← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

والثاني: لا يعلمه أحد إلا الله، وهو قول السدي (١). قال الشنقيطي: "لم يبين هنا قدر هذه الأضعاف الكثيرة ولكنه بين في موضع آخر أنها تبلغ سبعمائة ضعف وتزيد عن ذلك. وذلك في قوله تعالى: ﴿﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] " (٢). وقد اختلف القراء في قوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] على أربع قراءات: الأولى: قراءة عاصم بالألف والنصب، أي: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾. والثانية: قراءة ابن عامر بالتشديد والنصب أي: ﴿فيضعَّفَه﴾. والثالثة: قراءة ابن كثير بالتشديد والرفع أي: ﴿فيضعَّفُه﴾. والرابعة: قراءة الباقين بالألف والرفع أي: ﴿فيضاعفُه﴾. والقراءتان بمعنى واحد، كما نص على ذلك الأزهري (٣)، والمهدوي (٤)، وغيرهما. وقال أبو حيان "وفرق بعضهم بين يضاعف ويضعف، فقال: التضعيف لما جعل مثلين، والمضاعفة لما زيد عليه أكثر من ذلك" (٥). وقد وجه الحافظ ابن حجر (٦) قراءة النصب على أن الفعل منصوب بأن مضمرة في جواب الاستفهام، وهو جواب له على المعنى لا على اللفظ؛ لأن الاستفهام وإن وقع عن المقرض لفظاً فهو عن الإقراض معنى، كأنه قال: أيقرض الله أحد قرضاً، فيضاعفَه له. وهناك توجيه آخر، وهو أن الفعل منصوب بإضمار أَنْ عطفاً على المصدر المفهوم من (يُقْرضُ) في المعنى، فيكون مصدراً معطوفاً على مصدر، والتقدير: من ذا الذي يكون منه إقراض فمضاعفة من الله. كما وجه-﵀-قراءة الرفع بأنه رفع على الاستئناف، والتقدير: فهو يضاعفه، وهناك توجيه آخر وهو أن (فَيُضَاعِفَهُ) معطوف على صلة الذي، أي: ﴿يُقْرِضُ﴾ (٧). وكان أبو عمرو لا يسقط (الألف) من ذلك كله إلا من سورة الأحزاب قوله تعالى: ﴿يضعف لها العذاب﴾ [الأحزاب: ٣٠]، فإنه بغير (ألف) كان يقرأه، وقرأ حمزة والكسائي ونافع ذلك كله بـ (الألف) ورفع (الفاء)، فالرفع في (الفاء) يتخرج على وجهين: أحدهما: العطف على ما في الصلة، وهو ﴿يقرض﴾. والآخر: أن يستأنف الفعل ويقطعه. قال أبو علي: والرفع في هذا الفعل أحسن، وقال القاضي أبو محمد، لأن النصب إنما هو بالفاء في جواب الاستفهام وذلك إنما يترتب إذا كان الاستفهام عن نفس الفعل الأول ثم يجيء الثاني مخالفا له،

стр. 1857

تقول: أتقرضني فأشكرك، وها هنا إنما الاستفهام عن الذي يقرض لا عن الإقراض ولكن تحمل قراءة ابن عامر وعاصم في النصب على المعنى لأنه لم يستفهم عن فاعل الإقراض إلا من أجل الإقراض فكأن الكلام أيقرض أحد الله فيضاعفه له ونظير هذا في الحمل على المعنى قراءة من قرأ ﴿من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم﴾ [الأعراف: ١٨٦]، بجزم ﴿نذرهم﴾ لما كان معنى قوله ﴿فلا هادي له﴾ [الأعراف: ١٨٦]، فلا يهد وهذه الأضعاف الكثيرة هي إلى السبعمائة التي رويت ويعطيها مثال السنبلة (١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، " أي يقتّر على من يشاء ويوسّع على من يشاء ابتلاءً وامتحاناً" (٢). قال السعدي: " أي: يوسع الرزق على من يشاء ويقبضه عمن يشاء، فالتصرف كله بيديه ومدار الأمور راجع إليه، فالإمساك لا يبسط الرزق، والإنفاق لا يقبضه، ومع ذلك فالإنفاق غير ضائع على أهله، بل لهم يوم يجدون ما قدموه كاملا موفرا مضاعفا" (٣). قال ابن كثير: " أي: أنفقوا ولا تبالوا فالله هو الرزاق يضيق على من يشاء من عباده في الرزق ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك" (٤). قال النسفي: " يقتر الرزق على عباده ويوسعه عليهم فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيق بالسعة" (٥). قال الطبري: " أنه الذي بيده قبض أرزاق العباد وبسطها، دون غيره ممن ادعى أهل الشرك به أنهم آلهة، واتخذوه ربا دونه يعبدونه" (٦). قال الحافظ ابن حجر: " البسط: كناية عن سعة رحمته" (٧). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، وذكروا فيه وجهان (٨):

стр. 1858

أحدهما: يعني في الرزق (١)، وهو قول الحسن (٢) وابن زيد (٣). والثاني: يقبض الصدقات ويبسط الجزاء، وهو قول الزجاج. أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن قتادة، في قوله: ﴿يقبض ويبصط﴾، قال: يقبض الصدقة ويبسط ويخلف" (٤). قال ابن عطية: "قرأ ابن كثير ﴿يبسط﴾ بالسين ونافع بالصاد ﴿يبصط﴾ في المشهور عنه، وقال الحلواني عن قالون عن نافع إنه لا يبالي كيف قرأ بسطة ويبسط بالسين أو بالصاد، وروى أبو قرة عن نافع ﴿يبسط﴾ بالسين" (٥). قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، أي "يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم" (٦). قال المراغي: " والرجوع إلى الله ضربان: الأول: رجوع في هذه الحياة بالسير على سننه الحكيمة، ونظمه في الخليقة، بأن يعرف المرء أن الغنى يكون بعمل العامل وتوفيق الله وتسخيره، وأن البذل من فضل الله يأتي بالمنافع الخاصة للباذل، وبالمنافع العامة لقومه الذين يعتز بهم ويسعد بسعادتهم، وأن تركه يعقبه مفاسد ومضار عامة وخاصة للأمم والأفراد، وأنه لا يستقل بعمله مهما أوتي من رجاحة عقل، بل له حاجة إلى معونة الله وتوفيقه بتسخير الأسباب له. والثاني: رجوع في الآخرة حين تظهر للمرء نتائج أعماله وآثار أفعاله ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] " (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الأمر بقتال الكافرين؛ وهو إما فرض عين، أو فرض كفاية، أو مستحب على حسب ما قرره العلماء؛ وقد سبق الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا﴾ [البقرة: ١٩٠]. ٢ - ومنها: الأمر بالقتال على وجه الإخلاص لله تعالى بأن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ لقوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾.

стр. 1859

٣ - ومنها: أنه يحرم على الإنسان أن يقاتل حمية، أو أن يقاتل شجاعة، أو أن يقاتل رياءً؛ لأن إيجاب الإخلاص في القتال يقتضي تحريم القتال لغير ذلك؛ اللهم إلا أن يكون دفاعاً عن النفس فهو مباح؛ بل قد يجب. فإن قيل: لو قاتل دفاعاً عن وطنه لأنه بلد إسلامي؛ فيقاتل دفاعاً عنه لهذا الغرض؛ فهل يكون قتالاً في سبيل الله؟ فالجواب: نعم؛ لأن نيته أن لا يفرق بين وطنه وغيره إذا كان ذلك لحماية الإسلام. ٤ - ومن فوائد الآية: وجوب التمشي في الجهاد على ما تقتضيه الشريعة من طاعة الأمير، والصبر عند اللقاء، ومعاملة الأسرى، وغير ذلك. ٥ - ومنها: التحذير من مخالفة الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله سميع عليم﴾؛ فإن مقتضى ذلك أن نحذر من مخالفته؛ لأنه سميع لأقوالنا عليم بأحوالنا. ٦ - ومنها: الترغيب في موافقة الشرع؛ فإن ذلك لا يضيع عند الله؛ لأنه سميع لأقوالنا عليم بأحوالنا. ٧ - ومنها: إثبات هذين الاسمين لله تعالى؛ وهما «السميع»، و «العليم»؛ وما تضمناه من صفة، وحُكم؛ وقد سبق تفصيل «السمع» الذي وصف الله به نفسه. القرآن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ [البقرة: ٢٤٦] التفسير: ألم تعلم -أيها الرسول- قصة الأشراف والوجهاء من بني إسرائيل من بعد زمان موسى؛ حين طلبوا من نبيهم أن يولي عليهم ملكا، يجتمعون تحت قيادته، ويقاتلون أعداءهم في سبيل الله. قال لهم نبيهم: هل الأمر كما أتوقعه إنْ فُرِض عليكم القتال في سبيل الله أنكم لا تقاتلون؛ فإني أتوقع جبنكم وفراركم من القتال، قالوا مستنكرين توقع نبيهم: وأي مانع يمنعنا عن القتال في سبيل الله، وقد أَخْرَجَنَا عدوُّنا من ديارنا، وأبعدنا عن أولادنا بالقتل والأسر؟ فلما فرض الله عليهم القتال مع الملِك الذي عيَّنه لهم جَبُنوا وفرُّوا عن القتال، إلا قليلا منهم ثبتوا بفضل الله. والله عليم بالظالمين الناكثين عهودهم. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، " أي: ألم ينته إلى علمك قصص هؤلاء الملأ من بنى إسرائيل" (١). قال الصابوني: " أي ألم يصل إِلى سمعك يا محمد أو أيها المخاطب حال أولئك القوم" (٢). قال البغوي: " والملأ من القوم: وجوههم وأشرافهم، وأصل الملأ الجماعة من الناس ولا واحد له من لفظه، كالقوم والرهط والإبل والخيل والجيش وجمعه أملاء" (٣). قال الرازي: " (الملأ): الأشراف من الناس، وهو اسم الجماعة، كالقوم والرهط والجيش، وجمعه أملاء، قال الشاعر (٤): وقال لها الأملاء من كل معشر ... وخير أقاويل الرجال سديدها

стр. 1860

وأصلها من الملء، وهم الذين يملؤون العيون هيبة ورواء، وقيل: هم الذين يملؤون المكان إذا حضروا، وقال الزجاج: الملأ الرؤساء، سموا بذلك لأنهم يملؤون القلوب بما يحتاج إليه، من قولهم: ملأ الرجل يملأ ملأة فهو ملئ" (١). والخطاب في الآية إما للرسول ﷺ ؛ وخطاب زعيم الأمة خطاب له، وللأمة؛ لأنها تبع له؛ وإما أنه خطاب لكل من يتوجه له الخطاب؛ فيكون عاماً في أصل وضعه؛ الفرق بين المعنيين أن الأول عام باعتبار التبعية للمخاطب به أولاً - وهو الرسول ﷺ ؛ والثاني عام باعتبار وضعه - يعني: ألم تر أيها المخاطب (٢). كما أن الاستفهام هنا الظاهر أنه للتشويق - يعني يشوقنا أن ننظر إلى هذه القصة لنعتبر بها -؛ لأن التقرير إنما يكون في أمر كان معلوماً للمخاطب؛ فيُقَرَّر به، كقوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح: ١]؛ وأما هذا فهو أمر ليس معلوماً للمخاطب إلا بعد أن يخبر به؛ فيكون هنا للتشويق، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة﴾ [الصف: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: ١]، وما أشبهها؛ أما لو كان يخاطب من كان عالماً بها لقلنا: إن الاستفهام للتقرير (٣). قال النسفي: الملأ: " الأشراف لأنهم يملأون القلوب جلالة والعيون مهابة" (٤). قال البغوي: " والملأ من القوم: وجوههم وأشرافهم، وأصل الملأ الجماعة من الناس ولا واحد له من لفظه، كالقوم والرهط والإبل والخيل والجيش وجمعه أملاء" (٥). قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ مُوسَى﴾ [البقرة: ٢٤٦] يعني: "من بعد موته" (٦). قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِّيٍ لَهُم﴾ [البقرة: ٢٤٦]، "أي حين قالوا لنبيِّهم" (٧). واختلف أهل التفسير في ذلك النبي على أقاويل (٨): أحدها: أنه شمويل (٩)، وهو قول وهب بن منبه (١٠). والثاني: يوشع بن نون، وهو قول قتادة (١١). والثالث: شمعون، "وهو من نسل هارون" (١٢)، وهو قول السدي (١٣).وقال: "إنما سمي " شمعون "، لأن أمه دعت الله أن يرزقها غلاما، فاستجاب الله لها دعاءها، فرزقها، فولدت غلاما فسمته " شمعون "، تقول: الله تعالى سمع دعائي" (١٤). وروي عن مجاهد، قال: شمؤل" (١٥). والرابع: وقيل: الشمول بن حنة بن العاقر. عن أبي عبيدة (١٦).

