← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٤ - له الحمد: اقتران الحمد بالكلمة الطيبة: شهادة التوحيد: عن أبي أيوب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير عشرا، كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل" (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل عملا أكثر من ذلك) (٢). ٥ - لك الحمد: عن أنس بن مالك قال: كنت مع رسول الله ﷺ جالسا يعني ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد وتشهد دعا فقال في دعائه اللهم اني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم إني أسألك فقال النبي ﷺ لأصحابه تدرون بما دعا قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى" (٣). وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الحمد عن الرسول ﵊، منها: - روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كلمتانِ خفيفتانِ على اللسانِ، ثقيلتانِ في الميزانِ، حبيبتانِ إلى الرحمنِ: سبحانَ اللهِ وبحمدِه، سبحانَ اللهِ العظيمِ" (٤). - عن أبي مالك الأشعري قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الطَّهورُ شطرُ الإيمانِ، والحمدُ للهِ تملأُ الميزانَ، وسبحان اللهِ والحمدُ للهِ تملآنِ [أو تملأُ] ما بين السماواتِ والأرضِ، والصلاةُ نورٌ، والصدقةُ برهانٌ، والصبرُ ضياءٌ، والقرآنُ حُجَّةٌ لكَ أو عليكَ، كل الناسِ يغدُو فبايِعٌ نفسَه فمُعْتِقُها أو مُوبِقُها" (٥). - قال رسول الله ﵊: "إنَّ اللهَ اصطفى مِنَ الكلامِ أربعًا: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبَرُ، فمَن قال سبحانَ اللهِ كُتِبَ له عشرون حسنةً وحُطَّتْ عنه عشرون سيِّئةً، ومَن قال اللهُ أكبَرُ فمِثْلُ ذلك، ومَن قال لا إلهَ إلَّا اللهُ فمِثْلُ ذلك، ومَن قال الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ مِن قِبَلِ نفسِه كُتِبَتْ له ثلاثون حسنةً وحُطَّتْ عنه ثلاثون سيِّئةً، وفي روايةٍ: مَن قال سبحانَ اللهِ كُتِبَ له عشرون حسنةً وحُطَّتْ عنه عشرون سيِّئةً مِن غيرِ شكٍّ. وفي روايةٍ: فمَن قال سبحانَ اللهِ كُتِبَتْ له عشرون حسنةً وحُطَّتْ عنه عشرون سيِّئةً، ومَن قال الحمدُ للهِ فمِثْلُ ذلك، ومَن قال لا إلهَ إلَّا اللهُ فمِثْلُ ذلك، ومَن قال اللهُ أكبَرُ مِن قِبَلِ نفسِه كُتِبَ له ثلاثون حسنةً وحُطَّتْ عنه ثلاثون سيِّئةً" (٦).

стр. 212

وفي رواية: ن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "أحب الكلام (١) إلى الله أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، لا يضرك بأيِّهن بدأت (٢)، ولا تسمين غلامك يسارًا ولا رباحًا ولا نجيحًا ولا أفلح، فإنك تقول: أثَمَّ هو؟ فلا يكون فيقول: لا، إنما هن أربع فلا تزيدن عليَّ" (٣). وقد ثبت فضل الشكر في الشريعة من أوجهٍ كثيرةٍ، منها: (٤) ١ - إنَّ الله أثنى في كتابه العزيزعلى أهل الشكر، ووصف أفضل خلقه بذلك، فقال عن نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]. ٢ - إنَّ الله جعل الهدف من الشكّر تفضله بالنعم، قال : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. ٣ - إنَّ الله وعد الشاكرين من عباده بأحسن الجزاء، فقال: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]. ٤ - إنَّ الله قد سمّى نفسه شاكراً شكوراً، وذلك بأن يقبل العمل القليل من العبد ويثني على فاعله، قال : ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]. ٥ - قول الله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٤٢]، أي أنّ الله أمر عباده المؤمنين بذكره وشكره، ونهاهم عن نسيانه وكفره، فذِكْر الله تعالى بأسمائه وصفاته من موجبات محبة الله للعبد، وفي شكره بإقامة الصلاة وأداء العبادات من مقتضيات رحمته وفضله (٥). ٦ - قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [ابراهيم: ٧] فقد وعد الله تعالى لمن يشكر نعمه بزيادة تلك النعم (٦) ٧ - عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات ولدُ العبدِ المؤمنِ قال اللهُ للملائكةِ: قبَضْتُم ولَد عبدي؟ قالوا: نَعم قال: قبَضْتُم ثمرةَ فؤادِه؟ قالوا: نَعم قال: فما قال؟ قالوا: استرجَع وحمِدك قال: ابنوا له بيتًا في الجنَّةِ وسمُّوه بيتَ الحمدِ" (٧).

стр. 213

٨ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اللهَ ليرضى عن العبدِ أن يأكلَ الأكلةَ فيحمدَه عليها. أو يشربَ الشربةَ فيحمدَه عليها" (١). ٩ - عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ أمر ذي بالٍ لا يُبدَأُ بالحمد للَّهِ فَهوَ أقطعُ، وفي روايةٍ: بالحمدِ فَهوَ أقطعُ، وفي روايةٍ: كل كلامٍ لا يُبدَأُ فيهِ بالحمد للَّهِ فَهوَ أجذَمُ، وفي رواية: كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأُ فيهِ ببسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ فَهوَ أقطعُ" (٢). قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، أي: " مالك العالمين" (٣). قال الواحدي: أي: " مالك المخلوقات كلها" (٤). قال التستري: أي: " سيد الخلق المربي لهم، والقائم بأمرهم، المصلح المدبر لهم قبل كونهم، وكون فعلهم المتصرف بهم لسابق علمه فيهم، كيف شاء لما شاء، وأراد وحكم وقدر من أمر ونهي، لا رب لهم غيره" (٥). و(الرب): " هو من اجتمع فيه ثلاثة أوصاف: الخلق، والملك، والتدبير؛ فهو الخالق المالك لكل شيء المدبر لجميع الأمور" (٦). قال السعدي: " (الرب): هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة، فمنه تعالى، وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة. فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر. ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة" (٧). و﴿العالمين﴾: "كل ما سوى الله فهو من العالَم؛ وُصفوا بذلك؛ لأنهم عَلَم على خالقهم ؛ ففي كل شيء من المخلوقات آية تدل على الخالق: على قدرته، وحكمته، ورحمته، وعزته، وغير ذلك من معاني ربوبيته" (٨). قال مقاتل: " ﴿الْعَالَمِينَ﴾: " عني: الجن والإنس مثل قوله: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ١] " (٩). واختُلف في اشتقاق (الرب) على أقوال (١٠):

стр. 214

أحدها: أنه مشتق من المالك، كما يقال رب الدار أي مالكها، ومنه قول صفوان بن أمية (١): " لأن يَرُبَّنِي رجل من قريش أحب إِلي من أن يَرُبَّنِي رجل من هوازن، يعني: أن يكون ربًا فوقي، وسيدًا يملكني" (٢). ومن ملك شيئا فهو ربّه، يقال: هو ربّ الدار وربّ الضيعة (٣)، وقال النبي ﷺ لرجل: "أَرَبُّ إِبلٍ أنت أم رَبُّ غنم؟ " (٤)، وقال النابغة (٥): فَإِنْ تَكُ رَبَّ أَذْوَادٍ بِحُزْوى ... أَصَابُوا مِنْ لِقَاحِكَ مَا أَصَابُوا فـ (الرب) (٦): بمعنى المالك للشيء، والأمثلة عليه كثيرة، نذكر منها قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، فهو سبحانه مالك كل شيء، ونحو هذا قوله : ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦]، أي: إنه سبحانه هو مالك السماوات السبع والعرش العظيم وسيدهما، فلا مالك لهما سواه، ولا سيد لهما غيره. ونحوه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، قال القرطبي: أي: "مالكه" (٧). والثاني: أنه مشتق من السيد، لأن السيد يسمى ربّاً، قال تعالى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ [يوسف: ٤١] يعني سيده، وقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]. ومنه لَبِيد بن ربيعة (٨): وأَهْلكْنَ يومًا ربَّ كِنْدَة وابنَه ... ورَبَّ مَعدٍّ، بين خَبْتٍ وعَرْعَرِ يعني بربِّ كندة: سيِّد كندة. ومنه قول نابغة بني ذُبيان (٩): تَخُبُّ إلى النُّعْمَانِ حَتَّى تَنالَهُ ... فِدًى لكَ من رَبٍّ طَرِيفِي وَتَالِدِي

стр. 215

فـ (الرب): بمعنى السيد المطاع، والرئيس وصاحب السلطة النافذ الحكم، والمعترف له بالرفعة والسيادة، والمالك لصلاحيات التصرف، ومنهقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقوله تعالى: [اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ] [يوسف: ٤٢] (١)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠]، و (الربّ) بمعنى الملك والسيد، قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] (٢). وذهب ابن عاشور إلى أن "الأكثر في كلام العرب ورود (الرب) بمعنى المالك والسيد (٣). والثالث: أنه مشتق من (الصلح)، لأن الرجل المصلح للشيء يُدعى ربًّا، ومنه قول الفرزدق بن غالب (٤): كانُوا كَسَالِئَةٍ حَمْقَاءَ إذْ حَقَنتْ ... سِلاءَها فِي أدِيم غَيْرِ مَرْبُوبِ يعني بذلك: في أديم غير مُصلَحٍ. ومن ذلك قيل: إن فلانًا يَرُبُّ صنيعته عند فلان؛ إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها، ومن ذلك قول علقمة بن عَبَدة (٥): فكُنْتَ امرَأً أَفْضَتْ إليك رِبَابَتي ... وَقَبْلَكَ رَبَّتْني، فَضِعْتُ رُبُوبُ يعنى بقوله: أفضتْ إليك، أي وصلتْ إليك رِبَابتي، فصرتَ أنت الذي ترُبُّ أمري فتصلحه (٦).

