← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

والثاني: وقيل: هو إبراهيم لما آتاه الله الملك حاجّه النمرود، قاله أبو حذيفة (١)، والمهدوي (٢). واحتجوا، بأن" الله تعالى لا يؤتي الملك الكفرة، لأن ذلك مفسدة ينزه الله تعالى عنها" (٣). قال ابن عطية: " قال المهدوي: يحتمل أن يعود الضمير على إبراهيم أن آتاه ملك النبوءة، وهذا تحامل من التأويل" (٤). والراجح هو قول الجمهور، لأن " السلطان من الأغراض الدنيوية، كالمال، والجاه، والأولاد، وذلك مما يؤتي المؤمن والكافر امتحانا واختباراً" (٥). قال الراغب: " إن قيل: أليس قلت: إن الملك اسم لما فيه العدالة، فكيف يصح أن يقال ذلك لما يتوارد للكافر؟ قيل: إن الملك الحقيقي الذي يجوز للإنسان المتسمي به هو ذاك لكن الناس يستعملونه فيمن يتسلط على الناس على أي وجه كان فتسمية الله تعالي إياه بذلك إنما هو على زعمه، وزعم أتباعه، كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ فسماه عزيزاً لا بالحقيقة لكن على ما كان يتسمى به" (٦). وفي المحاجّة وجهان محتملان (٧): أحدهما: أنه معارضة الحجة بمثلها. والثاني: أنه الاعتراض على الحجة بما يبطلها. واختلفوا في وقت هذه المناظرة، على قولين (٨): الأول: قال مقاتل: "حين كسر الأصنام سجنه نمروذ ثم أخرجه ليحرقه بالنار. فقال لإبراهيم- ﵇: من ربك ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، وإياه أعبد ومنه أسأل" (٩). الثاني: وقيل: "أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمروذ بعد خروج إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم فجرت بينهما هذه المناظرة" (١٠)، قاله السدي (١١) , قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، "أي حين قال له إِبراهيم مستدلاً على وجود الله" (١٢).

стр. 1962

قال القاسمي: أي: "حين سأله من ربك الذي تدعونا إليه" (١). قال الشوكاني: قوله" ﴿إذ قال إبراهيم﴾ هو ظرف لحاج، وقيل بدل من قوله ﴿أن آتاه الله الملك﴾، على الوجه الأخير وهو بعيد" (٢). قوله تعالى: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، " يعني: " "ربي الذي بيده الحياة والموت" (٣). قال الطبري: يحيي من يشاء ويميت من أراد بعد الإحياء" (٤). قال الصابوني: "إِن ربي هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهو وحده ربُّ العالمين" (٥). قال القاسمي: "أي بنفخ الروح في الجسم وإخراجها منه" (٦). قال ابن عثيمين: " أي يجعل الجماد حياً؛ ويميت ما كان حياً، فبينما نرى الإنسان ليس شيئاً مذكوراً إذا به يكون شيئاً مذكوراً، كما قال تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ [الإنسان: ١]؛ ثم يبقى في الأرض؛ ثم يُعدَم ويَفنى" (٧). قال الماوردي: " يريد أنه يحيي من وجب عليه القتل بالتخلية والاستبقاء، ويميت بأن يقتل من غير سبب يوجب القتل، فعارض اللفظ بمثله، وعدل عن اختلاف الفعلين في علتهما" (٨). قال ابن كثير: " أي: الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها. وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة؛ لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له" (٩). قال ابن عثيمين: " ومعنى «الرب» الخالق المالك المدبر؛ وهذه الأوصاف لا تثبت على الكمال، والشمول إلا لله " (١٠). وقرأ حمزة ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، بإسكان الياء وكذلك: ﴿حرم ربي الفواحش﴾ [الأعراف: ٣٣]، و ﴿عن آياتي الذين يتكبرون﴾ [الأعراف: ١٤٦]، و ﴿قل لعبادي الذين﴾ [إبراهيم: ٣١]، و ﴿آتاني الكتاب﴾ [مريم: ٣٠]، و ﴿مسني الضر﴾ [الانبياء: ٨٣]، و ﴿عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، و ﴿عبادي الشكور﴾ [سبأك ١٣]، و ﴿مسني الشيطان﴾] ص: ٤١]، و ﴿إن أرادني الله﴾ [الزمر: ٣٨]، و ﴿إن أهلكني الله﴾ [الملك: ٢٨]، أسكن الياء فيهن حمزة، ووافق ابن عامر والكسائي في ﴿لعبادي الذين آمنوا﴾ وابن عامر ﴿آياتي الذين﴾ وفتحها الآخرون (١١). قوله تعالى: ﴿قَالَ: أَنَا أُحْيي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أي: قال: "وأنا أيضاً أحيي وأميت" (١٢). قال القاسمي: " أي بالقتل والعفو عنه" (١٣). وعن عكرمة في قوله: " ﴿أنا أحيي وأميت﴾، يقول: أنا أقتل من شئت، وأترك من شئت" (١٤).