стр. 1861

الخامس: يوشع (١). قاله قتادة (٢). وقال: "وهو أحد الرجلين اللذين أنعم الله عليهما" (٣). والأولى أن نقول بأن الله أبهمه؛ ولو كان في معرفة اسمه فائدة لكان الله يبيّن اسمه لنا؛ لكن ليس لنا في ذكر اسمه فائدة؛ المهم أنه نبي من الأنبياء. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلَكاً نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، "أقم لنا أميراً واجعله قائداً لنا لنقاتل معه الأعداء في سبيل الله" (٤). قال السعدي: " أي: عيِّن لنا ملكا، ليجتمع متفرقنا ويقاوم بنا عدونا" (٥). قال ابن عثيمين: " أي مُرْ لنا بملك، أو أقم لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله؛ وكان أمرهم في ذلك الوقت فوضوي ليس عندهم ملك يدبر أمورهم، ويدبر شؤونهم؛ والناس إذا كان ليس لهم ولي أمر صار أمرهم فوضى .. ولهذا أمر النبي ﷺ القوم إذا سافروا أن يؤمِّروا أحدهم عليهم (٦) حتى لا تكون أمورهم فوضى" (٧). قال الزمخشري: أي "أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي إلى أمره، طلبوا من نبيهم نحو ما كان يفعل رسول اللَّه ﷺ من التأمير على الجيوش التي كان يجهزها، ومن أمرهم بطاعته وامتثال أوامره" (٨). قال السعدي: "ولعلهم في ذلك الوقت ليس لهم رئيس يجمعهم، كما جرت عادة القبائل أصحاب البيوت، كل بيت لا يرضى أن يكون من البيت الآخر رئيس، فالتمسوا من نبيهم تعيين ملك يرضي الطرفين ويكون تعيينه خاصا لعوائدهم، وكانت أنبياء بني إسرائيل تسوسهم، كلما مات نبي خلفه نبي آخر" (٩). وقوله تعالى ﴿نُقاتِلْ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، "قرئ بالنون والجزم على الجواب، وبالنون والرفع على أنه حال، أى ابعثه لنا مقدّرين القتال. أو استئناف كأنه قال لهم: ما تصنعون بالملك؟ فقالوا: نقاتل. وقرئ: يقاتل بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لملكا، وخبر عسيتم" (١٠). وقوله تعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، فسرها الرسول ﷺ أحسن تفسير، وهو "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١١). وأخرج ابن ابي حاتم بسنده عن "سعيد في قوله: في سبيل الله يعني: في طاعة الله " (١٢). وفي سبب سؤالهم لذلك قولان (١٣):

стр. 1862

أحدهما: أنهم سألوا ذلك لقتال العمالقة، وهو قول السدي (١). والثاني: أن الجبابرة الذين كانوا في زمانهم استزلوهم، فسألوا قتالهم، وهو قول وهب بن منبه (٢)، والربيع (٣) وابن جريج (٤) والضحاك (٥). قوله تعالى: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦] "أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي إلى أمره" (٦). قوله تعالى ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة: ٢٤٦]، أي: " أي قال لهم نبيّهم: أخشى أن يُفرض عليكم القتال ثم لا تقاتلوا عدوكم وتجبنوا عن لقائه" (٧). قال النسفي: أي: " هل قاربتم أن لا تقاتلوا يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون وتجبنون" (٨). قال البغوي: " ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾: استفهام شك" (٩). قال الزمخشري: " بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل هل مستفهماً عما هو متوقع عنده ومظنون. وأراد بالاستفهام التقرير، وتثبيت أنّ المتوقع كائن، وأنه صائب في توقعه، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾ معناه التقرير" (١٠). قال الراغب: " أي: هل طمعتم في أنفسكم أن تقوم بذلك وأن لا تجن؟ " (١١). قال السعدي: " أي: لعلكم تطلبون شيئا وهو إذا كتب عليكم لا تقومون به، فعرض عليهم العافية فلم يقبلوها، واعتمدوا على عزمهم ونيتهم" (١٢). وقوله: ﴿عَسَيْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، فيه قراءتان: الأولى: قرأ نافع: ﴿عسيتم﴾ بكسر (السين) كل القرآن، والكسر لغة في (عسى) إا اتصل بمضر خاصة، وقد حكي في اسم الفاعل (عَسٍي)، فهذا يدل على كسر (السين) في الماضي (١٣). قال صاحب الكشاف: " وقرئ (عسِيتم) بكسر السين وهي ضعيفة" (١٤). وقال أبو حاتم: "ليس للكسر وجه" (١٥). الثانية: وقرأ الباقون بالفتح وهي اللغة الفصيحة بدليل قوله تعالى: ﴿عسى ربكم﴾ " (١٦)، وهي هنا للتوقع؛ فيكون المعنى: هل يتوقع منكم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا؟

стр. 1863

وتجدر الإشارة بأن الفتح في السين، هي اللغة الفاشية، وعليها اجمع القراء، ونافع معهم، إذا لم يتصل الفعل بضمير، وايضا إذا مساواة الفعل, مع المضمر والمظهر، أولى من المخالفة بينهما، لأن المضمر عقيب المظهر، فواجب أن يكون مثله، وهو الإختيار لأجماع القراء عليه مع المضمر والمظهر، وإنما خالفهم نافع وحده مع المضمر (١)، وبه قرأ الحسن وطلحة (٢). قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا لَنَآ أَلا نُقَاتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] يعني: "وأي داعٍ لنا إلى ترك القتال وأي غرض لنا فيه" (٣). قال الزمخشري: "وأىّ داع لنا إلى ترك القتال، وأى غرض لنا فيه" (٤). قال الصابوني: " أي أيُّ سببٍ لنا في ألاّ نقاتل عدونا" (٥). قال السعدي: " أي: أي شيء يمنعنا من القتال وقد ألجأنا إليه" (٦). واختلف في إعراب (أن) في قوله تعالى ﴿ألّا﴾ (٧): القول الأول: قال الأخفش (أن) في قوله (وما لنا ألا نقاتل) زائدة. قال الرازي"وهذا ضعيف لأن القول بثبوت الزيادة في كلام الله خلاف الأصل" (٨). قال الطبري: وقال آخرون منهم: (أن) ها هنا زائدة بعد ﴿ما لن﴾، كما تزاد بعد (لما) و (لو)، وهي تزاد في هذا المعنى كثيرا. قال: ومعناه: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله؟ فأعمل ﴿أن﴾ وهي زائدة، وقال الفرزدق (٩): لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها ... إذن للام ذوو أحسابها عمرا والمعنى: لو لم تكن غطفان لها ذنوب (ولا) زائدة فأعملها.

стр. 1864

وأنكر [ذلك] آخرون. وقالوا: غير جائز أن تجعل (أن) زائدة في الكلام، وهو صحيح في المعنى وبالكلام إليه الحاجة، قالوا: والمعنى: ما يمنعنا ألا نقاتل - فلا وجه لدعوى مدع أن ﴿أن﴾ زائدة، معنى مفهوم صحيح. قالوا: وأما قوله: لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها فإن (لا) غير زائدة في هذا الموضع، لأنه جحد، والجحد إذا جحد صار إثباتا. قالوا: فقوله: لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها، إثبات الذنوب لها، كما يقال: ما أخوك ليس يقوم، بمعنى: هو يقوم" (١). القول الثاني: وقال الفراء هو محمول على المعنى، أي: وما منعنا، كما تقول: مالك ألا تصلي. وقيل المعنى واي شيء لنا في أن لا نقاتل. قال النحاس "وهذا أجودها" (٢). الثالث: قال الكسائي: معنى وما لنا ألا نقاتل أي شيء لنا في ترك القتال؟ ثم سقطت كلمة (في). قال الرازي: " ورجح أبو علي الفارسي، قول الكسائي على قول الفراء، قال: وذلك لأن على قول الفراء لا بد من إضمار حرف الجر، والتقدير: ما يمنعنا من أن نقاتل، إذا كان لا بد من إضمار حرف الجر على القولين، ثم على قول الكسائي يبقى اللفظ مع هذا الإضمار على ظاهره، وعلى قول الفراء لا يبقى، فكان قول الكسائي لا محالة أولى وأقوى" (٣). واختلف في اعراب ﴿ما﴾ في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَآ﴾ [البقرة: ٢٤٦] على وجهين (٤): الأول: وهو قول المبرد: أن (ما) في هذه الآية جحد لا استفهام كأنه، قال: ما لنا نترك القتال، وعلى هذا الطريق يزول السؤال. الوجه الثاني: أن نسلم أن (ما) هاهنا بمعنى الاستفهام. قال الطبري: "فإن قيل: وما وجه دخول (أن) في قوله: ﴿وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله﴾، وحذفه من قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ [سورة الحديد: ٨]، قيل: هما لغتان فصيحتان للعرب: تحذف " أن " مرة مع قولها: " ما لك "، فتقول: " ما لك لا تفعل كذا "، بمعنى: ما لك غير فاعله، كما قال الشاعر (٥): ما لك ترغين ولا ترغو الخلف وذلك هو الكلام الذي لا حاجة بالمتكلم به إلى الاستشهاد على صحته، لفشو ذلك على ألسن العرب، وتثبت (أن) فيه أخرى، توجيها لقولها: " ما لك " إلى معناه، إذ كان معناه: ما منعك؟ كما قال تعالى ذكره: (مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) [سورة الأعراف: ١٢]، ثم قال في سورة أخرى في نظيره: (مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) [سورة الحجر: ٣٢]، فوضع " ما منعك " موضع " ما لك "، و " ما لك " موضع "

стр. 1865

ما منعك "، لاتفاق معنييهما، وإن اختلفت ألفاظهما، كما تفعل العرب ذلك في نظائره مما تتفق معانيه وتختلف ألفاظه، كما قال الشاعر (١): يقول إذا اقلولى عليها وأقردت: ... ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم؟ فأدخل في (دائم) (الباء) مع (هل)، وهي استفهام. وإنما تدخل في خبر (ما) التي في معنى الجحد، لتقارب معنى الاستفهام والجحد" (٢). قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦]، " وقد أخذت منا البلاد وسُبيت الأولاد؟ " (٣). أخرج ابن ابي حاتم بسنده " عن السدي قوله: ﴿وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا﴾: بأداء الجزية" (٤). قال الصابوني: " قال تعالى بياناً لما انطوت عليه نفوسهم من الهلع والجبن" (٥). قال الزمخشري: "وذلك أنّ قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين" (٦). قال السعدي: " بأن أخرجنا من أوطاننا وسبيت ذرارينا، فهذا موجب لكوننا نقاتل ولو لم يكتب علينا، فكيف مع أنه فرض علينا وقد حصل ما حصل" (٧). قال ابن عثيمين: " والإنسان إذا أُخرج من داره، وبنيه فلا بد أن يقاتل لتحرير البلاد، وفكّ الأسرى" (٨). قال الراغب: " أنكروا أن يكون منهم تضجيع في قتال أعدائهم، فجعل حجتهم شيئين هما غاية ما يحنق، وهو انزعاجهم عن مقارهم الذي هو شريك القتل، وقيل الولد الذي هو أصعب على الإنسان من قتل نفسه، وفي حكاية ذلك إشارة إلى ذمهم من وجهين أحدهما أنهم قالوا: أن تكلفوا، وقد قيل: فلما قام الإنسان بواجب التزامه، ابتدأ ولهذا لما روجع النبي ﷺ في الحج، فقيل: " ألعامنا هذا؟ أم للأبد؟ قال: بل للأبد" (٩)، وذم الله (بني إسرائيل) في التزامهم الرهبانية، ثم قصروا فيها، والثاني: أنهم لم يلزموا القتال كما يجب أن يلزم، فإن المقاتلة في سبيل الله يجب أن لا يكون لها سمعة واجتلاب ثناء أو شفاء

стр. 1866

مغيطة وكذا يجب أن تكون سائر الأفعال المحمودة وهم لما قالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ قصدوا شفاء الغيظ لا ائتمار الرب، فعلم أنهم لا يصبرون في مواطن الحق على ما يجب" (١). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، " أي فلما فرض عليهم القتال بعد سؤال النبي ذلك وبعث الملك" (٢). عن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى ﴿كتب﴾ [البقرة: ٢٤٦]، : "يعني فرض" (٣). قال القرطبي: "أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب وأن نفوسهم ربما قد تذهب" (٤). قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا﴾ [البقرة: ٢٤٦]، أي: "أعرضوا عنه" (٥). قال القرطبي: " أي اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم" (٦). قال ابن عثيمين: " أي أعرضوا عن هذا الغرض، ولم يقوموا به" (٧). قال المراغي: " أعرضوا وتخلفوا عن الجهاد وضيعوا أمر الله بعد مشاهدة العدوّ وشوكته" (٨). قال السعدي: " لما لم تكن نياتهم حسنة ولم يقوَ توكلهم على ربهم .. فجبنوا عن قتال الأعداء وضعفوا عن المصادمة، وزال ما كانوا عزموا عليه، واستولى على أكثرهم الخور والجبن" (٩). قوله تعالى: ﴿إِلا قَلِيلا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، أي: " إِلا فئة قليلة منهم صبروا وثبتوا" (١٠). و(القليل) ما دون الثلث؛ لقول الرسول ﷺ : "الثلث كثير" (١١)؛ وهي منصوبة على الاستثناء. قال السعدي: " فعصمهم الله وثبتهم وقوى قلوبهم فالتزموا أمر الله ووطنوا أنفسهم على مقارعة أعدائه، فحازوا شرف الدنيا والآخرة" (١٢). قال الشوكاني: " واختلف في عدد القليل الذين استثناهم الله سبحانه وهم الذي اكتفوا بالغرفة" (١٣). قال النسفي: "وهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر" (١٤)، " وهم الذين عبروا النهر مع طالوت" (١٥). قال القرطبي: "وهذا شأن الأمم المتنعِّمة المائلة إِلى الدَّعة، تتمنى الحرب أوقات الأنفة فإِذا حضرت الحرب جُبنت وانقادت لطبعها" (١٦).

