← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

الرابع: أنه العالم بالأمور، من قولهم: فلان يقوم بهذا الكتاب، أي هو عالم به (١). الخامس: وقيل: أنه اسم من أسماء الله، مأخوذ من الاستقامة (٢). وقد روي "عن أسماء بنت يزيد، أن رسول الله ﷺ قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، و ﴿إلهكم إله واحد﴾ [فصلت: ٦] " (٣). قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، "أي لا يعتريه نعاس، ولا نوم" (٤). قال الطبري: " لا يأخذه نعاس فينعس، ولا نوم فيستثقل نوما" (٥). قال ابن كثير: " أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه بل هو قائم على كل نفس بما كسبت شهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم" (٦). و(السِنَة): النعاس، قاله ابن عباس (٧) والحسن (٨) والضحاك (٩) وجوبير (١٠) والسدي (١١) والربيع (١٢) ورافع (١٣) وابن يد (١٤)، وهو قول الجمهور" (١٥)، والمعنى: أنه-سبحانه-لا يغفل عن تدبير أمر الخلق (١٦).

стр. 1927

قال الماوردي: "والنعاس ما كان في الرأس، فإذا صار في القلب صار نوماً، وفرَّق المفضل بينهما، فقال: السِّنة في الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب. وما عليه الجمهور من التسوية بين السِّنة والنعاس أشبه، قال عدي بن الرقاع (١): وسْنَانُ أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم" (٢) وذكر الطبري بأن (الوسن): خثورة النوم (٣) في عين الإنسان، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس (٤): تعاطى الضجيع إذا أقبلت ... بعيد النعاس وقبل الوسن وقوله الآخر (٥): باكرتها الأغراب في سنة النو ... م فتجري خلال شوك السيال يعني عند هبوبها من النوم ووسن النوم في عينها، يقال منه: " وسن فلان فهو يوسن وسنا وسنة وهو وسنان "، إذا كان كذلك (٦).

стр. 1928

قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي " له ملك جميع ما في السموات وما في الأرض، لا شريك له في ذلك" (١). قال البغوي: " ملكا وخلقا" (٢). قال الصابوني" أي جميع ما في السماوات والأرض ملكه وعبيده وتحت قهره وسلطانه" (٣). قال الطبري: "يقول: فجميع ما في السموات والأرض ملكي وخلقي، فلا ينبغي أن يعبد أحد من خلقي غيري وأنا مالكه، لأنه لا ينبغي للعبد أن يعبد غير مالكه، ولا يطيع سوى مولاه" (٤). قال السعدي: " أي: هو المالك وما سواه مملوك وهو الخالق الرازق المدبر وغيره مخلوق مرزوق مدبر لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض" (٥). قال ابن كثير: " إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥] " (٦). قال ابن عطية: " وجاءت العبارة بـ ﴿ما﴾، وإن كان في الجملة من يعقل، من حيث المراد الجملة والموجود" (٧). قال أبو حيان: " و: ﴿ما﴾، للعموم تشمل كل موجود، و: اللام، للملك أخبر تعالى أن مظروف السموات والأرض ملك له تعالى، وكرر: ما، للتوكيد. وكان ذكر المظروف هنا دون ذكر الظرف، لأن المقصود نفي الإلهية عن غير الله تعالى، وأنه لا ينبغي أن يعبد غيره، لأن ما عبد من دون الله من الأجرام النيرة التي في السموات: كالشمس، والقمر، والشعرى؛ والأشخاص الأرضية: كالأصنام، وبعض بني آدم، كل منهم ملك لله تعالى، مربوب مخلوق" (٨). قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي: "من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم، إلا أن يخليه، ويأذن له بالشفاعة لهم" (٩). قال السعدي: أي: " لا أحد يشفع عنده بدون إذنه" (١٠). قال الصابوني: " أي: لا أحد يستطيع أن يشفع لأحد إِلا إِذا أذن له الله تعالى" (١١). قال الطبري: " وإنما قال ذلك تعالى ذكره لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى! فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السموات وما في الأرض مع السموات والأرض ملكا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له، من رسلي وأوليائي وأهل طاعتي" (١٢). قال ابن عثيمين: " حتى أعظم الناس جاهاً عند الله لا يشفع إلا بإذن الله؛ فالنبي ﷺ يوم القيامة - وهو أعظم الناس جاهاً عند الله؛ ومع ذلك لا يشفع إلا بإذن الله لكمال سلطانه جلّ وعلا، وهيبته؛ وكلما كمل السلطان صار أهيب للملِك، وأعظم؛ حتى إن الناس لا يتكلمون في مجلسه إلا إذا تكلم؛ وانظر وصف رسولِ قريشٍ النبي ﷺ مع أصحابه، حيث وصفهم بأنه إذا تكلم سكتوا؛ كل ذلك من باب التعظيم" (١٣). و (الشفاعة) في اللغة: مصدر من الشفع ضد الوتر (١٤)؛ وفي الاصطلاح: التوسط للغير لجلب منفعة، أو دفع مضرة (١٥)؛ فشفاعة النبي ﷺ في أهل الموقف أن يقضي الله بينهم بعدما يلحقهم من الهمّ، والغمّ ما لا يطيقون (١٦): شفاعة لدفع مضرة؛ وشفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة (١٧): شفاعة في جلب منفعة (١٨).

стр. 1929

قال القرطبي: " وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله، ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى؛ كما قال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] " (١). وقال ابن عطية: "والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين، أو وصل ولكن له أعماله صالحة" (٢). قال الشوكاني: " ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، في هذا الاستفهام من الإنكار على من يزعم أن أحدا من عباده يقدر على أن ينفع أحدا منهم بشفاعة أو غيرها والتقريع والتوبيخ له ما لا مزيد عليه وفيه من الدفع في صدور عباد القبور والصد في وجوههم والفت في أعضادهم مالا يقادر قدره ولا يبلغ مداه" (٣). قال أبو حيان: " والإذن هنا معناه الأمر، كما ورد: إشفع تشفع، أو العلم أو التمكين إن شفع أحد بلا أمر" (٤). قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، يعني: "أنه المحيط بكل ما كان وبكل ما هو كائن علما، لا يخفى عليه شيء منه" (٥) قال الحجاي: "العالم وحده بالخفيات يعلم الكليات والجزئيات" (٦). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وجوها (٧): أحدهما: ما بين أيديهم: هو ما قبل خلقهم، وما خلفهم: هو ما بعد موتهم. الثاني: ما بين أيديهم: هو الدنيا، وما خلفهم: الآخرة. قاله الحكم (٨) وروي نحوه عن ابن مجاهد (٩) وجريج (١٠) والسدي (١١). الثالث: ما بين أيديهم: ما أظهروه، وما خلفهم: ما كتموه. الرابع: ﴿يعلم ما بين أيديهم﴾ أي المستقبل؛ ﴿وما خلفهم﴾ أي الماضي، قاله الشيخ ابن عثيمين (١٢). قال أبو حيان: " والذي يظهر أن هذا كناية عن إحاطة علمه تعالى بسائر المخلوقات من جميع الجهات وكنى بهاتين الجهتين عن سائر جهات من أحاط علمه به، كما تقول: ضرب زيد الظهر والبطن، وأنت تعني بذلك جميع جسده، واستعيرت الجهات لأحوال المعلومات، فالمعنى أنه تعالى عالم بسائر أحوال المخلوقات، لا يعزب عنه شيء، فلا يراد بما بين الأيدي ولا بما خلفهم شيء معين. كما ذهبوا إليه" (١٣). قال السعدي: " فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى" (١٤).

стр. 1930

قال ابن عثيمين: " و «العلم» عند الأصوليين: إدراك الشيء إدراكاً جازماً مطابقاً؛ فعدم الإدراك: جهل؛ والإدراك على وجه لا جزم فيه: شك؛ والإدراك على وجه جازم غير مطابق: جهل مركب؛ فلو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «لا أدري» فهذا جهل؛ ولو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «إما في الثانية؛ أو في الثالثة» فهذا شك؛ ولو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «في السنة الخامسة» فهذا جهل مركب؛ والله يعلم الأشياء علماً تاماً شاملاً لها جملة، وتفصيلاً؛ وعلمه ليس كعلم العباد" (١). قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي: " لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه" (٢). عن السدي: " ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾، يقول: لا يعلمون بشيء من علمه " إلا بما شاء "، هو أن يعلمهم" (٣). قال الشوكاني: " والعلم هنا بمعنى المعلوم أي لا يحيطون بشيء من معلوماته" (٤). قال القاسمي: " الإحاطة تقتضي الحفوف بالشيء من جميع جهاته، والاشتمال عليه، والعلم هنا المعلوم لأن علم الله الذي هو صفة ذاته لا يتبعض، كما جاء في حديث موسى والخضر: "ما نقص علمي وعلمك من علمه إلاّ كما نقص هذا العصفور من هذا البحر" (٥)، والاستثناء يدل على أن المراد بالعلم المعلومات، وقالوا: اللهم اغفر علمك فينا، أي معلومك، والمعنى: لا يعلمون من الغيب الذي هو معلوم الله شيئاً إلاّ ما شاء أن يُعلمهم، قاله الكلبي. وقال الزجاج: إلا بما أنبأ به الأنبياء تثبيتاً لنبوتّهم" (٦). قال الطبري: " أنه العالم الذي لا يخفي عليه شيء محيط بذلك كله محص له دون سائر من دونه وأنه لا يعلم أحد سواه شيئا إلا بما شاء هو أن يعلمه، فأراد فعلمه، وإنما يعني بذلك: أن العبادة لا تنبغي لمن كان بالأشياء جاهلا فكيف يعبد من لا يعقل شيئا البتة من وثن وصنم؟ ! يقول: أخلصوا العبادة لمن هو محيط بالأشياء كلها، يعلمها، لا يخفي عليه صغيرها وكبيرها" (٧). وقد ذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ثلاثة معاني (٨): المعنى الأول: لا يحيطون بشيء من علم نفسه؛ أي لا يعلمون عن الله من أسمائه، وصفاته، وأفعاله، إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلمونه. المعنى الثاني: ولا يحيطون بشيء من معلومه - أي مما يعلمه في السموات، والأرض - إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلمونه. المعنى الثالث: وقيل: إلا بما أنبأ الأنبياء تثبيتا لنبوتهم (٩). وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فإن ﴿ما﴾ يحتمل أن تكون مصدرية؛ أي: إلا بمشيئته؛ ويحتمل أن تكون موصولة؛ أي: إلا بالذي شاء؛ وعلى التقدير الثاني يكون العائد محذوفاً؛ والتقدير: إلا بما شاءه (١٠).

стр. 1931

وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، يعني: شمل، وأحاط" (١)، كرسيه السماوات والأرض. قال الشوكاني: " (الكرسي) الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته كما سيأتي بيان ذلك وقد نفى وجوده جماعة من المعتزلة وأخطئوا في ذلك خطأ بينا وغلطوا غلطا فاحشا، وقال بعض السلف إن الكرسي هنا عبارة عن العلم، ورجح هذا القول ابن جرير الطبري ... والحق القول الأول ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد خيالات تسببت عن جهالات وضلالات، والمراد بكونه وسع السموات والأرض أنها صارت فيه وأنه وسعها ولم يضق عنها لكونه بسيطا واسعا" (٢). قال ابن عاشور: " والجمهور قالوا: إن الكرسي مخلوق عظيم، ويضاف إلى الله تعالى لعظمته" (٣). وقد اختلف أهل التفسير في (الكرسي) الذي وصفه الله تعالى بأنه وسع السماوات والأرض، وذكروا فيه أوجها (٤): الاول: أنه علم الله، قاله ابن عباس (٥). ورجحه الطبري (٦). الثاني: ملك الله، أي: ": وسع ملكه، تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك" (٧). الثالث: أنه العرش نفسه، قاله الحسن (٨). قال القاسمي: " وأيده بعضهم بأن لفظ عرش المملكة وكرسيّها مترادفان. ولذلك قال تعالى على لسان سليمان: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: ٣٨]، فالعرش والكرسيّ هما شيء واحد وإنما سماه هنا. كرسيّا، إعلاما باسم له آخر" (٩). واختاره ابن عاشور، قائلا: " وهذا هو الظاهر لأن الكرسي لم يذكر في القرآن إلا في هذه الآية وتكرر ذكر العرش، ولم يرد ذكرهما مقترنين، فلو كان الكرسي غير العرش لذكر معه كما ذكرت السماوات مع العرش في قوله تعالى: قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم [المؤمنون: ٨٦] " (١٠). الرابع: عظمة الله. اختاره القفال قائلا: "المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله تعالى وكبريائه وتعزيزه، خاطب الخلق في تعريف ذاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم" (١١).