стр. 1963

قال الشوكاني: " فكان هذا جوابا أحمق لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم لأنه أراد غير ما أراده الكافر فلو قال له ربه الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهل تقدر على ذلك لبهت الذي كفر بادئ بدء وفي أول وهلة ولكنه انتقل معه إلى حجة أخرى تنفيسا لخناقه وإرسالا لعنان المناظرة" (١). قال المراغي: " أي أنا أحيى من حكم عليه بالإعدام بالعفو عنه، وأميت من شئت إماتته بالأمر بقتله، وهذا الإنكار من ذلك الملك الجبار يدل على أنه لم يفهم قول إبراهيم ﷺ ، فإن الحياة في جوابه بمعنى إنشاء الحياة في جميع العوالم الحية من نبات وحيوان وغيرها، وإزالة الحياة بالموت - وفي جواب نمروذ بمعنى أنه يكون سببا في الإحياء والإماتة" (٢). وقوله تعالى: ﴿أَنَا أُحْيي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فيه وجهان: الأول: أنه قال ذلك تلبيسا، فقال أكثر المفسرين: دعا نمرود برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فجعل ترك القتل إحياء له، فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى، لا عجزا، فإن حجته كانت لازمة لأنه أراد بالإحياء إحياء الميت فكان له أن يقول: فأحي من أمت إن كنت صادقا فانتقل إلى حجة أخرى أوضح من الأولى (٣). روي ذلك عن قتادة (٤)، ومجاهد (٥)، وزيد بن أسلم (٦)، والربيع (٧)، والسدي (٨)، وابن جريج (٩)، ومحمد بن إسحاق (١٠). قال ابن عثيمين: " والحقيقة أنه ما أحيا، ولا أمات هنا؛ وإنما فعل ما يكون به الموت في دعوى الإماتة؛ واستبقى ما كان حياً في دعواه الإحياء؛ فلم يوجِد حياة من عنده" (١١). الثاني: وقيل: بل قال ذلك مكابرة؛ يعني: "هو يعلم أنه لا يحيي، ولا يميت؛ كأنه يقول لإبراهيم: إذا كان ربك يحيي ويميت فأنا أحيي، وأميت؛ ثم إن إبراهيم ﵇ انتقل إلى أمر لا يمكن الجدال فيه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] " (١٢). قال ابن كثير ردا على القول الأول: " والظاهر - والله أعلم - أنه ما أراد هذا (١٣)؛ لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم ولا في معناه؛ لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يَدّعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ " (١٤). قرأ جمهور القراء ﴿أنا أحيي﴾، بطرح (الألف) التي بعد (النون) من: ﴿أنا﴾ في الوصل، إذا تلتها ألف مفتوحة أو مضمومة، وأثبتها نافع وابن أبي أويس، كما في قول الأعشى (١٥):

стр. 1964

فكيف أنا وانتحالي القواف ... ي بعد المشيب كفى ذاك عارا ومنه قول الشاعر (١): أنا شيخ العشيرة فاعرفوني ... حميدا قد تذرّيت السّناما فوقفوا جميعا بالألف (٢). قال أحمد بن موسى: " فإنّ ورشا وأبا بكر بن أبي أويس وقالون رووا: إثباتها في الوصل إذا لقيتها همزة في كل القرآن مثل: أَنَا أُحْيِي وأَنَا أَخُوكَ، [يوسف/ ٦٩] إلّا في قوله: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الشعراء/ ١٥] فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القرّاء، وتابع أصحابه في حذفها عند غير همزة، ولم يختلفوا في حذفها، إذا لم تلقها همزة إلا في قوله: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف/ ٣٨] " (٣). قال أبو علي الفارسي: " القول في ﴿أَنَا﴾ أنّه ضمير المتكلم، والاسم: الهمزة والنون، فأما الألف فإنّما تلحقها في الوقف، كما تلحق الهاء له في نحو: مسلمونه، فكما أنّ الهاء التي تلحق للوقف، إذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء؛ سقطت، كذلك هذه الألف تسقط في الوصل، والألف في قولهم: أنا، مثل التي في: حيّهلا، في أنها للوقف، فإذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء، سقطت، لأن ما يتصل به يقوم مقامه. مثل همزة الوصل في الابتداء، في نحو «٣»: ابن واسم وانطلاق، واستخراج. فكما أنّ هذه الهمزة إذا اتّصلت الكلمة التي هي فيها بشيء سقطت، ولم تثبت، لأن ما يتّصل به يتوصّل به إلى النطق بما بعد الهمزة، فلا تثبت الهمزة لذلك؛ كذلك الألف في أَنَا والهاء إذا اتصلت الكلم التي هما فيها بشيء، سقطتا ولم يجز إثباتهما، كما لم تثبت به همزة الوصل، لأن الهمزة في هذا الطّرف، مثل الألف والهاء في هذا الطرف" (٤). وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فإنَّ اللهَ يَأْتي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أي: " فإن الله الذي هو ربي يأتي بالشمس من مشرقها، فأت بها - إن كنت صادقا أنك إله - من مغربها! " (٥). قال القاسمي: " أي إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته. فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلها كما ادعيت فأت بها من المغرب" (٦). قال الصابوني: " أي إِذا كنت تدعي الألوهية وأنك تحيي وتميت كما يفعل رب العالمين ﷻ فهذه الشمس تطلع كل يوم من المشرق بأمر الله ومشيئته فأطلعها من المغرب بقدرتك وسلطانك ولو مرة واحدة" (٧). قال المراغي: " أي إن ربي الذي يعطى الحياة ويسلبها بقدرته وإرادته، هو الذي يطلع الشمس من المشرق، فهو المكوّن لهذه الكائنات على ذلك النظام البديع، والسنن الحكيمة التي نشاهدها، فإن كنت