стр. 1867

قال المراغي: " ذاك أن الأمم إذا قهرها العدو تهن قوّتها ويغلب عليها الجبن وتلبس ثوب الذل والمسكنة، فإذا أراد الله إحياءها بعد موتها نفخ روح الشجاعة والإقدام في خيارها وهم الأقلون، فيعملون ما لا يعمله الأكثرون" (١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، " والله ذو علم بمن ظلم منهم نفسه" (٢). قال ابن كثير: " أي: ما وفوا بما وعدوا بل نكل عن الجهاد أكثرهم والله عليم بهم" (٣). قال النسفي: "وعيد لهم على ظلمهم بترك الجهاد" (٤). قال الصابوني: " وعيدٌ لهم على ظلمهم بترك الجهاد عصياناً لأمره تعالى" (٥). قال ابن عثيمين: " ومقتضى علمه بهم أن يجازيهم على ظلمهم؛ والظلم هنا ليس لفعل محرم؛ ولكنه لترك واجب؛ لأن ترك الواجب كفعل المحرم؛ فيه ظلم للنفس، ونقص من حقها" (٦). قال المراغي: " أي بالذين يظلمون أنفسهم وأمتهم بترك الجهاد دفاعا عنها، وحفظا لحقوقها، فيصبحون في الدنيا أذلاء مستضعفين، وفي الآخرة أشقياء معذبين، وفي هذا وعيد لأمثالهم لا يخفى" (٧). قال الرازي: " أي هو عالم بمن ظلم نفسه حين خالف ربه ولم يف بما قيل من ربه، وهذا هو الذي يدل على تعلق هذه الآية بقوله قبل ذلك: وقاتلوا في سبيل الله فكأنه تعالى أكد وجوب ذلك بأن ذكر قصة بني إسرائيل في الجهاد وعقب ذلك بأن من تقدم على مثله فهو ظالم والله أعلم بما يستحقه الظالم وهذا بين في كونه زجرا عن مثل ذلك في المستقبل وفي كونه بعثا على الجهاد، وأن يستمر كل مسلم على القيام بذلك والله أعلم" (٨). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الحث على النظر، والاعتبار؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل﴾. ٢ - ومنها: أن في هذه القصة عبراً لهذه الأمة، حيث إن هؤلاء القوم الذين كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم. ٣ - ومنها: تحذير هذه الأمة عن التولي عن القتال إذا كتب عليهم. ٤ - ومنها: أنه لا بد للجيوش من قائد يتولى قيادتها؛ لقولهم: ﴿ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله﴾. ٥ - ومنها: أن مرتبة النبوة أعلى من مرتبة الملك؛ لقولهم: ﴿ابعث لنا ملكاً﴾ يخاطبون النبي؛ فالنبي له السلطة أن يبعث لهم ملكاً يتولى أمورهم ويدبرهم. ٦ - ومنها: إذا طلب الإنسان شيئاً من غيره أن يذكر ما يشجعه على إجابة الطلب؛ لقولهم: ﴿نقاتل في سبيل الله﴾؛ فإن هذا يبعث النبي ويشجعه على أن يبعث لهم الملك. ٧ - ومنها: الإشارة إلى الإخلاص لله ؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾. ٨ - ومنها: امتحان المخاطَب بما طلب فعله، أو إيجادَه من غيره: هل يقوم بما يجب عليه نحوه، أم لا؛ لقوله تعالى: ﴿هل عسيتم إن كتب القتال ألا تقاتلوا﴾.

стр. 1868

٩ - ومنها: أن الإنسان بفطرته يكون مستعداً لقتال من قاتله؛ لقولهم: ﴿وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا﴾؛ ولهذا تجد الجبان إذا حُصر يأتي بما عنده من الشجاعة، ويكون عنده قوة للمدافعة. ١٠ - ومنها: أن من مبيحات القتال إخراج الإنسان من بلده، وأهله ليرفع ظلم الظالمين؛ لقولهم: ﴿وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا﴾؛ لكن لو كان إخراجهم بحق - كما فعل النبي ﷺ في بني النضير (١) - فلا حق لهم في المقاتلة، أو المطالبة - ولو أسلموا -؛ لأن الله أورث المسلمين أرضهم، وديارهم، وأموالهم؛ والأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين؛ قال الله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. ١١ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان قد يظن أنه يستطيع الصبر على ترك المحظور، أو القيام بالمأمور؛ فإذا ابتُلي نكص؛ لقوله تعالى: ﴿فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم﴾ مع أنهم كانوا في الأول متشجعين على القتال. ١٢ - ومنها: الإشارة إلى قول النبي ﷺ : «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية؛ فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» (٢)، وقوله (ص): «من سمع بالدجال فلينأ عنه؛ فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات» (٣)؛ ويشبه هذا أن بعض الناس ينذرون النذر وهم يظنون أنهم يوفون به؛ ثم لا يوفون به، كما في قوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين*فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون﴾ [التوبة: ٧، ٧٦]. ١٣ - ومن فوائد الآية: أن البلاء موكل بالمنطق؛ لأنه قال لهم: ﴿هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا﴾؛ فكان ما توقعه نبيهم واقعاً؛ فإنهم لما كتب عليهم القتال تولوا. ١٤ - ومنها: أن بعض السؤال يكون نكبة على السائل، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١]. ١٥ - ومنها: وجوب القتال دفاعاً عن النفس؛ لأنهم لما قالوا: ﴿وقد أخرجنا﴾ قال تعالى: ﴿فلما كتب عليهم القتال﴾ أي فرض عليهم؛ ليدافعوا عن أنفسهم، ويحرروا بلادهم من عدوهم؛ وكذلك أبناءهم من السبي. ١٦ - ومنها: تحذير الظالم من الظلم - أيَّ ظلم كان -؛ لقوله تعالى: ﴿والله عليم بالظالمين﴾؛ فإن هذه الجملة تفيد الوعيد والتهديد للظالم. ١٧ - ومنها: تحريم الظلم لوقوع التهديد عليه. ١٨ - ومنها: أن ترك الواجب من الظلم؛ لقوله تعالى: ﴿تولوا إلا قليلاً منهم والله عليم بالظالمين﴾ أي المتولين الذين فرض عليهم القتال، ولم يقوموا به؛ فدل ذلك على أن الظلم ينقسم إلى قسمين: إما فعل محرم؛ وإما ترك واجب. القرآن

стр. 1869

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧] التفسير: وقال لهم نبيهم: إن الله قد أرسل إليكم طالوت مَلِكًا إجابة لطلبكم، يقودكم لقتال عدوكم كما طلبتم. قال كبراء بني إسرائيل: كيف يكون طالوت مَلِكًا علينا، وهو لا يستحق ذلك؟ لأنه ليس من سبط الملوك، ولا من بيت النبوة، ولم يُعْط كثرة في الأموال يستعين بها في ملكه، فنحن أحق بالملك منه؛ لأننا من سبط الملوك ومن بيت النبوة. قال لهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم وهو سبحانه أعلم بأمور عباده، وزاده سَعَة في العلم وقوة في الجسم ليجاهد العدو. والله مالك الملك يعطي ملكه مَن يشاء من عباده، والله واسع الفضل والعطاء، عليم بحقائق الأمور، لا يخفى عليه شيء. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، " أي: أخبرهم نبيّهم" (١). قال الطبري: " وقال للملأ من بني إسرائيل نبيهم شمويل" (٢). قال ابن عثيمين: " ﴿نَبِيُّهُمْ﴾ بتشديد (الياء)؛ وفي قراءة: ﴿نبيئهم﴾ بالهمز (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً﴾ [البقرة: ٢٤٧]، "بأنَّ الله تعالى قد ملَّك عليهم طالوت ليكونوا تحت إِمرته في تدبير أمر الحرب واختاره ليكون أميراً عليهم" (٤). قال السعدي: " فكان هذا تعيينا من الله الواجب عليهم فيه القبول والانقياد وترك الاعتراض" (٥). قال ابن كثير: " لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكًا منهم فعين لهم طالوت وكان رجلا من أجنادهم ولم يكن من بيت الملك فيهم؛ لأن الملك فيهم كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط" (٦). قال صاحب الكشاف: " طالُوتَ اسم أعجمى كجالوت وداود. وإنما امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته، وزعموا أنه من الطوال لما وصف به من البسطة في الجسم. ووزنه إن كان من الطول (فعلوت) منه، أصله طولوت، إلا أنّ امتناع صرفه يدفع أن يكون منه، إلا أن يقال: هو اسم عبراني وافق عربيا، كما وافق حنطا حنطة، وبشمالا لها رخمانا رخيما بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فهو من الطول كما لو كان عربيا، وكان أحد سببيه العجمة لكونه عبرانيا" (٧). قوله تعالى: ﴿قالوا أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٢٤٧]، " أي: كيف يكون ملكًا علينا" (٨). قال النسفي: " أي كيف ومن أين وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له" (٩). وقد قال مجاهد: "قوله: ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾، قال: كان أمير الجيش" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، " والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك" (١١).

стр. 1870

جاء في تفسير الجلالين: " لأنه ليس من سبط المملكة ولا النبوة وكان دباغا أو راعيا" (١). قال ابن كثير: " وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء وقيل: دباغًا" (٢). قال القاسمي: "أي لأن فينا من هو سبط الملوك دونه" (٣). قال ابن عثيمين: " كأنهم يرون أن الملِك لا يكون إلا كابراً عن كابر، وأن هذا لم يسبق لأحد من آبائه أنه تولى الملْك بخلافنا نحن؛ فإن الملوك كانوا منا؛ فكيف جاءه الملك؟ ! " (٤). أخرج ابن ابي حاتم "عن السدي، عن أبي مالك، قوله: ﴿أنى﴾ يعني: من أين؟ " (٥). وعن الربيع بن أنس: " ﴿قالوا أنى يكون له الملك علينا﴾: كيف يكون له الملك علينا؟ " (٦). قال الزمخشري: " ﴿أَنَّى﴾: كيف ومن أين، وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له" (٧). قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، أي"وأنه فقير، لا بد للملك من مال يعتضد به" (٨). أخرج ابن ابي حاتم بسنده "عن السدي وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قال القوم: ما كنت قد أكذب منك الساعة، ونحن سبط المملكة، وليس هو من سبط المملكة، ولم يؤت سعة من المال فنتبعه لذلك، فقال النبي ﷺ : إن الله اصطفاه عليكم" (٩). وعن ابن عباس: ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾، فإنهم لم يقولوا ذلك، إلا أنه كان في بني إسرائيل سبطان، كان في أحدهما النبوة، وكان في الآخر الملك، فلا يبعث نبي إلا من كان من سبط النبوة، ولا يملك على الأرض أحدا، إلا من كان من سبط الملك، وأنه ابتعث طالوت حين ابتعثه وليس من واحد من السبطين، فاختاره عليهم وزاده بسطة في العلم والجسم، ومن أجل ذلك قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه وليس واحدا من السبطين قال: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ﴾، وروي عن سعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس ببعض ذلك" (١٠). وري "عن عكرمة قال: كان طالوت سقاء يبيع الماء" (١١). قال النسفي: " وإنما قالوا ذلك لأن النبوة كانت في سبط لاوي بن يعقوب ﵇، والملك في سبط يهوذا وهو كان من سبط بنيامين، وكان رجلاً سقاء أو دباغاً فقيراً" (١٢). روي عن السدي "قوله: ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ قال: أتى بعصى مقدار الرجل الذي يبعث فيهم ملكا فقال: أن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا، فقاسوا أنفسهم بها، فلم يكونوا مثلها. وكان طالوت رجلا سقاء، يسقي على حمار له، فضل حماره، فانطلق يطلبه في الطريق فلما رأوه، دعوه وقاسوه بها، فكان مثلها، فقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قال القوم: ما كنت قط أكذب منك الساعة، ونحن سبط المملكة،