стр. 1932

الخامس: أنه: موضع القدمين. قاله ابن عباس (١)، أبو موسى (٢) والسدي (٣) والضحاك (٤) ومسلم البطين (٥)، وقالوا بأن الكرسي هو موضع القدمين، "لأن الجالس على عرش يكون مرتفعا عن الأرض فيوضع له كرسي لئلا تكون رجلاه في الفضاء إذا لم يتربع" (٦). قال الطبري: " ولكل قول من هذه الأقوال وجه ومذهب، غير أن الذي هو أولى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله ﷺ حدثني به عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: أتت امرأة النبي ﷺ ، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة! فعظم الرب تعالى ذكره، ثم قال: إن كرسيه وسع السموات والأرض، وأنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع - ثم قال بأصابعه فجمعها - وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد، إذا ركب، من ثقله " (٧) " (٨). ثم قال: " وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عنه أنه قال: " هو علمه " (٩)، وذلك لدلالة قوله تعالى ذكره: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾ على أن ذلك كذلك، فأخبر أنه لا يؤوده حفظ ما علم، وأحاط به مما في السموات والأرض، وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا في دعائهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، فأخبر تعالى ذكره أن علمه وسع كل شيء، فكذلك قوله: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ " (١٠). وقد ذكر العلماء بأن أصل الكرسي (العلم)، ومنه قيل للصحيفة فيها علم مكتوب: كراسة، قال أبو ذؤيب: مالي بأمرك كرسيّ أكاتمه ... ولا بكرسيّ عليم الغيب مخلوق

стр. 1933

وقول الراجز (١): حتى إذا ما احتازها تكرسا يعني علم. وقيل للعلماء: الكراسي، لأنهم المعتمد عليهم كما يقال لهم: أوتاد الأرض، لأنهم الذين بهم تصلح الأرض، قال الشاعر (٢): يحف بهم بيضُ الوجوه وعُلية ... كراسيُّ بالأحداث حين تنوبُ أي علماء بحوادث الأمور، ونوازلها (٣). قال الطبري: ". والعرب تسمي أصل كل شيء " الكرس "، يقال منه: " فلان كريم الكرس "، أي كريم الأصل، قال العجاج (٤): قد علم القدوس مولى القدس ... أن أبا العباس أولى نفس بمعدن الملك الكريم الكِرْس يعني بذلك: الكريم الأصل، ويروى: في معدن العز الكريم الكِرْس" (٥) قال الماوردي: "فدلت هذه الشواهد، على أن أصح تأويلاته، ما قاله ابن عباس، أنه علم الله تعالى" (٦). قال الشيخ ابن عثيمين: " فأهل السنّة والجماعة عامتهم على أن الكرسي موضع قدمي الله ؛ وبهذا جزم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أهل العلم، وأئمة التحقيق؛ وقد قيل: إن «الكرسي» هو العرش؛ ولكن ليس بصحيح؛ فإن «العرش» أعظم، وأوسع، وأبلغ إحاطة من الكرسي؛ وروي عن ابن عباس أن ﴿كرسيه﴾: علمه؛ ولكن هذه الرواية أظنها لا تصح عن ابن عباس (٧)؛ لأنه لا يعرف هذا المعنى لهذه الكلمة في اللغة العربية، ولا في الحقيقة الشرعية؛ فهو بعيد جداً من أن يصح عن ابن عباس ﵄؛ فالكرسي موضع القدمين؛ وقد جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «ما السموات السبع والأرضون بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة» (٨)؛ وهذا يدل على سعة هذه المخلوقات العظيمة التي هي بالنسبة لنا

стр. 1934

من عالم الغيب؛ ولهذا يقول الله : ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها﴾ [ق: ٦]؛ ولم يقل: أفلم ينظروا إلى الكرسي؛ أو إلى العرش؛ لأن ذلك ليس مرئياً لنا؛ ولولا أن الله أخبرنا به ما علمنا به" (١). قلت: إن (الكرسيّ) باتّفاق علماء أهل السنّة هو جَرْم مخلوق غير العرش، خلافا لمن قال إنّه العرش نفسه، والمشهور في تفسير (الكرسيّ) أنه موضع القدمين، وهو قول السلف لم يثبت خلافه عنهم بسند صحيح، الا في رواية لجعفر بن أبي المغيرة عن ابن عباس لم يتابع عليه على ذلك أحد، كما أن علم الله تعالى قد وسع كل شيء فلا يصح قصره على السماوات والارض، والخلاصة أن على العبد أن يؤمن بصفات الله تعالى دون تأويل ولا تعطيل ويمرها كما جاءت بلا تشبيه ولا تمثيل، ولا يجوز أن يخوض أحد في كيفيّة ذلك كما هو مقرّر في أصول اعتقاد أهل السنّة، وأما التنطع في إثبات ما لم يرد به الكتاب والسنة فالواجب تركه. والله تعالى أعلم (٢). وقوله تعالى ﴿وَسِعَ﴾ [البقرة ٢٥٥]، قرأ الجمهور ﴿وَسِعَ﴾، بكسر (السين)، وقراء شاذا بسكونها (وَسْعَ)، وقراء أيضاً شاذا (٣) (وسْعُ) بسكونها وضم العين (٤)، وقراء أيضا: " ﴿وَسْعُ كرسيه﴾ بفتح الواو وسكون السين ورفع العين على الابتداء" (٥). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي: " ولا يثقل عليه حفظ السموات والأرض" (٦). قال الصابوني: "أي لا يثقله ولا يعجزه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما" (٧). قال ابن عباس: " لا يثقل عليه حفظهما" (٨). وروي نحو ذلك عن قتادة (٩) والحسن (١٠) والضحاك (١١)، وعبدالرحمن المديني (١٢)، ومجاهد (١٣)، والسدي (١٤)، والربع (١٥)، وابن زيد (١٦).

стр. 1935

قال الطبري: " ولا يشق عليه ولا يثقله" (١). قال السيوطي" "ولا يفوته شيء مما في السموات والأرض" (٢). قال ابن حجر: " أي: ولا يثقله، يقال: آده يؤوده إذا أثقله" (٣). قال القاسمي: " ﴿وَلا يَؤُدُهُ﴾ أي لا يثقله ولا يشق عليه. يقال: آده الأمر أودا وأوودا (كقعود) بلغ منه المجهود والمشقة حِفْظُهُما أي السموات والأرض فلا يفتقر إلى شريك ولا ولد" (٤). قال أبو حيان: " قرأ الجمهور: يؤوده بالهمز، وقراء شاذاً بالحذف، كما حذفت همزة أناس، وقراء أيضاً: يووده، بواو منضمومة على البدل من الهمزة" (٥). وقد ذكر أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] وجوها (٦): الأول: لا يثقله حفظهما، وهو قول الجمهور (٧). الثاني: لا يتعاظمه حفظهما، حكاه أبان بن تغلب (٨). وأنشد (٩): ألا بكِّ سلمى اليوم بت جديدها ... وضَنّت وما كان النوال يؤودها الثالث: وقيل: "لا يشغله حفظ السموات عن حفظ الأرضين، ولا حفظ الأرضين عن حفظ السموات" (١٠). واختلفوا في الكناية بـ (الهاء) في قوله تعالى ﴿يَئُودُهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلى ماذا تعود؟ على قولين (١١): أحدهما: إلى اسم الله، وتقديره ولا يُثقل الله حفظ السموات والأرض. والثاني: تعود إلى الكرسي، وتقديره ولا يثقل الكرسيَّ حفظهما. قال أبو حيان: " والظاهر الأول لتكون الضمائر متناسبة لواحد ولا تختلف، ولبعد نسبة الحفظ إلى الكرسي" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، يعني" ذو العلو والارتفاع على خلقه بقدرته" (١٣). قال المراغي: " أي: وهو المتعالي عن الأنداد والأشباه" (١٤) قال ابن عثيمين: " أي: ذو العلو المطلق، وهو الارتفاع فوق كل شيء" (١٥). وقد ذكر أهل التفسير في معنى قوله ﴿الْعَلِيُّ﴾ [البقرة: ٣٥٥]، ثلاثة أقوال (١٦):

стр. 1936

الأول: العلي بالاقتدار ونفوذ السلطان. قال ابن عطية: " يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأن الله منزه عن التحيز" (١). قال النسفي: "العلي " في ملكه وسلطانه" (٢). الثاني: العلي عن الأشباه والأمثال. قال الطبري: وهؤلاء "أنكروا أن يكون معنى ذلك: وهو العلي المكان، وقالوا: غير جائز أن يخلو منه مكان، ولا معنى لوصفه بعلو المكان، لأن ذلك وصفه بأنه في مكان دون مكان" (٣). الثالث: وقيل: "العلي على خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه، لأنه تعالى ذكره فوق جميع خلقه وخلقه دونه، كما وصف به نفسه أنه على العرش، فهو عال بذلك عليهم" (٤). قال ابن عطية: " وهذا قول جهلة مجسمين، وكان الوجه أن لا يحكى" (٥). قال الشوكاني: " والخلاف في إثبات الجهة معروف في السلف والخلف والنزاع فيه كائن بينهم والأدلة من الكتاب والسنة معروفة ولكن الناشئ على مذهب يرى غيره خارجا عن الشرع ولا ينظر في أدلته ولا يلتفت إليها والكتاب والسنة هما المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل ويتبين به الصحيح من الفاسد، ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١]، ولا شك أن هذا اللفظ يطلق على الظاهر الغالب كما في قوله ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]، وقال الشاعر (٦): فلما علونا واستوينا عليهم ... تركناهم صرعى لنسر وكاسر (٧) يعني غلبناهم وقهرناهم واستولينا عليهم. قال الماوردي: "وفي الفرق بين العلي والعالي، وجهان محتملان (٨): أحدهما: أن العالي هو الموجود في محل العلو، والعلي هو مستحق العلو. والثاني: أن العالي هو الذي يجوز أن يُشَارَكَ في علوه، والعلي هو الذي لا يجوز أن يُشَارَكَ في علوه، فعلى هذا الوجه، يجوز أن نصف الله بالعليّ، ولا يجوز أن نصفه بالعالي، وعلى الوجه الأول يجوز أن نصفه بهما جميعاً " (٩). قوله تعالى: ﴿الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، يعني" عظيم القدر والخطر والشرف" (١٠). قال ابن عباس: " ﴿العظيم﴾، الذي قد كمل في عظمته" (١١). قال الطبري: " ذو العظمة، الذي كل شيء دونه، فلا شيء أعظم منه" (١٢). قال القاسمي: " أي أعظم كل شيء بالجلال والكبرياء والقهر والقدرة والسلطان" (١٣). قال ابن عثيمين: " أي: ذو العظمة في ذاته، وسلطانه، وصفاته" (١٤).