стр. 216

ومنه قول الشاعر (١): يَرُبُّ الذِّي يَأْتِي مِنَ الخَيْرِ أَنَّهُ ... إذَا فَعَلَ المَعْرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا فالمعنى: على هذا أنه يربي الخلق ويغذوهم بما ينعم عليهم (٢). فالرب هو الكفيل والرقيب، والمتكفل بالتعهد وإصلاح الحال، ومنه قوله على لسان إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، وقوله : ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] (٣)، قال ابن كثير: " أي: هو الذي جعل المشرق مشرقاً، تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربا تغرب فيه الكواكب، ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سخرها فيه وقدرها" (٤). ونظيره قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، أي: هو المالك المتصرف في المشارق والمغارب لا إله إلا هو. والرابع: أن الرب: المدَبِّر، ومنه قول الله : ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ﴾ وهم العلماء، سموا ربَّانيِّين، لقيامهم بتدبير الناس بعلمهم، وقيل: ربَّهُ البيت، لأنها تدبره. والخامس: الرب مشتق من التربية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَبَآئِبُكُمُ اللاَّتِي في حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فسمي ولد الزوجة ربيبة، لتربية الزوج لها، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] (٥)، ومنه قول الشاعر (٦): فَإِنْ كُنْتِ مِنِّي أَوْ تُرِيدِين صُحْبَتِي ... فَكُونِي لَهُ كَالسَّمْنِ رُبَّتْ لَهُ الأَدَم قال الطبري: " فربّنا جلّ ثناؤه: السيد الذي لا شِبْه لهُ، ولا مثل في سُؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر" (٧).

стр. 217

قال الماوردي: "فعلى هذا، أن صفة الله تعالى بأنه رب، لأنه مالك أو سيد، فذلك صفة من صفات ذاته، وإن قيل لأنه مدبِّر لخلقه، ومُربِّيهم، فذلك صفة من صفات فعله، ومتى أدْخَلت عليه الألف واللام. اختص الله تعالى به، دون عباده، وإن حذفتا منه، صار مشتركاً بين الله وبين عباده " (١). قال ابن القيم: " ربوبيته للعالم تتضمن تصرفه فيه، وتدبيره له، ونفاذ أمره كل وقت فيه، وكونه معه كل ساعة في شأن، يخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويصرف الأمور بمشيئته وإرادته، وإنكار ذلك إنكار لربوبيته وإلهيته وملكه" (٢). وقد ذهب الزمخشري ومن تابعه إلى أن لفظ (الرب) لم يطلق على غيره تعالى إلا مقيداً (٣)، وقد رد ابن عاشور قول الزمخشري بقوله: "وجمعه على (أرباب) أدل دليل على إطلاقه على متعدد، فكيف تصح دعوى تخصيص إطلاقه عندهم بالله تعالى؟ " (٤)، واستدل ابن عاشور على إطلاقه غير مضاف على غيره سبحانه، بقوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]، فهذا إطلاق لـ (الرب) غير مضاف على غير الله تعالى. وأما (العالَمون): فـ"جمع (عالَم)، والعالَم: جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، كالأنام والرهط والجيش، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جِمَاعٍ لا واحد له من لفظه، والعالم اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالَمٌ، وأهل كل قَرْن من كل صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان. فالإنس عالَم، وكل أهل زمان منهم عالمُ ذلك الزمان. والجنُّ عالم، وكذلك سائر أجناس الخلق، كلّ جنس منها عالمُ زمانه. ولذلك جُمع فقيل: عالمون، وواحده جمعٌ، لكون عالم كلّ زمان من ذلك عالم ذلك الزمان" (٥)، قال العجاج (٦): يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي ... فَخِنْدِفٌ هَامَةُ هَذَا الْعَالَمِ واختُلِف في (العالم)، على أقوال (٧): أحدها: أن العالم كل ما خلقه الله تعالى في الدنيا والآخرة، وهذا قول أبي إسحاق الزجَّاج (٨)، وقتادة (٩)، ومجاهد (١٠)، وابن عباس (١١) في رواية الضحاك عنه. قال الثعلبي: "واحتجوا بقوله: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤] " (١٢).

стр. 218

والثاني: أنّه الإنس، والجنِّ، وهذا قول ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢)، ومجاهد (٣)، وابن جريج (٤)، ومقاتل بن سليمان (٥). ودليلهم قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ١]، ولم يكن نذيرا للبهائم (٦). كما ويقوي هذا القول، جمع الكلمة على (عالمون)، وهو جمع لايكون إلا مع العاقل! فيكون هذا دليلا على أن الحديث عن عوالم عاقلة. والثالث: أن العالم: الدنيا وما فيها (٧). والرابع: أهل كل زمان عالم، قاله الحسين بن الفضل، لقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥]، أي من الناس (٨)، وقال العجّاج (٩): فَخِنْدِفٌ هامَةُ هَذَا العَالَمِ ... مبارك للأنبياء خاتم وقال جرير بن الخطفى (١٠): تنصفه (١١) البرية وهو سام ... ويضحي العالمون له عيالا والخامس: أن العالم عبارة عمن يعقل، وهم أربعة أمم: الإنس والجن والملائكة والشياطين، ولا يقال للبهائم: عالم، لأن هذا الجمع إنما هو جمع من يعقل خاصة. وهذا قول الفراء وأبي عبيدة (١٢). والسادس: أن العالمين، أي: المخلوقين. قاله أبو عبيدة، وأنشد قول لبيد بن ربيعة (١٣): ما إن رأيت ولا سمعـ ... تُ بمثلهم فى العالمينا والسابع: أنهم المرتزقون، قاله زيد بن أسلم (١٤)، ونحوه قول أبي عمرو بن العلاء (١٥): هم الروحانيّون، وابن قتيبة (١٦)، وهو معنى قول ابن عباس كذلك: "كل ذي روح دبّ على وجه الأرض" (١٧).

стр. 219

والثامن: العالمون: أهل الجنة وأهل النار. حكاه الثعلبي عن جعفر الصادق (١). قال الشنقيطي: " لم يبين هنا ما (العالمون)، وبين ذلك في موضع آخر بقوله: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤] " (٢). والظاهر أن ﴿العالَمين﴾: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله جل وعلا، و (العالَم) جمع لا واحدَ له من لفظه، و (العوالم) أصناف المخلوقات في السموات والأرض في البر والبحر، فالإنس عالَم، والجن عالَم، والملائكة عالَم (٣). والله أعلم. واختلفوا في اشتقاقه على وجهين (٤): أحدهما: أنه مشتق من العلم، وهذا تأويل مَنْ جعل العالم اسماً لما يعقل. والثاني: أنه مشتق من العلامة، لأنه دلالة على خالقه، وهذا تأويل مَنْ جعل العالم اسماً لكُلِّ مخلوقٍ. قال الخليل: "العلم والعلامة والمعلم: ما دل على الشيء، فالعالم دال على أن له خالقا ومدبرا" (٥)، وقد ذكر أن رجلا قال بين يدي الجنيد (٦): الحمد لله فقال له: أتمها كما قال الله قل رب العالمين فقال الرجل: ومن العالمين حتى تذكر مع الحق؟ قال: قل يا أخي؟ فإن المحدث إذا قرن مع القديم لا يبقى له أثر (٧). واختلفوا في مبلغ (العالمين) وكيفيتهم، فقال: أبو العالية: "الجن عالم والإنس عالم، وسوى ذلك للأرض أربع زوابا في كل زاوية ألف وخمس مئة عالم، خلقهم لعبادته" (٨). وهذه الأخبار ليست دقيقة، قال ابن كثير بعد أن أورد قول أبي العالية: " وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح" (٩). وهذا حق. وقال كعب الأحبار: "لا يحصي عدد العالمين إلّا الله، قال الله: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المثر: ٣١] " (١٠). قال أبو حيان: "ونقل عن المتقدمين أعداد مختلفة في العالمين وفي مقارها، الله أعلم بالصحيح" (١١). وفي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، ثلاثة قراءات (١٢):

стр. 220

إحداهما: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي. قال الهمذاني: " (الحمد) رفع بالابتداء، وخبره الظرف هو (الله)، متعلق بمحذوف، أي: الحمد ثابت أو مستقر لله" (١)، وهو اجود القراءات، لما فيه من التعميم والدلالة على ثبات المعنى واستقراره. والثانية: ﴿الْحَمْدِ لِلَّهِ﴾، قرأ بها الحسن البصري وابن عبلة، وزيد بن علي، وهي قراءة شاذة. والثالثة: ﴿الْحَمْدُ لُله﴾. مضمومة الدال واللام، قرأ بها بعض أهل البادية. قال ابن جني: " وكلاهما شاذ [أي: القراءة الثانية والثالثة] في القياس والاستعمال؛ إلا أن من وراء ذلك ما أذكره لك؛ وهو أن هذا اللفظ كثر في كلامهم، وشاع استعماله، وهم لِمَا كثر من استعمالهم أشد تغييرًا، كما جاء عنهم لذلك: لم يَكُ، ولا أَدْرِ، ولم أُبَلْ، وأَيْشٍ تقول، وجا يجي، وسا يسو، بحذف همزتيهما، فلما اطرد هذا ونحوه لكثرة استعماله أَتبعوا أحد الصوتين الآخر، وشبهوهما بالجزء الواحد وإن كانا جملة من مبتدأ وخبر؛ فصارت "الْحَمْدُ لُله" كعُنُق وطُنُب، و"الْحَمْدِ لِله" كإِبِل وإِطِل" (٢). وفي ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، ثلاثة قراءات متواترة (٣): إحداها: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، : قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي. فـ (رب العالمين) أي مالكهم، وكل من ملك شيئا فهو ربه، فالرب: المالك (٤)، وجرّ على النعت لله أو على البدل (٥). والثانية: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، وهي قراءة الكسائي. ومن نصب (رب العالمين) فإنما ينصبه لى المدح والثناء، كأنه لما قال: (الحمد لله) استدل بهذا اللفظ على أنه ذاكر لله فكأنما قال: (أذكر رب العالمين)، فعلى هذا لو قراء في غير القرآن (رب العالمين) مرفوعا على المدح أيضا لكان جائزا على معنى (هور رب العالمين) (٦)، وقيل النصب -هنا- على النداء، ذكره الكسائي: أي الحمد لله رباً وإلهاً (٧). والثالثة: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: قرأ بها أبو جعفر. والرفع على: (هو ربّ العالمين) (٨). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إثبات الحمد الكامل لله ، وذلك من "أل" في قوله تعالى: ﴿الحمد﴾؛ لأنها دالة على الاستغراق.