стр. 1965

تستطيع أن تفعل كما يفعل، فغيّر لنا شيئا من هذه النظم، فالشمس تطلع من المشرق فحوّلها وائت بها من المغرب" (١). قال النسفي: " كلمه من وجه لا يعاند، وكانوا أهل تنجيم، وحركة الكواكب من المغرب إلى المشرق معلومة لهم، والحركة الشرقية المحسوسة لنا قسرية كتحريك الماء النمل على الرحى إلى غير جهة حركة النمل فقال: إن ربي يحرك الشمس قسراً على غير حركتها، فإن كنت رباً فحركها بحركتها فهو أهون" (٢). فإن قيل: فَلِمَ عَدَل إبراهيم عن نصرة حجته الأولى إلى غيرها، وهذا يضعف الحجة ولا يليق بالأنبياء؟ ففيه جوابان (٣): أحدهما: أنه قد ظهر من فساد معارضته ما لم يحتج معه إلى نصرة حجته ثم أتبع ذلك بغيره تأكيداً عليه في الحجة. والجواب الثاني: أنه لمّا كان في تلك الحجة إشغاب منه بما عارضها به من الشبهة أحب أنه يحتج عليه بما لا إشغاب فيه، قطعاً له واستظهاراً عليه. قال الشوكاني: " لكون لهذه الحجة لا تجري فيها المغالطة لا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة ومشاغبة" (٤). قال القاسمي: " ولما سلك الطاغية مسلك التلبيس والتمويه على الرعاع، وكان بطلان جوابه من الجلاء والظهور بحيث لا يخفى على أحد، والتصدي لإبطاله من قبيل السعي في تحصيل الحاصل، انتقل إبراهيم ﵇، إرسالا لعنان المناظرة معه، إلى حجة أخرى لا تجري فيها المغالطة ولا يتيسر للطاغية أن يخرج عنها بمخرج مكابرة أو مشاغبة أو تلبيس على العوام" (٥). وقال ابن كثير: وقيل: " أن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني، انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة ردية، وليس كما قالوه بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني ويُبَيّن بطلان ما ادعاه نمروذ في الأول والثاني، ولله الحمد والمنة" (٦). قال: ﴿فإنَّ اللهَ يَأْتي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغرِبِ﴾ فإن قيل فَهَلاَّ عارضه النمرود بأن قال: فليأت بها ربك من المغرب؟ ففيه جوابان (٧): أحدهما: أن الله خذله بالصرف عن هذه الشبهة. والجواب الثاني: وقيل: إنما لم يقله لأنه خاف أن لو سأل ذلك دعا إبراهيم ربه فكان زيادة في فضيحته وانقطاعه. قال البغوي: " والصحيح أن الله صرفه عن تلك المعارضة إظهارا للحجة عليه أو معجزة لإبراهيم ﵇" (٨). قوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أي: " أي تحير ودهش وانقطعت حجته" (٩). قال سفيان: "فسكت، فلم يجبه بشيء" (١٠).

стр. 1966

وقال ابن إسحاق: " وقعت عليه الحجة يعني: نمروذ" (١). قال ابن كثير: أي" خرس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة" (٢). قال القاسمي: " تحيّر ودهش وغلب بالحجة، لما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام" (٣). قال المراغي: " أي فدهش ولم يجد جوابا، وكأنما ألقمه حجرا" (٤). قال الحافظ ابن كثير: " أي: ذهبت حجته" (٥). قال الصابوني: " أي أُخرس ذلك الفاجر بالحجة القاطعة، وأصبح مبهوتاً دهشاً لا يستطيع الجواب" (٦). قال ابن عثيمين: " أي تحير، واندهش، ولم يحرِ جواباً؛ فغلب إبراهيم الذي كفر؛ لأن وقوف الخصم في المناظرة عجز" (٧). قال ابن عاشور: " و ﴿بهت﴾، فعل مبني للمجهول يقال بهته فبهت بمعنى أعجزه عن الجواب فعجز أو فاجأه بما لم يعرف دفعه قال تعالى: بل تأتيهم بغتة فتبهتهم [الأنبياء: ٤٠] وقال عروة العذري (٨): فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب ومنه البهتان وهو الكذب الفظيع الذي يبهت سامعه" (٩). وقوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فيه وجهان (١٠): أحدهما: يعني تحيّر. والثاني: معناه انقطع، وهو قول أبي عبيدة. وقرئ: ﴿فَبَهَت الَّذِي كَفَرَ﴾، بفتح (الباء) و (الهاء)، بمعنى: أن الملك قد بهت إبراهيم بشبهته أي سارع بالبهتان. قال الشوكاني: قال ابن جني: قرأ أبو حيوة (فبهت) بفتح الباء وضم الهاء، وهي لغة في بهت بكسر (الهاء)، قال: وقرأ ابن السميفع فبهت بفتح (الباء) و (الهاء) على معنى: فبهت إبراهيم الذي كفر، فالذي في موضع نصب، قال: وقد يجوز أن يكون (بهت) بفتحهما لغة في (بهت)، وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة (فبهت)، بكسر (الهاء)، قال: والأكثر بالفتح في (الهاء) " (١١).

