← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

رضي الله عنهم امتنعوا عن ذلك؛ وهؤلاء - أعني أصحاب طالوت - ابتلاهم الله بهذا النهر، وكانوا عطاشاً، فقال لهم نبيهم: ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده﴾. ٩ - ومن فوائد الآية: أن الله عند الابتلاء يرحم الخلق بما يكون فيه بقاء حياتهم؛ لقوله تعالى هنا: ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾؛ لأنهم لا بد أن يشربوا للنجاة من الموت. ١٠ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿فمن شرب﴾، وقوله تعالى: ﴿إلا من اغترف﴾، حيث أضاف الفعل إليهم. ١١ - ومنها: أن القليل من الناس هم الذين يصبرون عند البلوى؛ لقوله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليلاً منهم﴾. ١٢ - ومنها: أن من الناس من يكون مرجفاً، أو مخذِّلاً؛ لقوله تعالى: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾؛ هؤلاء مخذِّلون؛ وفي نفس الوقت أيضاً مرجفون. ١٣ - ومنها: أن اليقين يحمل الإنسان على الصبر، والتحمل، والأمل، والرجاء؛ لقوله تعالى: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾؛ مع اليقين قالوا هذا القول لغيرهم لما قال أولئك: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾؛ فردوا عليهم. ١٤ - ومنها: إثبات ملاقاة الله؛ لقوله تعالى: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾ [الانشقاق: ٦]. ١٥ - ومنها: أن الظن يأتي في محل اليقين؛ بمعنى أنه يستعمل الظن استعمال اليقين؛ لقوله تعالى: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾. ١٦ - ومنها: أنه قد تغلب الفئة القليلة فئة كثيرة بإذن الله؛ وهذا قد وقع فيما سبق من الأمم، ووقع في هذه الأمة مثل غزوة «بدر»؛ وقد تُغلَب الفئة الكثيرة، وإن كان الحق معها، كما في غزوة «حنين»؛ لكن لسبب. ١٧ - ومنها: أن الوقائع، والحوادث لا تكون إلا بإذن الله؛ وهذا يشمل ما كان من فعله تعالى؛ وفعل مخلوقاته؛ لقوله تعالى: ﴿بإذن الله﴾. ١٨ - ومنها: إثبات الإذن لله ؛ وهو ينقسم إلى قسمين: إذن كوني؛ وإذن شرعي؛ ففي هذه الآية: إذن كوني؛ وفي قوله تعالى: ﴿قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩]: هذا شرعي؛ وفي قوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١] هذا شرعي أيضاً. ١٩ - ومنها: فضيلة الصبر؛ لقوله تعالى: ﴿والله مع الصابرين﴾. ٢٠ - ومنها: إثبات المعية لله ؛ لقوله تعالى: ﴿والله مع الصابرين﴾؛ فإن قلت: هذه الآية ظاهرها تخصيص معية الله بالصابرين مع أنه في آيات أخرى أثبت معيته لعموم الناس؛ فقال تعالى: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم﴾ [الحديد: ٤]؛ هذا عام، وقال تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ [المجادلة: ٧]؛ فالجواب: أن هذه المعية خاصة تقتضي الإثابة، والنصر، والتأييد؛ وتلك معية عامة تقتضي الإحاطة بالخلق علماً، وسمعاً، وبصراً، وسلطاناً، وغير ذلك من معاني ربوبيته؛ والمعية التي أضافها الله إلى نفسه منها ما يقتضي التهديد؛ ومنها ما يقتضي التأييد؛ ومنها ما هو لبيان الإحاطة، والشمول؛ فمثال الذي يقتضي التأييد قوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٨]، وقوله تعالى لموسى، وهارون: ﴿إني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]، وقوله تعالى عن نبيه محمد ﷺ : ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠]؛ ومثال الذي يقتضي التهديد قوله تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم

стр. 1892

إذ يبيتون ما لا يرضى من القول﴾ [النساء: ١٠٨]؛ ومثال ما يقتضي الإحاطة قوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ [الحديد: ٤]. فإن قلت: ما الجمع بين إثبات المعية لله ، وإثبات العلوّ له؟ . فالجواب: أنه لا تناقض بينهما؛ إذ لا يلزم من كونه معنا أن يكون حالًّا في الأمكنة التي نحن فيها؛ بل هو معنا وهو في السماء، كما نقول: القمر معنا، والقطب معنا، والثريا معنا، وما أشبه ذلك مع أنها في السماء. ٢١ - ومن فوائد الآية: الترغيب في الصبر؛ لقوله تعالى: ﴿والله مع الصابرين﴾؛ والصبر ثلاثة أنواع: الأول: صبر على طاعة الله: بأن يحبس الإنسان نفسه على الطاعة، فيقوم بها من غير ملل، ولا ضجر. الثاني: الصبر عن محارم الله: بأن يحبس نفسه عما حرم الله عليه من قول، أو عمل. الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة: بأن يحبس نفسه عن التسخط على ما يقدره الله من المصائب العامة، والخاصة. وأعلاها الأول، ثم الثاني، ثم الثالث. القرآن ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] التفسير: ولما ظهروا لجالوت وجنوده، ورأوا الخطر رأي العين، فزعوا إلى الله بالدعاء والضراعة قائلين: ربنا أنزل على قلوبنا صبرًا عظيمًا، وثبت أقدامنا، واجعلها راسخة في قتال العدو، لا تفر مِن هول الحرب، وانصرنا بعونك وتأييدك على القوم الكافرين. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا ظهروا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٠]، أي: " ولما ظهر طالوت ومن معه من المؤمنين لجالوت وجنوده وشاهدوا أمامهم من العدد والعدد" (١). قال القاسمي: " إذ دنوا منه" (٢). قال النسفي: " خرجوا لقتالهم" (٣). قال الصابوني: " أي ظهروا في الفضاء المتسع وجهاً لوجه أمام ذلك الجيش الجرار جيش جالوت المدرّب على الحروب" (٤). قال ابن عثيمين: " أي ظهر طالوت، وجنوده؛ مأخوذ من (البراز)، وهي الأرض الواسعة البارزة الظاهرة" (٥) (٦). قال ابن كثير: " أي: لما واجه حزب الإيمان - وهم قليل - من أصحاب طالوت لعدوهم أصحاب جالوت - وهم عدد كثير" (٧).

стр. 1893

قال المراغي: " ولما ظهر طالوت ومن معه من المؤمنين لأعدائه الفلسطينيين جالوت وجنوده، وشاهدوا ما هم عليه من كثرة العدد والعدد" (١). قال أبو حيان: " والمبارزة في الحرب، أن يظهر كل قرن لصاحبه بحيث يراه قرنه" (٢). قال الراغب: " البرز: المكان المرتفع، وبرز " حصل فيه "، وصار عبارة عن الظهور، وقيل للمشهور بالفضل: برز، و " امرأة برزة " قيل عفيفة، لأن رفعة المرأة بالعفة، لأن لفظ البرزة اقتضى ذلك، والأكثر أن البرزة هي التي لا تستقر" (٣). قال القرطبي: " ﴿بَرَزُوا﴾ صاروا في البَراز وهو الأفيح من الأرض المتسع. وكان جالوت أمير العمالقة وملكهم ظله ميل. ويقال: إن البر من من نسله، وكان فيما روي في ثلاثمائة ألف فارس. وقال عكرمة: في تسعين ألفا " (٤). وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن " وهب بن منبه يحدث، قال: لما برز طالوت لجالوت، قال جالوت: أبرزوا إلي من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم فأتي بداود إلى طالوت، فقاضاه إن قتله، أن ينكحه ابنته، وأن يحكمه في ماله. قال: فألبسه طالوت سلاحه، فكره داود أن يقاتله بسلاح وقال: إن الله لم ينصرني عليه، لم يغنني السلاح شيئا، فخرج إليه بالمقلاع وبمخلاة فيها أحجار، ثم برز له. فقال له جالوت: أنت تقاتلني؟ قال داود: نعم. قال: ويلك، ما خرجت إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة .. لأبددن لحمك ولأطعمنك اليوم الطير والسباع، فقال له داود: بل أنت عدو الله، شر من الكلب. فأخذ داود حجرا، فرماه بالمقلاع، فأصاب بين عينيه، حتى نفذت في دماغه، فصرخ جالوت وانهزم من معه، واحتز داود رأسه" (٥). قوله تعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً﴾ [البقرة: ٢٥٠]، " أي: أنزل علينا صبرًا من عندك" (٦). قال القاسمي: "أي: أفضه علينا وأكرمنا به لقتالهم فلا نجزع للجراحات، وإنما طلبوه أولا لأنه ملاك الأمر" (٧). قال السعدي: " أي: قو قلوبنا، وأوزعنا الصبر" (٨). قال ابن عثيمين: " إفراغ الشيء على الشيء يدل على عمومه له؛ والمعنى املأ قلوبنا، وأجسادنا صبراً حتى نثبت" (٩). قال الصابوني: " ربنا أفضْ علينا صبراً يعمنا في جمعنا وفي خاصة نفوسنا لنقوى على قتال أعدائك" (١٠).

стр. 1894

قال الراغب: " والفرغ: خلو المكان لما فيه، وخلو ذي الشغل من شغله، وسمي فرغ الدلو فرغاً باعتبار انصباب الماء عنه، وضربه ضربة مفرغة لدم البدن" (١). قال الشوكاني: " الإفراغ: الصب أي اصببه علينا حتى يفيض ويغمرنا" (٢). قال أبو حيان: " الصبر: هنا حبس النفس للقتال، فزعوا إلى الدعاء لله تعالى فنادوا بلفظ الرب الدال على الإصلاح وعلى الملك، ففي ذلك إشعار بالعبودية. وقولهم: أفرغ علينا صبراً سؤال بأن يصب عليهم الصبر حتى يكون مستعلياً عليهم، ويكون لهم كالظرف وهم كالمظروفين فيه " (٣). قال القرطبي: " ولما رأى المؤمنون كثرة عدوهم تضرعوا إلى ربهم؛ وهذا كقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] الآية، وكان رسول الله ﷺ إذا لقي العدو يقول في القتال: "اللهم بك أصول وأجول" (٤)، وكان ﷺ يقول إذا لقي العدو: " اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم" (٥)، ودعا يوم بدر حتى سقط رداؤه عن منكبيه يستنجز الله وعده " (٦). قوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا﴾ [البقرة: ٢٥٠]، " أي ثبتنا في ميدان الحرب ولا تجعل للفرار سبيلاً إِلى قلوبنا" (٧). اخرج ابن ابي حاتم بسنده عن محمد بن إسحاق أنه قال: " ﴿وثبت أقدامنا﴾، قال: سألوه أن يثبت أقدامهم" (٨). قال ابن كثير: " أي: في لقاء الأعداء وجنبنا الفرار والعجز" (٩). قال النسفي: " بتقوية قلوبنا وإلقاء الرعب في صدور عدونا" (١٠). قال السعدي: " وثبت أقدامنا عن التزلزل والفرار" (١١).

стр. 1895

قال ابن عثيمين: " يعني اجعلها ثابتة لا تزول: فلا نفر، ولا نهرب؛ وربما يراد بـ «الأقدام» ما هو أعم من ذلك؛ وهو تثبيت القلوب أيضاً" (١). قال الشوكاني: " هذا عبارة عن القوة وعدم الفشل يقال ثبت قدم فلان على كذا إذا استقر له ولم يزل عنه وثبت قدمه في الحرب إذا كان الغلب له والنصر معه" (٢). قال أبو حيان: " قال أبو حيان: " وهو كناية عن تشجيع قلوبهم وتقويتها، ولما سألوا ما يكون مستعلياً عليهم من الصبر سألوا تثبيت أقدامهم وإرساخها" (٣). قال الراغب: " الثبات: اللزوم في المكان، وعنه استعير قول ثابت، أي صحيح لا يبطل، وفلان ثبت المقام لمن لا يبرح موقفه في الحرب منهزماً" (٤). قوله تعالى: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠]، " أي انصرنا على من كفر بك وكذب رسلك وهم جالوت وجنوده" (٥). قال ابن عثيمين: " أي قوِّنا عليهم حتى نغلبهم" (٦). قال الشوكاني: " وذكر النصر بعد سؤال تثبيت الأقدام لكون الثاني هو غاية الأول" (٧). قال أبو حيان: " أي: أعنا عليهم، وجاؤوا بالوصف المقتضي لخذلان أعدائهم، وهو الكفر، وكانوا يعبدون الأصنام، وفي قولهم: ربنا، إقرار لله تعالى بالوحدانية، وقرار له بالعبودية" (٨). قال المراغي: " ولقد راعوا الترتيب الطبيعي في الدعاء بحسب الأسباب الغالبة، إذ الصبر سبب الثبات، والثبات سبب النصر، وأولى الناس بنصر الله المؤمنون" (٩). قال القاسمي: " وهذه الآية تدل على أن من حزبه أمر فإنه ينبغي له سؤال المعونة من الله، والتوفيق، والانقطاع إليه تعالى" (١٠). قال السعدي: " من هاهنا نعلم أن جالوت وجنوده كانوا كفارا" (١١). قال الراغب: " ونصر الله عنده قد يكون بزيادة قوته وجرأته، وبإلقاء الرعب في قلوب أعدائه، وغير ذلك، ولم يعن أنهم رغبوا إلى الله في ذلك بالقول فقط، فالقول ليس بمغن ما لم يعاضده فعل، ولا الفعل بمغن ما لم تعاضده النية، فالمعنى لما برزوا رغبوا إلى الله بمقالهم واجتهادهم ونياتهم أن يمدهم بالصبر، وتثبيت القدم والنصرة على الكفرة" (١٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن من تمام العبودية أن يلجأ العبد إلى ربه عند الشدائد؛ لقوله تعالى: ﴿ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً﴾.