стр. 1937

قال السعدي: " الذي تتضائل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء" (١). وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وذكروا فيه ثلاثة أوجه (٢): الأول: قالوا: ﴿العظيم﴾، معناه: المعظم الذي يعظمه خلقه ويهابونه ويتقونه. أي: أن معنى ﴿العظيم﴾ في هذا الموضع: المعظم، صرف (المفعل) إلى (فعيل)، كما قيل للخمر المعتقة، خمر عتيق، كما قال الأعشى (٣): وكأن الخمر العتيق من الإس ... فنط ممزوجة بماء زلال قال ابن عطية: " ﴿الْعَظِيمُ﴾ هي صفة بمعنى عظم القدر والخطر، لا على معنى عظم الأجرام" (٤). الثاني: وقيل: ﴿العظيم﴾، هو أن له عظمة هي له صفة. وقالوا: لا نصف عظمته بكيفية، ولكنا نضيف ذلك إليه من جهة الإثبات، وننفي عنه أن يكون ذلك على معنى مشابهة العظم المعروف من العباد، لأن ذلك تشبيه له بخلقه، وليس كذلك، وأنكر هؤلاء ما قاله أهل المقالة الأولى، وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه (معظم)، لوجب أن يكون قد كان غير عظيم قبل أن يخلق الخلق، وأن يبطل معنى ذلك عند فناء الخلق، لأنه لا معظم له في هذه الأحوال (٥). الثالث: وقال آخرون: "بل قوله: إنه (العظيم) وصف منه نفسه بالعظم، وقالوا: كل ما دونه من خلقه فبمعنى الصغر لصغرهم عن عظمته" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إثبات هذه الأسماء الخمسة؛ وهي ﴿الله﴾؛ ﴿الحي﴾؛ ﴿القيوم﴾؛ ﴿العلي﴾؛ ﴿العظيم﴾؛ وما تضمنته من الصفات. ٢ - ومنها: إثبات انفراد الله تعالى بالألوهية في قوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾. ٣ - ومنها: إبطال طريق المشركين الذين أشركوا بالله، وجعلوا معه آلهة. ٤ - ومنها: إثبات صفة الحياة لله ؛ وهي حياة كاملة: لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا توصف بنقص، كما قال تعالى: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم﴾ [الحديد: ٣]، وقال تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٧]. ٥ - ومنها: إثبات القيومية لله ؛ لقوله تعالى: ﴿القيوم﴾؛ وهذا الوصف لا يكون لمخلوق؛ لأنه ما من مخلوق إلا وهو محتاج إلى غيره: فنحن محتاجون إلى العمال، والعمال محتاجون إلينا؛ ونحن محتاجون إلى النساء، والنساء محتاجة إلينا؛ ونحن محتاجون إلى الأولاد، والأولاد يحتاجون إلينا؛ ونحن محتاجون إلى المال، والمال محتاج إلينا من جهة حفظه، وتنميته؛ والكل محتاج إلى الله ؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ [فاطر: ١٥]؛ وما من أحد يكون قائماً على غيره في جميع الأحوال؛ بل في دائرة ضيقة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ [الرعد: ٣٣]؛ يعني الله؛ فلا أحد سواه قائم على كل نفس بما كسبت.

стр. 1938

٦ - ومن فوائد الآية: أن الله تعالى غني عما سواه؛ وأن كل شيء مفتقر إليه تعالى؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا، وبين قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم﴾ [محمد: ٧]، وقوله تعالى: ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ [الحج: ٤٠]؛ فأثبت أنه يُنصر؟ فالجواب: أن المراد بنصره تعالى نصر دينه. ٧ - ومنها: تضمن الآية لاسم الله الأعظم الثابت في قوله تعالى: ﴿الحي القيوم﴾؛ وقد ذكر هذان الاسمان الكريمان في ثلاثة مواضع من القرآن: في «البقرة»؛ و «آل عمران»؛ و «طه»؛ في «البقرة»: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ وفي «آل عمران»: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾؛ وفي «طه»: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾ [طه: ١١١]؛ قال أهل العلم: وإنما كان الاسم الأعظم في اجتماع هذين الاسمين؛ لأنهما تضمنا جميع الأسماء الحسنى؛ فصفة الكمال في ﴿الحي﴾؛ وصفة الإحسان، والسلطان في ﴿القيوم﴾. ٨ - ومن فوائد الآية: امتناع السِّنَة والنوم لله ؛ وذلك لكمال حياته، وقيوميته، بحيث لا يعتريهما أدنى نقص؛ لقوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾؛ وهذه من الصفات المنفية؛ والإيمان بالصفات المنفية يتضمن شيئين؛ أحدهما: الإيمان بانتفاء الصفة المذكورة؛ والثاني: إثبات كمال ضدها؛ لأن الكمال قد يطلق باعتبار الأغلب الأكثر، وإن كان يرد عليه النقص من بعض الوجوه؛ لكن إذا نفي النقص فمعناه أن الكمال كمال مطلق لا يرد عليه نقصٌ أبداً بوجه من الوجوه؛ مثال ذلك: إذا قيل: «فلان كريم» فقد يراد به أنه كريم في الأغلب الأكثر؛ فإذا قيل: «فلان كريم لا يبخل» عُلم أن المراد كمال كرمه، بحيث لا يحصل منه بخل؛ وهنا النفي حصل بقوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾؛ فدل على كمال حياته، وقيوميته. ٩ - ومن فوائد الآية: إثبات الصفات المنفية؛ لقوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، وقوله تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾؛ و «الصفات المنفية» ما نفاه الله عن نفسه؛ وهي متضمنة لثبوت كمال ضدها. ١٠ - ومنها: عموم ملك الله؛ لقوله تعالى: ﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾. ويتفرع على كون الملك لله ألا نتصرف في ملكه إلا بما يرضاه. ١١ - ومنها: أن الحكم الشرعي بين الناس، والفصل بينهم يجب أن يكون مستنداً على حكم الله؛ وأن اعتماد الإنسان على حكم المخلوقين، والقوانين الوضعية نوع من الإشراك بالله ؛ لأن الملك لله . ١٢ - ومنها: تسلية الإنسان على المصائب، ورضاه بقضاء الله ، وقدره؛ لأنه متى علم أن الملك لله وحده رضي بقضائه، وسلّم؛ ولهذا كان في تعزية النبي ﷺ لابنته أنه قال: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى» (١). ١٣ - ومنها: عدم إعجاب الإنسان بما حصل بفعله؛ لأن هذا من الله؛ والملك له. ١٤ - ومنها: اختصاص الله تعالى بهذا الملك؛ يؤخذ من تقديم الخبر: ﴿له ما في السموات﴾؛ لأن الخبر حقه التأخير؛ فإذا قُدِّم أفاد الحصر. ١٥ - ومنها: إثبات أن السموات عدد؛ لقوله تعالى: ﴿السموات﴾؛ وأما كونها سبعاً، أو أقل، أو أكثر، فمن دليل آخر. ١٦ - ومنها: كمال سلطان الله لقوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾؛ وهذا غير عموم الملك؛ لكن إذا انضمت قوة السلطان إلى عموم الملك صار ذلك أكمل، وأعلى. ١٧ - ومنها: إثبات الشفاعة بإذن الله؛ لقوله تعالى: ﴿إلا بإذنه﴾؛ وإلا لما صح الاستثناء.

стр. 1939

١٨ - ومنها: إثبات الإذن - وهو الأمر -؛ لقوله تعالى: ﴿إلا بإذنه﴾؛ وشروط إذن الله في الشفاعة: رضى الله عن الشافع؛ وعن المشفوع له؛ لقوله تعالى: ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ [النجم: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. ١٩ - ومنها: إثبات علم الله، وأنه عام في الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ لقوله تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾. ٢٠ - ومنها: الرد على القدرية الغلاة؛ لقوله تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾؛ فإثبات عموم العلم يرد عليهم؛ لأن القدرية الغلاة أنكروا علم الله بأفعال خلقه إلا إذا وقعت. ٢١ - ومنها: الرد على الخوارج والمعتزلة في إثبات الشفاعة؛ لأن الخوارج، والمعتزلة ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر؛ لأن مذهبهما أن فاعل الكبيرة مخلد في النار لا تنفع فيه الشفاعة. ٢٢ - ومنها: أن الله لا يحاط به علماً كما لا يحاط به سمعاً، ولا بصراً؛ قال تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿ولا يحيطون به علماً﴾ [طه: ١١٠]. ٢٣ - ومنها: أننا لا نعلم شيئاً عن معلوماته إلا ما أعلمنا به؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ على أحد الوجهين في تفسيرها. ٢٤ - ومنها: تحريم تكييف صفات الله؛ لأن الله ما أعلمنا بكيفية صفاته؛ فإذا ادعينا علمه فقد قلنا على الله بلا علم. ٢٥ - ومنها: الرد على الممثلة؛ لأن ذلك قول على الله بلا علم؛ بل بما يعلم خلافه؛ لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]. ٢٦ - ومنها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿إلا بما شاء﴾. ٢٧ - ومنها: عظم الكرسي؛ لقوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾. ٢٨ - ومنها: عظمة خالق الكرسي؛ لأن عظم المخلوق يدل على عظمة الخالق. ٢٩ - ومنها: كفر من أنكر السموات، والأرض؛ لأنه يستلزم تكذيب خبر الله؛ أما الأرض فلا أظن أحداً ينكرها؛ لكن السماء أنكرها من أنكرها، وقالوا: ما فوقنا فضاء لا نهاية له، ولا حدود؛ وإنما هي سدوم، ونجوم، وما أشبه ذلك؛ وهذا لا شك أنه كفر بالله العظيم سواء اعتقده الإنسان بنفسه، ووهمه؛ أو صدَّق من قال به ممن يعظمهم إذا كان عالماً بما دل عليه الكتاب والسنّة. ٣٠ - ومنها: إثبات قوة الله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾. ٣١ - ومنها: أنه لا يثقل عليه حفظ السموات، والأرض؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾؛ وهذه من الصفات المنفية؛ فهي كقوله تعالى: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ [ق~: ٣٨]. ٣٢ - ومنها: إثبات ما تتضمنه هذه الجملة: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾؛ وهي العلم، والقدرة، والحياة، والرحمة، والحكمة، والقوة. ٣٣ - ومنها: أن السموات، والأرض تحتاج إلى حفظ؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾؛ ولولا حفظ الله لفسدتا؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً﴾ [فاطر: ٤١]. ٣٤ - ومنها: إثبات علو الله أزلاً، وأبداً؛ لقوله تعالى: ﴿وهو العلي﴾؛ و ﴿العلي﴾ صفة مشبهة تدل على الثبوت، والاستمرار؛ وعلوّ الله عند أهل السنة، والجماعة ينقسم إلى قسمين؛ الأول: علو الذات؛ بمعنى أنه سبحانه نفسه فوق كل شيء؛ وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة؛ وتفصيل هذه الأدلة في كتب العقائد؛ وخالفهم في ذلك طائفتان؛ الأولى: من قالوا: إنه نفسه في كل مكان في السماء، والأرض؛ وهؤلاء حلولية الجهمية، ومن وافقهم؛ وقولهم باطل بالكتاب، والسنّة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة؛ الطائفة الثانية: قالوا: إنه لا يوصف بعلوّ، ولا غيره؛ فهو ليس فوق العالم، ولا تحته، ولا عن يمين، ولا عن شمال، ولا متصل، ولا منفصل؛ وهذا قول يكفي تصوره في رده؛ لأنه يَؤول إلى القول بالعدم المحض؛ إذ ما من موجود إلا وهو فوق، أو تحت، أو عن يمين، أو شمال، أو متصل، أو منفصل؛ فالحمد لله الذي هدانا للحق؛ ونسأل الله أن يثبتنا عليه؛ والقسم الثاني: علو الصفة: وهو أنه كامل الصفات من كل وجه لا يساميه أحد في ذلك؛ وهذا متفق عليه بين فرق الأمة، وإن اختلفوا في تفسير الكمال. ٣٥ - ومن فوائد الآية: الرد على الحلولية، وعلى المعطلة النفاة؛ فالحلولية قالوا: إنه ليس بعالٍ؛ بل هو في كل مكان؛ والمعطلة النفاة قالوا: لا يوصف بعلو، ولا سفل، ولا يمين، ولا شمال، ولا اتصال، ولا انفصال. ٣٦ - ومنها: التحذير من الطغيان على الغير؛ لقوله تعالى: ﴿وهو العلي العظيم﴾؛ ولهذا قال الله في سورة النساء: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً﴾ [النساء: ٣٤]؛ فإذا كنت متعالياً في نفسك فاذكر علو الله ؛ وإذا كنت عظيماً في نفسك فاذكر عظمة الله؛ وإذا كنت كبيراً في نفسك فاذكر كبرياء الله. ٣٧ - ومنها: إثبات العظمة لله؛ لقوله تعالى: ﴿العظيم﴾. ٣٨ - ومنها: إثبات صفة كمال حصلت باجتماع الوصفين؛ وهما العلوّ، والعظمة. القرآن ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] التفسير: لكمال هذا الدين واتضاح آياته لا يُحتاج إلى الإكراه عليه لمن تُقبل منهم الجزية، فالدلائل بينة يتضح بها الحق من الباطل، والهدى من الضلال. فَمَن يكفر بكل ما عُبِد من دون الله ويؤمن بالله، فقد ثبت واستقام على الطريقة المثلى، واستمسك من الدين بأقوى سبب لا انقطاع له. والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم ونياتهم، وسيجازيهم على ذلك. في سبب نزول الآية أقوال: القول الأول: قيل: نزلت هذه الآية في قوم من الأنصار أو في رجل منهم كان لهم أولاد قد هودوهم أو نصروهم، فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه، فنهاهم الله عن ذلك، حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام، وقد تعددت الروايات في ذلك على النحو الآتي (١): أولا: أخرج الطبري بسنده " عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتا، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده. فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا! فأنزل الله تعالى

стр. 1940

ذكره: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ﴾ " (١). وروي عن سعيد بن جبير (٢)، وعامر (٣) والشعبي (٤) نحو ذلك. ثانيا: روي "عن مجاهد في قول الله: " لا إكراه في الدين " قال: كانت في اليهود بني النضير، أرضعوا رجالا من الأوس، فلما أمر النبي ﷺ بإجلائهم، قال أبناؤهم من الأوس: لنذهبن معهم، ولندينن بدينهم! فمنعهم أهلوهم، وأكرهوهم على الإسلام، ففيهم نزلت هذه الآية" (٥). وروي عن الحسن (٦) نحو ذلك. ثالثا: أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن مجاهد، قال: كانت الأنصار يكرهون اليهود على إرضاع أولادهم، فأنزل الله ﴿لا إكراه في الدين﴾ " (٧) (٨). رابعا: روي "عن ابن عباس قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾، قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما، فقال للنبي ﷺ : ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك " (٩). وروي عن السدي (١٠) نحو ذلك. القول الثاني: وقيل: "نزلت هذه الآية في خاص من الناس" (١١)، فلا يكره أهل الكتاب على الدين إذا بذلوا الجزية، ولكنهم يقرون على دينهم. أخرج الطبري عن " قتادة في قوله: " لا إكراه في الدين "، قال: هو هذا الحي من العرب، أكرهوا على الدين، لم يقبل منهم إلا القتل أو الإسلام، وأهل الكتاب قبلت معهم الجزية، ولم يقتلوا" (١٢). وروي نحو لك عن ابن عباس (١٣)، والضحاك (١٤). القول الثالث: وقيل: " أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا إذا كانوا كبارا" (١٥).