стр. 1967

قال ابن عطية: " وقد تأول قوم في قراءة من قرأ فَبُهِتَ بفتحهما أنه بمعنى سب وقذف، وأن نمرود هو الذي سب إبراهيم حين انقطع ولم تكن له حيلة" (١). قال الشوكاني: " وقال سبحانه ﴿فبهت الذي كفر﴾، ولم يقل: فبهت الذي حاج، إشعار بأن تلك المحاجة كفر" (٢). قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿واللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، " أي: لا يلهمهم الحجة والبيان في مقام المناظرة والبرهان بخلاف أوليائه المتقين" (٣). قال محمد بن إسحاق: "أي: لا يهديهم في الحجة عند الخصومة، لما هم عليه من الضلالة" (٤). وعن السدي: " ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ قال: إلى الإيمان" (٥). قال الطبري: " والله لا يهدي أهل الكفر إلى حجة يدحضون بها حجة أهل الحق عند المحاجة والمخاصمة، لأن أهل الباطل حججهم داحضة" (٦). قال ابن كثير: " أي: لا يلهمهم حجة ولا برهانًا بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب ولهم عذاب شديد" (٧). قال الواحدي: " لا يجعل جزاءهم على ظلمهم أن يهديهم" (٨). قال القاسمي: " أي لا يلهمهم حجة ولا برهانا. بل حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ [الشورى: ١٦] " (٩). قال ابن عثيمين: " أي: لا يوفقهم للهداية" (١٠). قال ابن عطية: " إخبار لمحمد ﵇ وأمته، والمعنى: لا يرشدهم في حججهم على ظلمهم، لأنه لا هدى في الظلم، فظاهره العموم، ومعناه الخصوص، كما ذكرنا، لأن الله قد يهدي الظالمين بالتوبة والرجوع إلى الإيمان. ويحتمل أن يكون الخصوص فيمن يوافي ظالما" (١١). قال الراغب: " أي: لا يقبلون منه هدايته لهم، وإذا لم يقبلوا منه لم يعطهم، وإذا لم يعطهم فهو لم يهدهم، وأيضا فالظلم هاهنا مناف للهداية، فإنه جحود ألاء الله، والامتناع من قبولها والهداية تقتضي تحري العدالة، فإذا الهداية والظلم كالمتضادين لا يجتمعان" (١٢). قال المراغي: " أي إن الله لا يهدى من أعرض عن قبول الهداية، ولم ينظر في الدلائل التي توصل إلى معرفة الحق ويستسلم للطاغوت، ويترك ما أعطاه الله من الفهم، اتباعا لهواه وشهواته التي تزين له ما هو فيه، وهو حينئذ قد ظلم نفسه وضلّ صلالا بعيدا" (١٣).

стр. 1968

قال ابن عاشور: " وإنما انتفى هدي الله لقوم الظالمين لأن الظلم حائل بين صاحبه وبين التنازل إلى التأمل من الحجج وإعمال النظر فيما فيه النفع إذ الذهن في شاغل عن ذلك بزهوه وغروره، والآية دليل على جواز المجادلة والمناظرة في إثبات العقائد، والقرآن مملوء بذلك، وأما ما نهي عنه من الجدل فهو جدال المكابرة والتعصب وترويج الباطل والخطإ" (١). قال الطبري: " (الظلم): وضع الشيء في غير موضعه، والكافر وضع جحوده ما جحد في غير موضعه، فهو بذلك من فعله ظالم لنفسه" (٢). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿واللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وجهين (٣): أحدهما: لا يعينهم على نصرة الظلم. والثاني: لا يُخلِّصُهم من عقاب الظلم. ويحتمل الظلم هنا وجهين (٤): أحدهما: أنه الكفر خاصة. والثاني: أنه التعدي من الحق إلى الباطل. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بلاغة القرآن الكريم في عرض الأمور العجيبة معرض التقرير، والاستفهام؛ لأن «التقرير» يحمل المخاطَب على الإقرار؛ و «الاستفهام» يثير اهتمام الإنسان؛ فجمع بين الاستفهام، والتقرير. ٢ - ومنها: بيان كيف تصل الحال بالإنسان إلى هذا المبلغ الذي بلغه هذا الطاغية؛ وهو إنكار الحق لمن هو مختص به، وادعاؤه المشاركة؛ لقوله: ﴿أنا أحيي وأميت﴾. ٣ - ومنها: أن المحاجة لإبطال الباطل، ولإحقاق الحق من مقامات الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه﴾. ٤ - ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم طرق المناظرة، والمحاجة؛ لأنها سُلَّم، ووسيلة لإحقاق الحق، وإبطال الباطل؛ ومن طالع كتب شيخ الإسلام ونحوها تعلَّم المناظرة - ولو لم يدرسها فناً. ٥ - ومنها: أن النعم قد تكون سبباً للطغيان؛ لأن هذا الرجل ما طغى وأنكر الخالق إلا لأن الله آتاه الملك؛ ولهذا أحياناً تكون الأمراض نعمة من الله على العبد؛ والفقر والمصائب تكون نعمة على العبد؛ لأن الإنسان إذا دام في نعمة، وفي رغد، وفي عيش هنيء فإنه ربما يطغى، وينسى الله . ٦ - ومنها: صحة إضافة الملكية لغير الله؛ لقوله تعالى: ﴿أن آتاه الله الملك﴾. ٧ - ومنها: أن ملك الإنسان ليس ملكاً ذاتياً من عند نفسه؛ ولكنه معطى إياه؛ لقوله تعالى: ﴿أن آتاه الله الملك﴾؛ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء﴾ [آل عمران: ٢٦]. ٨ - ومنها: فضيلة إبراهيم ﷺ ، حيث قال مفتخراً، ومعتزاً أمام هذا الطاغية: ﴿ربي﴾؛ فأضافه إلى نفسه، كأنه يفتخر بأن الله ربه. ٩ - ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله ؛ لقوله تعالى: ﴿يحيي ويميت﴾؛ وهذه المسألة أنكرها كثير من علماء الكلام؛ وعللوا ذلك بعلل عليلة؛ بل ميتة لا أصل لها؛ لأنهم قالوا: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث؛ وإن الحوادث إن كانت كمالاً كان فقدها نقصاً؛ وإن كانت نقصاً فكيف يتصف الله بها! إذاً هي ممتنعة؛ لأنها نقص على كل تقدير؛ وحينئذٍ يجب أن ننزه الله عنها، وأن تكون ممتنعة عليه؛ والجواب عن ذلك أن