стр. 221

٢ - ومنها: أن الله تعالى مستحق مختص بالحمد الكامل من جميع الوجوه؛ ولهذا كان النبي ﷺ إذا أصابه ما يسره قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات"؛ وإذا أصابه خلاف ذلك قال: "الحمد لله على كل حال" (١). ٣ - ومنها: تقديم وصف الله بالألوهية على وصفه بالربوبية؛ وهذا إما لأن "الله" هو الاسم العَلَم الخاص به، والذي تتبعه جميع الأسماء؛ وإما لأن الذين جاءتهم الرسل ينكرون الألوهية فقط .. ٤ - ومنها: عموم ربوبية الله تعالى لجميع العالم؛ لقوله تعالى: ﴿العالمين﴾. القرآن ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٣] التفسير: الرَّحْمَنِ الذي وسعت رحمته جميع الخلق، الرَّحِيمِ، بالمؤمنين، وهما اسمان من أسماء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، " أي: ذو الرحمة الواسعة، والموصل للرحمة من يشاء من عباده" (٢). قال مقاتل: " اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر الرحمن يعني المترحم، الرحيم يعني المتعطف بالرحمة" (٣). قال المراغي: أي: " المفيض للنعم المحسن على عباده بلا حصر ولا نهاية" (٤). قال العز بن عبدالسلام: أي: " الراحم، أو الرحمن أبلغ" (٥). قال الشنقيطي (٦): "هما وصفان لله - تعالى - واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشدُّ مبالغة من الرحيم، لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة، وعلى هذا أكثر العلماء" (٧). قال أبو السعود: " صفتان لله فإن أريد بما فيهما من الرحمة ما يختص بالعقلاء من العالمين أو ما يفيض على الكل بعد الخروج إلى طور الوجود من النعم فوجه تأخيرهما عن وصف الربوبية ظاهر وإن أريد ما يعم الكل في الأطوار كلها حسبما في قوله تعالى ورحمتى وسعت كل شاء فوجه الترتيب أن التربية لا تقتضي المقارنة للرحمة فإيرادهما في عقبها للإيذان بأنه تعالى متفضل فيها فاعل بقضية رحمته السابقة من غير وجوب عليه وبأنها واقعة

стр. 222

على أحسن ما يكون والاقتصار على نعته تعالى بهما في التسمية لما أنه الأنسب بحال المتبرك المستعين باسمه الجليل والأوفق لمقاصده" (١). قال السعدي: "اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها، واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها، الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات، فيؤمنون مثلاً بأنه رحمن رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها، أثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم، يعلم [به] كل شيء، قدير، ذو قدرة يقدر على كل شيء" (٢). قال الصابوني: " صفتان مشتقتان من الرحمة، أي الذي وسعت رحمته كل شيء، وعمَّ فضله جميع الأنام، بما أنعم على عباده من الخلق والرزق والهداية إلى سعادة الدارين، فهو الرب الجليل عظيم الرحمة دائم الإِحسان" (٣). قال ابن العثيمين: " ﴿الرَّحْمَنِ﴾: صفة للفظ الجلالة، و ﴿الرحيم﴾: صفة أخرى، والرحمن هو ذو الرحمة الواسعة، والرحيم هو ذو الرحمة الواصلة، فالرحمن وصفه، والرحيم فعلُه، ولو أنه جيء بـ"الرحمن" وحدَه، أو بـ"الرحيم" وحده، لشمل الوصف والفعل، لكن إذا اقترنا فسِّر (الرَّحْمَنِ) بالوصف، و (الرَّحِيم) بالفعل" (٤). قال ابن القيم (٥): ﴿"الرحمن﴾ فإن رحمته تمنعُ إهمالَ عباده، وعدم تعريفهم ما ينالون به غايةَ كمالِهم، فمن أعطى اسم "الرحمن" حقه عَرَف أنه متضمِّن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، أعظمَ من تضمنه إنزال الغيث، وإنبات الكلأ، وإخراج الحَب، فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظَّ البهائم والدواب، وأدرك منه أولو الألباب أمرًا وراء ذلك" (٦). قال الماتريدي: " اسمان مأخوذان من الرحمة، لكنه روى فيهما: «رقيقان أحدهما أرق من الآخر» (٧)، وكأن الذي روي عنه هذا أراد به: لطيفان أحدهما ألطف من الآخر، دليل ذلك وجهان:

стр. 223

أحدهما: مجيء الأثر في ذلك -اللطيف- في أسماء الله تعالى مع ما نطق به الكتاب، ولم يذكر في شيء من ذلك رقيق، ومعنى اللطيف: استخراج الأمور الخفية وظهورها له؛ كقوله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾، إلى قوله: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]. والثاني: أن اللطيف حرف يدل على البر والعطف، والرقة على رقة الشيء التي هي نقيض الغلظ والكثافة، كما يقال: فلان رقيق القلب. وقوله: أحدهما أرق من الآخر، بمعنى اللطف - يحتمل وجهين: أحدهما: التحقيق بأن اللطف بأحد الحرفين أخص وأليق، وأوفر وأكمل، فذلك رحمته بالمؤمنين أنه يقال: رحيم بالمؤمنين على تخصيصهم بالهداية لدينه؛ ولذا ذكر أمته وإن أشركهم في الرزق فيما يراهم غيرهم؛ ألا ترى أنه لا يقال: رحمن بالمؤمنين، وجائز القول: رحيم بهم، وكذلك لا يقال: رحيم بالكافرين، مطلقا؟ ! . ووجه آخر: أن أحدهما ألطف من الآخر؛ كأنه وصف الغاية في اللطف حتى يتعذر وجه إدراك ما في كل واحد منهما من اللطف، أو يوصف بقطع الغاية عما يتضمنه كل حرف" (١). قال القرطبي: "إنما وصف نفسه بـ ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] بعد قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب، كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] " (٢). وقال ابن عرفة: "قدم أولا الوصف بـ ﴿رَبّ العَالمِينَ﴾، تنبيها على أصل النشأة، وأنه هو الخالق المبدئ، ثم ثنى بحال الإنسان في الدّنيا من النعم والإحسان، فلولا رحمة الله تعالى لما كان ذلك" (٣). وفي اشتقاق ﴿الرحمن﴾، قولان (٤): أحدهما: أنه اسم عبراني معرب، وليس بعربي، كالفسطاط رومي معرب، والإستبرق فارسي معرب، لأن قريشاً وهم فَطَنَةُ العرب وفُصَحَاؤهم، لم يعرفوهُ حتى ذكر لهم، وقالوا ما حكاه الله تعالى عنهم: ﴿. . . وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ [الفرقان: ٦٠]، وهذا قول ثعلب (٥)، واستشهد بقول جرير (٦) (٧): أو تتركون إلى القسّين هجرتكم ... ومسحكم صلبهم رحمن قربانا

стр. 224

قال: ولذلك جمع بين الرحمن والرحيم، ليزول الالتباس، فعلى هذا يكون الأصل فيه تقديم الرحيم على الرحمن لعربيته، لكن قدَّم الرحمن لمبالغته. وحكي عن ثعلب أنه قال: "إن جمهور العرب كانوا لا يعرفون "الرحمن" في الجاهلية، الدليل على هذا أنهم لما سمعوا النبي ﷺ يذكره قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رجلًا باليمامة (١)، وذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] وإنما يذكر بعض الشعراء الرحمن في الجاهلية، إذ لقنه من أهل الكتاب، أو أخذه عن بعض من قرأ الكتب كأمية بن أبي الصلت (٢)، وزيد بن عمرو (٣)، وورقة بن نوفل (٤)، ولا تجعل هذا حجة على ما عليه أكثرهم" (٥). وأنكر ذلك الطبري فقال: "وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف (الرحمن) ولم يكن ذلك في لغتها " (٦). ثم أنشد لبعض الجاهلية (٧): أَلا ضربَتْ تلكَ الفتاةُ هَجِينَهَا ... أَلا قَضَبَ الرحْمَنُ رَبِّي يَمِينَهَا وقال سلامة بن جَندلٍ السَّعْدي (٨):

стр. 225

عَجِلْتُمْ عَلَيْنَا عَجْلَتَيْنَا عَلَيْكُمُ ... وَمَا يَشَإ الرحْمَنُ يَعْقِدْ وَيُطْلِقِ وقال الواحدي: " ومراد أبي العباس (١) أن الرحمن يتكلم به بالعبرانية، وتتكلم به العرب، فلما لم يخلص في كلامهم، ولم ينفردوا به دون غيرهم، أتى بعده بالرحيم الذي لا يكون إلى عربيا، ولا يلتبس بلغة غيرهم" (٢) القول الثاني: أن (الرحمن) اسم عربي كالرحيم لامتزاج حروفهما، وقد ظهر ذلك في كلام العرب، وجاءت به أشعارهم، قال الشنفري (٣): أَلا ضَرَبَتْ تِلْكَ الْفَتَاةُ هَجِينَهَا ... أَلا ضَرَبَ الرًّحْمنُ رَبِّي يَمِينَهَا والراجح-والله أعلم-: "أنه مشتق من الرحمة، وأنه اسم عربي لوجود هذا البناء في كلامهم، كاللهفان والندمان والغضبان" (٤). قال الليث: " ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان، اشتقاقهما من (الرحمة) " (٥). وقال أبو عبيدة: "هما صفتان لله تعالى، معناهما ذو الرحمة" (٦). قال الواحدي: " وأما ما احتج به أبو العباس من قوله: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] فهو سؤال عن الصفة، ولذلك قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، ولم يقولوا: ومن، والقوم جهلوا صفته، والاسم كان معلوما لهم في الجملة، وقيل: هذا على جهة ترك التعظيم منهم" (٧). وقال ابن عطية: "وإنما وقفت العرب على تعيين الإله الذي أمروا بالسجود له، لا على نفس اللفظة" (٨). قال الماوردي: " فإذا كانا اسمين عربيين فهما مشتقان من (الرحمة)، والرحمة هي النعمة على المحتاج، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، يعني نعمةً عليهم، وإنما سميت النعمةُ رحمةً لحدوثها عن الرحمة، والرحمن أشدُّ مبالغةً من الرحيم، لأن الرحمن يتعدى لفظه ومعناه، والرحيم لا يتعدى لفظه، وإنما يتعدى معناه، ولذلك سمي قوم بالرحيم، ولم يتَسَمَّ أحدٌ بالرحمن، وكانت الجاهليةُ تُسمِّي اللهَ تعالى به وعليه بيت الشنفرى، ثم إن مسيلمة الكذاب تسمَّى بالرحمن، واقتطعه من أسماء الله تعالى، قال عطاء: فلذلك قرنه الله تعالى بالرحيم، لأن أحداً لم يتسمَّ بالرحمن الرحيم ليفصل اسمه عن اسم غيره،

стр. 226

فيكون الفرق في المبالغة، وفرَّق أبو عبيدة بينهما، فقال بأن الرحمن ذو الرحمة، والرحيم الراحم" (١). واختلفوا في اشتقاق (الرحمن والرحيم)، على قولين (٢): أحدهما: أنهما مشتقان من رحمة واحدةٍ، جُعِل لفظ الرحمن أشدَّ مبالغة من الرحيم. قال وكيع: " (الرحيم) أشد مبالغة؛ لأنه ينبئ عن رحمته في الدنيا والآخرة ورحمة الرحمانية في الدنيا دون الآخرة" (٣). وقالوا: إنهما بمعنى واحد كندمان ونديم، ولهفان ولهيف، وجيء بهما للتأكيد والإشباع، كقولهم: جادٌّ ومُجِدُّ، وقول طَرْفَه (٤) (٥): مَالِي أَرَانِي وابْنَ عَمِّي مَالِكًا ... مَتَى أَدْنُ مِنْه يَنْأَ مِنِّي وَيَبْعُدِ وقول عدي (٦) (٧): وَقدَّدَت الأَدِيَم لِرَاهِشيْه ... وأَلْفى قَولَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا في أمثال لهذا، وروي عن ابن عباس أنه قال: " الرحمن الرحيم، اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر" (٨).

