وقوله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ " (٨). واختلف أهل التفسير في من عنى الله تعالى بهذا الخطاب، على قولين (٩): الأول: قال الجمهور: الخطاب لأمة محمد ﷺ بالقتال في سبيل الله. قال القرطبي: "وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا. وسبل الله كثيرة فهي عامة في كل سبيل؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. قال مالك: سبل الله كثيرة، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أو لها، وأعظمها دين الإسلام، لا خلاف في هذا" (١٠). وعلى هذا القول فإن (الواو) في قوله ﴿وَقَاتِلُوا﴾، عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام، قال النحاس: " ﴿وَقَاتِلُوا﴾، أمر من الله تعالى للمؤمنين ألا تهربوا كما هرب هؤلاء" (١١)، وقوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء ويعلم مرادكم به (١٢). القول الثاني: وقيل: الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل. قاله الضحاك (١٣). و(الواو) على هذا في قوله ﴿وَقَاتِلُوا﴾ عاطفة على الأمر المتقدم، وفي الكلام متروك تقديره: وقال لهم قاتلوا (١٤). قال الطبري: "ولا وجه لقول من زعم أن قوله: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾، أمر من الله الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال، بعد ما أحياهم" (١٥). والظاهر-والله أعلم- هو القول الأول، بأن هذا خطاب للذين أحيوا أمروا بالقتال في سبيل الله فخرجوا من ديارهم فرارا من الجهاد فأماتهم الله ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا. وبه قال أكثر أهل التفسير. قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، " واعلموا أنّ الله سميع لأقوالكم، عليم بنيّاتكم وأحوالكم فيجازيكم عليها" (١٦). قال محمد بن إسحاق: "أي: سميع لما يقولون، عليم بما يخفون" (١٧).

стр. 1852

قال القاسمي: " وفي قوله تعالى: واعلموا أن الله سميع عليم بعث على صدق النية والإخلاص، كما في الصحيحين: "عن أبي موسى ﵁ قال: "سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١) " (٢). قال الزمخشري: أي" يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون عَلِيمٌ بما يضمرونه وهو من وراء الجزاء" (٣). قال السعدي: " أي: فأحسنوا نياتكم واقصدوا بذلك وجه الله، واعلموا أنه لا يفيدكم القعود عن القتال شيئا، ولو ظننتم أن في القعود حياتكم وبقاءكم، فليس الأمر كذلك، ولهذا ذكر القصة السابقة توطئة لهذا الأمر، فكما لم ينفع الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت خروجهم، بل أتاهم ما حذروا من غير أن يحتسبوا، فاعلموا أنكم كذلك" (٤). قال ابن عثيمين: " وختم الله هذه الآية بالأمر بعلمنا بأن الله سميع عليم تحذيراً من المخالفة، وترغيباً في الموافقة؛ فنقوم بما أوجب علينا، ونجتنب ما حرم علينا" (٥). قال الدكتور محمد حجازي: " وتشير الآية الكريمة إلى أن موت الأمم غالبا له سببان: الأول: الجبن وضعف العزيمة. والثاني: البخل وعدم الإنفاق، ولذلك قرن الله الآية السابقة بقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾، ولقد رغب الله في الإنفاق، إذ عبر بالقرض عن الإنفاق، من يقرض الله الذي له خزائن السموات والأرض والذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، يضاعف له في ثوابه أضعافا كثيرة لا يعلم عددها إلا الله ومن أصدق من الله حديثا" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الأمر بقتال الكافرين؛ وهو إما فرض عين، أو فرض كفاية، أو مستحب على حسب ما قرره العلماء؛ وقد سبق الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا﴾ [البقرة: ١٩٠]. ٢ - ومنها: الأمر بالقتال على وجه الإخلاص لله تعالى بأن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ لقوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾. ٣ - ومنها: أنه يحرم على الإنسان أن يقاتل حمية، أو أن يقاتل شجاعة، أو أن يقاتل رياءً؛ لأن إيجاب الإخلاص في القتال يقتضي تحريم القتال لغير ذلك؛ اللهم إلا أن يكون دفاعاً عن النفس فهو مباح؛ بل قد يجب. فإن قيل: لو قاتل دفاعاً عن وطنه لأنه بلد إسلامي؛ فيقاتل دفاعاً عنه لهذا الغرض؛ فهل يكون قتالاً في سبيل الله؟