стр. 1896

٢ - ومنها: أن التجاء الإنسان إلى الله عند الشدائد سبب لنجاته، وإجابة دعوته، لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فهزموهم بإذن الله﴾ [البقرة: ٢٥١]؛ وأما اعتماد الإنسان على نفسه، واعتداده بها فسبب لخذلانه، كما قال تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت﴾ [التوبة: ٢٥]؛ وهذا مشهد عظيم في الواقع؛ فإن كثيراً من الناس إذا أعطاه الله نعمة في بدنه، أو ماله، أو أهله يرى أن ذلك من حوله، وقوته، وكسبه؛ وهذا خطأ عظيم؛ بل هو من عند الله؛ هو الذي منّ به عليك؛ فانظر إلى الأصل - لا إلى الفرع -؛ والنظر إلى الفرع، وإهمال الأصل سفه في العقل، وضلال في الدين؛ ولهذا يجب عليك إذا أنعم الله عليك بنعمة أن تثني على الله بها بلسانك، وتعترف له بها في قلبك، وتقوم بطاعته بجوارحك. ٣ - ومن فوائد الآية: اضطرار الإنسان إلى ربه في تثبيت قدمه على طاعة الله؛ لقوله تعالى: ﴿وثبت أقدامنا﴾. ٤ - ومنها: ذكر ما يكون سبباً للإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾؛ لم يقولوا: على أعدائنا؛ كأنهم يقولون: انصرنا عليهم من أجل كفرهم؛ وهذا في غاية ما يكون من البعد عن العصبية، والحمية؛ يعني ما طلبنا أن تنصرنا عليهم إلا لأنهم كافرون. القرآن ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ [البقرة: ٢٥١] التفسير: فهزموهم بإذن الله، وقتل داود ﵇ جالوتَ قائدَ الجبابرة، وأعطى الله داود بعد ذلك الملك والنبوة في بني إسرائيل، وعَلَّمه مما يشاء من العلوم. ولولا أن يدفع الله ببعض الناس -وهم أهل الطاعة له والإيمان به- بعضًا، وهم أهل المعصية لله والشرك به، لفسدت الأرض بغلبة الكفر، وتمكُّن الطغيان، وأهل المعاصي، ولكن الله ذو فضل على المخلوقين جميعًا. قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥١]، " أي: غلبوهم وقهروهم" (١). قال القرطبي: " فكسروهم" (٢). قال الشوكاني: " الهزم الكسر ومنه سقاء منهزم أي انثنى بعضه على بعض مع الجفاف ومنه ما قيل في زمزم إنها هزمة جبريل أي هزمها برجله فخرج الماء والهزم ما يكسر من يابس الحطب وتقدير الكلام فأنزل الله عليهم النصر" (٣). قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥١]، ذكر أهل التفسير في (الهزيمة) قولان: أحدهما: أنها ليست من فعلهم وإنما أضيفت إليهم مجازاً. والثاني: أنهم لما ألجئوا إليها صاروا سبباً لها، فأضيفت إليهم لمكان الإلجاء. قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥١]، أي: "بنصر الله" (٤). قال البغوي: " أي بعلم الله تعالى" (٥). وقال الشوكاني: " أي بأمره وإرادته" (٦).

стр. 1897

قال النسفي: " بقضائه" (١). قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥١]، ذكر أهل التفسير في (الهزيمة) قولان: أحدهما: أنها ليست من فعلهم وإنما أضيفت إليهم مجازاً. والثاني: أنهم لما ألجئوا إليها صاروا سبباً لها، فأضيفت إليهم لمكان الإلجاء. وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥١] وجهين: أحدهما: بأمر الله لهم بقتالهم. الثاني: بمعونة الله لهم على قتالهم. قوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، أي: "باشر قتل ملك الكفار بيده لشجاعته وقوته وصبره" (٢). قال القرطبي: " وذلك أن طالوت الملك اختاره من بين قومه لقتال جالوت، وكان رجلا قصيرا مسقاما مصفارا أصغر أزرق، وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده، وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على يده. وهو داود بن إيشى - بكسر الهمزة" (٣). قال البن كثير: " ذكروا في الإسرائيليات: أنه قتله بمقلاع كان في يده رماه به فأصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته ويشركه في أمره فوفى له ثم آل الملك إلى داود ﵇ مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة" (٤) (٥). واختلفوا، هل كان داود عند قتله جالوت نبياً؟ (٦): الأول: ذهب بعضهم أنه كان نبياً، واحتجوا بأن هذا الفعل الخارج عن العادة، لا يكون إلا من نبي. الثاني: وقال الحسن: "لم يكن نبياً" (٧)، لأنه لا يجوز أن يُوَلي مَنْ ليس بنبي على نبي. قال ابن السائب: "وإنما كان راعياً فعلى هذا يكون ذلك من توطئة لنبوته من بعد" (٨). قوله تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، " أي: أعطى الله داود ملك بني إسرائيل والفهم والنبوة" (٩). وعن السدي: "قوله: ﴿وآتاه﴾ يقول: وأعطاه" (١٠). ونحوه عن سعيد بن جبير (١١). وعن السدي كذلك: "مُلِّك داودُ بعدما قتل طالوتَ، وجعله الله نبيًّا، وذلك قوله: " وآتاه الله الملك والحكمة "، قال: الحكمة هي النبوة، آتاه نبوّة شمعون وملك طالوت" (١٢). قال ابن كثير: " الملك الذي كان بيد طالوت ﴿والحكمة﴾ أي: النبوة بعد شمويل" (١٣).

стр. 1898

وعن الربيع بن أنس في قوله: " ﴿وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء﴾، فصار هو الرئيس عليهم وأعطوه الطاعة" (١). وروي "عن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال الحكمة: العقل في الدين" (٢). قال السعدي: "أي: منَّ عليه بتملكه على بني إسرائيل مع الحكمة، وهي النبوة المشتملة على الشرع العظيم والصراط المستقيم" (٣). قال الزمخشري: " في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها، وما اجتمعت بنو إسرائيل على ملك قط قبل داود" (٤). وقوله تعالى: ﴿َعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، "أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به ﷺ " (٥). قال الراغب: " إشارة إلى العلوم النبوية التي لا وصول إليها إلى بالوحي" (٦). قال السعدي: "من العلوم الشرعية والعلوم السياسية، فجمع الله له الملك والنبوة، وقد كان من قبله من الأنبياء يكون الملك [ص ١٠٩] لغيرهم، فلما نصرهم الله تعالى اطمأنوا في ديارهم وعبدوا الله آمنين مطمئنين لخذلان أعدائهم وتمكينهم من الأرض، وهذا كله من آثار الجهاد في سبيله، فلو لم يكن لم يحصل ذلك" (٧). قال الزمخشري: " من صنعة الدروع وكلام الطير والدواب وغير ذلك" (٨). قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَشَاءُ﴾ أي مما شاء، وقد يوضع المستقبل موضع الماضي" (٩). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿َعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، أوجه (١٠): أحدهما: صنعة الدروع والتقدير في السرد، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠]. والثاني: كلام الطير وحكمة الزبور (١١). الثالث: وقيل: أنه فعل الطاعات والأمر بها، واجتناب المعاصي والنهي عنها (١٢). الرابع: وقيل: أن الله آتَى داودَ ملك طالوت ونبوَّة أشمويل. وهو قول السدي (١٣). قال القرطبي: " والذي علمه هو صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع ما علمه ﷺ " (١٤). قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥١]، أي" ولولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم" (١٥).

стр. 1899

وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: " لولا القتال والجهاد" (١). قال الطبري: " ولولا أنّ الله يدفع ببعض الناس وهم أهل الطاعة له والإيمان به بعضًا، وهم أهلُ المعصية لله والشرك به - كما دفعَ عن المتخلِّفين عن طالوتَ يوم جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له" (٢). قال ابن كثير: " أي: لولاه يدفع عن قوم بآخرين، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود" (٣). قال السعدي: " أي: لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيد الفجار وتكالب الكفار" (٤). قال الراغب: وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾، تنبيه على فضيلة الملك، وأنه لولاه لما استتب أمر العالم، ولهذا قال الدين والملك مقترنان، وتوأمان لا يفترقان، ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر، لأن الدين أس، والملك حارس، ومالا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع" (٥). واختلف العلماء في الناس المدفوع بهم الفساد على أقوال (٦): أحدهما: أن الله يدفع الهلاك عن البر بالفاجر، قاله عليّ كرم الله وجهه (٧)، ومجاهد (٨). والثاني: يدفع بالمجاهدين عن القاعدين. قاله الكلبي (٩). والثالث: قيل: "هذا الدفع بما شرع على السنة الرسل من الشرائع، ولولا ذلك لتسالب الناس وتناهبوا وهلكوا" (١٠). قال القرطبي: "وهذا قول حسن فإنه عموم في الكف والدفع وغير ذلك فتأمله" (١١). وقد روي "عن ابن عباس، في قوله: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض قال: يدفع الله بمن يصلي عمن لا يصلي، وبمن يحج، عمن لا يحج وبمن يزكي عمن لا يزكي" (١٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة [٢٥١]، اختلفوا في كسر (الدال) وفتحها وإدخال (الألف) وإسقاطها، فذكروا وجوها (١٣): الأول: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ بغير ألف هاهنا، وفي الحج: ﴿إن الله يدفع﴾ [الآية: ٣٨] (١٤). الثاني: وقرأ نافع: ﴿ولولا دفاع الله﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ﴾ بألف فيهما جميعاً. الثالث: وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ بغير ألف، و ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ﴾ بألف.

стр. 1900

الرابع: وروى عبد الوهاب عن أبان عن عاصم: ولولا دفاع الله بألف (١). قال أبو علي: " (دفاع) يحتمل أمرين: يجوز أن يكون مصدراً لفعل، كالكتاب واللّقاء، ونحو ذلك من المصادر لتي تجيء على فعال. كما يجيء على فعال نحو: الجمال والذّهاب. ويجوز أن يكون مصدراً لفاعل، يدلّ على ذلك قراءة من قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فالدفاع يجوز أن يكون مصدراً لهذا، كالقتال، ونظيره الكتاب في أنه جاء مصدراً لفاعل وفعل، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] الكتاب فيه مصدر كاتب، كما أن المكاتبة كذلك، وقال تعالى: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فالكتاب مصدر لكتب الذي دلّ عليه قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] لأن المعنى: كتب هذا التحريم عليكم كتاباً، وكذلك قوله: كِتاباً مُؤَجَّلًا [آل عمران: ١٤٥] كأنّ معنى دفع ودافع سواء، ألا ترى أن قوله (٢): وَلَقَدْ حَرَصْتُ بِأَنْ أُدافِعَ عَنْهُم ... فَإِذا الْمَنِيَّةُ أَقْبَلَتْ لا تُدْفَع فوضع أدافع موضع أدفع، كأن المعنى: حرصت بأن أدفع عنهم المنية، فإذا المنية لا تدفع، كأنّ المعنى: حرصت بأن أدفع عنهم المنيّة، فإذا المنيّة لا تدفع، وقال أمية (٣): لولا دفاع الله ضلّ ضلالنا ... ولسرّنا أنّا نتلّ ونوأد قال أبو علي الفارسي: "وإذا كان كذا فقوله: إن الله يدفع، ويدافع يتقاربان، وليس يدافع كيضارب، ومما يقوي ذلك قوله: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]، وليس للمفاعلة التي تكون من اثنين هنا وجه" (٤). واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ وأنكر أن يقرأ "دفاع" وقال: "لأن الله لا يغالبه أحد. قال مكي: هذا وهم توهم فيه باب المفاعلة وليس به، واسم "الله" في موضع رفع بالفعل، أي لولا أن يدفع الله" (٥). ويرى الطبري بأن القراءتين تحملان المعنى نفسه، فقال: " والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأت بهما القرأة، وجاءت بهما جماعة الأمة، وليس في القراءة بأحد الحرفين إحالةُ معنى الآخر. وذلك أن من دافع غيره عن شيء فمدافعه عنه بشيء دافع، ومتى امتنع المدفوع عن الاندفاع، فهو لمدافعه مدافع، ولا شك أن جالوت وجنوده كانوا بقتالهم طالوت وجنوده محاولين مغالبة حزب الله وجنده، وكان في محاولتهم ذلك محاولةُ مغالبة الله ودفاعه عما قد تضمن لهم من النُّصرة. وذلك هو معنى " مدافعة الله " عن الذين دافع الله عنهم بمن قاتل جالوت وجنوده من أوليائه. فبيِّنٌ إذًا أن سَواءً قراءةُ من قرأ: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، وقراءة من قرأ: ﴿ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض﴾، في التأويل والمعنى" (٦). قوله تعالى: ﴿لَّفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، أي: " لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم، ففسدت بذلك الأرض" (٧). قال السعدي: أي: "لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومنعهم من عبادة الله تعالى، وإظهار دينه" (٨).