стр. 1941

القول الرابع: وقيل: أن معناها "لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف مجبرا مكرها" (١). قال ابن كثير: " وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا" (٢)، "لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة أثاره، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول، وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره، وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل، ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين، لعدم النتيجة والفائدة فيه، والمكره ليس إيمانه صحيحا، ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار المحاربين، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده اتباع الحق، وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له، وإنما يؤخذ فرض القتال من نصوص أخر، ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية من غير أهل الكتاب، كما هو قول كثير من العلماء" (٣). وقد اختلف أهل التفسير في هذه الآية، هل هي منسوخة أم محكمة: الأول: قال جماعة: أنها منسوخة، لأن رسولَ الله ﷺ قد أكرَه العرب على دين الإسلام، وقاتَلهم، ولم يرضَ منهم إلا بالإسلام، والناسخ لها قولُه - تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣]، وقال: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، وقوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُون﴾ [الفتح: ١٦] (٤). وهو قول زيد بن أسلم (٥)، وعكرمة (٦)، وابن زيد (٧)، واالسدي (٨)، وسليمان بن موسى (٩)، وقد ذهب إلى هذا كثيرٌ من المفسرين (١٠) (١١).

стр. 1942

الثاني: وقال آخرون: أنها محكمة، ولكنها خاصة بأهل الكتاب، فإنهم لا يُكْرَهون على الإسلام إذا أدُّوا الجزية، وكانوا تحت حكم المسلمين؛ أما غيرهم فيجبرون عليه، بل الذين يُكْرَهون هم أهلُ الأوثان، فلا يُقبَل منهم إلا الإسلام، أو السيف. وإلى هذا ذهَب: الشعبي (١)، والحسن (٢)، وقتادة (٣)، والضحاك (٤)، وهو قول أكثر أهل العلم (٥). وقد استدلوا لما ذهبوا إليه، بروايات، نذكر منها: أولا: رواية ابن عباس التي ذكرناها في سبب النزول (٦). ثانيا: رواية زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: "سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: اسلمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمدا بالحق. قالت: أنا عجوز كبيرة والموت إلي قريب فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ " (٧). ثالثا: ما روي عن إسحاق قال: كنت مملوكا نصرانيا لعمر بن الخطاب فكان يعرض علي الإسلام فآبى. فيقول: ﴿لا إكراه في الدين﴾، ويقول: يا إسق لو أسلمت، لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين" (٨). رابعا: ما وروي عن مجاهد أنه كان يقول لغلام له نصراني: "يا جرير أسلم. ثم قال: هكذا كان يقال لهم" (٩). قال ابن قدامة ﵀: " وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن، فأسلم: لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعا" (١٠).

стр. 1943

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فلا يصح كفر المكره بغير حق، ولا إيمان المكره بغير حق؛ كالذمي الموفى بذمته، كما قال تعالى فيه ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ بخلاف المكره بحق، كالمقاتلين من أهل الحرب، حتى يسلموا إن كان قتالهم إلى الإسلام، أو إعطاء الجزية، إن كان القتال على أحدهما" (١). وهذا القول الثاني اختاره الطبري وصوَّبه، وحمل عليه معنى الآية، فقال: "وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآية في خاصِّ من الناس"، ثم قال: "عنى بقوله تعالى ذكره: ﴿لا إكراه في الدين﴾ أهل الكتابين والمجوس، وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه، وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخا" (٢). والناظر في كتب التفسير المتقدمة عمومًا، يجد أن المفسرين لم يخرجوا عن هذين القولين، في الأغلب، ورجَّح أكثرهم القول بأن آية البقرة خاصة بأهل الكتاب ومن شاكلهم، وإن كان ثمة من ملاحظة نبديها على هذا المسلك، فهي أن نقول: إن القول بالتخصيص هنا لا يرفع التعارض الواقع بين الآيات موضوع الحديث، ناهيك على أن القاعدة التفسيرية تقرر: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وبذلك فالذي يقتضيه النظر بين الأدلة، وما تقتضيه قواعد الأصول، أن نقول: إن إمكانية الجمع هنا ممكنة، وبالتالي فلا وجه للقول بالنسخ هنا، والأصوب أن يقال: يُعمل بهاتين الآيتين، كل في موضعه، وكل بحسب ظرفه؛ فآية البقرة: ﴿لا إكراه في الدين﴾، يُعمل بها على مستوى الأفراد، فلا يُكره أحدٌ على اعتناق الإسلام والدخول فيه، أما آيات الجهاد والقتال، فيُعمل بها عندما يُواجَه هذا الدين من قِبَل أعدائه، أو يُمنع من تبليغ رسالة رب العالمين، إذ هي الهدف الأساس من دعوة الإسلام، ليكون ﴿الدين كله لله﴾ [الأنفال: ٣٩] (٣)، وبذلك تلتئم الأدلة وتتفق، ويُحمل كل دليل بحسب ظرفه وسياقه (٤). والله تعالى أعلم. قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿لآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، أي: " لا يكره أحد في دين الإسلام عليه" (٥). قال الزمخشري: " أى لم يجر اللَّه أمر الإيمان على الإجبار والقسر، ولكن على التمكين والاختيار" (٦). و(الإكراه): الإرغام على الشيء (٧).

стр. 1944

قال ابن كثير: "أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورًا" (١). وقال ابن جزي ﵀: " ﴿لا إكراه في الدين﴾، المعنى: أن دين الإسلام في غاية الوضوح وظهور البراهين على صحته، بحيث لا يحتاج أن يكره أحد على الدخول فيه بل يدخل فيه كل ذي عقل سليم من تلقاء نفسه، دون إكراه ويدل على ذلك قوله: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ أي قد تبين أن الإسلام رشد وأن الكفر غي، فلا يفتقر بعد بيانه إلى إكراه" (٢). وقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾، تحتمل وجهين (٣): الأول: نفي، بمعنى النهي، أي: لا تكرهوا أحداً على الدين (٤). الثاني: أو بمعنى النفي؛ أي أنه لن يدخل أحد دين الإسلام مكرَهاً؛ بل عن اختيار؛ لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾. و﴿الدين﴾ يطلق على أمرين (٥): أولا: - العمل: وذلك مثل مثل قوله تعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]. ثانيا: الجزاء: مثل قوله تعالى: ﴿وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ [الانفطار: ١٧، ١٨] أي يوم الجزاء؛ وقد قيل: «كما تدين تدان»؛ أي كما تعمل تجازى. قال ابن عثيمين: "والمراد بـ ﴿الدين﴾ هنا العمل؛ والمراد به دين الإسلام بلا شك؛ فـ (أل) هنا للعهد الذهني (٦)؛ يعني الدين المفهوم عندكم أيها المؤمنون؛ وهو دين الإسلام" (٧). قوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، أي: "قد تميز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة" (٨). قال البغوي: " أي الإيمان من الكفر والحق من الباطل" (٩). قال أبو حيان: " أي: استبان الإيمان من الكفر، وهذا يبين أن الدين هو معتقد الإسلام" (١٠). قال أبو حيان: " بنصب الأدلة الواضحة وبعثة الرسول الداعي إلى الإيمان، وهذه الجملة كأنها كالعلة لانتفاء الإكراه في الدين، لأن وضوح الرشد واستبانته تحمل على الدخول في الدين طوعاً من غير إكراه" (١١). قال ابن عثيمين: قد تميّز الهدى من الضلال (١٢). وقال: "و ﴿الرشد﴾ معناه حسن المسلك، وحسن التصرف: بأن يتصرف الإنسان تصرفاً يحمد عليه؛ وذلك بأن يسلك الطريق الذي به النجاة؛ ويقابل بـ «الغي» كما هنا؛

стр. 1945

والمراد ـ ﴿الرشد﴾ هنا الإسلام؛ وأما ﴿الغي﴾ فهو سوء المسلك: بأن يسلك الإنسان ما لا يحمد عليه لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ والمراد به هنا الكفر" (١). قال الراغب: " (الغي) كالجهل، إلا أن الجهل يقال اعتباراً بالاعتقاد والغي اعتباراً بالأفعال، ولهذا يقال: الجهل بالعلم، والغي بالرشد، ويقال لمن أصاب رشد، ولمن أخطأ غوى، وعلى هذا قال الشاعر (٢): ومن يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائِمَا (٣) أي: من يخب فلا يصب خيراً لا يعدم على خيبته من يلوم (٤). قال ابن عطية: " والْغَيِّ مصدر من غوى يغوي إذا ضل في معتقد أو رأي، ولا يقال الذي في الضلال على الإطلاق" (٥). وقال أهل العلم أن تَبَيُّن الرشد من الغي يكون بعدة طرق (٦): أولاً: بالكتاب؛ فإن الله فرَّق في هذا الكتاب العظيم بين الحق، والباطل؛ والصلاح، والفساد؛ والرشد، والغي، كما قال تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩]؛ فهذا من أقوى طرق البيان. ثانياً: بسنة النبي ﷺ ؛ فإنها بينت القرآن، ووضحته؛ ففسرت ألفاظه التي تشكل، ولا تعرف إلا بنص؛ وكذلك وضحت مجملاته، ومبهماته؛ وكذلك بينت ما فيه من تكميلات يكون القرآن أشار إليها، وتكملها السنة، كما قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [النحل: ٤٤]. الطريق الثالث: هدي النبي ﷺ ، وسلوكه في عبادته، ومعاملته، ودعوته؛ فإنه بهذه الطريقة العظيمة تبين للكفار، وغير الكفار حسن الإسلام؛ وتبين الرشد من الغيّ. الطريق الرابع: سلوك الخلفاء الراشدين؛ وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ؛ فإن بطريقتهم بان الإسلام، واتضح؛ وكذلك من كان في عصرهم من الصحابة على سبيل الجملة لا التفصيل؛ فإنه قد تبين بسلوكهم الرشد من الغي. قال ابن عثيمين: "هذه الطرق الأربع تبين فيها الرشد من الغي؛ فمن دخل في الدين في ذلك الوقت فقد دخل من هذا الباب؛ ولم يصب من قال: إن الدين انتشر بالسيف، والرمح" (٧). قرأ الجمهور: (الرشد)، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي (الرشاد) بالألف، وقرأ الحسن والشعبي ومجاهد (الرّشد) بفتح الراء والشين، وروي عن الحسن (الرّشد) بضم الراء والشين (٨). قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، "أي: ومن ينكر الطاغوت، ويتبرأ منه" (٩). قال القاسمي: " فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام والإيمان باللَّه" (١٠). قال ابن كثير: " أي: من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله" (١١).