стр. 227

قال الحسين بن الفضل: "غلط الراوي؛ لأن الرقة في صفة الباري لا تصح. وإنما هما أسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر" (١). قال الواحدي: "يدل على هذا ما روي في الخبر: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف" (٢)، وسمعت من يقول: معنى قول ابن عباس (اسمان رقيقان) أي يدلان فينا على الرقة" (٣). وقد أخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن صفوان التميمي في قوله: " ﴿الرحمن الرحيم﴾، قال: هما رقيقان أحدهما أرق من الآخر" (٤). والقول الثاني: أنهما مشتقان من رحمتين، والرحمة التي اشتق منها الرحمن، غير الرحمة التي اشتق منها الرحيم، ليصح امتياز الاسمين، وتغاير الصفتين، ومن قال بهذا القول اختلفوا في الرحمتين على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الرحمن مشتق من رحمة الله لجميع خلقه، والرحيم مشتق من رحمة الله لأهل طاعته. قال الضحاك: " الرحمن بجميع خلقه، والرحيم بالمؤمنين خاصة" (٥). والقول الثاني: أن الرحمن مشتق من رحمة الله تعالى لأهل الدنيا والآخرة، والرحيم مشتق من رحمتِهِ لأهل الدنيا دُون الآخرة. والقول الثالث: أن الرحمن مشتق من الرحمة التي يختص الله تعالى بها دون عباده، والرحيم مشتق من الرحمة التي يوجد في العباد مثلُها. وقد اخرج ابن أبي حاتم عن الحسن: " الرحمن: اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه" (٦). قال الشيخ ابن عثيمين: وذكر هذين الاسمين الكريمين في البسملة التي تتقدم فعل العبد وقوله، إشارة إلى أن الله إذا لم يرحمك فلن تستفيد لا من هذا الفعل ولا من هذا القول، ولهذا قال النبي ﷺ : " لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، ثلاثة أوجه للقراءة (٨): أحدها: ﴿الرَّحْمَن ِ الرَّحِيمِ﴾، قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمر، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي.

стр. 228

وبالخفض صفات مدح، فالخفض على النعت، وقيل في الخفض إنه بدل أو عطف بيان (١). والثاني: رالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قرأ بها عيسى وابن عمرو. والثالث: ﴿الرَّحِيمِ مَّالك﴾، قرأ بها السوسي، وأبو عمرو، ويعقوب، المطوعي، وابن محيصن، الحسن، اليزيدي. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إثبات هذين الاسمين الكريمين. ﴿الرحمن الرحيم﴾ لله ؛ وإثبات ما تضمناه من الرحمة التي هي الوصف، ومن الرحمة التي هي الفعل .. ٢ - ومنها: أن ربوبية الله مبنية على الرحمة الواسعة للخلق الواصلة؛ لأنه تعالى لما قال: ﴿رب العالمين﴾ كأن سائلاً يسأل: "ما نوع هذه الربوبية؟ هل هي ربوبية أخذ، وانتقام؛ أو ربوبية رحمة، وإنعام؟ " قال تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد" (٢) ". القرآن ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] التفسير: وهو سبحانه وحده مالك يوم القيامة، وهو يوم الجزاء على الأعمال. وفي قراءة المسلم لهذه الآية في كل ركعة من صلواته تذكير له باليوم الآخر، وحثٌّ له على الاستعداد بالعمل الصالح، والكف عن المعاصي والسيئات. قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، "أي: هو سبحانه المالك للجزاء والحساب، المتصرف في يوم الدين تصرّف المالك في ملكه" (٣). قال التستري: " أي: يوم الحساب" (٤). قال ابن عباس: " يقول: لا يملك أحدٌ في ذلك اليوم معهُ حكمًا كمِلْكِهم في الدنيا" (٥). قال مقاتل: "يعنى: مالك يوم الحساب كقوله- سبحانه- ﴿إِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣]، يعني لمحاسبون وذلك أن ملوك الدُّنْيَا يملكون فِي الدُّنْيَا فأخبر- سُبْحَانَهُ- أَنَّهُ لا يَمْلك يوم الْقِيَامَة أحد غيره فذلك قوله- تعالى-: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] " (٦). و(المالك) في اللغة: " (الفاعل) من الملك، يقال: ملك فلان الشيء يملِكُه مُلكا ومِلكا ومَلْكا ومَلَكة، ومَمْلَكة ومَمْلَكة، ويقال: إنه لحسن الملْكَة والمِلْك، وأصل المُلك والمِلك راجع إلى معنى

стр. 229

واحد، وهو الربط والشد، فمالك الشيء من ربطه لنفسه وملكه ما يختص به، وشد بعقد يخرج به عن أن يكون مباحا لغيره، وملك القوم من غلبهم وربط أمرهم" (١). ومن هذا يقال: ملكت العجين أي شددت عجنه، قال أوس بن حجر (٢) (٣): فملك بالليط الذي تحت قشرها ... كغِرْقيء بَيضٍ كنه القَيضُ من عَلِ قوله: ملك: أي: شدد. ومنه قول قيس بن الخطيم (٤) (٥): ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من خلفها ما وراءها أي: شددت بالطعنة كفي. ويقال: ما تمالك فلان أن فعل كذا، أي لم يستطع أن يضبط نفسه. قال الشاعر (٦): فلا تمالك (٧) عن أرض لها عمدوا وملاك الأمر: ما يضبط به الأمر، يقال: القلب ملاك الجسد (٨). وأبو مالك: كنية الكبر والسن، كني به لأنه يغلب الإنسان ويشده عما يريد، فلا ينبسط انبساط الشاب (٩)، قال الشاعر (١٠): أبا مالك إن الغواني هجرنني ... أبا مالك إني أظنك دائبا

стр. 230

ويقال للرجل إذا تزوج: ملك فلان، يملك ملكا؛ لأنه شد عقد النكاح. وأملك إملاكا إذا زوج (١). و﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾: أي يوم الحساب، قال ابن عباس: " الدين يوم حساب الخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرا فخير، وإن شر شرا إلا من عفا عنه" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ [البقرة: ٤]، تأويلان: أحدهما: أنه يوم الجزاء. يعني: يوم يدين الله العباد بأعمالهم. وهذا قول الضحاك (٣)، وقتادة (٤)، وحمبد الأعرج (٥). دليله قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣]، أي "مجرّبون" (٦). والثاني: أنه الحساب. ومعنى الآية: قاضي يوم الحساب، وهذا قول ابن عباس (٧)، والسدي (٨)، ومقاتل (٩)، وابن جريج (١٠)، واختاره أبو عبيد (١١). ودليهم: قوله تعالى: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦]، أي: "الحساب المستقيم" (١٢). ومنه قوله ﷺ : "الكيس من دان نفسه " (١٣). أي حاسبها (١٤). قال أبو عبيدة: " ﴿الدِّينِ﴾ الحساب والجزاء، يقال فى المثل: «كما تدين تدان» (١٥) " (١٦). قال الطبري: ": والدين في هذا الموضع، بتأويل الحساب والمجازاة بالأعمال، كما قال كعب بن جُعَيْل (١٧): إِذَا مَا رَمَوْنَا رَمَيْنَاهُم ... ودِنَّاهُمُ مِثْلَ ما يُقْرِضُونَا وكما قال الآخر (١٨):

стр. 231

وَاعْلَمْ وأَيْقِنْ أنَّ مُلْككَ زائلٌ ... واعلمْ بأَنَّكَ مَا تدِينُ تُدَانُ يعني: ما تَجْزِي تُجازى. ومن ذلك قول الله جل ثناؤه ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ - يعني: بالجزاء - ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [سورة الانفطار: ٩، ١٠] يُحصون ما تعملون من الأعمال، وقوله تعالى ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [سورة الواقعة: ٨٦]، يعني غير مجزيِّين بأعمالكم ولا مُحاسَبين" (١). وفي أصل (الدين) في اللغة، قولان (٢): أحدهما: العادة، ومنه قول المثقَّب العَبْدِي (٣): تَقُولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي ... أَهذَا دِينُهُ أَبَداً وَدينِي أي عادته وعادتي. والثاني: أنَّ أصل الدين الطاعة، ومنه قول زهير بن أبي سُلمى (٤): لَئِن حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أَسَدٍ ... في دِينِ عَمْرٍو وَمَالتْ بَيْنَنَا فَدَكُ أي في طاعة عمرو. وفي هذا اليوم قولان (٥): أحدهما: أنه يوم، ابتداؤه طلوع الفجر، وانتهاؤه غروب الشمس. والثاني: أنه ضياء، يستديم إلى أن يحاسب الله تعالى جميع خلقه، فيستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وفي اختصاصه بملك يوم الدين تأويلان (٦): أحدهما: أنه يوم ليس فيه ملك سواه، فكان أعظم من مُلك الدنيا التي تملكها الملوك، وهذا قوله الأصم (٧).