стр. 1901

قال الربيع: " لهلك من في الأرض " (١). وروي عن مجاهد نحو ذلك (٢). قال الزمخشري: " لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض" (٣). وللعلماء في قوله تعالى: ﴿لَّفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وجهان (٤): أحدهما: لفسد أهل الأرض. والثاني: لعم الفساد في الأرض. وفي هذا (الفساد) وجهان (٥): أحدهما: الكفر: أي لعم الكفر ونزلت السخطة فاستؤصل أهل الأرض. والثاني: القتل: بعيث الكفار فيها وقتل المسلمين. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، " ولكن الله ذو فضل على الناس جميعا" (٦). قال ابن كثير: " أي: مَنٌّ عليهم ورحمة بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضا وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله" (٧). قال السعدي: "حيث شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم والمدافعة عنهم ومكنهم من الأرض بأسباب يعلمونها، وأسباب لا يعلمونها" (٨). قال النسفي: " بإزالة الفساد عنهم وهو دليل على المعتزلة في مسألة الأصلح" (٩). قال القرطبي: " بين سبحانه أن دفعه بالمؤمنين شر الكافرين فضل منه ونعمة" (١٠). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن مَنْ صَدَق اللجوء إلى الله، وأحسن الظن به أجاب الله دعاءه. ٢ - ومنها: أنه يجب على المرء إذا اشتدت به الأمور أن يرجع إلى الله . ٣ - ومنها: إضافة الحوادث إلى الله وإن كان من فعل الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿فهزموهم﴾: هذا فعلهم - لكن ﴿بإذن الله﴾؛ فالله هو الذي أذن بانتصار هؤلاء، وخذلان هؤلاء. ٤ - ومنها: شجاعة داود ﵊، حيث قتل جالوت حين برز لهم؛ والشجاعة عند المبارزة لها أهمية عظيمة؛ لأنه إذا قُتِل المبارِز أمام جنده فلا شك أنه سيجعل في قلوبهم الوهن، والرعب؛ ويجوز في هذه الحال أن يخدع الإنسان من بارزه؛ لأن المقام مقام حرب؛ وكل منهما يريد أن يقتل صاحبه؛ فلا حرج أن يخدعه؛ ويُذكر أن عمرو بن ودّ لما خرج لمبارزة علي بن أبي طالب صاح به عليّ، وقال: «ما خرجت لأبارز رجلين»؛ فظن عمرو أن أحداً قد لحقه، فالتفت، فضربه علي (١١)؛ هذه خدعة؛ ولكنها جائزة؛ لأن المقام مقام حرب؛ هو يريد أن يقتله بكل وسيلة.

стр. 1902

٥ - ومن فوائد الآية: أن داود ﵊ أوتي الملك، والنبوة؛ لقوله تعالى: ﴿وآتاه الله الملك والحكمة﴾. ٦ - ومنها: أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ليس عندهم من العلم إلا ما علمهم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وعلمه مما يشاء﴾؛ فالنبي نفسه لا يعلم الغيب، ولا يعلم الشرع إلا ما آتاه الله ؛ ومثل ذلك قول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً﴾ [النساء: ١١٣]. ٧ - ومنها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله تعالى: ﴿وعلمه مما يشاء﴾؛ ولكن اعلم أن مشيئة الله تابعة لحكمته، كما قال الله تعالى: ﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً * وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً﴾ [الإنسان: ٢٩، ٣٠]. ٨ - ومنها: أن الله يدفع الناس بعضهم ببعض لتصلح الأرض، ومن عليها؛ لقوله تعالى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾؛ وفساد الأرض يكون بالمعاصي، وترك الواجبات؛ لقوله تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى: ٣٠]. ٩ - ومنها: إثبات حكمة الله، حيث جعل الناس يدفع بعضهم بعضاً ليقوم دين الله، فدفعَ الكافرين بجهاد المؤمنين؛ لأنه لو جعل السلطة لقوم معينين لأفسدوا الأرض؛ لأنه لا معارض لهم؛ ولكن الله يعارض هذا بهذا. ١٠ - ومنها: أن من الفساد في الأرض هدم بيوت العبادة؛ لقوله تعالى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً﴾ [الحج: ٤٠]؛ وهذا تفسير لقوله تعالى هنا: ﴿لفسدت الأرض﴾؛ أو هو ذكر لنوع من الفساد. ١١ - ومنها: إثبات فضل الله تعالى على جميع الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن الله ذو فضل على العالمين﴾ حتى الكفار؛ لكن فضل الله على الكفار فضل في الدنيا فقط بإعطائهم ما به قوام أبدانهم؛ أما في الآخرة فيعاملهم بعدله بعذابهم في النار أبد الآبدين؛ وأما بالنسبة للمؤمنين فإن الله يعاملهم بالفضل في الدنيا، والآخرة. القرآن ﴿ِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾) [البقرة: ٢٥٢] التفسير: تلك حجج الله وبراهينه، نقصُّها عليك -أيها النبي- بالصدق، وإنك لمن المرسلين الصادقين. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، أي: " هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم" (١). و﴿آيات﴾ جمع آية؛ وهي العلامة المعينة لمدلولها، قال الطبري: " ﴿آيات الله﴾، حججه وأعلامه وأدلته" (٢). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، وجهين (٣): الأول: قيل: ﴿آيات الله﴾: هي القرآن. الثاني: وقيل: أنها الآيات التي تقدمت في القصص السابق من خروج أولئك الفارين من الموت، وإمامة الله لهم دفعة واحدة، ثم أحياهم إحياءة واحدة، وتمليك طالوت على بني إسرائيل وليس من أولاد ملوكهم،

стр. 1903

والإتيان بالتابوت بعد فقده مشتملاً على بقايا من إرث آل موسى وآل هارون، وكونه تحمله الملائكة معاينة على ما نقل عن ترجمان القرآن ابن عباس، وذلك الابتلاء العظيم بالنهر في فصل القيظ والسفر، وإجابة من توكل على الله في النصرة، وقتل داود جالوت، وإيتاء الله إياه الملك والحكمة، فهذه كلها آيات عظيمة خوارق، تلاها الله على نبيه بالحق أي مصحوبة، بالحق لا كذب فيها ولا انتحال، ولا بقول كهنة، بل مطابقاً لما في كتب بني إسرائيل. قلت: أن الثاني هو الأظهر، وعليه جمهور المفسرين، قال الشوكاني: "وآيات الله هي ما اشتملت عليه هذه القصة من الأمور المذكورة" (١). قوله تعالى: ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، "أي ننزل عليك جبريل بها" (٢). قال ابن عثيمين: "نقرؤها عليك؛ والمراد تلاوة جبريل، كما قال تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين* على قلبك﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] " (٣). قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، "أي: اليقين الذي لا يرتاب فيه" (٤). قال ابن كثير: " أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر، المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل" (٥). قال الشوكاني: " والمراد ﴿بالحق﴾ هنا الخبر الصحيح الذي لا ريب فيه عند أهل الكتاب والمطلعين على أخبار العالم" (٦). قال الزمخشري: "باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك" (٧). قال السعدي: " أي: بالصدق الذي لا ريب فيها المتضمن للاعتبار والاستبصار وبيان حقائق الأمور" (٨). قال ابن عثيمين: " الحق في الأخبار: هو الصدق؛ وفي الأحكام: هو العدل؛ والباء إما للمصاحبة؛ أو لبيان ما جاءت به هذه الآيات؛ والمعنى أن هذه الآيات حق؛ وما جاءت به حق" (٩). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، أي: " إنك لمرسل متبع في طاعتي" (١٠). قال الشوكاني: " إخبار من الله سبحانه بأنه من جملة رسل الله سبحانه تقوية لقلبه وتثبيتا لجنانه وتشييدا لأمره" (١١). قال الزمخشري: " حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة كتاب ولا سماع أخبار" (١٢). والجملة مؤكدة بـ ﴿إن﴾، واللام؛ لتحقيق رسالة النبي ﷺ . قال القرطبي: " نبه الله تعالى نبيه ﷺ أن هذه الآيات التي تقدم ذكرها لا يعلمها إلا نبي مرسل" (١٣).

стр. 1904

قال السعدي: " فهذه شهادة من الله لرسوله برسالته التي من جملة أدلتها ما قصه الله عليه من أخبار الأمم السالفين والأنبياء وأتباعهم وأعدائهم التي لولا خبر الله إياه لما كان عنده بذلك علم بل لم يكن في قومه من عنده شيء من هذه الأمور، فدل أنه رسول الله حقا ونبيه صدقا الذي بعثه بالحق ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" (١). قال الراغب: "إن قيل: ما فائدة قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ في هذا الموضع؟ وهل خفي ذلك عليه حتى يذكره به؟ وما تعلق ذلك بما قبله؟ قيل: يجوز أن يكون تقديره ﴿وإنك لمن المرسلين بها﴾، لكن لفظة بها إيجاز، أو يجوز أن تكون الآية متقدمتين محذوفتي النتيجة على تقدير: إذا كان حال المرسلين وأممهم ما نتلوه عليك، وأنت مرسل إلى قومك كما أرسل المرسلون إلى قومهم، فلا عجب أن تجري مع قومك مجرى أمرهم مع قومهم، والإشارة بذلك إلى معنى قوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ وقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ " (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إثبات آيات الله الشرعية؛ لأن المراد بـ «الآيات» هنا: الشرعية - وهي القرآن -. ٢ - ومنها: أن الله تعالى يتلو على نبيه ما أوحاه إليه؛ لقوله : ﴿نتلوها عليك بالحق﴾؛ ولكن هل الذي يتلو ذلك هو الله، أو جبريل؟ اقرأ في آية القيامة: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ [القيامة: ١٦ - ١٨]؛ يعني إذا قرأه جبريل فاتبع قرآنه؛ فجبريل يتلوه على النبي ﷺ وقد تلقاه من الله . ٣ - ومنها: أن القرآن كله حق من الله، ونازل بالحق؛ لأن الباء في قوله تعالى: ﴿بالحق﴾ للمصاحبة، والملابسة أيضاً؛ فهو نازل من عند الله حقاً؛ وهو كذلك مشتمل على الحق؛ وليس فيه كذب في أخباره، ولا جور في أحكامه؛ بل أحكامه كلها عدل؛ وأخباره كلها صدق. ٤ - ومنها: إثبات رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وإنك لمن المرسلين﴾. ٥ - ومنها: أن هناك رسلاً آخرين غير الرسول؛ لقوله تعالى: ﴿لمن المرسلين﴾؛ ولكنه ﷺ كان خاتم النبيين؛ إذ لا نبي بعده. القرآن ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة: ٢٥٣] التفسير: هؤلاء الرسل الكرام فضَّل الله بعضهم على بعض، بحسب ما منَّ الله به عليهم: فمنهم مَن كلمه الله كموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وفي هذا إثبات صفة الكلام لله على الوجه اللائق بجلاله، ومنهم مَن رفعه الله درجاتٍ عاليةً كمحمد ﷺ ، بعموم رسالته، وختم النبوة به، وتفضيل أمته على جميع الأمم، وغير ذلك. وآتى الله تعالى عيسى ابن مريم ﵇ البينات المعجزات الباهرات، كإبراء مَن ولد أعمى بإذن الله تعالى، ومَن به برص بإذن الله، وكإحيائه الموتى بإذن الله، وأيده بجبريل ﵇. ولو شاء الله ألا يقتتل الذين جاؤوا مِن بعد هؤلاء الرسل مِن بعد ما جاءتهم البينات ما اقتتلوا، ولكن

стр. 1905

وقع الاختلاف بينهم: فمنهم مَن ثبت على إيمانه، ومنهم مَن أصر على كفره. ولو شاء الله بعد ما وقع الاختلاف بينهم، الموجب للاقتتال، ما اقتتلوا، ولكن الله يوفق مَن يشاء لطاعته والإيمان به، ويخذل مَن يشاء، فيعصيه ويكفر به، فهو يفعل ما يشاء ويختار. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، أي: " هؤلاء رسلي" (١). قال الصابوني: " أي أولئك الرسل الكرام الذين قصصنا عليك من أنبائهم يا محمد هم رسل الله حقاً" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ثلاثة أوجه (٣): الأول: قيل: هو اشارة إلى جميع الرسل فتكون الالف واللام للإستغراق. الثاني: وقيل: هو إشارة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة. الثالث: وقيل: إلى الأنبياء الذين بلغ علمهم إلى النبي- ﷺ . قال القاسمي: " من ذكر منهم في هذه السورة أو المعلومة للنبيّ ﷺ " (٤). قال الزمخشري: "إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، أو التي ثبت علمها عند رسول اللَّه ﷺ " (٥) (٦). وقوله تعالى: ﴿تلك﴾ التاء هنا اسم إشارة؛ وأشار إلى «الرسل» بإشارة المؤنث؛ لأنه جمع تكسير؛ وجمع التكسير يعامل معاملة المؤنث في تأنيث فعله، والإشارة إليه، كما قال تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا﴾ [الحجرات: ١٤]؛ و ﴿الأعراب﴾ مذكر، لكن لما جُمع جَمع تكسير صح تأنيثه؛ وتأنيثه لفظي؛ لأنه مؤول بالجماعة؛ والمشار إليه هم المرسل الذين دلّ عليهم قوله تعالى: ﴿وإنك لمن المرسلين﴾ [البقرة: ٢٥٢] (٧). قوله تعالى: ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، أي: " هؤلاء رسلي فضلت بعضهم على بعض" (٨). قال القاسمي: " بأن خص بمنقبة ليست لغيره" (٩). قال ابن عثيمين: "يعني "جعلنا بعضهم أفضل من بعض في الوحي؛ وفي الأتباع؛ وفي الدرجات؛ والمراتب عند الله " (١٠). قال الزمخشري: " لما أوجب ذلك من تفاضلهم في الحسنات" (١١). قال الشوكاني: " والمراد بتفضيل بعضهم على بعض أن الله سبحانه جعل لبعضهم من مزايا الكمال فوق ما جعله للآخر فكان الأكثر مزايا فاضلا والآخر مفضولا وكما دلت هذه الآية على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض كذلك دلت الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] " (١٢).