стр. 1969

قولكم: «الحوادث لا تقوم إلا بحادث» مجرد دعوى؛ ونحن نعلم أن الحوادث تحدث منا، ولكنها ليست سابقة بسبقنا؛ ولا يعد ذلك فينا نقصاً؛ فالحوادث تحدث بعد مَن أحدثها؛ ولا مانع من ذلك؛ فمن الممكن أن يكون المتصف بها قديماً وهي حادثة؛ وأما قولكم: «إنها إن كانت كمالاً كان فقدها نقصاً؛ وإن كانت نقصاً فكيف يوصف بها»؟ فنقول: هي كمال حال وجودها؛ فإذا اقتضت الحكمة وجودها كان وجودها هو الكمال؛ وإذا اقتضت الحكمة عدمها كان عدمها هو الكمال. ١٠ - ومن فوائد الآية: أن الإحياء والإماتة بيد الله ؛ لقوله تعالى: ﴿يحيي ويميت﴾؛ إذاً فاعتمد على الله ، ولا تخف، ولا تقدر أسباباً وهمية؛ مثلاً دعيت إلى أيّ عمل صالح فقلت: أخشى إن عملت هذا العمل أن أموت؛ نقول: هذا إذا كان مجرد وهم فإن هذه الخشية لا ينبغي أن يبني عليها حكماً، بحيث تمنعه من أمر فيه مصلحته، وخيره. ١١ - ومنها: أن الإنسان المجادل قد يكابر فيدعي ما يعلم يقيناً أنه لا يملكه؛ لقول الرجل الطاغية: ﴿أنا أحيي وأميت﴾؛ ومعلوم أن هذا إنما قاله في مضايقة المحاجة؛ والإنسان في مضايقة المحاجة ربما يلتزم أشياء هو نفسه لو رجع إلى نفسه لعلم أنها غير صحيحة؛ لكن ضيق المناظرة أوجب له أن يقول هذا إنكاراً، أو إثباتاً. ١٢ - ومنها: حكمة إبراهيم ﷺ ، وجودته في المناظرة سواء قلنا: إن هذا من باب الانتقال من حجة إلى أوضح منها، أو قلنا: إنه من باب تفريع حجة على حجة. ١٣ - ومنها: الرد على علماء الهيئة الذين يقولون: إن إتيان الشمس ليس إتياناً لها بذاتها؛ ولكن الأرض تدور حتى تأتي هي على الشمس؛ ووجه الرد أن إبراهيم قال: ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق﴾؛ إذاً الله أتى بها من المشرق؛ وهم يقولون: إن الله لم يأت بها من المشرق؛ ولكن الأرض بدورتها اطلعت عليها؛ ونحن نقول: إن الله لم يقل: إن الله يدير الأرض حتى تُرى الشمس من المشرق؛ فأدرها حتى تُرى من المغرب! ويجب علينا أن نأخذ في هذا الأمر بظاهر القرآن، وألا نلتفت لقول أحد مخالف لظاهر القرآن؛ لأننا متعبدون بما يدل عليه القرآن؛ هذا من جهة؛ ولأن الذي أنزل القرآن أعلم بما خلق: قال الله تعالى: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤]؛ فإذا كان يقول في كلامه إن الشمس: «تأتي»، و «تطلع»، و «تغرب»، و «تزول»، و «تتوارى»؛ كل هذه الأفعال يضيفها إلى الشمس؛ لماذا نحن نجعلها على العكس من ذلك، ونضيفها إلى الأرض! ! ! ويوم القيامة سيقول الله لنا: ﴿ماذا أجبتم المرسلين﴾ [القصص: ٦٥]؛ لا يقول: ماذا أجبتم العالم الفلكي الفلاني؛ على أن علماء الفلك قديماً، وحديثاً مختلفون في هذا؛ لم يتفقوا على أن الأرض هي التي بدورانها يكون الليل، والنهار؛ وما دام الأمر موضع خلاف بين الفلكيين أنفسهم؛ فإننا نقول كما نقول لعلماء الشرع إذا اختلفوا: «إن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول»؛ بل نقول: لو جاء علماء الفلك بأجمعهم ما عدلنا عن ظاهر القرآن حتى يتبين لنا أمر محسوس؛ وحينئذ نقول لربنا إذا لاقيناه: إنك قلت - وقولك الحق: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾، وقلت: ﴿اتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]؛ ونحن ما وسعنا إلا أن نقول: إن قولك: ﴿وترى الشمس إذا طلعت﴾ [الكهف: ١٧] أي إذا طلعت رأي العين؛ لا في حقيقة الواقع؛ لأننا علمنا بحسنا، وبصرنا بأن الذي يكون به تعاقب الليل، والنهار هو دوران الأرض؛ أما والحس لم يدل على هذا؛ ولكنه مجرد أقيسة ونظريات، فإنني أرى أنه لا يجوز لأحد أن يعدل عن كلام ربه الذي خلق، والذي أنزل القرآن تبياناً لكل شيء لمجرد قول هؤلاء. ١٤ - ومن فوائد الآية: أن الحق لا تمكن المجادلة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿فبهت الذي كفر﴾. ١٥ - ومنها: إثبات أن من جحد الله فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿فبهت الذي كفر﴾؛ وهذه هي النكتة في الإظهار مقام الإضمار؛ لأجل أن نقول: كل من جادل كما جادل هذا الرجل فهو كافر.