стр. 1871

وليس هو من سبط المملكة، ولم يؤت سعة من المال، فنتبعه لذلك، فقال النبي: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم" (١). وقال "عبد الصمد بن معقل: سمعت وهبا يقول وزاده بسطة في العلم والجسم قال: فاجتمع بنو إسرائيل فكان طالوت فوقهم من منكبه فصاعدا" (٢). قال الزمخشري: " وروى أنّ نبيهم دعا اللَّه تعالى حين طلبوا منه ملكا، فأتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم، فلم يساوها إلا طالوت" (٣). قال السعدي: " أي: كيف يكون ملكا وهو دوننا في الشرف والنسب ونحن أحق بالملك منه. ومع هذا فهو فقير ليس عنده ما يقوم به الملك من الأموال، وهذا بناء منهم على ظن فاسد، وهو أن الملك ونحوه من الولايات مستلزم لشرف النسب وكثرة المال، ولم يعلموا أن الصفات الحقيقية التي توجب التقديم مقدمة عليها" (٤). قال ابن كثير: " وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنت وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف" (٥). قال الحرالي: "فثنوا اعتراضهم بما هو أشد وهو الفخر بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملكه الله عليهم. فكان فيه حظ من فخر إبليس حيث قال حين أمر بالسجود لآدم: ﴿أنا خير منه﴾ [الأعراف: ١٢]، ولم يؤت سعة من المال، أي فصار له مانعان: أحدهما أنه ليس من بيت الملك. والثاني أنه مملق. والملك لا بد له من مال يعتضد به .. فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام المال وأنه مما يقام به ملك، وإنما الملك بإيتاء الله، فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك، فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم" (٦). قال الزمخشري: " فإن قلت: ما الفرق بين الواوين في: (وَنَحْنُ أَحَقُّ)، (وَلَمْ يُؤْتَ)؟ قلت: الأولى للحال، والثانية لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالا، قد انتظمتهما معا في حكم واو الحال. والمعنى: كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير ولا بدّ للملك من مال يعتضد به" (٧). قوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، أي: " إِنّ الله اختاره عليكم" (٨). عن الضحاك: " ﴿إن الله اصطفاه عليكم﴾، قال: اختاره عليكم" (٩). ونحوه عن ابن زيد (١٠). أخرج ابن ابي حاتم بسنده "عن عبد الله بن عباس قوله: ﴿إن الله اصطفاه عليكم﴾: فاختاره عليكم. وروي عن أبي مالك مثل ذلك" (١١). قال ابن كثير: " أي: اختاره لكم من بينكم والله أعلم به منكم، يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك" (١٢). قال النسفي: " أي اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم ولا اعتراض على حكمه" (١٣).

стр. 1872

قوله تعالى: ﴿وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْم﴾ [البقرة: ٢٤٧]، أي: " فضله عليكم بالعلم والجسم" (١). قال ابن عباس: " ﴿وزاده بسطة﴾، يقول: فضيلة" (٢). وعن وهب بن منبه: " ﴿وزاده بسطة في العلم﴾، قال: العلم بالحرب" (٣). وقال الحافظ ابن حجر: " قوله: ﴿بسطة﴾: أي: زيادة وفضلاً (٤). وعن ابن عباس: " ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾، يقول: كان عظيما جسيما، يفضل بني إسرائيل بعنقه ورأسه" (٥). عن وهب بن منبه قال: "لما قالت بنو إسرائيل: ﴿أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ قال: واجتمع بنو إسرائيل فكان طالوت فوقهم من منكبيه فصاعدا" (٦). وقال ابن إسحاق: "وكان طالوت رجلا قد أعطي بسطة في الجسم وقوة في البطش وشدة في الحرب، مذكور بذلك في الناس" (٧). وقال السدي: "أتى النبي ﷺ بعصا تكون مقدارا على طول الرجل الذي يبعث فيهم ملكا، فقال: إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا. فقاسوا أنفسهم بها، فلم يكونوا مثلها. فقاسوا طالوت بها فكان مثلها" (٨). وقال ابن زيد: " ﴿إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم﴾، بعد هذا" (٩). يعني: مع اصطفائه إياه، بسط له مع ذلك في العلم والجسم. قال ابن كثير: " أي: أتم علمًا وقامة منكم، ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه" (١٠). قال السعدي: "أي: بقوة الرأي والجسم اللذين بهما تتم أمور الملك، لأنه إذا تم رأيه وقوي على تنفيذ ما يقتضيه الرأي المصيب، حصل بذلك الكمال، ومتى فاته واحد من الأمرين اختل عليه الأمر، فلو كان قوي البدن مع ضعف الرأي، حصل في الملك خرق وقهر ومخالفة للمشروع، قوة على غير حكمة، ولو كان عالما بالأمور وليس له قوة على تنفيذها لم يفده الرأي الذي لا ينفذه شيئا" (١١).

стр. 1873

قال النسفي: " قالوا: كان أعلم بني إسرائيل بالحرب والديانات في وقته، وأطول من كل إنسان برأسه ومنكبه .. والبسطة السعة والامتداد، والملك لا بد أن يكون من أهل العلم فإن الجاهل ذليل مزدرى غير منتفع به، وأن يكون جسيماً لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب." (١). قال القاسمي: " لما استبعدوا تملكه بسقوط نسبه وبفقره، رد عليهم ذلك: أوّلا: بأن ملاك الأمر هو اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم. وثانيا: بأن العمدة فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة. وجسامة البدن ليعظم خطره في القلوب ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الحروب، وقد خصه الله تعالى منهما بحظ وافر قاله أبو السعود" (٢). قال الزمخشري: " والظاهر أنّ المراد بالعلم المعرفة بما طلبوه لأجله من أمر الحرب. ويجوز أن يكون عالما بالديانات وبغيرها. وقيل: قد أوحى إليه ونبئ، وذلك أنّ الملك لا بدّ أن يكون من أهل العلم، فإنّ الجاهل مزدرى غير منتفع به، وأن يكون جسيما يملأ العين جهارة لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب" (٣). قوله تعالى: " ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، " أي: يعطي الملك لمن شاء من عباده من غير إِرثٍ أو مال" (٤). عن وهب بن منبه: " ﴿والله يؤتي ملكه من يشاء﴾، الملك بيد الله يضعه حيث شاء، ليس لكم أن تختاروا فيه" (٥). عن مجاهد، "قوله: ﴿والله يؤتي ملكه من يشاء﴾، قال: سلطانه" (٦). قال ابن كثير: " أي: هو الحاكم الذي ما شاء فعل ولا يُسأل عما يفعل وهم يسألون لعلمه [وحكمته] ورأفته بخلقه" (٧). قال النسفي: أي "الملك له غير منازع فيه وهو يؤتيه من يشاء إيتاءه وليس ذلك بالوراثة" (٨). قال ابن عثيمين: " أي يعطي ملكه من يشاء على حسب ما تقتضيه حكمته، كما قال تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير﴾ [آل عمران: ٢٦] " (٩). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، " أي واسع الفضل عليمٌ بمن هو أهلٌ له فيعطيه إِياه" (١٠). روي عن سعيد بن جبير، "في قوله: ﴿عليم﴾، يعني: عالم بها" (١١).

стр. 1874

قال ابن كثير: " أي: هو واسع الفضل يختص برحمته من يشاء عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه" (١). قال الزمخشري: " ﴿واسِعٌ﴾: يوسع على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يصطفيه للملك" (٢). قال الطبري: " ﴿والله واسع﴾ بفضله فينعم به على من أحب، ويريد به من يشاء ﴿عليم﴾ بمن هو أهل لملكه الذي يؤتيه، وفضله الذي يعطيه، فيعطيه ذلك لعلمه به، وبأنه لما أعطاه أهل: إما للإصلاح به، وإما لأن ينتفع هو به" (٣). قال السعدي: " لا يخص برحمته وبره العام أحدا عن أحد، ولا شريفا عن وضيع، ولكنه مع ذلك ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحق الفضل فيضعه فيه، فأزال بهذا الكلام ما في قلوبهم من كل ريب وشك وشبهة لتبيينه أن أسباب الملك متوفرة فيه، وأن فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ليس له راد، ولا لإحسانه صاد" (٤). قال النسفي: " أي واسع الفضل والعطاء يوسع على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يصطفيه للملك فثمة طلبوا من نبيهم آية على اصطفاء الله طالوت" (٥). قال ابن عثيمين: " أي ذو سعة في جميع صفاته؛ واسع في علمه، وفضله، وكرمه، وقدرته، وقوته، وإحاطته بكل شيء، وجميع صفاته، وأفعاله؛ و ﴿عليم﴾ أي ذو علم بكل شيء؛ ومنه العلم بمن يستحق أن يكون ملكاً، أو غيرَه من الفضل الذي يؤتيه الله من يشاء" (٦). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَاسِعٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧] ثلاثة أقاويل (٧): أحدها: واسع الفضل، فحذف ذكر الفضل اكتفاء بدليل اللفظ، كما يقال فلان كبير، بمعنى كبير القَدْر. الثاني: أنه بمعنى مُوسِع النعمة على مَنْ يشاء من خلقه. والثالث: أنه بمعنى ذو سعة. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن نبيهم وافقهم على أن يبعث إليهم ملِكاً ليقاتلوا في سبيل الله؛ فدعا الله ، فاستجاب له. ٢ - ومنها: كمال تعظيم الأنبياء لله تعالى، وحسن الأدب معه؛ لقول نبيهم: ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً﴾؛ ولم يقل: إني بعثت. ٣ - ومنها: أن أفعال العباد مخلوقة لله ؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله قد بعث لكم﴾. ٤ - ومنها: إسناد الفضل إلى أهله؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله قد بعث لكم﴾. ٥ - ومنها: أن الله قد يعطي المُلك من لا يترقبه - لكونه غير وجيه، ولا من سلالة الملوك. ٦ - ومنها: اختيار الألفاظ التي يكون بها إقناع المخاطَب، وتسليمه للأمر الواقع؛ لقول نبيهم: ﴿إن الله قد بعث لكم﴾؛ فإنه أبلغ في الإقناع، والتسليم من قوله: إني بعثت لكم. ٧ - ومنها: أن المعترض يذكر وجه اعتراضه لمخاطبه؛ لقولهم: ﴿أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال﴾.

стр. 1875

٨ - ومنها: أن استفهام هؤلاء القوم يحتمل أن يكون المراد به الاعتراض؛ ويحتمل أن يراد به الاستكشاف، والبحث عن السبب بدون اعتراض: كيف كان ملكاً ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال؟ فإن كان الأول فإن حالهم تقتضي الذم؛ لأنهم كيف يعترضون وهم الذين طلبوا أن يبعث لهم ملكاً! ! ! وإن كان الثاني فلا اعتراض عليهم، ولا لوم عليهم. ٩ - ومنها: أن المجيب يختار ما يكون به الإقناع بادئاً بالأهم فالأهم؛ لقول نبيهم في جوابه: ﴿إن الله اصطفاه عليكم ... ﴾ إلخ؛ فبدأ بذكر ما لا جدال فيه - وهو اصطفاء الله عليهم -؛ ثم ذكر بقية المؤهلات: وهي أن الله زاده بسطة في العلم، وتدبير الأمة، والحروب، وغير ذلك، وأن الله زاده بسطة في الجسم: ويشمل القوة، والطول ... ؛ وأن الله هو الذي يؤتي ملكه من يشاء، وفعله هذا لابد وأن يكون مقروناً بالحكمة: فلولا أن الحكمة تقتضي أن يكون طالوت هو الملك ما أعطاه الله الملك؛ وأن الله واسع عليم: فهو ذو الفضل الذي يمده إلى من يشاء من عباده؛ فله أن يتفضل على من يشاء؛ الله أعلم حيث يجعل رسالته؛ والله أعلم أيضاً حيث يجعل ولايته. ١٠ - ومن فوائد الآية: أن الملك تتوطد أركانه إذا كان للإنسان مزية في حسبه، أو نسبه، أو علمه، أو قوته؛ يؤخذ هذا أولاً من قولهم: ﴿أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال﴾؛ وثانياً من قوله: ﴿إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم﴾. ١١ - ومنها: بيان أن تقدير الله فوق كل تصور؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله اصطفاه عليكم﴾ مع أنهم قَدَحوا فيه من وجهين: أنهم أحق بالملك منه، وأنه فقير؛ فبيّن نبيهم أن الله اصطفاه عليكم بما تقتضيه الحكمة. ١٢ - ومنها: أنه كلما كان ولي الأمر ذا بسطة في العلم، وتدبير الأمور، والجسم، والقوة كان أقوَم لملكه، وأتم لإمرته؛ لقوله تعالى: ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾. ١٣ - ومنها: أن ملك بني آدم مُلك لله؛ لقوله تعالى: ﴿والله يؤتي ملكه من يشاء﴾؛ فهذا المَلِك في مملكته هو في الحقيقة ما مَلَكَ إلا بإذن الله ؛ فالمُلْك لله وحده يؤتيه من يشاء. ١٤ - ومنها: أن ملكنا لما نملكه ليس ملكاً مطلقاً نتصرف فيه كما نشاء؛ بل هو مقيد بما أذن الله به؛ ولهذا لا نتصرف فيما نملك إلا على حسب ما شرعه الله؛ فلو أراد الإنسان أن يتصرف في ملكه كما يشاء - يتلفه ويحرقه، ويعذبه إذا كان حيواناً - فليس له ذلك؛ لأن ملكه تابع لملك الله . ١٥ - ومنها: إثبات المشيئة لله ؛ لقوله تعالى: ﴿من يشاء﴾؛ ومشيئته تعالى تابعة لحكمته؛ لقوله : ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً﴾ [الإنسان: ٣٠]. ١٦ - ومنها: أن أفعال الله تقع بمشيئته لا مكره له؛ لأنه المهيمن على كل شيء. ١٧ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله - وهما ﴿واسع﴾، و ﴿عليم﴾، وما تضمناه من وصف، أو حكم. ١٨ - ومنها: إثبات سعة الله في إحاطته، وصفاته، وأفعاله. القرآن ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾ [البقرة: ٢٤٨] التفسير: وقال لهم نبيهم: إن علامة ملكه أن يأتيكم الصندوق الذي فيه التوراة -وكان أعداؤهم قد انتزعوه منهم- فيه طمأنينة من ربكم تثبت قلوب المخلصين، وفيه بقية من بعض أشياء تركها آل موسى وآل هارون، مثل العصا وفُتات الألواح تحمله الملائكة. إن في ذلك لأعظم برهان لكم على اختيار طالوت ملكًا عليكم بأمر الله، إن كنتم مصدقين بالله ورسله.