стр. 1906

قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فيه وجوها (١): الأول: أن التفضيل في الآخرة، لتفاضلهم في الأعمال، وتحمل الأثقال. والثاني: أن التفضيل في الدنيا، بأن جعل بعضهم خليلاً، وبعضهم كليماً، وبعضهم مَلِكاً، وسَخَّر لبعضهم الريح والشياطين، وأحيا ببعضهم الموتى، وأبرأ الأكمه، والأبرص (٢). والثالث: التفضيل بالشرائع، فمنهم من شرع، ومنهم من لم يشرع. والرابع: وقيل بالعلم. روي ذلك عن زيد بن أسلم (٣). قال الراغب: " فإن الله تعالى جعل لمن رشحه للنبوة فضائل خصه بها، ابتداء وفضائل هداه إليها ليصيبها، فما خصهم به أن جعل كل واحد في نفسه وأخلاقه معرى من عاهة تشينه، وأيده بأنواع كرامات وزيادة معاون تشرح صدره، وحدد عليه في كل وصايا تسدده، وعاتبه في أذى زلة ظهر منه، فهذا التفضيل الذي جعله ابتداء، وأما تفضيله لهم بالحكم، فعلى حسب ما يظهر من أفعالهم، فمعلوم أنه ليس حظ يونس ﵊ حيث حذر نبينا ﵊ أن يكون مثله في الصبر بقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ كحظ الذين حثه على الاقتداء بهم في قوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، فالتفضيل يحصل بالأمرين، وللتفاضل بينهم قال ﵊: " فضلت على الأنبياء بست: أوتيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وختم بي النبيون، وأرسلت إلى الناس كافة " (٤)، ولما كانت هذه الأشياء موهبية لا مكتسبة، قال ﵊: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " تنبيهاً أن الفخر لا يستحق إلا بالمكسوب دون الموهوب، ونحو هذه الآية في تفضيل بعض الأنبياء على بعض قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾، وهذا حكم في الملائكة بقوله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ " (٥).

стр. 1907

قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، " أي منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير" (١). قال مجاهد: " كلم الله موسى" (٢). وروي عن الشعبي، نحو ذلك (٣). قال القاسمي: "تفصيل التفضيل أي منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير وهو موسى ﵇" (٤). وقوله تعالى: ﴿مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، اختلفت القراءة فيه على وجوه (٥): الأولى: قرأ الجمهور ﴿كَلَّمَ اللَّهُ﴾: بالتشديد ورفع الجلالة، والعائد على: من، محذوف تقديره من كلمه. الثاني: وقد قرئ ﴿كَلَّمَ اللَّهَ﴾ بالنصب، والفاعل مستتر في: كلم، يعود على: ﴿من﴾. الثالث: وقرأ أبو المتوكل، وأبو نهشل، وابن السميفع: ﴿كالم الله﴾ بالألف ونصب الجلالة من المكالمة، وهي صدور الكلام من اثنين، ومنه قيل: كليم الله، أي: مكالمه، (فعيل) بمعنى (مفاعل): كجليس وخليط. قال أبو حيان: " ورفع الجلالة أتم في التفضيل من النصب، إذ الرفع يدل على الحضور والخطاب منه تعالى للمتكلم، والنصب يدل على الحضور دون الخطاب منه" (٦). قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، أي: "ورفعت بعضهم درجات على بعض بالكرامة ورفعة المنزلة" (٧). قال الزمخشري: "أى: ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء كان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة" (٨). وروي عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿درجات﴾: قال"يعني: فضائل" (٩). قال المراغي: " ومنهم من رفعه الله على غيره من الرسل بمراتب متباعدة في الكمال والشرف" (١٠). قال الزمخشري: "والظاهر أنه أراد محمداً ﷺ ، لأنه هو المفضل عليهم، حيث أوتى ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر. ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلا منفياً على سائر ما أوتى الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس. ويقال للرجل: من فعل هذا؟ فيقول: أحدكم أو بعضكم، يريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال، فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس؟ فذكر زهيراً والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه، ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي، لم يفخم أمره. ويجوز أن يريد: إبراهيم ومحمداً وغيرهما من أولى العزم من الرسل" (١١). قال ابن عثيمين: " فمحمد ﷺ له الوسيلة؛ وهي أعلى درجة في الجنة، ولا تكون إلا لعبد من عباد الله؛ قال النبي ﷺ : «وأرجو أن أكون أنا هو» (١٢)؛ وفي المعراج وجد النبي صلى الله

стр. 1908

عليه وسلم إبراهيم في السماء السابعة؛ وموسى في السادسة؛ وهارون في الخامسة؛ وإدريس في الرابعة (١)؛ وهكذا؛ وهذا من رفع الدرجات" (٢). وقال الشوكاني: " هذا البعض يحتمل أن يراد به من عظمت منزلته عند الله سبحانه من الأنبياء ويحتمل أن يراد به نبينا ﷺ لكثرة مزاياه المقتضية لتفضيله ويحتمل أن يراد به إدريس لأن الله سبحانه أخبرنا بأنه رفعه مكانا عليا وقيل إنهم أولوا العزم وقيل إبراهيم ولا يخفاك أن الله سبحانه أبهم هذا البعض المرفوع فلا يجوز لنا التعرض للبيان له إلا ببرهان من الله أو من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام ولم يرد ما يرشد إلى ذلك فالتعرض لبيانه هو من تفسير القرآن الكريم بمحض الرأي وقد عرفت ما فيه من الوعيد الشديد مع كون ذلك ذريعة إلى التفضيل بين الأنبياء وقد نهينا عنه وقد جزم كثير من أئمة التفسير انه نبينا ﷺ وأطالوا في ذلك واستدلوا بما خصه الله به من المعجزات ومزايا الكمال وخصال الفضل وهم بهذا الجزم بدليل لا يدل على المطلوب قد وقعوا في خطرين وارتكبوا نهيين وهما تفسير القرآن بالرأي والدخول في ذرائع التفضيل بين الأنبياء وإن لم يكن ذلك تفضيلا صريحا فهو ذريعة إليه بلا شك ولا شبهة لأن من جزم بأن هذا البعض المرفوع درجات هو النبي الفلاني انتقل من ذلك إلى التفضيل المنهي عنه وقد أغنى الله نبينا المصطفى ﷺ عن ذلك بما لا يحتاج معه إلى غيره من الفضائل والفواضل فإياك أن تتقرب إليه ﷺ بالدخول في أبواب نهاك عن دخولها فتعصيه وتسيء وأنت تظن أنك مطيع محسن" (٣). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وجهين (٤): أحدهما: أن أوحى إلى بعضهم في منامه، وأرسل إلى بعضهم الملائكة في يقظته. والثاني: أن بعث بعضهم إلى قومه، وبعث بعضهم إلى كافة الناس. قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، "وآتينا عيسى ابن مريم الحجج والأدلة على نبوته" (٥). قال الشوكاني: " أي: الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة من إحياء الأموات وإبراء المرضى وغير ذلك" (٦). قال السعدي: " الدالات على نبوته وأنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه" (٧). قال ابن عثيمين: " أي: الآيات البينات الدالة على رسالته، ويراد بها الإنجيل، وما جرى على يديه من إحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم بإذن الله، ونحو ذلك" (٨). أخرج ابن ابي حاتم بسنده "عن ابن عباس: ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾، أي: الآيات التي وضع على يديه من إحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه الروح، فيكون طيرا بإذن الله، وإبراء الأسقام، والخبر بكثير من الغيوب، مما يدخرون في بيوتهم، وما رد عليهم من التوراة، مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه" (٩).

стр. 1909

قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، : أي و"قويناه" (١) بروح القدس. قال الطبري: " وقويناه وأعناه بروح الله، وهو جبريل" (٢). وقوله تعالى: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ذكر أهل التفسير فيه وجوها (٣): أحدهما: بجبريل ﵇ يلازمه في أحواله، " كما قال تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ [النحل: ١٠٢]؛ فـ «روح القدس» هو جبريل؛ أيد الله عيسى به، حيث كان يقويه في مهام أموره عندما يحتاج إلى تقوية" (٤). والثاني: بأن نفخ فيه من رُوحه. والثالث: بالإيمان واليقين الذي أيده به الله وقواه على ما أمر به. الرابع: ما معه من العلم المطهر الآتي من عند الله؛ والعلم، أو الوحي يسمى روحاً، كما قال تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ [الشورى: ٥٢]. قال الراغب: " وروح القدس إشارة إلى ما خص به عيسى مما كان يحي به الموتى ملكاً، أو قوة، أو اسماً من أسمائه أو علماً، وقد فسر بكل ذلك، وسمي جبريل ﵇ روح القدس، والروح الأمين في قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ وفي قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ " (٥). قال الزمخشري: "فإن قلت: فلمَ خصّ موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ قلت: لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة. ولقد بين اللَّه وجه التفضيل حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية من الآيات، فلما كان هذان النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات خصا بالذكر في باب التفضيل. وهذا دليل بين أنّ من زيد تفضيلا بالآيات منهم فقد فضل على غيره. ولما كان نبينا ﷺ هو الذي أوتى منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها. كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع، اللهمّ ارزقنا شفاعته يوم الدين" (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَو شَآءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم﴾ [البقرة: ٢٥٣]، " أي: لو أراد الله ما اقتتل الأمم الذين جاؤوا بعد الرسل" (٧). قال الشوكاني: " أي لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا" (٨). قال الطبري: " ولو أراد الله أن يحجزهم - بعصمته وتوفيقه إياهم - عن معصيته فلا يقتتلوا، ما اقتتلوا ولا اختلفوا" (٩). قال الزمخشري: " من بعد الرسل، لاختلافهم في الدين، وتشعب مذاهبهم، وتكفير بعضهم بعضا" (١٠). قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، أي: " من بعد ما جاءهم من آيات الله ما أبان لهم الحق، وأوضح لهم السبيل" (١١).

стр. 1910

قال السدي: ﴿البينات﴾، أي "الحلال والحرام" (١). و﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ أي "الآيات البينات؛ وهو الوحي الذي جاءت به الرسل، وغيره من الآيات الدالة على رسالتهم" (٢). قال السعدي: البينات" الموجبة للاجتماع على الإيمان" (٣). قال النسفي: الآيات: " المعجزات الظاهرات" (٤). قال ابن عثيمين: " أي هذا القتال حصل بعدما زال اللبس، واتضح الأمر، ووجدت البينات الدالة على صدق الرسل؛ ومع ذلك فإن الكفار استمروا على كفرهم، ورخصت عليهم رقابهم، ونفوسهم في نصرة الطاغوت؛ وقاتلوا المؤمنين أولياء الله ؛ كل ذلك من أجل العناد، والاستكبار" (٥). وقد تعددت أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى ﴿مِن بَعْدِهِم﴾ [البقرة: ٢٥٣] وذكروا ثلاثة أوجه (٦): الأول: أي من بعد الرسل. الثاني: وقيل: من بعد موسى وعيسى ومحمد لأن الثاني مذكور صريحا والأول والثالث وقعت الإشارة إليهما بقوله ﴿منهم من كلم الله﴾. الثالث: وقال قتادة: ": من بعد موسى وعيسى" (٧). وروي مثله عن الربيع (٨). الرابع: وقال السدي: "من بعد محمد ﷺ " (٩). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلَو شَآءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فيه وجهين (١٠): أحدهما: ولو شاء الله ما أمر بالقتال بعد وضوح الحجة. والثاني: ولو شاء الله لاضطرهم إلى الإيمان، ولما حصل فهيم خيار. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣]، أي: ولكن شاء الإختلاف فاختلفوا" (١١). قال الصابوني: " أي ولكنَّ الله لم يشأ هدايتهم بسبب اختلافهم في الدين وتشعب مذاهبهم وأهوائهم" (١٢). قال قتادة: "قوله: ﴿ولكن اختلفوا﴾ يعني اليهود والنصارى، يقول: هذا القرآن لهم ما اختلفوا فيه" (١٣). قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، أي: "، فمنهم من ثبت على الإِيمان ومنهم من حاد وكفر" (١٤). قال أبو حيان: " من آمن بالتزامه دين الرسل واتباعهم، ومن كفر باعراضه عن اتباع الرسل حسداً وبغياً واستئثاراً بحطام الدنيا" (١٥).