стр. 232

والثاني: أنه لما قال ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يريد به ملك الدنيا، قال بعده: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يريد به ملك الآخرة، ليجمع بين ملك الدنيا والآخرة. قال الواحدي: " وخص هذا اليوم بأنه مالكه، تعظيما لشأنه وتهويلا لأمره، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١] وهو خبير سائر الأيام. وللدين معان كثيرة في اللغة، وكل موضع انتهينا إليه من القرآن ذكرنا ما فيه" (١). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن أبي هريرة، عن النبي- ﷺ قال: "قال الله تعالى: كتبت الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال العبد: مالك يوم الدين قال: فوض عبدي وأثنى علي" (٢). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، على ثلاثة قراءات متواترة (٣): القراءة الأولى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، بألف، قرأ بها عاصم والكسائي، ويعقوب. وحجتهم (٤): أولا: أن الملك داخل تحت المالك. والدّليل له: قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ولم يقل: ملك الملك. والثاني: ويعضده قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] (٥). والثالث: أن ﴿مالك﴾ أمدح من ﴿ملك﴾، لأنه يجمع الاسم والفعل. والرابع: ومما يقوي هذِه القراءة من التنزيل قوله ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] فقولك: الأمر له، وهو مالك الأمر بمعنى، ألا ترى أن لام الجر معناها الملك (٦). وأكثر أهل اللغة اختاروا (مالك)، منهم: "أبو عبيدة، وأبو حاتم (٧)، والأصمعي، والأخفش، وأبو العباس (٨) " (٩). وقالوا: إنه أجمع وأوسع، لأنه يقال: مالك الطير والدواب والوحوش وكل شيء، ولا يقال: ملك كل شيء، إنما يقال: ملك الناس، قالوا: ولا يكون مالك الشيء إلا وهو يملكه، وقد

стр. 233

يكون ملك الشيء وهو لا يملكه كقولهم: (ملك العرب والعجم)، ولأنه يجمع الفعل والاسم (١)، ولأن معنى الآية أنه يملك الحكم يوم الدين بين خلقه دون غيره، فالوصف يكون مالكا (٢). القراءة الثانية: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، بغير ألف. قرأ بها الباقون. وحجتهم (٣): أولا: قوله تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢]، وقوله: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣، والجمعة: ١]، وقوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ﴾ [طه: ١١٤، والمؤمنون: ١١٦]. والثاني: أن (الملك) أخص من (المالك) وأمدح؛ لأنه قد يكون المالك غير ملك، ولا يكون الملك إلا مالكا. قال أبوبكر البغدادي: "قال أبو حمدون عن اليزيدي عن أبي عمرو: " ﴿ملك﴾ يجمع مالكا، و ﴿مالك﴾ لا يجمع ملكا" (٤). والثالث: أن قوله ﴿مالك يوم الدين﴾، إنما هو ذلك اليوم بعينه، في حين أن ﴿ملك يوم الدين﴾، ملك ذلك اليوم بما فيه. وتفسير الآية على هذا الوجه من القراءة: أن "لله المُلْك يوم الدين خالصًا دون جميع خلقه، الذين كانوا قبل ذلك في الدنيا ملوكًا جبابرة ينازعونه الملك، ويدافعونه الانفرادَ بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية، فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصَّغَرة الأذِلّة، وأنّ له - من دُونهم، ودون غيرهم - المُلك والكبرياء، والعزة والبهاء، كما قال جلّ ذكره وتقدست أسماؤه في تنزيله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [سورة غافر: ١٦]. فأخبر تعالى ذكره أنه المنفرد يومئذ بالمُلك دون ملوك الدنيا، الذين صارُوا يوم الدّين منْ مُلكهم إلى ذِلّة وصَغار، ومن دُنياهم في المعاد إلى خسار" (٥). واختار البيضاوي القراءة الثانية، حيث قال: " وهو المختار، لأنه قراءة أهل الحرمين ولقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، ولما فيه من التعظيم، والمالك هو المتصرف في الأعيان المملوكة كيف يشاء من الملك، والملك هو المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين من الملك" (٦). قال الواحدي: " (الملك) أشمل وأتم؛ لأنه قد يكون مالك ولا ملك له، ولا يكون مَلِك إلى وله مُلك، ولأنه لا يقال: مالك على الإطلاق، حتى يضاف إلى شيء، ويقال: ملك على الإطلاق" (٧). كما وقد اختار الإمام الطبري القراءة الثانية، إذ يقول: وأولى التأويلين بالآية قراءةُ من قرأ ﴿مَلِكِ﴾ بمعنى (المُلك)، لأن في الإقرار له بالانفراد بالمُلك، إيجابًا لانفراده بالمِلْك، وفضيلة

стр. 234

زيادة المِلك على المالك، إذْ كان معلومًا أن لا مَلِك إلا وهو مالكٌ، وقد يكون المالكُ لا ملكًا " (١). ثم ذكر الطبري بأن الله نبه على أنه مالكهم بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فحمل قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ على وصف زائد أحسن (٢). ومن نصر القراءة الأولى، أجاب ابن جرير الطبري بأن قال: ما ذكرت لا يرجح قراءة ملك؛ لأن في التنزيل أشياء على هذِه الصورة قد تقدمها العام وذكر بعده الخاص، كقوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق: ١ - ٢]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، ثم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]. في أمثال كثيرة لهذا (٣). قال ابن كثير: قرأ بعض القراء (ملك يوم الدين) وقرأ آخرون (مالك) وكلاهما صحيح متواتر في السبع، ويقال (ملك) بكسر اللام وبإسكانها، ويقال: (مليك) أيضا، وأشبع نافع كسرة الكاف فقرأ (ملكي يوم الدين)، وقد رجح كلا من القراءتين مرجحون من حيث المعنى وكلتاهما صحيحة وحسنة (٤). قال ابن عثيمين: " وفي الجمع بين القراءتين فائدة عظيمة؛ وهي أن ملكه جلّ وعلا ملك حقيقي؛ لأن مِن الخلق مَن يكون ملكاً، ولكن ليس بمالك: يسمى ملكاً اسماً وليس له من التدبير شيء؛ ومِن الناس مَن يكون مالكاً، ولا يكون ملكاً: كعامة الناس؛ ولكن الرب مالكٌ ملِك" (٥). قلت: ولا وجه لتفضيل قراءة على أخرى -كما فعل بعض المفسرين-؛ إذ لا يظهر وجه للتفضيل هنا، وكل قراءة تدل على معنى جميل في ذاته. والله أعلم. القراءة الثالثة: ﴿مَلِكَ﴾، على وزن ﴿فَعِلَ﴾، قرأ بها ابن كثير، أبو عمرو. وفي الآية قراءات شاذة، وهي (٦): ١ - (مَلْكِ) على وزن (فَعْلِ)، قرأ بها عاصم الجحدي، وأبو عمرو. ٢ - (مَلِكِي) بإشباع (الكاف)، وهي قراءة أحمد بن صالح عن ورش عن نافع. ٣ - (مَلَكَ يومَ) بصيغة فعل الماض، قرأ بها عاصم بن ميمون الجحدي، والحسن، وعلي بن أبي طالب. ٤ - (مالكَ): قرأ بها المطوعي، والأعمش. ٥ - (مَلُكَ) على وزن (فَعُلَ): قرأ بها عاصم الجحدي، ورواها الجعفي وعبدالوارث عن أبي عمرو. ٦ - (ملكاً): روى ابن أبي عاصم عن اليمان. ٧ - (مالكٌ يومَ): قرأ بها خلف ابن هشام. ٨ - (مليكِ) على وزن (فعيلِ): وهي قراءة أبي بن كعب

стр. 235

٩ - (مالك) بالإمالة بين بين، وهي قراءة قتيبة بن مهران عن الكسائي. ١٠ - وقرئ: ﴿مالكا﴾، بالنصب على المدح أو الحال. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إثبات ملك الله ، وملكوته يوم الدين؛ لأن في ذلك اليوم تتلاشى جميع الملكيات، والملوك. فإن قال قائل: أليس مالك يوم الدين، والدنيا؟ فالجواب: بلى؛ لكن ظهور ملكوته، وملكه، وسلطانه، إنما يكون في ذلك اليوم؛ لأن الله تعالى ينادي: ﴿لمن الملك اليوم﴾ [غافر: ١٦] فلا يجيب أحد؛ فيقول تعالى: ﴿لله الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦]؛ في الدنيا يظهر ملوك؛ بل يظهر ملوك يعتقد شعوبهم أنه لا مالك إلا هم؛ فالشيوعيون مثلاً لا يرون أن هناك رباً للسموات، والأرض؛ يرون أن الحياة: أرحام تدفع، وأرض تبلع؛ وأن ربهم هو رئيسهم .. ٢ - ومن فوائد الآية: إثبات البعث، والجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾. ٣ - ومنها: حث الإنسان على أن يعمل لذلك اليوم الذي يُدان فيه العاملون. القرآن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] التفسير: إنا نخصك وحدك بالعبادة، ونستعين بك وحدك في جميع أمورنا، فالأمر كله بيدك، لا يملك منه أحد مثقال ذرة. وفي هذه الآية دليل على أن العبد لا يجوز له أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة كالدعاء والاستغاثة والذبح والطواف إلا لله وحده، وفيها شفاء القلوب من داء التعلق بغير الله، ومن أمراض الرياء والعجب، والكبرياء. قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، "أي: نخصَّك يا ألله بالعبادة" (١). قال ابن عباس: " إياكَ نُوحِّد ونخاف ونرجو يا ربَّنا لا غيرك " (٢). قال قتادة: يأمركم أن تخلصوا له العبادة، وأن تستعينوه على أمركم" (٣). قال مقاتل: " يعني: نوحّد، كقوله- سُبْحَانَهُ- فِي المفصل: ﴿عابِداتٍ﴾ [التحريم: ٣]، يعني: موحدات" (٤). قال الطبري: أي: " لك اللهم نَخشعُ ونَذِلُّ ونستكينُ، إقرارًا لك يا رَبنا بالرُّبوبية لا لغيرك" (٥). قال ابن عطية: " معناه نقيم الشرع والأوامر مع تذلل واستكانة" (٦). قال الصابوني: أي: " فلا نعبد أحداً سواك، لك وحدك نذلُّ ونخضع ونستكين ونخشع" (٧).