стр. 1876

قوله تعالى: ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، أي: قال لهم نبيهم: إن" علامة ملكه" (١). قال ابن كثير: " يقول نبيهم لهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم" (٢). قال الصابوني: "أي علامة ملكه واصطفائه عليكم" (٣). قوله تعالى: ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، أي "يرد الله إليكم التابوت الذي أخذ منكم وهو صندوق التوراة" (٤). عن ابن إسحاق: " ﴿أن يأتيكم التابوت فيه﴾ قال: فيرد عليكم" (٥). قال الزمخشري: "التَّابُوتُ: صندوق التوراة. وكان موسى ﵇ إذا قاتل قدّمه فكانت تسكن نفوس بنى إسرائيل ولا يفرّون" (٦). قال: وهب بن منبه عن صفة تابوت موسى: "كان نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين" (٧). قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، أي " أي في التابوت السكون والطمأنينة والوقار" (٨). قال ابن كثير: " قيل: معناه فيه وقار، وجلالة" (٩). قال القرطبي: " أي هو سبب سكون قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت؛ ونظيره ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْه﴾ [التوبة: ٤٠] أي أنزل عليه ما سكن به قلبه" (١٠). قال الزمخشري: "والسكينة: السكون والطمأنينة، وقيل: هي صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت، لها رأس كرأس الهرّ وذنب كذنبه وجناحان، فتئن فيزف التابوت نحو العدوّ وهم يمضون معه، فإذا استقرّ ثبتوا وسكنوا ونزل النصر، وقيل: أراد أن التابوت كان سبب سكون قلوبهم، فأينما كانوا سكنوا إليه ولم يفروا من التابوت إذا كان معهم في الحرب" (١١). قال القاسمي: "أي: وقار وجلال وهيبة. أو فيه سكون نفوس بني إسرائيل يتقوون به على الحرب" (١٢). وذكر أهل العلم في معنى الـ ﴿سَكِينَةٌ﴾ أقوال (١٣): أحدها: ريح هفَافة لها وجه كوجه الإِنسان، وهذا قول عليّ ﵇ (١٤). والثاني: أنها طست من ذهبٍ من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، وهذا قول ابن عباس (١٥) والسدي (١٦)، ورجّحه الحافظ ابن حجر قائلا: " وأما التي (١٧) في قوله تعالى: (فِيهِ سَكينَة مِّن رَّبِّكُم) فيحتمل قول السدي وأبي مالك" (١٨) (١٩). والثالث: وقيل: السكينة لها وجه كوجه الهر وجناحان. قاله مجاهد (٢٠) (٢١) وابن عباس في أحد قوليه (٢٢) وأبن مالك (٢٣) نحوه في احدلى الروايات. والرابع: وقيل: بل هي رأس هرة ميتة. قاله وهب بن منبه (٢٤). الخامس: أنها روح من الله تعالى يتكلم، وهذا قول وهب بن منبه (٢٥). والسادس: أنها ما يعرف من الآيات فيسكنون إليها، وهذا قول عطاء بن أبي رباح (٢٦)، والحسن (٢٧). والسابع: أنها الرحمة، وهو قول الربيع ابن أنس (٢٨)، وابن عباس (٢٩). والثامن: أنها الوقار، وهو قول قتادة (٣٠). والتاسع: أنها عصى موسى، قاله عكرمة (٣١). والراجح-والله أعلم- هو تفسير (السكينة) بطمأنينة القلب وسكينته؛ إذ أن إتيان التابوت تحمله الملائكة إليهم وفيه بقية مما ترك آل موسى وال هارون فيه طمأنينة لقلوبهم وسكينة لنفوسهم، والله أعلم (٣٢)، وهو ما قاله عطاء بن أبي رباح بأن السكينة: من الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي تعرفونها، وهو اختيار الطبري، إذ يقول: "وذلك أن (السكينة) في كلام العرب (الفعيلة)، من قول القائل: سكن فلان إلى كذا وكذا،

стр. 1877

إذا اطمأن إليه وهدأت عنده نفسه، فهو يسكن سكونا وسكينة، مثل قولك: عزم فلان هذا الأمر عزما وعزيمة، وقضى الحاكم بين القوم قضاء وقضية، ومنه قول الشاعر (١): لله قبر غالها! ماذا يجن؟ ... لقد أجن سكينة ووقارا وإذا كان معنى (السكينة) ما وصفت، فجائز أن يكون ذلك على ما قاله علي بن أبي طالب على ما روينا عنه، وجائز أن يكون ذلك على ما قاله مجاهد على ما حكينا عنه، وجائز أن يكون ما قاله وهب بن منبه وما قاله السدي، لأن كل ذلك آيات كافيات تسكن إليهن النفوس، وتثلج بهن الصدور، وإذا كان معنى (السكينة) ما وصفنا، فقد اتضح أن الآية التي كانت في التابوت، التي كانت النفوس تسكن إليها لمعرفتها بصحة أمرها، إنما هي مسماة بالفعل وهي غيره، لدلالة الكلام عليه" (٢) ومما يعضد بأن السكينة أمر معنوي وتدل على ما تسكن إليها النفوس، ما رواه مسلم عن البراء قال: " كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدُورُ وَتَدْنُو وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنْهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ" (٣). وفي حديث أبي سعيد الخدري: أن أسيد بن الحضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده الحديث وفيه: فقال رسوله الله ﷺ : " تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ" (٤). قال القرطبي: فأخبر ﷺ عن نزول السكينة مرة، ومرة عن نزول الملائكة؛ فدل على أن السكينة كانت في تلك الظلة، وأنها تنزل أبدا مع الملائكة. وفي هذا حجة لمن قال إن السكينة روح أو شيء له روح لأنه لا يصح استماع القرآن إلا لمن يعقل، والله أعلم" (٥). وقرأ أبو السمال: سكينة، بفتح السين والتشديد، قال الزمخشري: "وهو غريب" (٦). قوله تعالى: ﴿وَبَقِيِّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، يعني: " وفيه أيضاً بقية من آثار آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة" (٧). قال ابن عباس: "فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إلى التابوت، حتى وضعته عند طالوت" (٨). وقال السدي: "فأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون، وسلموا الملك لطالوت" (٩). وقال الربيع: "وكان موسى فيما ذكر لنا، ترك التابوت عند فتاه يوشع بن نون، وهو في البرية، فذكر لنا أن الملائكة حملته من البرية حتى وضعته في دار طالوت، فأصبح التابوت في داره" (١٠). وتعددت أقوال أهل التفسير في معنى (البقية)، وذكروا فيها أوجها (١١):

стр. 1878

أحدها: أن البقية: رضاض (١) الألواح. قاله ابن عباس (٢) (٣) (٤) وروي عن عكرمة (٥) والسدي (٦) وقتادة (٧) نحو ذلك. والثاني: أنها: العلم والتوراة، وهو قول عطاء (٨). والثالث: أنها: الجهاد في سبيل الله، وهو قول الضحاك (٩) (١٠). والرابع: أنها: التوراة وشيء من ثياب موسى، وهو قول الحسن. والخامس: أنها: ثياب موسى وثياب هارون ولوحان من التوراة، والمن. قاله أبو صالح (١١) (١٢)، والثوري (١٣)، وعطية بن سعد (١٤). السادس: أنها: العصا والنعلان. قاله الثوري (١٥) (١٦). السابع: أنها: العصا وحدها. قاله وهب بن منبه (١٧). قال ابن عطية: " والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى فالمعهود أن الله ينصر الحق والأمور الفاضلة عنده والسكينة على هذا فعيلة مأخوذة من السكون كما يقال عزم عزيمة وقطع قطيعة" (١٨). وقال الطبري: "وجائز أن يكون تلك البقية: العصا، وكسر الألواح، والتوراة، أو بعضها، والنعلين، والثياب، والجهاد في سبيل الله وجائز أن يكون بعض ذلك، وذلك أمر لا يدرك علمه من جهة الاستخراج ولا اللغة، ولا يدرك علم ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلم. ولا خبر عند أهل الإسلام في ذلك للصفة التي وصفنا. وإذ كان كذلك، فغير جائز فيه تصويب قول وتضعيف آخر غيره، إذ كان جائزا فيه ما قلنا من القول" (١٩). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] على قولين (٢٠): أحدهما: قالوا: الأنبياء من بنى يعقوب بعدهما، لأن عمران هو ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب فكان أولاد يعقوب آلهما. والثاني: وقيل: مما تركه موسى وهرون. والآل مقحم لتفخيم شأنهما.

стр. 1879

وقوله تعالى: ﴿تَحْمِلُهُ الْمْلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، اختلف أهل التفسير في صفة حمل الملائكة ذلك التابوت، على قولين (١): الأول: قيل: تحمله الملائكة بين السماء والأرض، حتى تضعه بين أظهرهم. قاله ابن عباس (٢)، وابن زيد (٣)، والسدي (٤)، وقتادة (٥). الثاني: وقال آخرون: معنى ذلك: تسوق الملائكة الدواب التي تحمله. قاله الثوري (٦)، وقتادة (٧)، ووهب بن منبه (٨). والراجح هو القول الأول، لأن ظاهر اللفظ يدل عليه، إذ قال تعالى: ﴿تَحْمِلُهُ الْمْلائِكَةُ﴾، ولو قال تأتي به الملائكة، لجاز القول الثاني، قال الطبري: "لأن " الحمل " المعروف، هو مباشرة الحامل بنفسه حمل ما حمل، فأما ما حمله على غيره وإن كان جائزا في اللغة أن يقال " حمله " بمعنى معونته الحامل، وبأن حمله كان عن سببه فليس سبيله سبيل ما باشر حمله بنفسه، في تعارف الناس إياه بينهم. وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من اللغات، أولى من توجيهه إلى الأنكر، ما وُجد إلى ذلك سبيل" (٩). واختلفوا أين كان قبل أن يرد إليهم على قولين (١٠): الأول: قال ابن عباس (١١)، ووهب بن منبه (١٢)، كان في أيدي العمالقة، غلبوا عليه بني إسرائيل. الثاني: وقال قتادة (١٣)، والربيع (١٤): كان في بريّة التيه، خَلَّفَه هناك يوشع بن نون. والراجح هو القول الاول، " وذلك أن الله تعالى ذكره قال مخبرا عن نبيه في ذلك الزمان قوله لقومه من بني إسرائيل: " إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت "، و " الألف واللام " لا تدخلان في مثل هذا من الأسماء إلا في معروف عند المتخاطبين به. وقد عرفه المخبر والمخبر. فقد علم بذلك أن معنى الكلام: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت الذي قد عرفتموه، الذي كنتم تستنصرون به، فيه سكينة من ربكم. ولو كان ذلك تابوتا من التوابيت غير معلوم عندهم قدره ومبلغ نفعه قبل ذلك، لقيل: إن آية ملكه أن يأتيكم تابوت فيه سكينة من ربكم" (١٥). قال الزمخشري: "وقرئ: ﴿يحمله﴾، بالياء" (١٦). قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، " أي إِن في نزول التابوت لعلامة واضحة أنّ الله اختاره ليكون ملكاً عليكم" (١٧).