стр. 1946

و (الكفر) في اللغة: مأخوذ من الستر؛ ومنه سمي (الكُفُرَّى) لوعاء طلع النخل؛ لأن الإنسان الكافر ستر نعمة الله عليه، وستر ما تقتضيه الفطرة من توحيد الله (١). قال ابن عثيمين: ولا يكفي الكفر بالطاغوت؛ لأن الكفر تخلٍّ، وعدم؛ ولا بد من إيجاد؛ الإيجاد: قوله تعالى: ﴿ويؤمن بالله﴾ بالجزم عطفاً على ﴿يكفر﴾؛ والإيمان بالله متضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده؛ والإيمان بربوبيته؛ والإيمان بألوهيته؛ والإيمان بأسمائه، وصفاته إيماناً يستلزم القبول، والإذعان - القبول للخبر، والإذعان للطلب سواء كان أمراً، أو نهياً؛ فصار الإيمان بالله مركباً من أربعة أمور مستلزمة لأمرين؛ ثم اعلم أن معنى قولنا: الإيمان بوجود الله، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته المراد الإيمان بانفراده بهذه الأشياء: بالألوهية؛ والربوبية؛ والأسماء، والصفات؛ وبالوجود الواجب - فهو منفرد بهذا بأنه واجب الوجود" (٢). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، سبعة أقوال (٣): أحدها: أنه الشيطان (٤)، وهو قول عمر بن الخطاب (٥)، ومجاهد (٦)، والشعبي (٧)، والضحاك (٨)، وقتادة (٩)، والسدي (١٠)، وعكرمة (١١)، واختاره ابن كثير (١٢)، والقاسمي (١٣) وآخرون. والثاني: أنه الساحر، وهو قول أبي العالية (١٤)، ومحمد ابن سيرين (١٥) والشعبي (١٦). والثالث: الكاهن، وهو قول جابر (١٧)، وسعيد بن جبير (١٨)، والرفيع (١٩)، وابن جريج (٢٠).

стр. 1947

والرابع: الأصنام والأوثان، وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون اللَّه تعالى (١). روي ذلك عن مالك (٢). والخامس: مَرَدَة الإنس والجن (٣). والسادس: وقيل: أنه كل ذي طغيان طغى على الله، فيعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، أو بطاعة له، سواء كان المعبود إنساناً أو صنماً، روي ذلك عن الإمام مالك (٤)، وابن القيم (٥)، وهذا قول أبي جعفر الطبري (٦). والسابع: أنها النفس لطغيانها فيما تأمر به من السوء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ذكره الماوردي (٧). والراجح-والله أعلم- أن الطاغوت عبارة عن كل مُعتدٍ وكل معبود من دون الله (٨)، وهو اختيار الإمام الطبري وأبي حيان (٩) وغيرهم. وبه قال أكثر أهل العلم. واختلفوا في أصل كلمة ﴿الطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، على وجهين (١٠): القول الأول: أنه اسم أعجمي معرّب، ومن ثم اختلف هؤلاء في اشتقاقه على أقوال (١١): أ- قال الشوكاني: "الطاغوت: فعلوت، من طغى يطغي ويطغو، إذا جاوز الحد" (١٢). ب-قال سيبويه: "هو اسم مذكَّر" (١٣) مفرد، أي اسم جنس، يشمل القليل والكثير. ج- وقال أبو على الفارسي: "إنه مصدر: كرهبوت، وجبروت، يوصف به الواحد، والجمع، وقلبت لامه إلى موضع العين، وعينه إلى موضع اللام" (١٤)، كجبذ، وجذب، ثم تقلب الواو ألفًا؛ لتحركها، وتحرك ما قبلها، فقيل: طاغوت. واختار هذا القول النحاس (١٥).

стр. 1948

وقيل: "أصل الطاغوت في اللغة: مأخوذ من الطغيان، يؤدي معناه من غير اشتقاق، كما قيل: لآلٍ، من اللؤلؤ" (١). ثم اختلف في لفظ الطاغوت أمفرد هو أم جمع على قولين: الأول: أنه جمع، قاله المبرد ورده عليه جماعة كالفارسي وابن عطية وآخرون (٢). الثاني: أنه مفرد، واختلفوا على قولين: أ-أنه مصدر على وزن فَعَلُوت، أي: طَغَيُوِت، فوقع فيه قلب مكاني بين عينه ولامه فصار على وزن فَلَعُوت، أي: طَيَغُوت، ثم قلبت لامه (الياء) ألفا فصار طاغوت. وهو مصدر يوصف به الواحد والجمع، نظير قولهم: رجل عدل وقوم عدل، إذ في الكلام دليل على الواحد أو الجماعة، وهو قولهم: رجل أو قوم، وقد وجد هنا ما يرجح كون المراد به الجماعة وهو قوله: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وذلك ما جعله الزجاج (٣) شرطاً للجواز، وذلك ظاهر قول الكسائي وأبي حاتم والطبري وأبي علي الفارسي والواحدي والزبيدي وآخرين (٤). ب-أنه اسم جنس مفرد لطائفة جاوزت الحد في الطغيان، وقد اختار هذا القول أبو حيان (٥)، وحُمِل عليه قول سيبويه بأن: الطاغوت اسم مفرد (٦). القول الثاني: أنه اسم عربي مشتق من الطاغية، قاله ابن بحر (٧). وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْمِن بِاللهِ﴾، أي: " ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده" (٨). أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن سعيد بن جبير، يعني قوله: ﴿ويؤمن بالله﴾ يعني: يصدقون بتوحيد الله" (٩). قال ابن كثير: " ووحد الله فعبده وحده وشهد أن لا إله إلا هو" (١٠). قال ابن عطية: وقدّم ذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت" (١١). قوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، أي" فقد استمسك من الدين بأقوى سبب" (١٢). قال الطبري: " فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه" (١٣). قال ابن كثير: "فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم" (١٤). قال القاسمي" أي: فقد تمسك من الدين بأقوى سبب. وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم. هي في نفسها محكمة مبرمة قوية. وربطها قويّ شديد" (١٥).

стр. 1949

قال البغوي: " أي تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين" (١). قال ابن حجر: " قوله: ﴿الوُثْقَى﴾ تأنيث الأوثق، مأخوذ من الوَثاق بالفتح (٢)، وهو حبل أو قيد يُشدُّ به الأسير والدابة" (٣). قال الطبري: " و ﴿العروة﴾، في هذا المكان، مثل للإيمان الذي اعتصم به المؤمن، فشبهه في تعلقه به وتمسكه به، بالمتمسك بعروة الشيء الذي له عروة يتمسك بها، إذ كان كل ذي عروة فإنما يتعلق من أراده بعروته" (٤). قال ابن عثيمين: " ﴿بالعروة الوثقى﴾ أي المقبض القوي الذي ينجو به؛ والمراد به هنا الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله؛ لأن به النجاة من النار" (٥). وقوله تعالى: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، ذكر أهل العلم فيه سبعة أوجه (٦): أحدها: الإيمان بالله، وهو قول مجاهد (٧). والثاني: سنة الرسول (٨). والثالث: التوفيق (٩). والرابع: القرآن، قاله السدي (١٠) وأنس بن مالك (١١). والخامس: هو الحب في الله والبغض في الله. قاله سالم بن أبي الجعد (١٢). والسادس: هو قول: لا إله إلا الله. قاله سعيد بن جبير (١٣) والضحاك (١٤) وابن عباس (١٥) ومجاهد (١٦). والسابع: هو الإسلام، قاله السدي (١٧). قال الراغب-بعد أن ذكر بعض الأقوال الالسابقة-: "فنظرات منهم إلى مبتدى الدين ومنتهاه، وكله صحيح" (١٨). وقال ابن عطية: " وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد" (١٩).

стр. 1950

قال ابن كثير: " وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها" (١). وقوله تعالى: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، يعني " لا انكسار لها" (٢). قال البغوي: "لا انقطاع لها"، وكذا قاله السدي (٣) ومعاذ بن جبل (٤). قال ابن عثيمين: " أي لا انقطاع، ولا انفكاك لها؛ لأنها محكمة قوية" (٥). قال ابن كثير: " وشبه ذلك بالعروة الوثقى التي لا تنفصم فهي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد" (٦). وسئل معاذ بن جبل عن قول الله: " ﴿قد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها قال: لا انفصام لها يعني: لا انقطاع لها- مرتين- دون دخول الجنة" (٧). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن السدي نحو ذلك" (٨). وروي عن مجاهد في قوله: " ﴿لا انفصام لها﴾، قال: لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (٩). وأصل الفصم: القطع (١٠)، وقيل: الفصم بالفاء: القطع إبانة، وبالقاف: القطع بإبانة (١١). ومنه قول أعشى بني ثعلبة (١٢): ومبسمها عن شتيت النبات ... غير أكس ولا منفصم قال ابن عطية: " والانفصام: الانكسار من غير بينونة، وإذا نفي ذلك فلا بينونة بوجه، والفصم كسر ببينونة، وقد يجيء الفصم بالفاء في معنى البينونة، ومن ذلك قول ذي الرمة (١٣):

стр. 1951

كأنه دملج من فضة نبه ... في ملعب من عذارى الحي مفصوم" (١) قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، " أي سميع لأقوال عباده عليم بأفعالهم" (٢). قال القاسمي: "اعتراض تذييليّ حامل على الإيمان، رادع عن الكفر والنفاق، بما فيه من الوعد والوعيد" (٣). قال البغوي: " ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ قيل: لدعائك إياهم إلى الإسلام، ﴿عَلِيم﴾ بحرصك على إيمانهم" (٤). قال ابن عطية: " ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات سَمِيعٌ من أجل النطق وعَلِيمٌ من أجل المعتقد" (٥). قال السعدي: " فيجازي كلا منهما بحسب ما علمه منهم من الخير والشر، وهذا هو الغاية لمن استمسك بالعروة الوثقى ولمن لم يستمسك بها" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أنه لا يكره أحد على الدين لوضوح الرشد من الغي؛ لقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾؛ هذا على القول بأنها خبرية؛ أما على القول بأنها إنشائية فإنه يستفاد منها أنه لا يجوز أن يكره أحد على الدين؛ وبينت السنة كيف نعامل الكفار؛ وذلك بأن ندعوهم إلى الإسلام؛ فإن أبوا فإلى بذل الجزية؛ فإن أبوا قاتلناهم. ٢ - ومنها: أنه ليس هناك إلا رشد، أو غي؛ لأنه لو كان هناك ثالث لذُكر؛ لأن المقام مقام حصر؛ ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ [سبأ: ٢٤]. ٣ - ومنها: أنه لا يتم الإخلاص لله إلا بنفي جميع الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾؛ فمن آمن بالله، ولم يكفر بالطاغوت فليس بمؤمن. ٤ - ومنها: أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت؛ لقوله تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾؛ وجه هذا أنه جعل الكفر بالطاغوت قسيماً للإيمان بالله؛ وقسيم الشيء غير الشيء؛ بل هو منفصل عنه. ٥ - ومنها: أنه لا نجاة إلا بالكفر بالطاغوت، والإيمان بالله؛ لقوله تعالى: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾. ٦ - ومنها: أن الأعمال تتفاضل؛ يؤخذ ذلك من اسم التفضيل: ﴿الوثقى﴾؛ لأن التفضيل يقتضي مفضلاً، ومفضلاً عليه؛ ولا شك أن الأعمال تتفاضل بنص القرآن، والسنة؛ قال تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾؛ [الملك: ٢] و ﴿أحسن﴾ اسم تفضيل؛ وهذا دليل على أن الأعمال تتفاضل بالحُسن؛ وسئل النبي ﷺ : «أي العمل أحب إلى الله قال: الصلاة على وقتها» (٧) وقال في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه» (٨)؛ ويلزم من تفاضل الأعمال تفاضل العامل: كلما كان