стр. 1911

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣]، يعني: ولو أراد الله ما اقتتل الذين من بعد الرسل (١). قال الراغب: أي "لو شاء الله ما اختلفوا وكانوا أمة واحدة، كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية" (٢). قال الشوكاني: " ولو شاء الله عدم اقتتالهم بعد هذا الاختلاف، ما اقتتلوا" (٣). قال الصابوني: " أي لو شاء الله لجعل البشر على طبيعة الملائكة لا يتنازعون ولا يقتتلون" (٤). قال السعدي: " فكان موجب هذا الاختلاف التفرق والمعاداة والمقاتلة، ومع هذا فلو شاء الله بعد هذا الاختلاف ما اقتتلوا، فدل ذلك على أن مشيئة الله نافذة غالبة للأسباب، وإنما تنفع الأسباب مع عدم معارضة المشيئة، فإذا وجدت اضمحل كل سبب، وزال كل موجب" (٥). قال أبو حيان: " ﴿وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾، قيل: الجملة تكررت توكيداً للأولى، قاله الزمخشري (٦). وقيل: لا توكيد لاختلاف المشيئتين، فالأولى: ولو شاء الله أن يحول بينهم وبين القتال بأن يسلبهم القوى والعقول، والثانية: ولو شاء الله أن يأمر المؤمنين بالقتال، ولكن أمر وشاء أن يقتتلوا، وتعلق بهذه الآية مثبتو القدر ونافوه" (٧). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، يعني" يوفق من يشاء فضلا ويخذل من يشاء عدلا" (٨). قال الطبري: "بأن يوفق هذا لطاعته والإيمان به فيؤمن به ويطيعه، ويخذل هذا فيكفر به ويعصيه" (٩). قال الزمخشري: " من الخذلان والعصمة" (١٠). قال الشوكاني: "لا راد لحكمه ولا مبدل لقضائه فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد" (١١). قال الصابوني: " ولكنّ الله حكيم يفعل ما فيه المصلحة، وكلُّ ذلك عن قضاء الله وقدره فهو الفعال لما يريد" (١٢). قال السعدي: " فإرادته غالبة ومشيئته نافذة، وفي هذا ونحوه دلالة على أن الله تعالى لم يزل يفعل ما اقتضته مشيئته وحكمته، ومن جملة ما يفعله ما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله ﷺ من الاستواء والنزول والأقوال، والأفعال التي يعبرون عنها بالأفعال الاختيارية" (١٣). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الرسل ﵈ يتفاضلون؛ لقوله تعالى: ﴿فضلنا بعضهم على بعض﴾. ٢ - ومنها: أن فضل الله يؤتيه من يشاء؛ حتى خواص عباده يفضل بعضهم على بعض؛ لأن الرسل هم أعلى أصناف بني آدم، ومع ذلك يقع التفاضل بينهم بتفضيل الله.

стр. 1912

ويتفرع عليها فائدة أخرى: أن الله يفضل أتباع الرسل بعضهم على بعض، كما قال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠]، وكما قال النبي ﷺ : «خير الناس قرني» (١)؛ كما أن من كان من الأمم أخلص لله، وأتبع لرسله فهو أفضل ممن دونه من أمته؛ لأن الرسل إذا كانوا يتفاضلون فأتباعهم كذلك يتفاضلون؛ فإن قلت: كيف نجمع بين هذه الآية المثبتة للتفاضل بين الرسل؛ وبين قوله ﷺ : «لا تخيروني على موسى» (٢)، ونهيه ﷺ أن يفاضل بين الأنبياء؟ فالجواب: أن يقال: في هذا عدة أوجه من الجمع؛ أحسنها أن النهي فيما إذا كان على سبيل الافتخار والتعلِّي: بأن يفتخر أتباع محمد ﷺ على غيرهم، فيقولوا: «محمد أفضل من موسى» مثلاً؛ أفضل من عيسى؛ وما أشبه ذلك؛ فهذا منهي عنه؛ أما إذا كان على سبيل الخبر فهذا لا بأس به؛ ولهذا قال ﷺ : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (٣). ٣ - ومن فوائد الآية: إثبات الكلام لله ؛ لقوله تعالى: ﴿منهم من كلم الله﴾؛ وكلام الله عند أهل السنة، والجماعة من صفاته الذاتية الفعلية؛ فباعتبار أصله من الصفات الذاتية؛ لأنه صفة كمال؛ والله موصوف بالكمال أزلاً، وأبداً؛ أما باعتبار آحاده - أنه يتكلم إذا شاء - فهو من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته. قال الله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ حصل الكلام بعد مجيئه لميقات الله؛ ولهذا حصل بينهما مناجاة: ﴿قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ فقال تعالى: ﴿لن تراني﴾ بعد أن قال موسى: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾؛ هذا هو الحق في هذه المسألة؛ وزعمت الأشاعرة أن كلام الله هو المعنى النفسي - أي المعنى القائم بنفسه -؛ وأما ما يسمعه المخاطب به فهو أصوات مخلوقة خلقها الله لتعبر عما في نفسه؛ وقد أبطل شيخ الإسلام هذا القول من تسعين وجهاً في كتاب يسمى بـ «التسعينية». ٤ - ومن فوائد الآية: أن كلام الله للإنسان يعتبر رفعة له؛ لأن الله تعالى ساق قوله: ﴿منهم من كلم الله﴾ على سبيل الثناء، والمدح. ومنه يؤخذ علوّ مقام المصلي؛ لأنه يخاطب الله ، ويناجيه كما أخبر بذلك النبي ﷺ : فإذا قال المصلي: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، قال الله: «حمدني عبدي»؛ وإذا قال المصلي: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال الله: «أثنى عليّ عبدي» (٤) إلى آخر الحديث؛ فالله تعالى يناجي المصلي، وإن كان المصلي لا يسمعه؛ لكن أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ . ٦ - ومن فوائد الآية: أن الفضائل مراتب، ودرجات؛ لقوله تعالى: ﴿ورفع بعضهم درجات﴾؛ وهذا يشمل الدرجات الحسية، والدرجات المعنوية؛ فالنبي ﷺ له الوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله؛ قال الرسول ﷺ : «وأرجو أن أكون أنا هو» (٥)؛ كذلك مراتب أهل الجنة درجات: قال النبي ﷺ : «إن أهل الجنة يتراءون أصحاب الغرف من فوقهم

стр. 1913

- يعني العالية - كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم؛ قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين» (١). ٧ - ومن فوائد الآية: إثبات أن عيسى نبي من أنبياء الله؛ لقوله تعالى: ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾؛ والله أعطاه آيات ليؤمن الناس به؛ ومن الآيات الحسية لعيسى ابن مريم إحياء الموتى بإذن الله؛ وإخراجهم من القبور؛ وإبراء الأكمه، والأبرص؛ وأن يخلق من الطين كهيئة الطير فيكون طيراً يطير بالفعل بإذن الله؛ وهناك آيات شرعية مستفادة من قوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ على أحد التفسيرين السابقين. ٨ - ومنها: أن البشر مهما كانوا فهم في حاجة إلى من يؤيدهم، ويقويهم؛ لقوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾. ٩ - ومنها: الرد على النصارى في زعمهم أن عيسى إله؛ لقوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾؛ أي قويناه؛ ولازم ذلك أنه يحتاج إلى تقوية؛ والذي يحتاج إلى تقوية لا يصلح أن يكون ربًّا، وإلهاً. ١٠ - ومنها: الثناء على جبريل ﵇ حيث وصف بأنه روح القدس؛ ومن وجه آخر: حيث كان مؤيِّداً للرسل بإذن الله؛ لقوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾. ١١ - ومنها: إثبات المشيئة لله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم﴾. ١٢ - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل﴾؛ لأن القدرية يقولون: إن فعل العبد ليس بمشيئة الله؛ وإنما العبد مستقل بعمله؛ وهذه الآية صريحة في أن أفعال الإنسان بمشيئة الله. ١٣ - ومنها: أن قتال الكفار للمؤمنين كان عن عناد، واستكبار؛ لا عن جهل؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءتهم البينات﴾. ١٤ - ومنها: لطف الله بالعباد، حيث كان لا يبعث رسولاً إلا ببينة تشهد بأنه رسول؛ وشهادة الله لأنبيائه بالرسالة تكون بالقول، وبالفعل؛ مثالها بالقول: قوله تعالى: ﴿لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً﴾ [النساء: ١٦٦]؛ ومثالها بالفعل: تأييد الله للرسول، ونصره إياه، وتمكينه من قتل أعدائه. ١٥ - ومنها: بيان حكمة الله في انقسام الناس إلى مؤمن، وكافر؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾؛ ولولا هذا ما استقام الجهاد، ولا حصل الامتحان. ١٦ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿آمن﴾، و ﴿كفر﴾، حيث أضاف الفعل إلى العبد؛ وهم يرون أن الإنسان مجبر على عمله، ولا ينسب إليه الفعل إلا على سبيل المجاز كما يقال: أحرقت النار الخشب؛ وهذه الآية ترد عليهم. ١٧ - ومنها: إثبات أن الله هو خالق أفعال العباد؛ لقوله تعالى: ﴿يفعل ما يريد﴾؛ مع أن الفعل فعل العبد: فالاقتتال فعل العبد؛ والاختلاف فعل العبد؛ لكن لما كان صادراً بمشيئة الله وبخلقه، أضافه الله إلى نفسه. ١٨ - ومنها: إثبات الإرادة لله؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن الله يفعل ما يريد﴾؛ والإرادة التي اتصف الله بها نوعان: كونية، وشرعية؛ والفرق بينهما من حيث المعنى؛ ومن حيث المتعلق؛ ومن حيث الأثر؛ من حيث المعنى: «الإرادة الشرعية» بمعنى المحبة؛ و «الإرادة الكونية» بمعنى المشيئة؛ ومن حيث المتعلق: «الإرادة الكونية» تتعلق فيما يحبه الله، وفيما لا يحبه؛ فإذا قيل: هل أراد الله الكفر؟ نقول: بالإرادة الكونية: نعم؛ وبالشرعية: لا؛ لأن «الإرادة الكونية» تشمل ما يحبه الله، وما لا يحبه؛ و «الإرادة الشرعية» لا تتعلق إلا فيما

стр. 1914

يحبه الله؛ ومن حيث الأثر: «الإرادة الكونية» لا بد فيها من وقوع المراد؛ و «الإرادة الشرعية» قد يقع المراد، وقد لا يقع؛ فمثلاً: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾ [النساء: ٢٧]: الإرادة هنا شرعية؛ لو كانت كونية لكان الله يتوب على كل الناس؛ لكن الإرادة شرعية: يحب أن يتوب علينا بأن نفعل أسباب التوبة. فإن قيل: ما تقولون في إيمان أبي بكر؛ هل هو مراد بالإرادة الشرعية، أو بالإرادة الكونية؟ قلنا: مراد بالإرادتين كلتيهما؛ وما تقولون في إيمان أبي طالب؟ قلنا: مراد شرعاً؛ غير مراد كوناً؛ ولذلك لم يقع؛ وما تقولون في فسق الفاسق؟ قلنا: مراد كوناً لا شرعاً؛ إذاً نقول: قد تجتمع الإرادتان، كإيمان أبي بكر؛ وقد تنتفيان، مثل كفر المسلم؛ وقد توجد الإرادة الكونية دون الشرعية، مثل كفر الكافر؛ وقد توجد الشرعية دون الكونية، كإيمان الكافر. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] التفسير: يا من آمنتم بالله وصدَّقتم رسوله وعملتم بهديه أخرجوا الزكاة المفروضة، وتصدَّقوا مما أعطاكم الله قبل مجيء يوم القيامة حين لا بيع فيكون ربح، ولا مال تفتدون به أنفسكم مِن عذاب الله، ولا صداقة صديق تُنقذكم، ولا شافع يملك تخفيف العذاب عنكم. والكافرون هم الظالمون المتجاوزون حدود الله. قال ابن كثير: " يأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله سبيل الخير ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا" (١). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٤]، أي: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله. قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأرعها سمعك. يعني استمع لها.؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٢). قال الشيخ ابن عثيمين: "تقدم مراراً، وتكراراً أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهمية المطلوب؛ لأن النداء يقتضي التنبيه؛ ولا يكون التنبيه إلا في الأمور الهامة، وتوجيه النداء للمؤمنين يدل على أن التزام ما ذكر من مقتضيات الإيمان سواء كان أمراً، أو نهياً؛ وعلى أن عدم امتثاله نقص في الإيمان؛ وعلى الحث، والإغراء، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم افعلوا كذا، وكذا، مثل ما تقول للحث، والإغراء: يا رجل افعل كذا، وكذا؛ أي لأن ذلك من مقتضى الرجولة" (٣). قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، " أي "أنفقوا في سبيل الله من مال الله الذي منحكم إِيّأه" (٤). روي "عن سعيد بن جبير في قول الله ﴿أنفقوا مما رزقناكم﴾، يعني: من الأموال" (٥).