стр. 1880

عن سعيد بن جبير، "في قول الله: ﴿ذلك﴾ يعني: هذا" (١). عن ابن عباس: " ﴿إن في ذلك لآية﴾ قال: علامة" (٢). وقال محمد بن إسحاق: " ﴿إن في ذلك لآية لكم﴾، أي: رسول الله إليكم إن كنتم مؤمنين" (٣). قال ابن كثير: " أي: على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت" (٤). قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، أي: "إِن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر" (٥). وروي عن سعيد في قول الله ﴿مؤمنين﴾ قال: "مصدقين" (٦). قال الطبري: " أن نبيه أشمويل قال لبني إسرائيل: إن في مجيئكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون حاملته الملائكة " لآية لكم "، يعني: لعلامة لكم ودلالة، أيها الناس، على صدقي فيما أخبرتكم: أن الله بعث لكم طالوت ملكا، أن كنتم قد كذبتموني فيما أخبرتكم به من تمليك الله إياه عليكم، واتهمتموني في خبري إياكم بذلك " إن كنتم مؤمنين "، يعني بذلك: إن كنتم مصدقي عند مجيء الآية التي سألتمونيها على صدقي فيما أخبرتكم به من أمر طالوت وملكه" (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: رحمة الله بعباده، حيث يؤيد الأمور بالآيات لتقوم الحجة؛ لقوله تعالى: ﴿وقال لهم نبيهم إن آية ملكه﴾؛ ولو شاء الله لفعل ما يفعل بدون آية، وانتقم من المكذبين، والمستكبرين؛ ولكن من رحمته أنه يبعث بالآيات حتى تطمئن القلوب، وحتى تقوم الحجة؛ ولهذا ما من رسول أرسل إلا أوتي ما على مثله يؤمن البشر؛ وحصول الآيات حكمة ظاهرة؛ لأنه لو خرج رجل من بيننا، وقال: أنا رسول الله إليكم: «افعلوا ما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه؛ وإلا فإن دماءكم وأموالكم حلال لي»؛ فإنه لا يطاع؛ ولكن من رحمة الله ، وحكمته أن جعل للرسل آيات حتى تقوم الحجة، ويستجيب الناس. ٢ - ومن فوائد الآية: ما في التابوت من الآيات العظيمة، حيث كان هذا التابوت مشتملاً على ما تركه آل موسى، وآل هارون من العلم، والحكمة من وجه؛ وكان أيضاً سكينة للقوم تسكن إليه نفوسهم، وقلوبهم، ويزدادون قوة في مطالبهم. ٣ - ومنها: أن للسكينة تأثيراً على القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿فيه سكينة من ربكم﴾؛ وتأمل كيف أضافه إلى ربوبيته إشارة إلى أن في ذلك عناية خاصة لهؤلاء القوم؛ والسكينة إذا نزلت في القلب اطمأن الإنسان، وارتاح، وانشرح صدره لأوامر الشريعة، وقَبِلها قبولاً تاماً. ٤ - ومنها: إثبات الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿تحمله الملائكة﴾؛ وفي قوله تعالى: ﴿الملائكة﴾ دليل على أن التابوت كبير. ٥ - ومنها: أن الآيات إنما ينتفع بها المؤمن؛ لقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾. ٦ - ومنها: تأكيد الشيء بأدوات التأكيد، والتكرار؛ وهنا في هذه الآية اجتمع التكرار، والأدوات؛ فقوله تعالى: ﴿إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت﴾، ثم قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية لكم﴾: فهذا أكد بالتكرار؛ وأكد أيضاً بـ ﴿إن﴾، واللام: ﴿إن في ذلك لآية لكم﴾: فهذا أكد بالأدوات.

стр. 1881

٧ - ومنها: فضيلة الإيمان، وأن الإيمان أكبر ما يكون تأثيراً في الانتفاع بآيات الله ؛ لقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾. ٨ - ومنها: أن الإنسان إذا ازداد إيماناً ازداد فهماً لكتاب الله ، وسنّة رسوله ﷺ ؛ لأن الشيء إذا علق على وصف فإنه يزداد بزيادة ذلك الوصف، وينقص بنقصانه؛ فكلما تم الإيمان كان انتفاع الإنسان بآيات الله أكثر، وفهمه لها أعظم. ٩ - ومنها: أن الملائكة أجسام؛ لقوله تعالى: ﴿تحمله الملائكة﴾؛ وأما قول من يقول: إنهم عقول فقط؛ أو أنهم أرواح، وليس لهم أجسام فقول ضعيف؛ بل باطل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة﴾ [فاطر: ١]؛ والنبي ﷺ رأى جبريل على خلقته - أو على صورته - التي خلق عليها له ستمائة جناح قد سد الأفق (١). القرآن ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩] التفسير: فلما خرج طالوت بجنوده لقتال العمالقة قال لهم: إن الله ممتحنكم على الصبر بنهر أمامكم تعبرونه؛ ليتميَّز المؤمن من المنافق، فمن شرب منكم من ماء النهر فليس مني، ولا يصلح للجهاد معي، ومن لم يذق الماء فإنه مني؛ لأنه مطيع لأمري وصالح للجهاد، إلا مَن ترخَّص واغترف غُرْفة واحدة بيده فلا لوم عليه. فلما وصلوا إلى النهر انكبوا على الماء، وأفرطوا في الشرب منه، إلا عددًا قليلا منهم صبروا على العطش والحر، واكتفوا بغُرْفة اليد، وحينئذ تخلف العصاة. ولما عبر طالوت النهر هو والقلة المؤمنة معه -وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا لملاقاة العدو، ورأوا كثرة عدوهم وعدَّتهم، قالوا: لا قدرة لنا اليوم بجالوت وجنوده الأشداء، فأجاب الذين يوقنون بلقاء الله، يُذَكِّرون إخوانهم بالله وقدرته قائلين: كم من جماعة قليلة مؤمنة صابرة، غلبت بإذن الله وأمره جماعة كثيرة كافرة باغية. والله مع الصابرين بتوفيقه ونصره، وحسن مثوبته. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، أي: " أي فلما خرج طالوت من البلد يصحبه هؤلاء الجند" (٢). قال الزمخشري: فلما " انفصل عن بلده بالجنود" (٣). قال البغوي: "أي خرج بهم" (٤). أخرج ابن ابي حاتم بسنده " عن محمد بن كعب القرظي، قال: فسار طالوت بالجنود إلى جالوت، يعني قوله: ﴿فلما فصل طالوت بالجنود﴾ " (٥).

стр. 1882

وقال السدي: " يعني قوله: ﴿فلما فصل طالوت بالجنود﴾ قال: فخرجوا معه، وهم ثمانون ألفا، وكان جالوت من أعظم الناس وأشدهم بأسا، فخرج يسير بين يدي الجند فلا يجتمع إليه أصحابه، حتى يهزم هو، من لقي" (١). وقوله ﴿فَصَلَ﴾، يعني: " شخص بالجند ورحل بهم" (٢). قال القرطبي: " فصلت الشيء فانفصل، أي قطعته فانقطع" (٣). قال الراغب: " الجند: يقال للعسكر اعتباراً بالغلظة من الجند، أي الأرض الغليظة ثم يقال: لكل مجتمع جند، نحو: "الأرواح جنود مجندة .. " (٤) " (٥). روي "عن وهب بن منبه قال: خرج بهم طالوت حين استوسقوا له، ولم يتخلف عنه إلا كبير ذو علة، أو ضرير معذور، أو رجل في ضيعة لا بد له من تخلف فيها" (٦). وعن السدي قال: "لما جاءهم التابوت آمنوا بنبوة شمعون، وسلموا ملك طالوت، فخرجوا معه وهم ثمانون ألفا" (٧). قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، أي: " أي مختبركم به" (٨). قال النسفي: أي: مختبركم ليتميز المحقق في الجهاد من المعذر" (٩). قال البغوي: قال: إن الله "مختبركم ليرى طاعتكم - وهو أعلم -" (١٠). عن قتادة في قول الله تعالى: " ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾، قال: إن الله يبتلي خلقه بما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه" (١١). وعن ابن عباس: ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾ يقول: بالعطش" (١٢). وقيل: إن طالوت قال ذلك، "لأنهم شكوا إلى طالوت قلة المياه بينهم وبين عدوهم، وسألوه أن يدعو الله لهم أن يجري بينهم وبين عدوهم نهرا، فقال لهم طالوت حينئذ ما أخبر عنه أنه قاله من قوله: ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾ " (١٣). روي عن وهب بن منبه قال: "لما فصل طالوت بالجنود قالوا: إن المياه لا تحملنا، فادع الله لنا يجري لنا نهرا! فقال لهم طالوت: ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾ الآية" (١٤). قال القرطبي: " استدل من قال أن طالوت كان نبيا بقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ وأن الله أوحى إليه بذلك وألهمه، وجعله الإلهام ابتلاء من الله لهم. ومن قال لم يكن نبيا قال: أخبره نبيهم شمويل بالوحي حين أخبر طالوت قومه بهذا، وإنما وقع هذا الابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب" (١٥).

стр. 1883

وقد اختلفوا في (النهر) على ثلاثة أقوال (١): الأول: حُكِيَ عن ابن عباس (٢) والربيع (٣) وقتادة (٤) وعكرمة (٥): أنه نهر بين الأردن وفلسطين. قال ابن كثير: " وهو نهر الشريعة المشهور" (٦) (٧). والثاني: وقيل إنه نهر فلسطين. وهو قول السدي (٨) وأحد قولي ابن عباس (٩). والثالث: وقيل هو نهر الأردن. قاله ابن شوذب وهو أحد روايات ابن عباس (١٠). وفي سبب ابتلاءهم بالنهر قيل: أنهم شكوا إلى طالوت قلة المياه بينهم وبين عدوهم، وسألوه أن يدعو الله لهم أن يجري بينهم وبين عدوهم نهرا، روي عن " وهب بن منبه قال: لما فصل طالوت بالجنود قالوا: إن المياه لا تحملنا، فادع الله لنا يجري لنا نهرا! فقال لهم طالوت: ﴿إن الله مبتليكم بنهر﴾ الآية" (١١). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، "أي من شرب منه فلا يصحبني" (١٢). قال القرطبي: " أي ليس من أصحابي في هذه الحرب، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان" (١٣). قال الماوردي: " أي: ليس من أهل ولايتي" (١٤). قال البغوي: " أي ليس من أهل ديني وطاعتي" (١٥). قال القرطبي: " ﴿شرب﴾، قيل: معناه كرع" (١٦). وقد ورد في الحديث "من غشنا فليس منا" (١٧) أي ليس من أصحابنا ولا على طريقتنا وهدينا، قال نابغة الذبياني (١٨):

стр. 1884

إذا حاولت في أسد فجورا ... فإني لست منك ولست مني وقول الشاعر (١): فإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا بردا وهذا كثير في كلام العرب؛ يقول الرجل لابنه إذا سلك غير أسلوبه: لست مني (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، " أي: من لم يشرب منه ولم يذقه فإِنه من جندي الذين يقاتلون معي" (٣). قال الطبري: " ومن لم يذق ماء ذلك النهر فهو مني، يقول: هو من أهل ولايتي وطاعتي، والمؤمنين بالله وبلقائه" (٤). قال القاسمي: " أي لم يذقه. من: طعم كعلم الشيء، إذا ذاقه مأكولا كان أو مشروبا، وفي إيثاره على (لم يشربه) إشعار بأنه محظور تناوله ولو مع الطعام" (٥) (٦). قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِه﴾ [البقرة: ٢٤٩]، " أي لكن من اغترف قليلاً من الماء ليبلَّ عطشه وينقع غلته فلا بأس بذلك" (٧). قال الطبري: "ومن لم يطعم ماء ذلك النهر، إلا غرفة يغترفها بيده، فإنه مني" (٨). عن ابن عباس: " ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾ وأجزأ من اغترف غرفة بيده، وانقطع عنه العطش" (٩). وروي عن السدي، نحو ذلك" (١٠). وأخرج ابن ابي حاتم بسنده "عن الحسن، قوله: ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾، قال: في تلك الغرفة، ما شربوا وسقوا دوابهم" (١١). وقال أبو عمرو: (الغرفة): تكون من المرقة والغرفة باليد" (١٢). وقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِه﴾ [البقرة: ٢٤٩] (١٣): الأولى: قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بالفتح ﴿غَرْفَةً﴾. الثانية: وقرأ الباقون ﴿غُرْفَةً﴾ بالضم.

стр. 1885

والفرق بينهما أن (الغُرفة) بالضم اسم للماء المشروب، و (الغَرفة) بالفتح اسم للفعل، قال الكسائي: "الغرفة بالضم الذي يحصل في الكف من الماء إذا غرف، والغرفة: بالفتح الاغتراف فالضم اسم والفتح مصدر" (١). قال الراغب: " والغرف تناول الماء، ويقال للمعترف غرفة، وللمرة غرفة، والغريف الماء المعرض للاغتراف، وتصور منه الرفع، فسمي العلية غرفة تشبيهاً بالمغترف، وبهذا النظر سمي مشربة، وسمي الغمام مادام عرفه كأنه لرطوبته معترف" (٢). قال القرطبي: " الاغتراف: الأخذ من الشيء باليد وبآلة، ومنه المغرفة، والغَرف مثل الاغتراف .. وقال بعض المفسرين: الغَرفة بالكف الواحد والغُرفة بالكفين. وقال بعضهم: كلاهما لغتان بمعنى واحد. وقال علي ﵁: الأكف أنظف الآنية، ومنه قول الحسن (٣): لا يدلفون إلى ماء بآنية ... إلا اغترافا من الغدران بالراح الدليف: المشي الرويد" (٤). قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، " أي شرب الجيش منه إِلا فئة قليلة صبرت على العطش" (٥). قال القاسمي: أي: شربوا "إلى حد الارتواء" (٦). روي عن قتادة: " ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾، فشرب القوم على قدر يقينهم. أما الكفار فجعلوا يشربون فلا يروون، وأما المؤمنون فجعل الرجل يغترف غرفة بيده فتجزيه وترويه" (٧). وعن الربيع: " ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾، يعني المؤمنين منهم، وكان القوم كثيرا، فشربوا منه إلا قليلا منهم يعني المؤمنين منهم. كان أحدهم يغترف الغرفة فيجزيه ذلك ويرويه" (٨). واختلفوا في (القليل) الذين لم يشربوا على قولين: الأول: فقال السدي: "كانوا أربعة آلاف" (٩). الثاني: وقال سعيد بن جبير: "ثلاثمائة وبضعة عشر" (١٠). والقول الثاني هو الصحيح، يدل عليه ما روي "عن البراء قال: كنا أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة" (١١).