стр. 1952

العمل أفضل كان العامل أفضل؛ وتفاضل الأعمال يكون بعدة أمور: بحسب العامل؛ بحسب العمل جنسه، أو نوعه؛ بحسب الزمان؛ بحسب المكان؛ بحسب الكيفية، والمتابعة؛ بحسب الإخلاص لله؛ بحسب الحال. مثاله بحسب العامل: قول النبي ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه» (١). ومثاله بحسب العمل: جنسه، ونوعه؛ فالصلاة مثلاً أفضل من الزكاة؛ والزكاة أفضل من الصيام؛ هذا باعتبار الجنس؛ ومثاله باعتبار النوع: الفريضة من كل جنس أفضل من النافلة؛ فصلاة الفجر مثلاً أفضل من راتبة الفجر. ومثاله بحسب الزمان: قوله ﷺ : «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» (٢)، وقوله ﷺ : «من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً» (٣). ومثاله بحسب المكان قوله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٤). ومثاله بحسب الكيفية؛ بمعنى أن كيفية العبادة تكون أفضل من كيفية أخرى، كالخشوع في الصلاة قال تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون: ١، ٢]. مثاله بحسب المتابعة: قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]؛ فكلما كان الإنسان للرسول أتبع كان عمله أفضل؛ لأن القاعدة أن الحكم المعلَّق بوصف يقوى بحسب ذلك الوصف. ومثاله بحسب الإخلاص أنه كلما كان العامل أشد إخلاصاً لله كان أكمل ممن خالط عمله شيء من الشرك؛ ومثاله بحسب الحال: العبادة بين أهل الغفلة، والإعراض أفضل من العبادة بين أهل الطاعة، والإقبال؛ ولهذا كان العامل في أيام الصبر له أجر خمسين من الصحابة لكثرة الإعراض عن الله ، وعن دينه؛ فلا يجد أحداً يساعده، ويعينه؛ بل ربما لا يجد إلا من يتهكم به، ويسخر به؛ ومن تفاضلها باعتبار الحال أن العفة من الشاب أفضل من العفة من الشيخ؛ لأن شهوة الشاب أقوى من شهوة الشيخ؛ فالداعي إلى عدم العفة في حقه أقوى من الداعي بالنسبة للشيخ؛ ولهذا كانت عقوبة الشيخ الزاني أشد من عقوبة الشاب؛ لقوله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم أشيمط زان وعائل مستكبر ورجل جعل الله بضاعة لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه» (٥). ٧ - ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله - هما «السميع العليم»، وما تضمناه من صفة. القرآن ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]

стр. 1953

التفسير: الله يتولى المؤمنين بنصره وتوفيقه وحفظه، يخرجهم من ظلمات الكفر، إلى نور الإيمان. والذين كفروا أنصارهم وأولياؤهم الأنداد والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله، يُخرجونهم من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر، أولئك أصحاب النار الملازمون لها، هم فيها باقون بقاء أبديًا لا يخرجون منها. في سبب نزول الآية، روي عن "المعتمر بن سليمان، قال: سمعت منصورا، عن رجل، عن عبدة بن أبي لبابة قال في هذه الآية: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾، إلى ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾، قال: هم الذين كانوا آمنوا بعيسى ابن مريم، فلما جاءهم محمد ﷺ كفروا به، وأنزلت فيهم هذه الآية" (١). قال ابن عطية: " فكأن هذا القول أحرز نورا في المعتقد خرج منه إلى ظلمات. ولفظ الآية مستغن عن هذا التخصيص. بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب، ومترتب في الناس جميعا. وذلك أن من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. ومن كفر بعد وجود الداعي النبي المرسل فشيطانه ومغويه كأنه أخرجه من الإيمان، إذ هو معد وأهل للدخول فيه. وهذا كما تقول لمن منعك الدخول في أمر ما: أخرجتني يا فلان من هذا الأمر وإن كنت لم تدخل فيه البتة" (٢). قوله تعلى ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، " أي الله ناصر المؤمنين وحافظهم ومتولي أمورهم" (٣). قال الطبري: " نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه" (٤). قال القاسمي: أي حافظهم وناصرهم" (٥). قال ابن عثيمين: "أي: متوليهم؛ والمراد بذلك الولاية الخاصة" (٦). قال الشوكاني: "الولي (فعيل) بمعنى (فاعل) وهو الناصر" (٧). قال ابن عطية: " الـ (وَلِيُّ) فعيل من ولي الشيء إذا جاوره ولزمه، فإذا لازم أحد أحدا بنصره ووده واهتباله فهو وليه" (٨). قال الراغب: " الولي: كون الشيء بجنب الآخر، ويعتبر ذلك تارة بالمكان، فيقال له الولاية وتارة بالنصر فيقال له الولاء والموالاة، لكن الولاء على ضربين باعتبار نسبة الأعلى إلى الأسفل، وضرب باعتبار نسبة الأسفل إلى الأعلى، ولهذا يقال للخادم والمخدوم مولى، وولي، لأن كل واحد منهما يوالي الآخر الخادم بالطاعة والنصيحة، والمخدوم بالإشفاق، والكناية، وقال: أهل اللغة: المولى المالك، والمملوك والمعتق والمعتق والناصر والمنصور وابن العم والحليف والجار والقيم، وأخذوا في كل ذلك المتطابقين، لكون كل واحد مهما موالياً للآخر بوجه" (٩).

стр. 1954

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، "أى: أرادوا أن يؤمنوا" (١). قال الشوكاني: " الذين ارادوا الإيمان لأن من قد وقع منه الإيمان قد خرج من الظلمات إلى النور إلا أن يراد بالإخراج إخراجهم من الشبه التي تعرض للمؤمنين فلا يحتاج إلا تقدير الارادة" (٢). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وجوها (٣): الأول: يتولاهم بالنصرة. والثاني: مرشدهم وولي هدايتهم. قاله الحسن (٤). الثالث: وقيل: محبهم. الرابع: وقيل: متولي أمورهم لا يكلهم إلى غيره. قال ابن كثير: " يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سُبُل السلام فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير" (٥) قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، أي: " يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان" (٦). قال الصابوني: أي" يخرجهم من ظلمات الكفر والضلالة إِلى نور الإِيمان والهداية" (٧). قال الطبري: "وإنما جعل ﴿الظلمات﴾ للكفر مثلا لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك الأشياء وإثباتها، وكذلك الكفر حاجب أبصار القلوب عن إدراك حقائق الإيمان والعلم بصحته وصحة أسبابه. فأخبر تعالى ذكره عباده أنه ولي المؤمنين، ومبصرهم حقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه، وهاديهم، فموفقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك، بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظلم سواتر [عن] أبصار القلوب" (٨). قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، فيه وجهان: أحدهما: من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى، قاله قتادة (٩)، وبمعناه قال: الضحاك (١٠)، والربيع (١١). والثاني: يخرجهم من ظلمات العذاب في النار، إلى نور الثواب في الجنة (١٢). قال ابن عثيمين: " وجمع ﴿الظلمات﴾ باعتبار أنواعها؛ لأنها إما ظلمة جهل؛ وإما ظلمة كفر؛ وإما ظلمة فسق؛ أما ظلمة الجهل فظاهرة: فإن الجاهل بمنزلة الأعمى حيران لا يدري أين يذهب كما قال تعالى: ﴿أَوَمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس﴾ [الأنعام: ١٢٢] وهذا صاحب العلم؛ ﴿كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ [الأنعام: ١٢٢]: وهذا صاحب الجهل؛ وأما ظلمة الكفر فلأن الإيمان نور يهتدي به الإنسان، ويستنير به قلبه، ووجهه؛ فيكون ضده - وهو الكفر - على العكس من ذلك؛ أما ظلمة الفسق فهي ظلمة جزئية تكبر، وتصغر بحسب ما معه من المعاصي؛ ودليل ذلك أن النبي ﷺ أخبر أن

стр. 1955

العبد إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء (١) - والسواد ظلمة، وتزول هذه النكتة بالتوبة، وتزيد بالإصرار على الذنب؛ فالظلمات ثلاث: ظلمة الجهل، والكفر، والمعاصي؛ يقابلها نور العلم، ونور الإيمان، ونور الاستقامة" (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، " أي وأما الكافرون فأولياؤهم الشياطين" (٣). اخرج ابن ابي حاتم "عن مقاتل، قوله: ﴿والذين كفروا﴾، يعني: أهل الكتاب" (٤). قال ابن عثيمين: " أي كفروا بكل ما يجب الإيمان به سواءً كان كفرهم بالله، أو برسوله، أو بملائكته، أو باليوم الآخر، أو بالقدر، أو غيرها مما يجب الإيمان به" (٥). قال ابن كثير: " وأن الكافرين إنما وليهم الشياطين تزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات" (٦). قال الزمخشري: " والذين كفروا أولياؤهم الشياطين" (٧). قال القاسمي: " أي: الشياطين وسائر المضلين عن طريق الحق" (٨). قال الراغب: " والنور: عبارة عن العلم والإيمان والظلمة عن ضدهما، ووجه ذلك أنه لما كان للإنسان نظرات بنظر وتبصر، ويرى بهما البصر الحاس في الرأس والبصيرة في القلب، فكما أن البصر لا يستغنى في إدراك ما يدركه من المعقولات عن نور يمده وهو نور التوفيق والإيمان، ويقال لفقد البصرين عمى، ولفقد النورين ظلمة، وأعظمهما ضرراً فقد البصيرة ونور العقل، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فلم يعد فقد البصر عمى، بالإضافة إلى فقد البصيرة، وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ وقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ وقوله: ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يعني بذلك كلا النورين والظلمتين" (٩). قال ابن عطية: " في هذه الآية تقتضي أنه اسم جنس، ولذلك قال أَوْلِياؤُهُمُ بالجمع، إذ هي أنواع" (١٠). وفي قراءة الحسن بن أبي الحسن، ﴿أولياؤهم الطواغيت﴾، يعني الشياطين (١١). قال ابن عثيمين: " إذا تأملت هذه الجملة ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾، والتي قبلها تجد فرقاً بين التعبيرين في الترتيب: ففي الجملة الأولى قال تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ لأمور ثلاثة: أحدها: أن هذا الاسم الكريم إذا ورد على القلب أولاً استبشر به. ثانياً: التبرك بتقديم ذكر اسم الله . ثالثاً: إظهار المنة على هؤلاء بأن الله هو الذي امتن عليهم أولاً، فأخرجهم من الظلمات إلى النور. أما الجملة الثانية: ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾؛ ولو كانت الجملة على سياق الأولى لقال: «والطاغوت أولياء الذين كفروا»؛ ومن الحكمة في ذلك: أولاً: ألّا يكون الطاغوت في مقابلة اسم الله.

стр. 1956

ثانياً: أن الطاغوت أهون، وأحقر من أن يُبدأ به، ويُقدّم. ثالثاً: أن البداءة بقوله تعالى: ﴿الذين كفروا﴾ أسرع إلى ذمهم مما لو تأخر ذكره" (١). وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، أي: " يخرجونهم من نور البينات التي تظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة" (٢). قال الصابوني: "يخرجونهم من نور الإِيمان إِلى ظلمات الشك والضلال" (٣). قال مقاتل: " يعني: أهل الكتاب، كانوا آمنوا بمحمد ﷺ وعرفوا أنه رسول الله ﷺ ويجدونه في كتبهم، وكانوا هـ مؤمنين، قبل أن يبعث، فلما بعثه الله كفروا وجحدوا وأنكروا، فذلك خروجهم من النور، يعني من إيمانهم بمحمد ﷺ قبل ذلك، ويعني بالظلمات: كفرهم بمحمد ﷺ " (٤). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن الربيع بن أنس وقتادة وأبي مالك، نحو ذلك" (٥). قال ابن كثير: " ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك" (٦). قال القاسمي: يخرجونهم" بالوساوس وغيرها من طرق الإضلال والإغواء من الإيمان الفطريّ الذي جبل عليه الناس كافة، أو من نور البينات التي يشاهدونها من جهة النبيّ ﷺ إِلَى ظلمات الكفر والغي" (٧). قال الشوكاني: " والمراد بالنور في قوله: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [٢٥٧]، ما جاء به انبياء الله من الدعوة إلى الدين فإن ذلك نور للكفار أخرجهم أولياؤهم عنه إلى ظلمة الكفر أي قررهم أولياؤهم على ما هم عليه من الكفر بسبب صرفهم عن إجابة الداعي إلى الله من الأنبياء، وقيل المراد بالذين كفروا هنا الذين ثبت في علمه تعالى كفرهم يخرجهم أولياؤهم من الشياطين ورؤوس الضلال من النور الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها إلى ظلمات الكفر التي وقعوا فيها بسبب ذلك الإخراج" (٨). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وجهين (٩): أحدهما: يخرجونهم من نور الهدى إلى ظلمات الضلالة. قال الواقدي: "كل ما في القرآن من الظلمات والنور فالمراد منه الكفر والإيمان غير التي في سورة الأنعام، "وجعل الظلمات والنور" فالمراد منه الليل والنهار، سمي الكفر ظلمة لالتباس طريقه وسمي الإسلام نورا لوضوح طريقه" (١٠). والثاني: يخرجونهم من نور الثواب إلى ظلمة العذاب في النار. فإن قيل: فكيف يخرجونهم من النور، وهم لم يدخلوا فيه؟ فعن ذلك ثلاثة اجوبة (١١): أحدهما: أنها نزلت في قوم مُرْتَدِّين، قاله مجاهد (١٢).