стр. 236

قال البيضاوي (١) والزمخشري (٢): أي: " نخصك بالعبادة". قال ابن كثير: " أي: لا نعبد إلا إياك، وقدم المفعول وهو ﴿إياك﴾، وكرر؛ للاهتمام والحصر، وإنما قدم: ﴿إياك نعبد﴾ على ﴿وإياك نستعين﴾ لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم هو أن يقدم ما هو الأهم فالأهم" (٣). قال الثعلبي: " أي: نوحد ونخلص ونطيع ونخضع، والعبادة رياضة النفس على حمل المشاق في الطاعة" (٤). قال التستري: " أي نخضع ونذل ونعترف بربوبيتك ونوحدك ونخدمك، ومنه اشتق اسم العبد" (٥). قال الخطيب المكي: أي: " نفردك وحدك بالدعاء الذي هو مخ العبادة فلا ندعو غيرك ولا نؤمل في سواك لاعتقادنا الجازم بأنه ليس غيرك من يسمع النداء ويجيب الدعاء، أو يحقق الرغبات ويستحق العبادة. فأنت أنت الفعال لما تريد، المؤثر في كل شيء، المقصود قبل كل أحد، المعطي المانع لا شرك لك" (٦). وفي: ﴿إِيَّاكَ﴾ [الفاتحة: ٥]، قولان (٧): أحدهما: أنها اسم الله تعالى مضاف إلى الكاف، وهذا قول الخليل (٨)، وأبي عثمان المازني (٩) (١٠). قال سيبويه: "حدثني من لا أتهم عن الخليل: أنه سمع أعرابيا يقول: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب" (١١). وحكى سيبويه أيضا عن الخليل أنه قال: "لو أن قائلا قال: إياك نفسك لم أُعَنَّفْه (١٢)، لأنَّ هذه الكاف مجرورة" (١٣). واعترض ابن جني قائلا: " أما قول الخليل إن إيا اسم مضمر مضاف، فظاهر الفساد، وذلك أنه إذا ثبت أنه مضمر، فلا سبيل إلى إضافته على وجه من الوجوه، لأن الغرض في

стр. 237

الإضافة إنما هو التعريف والتخصيص، والمضمر على نهاية الاختصاص، فلا حاجة به إلى الإضافة" (١). والثاني: أنها كلمة واحدة كُنِّيَ بها عن اسم الله تعالى، وليس فيها إضافة لأن المضمر لا يضاف، وهذا قول الأخفش (٢)، وحكاه ابن كيسان عن بعض النحويين (٣)، واختاره ابن جني (٤). قال الزمخشري: " وهو مذهب الأخفش وعليه المحققون، وأما ما حكاه الخليل عن بعض العرب: «إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب» فشيء شاذ لا يعوّل عليه" (٥). قال الراغب الأصفهاني: " والقولان لا تنافي بينهما في الحقيقة، لأن ذلك بنظرين مختلفين، وذاك أن الضمير المتصل إذا قدم أو فصل بينه وبين المتصل به لا يحسن النطق به مفرداً، فضم إليه: " إيا " ليصير بذلك كلاماً مستقلاً، فمن قال: الضمير هو الكاف، فإنما اعتبر بذلك بعد انضمام " إيا " إلى الضمير، والعرب كما أنهم يتحرون بالحروف المركبة إفادة المعنى، فقد يأتون ببعضها تهذيباً للفظ وتحسيناً له، بدلالة إدخالهم الحروف بين الحرفين المتنافرين في التركيب، لئلا يقبح التفوه بهما" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ثلاثة تأويلات (٧): أحدها: أن العبادة الخضوع، ولا يستحقها إلا الله تعالى، لأنها أعلى مراتب الخضوع، فلا يستحقها إلا المنعم بأعظم النعم، كالحياة والعقل والسمع والبصر. والثاني: أن العبادة الطاعة. والثالث: أنها التقرب بالطاعة. قال الماوردي: " والأول أظهرها، لأن النصارى عبدت عيسى ﵇، ولم تطعه بالعبادة، والنبي- ﷺ مطاع، وليس بمعبودٍ بالطاعة" (٨). قال الراغب: " إن قيل: كيف قال: " إياك " نعبد ولو قال: " نعبدك " كان أوجز منه لفظاً؟ قيل: إن عادتهم أن يقدموا من الفاعل والمفعول ما القصد الأول إليه، والاهتمام متوجه نحوه، وإن كان في ذكر الجملة القصدان جميعاً. تقول: بالأمير استخف الجند - إذا كان القصد الأول ذكر من وقع به استخفاف الجند - و " الأمير أستخف بالجند - إذا كان القصد الأول إلى من أقدم على الاستخفاف بهم. ولما كان القصد الأول - في هذا الموضع - ذكر المعبود دون الإخبار عن إتخاذ عبادتهم، كان تقديم ذكره أولى.

стр. 238

وعلى هذا قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ وأيضاً، ففي ذكر المفعول إشارة إلى إثبات الحكم المذكور ونفيه عن غيره تقول: إليك أفزع تنبيهاً أني لا أفزع إلا إليك. وإذا قال: أفزع إليك، فليس فيه المعنى وعلى هذا فسر ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما فقال: معناه: لا نوجد غيرك وقال بعضهم: إنما نبه تعالى بتقديم ذكر أن تكون نظر العباد من المعبود إلى عبادتهم له لا من العبادة إلى المعبود، وعلى ذلك فضل ما حكي الله عن نبينا ﵇ إذ قال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فنظر من الله تعالى إلى نفسه على ما حكى عن موسى ﵇ حين قال: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ فقدم ذكر نفسه، ونظر منها إلى ربه" (١). والعبادة لغة: "التذلل .. وبعير معبد: مذلل. وطريق معبد: مسلوك مذلل (٢). قال الزجاج: " معنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، يقال هذا طريق معبد إذا كان مذللا بكثرة الوطء، وبعير معبد، إذا كان مطليا بالقطران" (٣). قال ابن فارس: العين والباء والدال أصلان صحيحان. كأنهما متضادان، والأول من ذينك الأصلين يدل على لين وذل. والآخر على شدة وغلظ. فالأول: العبد المملوك .. والمعبد: الذلول .. والطريق المعبد المسلوك المذلل، والأصل الآخر: العبدة وهي القوة والصلاة يقال: هذا ثواب له عبدة، إذا كان صفيقاً قوياً (٤). قال الطبري: " وأنها تسمي الطريقَ المذلَّلَ الذي قد وَطِئته الأقدام، وذلّلته السابلة: معبَّدًا. ومن ذلك قولَ طَرَفَة بن العَبْد (٥): تُبَارِي عِتَاقًا نَاجياتٍ وأَتْبَعت ... وَظِيفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ مُعَبَّدِ يعني بالموْر: الطريق. وبالمعبَّد: المذلَّل الموطوء" (٦). والعبادة اصطلاحاً هو: " اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة" (٧) (٨).

стр. 239

قال المراغي: "العبادة: خضوع ينشأ عن استشعار القلب بعظمة المعبود اعتقادا بأن له سلطانا لا يدرك العقل حقيقته لأنه أعلى من أن يحيط به فكره، أو يرقى إليه إدراكه" (١). قال ابن كثير: "والعبادة في الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف" (٢). قال الواحدي: " معنى العبادة: الطاعة مع الخضوع والتذلل، وهو جنس من الخضوع، لا يستحقه إلى الله ، وهو خضوع ليس فوقه خضوع، وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده لمولاه" (٣). قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، "أي ونخصّك بطلب شيئاً الإعانة" (٤).

стр. 240

قال مقاتل: " عَلَى عبادتك" (١). قال ابن عباس: " على طاعتك وعلى أمورنا كلها" (٢). قال الثعلبي: أي: " نستوفي ونطلب المعونة على عبادتك وعلى أمورنا كلّها" (٣) قال الصابوني: أي: " وإيَّاك ربنا نستعين على طاعتك ومرضاتك، فإِنك المستحق لكل إِجلال وتعظيم، ولا يملك القدرة على عون أحدٌ سواك" (٤). قال ابن كثير: أي: " ولا نتوكل إلا عليك" (٥). قال الزمخشري: أي: " نخصك بطلب المعونة" (٦). قال ابن عطية: " معناه نطلب العون منك في جميع أمورنا، وهذا كله تبرؤ من الأصنام" (٧). قال الخطيب المكي: أي: " نفردك وحدك بالاستعانة فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا بما منحتنا من قوة الروح، وما أودعته إيانا من سائر القوى الخفية الكامنة في أجسامنا، ولولاك ما استطعنا تحمل المشاق ومكافحة الخطوب والأحداث، بل لم نذق لذة الحياة. ولذلك فإنا نفوض إليك كل أمورنا ونرجو عونك على بلوغ آمالنا ودفع الشر عنا بما لك من كامل العلم بما ينفعنا وما يرضيك عنا يا أكرم الأكرمين" (٨). وقيل: (الواو) في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، للحال والمعنى نعبدك مستعينين بك (٩). والأصل في ﴿نستعين﴾: "نستعون، لأنه إنما معناه من المعونة والعون، ولكن الواو قلبت ياء لثقل الكسرة فيها، ونقلت كسرتها إلى العين، وبقيت الياء ساكنة، لأن هذا من الإعلال الذي يتبع بعضه بعضا نحو أعان يعين وأقام يقيم" (١٠). وفي تكرار ﴿إياك﴾، قولان: أحدهما: أن التكرار لغرض التوكيد، والإهتمام، والإختصاص. قال أبو بكر: "وإنما كرر ﴿إياك﴾ للتوكيد، كما تقول: بين زيد وبين عمرو خصومة، فتعيد (بين) " (١١). قال الثعلبي: " وإنّما كرّر ﴿إِيَّاكَ﴾، ليكون أدلّ على الإخلاص والاختصاص والتأكيد لقول الله تعالى خبرا عن موسى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ [طه: ٣٣ - ٣٤]، ولم يقل: كي نسبحك ونذكرك كثيرا، وقال الشاعر (١٢):

стр. 241

وجَاعِل الشَّمس مِصْرًا لا خَفَاءَ بِه ... بَيْن النَّهارِ وَبيْنَ اللَّيل قد فَصَلا ولم يقل بين النهار والليل. وقال الآخر (١): بَيْنَ الأشَجِّ وبَيْنَ قَيْسٍ باذخٌ ... بَخْ بَخْ لوَالِدِهِ وللمَولُودِ " (٢). قال ابن عطية: : " وتكررت ﴿إِيَّاكَ﴾، بحسب اختلاف الفعلين، فاحتاج كل واحد منهما إلى تأكيد واهتمام" (٣). قال أبو حيان: " كرر ﴿إياك﴾ ليكون كل من العبادة والاستعانة سيقا في جملتين، وكل منهما مقصودة، وللتنصيص على طلب العون منه" (٤). قال أبو السعود: "تكرير الضمير المنصوب للتنصيص على تخصيصه تعالى بكل واحدة من العبادة والاستعانة" (٥). قال الراغب: " وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، لكان يصح أن يعتقد أن الاستعانة بغيره، وكان إعادته أبلغ" (٦). والثاني: أن الأفصح إعادة الضمير مع كل فعل اتصل به، فيقال: اللهم إنا نعبدك ونستعينك ونحمدك ونشكرك، وإن كان ترك الإعادة جائزا. وهذا قول الطبري (٧). والراجح أن الغرض من التكرار للتوكيد والتنصيص، والإهتمام، " لأن العرب إذا جمعت فعلين واقعين اكتفت بوقوع أحدهما من وقوع الآخر، فيقولون: قد أكرمتك وألطفت، قال الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]، أراد (وما قلاك) (٨) فاكتفى بوقوع الأول من وقوع الثاني" (٩). والله أعلم.