стр. 1853

فالجواب: نعم؛ لأن نيته أن لا يفرق بين وطنه وغيره إذا كان ذلك لحماية الإسلام. ٤ - ومن فوائد الآية: وجوب التمشي في الجهاد على ما تقتضيه الشريعة من طاعة الأمير، والصبر عند اللقاء، ومعاملة الأسرى، وغير ذلك. ٥ - ومنها: التحذير من مخالفة الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله سميع عليم﴾؛ فإن مقتضى ذلك أن نحذر من مخالفته؛ لأنه سميع لأقوالنا عليم بأحوالنا. ٦ - ومنها: الترغيب في موافقة الشرع؛ فإن ذلك لا يضيع عند الله؛ لأنه سميع لأقوالنا عليم بأحوالنا. ٧ - ومنها: إثبات هذين الاسمين لله تعالى؛ وهما «السميع»، و «العليم»؛ وما تضمناه من صفة، وحُكم؛ وقد سبق تفصيل «السمع» الذي وصف الله به نفسه. القرآن ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥] التفسير: من ذا الذي ينفق في سبيل الله إنفاقًا حسنًا احتسابًا للأجر، فيضاعفه له أضعافا كثيرة لا تحصى من الثواب وحسن الجزاء؟ والله يقبض ويبسط، فأنفقوا ولا تبالوا؛ فإنه هو الرزاق، يُضيِّق على مَن يشاء من عباده في الرزق، ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك، وإليه وحده ترجعون بعد الموت، فيجازيكم على أعمالكم. في سبب نزول الآية: أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن ابن عباس، قال: أتت اليهود محمدا ﷺ حين أنزل الله إليه من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فقالوا: يا محمد افتقر ربك، يسأل عباده؟ فأنزل الله : لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء" (١). وروي "عن ابن عمر قال: لما نزلت مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فقال رسول الله ﷺ : رب زد أمتي، فنزلت من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة قال: رب زد أمتي فنزل ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠٠] " (٢). قال السعدي: " ولما كان القتال في سبيل الله لا يتم إلا بالنفقة وبذل الأموال في ذلك، أمر تعالى بالإنفاق في سبيله ورغب فيه، وسماه قرضا فقال: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ فينفق ما تيسر من أمواله في طرق الخيرات، خصوصا في الجهاد، والحسن هو الحلال المقصود به وجه الله تعالى" (٣). قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهُ قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، " أي من الذي يبذل ماله وينفقه في سبيل الخير ابتغاء وجه الله، ولإِعلاء كلمة الله في الجهاد وسائر طرق الخير" (٤). قال ابن عطية: " وقوله ﴿حسنا﴾، معناه تطيب فيه النية ويشبه أيضا أن تكون إشارة إلى كثرته وجودته" (٥). قال النسفي: " بطيبة النفس من المال الطيب" (٦). وقد ذكر العلماء في قوله : ﴿قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، تفسيران (٧):

стр. 1854

أحدهما: أنه النفقة في الجهاد، وهو عمر بن الخطاب (١) وابن زيد (٢). والثاني: النفقة في الأهل. وهو قول زيد بن أسم (٣). والثالث: وقيل: أن القرض الحسن هو: ذكر: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" (٤). والرابع: أنة: أبواب البر، وهو قول الحسن (٥)، ومنه قول لبيد (٦): فإذا جُوزِيتَ قَرْضاً فاجْزِهِ ... إنّما يَجْزي الفَتَى لَيسَ الجَمَلْ قال الحسن: وقد جهلت اليهود لما نزلت هذه الآية فقالوا: إن الله يستقرض منا، فنحن أغنياء، وهو فقير، فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنحَنْ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]. والراجح-والله أعلم- أن (القرض الحسن) في هذه الآية، هو النفقة في سبيل الله، إذ "يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيله" (٧)، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع، وتعددت المعاني حسب السياق (٨).

стр. 1855

قال القاضي أبو محمد عبد الحق: "واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه من شبه القرض بالعمل للثواب والله هو الغني الحميد لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا ما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء وقد ذهبت اليهود في مدة النبي ﷺ إلى التخليط على المؤمنين بظاهر الاستقراض وقالوا إلهكم محتاج يستقرض وهذا بين الفساد" (١). قوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، يعني: "فيكون جزاؤه أن يضاعف الله تعالى له ذلك القرض أضعافاً كثيرة" (٢). قال الصابوني: "لأنه قرضٌ لأغنى الأغنياء ربّ العالمين ﷻ وفي الحديث"مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيم وَلا ظَلُومٍ" (٣) " (٤). روي عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾، قال أبو الدحداح: يا رسول الله، أو إن الله يريد منا القرض؟ ! قال: نعم يا أبا الدحداح! قال: يدك! قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، حائطا فيه ستمئة نخلة. ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه في عيالها، فناداها: يا أم الدحداح! قالت: لبيك! قال: اخرجي! قد أقرضت ربي حائطا فيه ستمئة نخلة" (٥). وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، على قولين (٦): أحدهما: بالواحد سبعمائة ضعف، وهو قول ابن زيد (٧).