стр. 1970

١٦ - ومنها: الإشارة إلى أن محاجة هذا الرجل محاجة بباطل؛ لقوله تعالى: ﴿الذي كفر﴾؛ لأن الذين كفروا هم الذين يحاجون حجة باطلة؛ قال الله تعالى: ﴿ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق﴾ [الكهف: ٥]. ١٧ - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾؛ لأنهم يقولون: إن الإنسان حرّ: يهتدي بنفسه، ويضل بنفسه؛ وهذه الآية واضحة في أن الهداية بيد الله. ١٨ - ومنها: التحذير من الظلم؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾؛ ومن الظلم أن يتبين لك الحق فتجادل لنصرة قولك؛ لأن العدل أن تنصاع للحق، وألا تكابر عند وضوحه؛ ولهذا ضل من ضل من أهل الكلام؛ لأنه تبين لهم الحق؛ ولكن جادلوا؛ فبقوا على ما هم عليه من ضلال. ١٩ - ومنها: أن الله لا يمنع فضله عن أحد إلا إذا كان هذا الممنوع هو السبب؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾؛ فلظلمهم لم يهدهم الله؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]. ٢٠ - ومنها: أنه كلما كان الإنسان أظلم كان عن الهداية أبعد؛ لأن الله علق نفي الهداية بالظلم؛ وتعليق الحكم بالظلم يدل على عليته؛ وكلما قويت العلة قوي الحكم المعلق عليه. ٢١ - ومنها: أن من أخذ بالعدل كان حرياً بالهداية؛ لمفهوم المخالفة في قوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾؛ فإذا كان الظالم لا يهديه الله، فصاحب العدل حري بأن يهديه الله ؛ فإن الإنسان الذي يريد الحق ويتبع الحق - والحق هو العدل - غالباً يُهدى، ويوفّق للهداية؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية عبارة من أحسن العبارات؛ قال: «من تدبر القرآن طالباً الهدى منه تبين له طريق الحق»؛ وهذه كلمة مأخوذة من القرآن منطوقاً، ومفهوماً. القرآن ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] التفسير: أو هل رأيت -أيها الرسول- مثل الذي مرَّ على قرية قد تهدَّمت دورها، وخَوَتْ على عروشها، فقال: كيف يحيي الله هذه القرية بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام، ثم ردَّ إليه روحه، وقال له: كم قدر الزمان الذي لبثت ميتًا؟ قال: بقيت يومًا أو بعض يوم، فأخبره بأنه بقي ميتًا مائة عام، وأمره أن ينظر إلى طعامه وشرابه، وكيف حفظهما الله من التغيُّر هذه المدة الطويلة، وأمره أن ينظر إلى حماره كيف أحياه الله بعد أن كان عظامًا متفرقة؟ وقال له: ولنجعلك آية للناس، أي: دلالة ظاهرة على قدرة الله على البعث بعد الموت، وأمره أن ينظر إلى العظام كيف يرفع الله بعضها على بعض، ويصل بعضها ببعض، ثم يكسوها بعد الالتئام لحمًا، ثم يعيد فيها الحياة؟ فلما اتضح له ذلك عِيانًا اعترف بعظمة الله، وأنه على كل شيء قدير، وصار آية للناس. قال القاسمي: هذه الآية " استشهاد على ما ذكر تعالى من ولايته للمؤمنين وتقرير له، معطوف على الموصول السابق" (١). قال المراغي: " وقد أبهم الله القرية فلم يذكر مكانها ولا المارّ عليها، بل اقتصر على موضع العبرة، وما به تقوم الحجة ولم يعن بما فوق ذلك حتى لا يشغل القارئ أو السامع به" (٢). قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، " أي: أرأيت مثل الذي مرّ على قرية" (٣).

стр. 1971

قال الطبري: " قوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] عطف على قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾، وإنما عطف قوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي﴾ على قوله: ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾، وإن اختلف لفظاهما، لتشابه معنييهما. لأن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾، بمعنى: هل رأيت، يا محمد، كالذي حاج إبراهيم في ربه؟ ثم عطف عليه بقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾، لأن من شأن العرب العطف بالكلام على معنى نظير له قد تقدمه، وإن خالف لفظه لفظه" (١). قال القاسمي: " وإيثار (أو) الفارقة على (الواو) الجامعة للاحتراز عن توهم اتحاد المستشهد عليه من أول الأمر. والكاف إما اسمية جيء بها للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر" (٢). واتفق أهل العلم بأن ﴿أو﴾ للعطف حملا على المعنى، واختلفوا في التقدير على قولين (٣): الأول: فعند الكسائي والفراء، يكون التقدير: هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية. الثاني: وقال المبرد: المعنى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، ألم تر من هو كالذي مر على قرية. فأضمر في الكلام من هو. قال القرطبي: "وقرأ أبو سفيان بن حسين ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ﴾ بفتح الواو، وهي واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام الذي معناه التقرير" (٤). واختلفوا في الذي مر على قرية على خمسة أقاويل (٥): أحدها: أنه عزيز (٦)، قاله ناحية بن كعب (٧)، وسليمان بن بريدة (٨)، وقتادة (٩)، والربيع (١٠)، وعكرمة (١١)، والسدي (١٢)، والضحاك (١٣)، وابن عباس (١٤)، وعلي بن أبي طالب (١٥).