стр. 242

وفي تقديم العبادة على الاستعانة، في الآية أقوال (١): أحدها: أنه على التقديم والتأخير. والثاني: أن (الواو) لا تقتضي الترتيب. قال الراغب: والوجه - في ذلك - أن الله تعالى علم خلقه بذلك أن يقدموا حقه ثم يسألوه ليمونوا مستحقين للإجابة" (٢). والثالث: أن قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: في موضع الحال، أجازه الراغب (٣)، واستشهد بقول الشاعر (٤): بَأَيْدِيّ رِجَالٍ لَمْ يشُيِمُوا سُيُوفَهُمْ ... ولم يكْثُر الْقَتْلَى بِهَا حِينَ سُلَّتِ فقوله: ولم يكثر القتلى بها، في موضع الحال. والاستعانة لغة: مصدر استعان وهو من العون بمعنى المعاونة والمظاهرة على الشيء، يقال: فلان عوني أي معيني وقد أعنته، والاستعانة طلب العون، قال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، والعون: الظهير على الأمر، الواحد والاثنان والجمع والمؤنث فيه سواء. وقد حكي في تكسيره أعوان، والعرب تقول: إذا جاءت السنة جاء معها أعوانها، يعنون بالسنة: الجدب. وبالأعوان: الجراد والذئاب والأمراض، وتقول: أعنته إعانة واستعنته واستعنت به فأعانني وتعاونوا على واعتونوا: أعان بعضهم بعضا، وتعاونا: أعان بعضنا بعضا، والمعونة: الإعانة، ورجل معوان حسن المعونة، وكثير المعونة للناس وكل شيء أعانك فهو عون لك كالصوم عون على العبادة (٥). والاستعانة اصطلاحا: " طلب العون من الله والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه ". (٦). قال السعدي إن الاستعانة هي: " الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار مع الثقة به في تحصيل ذلك " (٧).

стр. 243

والاستعانة تجمع بين أصلين (١): أحدهما: الثقة بالله. والثاني: الإعتماد عليه. والتوكل أيضا يلتئم من هذين الأصلين، لذلك قد سوى ابن القيم بين التوكل والاستعانة وقال في تعريفهما: " التوكل والاستعانة، حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله تعالى، والإيمان بتفرده بالخلق، والتدبير والضرر والنفع، والعطاء والمنع، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وإن شاءه الناس فيوجب له هذا اعتمادا عليه (واستعانة به) وتفويضا إليه، وطمأنينة به، وثقة به، ويقينا بكتابته لما توكل عليه فيه واستعان به عليه، وأنه ملي به، ولا يكون إلا بمشيئته شاء الناس ذلك أم أبوه" (٢). وبعض أهل العلم مثل ابن القيم ﵀ يذكر أكثر من عشرة أوجه في وجه تقديم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ويمكن أن تراجع في كتابه مدارج السالكين. كما وأن "تحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى" (٣)، وهذا التفات، والالتفات لا شك أنه تفننٌ في الخطاب، وله من الدلالات البلاغية في كل مقامٍ ما يناسبه، وهو في الجملة لا شك أنه أدعى إلى تنشيط السامع، وهو أدلُّ على الفصاحة والبلاغة والقدرة على التفنن بالكلام، فهذا الالتفات تارةً يكون من الغائب إلى المخاطب مثل هنا، فهو يتحدث عن الله على سبيل الغيبة، الحمد لله هو رب العالمين، هو الرحمن الرحيم، ثم قال: إياك، فتوجه إلى المخاطب، وعلل ذلك هنا فقال: كأنه لما أثنى عليه اقترب منه فناسب أن يوجه الخطاب إليه، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) الفاتحة]، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ [(٢٢) يونس]، فالكلام للمخاطب، ثم قال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [(٢٢) يونس] حيث تحول عكس ما عليه الحال هنا، أي تحول الكلام من الخطاب إلى الغيبة، وعلى كل حال فالالتفات أنواع، والكلام عن هذا الموضوع يوجد في كتب البلاغة مفصلاً، ولهذا قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] "وفي هذا دليلٌ على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجمال صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك، ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر عليه، كما جاء في الصحيحين عن عبادة بن الصامت -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (٤) (٥).

стр. 244

قال ابن كثير في تفسير: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]: "والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله . وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩] ﴿رَبَّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا﴾ [المزمل: ٩]، وكذلك هذه الآية الكريمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ " (١). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال: الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (٢) ". واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، على أوجه (٣): أحدها: (إِيَّاكَ)، بتشديد (الياء)، قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي. قال القرطبيّ: "الجمهورُ من القُرّاءِ والعلماءِ على شدِّ الياء من (إياك) في الموضعين" (٤). فإن ﴿إيّاك﴾ منصوب بوقوع الفعل عليه، وهو (نعبد)، وتقديم المفعول لقصد الاختصاص والاهتمام به، والمعنى: نخصك بالعبادة، ونخصك بطلب المعونة (٥). والثاني: (إِيَاكَ): في الموضعين، بتخفيف (الياء)، قراءة شاذة، لعمرو بن فائد (٦) عن أبيّ. قال ابنُ كثير: "قرأَ السّبعةُ والجمهورُ بتشديد الياء من (إيّاك)، وقرأَ عَمرو بن فايد بتَخفيفها مع الكسر وهي قراءةٌ شاذّةٌ مردودةٌ؛ لأنّ (إيا) ضوءُ الشّمس" (٧).

стр. 245

قال القرطبيّ: " وقرأ عَمرو بنُ فائد: (إِيَاكَ) بكسر الهمزة وتَخفيف الياء، وذلك أنّه كَرِهَ تضعيفَ الياء لِثقَلِها وكونِ الكسرة قبلَها. وهذه قراءةٌ مَرغوبٌ عنه، فإن المعنى يصير: شمسك نعبد أو ضوءك، إياةُ الشمس -بكسر الهمزة-: ضوءها " (١). والثالث: (أَيَّاك) بفتح الهمزة وتشديد الياء، قرا بها الفضلُ الرّقاشيّ، وهي لغةٌ مشهورةٌ. والرابع: (هَيَّاكَ)، في الموضعين [بالهاء بدل الهمزة]، قرأ بها أبو السّوار الغنويّ، وهي لغة، قال الشّاعر (٢): فَهَيَّاكَ وَالأَمْرَ الَّذِي إِنْ تَرَاحَبَتْ ... مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلَيْكَ مَصَادِرُهُ نستنتج مما سبق بأن (إِيَاكَ)، بالتّخفيف تُفسِدُ المعنى. وعلى قولِ الشّافعيّ وجماعة إنْ قرأَها بدون تشديد بَطُلَتْ صلاتُهُ، وقالَ بعضُهم إن تعمّدَ فيُخشَى عليه الشِّركُ؛ لأنّ الإيا هو ضوءُ الشَّمس فيصيرُ معناها: نعبدُ ضوءَ شمسِكَ بدل نعبدُكَ. والعِياذُ باللَهِ. والخامس: (نَعْبُدُ)، قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي. والسادس: (يُعْبُدُ)، بالياء، مبنيا للمفعول، قرأ بها الحسن وأبو مجلز، وعلي بن داود (٣). قال أبو حيان: " وقراءة من قرأ إياك (يُعبد) بالياء مبنياً للمفعول مشكلة، لأن ﴿إياك﴾ ضمير نصب ولا ناصب له وتوجيهها إن فيها استعارة والتفاتاً، فالاستعارة إحلال الضمير المنصوب موضع الضمير المرفوع، فكأنه قال أنت، ثم التفت فأخبر عنه أخبار الغائب لما كان إياك هو الغائب من حيث المعنى فقال: يعبد، وغرابة هذا الالتفات كونه في جملة واحدة، وهو ينظر إلى قول الشاعر (٤): أَأَنْتَ الهِلالِيُّ الَّذي كُنْتَ مَرَّةً ... سَمِعْنَا بِهِ وَالأَرْحَبِيُّ المُغَلَّبُ وإلى قول أبي كثير الهذلي (٥): يا لَهْفَ نَفْسِي كانَ جِدّةُ خالِدٍ ... وبَياضُ وَجْهِكَ للتّرَابِ الأعْفَرِ" (٦). ومنه قول كثير (٧) (٨): أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت

стр. 246

والسابع: (نعبدْ)، حكاه أبو حيان عن بعض أهل مكة (١). والثامن: (نِعْبُدُ)، بكسر النون، قرأ بها زيد بن علي، ويحيى بن وثاب، وعبيد بن عمير الليثي (٢). والتاسع: (نعبُدو)، بإشباع الضمة، قراءة نافع برواية وَرْش. والعاشر: (نَسْتَعِينُ)، قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي. والحادي عشر: (نِسْتَعِينُ)، بكسر (النون)، قراءة، عبيد بن عمير الليثي، وزر بن حبيش، ويحيى بن وثاب، والنخعي، والأعمش، وهي لغة قيس، وتميم، وأسد، وربيعة (٣). قال القرطبي: " (وإياك نِستعين) عطف ملة على جملة، أي نطلب العون والتأييد والتوفيق، هي لغة تميم وقيس وأسد وربيعة، ليدل على أنه من استعان، فكُسرت النون كما تُكسر ألف الوصل (٤). قال أبو حيان: "إن فتح نون (نستعين) هي لغة الحجاز، وهي الفصحى، وقرأ بكسرها وهي لغة قيس وتميم وأسد وربيعة وكذلك حكم حرف المضارعة في هذا الفعل وما أشبهه (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إخلاص العبادة لله؛ لقوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾؛ وجه الإخلاص: تقديم المعمول. ٢ - ومنها: أن العبادة تطلق في المعنى الشرعي على أمرين، الأمر الأول: بالنظر إلى فعل العبد، والثاني: بالنظر إلى المفعولات والأعمال التي تعبَّد الله الناس بها ٣ - ومن الفوائد: أن العبادة اسمٌ جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فهذا بالاعتبار الثاني أي باعتبار المفعولات والأعمال التي شرعها الله لعباده ليتقربوا بها إليه. وإذا نظرنا إلى العبادة بالاعتبار الأول، أي باعتبار أنها نفس فعل العبد الذي هو صفة من صفاته، نقول: إن العبادة هي الانقياد لله ، بمعنى الإسلام، أي إسلام الوجه لله ﵎ والخضوع له بالطاعة، يعني فعل العبد لا نفس العبادات التي شرعها الله ، لأن العبادة مصدر، تارةً يراد بها المفعول، وتارةً تطلق على نفس الفعل، كما تقول القرآن يطلق على نفس المقروء الذي هو الكتاب الذي بين أيدينا، ويطلق على القراءة، وكذلك الوحي يطلق على هذا القرآن أنه وحي، يعني ما نتج عن الإيحاء وهو هذا الكتاب، وتارةً يطلق على نفس العملية التي هي الإيحاء، فتارةً يطلق على هذا المعنى، وتارةً يطلق على المعنى الآخر، فهما إطلاقان معروفان، "وقدم المفعول وهو إياك، وكرر للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك ولا نتوكل إلا عليك" (٦). قال ابن عاشور: " ... وهو شرائع الإسلام" (٧).