стр. 1856

والثاني: لا يعلمه أحد إلا الله، وهو قول السدي (١). قال الشنقيطي: "لم يبين هنا قدر هذه الأضعاف الكثيرة ولكنه بين في موضع آخر أنها تبلغ سبعمائة ضعف وتزيد عن ذلك. وذلك في قوله تعالى: ﴿﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] " (٢). وقد اختلف القراء في قوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] على أربع قراءات: الأولى: قراءة عاصم بالألف والنصب، أي: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾. والثانية: قراءة ابن عامر بالتشديد والنصب أي: ﴿فيضعَّفَه﴾. والثالثة: قراءة ابن كثير بالتشديد والرفع أي: ﴿فيضعَّفُه﴾. والرابعة: قراءة الباقين بالألف والرفع أي: ﴿فيضاعفُه﴾. والقراءتان بمعنى واحد، كما نص على ذلك الأزهري (٣)، والمهدوي (٤)، وغيرهما. وقال أبو حيان "وفرق بعضهم بين يضاعف ويضعف، فقال: التضعيف لما جعل مثلين، والمضاعفة لما زيد عليه أكثر من ذلك" (٥). وقد وجه الحافظ ابن حجر (٦) قراءة النصب على أن الفعل منصوب بأن مضمرة في جواب الاستفهام، وهو جواب له على المعنى لا على اللفظ؛ لأن الاستفهام وإن وقع عن المقرض لفظاً فهو عن الإقراض معنى، كأنه قال: أيقرض الله أحد قرضاً، فيضاعفَه له. وهناك توجيه آخر، وهو أن الفعل منصوب بإضمار أَنْ عطفاً على المصدر المفهوم من (يُقْرضُ) في المعنى، فيكون مصدراً معطوفاً على مصدر، والتقدير: من ذا الذي يكون منه إقراض فمضاعفة من الله. كما وجه-﵀-قراءة الرفع بأنه رفع على الاستئناف، والتقدير: فهو يضاعفه، وهناك توجيه آخر وهو أن (فَيُضَاعِفَهُ) معطوف على صلة الذي، أي: ﴿يُقْرِضُ﴾ (٧). وكان أبو عمرو لا يسقط (الألف) من ذلك كله إلا من سورة الأحزاب قوله تعالى: ﴿يضعف لها العذاب﴾ [الأحزاب: ٣٠]، فإنه بغير (ألف) كان يقرأه، وقرأ حمزة والكسائي ونافع ذلك كله بـ (الألف) ورفع (الفاء)، فالرفع في (الفاء) يتخرج على وجهين: أحدهما: العطف على ما في الصلة، وهو ﴿يقرض﴾. والآخر: أن يستأنف الفعل ويقطعه. قال أبو علي: والرفع في هذا الفعل أحسن، وقال القاضي أبو محمد، لأن النصب إنما هو بالفاء في جواب الاستفهام وذلك إنما يترتب إذا كان الاستفهام عن نفس الفعل الأول ثم يجيء الثاني مخالفا له،

стр. 1857

تقول: أتقرضني فأشكرك، وها هنا إنما الاستفهام عن الذي يقرض لا عن الإقراض ولكن تحمل قراءة ابن عامر وعاصم في النصب على المعنى لأنه لم يستفهم عن فاعل الإقراض إلا من أجل الإقراض فكأن الكلام أيقرض أحد الله فيضاعفه له ونظير هذا في الحمل على المعنى قراءة من قرأ ﴿من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم﴾ [الأعراف: ١٨٦]، بجزم ﴿نذرهم﴾ لما كان معنى قوله ﴿فلا هادي له﴾ [الأعراف: ١٨٦]، فلا يهد وهذه الأضعاف الكثيرة هي إلى السبعمائة التي رويت ويعطيها مثال السنبلة (١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، " أي يقتّر على من يشاء ويوسّع على من يشاء ابتلاءً وامتحاناً" (٢). قال السعدي: " أي: يوسع الرزق على من يشاء ويقبضه عمن يشاء، فالتصرف كله بيديه ومدار الأمور راجع إليه، فالإمساك لا يبسط الرزق، والإنفاق لا يقبضه، ومع ذلك فالإنفاق غير ضائع على أهله، بل لهم يوم يجدون ما قدموه كاملا موفرا مضاعفا" (٣). قال ابن كثير: " أي: أنفقوا ولا تبالوا فالله هو الرزاق يضيق على من يشاء من عباده في الرزق ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك" (٤). قال النسفي: " يقتر الرزق على عباده ويوسعه عليهم فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيق بالسعة" (٥). قال الطبري: " أنه الذي بيده قبض أرزاق العباد وبسطها، دون غيره ممن ادعى أهل الشرك به أنهم آلهة، واتخذوه ربا دونه يعبدونه" (٦). قال الحافظ ابن حجر: " البسط: كناية عن سعة رحمته" (٧). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، وذكروا فيه وجهان (٨):