стр. 1957

أي: " يراد بهذا من كانوا على الإيمان أولاً، ثم أُخرجوا كما هو ظاهر اللفظ" (١). والثاني: أنها نزلت فيمن لم يزل كافراً، وإنما قال ذلك لأنهم لو لم يفعلوا ذلك بهم لدخلوا فيه، فصاروا بما فعلوه بمنزلة من قد أخرجهم منه. والثالث: أنهم كانوا على الفطرة عند أخذ الميثاق عليهم، فلما حَمَلُوهم على الكفر أخرجوهم من نور فطرتهم، "فإن كل مولود يولد على الفطرة؛ فكانوا على الفطرة السليمة، والإيمان، ثم أخرجوهم، كقوله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (٢) " (٣). قال القاسمي: " وإفراد ﴿النور﴾ لوحدة الحق، كما أن جمع ﴿الظلمات﴾ لتعدد فنون الضلال" (٤). وقال ابن كثير: " ولهذا وحد تعالى لفظ ﴿النور﴾ وجمع ﴿الظلمات﴾؛ لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة كما قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ [الأنعام: ١] وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق، وانتشار الباطل وتفرده وتشعبه" (٥). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، أي: هؤلاء الذين كفروا" ماكثون في نار جهنم لا يخرجون منها أبداً" (٦). قال ابن عثيمين: قوله ﴿أُولَئِكَ﴾، أي: المشار إليه الذين كفروا، ودعاتهم، هم أهل النار الملازمون لها (٧). قال ابن عطية: " وحكم عليهم بالخلود في النار لكفرهم" (٨). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، وأنه تحصل به ولاية الله ؛ لقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾. ٢ - ومنها: إثبات الولاية لله ؛ أي أنه يتولى عباده؛ وولايته نوعان؛ الأول: الولاية العامة؛ بمعنى أن يتولى شؤون عباده؛ وهذه لا تختص بالمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [يونس: ٣٠] يعني الكافرين؛ والنوع الثاني: ولاية خاصة بالمؤمنين، كقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ [محمد: ١١]، وكما في قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾؛ ومقتضى النوع الأول أن لله تعالى كمال السلطان، والتدبير في جميع خلقه؛ ومقتضى النوع الثاني: الرأفة، والرحمة، والتوفيق. ٣ - ومن فوائد الآية: أن من ثمرات الإيمان هداية الله للمؤمن؛ لقوله تعالى: ﴿يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾. ٤ - ومنها: أن الكافرين أولياؤهم الطواغيت سواء كانوا متبوعين، أو معبودين، أو مطاعين.

стр. 1958

٥ - ومنها: براءة الله من الذين كفروا؛ يؤخذ من المنطوق، والمفهوم؛ فالمفهوم في قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ فمفهومه: لا الذين كفروا؛ المنطوق من قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾؛ وهذا مقابل لقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾. ٦ - ومنها: سوء ثمرات الكفر، وأنه يهدي إلى الضلال - والعياذ بالله؛ لقوله تعالى: ﴿يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾؛ وهذا الإخراج يشمل ما كان إخراجاً بعد الوقوع في الظلمات، وما كان صدًّا عن النور؛ وعلى الثاني يكون المراد بإخراجهم من الظلمات: استمرارهم على الظلمات. ٧ - ومنها: أن الكفر مقابل الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ولي الذين آمنوا والذين كفروا ... ﴾ إلخ؛ ولكن هل معنى ذلك أنه لا يجتمع معه؟ الجواب أنه قد يجتمع معه على القول الراجح الذي هو مذهب أهل السنة، والجماعة؛ لقول النبي ﷺ : «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (١)؛ وهذا الكفر لا يرفع الإيمان لقول الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ... ﴾ [الحجرات: ٩] إلى قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات: ١٠]؛ فأثبت الأخوة الإيمانية مع الاقتتال الذي قال عنه النبي ﷺ : إنه كفر؛ وانظر إلى الإنسان يكون فيه كذب - وهو من خصال المنافقين؛ ويكون فيه حسد - وهو من خصال اليهود؛ ويكون فيه صدق - وهو من خصال المؤمنين؛ ويكون فيه إيثار - وهو من صفات المؤمنين أيضاً؛ لكن الكفر المطلق - وهو الذي يخرج من الإسلام - لا يمكن أن يجامع الإيمان. ٨ - ومن فوائد الآية: إثبات النار؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك أصحاب النار﴾؛ والنار موجودة الآن؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١]؛ فقال تعالى: ﴿أعدت﴾ بلفظ الماضي؛ والإعداد هو التهيئة؛ وثبت عن النبي ﷺ في غير حديث أنه رآها: ففي صلاة الكسوف عرضت عليه النار، ورأى فيها عمرو بن لُحيّ يجر قصبه في النار (٢)؛ ورأى المرأة التي تعذب في هرة؛ ورأى صاحب المحجن يعذب (٣)؛ المهم أن النار موجودة أبدية؛ وليست أزلية؛ لأنها مخلوقة بعد أن لم تكن؛ ولكنها أبدية لا تفنى: قال تعالى: ﴿والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور﴾ [فاطر: ٣٦]؛ وذكر تأبيد أهلها في ثلاثة مواضع من القرآن؛ وبهذا يعرف بطلان قول من يقول: «إنها تفنى»؛ وأنه قول باطل مخالف للأدلة الشرعية. ٩ - ومنها: أن الكافرين مخلدون في النار؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك أصحاب النار﴾؛ والصاحب للشيء: الملازم له. ١٠ - ومنها: أن الخلود خاص بالكافرين؛ وأن من يدخل النار من المؤمنين لا يخلّد؛ لقوله تعالى: ﴿هم فيها خالدون﴾؛ يعني: دون غيرهم. القرآن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ [البقرة: ٢٥٨] التفسير:

стр. 1959

هل رأيت -أيها الرسول- أعجب مِن حال هذا الذي جادل إبراهيم ﵇ في توحيد الله تعالى وربوبيته؛ لأن الله أعطاه المُلْك فتجبَّر وسأل إبراهيمَ: مَن ربُّك؟ فقال ﵇: ربي الذي يحيي الخلائق فتحيا، ويسلبها الحياة فتموت، فهو المتفرد بالإحياء والإماتة، قال: أنا أحيي وأميت، أي أقتل مَن أردتُ قَتْلَه، وأستبقي مَن أردت استبقاءه، فقال له إبراهيم: إن الله الذي أعبده يأتي بالشمس من المشرق، فهل تستطيع تغيير هذه السُّنَّة الإلهية بأن تجعلها تأتي من المغرب؛ فتحيَّر هذا الكافر وانقطعت حجته، شأنه شأن الظالمين لا يهديهم الله إلى الحق والصواب. قال الشوكاني: " في هذه الآية استشهاد على ما تقدم ذكره من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت" (١). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أي: هل انتهى إليك يا محمد خبر الذي خاصم إبراهيم (٢). قيل: "هو نمرود بن كنعان". قاله مجاهد (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، والسدي (٦)، وابن زيد (٧) وابن إسحاق (٨)، وزيد بن أسلم (٩)، وابن جريج (١٠). وبه قال جمهول المفسرين. قال البغوي: "وهو أول من وضع التاج على رأسه، وتجبر في الأرض وادعى الربوبية؟ " (١١). قال الشوكاني: " وهمزة الاستفهام لإنكار النفي والتقرير المنفي أي ألم ينته علمك أو نظرك إلى هذا الذي صدرت منه المحاجة" (١٢). قال القرطبي: " ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: هذه ألف التوقيف، وفي الكلام معنى التعجب، أي اعجبوا له، وقال الفراء: "ألم تر" بمعنى هل رأيت، أي هل رأيت الذي حاج إبراهيم" (١٣). قال ابن عثيمين: " ﴿ألم تر﴾ يحتمل الأمرين؛ يعني: ألم تنظر يا محمد، أو: ألم تنظر أيها المخاطب" (١٤). قال ابن عطية: " وهي رؤية القلب .. والضمير في ﴿رَبِّهِ﴾ يحتمل أن يعود على إبراهيم ﵇، ويحتمل أن يعود على ﴿الَّذِي حَاجَّ﴾ " (١٥). قال الماوردي: "هو النمرود بن كنعان، وهو أول من تجبّر في الأرض وادّعى الربوبية" (١٦). قال ابن عثيمين: " «حاجه» أي ناظره، وأدلى كل واحد بحجته؛ و «الحجة» هي الدليل، والبرهان، و ﴿في ربه﴾، أي في وجوده، وفي ألوهيته" (١٧).

стр. 1960

قال ابن عطية: " وقرأ علي بن أبي طالب (ألم تر) بجزم الراء" (١)، " والجمهور بتحريكها، وحذفت الياء للجزم" (٢). وفي الآية ذكر «إبراهيم» في ثلاث مرات؛ وفيها قراءتان: ﴿إبراهيم﴾، و ﴿إبراهام﴾؛ وهما سبعيتان (٣). قوله تعالى: ﴿أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، " أي: لأن آتاه الله" (٤) الملك. قال البغوي: " أي لأن آتاه الله الملك، فطغى أي كانت تلك المحاجة من بطر الملك وطغيانه" (٥). قال الشوكاني: " أي لأن آتاه الله، أو من أجل أن آتاه الله (٦)، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو فحاج لذلك أو على أنه وضع المحاجة التي هي أقبح وجوه الكفر موضع ما يجب عليه من الشكر كما يقال عاديتنى لأني أحسنت إليك أو وقت أن آتاه الله الملك" (٧). قال ابن عثيمين: " أنه حاج إبراهيم لكونه أُعطي مُلكا" (٨). قال المراغي: " أي إن الذي أورثه الكبر والبطر، وحمله على الإسراف فى الغرور والإعجاب بقدرته حتى حاجّ إبراهيم - هو إيتاء الله إياه الملك" (٩). قال الحراليّ: "وفي إشعاره أن الملك بلاء وفتنة على من أوتيه" (١٠). قال القاسمي: " يعني أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر. فحاج لذلك، أو حاجه لأجله، وضعا للمحاجة التي هي أقبح وجوه الكفر موضع ما يجب عليه الشكر، كما يقال: عاداني فلان لأني أحسنت إليه، تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان. ونحوه قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] " (١١). قال ابن عثيمين: " و «أل» في قوله تعالى: ﴿الملك﴾ الظاهر أنها لاستغراق الكمال - أي ملكاً تاماً لا ينازعه أحد في مملكته؛ لأن الله لم يعطه ملك السموات، والأرض؛ بل ولا ملك جميع الأرض؛ وبهذا نعرف أن فيما ذُكر عن بعض التابعين من أنه ملك الأرض أربعة - اثنان مؤمنان؛ واثنان كافران (١٢) - نظراً؛ ولم يُمَلِّك الله جميع الأرض لأيّ واحد من البشر؛ ولكن يُمَلِّك بعضاً لبعض؛ والله يقول: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ [البقرة: ٢٥١]؛ أما أن يَملِك واحد من البشر جميع الأرض فهذا مستحيل في سنة الله فيما نعلم" (١٣). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وجهين (١٤): أحدهما: هو النمرود، لما أوتي الملك حاجَّ في الله تعالى، وهو قاله مجاهد (١٥)، وقتادة (١٦)، والربيع (١٧)، والسدي (١٨)، وابن زيد (١٩) وابن إسحاق (٢٠)، وزيد بن أسلم (٢١)، وابن جريج (٢٢)، والحسن (٢٣)، وابن عباس (٢٤)، وبه قال جمهور المفسرين (٢٥).

стр. 1961

والثاني: وقيل: هو إبراهيم لما آتاه الله الملك حاجّه النمرود، قاله أبو حذيفة (١)، والمهدوي (٢). واحتجوا، بأن" الله تعالى لا يؤتي الملك الكفرة، لأن ذلك مفسدة ينزه الله تعالى عنها" (٣). قال ابن عطية: " قال المهدوي: يحتمل أن يعود الضمير على إبراهيم أن آتاه ملك النبوءة، وهذا تحامل من التأويل" (٤). والراجح هو قول الجمهور، لأن " السلطان من الأغراض الدنيوية، كالمال، والجاه، والأولاد، وذلك مما يؤتي المؤمن والكافر امتحانا واختباراً" (٥). قال الراغب: " إن قيل: أليس قلت: إن الملك اسم لما فيه العدالة، فكيف يصح أن يقال ذلك لما يتوارد للكافر؟ قيل: إن الملك الحقيقي الذي يجوز للإنسان المتسمي به هو ذاك لكن الناس يستعملونه فيمن يتسلط على الناس على أي وجه كان فتسمية الله تعالي إياه بذلك إنما هو على زعمه، وزعم أتباعه، كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ فسماه عزيزاً لا بالحقيقة لكن على ما كان يتسمى به" (٦). وفي المحاجّة وجهان محتملان (٧): أحدهما: أنه معارضة الحجة بمثلها. والثاني: أنه الاعتراض على الحجة بما يبطلها. واختلفوا في وقت هذه المناظرة، على قولين (٨): الأول: قال مقاتل: "حين كسر الأصنام سجنه نمروذ ثم أخرجه ليحرقه بالنار. فقال لإبراهيم- ﵇: من ربك ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، وإياه أعبد ومنه أسأل" (٩). الثاني: وقيل: "أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمروذ بعد خروج إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم فجرت بينهما هذه المناظرة" (١٠)، قاله السدي (١١) , قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، "أي حين قال له إِبراهيم مستدلاً على وجود الله" (١٢).