стр. 1915

قال البغوي: " حث على الإنفاق وإشعار بأنه لا يطلب منهم إلا بعض ما جعلهم مستخلفين فيه من رزقه ونعمه" (١). وقال الأصمّ وأبو عليّ: "أراد النفقة في الجهاد" (٢). قال ابن عثيمين: "الإنفاق بمعنى البذل؛ والمراد به هنا بذل المال في طاعة الله، و ﴿مِمَّا رَزَقْناكُمْ﴾، أي مما أعطيناكم؛ (من) يحتمل أن تكون بيانية؛ أو تبعيضية؛ والفرق بينهما أن البيانية لا تمنع من إنفاق جميع المال؛ لأنها بيان لموضع الإنفاق؛ والتبعيضية تمنع من إنفاق جميع المال؛ وبناءً على ذلك لا يمكن أن يتوارد المعنيان على شيء واحد لتناقض الحكمين." (٣). وقد اختلف أهل التفسير في نوع الإنفاق في الآية، على أوجه (٤): الأول: قال الحسن (٥): هي الزكاة المفروضة. قال الزمخشري: " أراد الإنفاق الواجب لاتصال الوعيد به" (٦). الثاني: وقال يحيى بن آدم: "هي الصدقة" (٧). الثالث: وقال ابن جريج (٨) وسعيد بن جبير (٩): هذه الآية تجمع الزكاة المفروضة والتطوع. والراجح-والله أعلم- هو قول ابن جريج ومن وافقه، بأن الآية تجمع بين الزكاة والتطوع، واختاره ابن عطية، قائلا: "وهذا صحيح، فالزكاة واجبة والتطوع مندوب إليه وظاهر هذه الآية أنها مراد بها جميع وجوه البر من سبيل وصلة رحم ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله ويقوي ذلك قوله في آخر الآية ﴿والكافرون هم الظالمون﴾، أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال" (١٠). قال القرطبي: "وعلى هذا التأويل يكون إنفاق الأموال مرة واجبا ومرة ندبا بحسب تعين الجهاد وعدم تعينه، وأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم الله وأنعم به عليهم، وحذرهم من الإمساك إلى أن يجئ يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك نفقة، كما قال: " ﴿فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق﴾ " (١١). قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، " يعني: يوم القيامة" (١٢). قال القاسمي: " ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾، هو يوم القيامة" (١٣). قال الشوكاني: "أي: أنفقوا ما دمتم قادرين، من قبل أن يأتي ما لا يمكنكم الانفاق فيه" (١٤). قوله تعالى: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، " أي: لا يباع أحد من نفسه ولا يفادى بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبًا" (١٥).

стр. 1916

قال ابن عثيمين: " وإنما قال : ﴿لا بيع﴾؛ لأن عادة الإنسان أن ينتفع بالشيء عن طريق البيع، والشراء؛ فيشتري ما ينفعه، ويبيع ما يضره؛ لكن يوم القيامة ليس فيه بيع" (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، أي: " ولا تجدون صديقاً يدفع عنكم العذاب" (٢). قال ابن كثير: " ولا تنفعه خلة أحد، يعني: صداقته بل ولا نسابته كما قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] " (٣). وقداختلف المفسرون في تفسير (الخلة)، على ثلاثة أوجه متقاربة: الأول: قيل: (الخلة) هي: المودة (٤). قال الراغب: " الخلة من تخلل الود نفسه ومخالطته، كقوله (٥): قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ... وَبِهِ سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا" (٦) يعني أن حبها دخل إلى مسالك الروح، فامتزج بروحه، فصار له كالحياة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر" (٧)؛ ولكنه ﷺ ، اتخذه حبيباً، وقيل له: من أحب النساء إليك؟ قال ﷺ : "عائشة"؛ قيل: ومن الرجال؟ قال ﷺ : "أبوها" (٨)؛ فأثبت المحبة؛ وكان أسامة بن زيد يسمى "حِب رسول الله" أي حبيبه؛ إذاً الخلة أعلى من المحبة (٩). قال الراغب: "ولهذا يقال: تمازج روحانا، والمحبة: البلوغ بالود إلى حبة القلب، من قولهم: حببته: إذا أصبت حبة قلبه، لكن إذا استعملت المحبة في الله فالمراد بها مجرد الإحسان، وكذا الخلة، فإن جاز في أحد اللفظين جاز في الآخر؛ فأما أن يراد بالحب حبة القلب، والخلة التخلل، فحاشا له سبحانه أن يراد فيه ذلك، وقوله تعالى: ﴿لا بيع فيه ولا خلة﴾ [البقرة/٢٥٤]، أي: لا يمكن في القيامة ابتياع حسنة ولا استجلابها بمودة، وذلك إشارة إلى قوله سبحانه: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم/٣٩]، وقوله: ﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾ [إبراهيم/٣١]، فقد قيل: هو مصدر من خاللت، وقيل: هو جمع، يقال: خليل وأخلة وخلال والمعنى كالأول" (١٠). الثاني: وقيل: الخلة: خالص المودة (١١). قال الشوكاني: " والخلة خالص المودة مأخوذة من تخلل السرار بين الصديقين أخبر سبحانه أنه لا خلة في يوم القيامة نافعة ولا شفاعة مؤثرة إلا لمن أذن الله له" (١٢). الثاني: وفسرها جماعة بالصداقة (١٣).

стр. 1917

وأما السمين الحلبي: " والخلة: الصداقة، كأنها تتخلل الأعضاء، أي: تدخل خلالها، أي وسطها" (١). قلت: ولا ضير من الآراء السابقة، إذ أن المؤدى واحد، وإن كان الأدق تعبير الراغب ومن وافقه، لأن (الخلة) هي المحبة التي تخلَلَت القلب فصارت خلاله، أي: في باطنه، والمراد بها في الآية أن لا صداقة ولا مودة ولا محبة نافعة عند الله- -إلا ما كانت له تعالى كما قال- : ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، أي: " ولا شفاعة مؤثرة إلا لمن أذن الله له" (٢). قال الصابوني: " ولا شفيعاً يشفع لكم ليحط عنكم من سيئاتكم إِلا أن يأذن الله ربّ العالمين" (٣). قال ابن كثير: " أي: ولا تنفعهم شفاعة الشافعين" (٤). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة/ ٢٥٤]، وفيه وجهان (٥): الأول: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ﴾ بالنصب في كل ذلك بلا تنوين، وفي سورة إبراهيم: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ [الآية: ٣١] مثله أيضاً، وفي الطور: ﴿لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الآية: ٢٣] مثله. الثاني: وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ: كلّ ذلك بالرّفع والتنوين (٦). قال الشوكاني: "وهما لغتان مشهورتان للعرب ووجهان معروفان عند النحاة، فمن الأول: قول حسان (٧): ألا طعان ألا فرسان عادية ... ألا يحشئوكم حول التنانير ومن الثاني: قول الراعي (٨): وما صرمتك حتى قلت معلنة ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل ويجوز في غير القرآن التغاير برفع البعض ونصب البعض كما هو مقرر في علم الإعراب" (٩). قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، " أي: ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرا" (١٠).

стр. 1918

قال المراغي: أي " والتاركون للزكاة هم الذين ظلموا أنفسهم" (١). قال الشوكاني: " فيه دليل على أن كل كافر ظالم لنفسه ومن جملة من يدخل تحت هذا العموم مانع الزكاة منعا يوجب كفره لوقوع ذلك في سياق الأمر بالإنفاق" (٢). قال الصابوني: " أي لا أحد أظلم ممن وافى الله يومئذٍ كافراً، والكافر بالله هو الظالم المعتدي الذي يستحق العقاب" (٣). قال ابن عثيمين: " أي أن الكافرين بالله هم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم، وحصر الظلم فيهم لعظم ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣]؛ وأخبر النبي ﷺ : أن أعظم الظلم أن تجعل لله نداً وهو خلقك (٤) (٥). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وجهين (٦): الأول: قيل: " أراد: والتاركون الزكاة هم الظالمون، وإيثاره عليه للتغليظ والتهديد" (٧). قال الزمخشري: " أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون، فقال ﴿وَالْكافِرُونَ﴾ للتغليظ، كما قال في آخر آية الحج ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ مكان: ومن لم يحج، ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ " (٨). الثاني: وقيل: "يحتمل أن يكون المعنى: والكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأموال في غير مواضعها. فلا تكونوا أيها المؤمنون مثلهم في أن لا تنفقوا فتضعوا أموالكم في غير مواضعها" (٩). قال القاسمي: " وفي هذه الآية دلالة على حسن المسارعة إلى الخيرات، قبل فواتها بهجوم ما يخشى معه الفوت، من موت أو غيره" (١٠). وقد روي ابن ابي حاتم بسنده "عن عطاء بن دينار، أنه قال: الحمد لله الذي قال ﴿والكافرون هم الظالمون﴾، ولم يقل: الظالمون هم الكافرون" (١١). وروي "عن الجعفي يقول: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ قال: الكافرون بالنعم" (١٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فضيلة الإنفاق مما أعطانا الله؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، حيث صدرها بالنداء. ٢ - ومنها: أن الإنفاق من مقتضى الإيمان، وأن البخل نقص في الإيمان؛ ولهذا لا يكون المؤمن بخيلاً؛ المؤمن جواد بعلمه؛ جواد بجاهه؛ جواد بماله؛ جواد ببدنه.

стр. 1919

٣ - ومنها: بيان منة الله علينا في الرزق؛ لقوله تعالى: ﴿مما رزقناكم﴾؛ ثم للأمر بالإنفاق في سبيله، والإثابة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿أنفقوا مما رزقناكم﴾. ٤ - ومنها: التنبيه على أن الإنسان لا يحصل الرزق بمجرد كسبه؛ الكسب سبب؛ لكن المسبِّب هو الله ؛ لقوله تعالى: ﴿مما رزقناكم﴾؛ فلا ينبغي أن يعجب الإنسان بنفسه حتى يجعل ما اكتسبه من رزق من كسبه، وعمله، كما في قول القائل: إنما أوتيته على علم عندي. ٥ - ومنها: الإشارة إلى أنه لا منة للعبد على الله مما أنفقه في سبيله؛ لأن ما أنفقه من رزق الله له. ٦ - ومنها: أن الميت إذا مات فكأنما قامت القيامة في حقه؛ لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ... ﴾ إلخ. ٧ - ومنها: أن ذلك اليوم ليس فيه إمكان أن يصل إلى مطلوبه بأي سبب من أسباب الوصول إلى المطلوب في الدنيا، كالبيع، والصداقة، والشفاعة؛ وإنما يصل إلى مطلوبه بطاعة الله. ٨ - ومنها: أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لأنه تعالى أعقب قوله: ﴿ولا شفاعة﴾ بقوله تعالى: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨]. ٩ - ومنها: أن الكفر أعظم الظلم؛ ووجه الدلالة منه: حصر الظلم في الكافرين؛ وطريق الحصر هنا ضمير الفصل: ﴿هم﴾. ١٠ - ومنها: أن الإنسان لا ينتفع بماله بعد موته؛ لقوله تعالى: ﴿أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم﴾؛ لكن هذا مقيد بما صح عن رسول الله (ص) أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: من صدقة جارية؛ أو علم ينتفع به؛ أو ولد صالح يدعو له» (١). ١١ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿أنفقوا﴾، حيث أضاف الفعل إلى المنفقين؛ والجبرية يقولون: إن الإنسان لا يفعل باختياره؛ وهذا القول يرد عليه السمع، والعقل - كما هو مقرر في كتب العقيدة -. ١٢ - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: ﴿مما رزقناكم﴾؛ لأننا نعلم أن رزق الله يأتي بالكسب؛ ويأتي بسبب لا كسب للإنسان فيه؛ فإذا أمطرت السماء وأنت عطشان، وشربت فهذا رزق لا كسب لك فيه، ولا اختيار، لكن إذا بعت، واشتريت، واكتسبت المال فهذا لك فيه كسب؛ والله هو الذي أعطاك إياه؛ لو شاء الله لسلبك القدرة؛ ولو شاء لسلبك الإرادة؛ ولو شاء ما جلب لك الرزق. ١٣ - ومنها: أن إنفاق جميع المال لا بأس به؛ وهذا على تقدير ﴿من﴾ بيانية؛ بشرط أن يكون الإنسان واثقاً من نفسه بالتكسب، وصِدق التوكل على الله. مسألة (١): ظاهر الآية الكريمة أن الإنفاق مطلق في أي وجه من وجوه الخير؛ ولكن هذا الإطلاق مقيد في آيات أُخر، مثل قوله تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٦١]، ومثل قوله تعالى: ﴿وأنفقوا في سبيل الله﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ وعلى هذا فيكون إطلاق الآية هنا مقيداً بالآيات الأُخر التي تدل على أن الإنفاق المأمور به ما كان في سبيل الله - أي في شرعه -. مسألة (٢): ظاهر الآية نفي الشفاعة مطلقاً؛ وحينئذ نحتاج إلى الجمع بين هذه الآية وبين النصوص الأخرى الدالة على إثبات الشفاعة في ذلك اليوم؛ فيقال: الجمع أن يحمل مطلق هذه الآية على المقيد بالنصوص الأخرى، ويقال؛ إن النصوص الأخرى دلت على أن هناك شفاعة؛ لكن لها ثلاثة شروط: رضى الله عن الشافع؛ وعن المشفوع له؛ وإذنه في الشفاعة. القرآن