стр. 1858

أحدهما: يعني في الرزق (١)، وهو قول الحسن (٢) وابن زيد (٣). والثاني: يقبض الصدقات ويبسط الجزاء، وهو قول الزجاج. أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن قتادة، في قوله: ﴿يقبض ويبصط﴾، قال: يقبض الصدقة ويبسط ويخلف" (٤). قال ابن عطية: "قرأ ابن كثير ﴿يبسط﴾ بالسين ونافع بالصاد ﴿يبصط﴾ في المشهور عنه، وقال الحلواني عن قالون عن نافع إنه لا يبالي كيف قرأ بسطة ويبسط بالسين أو بالصاد، وروى أبو قرة عن نافع ﴿يبسط﴾ بالسين" (٥). قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، أي "يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم" (٦). قال المراغي: " والرجوع إلى الله ضربان: الأول: رجوع في هذه الحياة بالسير على سننه الحكيمة، ونظمه في الخليقة، بأن يعرف المرء أن الغنى يكون بعمل العامل وتوفيق الله وتسخيره، وأن البذل من فضل الله يأتي بالمنافع الخاصة للباذل، وبالمنافع العامة لقومه الذين يعتز بهم ويسعد بسعادتهم، وأن تركه يعقبه مفاسد ومضار عامة وخاصة للأمم والأفراد، وأنه لا يستقل بعمله مهما أوتي من رجاحة عقل، بل له حاجة إلى معونة الله وتوفيقه بتسخير الأسباب له. والثاني: رجوع في الآخرة حين تظهر للمرء نتائج أعماله وآثار أفعاله ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] " (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الأمر بقتال الكافرين؛ وهو إما فرض عين، أو فرض كفاية، أو مستحب على حسب ما قرره العلماء؛ وقد سبق الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا﴾ [البقرة: ١٩٠]. ٢ - ومنها: الأمر بالقتال على وجه الإخلاص لله تعالى بأن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ لقوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾.

стр. 1859

٣ - ومنها: أنه يحرم على الإنسان أن يقاتل حمية، أو أن يقاتل شجاعة، أو أن يقاتل رياءً؛ لأن إيجاب الإخلاص في القتال يقتضي تحريم القتال لغير ذلك؛ اللهم إلا أن يكون دفاعاً عن النفس فهو مباح؛ بل قد يجب. فإن قيل: لو قاتل دفاعاً عن وطنه لأنه بلد إسلامي؛ فيقاتل دفاعاً عنه لهذا الغرض؛ فهل يكون قتالاً في سبيل الله؟ فالجواب: نعم؛ لأن نيته أن لا يفرق بين وطنه وغيره إذا كان ذلك لحماية الإسلام. ٤ - ومن فوائد الآية: وجوب التمشي في الجهاد على ما تقتضيه الشريعة من طاعة الأمير، والصبر عند اللقاء، ومعاملة الأسرى، وغير ذلك. ٥ - ومنها: التحذير من مخالفة الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله سميع عليم﴾؛ فإن مقتضى ذلك أن نحذر من مخالفته؛ لأنه سميع لأقوالنا عليم بأحوالنا. ٦ - ومنها: الترغيب في موافقة الشرع؛ فإن ذلك لا يضيع عند الله؛ لأنه سميع لأقوالنا عليم بأحوالنا. ٧ - ومنها: إثبات هذين الاسمين لله تعالى؛ وهما «السميع»، و «العليم»؛ وما تضمناه من صفة، وحُكم؛ وقد سبق تفصيل «السمع» الذي وصف الله به نفسه. القرآن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ [البقرة: ٢٤٦] التفسير: ألم تعلم -أيها الرسول- قصة الأشراف والوجهاء من بني إسرائيل من بعد زمان موسى؛ حين طلبوا من نبيهم أن يولي عليهم ملكا، يجتمعون تحت قيادته، ويقاتلون أعداءهم في سبيل الله. قال لهم نبيهم: هل الأمر كما أتوقعه إنْ فُرِض عليكم القتال في سبيل الله أنكم لا تقاتلون؛ فإني أتوقع جبنكم وفراركم من القتال، قالوا مستنكرين توقع نبيهم: وأي مانع يمنعنا عن القتال في سبيل الله، وقد أَخْرَجَنَا عدوُّنا من ديارنا، وأبعدنا عن أولادنا بالقتل والأسر؟ فلما فرض الله عليهم القتال مع الملِك الذي عيَّنه لهم جَبُنوا وفرُّوا عن القتال، إلا قليلا منهم ثبتوا بفضل الله. والله عليم بالظالمين الناكثين عهودهم. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، " أي: ألم ينته إلى علمك قصص هؤلاء الملأ من بنى إسرائيل" (١). قال الصابوني: " أي ألم يصل إِلى سمعك يا محمد أو أيها المخاطب حال أولئك القوم" (٢). قال البغوي: " والملأ من القوم: وجوههم وأشرافهم، وأصل الملأ الجماعة من الناس ولا واحد له من لفظه، كالقوم والرهط والإبل والخيل والجيش وجمعه أملاء" (٣). قال الرازي: " (الملأ): الأشراف من الناس، وهو اسم الجماعة، كالقوم والرهط والجيش، وجمعه أملاء، قال الشاعر (٤): وقال لها الأملاء من كل معشر ... وخير أقاويل الرجال سديدها