стр. 1962

قال القاسمي: أي: "حين سأله من ربك الذي تدعونا إليه" (١). قال الشوكاني: قوله" ﴿إذ قال إبراهيم﴾ هو ظرف لحاج، وقيل بدل من قوله ﴿أن آتاه الله الملك﴾، على الوجه الأخير وهو بعيد" (٢). قوله تعالى: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، " يعني: " "ربي الذي بيده الحياة والموت" (٣). قال الطبري: يحيي من يشاء ويميت من أراد بعد الإحياء" (٤). قال الصابوني: "إِن ربي هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهو وحده ربُّ العالمين" (٥). قال القاسمي: "أي بنفخ الروح في الجسم وإخراجها منه" (٦). قال ابن عثيمين: " أي يجعل الجماد حياً؛ ويميت ما كان حياً، فبينما نرى الإنسان ليس شيئاً مذكوراً إذا به يكون شيئاً مذكوراً، كما قال تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ [الإنسان: ١]؛ ثم يبقى في الأرض؛ ثم يُعدَم ويَفنى" (٧). قال الماوردي: " يريد أنه يحيي من وجب عليه القتل بالتخلية والاستبقاء، ويميت بأن يقتل من غير سبب يوجب القتل، فعارض اللفظ بمثله، وعدل عن اختلاف الفعلين في علتهما" (٨). قال ابن كثير: " أي: الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها. وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة؛ لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له" (٩). قال ابن عثيمين: " ومعنى «الرب» الخالق المالك المدبر؛ وهذه الأوصاف لا تثبت على الكمال، والشمول إلا لله " (١٠). وقرأ حمزة ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، بإسكان الياء وكذلك: ﴿حرم ربي الفواحش﴾ [الأعراف: ٣٣]، و ﴿عن آياتي الذين يتكبرون﴾ [الأعراف: ١٤٦]، و ﴿قل لعبادي الذين﴾ [إبراهيم: ٣١]، و ﴿آتاني الكتاب﴾ [مريم: ٣٠]، و ﴿مسني الضر﴾ [الانبياء: ٨٣]، و ﴿عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، و ﴿عبادي الشكور﴾ [سبأك ١٣]، و ﴿مسني الشيطان﴾] ص: ٤١]، و ﴿إن أرادني الله﴾ [الزمر: ٣٨]، و ﴿إن أهلكني الله﴾ [الملك: ٢٨]، أسكن الياء فيهن حمزة، ووافق ابن عامر والكسائي في ﴿لعبادي الذين آمنوا﴾ وابن عامر ﴿آياتي الذين﴾ وفتحها الآخرون (١١). قوله تعالى: ﴿قَالَ: أَنَا أُحْيي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أي: قال: "وأنا أيضاً أحيي وأميت" (١٢). قال القاسمي: " أي بالقتل والعفو عنه" (١٣). وعن عكرمة في قوله: " ﴿أنا أحيي وأميت﴾، يقول: أنا أقتل من شئت، وأترك من شئت" (١٤).

стр. 1963

قال الشوكاني: " فكان هذا جوابا أحمق لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم لأنه أراد غير ما أراده الكافر فلو قال له ربه الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهل تقدر على ذلك لبهت الذي كفر بادئ بدء وفي أول وهلة ولكنه انتقل معه إلى حجة أخرى تنفيسا لخناقه وإرسالا لعنان المناظرة" (١). قال المراغي: " أي أنا أحيى من حكم عليه بالإعدام بالعفو عنه، وأميت من شئت إماتته بالأمر بقتله، وهذا الإنكار من ذلك الملك الجبار يدل على أنه لم يفهم قول إبراهيم ﷺ ، فإن الحياة في جوابه بمعنى إنشاء الحياة في جميع العوالم الحية من نبات وحيوان وغيرها، وإزالة الحياة بالموت - وفي جواب نمروذ بمعنى أنه يكون سببا في الإحياء والإماتة" (٢). وقوله تعالى: ﴿أَنَا أُحْيي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فيه وجهان: الأول: أنه قال ذلك تلبيسا، فقال أكثر المفسرين: دعا نمرود برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فجعل ترك القتل إحياء له، فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى، لا عجزا، فإن حجته كانت لازمة لأنه أراد بالإحياء إحياء الميت فكان له أن يقول: فأحي من أمت إن كنت صادقا فانتقل إلى حجة أخرى أوضح من الأولى (٣). روي ذلك عن قتادة (٤)، ومجاهد (٥)، وزيد بن أسلم (٦)، والربيع (٧)، والسدي (٨)، وابن جريج (٩)، ومحمد بن إسحاق (١٠). قال ابن عثيمين: " والحقيقة أنه ما أحيا، ولا أمات هنا؛ وإنما فعل ما يكون به الموت في دعوى الإماتة؛ واستبقى ما كان حياً في دعواه الإحياء؛ فلم يوجِد حياة من عنده" (١١). الثاني: وقيل: بل قال ذلك مكابرة؛ يعني: "هو يعلم أنه لا يحيي، ولا يميت؛ كأنه يقول لإبراهيم: إذا كان ربك يحيي ويميت فأنا أحيي، وأميت؛ ثم إن إبراهيم ﵇ انتقل إلى أمر لا يمكن الجدال فيه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] " (١٢). قال ابن كثير ردا على القول الأول: " والظاهر - والله أعلم - أنه ما أراد هذا (١٣)؛ لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم ولا في معناه؛ لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يَدّعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ " (١٤). قرأ جمهور القراء ﴿أنا أحيي﴾، بطرح (الألف) التي بعد (النون) من: ﴿أنا﴾ في الوصل، إذا تلتها ألف مفتوحة أو مضمومة، وأثبتها نافع وابن أبي أويس، كما في قول الأعشى (١٥):

стр. 1964

فكيف أنا وانتحالي القواف ... ي بعد المشيب كفى ذاك عارا ومنه قول الشاعر (١): أنا شيخ العشيرة فاعرفوني ... حميدا قد تذرّيت السّناما فوقفوا جميعا بالألف (٢). قال أحمد بن موسى: " فإنّ ورشا وأبا بكر بن أبي أويس وقالون رووا: إثباتها في الوصل إذا لقيتها همزة في كل القرآن مثل: أَنَا أُحْيِي وأَنَا أَخُوكَ، [يوسف/ ٦٩] إلّا في قوله: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الشعراء/ ١٥] فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القرّاء، وتابع أصحابه في حذفها عند غير همزة، ولم يختلفوا في حذفها، إذا لم تلقها همزة إلا في قوله: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف/ ٣٨] " (٣). قال أبو علي الفارسي: " القول في ﴿أَنَا﴾ أنّه ضمير المتكلم، والاسم: الهمزة والنون، فأما الألف فإنّما تلحقها في الوقف، كما تلحق الهاء له في نحو: مسلمونه، فكما أنّ الهاء التي تلحق للوقف، إذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء؛ سقطت، كذلك هذه الألف تسقط في الوصل، والألف في قولهم: أنا، مثل التي في: حيّهلا، في أنها للوقف، فإذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء، سقطت، لأن ما يتصل به يقوم مقامه. مثل همزة الوصل في الابتداء، في نحو «٣»: ابن واسم وانطلاق، واستخراج. فكما أنّ هذه الهمزة إذا اتّصلت الكلمة التي هي فيها بشيء سقطت، ولم تثبت، لأن ما يتّصل به يتوصّل به إلى النطق بما بعد الهمزة، فلا تثبت الهمزة لذلك؛ كذلك الألف في أَنَا والهاء إذا اتصلت الكلم التي هما فيها بشيء، سقطتا ولم يجز إثباتهما، كما لم تثبت به همزة الوصل، لأن الهمزة في هذا الطّرف، مثل الألف والهاء في هذا الطرف" (٤). وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فإنَّ اللهَ يَأْتي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أي: " فإن الله الذي هو ربي يأتي بالشمس من مشرقها، فأت بها - إن كنت صادقا أنك إله - من مغربها! " (٥). قال القاسمي: " أي إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته. فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلها كما ادعيت فأت بها من المغرب" (٦). قال الصابوني: " أي إِذا كنت تدعي الألوهية وأنك تحيي وتميت كما يفعل رب العالمين ﷻ فهذه الشمس تطلع كل يوم من المشرق بأمر الله ومشيئته فأطلعها من المغرب بقدرتك وسلطانك ولو مرة واحدة" (٧). قال المراغي: " أي إن ربي الذي يعطى الحياة ويسلبها بقدرته وإرادته، هو الذي يطلع الشمس من المشرق، فهو المكوّن لهذه الكائنات على ذلك النظام البديع، والسنن الحكيمة التي نشاهدها، فإن كنت

стр. 1965

تستطيع أن تفعل كما يفعل، فغيّر لنا شيئا من هذه النظم، فالشمس تطلع من المشرق فحوّلها وائت بها من المغرب" (١). قال النسفي: " كلمه من وجه لا يعاند، وكانوا أهل تنجيم، وحركة الكواكب من المغرب إلى المشرق معلومة لهم، والحركة الشرقية المحسوسة لنا قسرية كتحريك الماء النمل على الرحى إلى غير جهة حركة النمل فقال: إن ربي يحرك الشمس قسراً على غير حركتها، فإن كنت رباً فحركها بحركتها فهو أهون" (٢). فإن قيل: فَلِمَ عَدَل إبراهيم عن نصرة حجته الأولى إلى غيرها، وهذا يضعف الحجة ولا يليق بالأنبياء؟ ففيه جوابان (٣): أحدهما: أنه قد ظهر من فساد معارضته ما لم يحتج معه إلى نصرة حجته ثم أتبع ذلك بغيره تأكيداً عليه في الحجة. والجواب الثاني: أنه لمّا كان في تلك الحجة إشغاب منه بما عارضها به من الشبهة أحب أنه يحتج عليه بما لا إشغاب فيه، قطعاً له واستظهاراً عليه. قال الشوكاني: " لكون لهذه الحجة لا تجري فيها المغالطة لا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة ومشاغبة" (٤). قال القاسمي: " ولما سلك الطاغية مسلك التلبيس والتمويه على الرعاع، وكان بطلان جوابه من الجلاء والظهور بحيث لا يخفى على أحد، والتصدي لإبطاله من قبيل السعي في تحصيل الحاصل، انتقل إبراهيم ﵇، إرسالا لعنان المناظرة معه، إلى حجة أخرى لا تجري فيها المغالطة ولا يتيسر للطاغية أن يخرج عنها بمخرج مكابرة أو مشاغبة أو تلبيس على العوام" (٥). وقال ابن كثير: وقيل: " أن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني، انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة ردية، وليس كما قالوه بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني ويُبَيّن بطلان ما ادعاه نمروذ في الأول والثاني، ولله الحمد والمنة" (٦). قال: ﴿فإنَّ اللهَ يَأْتي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغرِبِ﴾ فإن قيل فَهَلاَّ عارضه النمرود بأن قال: فليأت بها ربك من المغرب؟ ففيه جوابان (٧): أحدهما: أن الله خذله بالصرف عن هذه الشبهة. والجواب الثاني: وقيل: إنما لم يقله لأنه خاف أن لو سأل ذلك دعا إبراهيم ربه فكان زيادة في فضيحته وانقطاعه. قال البغوي: " والصحيح أن الله صرفه عن تلك المعارضة إظهارا للحجة عليه أو معجزة لإبراهيم ﵇" (٨). قوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أي: " أي تحير ودهش وانقطعت حجته" (٩). قال سفيان: "فسكت، فلم يجبه بشيء" (١٠).
следующие страницы →