стр. 1920

﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] التفسير: الله الذي لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو، الحيُّ الذي له جميع معاني الحياة الكاملة كما يليق بجلاله، القائم على كل شيء، لا تأخذه سِنَة أي: نعاس، ولا نوم، كل ما في السماوات وما في الأرض ملك له، ولا يتجاسر أحد أن يشفع عنده إلا بإذنه، محيط علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها، يعلم ما بين أيدي الخلائق من الأمور المستقبلة، وما خلفهم من الأمور الماضية، ولا يَطَّلعُ أحد من الخلق على شيء من علمه إلا بما أعلمه الله وأطلعه عليه. وسع كرسيه السماوات والأرض، والكرسي: هو موضع قدمي الرب ﷻ ولا يعلم كيفيته إلا الله سبحانه، ولا يثقله سبحانه حفظهما، وهو العلي بذاته وصفاته على جميع مخلوقاته، الجامع لجميع صفات العظمة والكبرياء. وهذه الآية أعظم آية في القرآن، وتسمى: آية الكرسي. وهذه الآية أعظم آية في كتاب الله" وأفضلها وأجلها، وذلك لما اشتملت عليه من الأمور العظيمة والصفات الكريمة، فلهذا كثرت الأحاديث في الترغيب في قراءتها وجعلها وردا للإنسان في أوقاته صباحا ومساء وعند نومه وأدبار الصلوات المكتوبات" (١)، كما سأل النبي ﷺ أبيّ بن كعب، وقال: «أي آية أعظم في كتاب الله؟ قال: آية الكرسي؛ فضرب على صدره، وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر» (٢)؛ ولهذا من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح؛ وهي مشتملة على عشر جمل؛ كل جملة لها معنى عظيم جداً (٣)، وفي رواية أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل شيء سناما، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية سيد آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه " (٤).

стр. 1921

قال القرطبي: " هذه آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية .. نزلت ليلا ودعا النبي ﷺ زيدا فكتبها" (١). وفي مدى جواز تفاضل آي القرآن العظيم ومنه الأسماء الحسنى، قد بحث أرباب العلم والسادة الفقهاء هذه المسألة من جميع الوجوه، وكانت آراؤهم مختلفة كالآتي (٢): القول الأول: رأي المجيزين للتفاضل بين الآيات وكذلك الاسماء الحسنى. أولاً: رأي أبي حامد الغزالي: ذهب أبو حامد الغزالي إلى اعتماد التفضيل وأن بعض الآيات أشرف من بعض مستدلاً على ذلك بما ذكرناه من أحاديث واردة في تفضيل بعض السور على بعض، يقول الغزالي: "لعلك تقول: قد توجه قصدك في هذه التنبيهات إلى تفضيل القرآن على بعض والكل قول الله تعالى، فكيف يفارق بعضها بعضاً؟ وكيف يكون بعضها أشرف من بعض، فاعلم: أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينات وبين سورة الإخلاص وسورة تبت، وترتاع من اعتقاد الفرق نفسك الجوارة المستغرقة بالتقليد، فقلد صاحب الأخبار على شرف بعض الآيات، وعلى تضعيف الأجر في بعض السور المنزلة" (٣)، ثم ساق الغزالي الأدلة المبينة تفاضل السور والآيات، كما ذكرناها في المباحث الأولى من هذا البحث. وقال أيضاً: "والأخبار الواردة في فضائل قوارع القرآن بتخصيص بعض الآيات والسور بالفضل وكثرة الثواب في تلاوتها لا تحصى قاطبة من كتب الحديث إن أردته" (٤). ثانياً: رأى القاضي عياض: بعد أن ذكر ما ورد في تفضيل آية الكرسي قال: "فيه حجة للقول بجواز تفضيل بعض القرآن على بعض وتفضيله على سائر كتب الله تعالى" (٥). ثالثاً: رأي العلامة القاسمي: بعد أن أورد فضائل سورة الفاتحة قال: "واستدل بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض كما هو المحكي عن كثير من العلماء منهم إسحاق بن راهويه،

стр. 1922

وأبو بكر بن العربي، وابن الحصار من المالكية وذلك بيّن واضح" (١)، ويقصد بقوله: بيّن واضح من خلال الأخبار الصحيحة الواردة في هذا المجال. رابعاً: رأي الإمام القرطبي: بعد أن ذكر الاختلاف قال: "وقال قوم بالتفضيل وأن ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجوداً مثلاً في ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] وما كان مثلها، والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها، لا من حيث الصفة، وهذا هو الحق" (٢). إذاً هذا التفضيل الذي ذهب إليه القرطبي بالنظر إلى ما تضمنته هذه السور والآيات من المعاني والأصول لا من ناحية الأجر والثواب فقط كما ذهب إليه الطرف الآخر، وذكر القرطبي أن هذا الاختيار هو اختيار مجموعة من العلماء كالقاضي أبي بكر بن العربي وابن الحصار لما ورد من أخبار في هذا المجال حتى قال ابن الحصار: "عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص" (٣)، ونقل عن ابن العربي قوله: "ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها – الفاتحة – وسكت عن سائر الكتب، كالصحف المنزلة والزبور وغيرها؛ لأن هذه المذكورة أفضلها، وإذا كان الشيء أفضل الأفضل، صار أفضل الكل؛ كقولك زيد أفضل العلماء، فهو أفضل الناس، وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها؛ حتى قيل: إن جميع القرآن فيها ... وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم ... وهي تضمنت التوحيد والعبادة" (٤). خامساً: رأي ابن تيمية: أفرد ابن تيمية لهذه المسألة ومتعلقاتها كتاباً خاصاً سماه (جواب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر به رسول الله من أن "قل هو الله أحد" تعدل ثلث القرآن)، حيث دلل على ما ذهب إليه من جواز التفضيل بالأدلة الكثيرة ورد على من ينفي ذلك وأنه يعارض بنفيه جميع الأدلة الشرعية المؤيدة للتفاضل فقال: "وفي الجملة فدلالة النصوص النبوية والآثار السلفية والأحكام الشرعية والحجج العقلية على أن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو من الدلالات الظاهرة المشهورة" (٥)، ثم يذهب يبين في أي شيء يحصل التفاضل فيقول: "فمعلوم أن الكلام له نسبتان، نسبة إلى المتكلم فيه، فهو يتفاضل باعتبار النسبتين، وباعتبار نفسه أيضاً ... "فقل هو الله أحد، وتبت يدا أبي لهب كلاهما كلام الله وهما مشتركان في هذه الجهة، ولكنهما متفاضلان من جهة المتكلم فيه المخبر عنه: فهذا كلام الله وخبره الذي يخبر به عن نفسه وصفته التي يصف بها نفسه، وكلامه الذي يتكلم به عن نفسه، وهذا كلام الله الذي يتكلم عن بعض خلقه، ويخبر به عنه ويصف به حاله، وهما في هذه الجهة متفاضلان بحسب تفاضل المعنى المقصود بالكلامين ... " (٦)، ثم تابع شرحه لما ذهب إليه قائلاً: "فليس الخبر المتضمن للحمد لله والثناء عليه بأسمائه الحسنى، كالخبر المتضمن لذكر أبي لهب وفرعون وإبليس، وإن كان هذا كلاماً عظيماً معظماً يكلم الله به ... " (٧)، ونسب إلى السلف الصالح القول بالتفاضل فقال: "والقول بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن السلف، وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم" (٨).

стр. 1923

القول الثاني: آراء الرافضين لمسألة التفضيل بين سور وآي القرآن الكريم وأدلتهم: ذكر الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي مسألة التفضيل فقال: "وقد اختلف الناس في ذلك، فذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو حاتم ابن حبان وغيرهم إلى أنه لا فضل لبعض على بعض؛ لأن الكل كلام الله، وكذلك أسماؤه تعالى لا تفاضل بينهما ... احتجوا بأن الأفضل يشعر بنقص المفضول، وكلام الله حقيقة واحدة لا نقص فيه" (١). ونقل عن ابن حبان قوله: "أعظم سورة، أراد به في الأجر، لا أن بعض القرآن أفضل من بعض" (٢). وقال النووي: "وفي التفضيل خلاف للعلماء فمنع منه أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الباقلاني وجماعة من الفقهاء والعلماء لأن تفضيل بعضه يقتضي نقص المفضول، وليس في كلام الله نقص به وتأول هؤلاء ما ورد من إطلاق أعظم وأفضل في بعض الآيات والسور بمعنى عظيم وفاضل" (٣). والراجح في هذه المسألة-والله أعلم-، ثبوت التفضيل لما جاء من الأخبار الصحيحة فيه وأن التفضيل يكون في التفاوت في المعاني ولا مانع أن يكون في زيادة الثواب، أما ما ذهب إليه المانعون من التفضيل خوفاً من دخول النقصان على القرآن فلا معنى له؛ لأن الجميع متفق على أن السور والآيات كلام الله فهو من هذا الجانب لا يتفاضل كما قال ابن تيمية وغيره، ولكن من ناحية المعاني فلا يخفى على أحد كما قال عز الدين بن عبد السلام: "كلام الله في الله أفضل من كلام الله في غيره فـ "قل هو الله أحد" أفضل من ﴿تب يدا أبي لهب﴾ " (٤)، واختاره القاضي أبو بكر بن العربي للأدلة الصريحة وقال: "إنما صارت آية الكرسي أعظم لعظم مقتضاها، فإن الشيء إنما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلقاته" (٥). بل ربما يكون منع التفاضل إنكار لموجب النصوص الشرعية، فإن المثبت لهذه المفاضلة معتصم بالكتاب والسنة، وأما النافي فليس معه آية من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله ﷺ وإنما معه مجرد رأي يزعم أن عقله دل عليه، ومنازعه يبين أن العقل إنما دل على نقيضه، وأن خطأه معلوم بصريح المعقول، كما هو معلوم بصحيح المنقول (٦). بل إذا نظرت في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، قال ابن تيمية: "فأخبر أنه يأتي بخير منها أو مثلها، وهذا بيان من الله لكون تلك الآية قد يأتي بمثلها تارة أو خير منها أخرى، فدل ذلك على أن الآيات تتماثل تارة وتتفاضل أخرى، وأيضاً فالتوراة والإنجيل والقرآن جميعها كلام الله، مع علم المسلمين بأن القرآن أفضل الكتب الثلاثة" (٧). قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، " أي: ما إله إلا هو" (٨). قال جابر بن زيد: "اسم الله الأعظم هو: الله" (٩). وقال ابن عباس: " ﴿لا إله إلا هو﴾: توحيده" (١٠). قال الشوكاني: " أي: لا معبود بحق إلا هو" (١١).

стр. 1924

قال ابن كثير: " إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق" (١). قال السيوطي" يريد الذي ليس معه شريك فكل معبود من دونه فهو خلق من خلق لا يضرون ولا ينفعون ولا يملكون رزقا ولا حياة ولا نشورا" (٢). قال ابن عثيمين: "و ﴿إله﴾ بمعنى مألوه؛ و «المألوه» بمعنى المعبود حباً، وتعظيماً؛ ولا أحد يستحق هذا الوصف إلا الله ؛ والآلهة المعبودة في الأرض، أو المعبودة وهي في السماء - كالملائكة - كلها لا تستحق العبادة؛ وهي تسمى آلهة؛ لكنها لا تستحق ذلك؛ الذي يستحقه رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ [البقرة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [الحج: ٦٢] (٣). قال السعدي: " أي: لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدا لربه، ممتثلا أوامره مجتنبا نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقا ناقصا مدبرا فقيرا من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئا من أنواع العبادة" (٤). قوله تعالى: ﴿الْحَيُّ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، " أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا" (٥). قال السيوطي: "الذي لا يبلى" (٦). عن الربيع قوله: " ﴿الحي﴾، حي لا يموت" (٧). وروي عن قتادة نحو ذلك (٨). قال السعدي: " فالحي: من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة" (٩). وقد ذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى ﴿الْحَيُّ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أربعة تأويلات (١٠): أحدها: أنه سمى نفسه حياً لصَرْفِه الأمور مصارِفها، وتقديره الأشياء مقاديرها، فهو حي بالتقدير لا بحياة. والثاني: أنه حي بحياة هي له صفة. والثالث: أنه اسم من أسماء الله تَسَمَّى به، فقلناه تسليماً لأمره. والرابع: أن المراد بالحي: الباقي، قاله السدي (١١)، ومنه قول لبيد (١٢): فإمّا تَرَيْني اليَوْمَ عِندَكِ سالِماً ... فَلستُ بأحْيا مِنْ كِلابٍ وجَعْفَرِ قوله تعالى: ﴿الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي: " القائم على كل شيء" (١٣).