стр. 1860

وأصلها من الملء، وهم الذين يملؤون العيون هيبة ورواء، وقيل: هم الذين يملؤون المكان إذا حضروا، وقال الزجاج: الملأ الرؤساء، سموا بذلك لأنهم يملؤون القلوب بما يحتاج إليه، من قولهم: ملأ الرجل يملأ ملأة فهو ملئ" (١). والخطاب في الآية إما للرسول ﷺ ؛ وخطاب زعيم الأمة خطاب له، وللأمة؛ لأنها تبع له؛ وإما أنه خطاب لكل من يتوجه له الخطاب؛ فيكون عاماً في أصل وضعه؛ الفرق بين المعنيين أن الأول عام باعتبار التبعية للمخاطب به أولاً - وهو الرسول ﷺ ؛ والثاني عام باعتبار وضعه - يعني: ألم تر أيها المخاطب (٢). كما أن الاستفهام هنا الظاهر أنه للتشويق - يعني يشوقنا أن ننظر إلى هذه القصة لنعتبر بها -؛ لأن التقرير إنما يكون في أمر كان معلوماً للمخاطب؛ فيُقَرَّر به، كقوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح: ١]؛ وأما هذا فهو أمر ليس معلوماً للمخاطب إلا بعد أن يخبر به؛ فيكون هنا للتشويق، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة﴾ [الصف: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: ١]، وما أشبهها؛ أما لو كان يخاطب من كان عالماً بها لقلنا: إن الاستفهام للتقرير (٣). قال النسفي: الملأ: " الأشراف لأنهم يملأون القلوب جلالة والعيون مهابة" (٤). قال البغوي: " والملأ من القوم: وجوههم وأشرافهم، وأصل الملأ الجماعة من الناس ولا واحد له من لفظه، كالقوم والرهط والإبل والخيل والجيش وجمعه أملاء" (٥). قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ مُوسَى﴾ [البقرة: ٢٤٦] يعني: "من بعد موته" (٦). قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِّيٍ لَهُم﴾ [البقرة: ٢٤٦]، "أي حين قالوا لنبيِّهم" (٧). واختلف أهل التفسير في ذلك النبي على أقاويل (٨): أحدها: أنه شمويل (٩)، وهو قول وهب بن منبه (١٠). والثاني: يوشع بن نون، وهو قول قتادة (١١). والثالث: شمعون، "وهو من نسل هارون" (١٢)، وهو قول السدي (١٣).وقال: "إنما سمي " شمعون "، لأن أمه دعت الله أن يرزقها غلاما، فاستجاب الله لها دعاءها، فرزقها، فولدت غلاما فسمته " شمعون "، تقول: الله تعالى سمع دعائي" (١٤). وروي عن مجاهد، قال: شمؤل" (١٥). والرابع: وقيل: الشمول بن حنة بن العاقر. عن أبي عبيدة (١٦).
следующие страницы →