стр. 247

وبنحو ذلك في حديث رسول الله ﷺ فمن ذلك قوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (١). وقد قال ﷺ : "تبسمك في وجه أخيك صدقة" (٢). وقد مر شاب على النبي ﷺ فرأى أصحاب النبي ﷺ جلدة ونشاطة فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : "إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان" (٣). وقال النبي ﷺ : "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا يا رسول الله وإن لنا في هذه البهائم لأجراً فقال: في كل كبد رطبة أجر" (٤). وقال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" (٥). وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "نزع رجل لم يعمل خير قط غصن شوك عن الطريق إما كان في شجرة فقطعه فألقاه وإما كان موضوعاً فأماطه، فشكر الله له بها فأدخله الجنة" (٦). هذا وغيره من الأعمال التي تنبع من نفس تحب الخير وترغب في العطاء، ويبتغي بذلك وجه الله، أي تقدم نفعاً للمجتمع فهو عبادة، لذلك قال العلماء النية تقلب العادة عبادة. ٤ - ومنها أن المفهوم العام للعبادة له آثار إيجابية على سلوك الناس، ومن أبرز هذه الآثار: أن الإنسان العاقل عندما يقدم على عمل ويعتبره عبادة فإنه سيؤديه على أحسن وجه لأنه يرجو ثوابه عند الله على مقدار إخلاصه وصدقه في أدائه، سواء كان يؤدي حرفة أو تعليماً أو أداء وظيفة إدارية، أو يقدم بحثاً علمياً فإنه في عبادة وبالتالي سيبذل أقصى ما يستطيع من جهد، لأن في حسه أنه يؤدي عبادة والله مطلع عليه "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" (٧). ٥ - ومنها ان الإحسان في العبادة "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (٨).

стр. 248

٦ - ومن الفوائد في مفهوم العبادة الشامل، هو أن الإنسان سيتجنب الكثير من الأعمال التي لا تدخل دائرة العبادة. أي الأعمال غير المشروعة أو المحرمة، لأن الأعمال كلها إما أن تكون في دائرة المشروع الجائز، أو في دائرة المنهي عنه فتركه للمنهي عنه أيضاً عبادة يؤجر عليها. قال رسول الله ﷺ : " .. وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" (١). ٧ - ومنها: إخلاص الاستعانة بالله ؛ لقوله تعالى: ﴿وإياك نستعين﴾، حيث قدم المفعول. فإن قال قائل: كيف يقال: إخلاص الاستعانة لله وقد جاء في قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢] إثبات المعونة من غير الله ، وقال النبي ﷺ : "تعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة" (٢)؟ فالجواب: أن الاستعانة نوعان: استعانة تفويض؛ بمعنى أنك تعتمد على الله ، وتتبرأ من حولك، وقوتك؛ وهذا خاص بالله ؛ واستعانة بمعنى المشاركة فيما تريد أن تقوم به: فهذه جائزة إذا كان المستعان به حياً قادراً على الإعانة؛ لأنه ليس عبادة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢]. فيمكن القول بأن والاستعانة نوعان: احدهما: نوع خاص بالله تعالى: لا يُطلب إلا منه ، ولا يُقصد غيره فيه، ويكون ذلك في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه، كالاستعاذة، والمدد، وجلب الخير، ودفع الضر، وإجابة الدعاء، والاستغاثة، وطلب النجاح والشفاء، وطلب الولد والرزق. والثاني: ونوع هو في مقدور الناس: كالاستعانة بشخص في حمل شيء لا يستطيع حمله، أو الاستعانة به في إنهاء معاملة أو مصلحة مشروعة، أو الاستعانة به في أن يشفع له شفاعة حسنة لدى مسئول للتوصل إلى حقه، أو لدفع الضرر عنه، كذلك كل ما يعجز عنه الإنسان في أمور الدنيا ويحتاج إلى مساعدة غيره فيه، ويكون ذلك في الأمور التي تدخل في قدرة الإنسان وتصرفه، فهي استعانة جائزة مشروعة. فإن قال قائل: وهل الاستعانة بالمخلوق جائزة في جميع الأحوال؟ فالجواب: لا؛ الاستعانة بالمخلوق إنما تجوز حيث كان المستعان به قادراً عليها؛ وأما إذا لم يكن قادراً فإنه لا يجوز أن تستعين به: كما لو استعان بصاحب قبر فهذا حرام؛ بل شرك أكبر؛ لأن صاحب القبر لا يغني عن نفسه شيئاً؛ فكيف يعينه! ! ! وكما لو استعان بغائب في أمر لا يقدر عليه، مثل أن يعتقد أن الوليّ الذي في شرق الدنيا يعينه على مهمته في بلده: فهذا أيضاً شرك أكبر؛ لأنه لا يقدر أن يعينه وهو هناك. فإن قال قائل: هل يجوز أن يستعين المخلوقَ فيما تجوز استعانته به؟ فالجواب: الأولى أن لا يستعين بأحد إلا عند الحاجة، أو إذا علم أن صاحبه يُسَر بذلك، فيستعين به من أجل إدخال السرور عليه؛ وينبغي لمن طلبت منه الإعانة على غير الإثم والعدوان أن يستجيب لذلك.

стр. 249

٨ - ومن الفوائد أن كلمة الاستعانة تُشعر بوجوب العمل، والأخذ بالأسباب، لأن الاستعانة طلب العون من الله تعالى على أداء عمل أو إتمامه، وذلك في كل ما للإنسان فيه كسب، كطلب الشفاء من الله تعالى مع بذل سبب العلاج وأخذ الدواء، وطلب الرزق مع بذل السبب، وطلب النصر على العدو مع مجاهدته وإعداد العدة، وطلب النجاح في الامتحان من الله تعالى مع الجد والاجتهاد في تحصيل الدروس، وهكذا. وكل من ترك الأخذ بالأسباب يكون قد جانب الصواب، وكل من اعتمد على الله تعالى دون أن يبذل الأسباب فقد أخطأ الاعتقاد، فإن العبد لا يستغني عن العون الإلهي مهما أوتي من قوة وحصافة، ولابد له من العمل والتوكل، ولا ينفع التوكل بدون عمل، ولا ينفع عمل بدون توكل واستعانة. ٩ - ومن الفوائد اشتمال هذه الآية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، على توحيد الربوبية والاستعانة به ، وهي أفضل الوسائل للإعانة على العبادة، والتعبد يكون باسم الله، واسم الرحمن، واسم الرب، والمسلم يعبد الله تعالى بألوهيته، ويستعين بربوبيته. عن الحسن: أن الله تعالى أنزل مئة وأربعة كتب جمع معانيها في أربعة هن: التوراة، والإنجيل، والقرآن، والزبور، وجمع معانيها في القرآن، وجمع معاني القرآن في الفاتحة، وجمع معاني الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١). وإذا قرأ العبد "الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" وعند التلفظ بـ "وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" تغمره السكينة والطمأنينة، لأنه قد توكل على الله، وألقى إليه مقاليد أموره في الدنيا والآخرة، لعينه سبحانه على الوصول إليها. القرآن ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦] التفسير: دُلَّنا، وأرشدنا، ووفقنا إلى الطريق المستقيم، وثبتنا عليه حتى نلقاك، وهو الإسلام، الذي هو الطريق الواضح الموصل إلى رضوان الله وإلى جنته، الذي دلّ عليه خاتم رسله وأنبيائه محمد ﷺ ، فلا سبيل إلى سعادة العبد إلا بالاستقامة عليه. قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، " أي: دلنا وأرشدنا يا رب إِلى طريقك الحق ودينك المستقيم" (٢). قال ابن أبي زمنين: "اي أرشدنا الطريق" (٣). قال النسفي: " أي ثبتنا على المنهاج الواضح" (٤). قال الزجاج: اي: ثبتنا على المنهاج الواضح" (٥). قال مقاتل: " يعني دين الإسلام، لأن غير دين الإسلام لَيْسَ بمستقيم" (٦).

стр. 250

قال القاسمي: " أي ألهمنا الطريق الهادي، وأرشدنا إليه، ووفقنا له" (١). قال الخطيب المكي: أي: " نور قلوبنا بهدايتك الربانية لنعرف السبل الموصلة إليك، فأنت وحدك الذي تنعم بالهداية وتوفق من أردت إلى اتباع أوامرك الإلهية" (٢). قال البيضاوي: " بيان للمعونة المطلوبة فكأنه قال: كيف أعينكم فقالوا اهْدِنَا. أو إفراد لما هو المقصود الأعظم" (٣). قال الطبري: " وإنما وصفه الله بالاستقامة، لأنه صواب لا خطأ فيه" (٤). قال ابن عثيمين: " والمراد بـ "الهداية" هداية الإرشاد، وهداية التوفيق؛ فأنت بقولك: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ تسأل الله تعالى علماً نافعاً، وعملاً صالحاً" (٥). قال الراغب: "الهداية: دلالة بلطف" (٦). وفي الصحاح: الهداية بمعنى الارشاد والدلالة (٧)، ويقال: هديتُهُ الطريقَ والبيتَ هداية، أي عَرَّفتُه به (٨). و﴿الصراط﴾: هو الطريق السهل (٩)، والسبيل الواضح (١٠). فـ"الطريق: هو كل ما يطرقه طارقٌ، معتادًا كان أو غير معتادٍ، والسبيل من الطُّرق: ما هو مُعتادُ السلوكِ، والصراط من السبيل: ما لا التِواء فِيه ولا اعوِجاج، بل يكون على سبيلِ القَصْدِ، فهو أخصُّ منها" (١١). وفي قوله تعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، تأويلان (١٢): أحدهما: معناه أرْشُدْنا ودُلَّنَا. قاله علي بن أبي طالب (١٣)، وأبيّ بن كعب (١٤)، والسدي (١٥)، ومقاتل (١٦). والثاني: معناه ألهمنا (وفقنا)، وهذا قول ابن عباس (١٧).
следующие страницы →