стр. 1886

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، " أي: لما اجتاز النهر مع الذين صبروا على العطش والتعب" (١). روي عن ابن عباس: " ﴿فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه﴾، قال: فبرأ الذين شربوا من الإيمان، وأثبت الذين اغترفوا بأيديهم، فأثبت لهم الإيمان" (٢). قال القرطبي: " وأكثر المفسرين: على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة" (٣). قال الراغب: " وجوز الطريق وسطه، و (جاز منه) كأنه عبر الجوز، فكثر حتى صار الجايز لما لا يكره، وعلى نحوه قيل سائغ، وهو من ساغ الطعام في الحلق، وجاوز، وتجاوز استعير له هذا البناء" (٤). قوله تعالى: ﴿قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، يعني: قال فريق منهم: "لا قدرة لنا على قتال الأعداء مع قائد جيشهم جالوت فنحن قلة وهم كثرة كاثرة" (٥). قال القاسمي: " لأنه سلبت شجاعتهم" (٦). روي " عن السدي قال: فنظروا إلى جالوت، رجعوا وقالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده وكان جالوت من أعظم الناس وأشدهم بأسا، فخرج يسير بين يدي الجند، فلا يجتمع إليه أصحابه، حتى يهزم هو من لقي" (٧). وعن الربيع، قال: "فجاء جالوت في عدد كثير وعدة" (٨). وقد اختلف أهل التفسير في الذين قالوا: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] (٩): أحدهما: أنه قال ذلك مَنْ قلّت بصيرته من المؤمنين، وهو قول الحسن (١٠)، وقتادة (١١)، وابن زيد (١٢). والثاني: وليسوا ممن شهد قتال جالوت وجنوده، لأنهم انصرفوا عن طالوت ومن ثبت معه لقتال عدو الله جالوت ومن معه، وهم الذين عصوا أمر الله لشربهم من النهر، وهو قول ابن عباس (١٣)، والسدي (١٤). والراجح هو القول الثاني، وهو اختيار جمهور المفسرين (١٥). والله أعلم.

стр. 1887

قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، " أي: قال الذين يعتقدون بلقاء الله وهم الصفوة الأخيار والعلماء الأبرار من أتباع طالوت" (١). روي عن السدي: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾: الذين يستيقنون" (٢). قال البغوي: "" يستيقنون" (٣). وقد ذكر العلماء في (الظن) ها هنا وجوها (٤): أحدها: أنه بمعنى اليقين، ومعناه: الذين يستيقنون أنهم ملاقوا الله، " أطلق لفظ الظن على اليقين على سبيل المجاز لما بين الظن واليقين من المشابهة في تأكد الاعتقاد" (٥). روي "عن سعيد: في قوله: الذين يظنون أنهم ملاقوا الله قال: الذين شروا أنفسهم لله، ووطنوها على الموت" (٦). ومن ذلك قول دريد بن الصُّمّة (٧): فقلت لهم ظُنّوا بِأَلْفَيْ مُدَجج ... سَراتُهُمُ في الفارسيّ المسَرّدِ أي تيقنوا. والثاني: بمعنى الذين يظنون أنهم ملاقوا الله بالقتل في الوقعة.

стр. 1888

قال القرطبي: " و (الظن) هنا بمعنى اليقين، ويجوز أن يكون شكا لا علما، أي قال الذين يتوهمون أنهم يقتلون مع طالوت فيلقون الله شهداء، فوقع الشك في القتل" (١). وقد قال رسول الله- ﷺ : " مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ" (٢). والثالث: قيل: معنى ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾، أي: ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك لأن أحدا لا يعلم عاقبة أمره، فلا بد أن يكون ظانا راجيا وإن بلغ في الطاعة أبلغ الأمر، إلا من أخبر الله بعاقبة أمره. قال الرازي: " وهذا قول أبي مسلم وهو حسن" (٣). والرابع: أن يكون المعنى: قال الذين يظنون أنهم ملاقوا طاعة الله، وذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يكون قاطعا بأن هذا العمل الذي عمله طاعة، لأنه ربما أتى فيه بشيء من الرياء والسمعة، ولا يكون بنية خالصة فحينئذ لا يكون الفعل طاعة، إنما الممكن فيه أن يظن أنه أتى به على نعت الطاعة والإخلاص. الخامس: وقيل: يعني الذين يظنون أنهم ملاقوا وعد الله بالظفر (٤)، وإنما جعله ظنا لا يقينا لأن حصوله في الجملة وإن كان قطعا إلا أن حصوله في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل حسن الظن. قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، أي كثيراً ما غلبت الجماعة القليلة الجماعة الكثيرة بإِرادة الله ومشيئته" (٥). قال الرازي: " وهؤلاء المؤمنون لما وطنوا أنفسهم على القتل، وغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت، لا جرم قيل في صفتهم: إنهم يظنون أنهم ملاقوا الله" (٦). عن ابن عباس" ﴿بإذن الله﴾، يقول: بأمر الله" (٧). قال ابن كثير: " فشجعهم علماؤهم [وهم] العالمون بأن وعد الله حق فإن النصر من عند الله ليس عن كثرة عدد ولا عدد" (٨). قال الصابوني: " فليس النصر عن كثرة العدد وإِنما النصر من عند الله" (٩). قال البغوي: " بقضائه وإرادته" (١٠). قال ابن حجر: " قوله: ﴿فِئَةً﴾ أي: جماعة" (١١). من "فأوت رأسه بالسيف وفأيته أي قطعته" (١٢).

стр. 1889

وروي "عن قتادة: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾، قال: تلقى المؤمنين، بعضهم أفضل من بعض جدا وعزما، وهم كلهم مؤمنون" (١). وعن ابن عباس: " ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾: فأثبت الله الإيمان لهؤلاء الذين قالوا: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله" (٢). قال القرطبي: " وفي قولهم ﵃: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ الآية تحريض على القتال واستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ربه. قلت-أي القرطبي-: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا وفي البخاري: قال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم. وفيه مسند أن النبي ﷺ قال: "هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم". فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة. قال الله تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] وقال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا! بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقا وغربا برا وبحرا، وعمت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم" (٣). قلت: إذا كان الإمام القرطبي يقول عن زمانه هذا الوصف، وهو قريب من الصدر الأول، فماذا نقول نحن عن زماننا! ! إنا لله وإنا إليه راجعون. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، " أي معهم بالحفظ والرعاية والتأييد ومن كان الله معه فهو منصور بحول الله" (٤). قال الرازي: " يحتمل أن يكون هذا قولا للذين قالوا: ﴿كم من فئة قليلة﴾، ويحتمل أن يكون قولا من الله تعالى، وإن كان الأول أظهر" (٥). وعن عطاء بن دينار، "أن سعيد بن جبير، قال: الصبر اعتراف العبد لله، بما أصاب منه، واحتسابه عند الله، ورجاء ثوابه وقد يجزع الرجل وهو متجلد، لا يرى منه إلا الصبر" (٦). وقال ابن زيد: "الصبر في بابين: فصبر على ما أحب الله وإن ثقل، وصبر على ما يكره وإن نازعت إليه الهوى. فمن كان هكذا فهو من الصابرين" (٧). وقد ذكر بعض من يتعاطى غوامض المعاني: أن "هذه الآية مثل ضربه الله للدنيا فشبهها الله بالنهر والشارب منه والمائل إليها والمستكثر منها والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة" (٨).

стр. 1890

قال القرطبي: "ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل والخروج عن الظاهر، لكن معناه صحيح من غير هذا" (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أنه ينبغي للقائد أن يتفقد جنوده؛ لقوله تعالى: ﴿فصل طالوت بالجنود﴾ أي مشى بهم، وتدبر أحوالهم، ورتبهم. ٢ - ومنها: أنه يجب على القائد أن يمنع من لا يصلح للحرب سواء كان مخذلاً، أو مرجفاً، أو ملحداً؛ لقوله تعالى: ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده﴾؛ والفرق بين المخذل، والمرجف، أن المخذِّل هو الذي يخذل الجيش، ويقول: ما أنتم بمنتصرين؛ والمرجف هو الذي يخوف من العدو، فيقول: العدو أكثر عدداً، وأقوى استعداداً ... وما أشبه ذلك. ٣ - ومنها: أن من الحكمة اختيار الجند؛ ليظهر من هو أهل للقتال، ومن ليس بأهل؛ ويشبه هذا ما يصنع اليوم، ويسمى بالمناورات الحربية؛ فإنها عبارة عن تدريب، واختيار للجند، والسلاح: كيف ينفذون الخطة التي تعلَّموها؛ فيجب أن نختبر قدرة الجند على التحمل، والثبات، والطاعة؛ والأساليب الحربية مأخوذة من هذا؛ ولكنها متطورة حسب الزمان. ٤ - ومنها: أن طالوت امتحنهم على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: من شرب من النهر كثيراً؛ فهذا قد تبرأ منه. الوجه الثاني: من لم يشرب شيئاً؛ فهذا من طالوت - أي من جنوده المقربين -. الوجه الثالث: من شرب منه غرفة بيده؛ فهذا لم يتبرأ منه؛ وظاهر الآية أنه مثل الوجه الثاني. وهذا الابتلاء: أولاً ليعلم به من يصبر على المشقة ممن لا يصبر؛ فهو كالترويض والتمرين على الصبر؛ ثانياً: ليعلم به من يمتثل أوامر القائد، ومن لا يمتثل. ٥ - ومن فوائد الآية: أن أكثر عباد الله لا ينفذ أمر الله؛ لقوله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليلاً منهم﴾؛ وهذا أمر يشهد به الحال. قال الله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٣]؛ وقال تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ [الأنعام: ١١٦]؛ وثبت عن النبي ﷺ أن بعث النار من بني آدم تسعُمائة وتسعةٌ وتسعون من الألف (٢)؛ فالطائع قليل، والمعاند كثير. ٦ - ومنها: جواز إخبار الإنسان بالواقع إذا لم يترتب عليه مفسدة؛ لأنهم قالوا: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾؛ وقد يقال: إن هذا لا تدل عليه الآية؛ وأن فيها دليلاً على أن الجبان في ذُعر دائم، ورعب؛ لقولهم: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾. ٧ - ومنها: أن الإيمان موجب للصبر، والتحمل؛ لقوله تعالى: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾. ٨ - ومنها: أن الله يبتلي عباده إما بفوات محبوب؛ أو حصول مكروه؛ ليعلم صبرهم؛ ولهذا نظائر؛ منها ما قصه سبحانه عن بني إسرائيل حين حرم عليهم صيد الحوت في يوم السبت؛ فكانت الحيتان تأتي يوم السبت شُرَّعاً؛ وفي غير يوم السبت لا يرون شيئاً؛ فصنعوا حيلة؛ وهي أنهم وضعوا شباكاً في يوم الجمعة؛ فإذا جاءت الحيتان يوم السبت دخلت في هذا الشباك، ثم نشبت فيه؛ فإذا كان يوم الأحد استخرجوها منه؛ فكان في ذلك حيلة على محارم الله؛ ولهذا انتقم الله منهم؛ ووقع ذلك أيضاً للصحابة - رضوان الله عليهم - وهم في حال الإحرام: فابتلاهم الله بصيد تناله أيديهم، ورماحهم؛ ولكنهم