стр. 1972

والثاني: أنه إرْمياء (١)، وهو قول وهب (٢)، وعبدالله بن عبيد بن عمير (٣)، وبكر بن مضر (٤). والثالث: أنه الخَضِر، وهو قول ابن إسحاق (٥). والرابع: وقيل أنه حزقيل بن بوزا. روي ذلك عن سليمان بن محمد الأسلمي السياري الجاري (٦). الخامس: وقال الزمخشري: "والمار كان كافرا بالبعث، وهو الظاهر لانتظامه مع نمروذ في سلك ولكلمة الاستبعاد التي هي: أنى يحيى" (٧). قال الطبري: " ولا بيان عندنا من الوجه الذي يصح من قِبَلِهِ البيان على اسم قائل ذلك. وجائز أن يكون ذلك عزيرا، وجائز أن يكون أورميا، ولا حاجة بنا إلى معرفة اسمه، إذ لم يكن المقصود بالآية تعريف الخلق اسم قائل ذلك، وإنما المقصود بها تعريف المنكرين قدرة الله على إحيائه خلقه بعد مماتهم، وإعادتهم بعد فنائهم" (٨). وقد قال الزمخشري: " وقيل هو عزيز أو الخضر، أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم ﵇. وقوله: أنى يحيي اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء، واستعظام لقدرة المحيي" (٩). واختلفوا في (القرية) على ثلاثة اقوال (١٠): الأول: هي بيت المقدس، لما خرّبه بُخْتنصَّر، وهذا قول وهب (١١) وقتادة (١٢)، والضحاك (١٣)، وعكرمة (١٤)، والربيع بن أنس (١٥). والثاني: أنها التي خرج منها الألوف حذر الموت، قاله ابن زيد (١٦).

стр. 1973

والثالث: وحكى النقاش أن قوما قالوا هي "المؤتفكة" (١). قال ابن كثير: " فالمشهور أنها بيت المقدس مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها" (٢). وقوله تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: " خالية ساقطة حيطانها على سقوفها" (٣). قال الطبري: أي: " وهي خالية من أهلها وسكانها" (٤). قال ابن حجر: " أي: لا أنيس فيها" (٥) قال ابن كثير: " أي: ليس فيها أحد من قولهم: خوت الدار تخوي خواءً وخُويا (٦). قال الراغب: " الخو: خلو الوعاء، يقال: خلت الدار، تخوي خواء، وخوي النجم وأخوى إذا لم يكن منه عند سقوطه مطر تشبيهاً بذلك، وأخوي أبلغ من خوي، كما أن أسقي أبلغ من سقى، وخوي جوف فلان خوي، والتخوية: ترك ما بين الشيئين خالياً ... والعرش: ما ارتفع من البناء، ويقال ذلك للسقف والسطح، وسمي السرير به تشبيهاً، أو عبر به عن أمر الإنسان، وقيل: استوى عرشه، وتل عرشه، والتعريش بناء ذلك وبه شبهه تعريش الكرم، وسمي المعررش منه عريشاً، وقيل: عرش الحمار إذا رفع رأسه وجعله كعرش، وعرشان الفرس شعر عرفه تشبيها بعريش الكريم" (٧). وذكر أهل التفسير في تفسير قوله ﴿خَاوِيَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، قولان (٨): أحدهما: الخراب، من: خَوِي البيت بكسر الواو يَخْوِي خِوَى إذا سقط. وهو قول ابن عباس (٩) والضحاك (١٠) والربيع (١١) والسدي (١٢) وابن قتيبة (١٣)، واختيار ابن جرير (١٤) والواحدي (١٥) والشوكاني (١٦) وصديق خان (١٧).

стр. 1974

والثاني: الخالية، من خَوَى البيت بفتح الواو يَخْوَى خِوَاء-ممدوداً-إذا خلا من الناس والبيوت قائمة، وهو قول قتادة (١)، واختيار الزجاج (٢) والنحاس (٣) وأبي حيان (٤) والسمين (٥). والقول الأول أظهر؛ لقوله- : ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: ساقطة على سقفها، والله أعلم، وكلام الحافظ ابن حجر (٦)، جمع بين القولين، فالقرية خاوية من السكان لا أنيس فيها سواء تهدمت بيوتها أم لم تتهدم، وهذا ما يتفق عليه القولان. قوله تعالى: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: "على أبنيتها" (٧). أخرج ابن أبي حاتم بسنده " عن الضحاك، في قوله: ﴿على عروشها﴾: سقوفها". وقال: "وروي عن السدي، نحو ذلك" (٨). قال ابن كثير: " أي: ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها" (٩). و(العُرُوش)، تعني: الأبنية والبيوت، واحدها (عَرْش)، وجمع قليله (أعرُش)، وكل بناء فإنه (عرش)، ويقال: عَرَش فلان دارًا يعرِش ويعرُش عرشًا، ومنه قول الله تعالى ذكره: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٣٧]، يعني يبنون، ومنه قيل: عريش مكه، يعني به: خيامها وأبنيتها (١٠). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَّى يَحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وجهين: أحدهما: يعمرها بعد خرابها، " وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه" (١١). روي ذلك عن قتادة (١٢) والربيع (١٣). قال القاسمي: " أي كيف يعمر الله هذه القرية بعد خرابها، فكان منه كالوقوع في الظلمات، فأراه الدليل على الإحياء الحقيقيّ في نفسه مبالغة في قلع الشبهة، إخراجا له منها إلى النور" (١٤). قال المراغي: " ومراده بذلك استبعاد عمرانها بالبناء والسكان بعد أن خربت وتفرّق أهلها" (١٥). قال ابن عطية: " وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان" (١٦). والثاني: يعيد أهلها بعد هلاكهم. قاله السدي (١٧).