стр. 1925

قال السيوطي: " الذي لا يزول" (١). قال ابن كثير: أي " القيم لغيره .. فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غني عنها ولا قوام لها بدون أمره كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] " (٢). قال السعدي: " القيوم: هو الذي قام بنفسه وقام بغيره" (٣). وقال ابن عثيمين: ﴿القيوم﴾، أي: "القائم على نفسه فلا يحتاج إلى أحد من خلقه؛ والقائم على غيره فكل أحد محتاج إليه" (٤). وقرأ وابن مسعود وعلقمة وإبراهيم النخعي والأعمش: ﴿القَيَّام﴾ بالألف، وروي ذلك عن عمر (٥). قال الشوكاني: " ولا خلاف بين أهل اللغة أن القيوم أعرف عند العرب واصح بناء وأثبت علة" (٦). وقوله ﴿الْقَيُّومُ﴾ أصله (القيووم)، سبق عين الفعل، وهي (واو)، (ياء) ساكنة، فأدغمتا فصارتا (ياء) مشددة، وكذلك تفعل العرب في كل (واو) كانت للفعل عينا، سبقتها (ياء) ساكنة. ومعنى قوله: ﴿القيوم﴾، القائم برزق ما خلق وحفظه، كما قال أمية بن الصلت الثقفي (٧): لم تخلق السماء والنجوم ... والشمس معها قمر يعوم قدره المهيمن القيوم ... والجسر والجنة والجحيم إلا لأمر شأنه عظيم (٨). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى ﴿الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وجوها (٩): الأول: القائم بتدبير خلقه، قاله الربيع (١٠)، وروي عن مجاهد (١١) وقتادة (١٢) والسدي (١٣) والضحاك (١٤)، نحو ذلك. الثاني: يعني القائم على كل نفس بما كسبت، حتى يجازيها بعملها من حيث هو عالم به، لا يخفى عليه شيء منه، قاله الحسن (١٥) , ونحوه عن مقاتل بن سليمان (١٦). الثالث: أنه الذي لا يزول ولا يحول، قاله ابن عباس (١٧) والحسن (١٨).

стр. 1926

الرابع: أنه العالم بالأمور، من قولهم: فلان يقوم بهذا الكتاب، أي هو عالم به (١). الخامس: وقيل: أنه اسم من أسماء الله، مأخوذ من الاستقامة (٢). وقد روي "عن أسماء بنت يزيد، أن رسول الله ﷺ قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، و ﴿إلهكم إله واحد﴾ [فصلت: ٦] " (٣). قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، "أي لا يعتريه نعاس، ولا نوم" (٤). قال الطبري: " لا يأخذه نعاس فينعس، ولا نوم فيستثقل نوما" (٥). قال ابن كثير: " أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه بل هو قائم على كل نفس بما كسبت شهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم" (٦). و(السِنَة): النعاس، قاله ابن عباس (٧) والحسن (٨) والضحاك (٩) وجوبير (١٠) والسدي (١١) والربيع (١٢) ورافع (١٣) وابن يد (١٤)، وهو قول الجمهور" (١٥)، والمعنى: أنه-سبحانه-لا يغفل عن تدبير أمر الخلق (١٦).

стр. 1927

قال الماوردي: "والنعاس ما كان في الرأس، فإذا صار في القلب صار نوماً، وفرَّق المفضل بينهما، فقال: السِّنة في الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب. وما عليه الجمهور من التسوية بين السِّنة والنعاس أشبه، قال عدي بن الرقاع (١): وسْنَانُ أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم" (٢) وذكر الطبري بأن (الوسن): خثورة النوم (٣) في عين الإنسان، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس (٤): تعاطى الضجيع إذا أقبلت ... بعيد النعاس وقبل الوسن وقوله الآخر (٥): باكرتها الأغراب في سنة النو ... م فتجري خلال شوك السيال يعني عند هبوبها من النوم ووسن النوم في عينها، يقال منه: " وسن فلان فهو يوسن وسنا وسنة وهو وسنان "، إذا كان كذلك (٦).

стр. 1928

قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي " له ملك جميع ما في السموات وما في الأرض، لا شريك له في ذلك" (١). قال البغوي: " ملكا وخلقا" (٢). قال الصابوني" أي جميع ما في السماوات والأرض ملكه وعبيده وتحت قهره وسلطانه" (٣). قال الطبري: "يقول: فجميع ما في السموات والأرض ملكي وخلقي، فلا ينبغي أن يعبد أحد من خلقي غيري وأنا مالكه، لأنه لا ينبغي للعبد أن يعبد غير مالكه، ولا يطيع سوى مولاه" (٤). قال السعدي: " أي: هو المالك وما سواه مملوك وهو الخالق الرازق المدبر وغيره مخلوق مرزوق مدبر لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض" (٥). قال ابن كثير: " إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥] " (٦). قال ابن عطية: " وجاءت العبارة بـ ﴿ما﴾، وإن كان في الجملة من يعقل، من حيث المراد الجملة والموجود" (٧). قال أبو حيان: " و: ﴿ما﴾، للعموم تشمل كل موجود، و: اللام، للملك أخبر تعالى أن مظروف السموات والأرض ملك له تعالى، وكرر: ما، للتوكيد. وكان ذكر المظروف هنا دون ذكر الظرف، لأن المقصود نفي الإلهية عن غير الله تعالى، وأنه لا ينبغي أن يعبد غيره، لأن ما عبد من دون الله من الأجرام النيرة التي في السموات: كالشمس، والقمر، والشعرى؛ والأشخاص الأرضية: كالأصنام، وبعض بني آدم، كل منهم ملك لله تعالى، مربوب مخلوق" (٨). قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي: "من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم، إلا أن يخليه، ويأذن له بالشفاعة لهم" (٩). قال السعدي: أي: " لا أحد يشفع عنده بدون إذنه" (١٠). قال الصابوني: " أي: لا أحد يستطيع أن يشفع لأحد إِلا إِذا أذن له الله تعالى" (١١). قال الطبري: " وإنما قال ذلك تعالى ذكره لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى! فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السموات وما في الأرض مع السموات والأرض ملكا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له، من رسلي وأوليائي وأهل طاعتي" (١٢). قال ابن عثيمين: " حتى أعظم الناس جاهاً عند الله لا يشفع إلا بإذن الله؛ فالنبي ﷺ يوم القيامة - وهو أعظم الناس جاهاً عند الله؛ ومع ذلك لا يشفع إلا بإذن الله لكمال سلطانه جلّ وعلا، وهيبته؛ وكلما كمل السلطان صار أهيب للملِك، وأعظم؛ حتى إن الناس لا يتكلمون في مجلسه إلا إذا تكلم؛ وانظر وصف رسولِ قريشٍ النبي ﷺ مع أصحابه، حيث وصفهم بأنه إذا تكلم سكتوا؛ كل ذلك من باب التعظيم" (١٣). و (الشفاعة) في اللغة: مصدر من الشفع ضد الوتر (١٤)؛ وفي الاصطلاح: التوسط للغير لجلب منفعة، أو دفع مضرة (١٥)؛ فشفاعة النبي ﷺ في أهل الموقف أن يقضي الله بينهم بعدما يلحقهم من الهمّ، والغمّ ما لا يطيقون (١٦): شفاعة لدفع مضرة؛ وشفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة (١٧): شفاعة في جلب منفعة (١٨).

стр. 1929

قال القرطبي: " وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله، ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى؛ كما قال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] " (١). وقال ابن عطية: "والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين، أو وصل ولكن له أعماله صالحة" (٢). قال الشوكاني: " ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، في هذا الاستفهام من الإنكار على من يزعم أن أحدا من عباده يقدر على أن ينفع أحدا منهم بشفاعة أو غيرها والتقريع والتوبيخ له ما لا مزيد عليه وفيه من الدفع في صدور عباد القبور والصد في وجوههم والفت في أعضادهم مالا يقادر قدره ولا يبلغ مداه" (٣). قال أبو حيان: " والإذن هنا معناه الأمر، كما ورد: إشفع تشفع، أو العلم أو التمكين إن شفع أحد بلا أمر" (٤). قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، يعني: "أنه المحيط بكل ما كان وبكل ما هو كائن علما، لا يخفى عليه شيء منه" (٥) قال الحجاي: "العالم وحده بالخفيات يعلم الكليات والجزئيات" (٦). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وجوها (٧): أحدهما: ما بين أيديهم: هو ما قبل خلقهم، وما خلفهم: هو ما بعد موتهم. الثاني: ما بين أيديهم: هو الدنيا، وما خلفهم: الآخرة. قاله الحكم (٨) وروي نحوه عن ابن مجاهد (٩) وجريج (١٠) والسدي (١١). الثالث: ما بين أيديهم: ما أظهروه، وما خلفهم: ما كتموه. الرابع: ﴿يعلم ما بين أيديهم﴾ أي المستقبل؛ ﴿وما خلفهم﴾ أي الماضي، قاله الشيخ ابن عثيمين (١٢). قال أبو حيان: " والذي يظهر أن هذا كناية عن إحاطة علمه تعالى بسائر المخلوقات من جميع الجهات وكنى بهاتين الجهتين عن سائر جهات من أحاط علمه به، كما تقول: ضرب زيد الظهر والبطن، وأنت تعني بذلك جميع جسده، واستعيرت الجهات لأحوال المعلومات، فالمعنى أنه تعالى عالم بسائر أحوال المخلوقات، لا يعزب عنه شيء، فلا يراد بما بين الأيدي ولا بما خلفهم شيء معين. كما ذهبوا إليه" (١٣). قال السعدي: " فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى" (١٤).

стр. 1930

قال ابن عثيمين: " و «العلم» عند الأصوليين: إدراك الشيء إدراكاً جازماً مطابقاً؛ فعدم الإدراك: جهل؛ والإدراك على وجه لا جزم فيه: شك؛ والإدراك على وجه جازم غير مطابق: جهل مركب؛ فلو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «لا أدري» فهذا جهل؛ ولو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «إما في الثانية؛ أو في الثالثة» فهذا شك؛ ولو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «في السنة الخامسة» فهذا جهل مركب؛ والله يعلم الأشياء علماً تاماً شاملاً لها جملة، وتفصيلاً؛ وعلمه ليس كعلم العباد" (١). قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي: " لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه" (٢). عن السدي: " ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾، يقول: لا يعلمون بشيء من علمه " إلا بما شاء "، هو أن يعلمهم" (٣). قال الشوكاني: " والعلم هنا بمعنى المعلوم أي لا يحيطون بشيء من معلوماته" (٤). قال القاسمي: " الإحاطة تقتضي الحفوف بالشيء من جميع جهاته، والاشتمال عليه، والعلم هنا المعلوم لأن علم الله الذي هو صفة ذاته لا يتبعض، كما جاء في حديث موسى والخضر: "ما نقص علمي وعلمك من علمه إلاّ كما نقص هذا العصفور من هذا البحر" (٥)، والاستثناء يدل على أن المراد بالعلم المعلومات، وقالوا: اللهم اغفر علمك فينا، أي معلومك، والمعنى: لا يعلمون من الغيب الذي هو معلوم الله شيئاً إلاّ ما شاء أن يُعلمهم، قاله الكلبي. وقال الزجاج: إلا بما أنبأ به الأنبياء تثبيتاً لنبوتّهم" (٦). قال الطبري: " أنه العالم الذي لا يخفي عليه شيء محيط بذلك كله محص له دون سائر من دونه وأنه لا يعلم أحد سواه شيئا إلا بما شاء هو أن يعلمه، فأراد فعلمه، وإنما يعني بذلك: أن العبادة لا تنبغي لمن كان بالأشياء جاهلا فكيف يعبد من لا يعقل شيئا البتة من وثن وصنم؟ ! يقول: أخلصوا العبادة لمن هو محيط بالأشياء كلها، يعلمها، لا يخفي عليه صغيرها وكبيرها" (٧). وقد ذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ثلاثة معاني (٨): المعنى الأول: لا يحيطون بشيء من علم نفسه؛ أي لا يعلمون عن الله من أسمائه، وصفاته، وأفعاله، إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلمونه. المعنى الثاني: ولا يحيطون بشيء من معلومه - أي مما يعلمه في السموات، والأرض - إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلمونه. المعنى الثالث: وقيل: إلا بما أنبأ الأنبياء تثبيتا لنبوتهم (٩). وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فإن ﴿ما﴾ يحتمل أن تكون مصدرية؛ أي: إلا بمشيئته؛ ويحتمل أن تكون موصولة؛ أي: إلا بالذي شاء؛ وعلى التقدير الثاني يكون العائد محذوفاً؛ والتقدير: إلا بما شاءه (١٠).
следующие страницы →