стр. 1891

رضي الله عنهم امتنعوا عن ذلك؛ وهؤلاء - أعني أصحاب طالوت - ابتلاهم الله بهذا النهر، وكانوا عطاشاً، فقال لهم نبيهم: ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده﴾. ٩ - ومن فوائد الآية: أن الله عند الابتلاء يرحم الخلق بما يكون فيه بقاء حياتهم؛ لقوله تعالى هنا: ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾؛ لأنهم لا بد أن يشربوا للنجاة من الموت. ١٠ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿فمن شرب﴾، وقوله تعالى: ﴿إلا من اغترف﴾، حيث أضاف الفعل إليهم. ١١ - ومنها: أن القليل من الناس هم الذين يصبرون عند البلوى؛ لقوله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليلاً منهم﴾. ١٢ - ومنها: أن من الناس من يكون مرجفاً، أو مخذِّلاً؛ لقوله تعالى: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾؛ هؤلاء مخذِّلون؛ وفي نفس الوقت أيضاً مرجفون. ١٣ - ومنها: أن اليقين يحمل الإنسان على الصبر، والتحمل، والأمل، والرجاء؛ لقوله تعالى: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾؛ مع اليقين قالوا هذا القول لغيرهم لما قال أولئك: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾؛ فردوا عليهم. ١٤ - ومنها: إثبات ملاقاة الله؛ لقوله تعالى: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾ [الانشقاق: ٦]. ١٥ - ومنها: أن الظن يأتي في محل اليقين؛ بمعنى أنه يستعمل الظن استعمال اليقين؛ لقوله تعالى: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾. ١٦ - ومنها: أنه قد تغلب الفئة القليلة فئة كثيرة بإذن الله؛ وهذا قد وقع فيما سبق من الأمم، ووقع في هذه الأمة مثل غزوة «بدر»؛ وقد تُغلَب الفئة الكثيرة، وإن كان الحق معها، كما في غزوة «حنين»؛ لكن لسبب. ١٧ - ومنها: أن الوقائع، والحوادث لا تكون إلا بإذن الله؛ وهذا يشمل ما كان من فعله تعالى؛ وفعل مخلوقاته؛ لقوله تعالى: ﴿بإذن الله﴾. ١٨ - ومنها: إثبات الإذن لله ؛ وهو ينقسم إلى قسمين: إذن كوني؛ وإذن شرعي؛ ففي هذه الآية: إذن كوني؛ وفي قوله تعالى: ﴿قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩]: هذا شرعي؛ وفي قوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١] هذا شرعي أيضاً. ١٩ - ومنها: فضيلة الصبر؛ لقوله تعالى: ﴿والله مع الصابرين﴾. ٢٠ - ومنها: إثبات المعية لله ؛ لقوله تعالى: ﴿والله مع الصابرين﴾؛ فإن قلت: هذه الآية ظاهرها تخصيص معية الله بالصابرين مع أنه في آيات أخرى أثبت معيته لعموم الناس؛ فقال تعالى: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم﴾ [الحديد: ٤]؛ هذا عام، وقال تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ [المجادلة: ٧]؛ فالجواب: أن هذه المعية خاصة تقتضي الإثابة، والنصر، والتأييد؛ وتلك معية عامة تقتضي الإحاطة بالخلق علماً، وسمعاً، وبصراً، وسلطاناً، وغير ذلك من معاني ربوبيته؛ والمعية التي أضافها الله إلى نفسه منها ما يقتضي التهديد؛ ومنها ما يقتضي التأييد؛ ومنها ما هو لبيان الإحاطة، والشمول؛ فمثال الذي يقتضي التأييد قوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٨]، وقوله تعالى لموسى، وهارون: ﴿إني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]، وقوله تعالى عن نبيه محمد ﷺ : ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠]؛ ومثال الذي يقتضي التهديد قوله تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم

стр. 1892

إذ يبيتون ما لا يرضى من القول﴾ [النساء: ١٠٨]؛ ومثال ما يقتضي الإحاطة قوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ [الحديد: ٤]. فإن قلت: ما الجمع بين إثبات المعية لله ، وإثبات العلوّ له؟ . فالجواب: أنه لا تناقض بينهما؛ إذ لا يلزم من كونه معنا أن يكون حالًّا في الأمكنة التي نحن فيها؛ بل هو معنا وهو في السماء، كما نقول: القمر معنا، والقطب معنا، والثريا معنا، وما أشبه ذلك مع أنها في السماء. ٢١ - ومن فوائد الآية: الترغيب في الصبر؛ لقوله تعالى: ﴿والله مع الصابرين﴾؛ والصبر ثلاثة أنواع: الأول: صبر على طاعة الله: بأن يحبس الإنسان نفسه على الطاعة، فيقوم بها من غير ملل، ولا ضجر. الثاني: الصبر عن محارم الله: بأن يحبس نفسه عما حرم الله عليه من قول، أو عمل. الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة: بأن يحبس نفسه عن التسخط على ما يقدره الله من المصائب العامة، والخاصة. وأعلاها الأول، ثم الثاني، ثم الثالث. القرآن ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] التفسير: ولما ظهروا لجالوت وجنوده، ورأوا الخطر رأي العين، فزعوا إلى الله بالدعاء والضراعة قائلين: ربنا أنزل على قلوبنا صبرًا عظيمًا، وثبت أقدامنا، واجعلها راسخة في قتال العدو، لا تفر مِن هول الحرب، وانصرنا بعونك وتأييدك على القوم الكافرين. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا ظهروا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٠]، أي: " ولما ظهر طالوت ومن معه من المؤمنين لجالوت وجنوده وشاهدوا أمامهم من العدد والعدد" (١). قال القاسمي: " إذ دنوا منه" (٢). قال النسفي: " خرجوا لقتالهم" (٣). قال الصابوني: " أي ظهروا في الفضاء المتسع وجهاً لوجه أمام ذلك الجيش الجرار جيش جالوت المدرّب على الحروب" (٤). قال ابن عثيمين: " أي ظهر طالوت، وجنوده؛ مأخوذ من (البراز)، وهي الأرض الواسعة البارزة الظاهرة" (٥) (٦). قال ابن كثير: " أي: لما واجه حزب الإيمان - وهم قليل - من أصحاب طالوت لعدوهم أصحاب جالوت - وهم عدد كثير" (٧).

стр. 1893

قال المراغي: " ولما ظهر طالوت ومن معه من المؤمنين لأعدائه الفلسطينيين جالوت وجنوده، وشاهدوا ما هم عليه من كثرة العدد والعدد" (١). قال أبو حيان: " والمبارزة في الحرب، أن يظهر كل قرن لصاحبه بحيث يراه قرنه" (٢). قال الراغب: " البرز: المكان المرتفع، وبرز " حصل فيه "، وصار عبارة عن الظهور، وقيل للمشهور بالفضل: برز، و " امرأة برزة " قيل عفيفة، لأن رفعة المرأة بالعفة، لأن لفظ البرزة اقتضى ذلك، والأكثر أن البرزة هي التي لا تستقر" (٣). قال القرطبي: " ﴿بَرَزُوا﴾ صاروا في البَراز وهو الأفيح من الأرض المتسع. وكان جالوت أمير العمالقة وملكهم ظله ميل. ويقال: إن البر من من نسله، وكان فيما روي في ثلاثمائة ألف فارس. وقال عكرمة: في تسعين ألفا " (٤). وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن " وهب بن منبه يحدث، قال: لما برز طالوت لجالوت، قال جالوت: أبرزوا إلي من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم فأتي بداود إلى طالوت، فقاضاه إن قتله، أن ينكحه ابنته، وأن يحكمه في ماله. قال: فألبسه طالوت سلاحه، فكره داود أن يقاتله بسلاح وقال: إن الله لم ينصرني عليه، لم يغنني السلاح شيئا، فخرج إليه بالمقلاع وبمخلاة فيها أحجار، ثم برز له. فقال له جالوت: أنت تقاتلني؟ قال داود: نعم. قال: ويلك، ما خرجت إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة .. لأبددن لحمك ولأطعمنك اليوم الطير والسباع، فقال له داود: بل أنت عدو الله، شر من الكلب. فأخذ داود حجرا، فرماه بالمقلاع، فأصاب بين عينيه، حتى نفذت في دماغه، فصرخ جالوت وانهزم من معه، واحتز داود رأسه" (٥). قوله تعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً﴾ [البقرة: ٢٥٠]، " أي: أنزل علينا صبرًا من عندك" (٦). قال القاسمي: "أي: أفضه علينا وأكرمنا به لقتالهم فلا نجزع للجراحات، وإنما طلبوه أولا لأنه ملاك الأمر" (٧). قال السعدي: " أي: قو قلوبنا، وأوزعنا الصبر" (٨). قال ابن عثيمين: " إفراغ الشيء على الشيء يدل على عمومه له؛ والمعنى املأ قلوبنا، وأجسادنا صبراً حتى نثبت" (٩). قال الصابوني: " ربنا أفضْ علينا صبراً يعمنا في جمعنا وفي خاصة نفوسنا لنقوى على قتال أعدائك" (١٠).

стр. 1894

قال الراغب: " والفرغ: خلو المكان لما فيه، وخلو ذي الشغل من شغله، وسمي فرغ الدلو فرغاً باعتبار انصباب الماء عنه، وضربه ضربة مفرغة لدم البدن" (١). قال الشوكاني: " الإفراغ: الصب أي اصببه علينا حتى يفيض ويغمرنا" (٢). قال أبو حيان: " الصبر: هنا حبس النفس للقتال، فزعوا إلى الدعاء لله تعالى فنادوا بلفظ الرب الدال على الإصلاح وعلى الملك، ففي ذلك إشعار بالعبودية. وقولهم: أفرغ علينا صبراً سؤال بأن يصب عليهم الصبر حتى يكون مستعلياً عليهم، ويكون لهم كالظرف وهم كالمظروفين فيه " (٣). قال القرطبي: " ولما رأى المؤمنون كثرة عدوهم تضرعوا إلى ربهم؛ وهذا كقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] الآية، وكان رسول الله ﷺ إذا لقي العدو يقول في القتال: "اللهم بك أصول وأجول" (٤)، وكان ﷺ يقول إذا لقي العدو: " اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم" (٥)، ودعا يوم بدر حتى سقط رداؤه عن منكبيه يستنجز الله وعده " (٦). قوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا﴾ [البقرة: ٢٥٠]، " أي ثبتنا في ميدان الحرب ولا تجعل للفرار سبيلاً إِلى قلوبنا" (٧). اخرج ابن ابي حاتم بسنده عن محمد بن إسحاق أنه قال: " ﴿وثبت أقدامنا﴾، قال: سألوه أن يثبت أقدامهم" (٨). قال ابن كثير: " أي: في لقاء الأعداء وجنبنا الفرار والعجز" (٩). قال النسفي: " بتقوية قلوبنا وإلقاء الرعب في صدور عدونا" (١٠). قال السعدي: " وثبت أقدامنا عن التزلزل والفرار" (١١).

стр. 1895

قال ابن عثيمين: " يعني اجعلها ثابتة لا تزول: فلا نفر، ولا نهرب؛ وربما يراد بـ «الأقدام» ما هو أعم من ذلك؛ وهو تثبيت القلوب أيضاً" (١). قال الشوكاني: " هذا عبارة عن القوة وعدم الفشل يقال ثبت قدم فلان على كذا إذا استقر له ولم يزل عنه وثبت قدمه في الحرب إذا كان الغلب له والنصر معه" (٢). قال أبو حيان: " قال أبو حيان: " وهو كناية عن تشجيع قلوبهم وتقويتها، ولما سألوا ما يكون مستعلياً عليهم من الصبر سألوا تثبيت أقدامهم وإرساخها" (٣). قال الراغب: " الثبات: اللزوم في المكان، وعنه استعير قول ثابت، أي صحيح لا يبطل، وفلان ثبت المقام لمن لا يبرح موقفه في الحرب منهزماً" (٤). قوله تعالى: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠]، " أي انصرنا على من كفر بك وكذب رسلك وهم جالوت وجنوده" (٥). قال ابن عثيمين: " أي قوِّنا عليهم حتى نغلبهم" (٦). قال الشوكاني: " وذكر النصر بعد سؤال تثبيت الأقدام لكون الثاني هو غاية الأول" (٧). قال أبو حيان: " أي: أعنا عليهم، وجاؤوا بالوصف المقتضي لخذلان أعدائهم، وهو الكفر، وكانوا يعبدون الأصنام، وفي قولهم: ربنا، إقرار لله تعالى بالوحدانية، وقرار له بالعبودية" (٨). قال المراغي: " ولقد راعوا الترتيب الطبيعي في الدعاء بحسب الأسباب الغالبة، إذ الصبر سبب الثبات، والثبات سبب النصر، وأولى الناس بنصر الله المؤمنون" (٩). قال القاسمي: " وهذه الآية تدل على أن من حزبه أمر فإنه ينبغي له سؤال المعونة من الله، والتوفيق، والانقطاع إليه تعالى" (١٠). قال السعدي: " من هاهنا نعلم أن جالوت وجنوده كانوا كفارا" (١١). قال الراغب: " ونصر الله عنده قد يكون بزيادة قوته وجرأته، وبإلقاء الرعب في قلوب أعدائه، وغير ذلك، ولم يعن أنهم رغبوا إلى الله في ذلك بالقول فقط، فالقول ليس بمغن ما لم يعاضده فعل، ولا الفعل بمغن ما لم تعاضده النية، فالمعنى لما برزوا رغبوا إلى الله بمقالهم واجتهادهم ونياتهم أن يمدهم بالصبر، وتثبيت القدم والنصرة على الكفرة" (١٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن من تمام العبودية أن يلجأ العبد إلى ربه عند الشدائد؛ لقوله تعالى: ﴿ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً﴾.
следующие страницы →