стр. 1975

قال الطبري: " قال بعضهم: كان قيله ما قال من ذلك شكًّا في قدرة الله على إحيائه، فأراه الله قُدرته على ذلك يضربه المثلَ له في نفسه، ثم أراه الموضع الذي أنكر قُدرته على عمارته وإحيائه، أحيا ما رآه قبل خرابه، وأعمرَ ما كان قبل خرابه" (١). واعترض ابن عطية على القول الذي نقله الطبري قائلا: " وليس يدخل شك في قدرة الله على إحياء قرية بجلب العمرة إليها، وإنما يتصور الشك من جاهل في الوجه الآخر، والصواب أن لا يتأول في الآية شك" (٢). وفي سبب قيله: ﴿أَنَّى يَحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] روي عن السدي: "أن عُزَيْرًا مرّ جائيًا من الشام على حمار له معه عصيرٌ وعنب وتين; فلما مرّ بالقرية فرآها، وقف عليها وقلَّب يده وقال: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ ليس تكذيبًا منه وشكًّا فأماته الله وأمات حِمارَه فهلكا، ومرّ عليهما مائة سنة. ثم إن الله أحيا عزيرًا فقال له: كم لبثت؟ قال: لبثت يومًا أو بعض يوم! قيل له: بل لبثت مائة عام! فانظر إلى طعامك من التين والعنب، وشرابك من العصير (لم يتسنَّه)، الآية" (٣). وروي عن وهب (٤)، نحو ذلك. قوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، "أي أمات الله ذلك السائل، واستمر ميتاً مائة سنة" (٥). قال ابن عثيمين: "أي قبض روحه" (٦) (٧). قال المراغي: أي فجعله الله فاقد الحسّ والحركة دون أن تفارق الروح البدن، ثم أعاده إلى ما كان عليه أوّلا" (٨). قال ابن عطية: " وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد" (٩). قال أسباط: " فأماته الله وأمات حماره وهلكا، ومر عليهما مائة سنة" (١٠). وقال الحسن: " هذا رجل من بني إسرائيل مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ قال: فعاقبه الله بقوله ذلك: فأماته الله مائة عام (١١) وحماره صافن إلى جنبه، لا يطعم ولا يسقى حتى أتى عليه مائة عام طعامه وشرابه إلى جنبه، فذلك مائة عام" (١٢).

стр. 1976

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾، أي: " ثم أثاره حيًّا من بعد مماته" (١). قال البغوي: " أي أحياه" (٢). قال ابن عطية: " أحياه وجعل له الحركة والانتقال" (٣). قال الصابوني: " ثم أحياه الله ليريه كمال قدرته" (٤). قال القاسمي: " أي أحياه ببعث روحه إلى بدنه وبعض أجزائه إلى بعض بعد تفرقها" (٥). روي "عن السدي في قوله: ﴿ثم بعثه﴾: ثم إن الله أحيا عزيرا" (٦). قال علي بن أبي طالب: " فأول ما خلق منه عيناه" (٧). قال قتادة: " فأماته الله أول النهار، فلبث مائة عام، ثم بعثه" (٨). وأخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن قتادة، في قوله: ثم بعثه في آخر النهار" (٩). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن الربيع بن أنس: ثم بعث قبل غروب الشمس" (١٠). وقال وهب بن منبه: " إن إرميا، لما خرب بيت المقدس وحرقت الكتب، وقف في ناحية الجبل، فقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام، ثم رد الله من رد من بني إسرائيل، على رأس سبعين سنة من حين أماته، يعمرونها ثلاثين سنة، تمام المائة، فلما ذهبت المائة رد الله إليه روحه، وقد عمرت، فهي على حالها الأولى" (١١). وروي عن الربيع (١٢) وابن جريج (١٣) نحو ذلك. قال ابن عثيمين: " ولعل قائلاً يقول: إن المتوقع أن يقول: «ثم أحياه» ليقابل ﴿أماته﴾؛ لكن «البعث» أبلغ؛ لأن «البعث» فيه سرعة؛ ولهذا نقول: انبعث الغبار بالريح، وما أشبه ذلك من الكلمات الدالة على أن الشيء يأتي بسرعة، واندفاع؛ فهذا الرجل بعثه الله بكلمة واحدة؛ قال مثلاً: «كن حياً»، فكان حياً" (١٤). قوله تعالى: ﴿قَالَ: كَمْ لَبِثْتَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: كم" مكثت ميتا" (١٥). قال البغوي: " أي: كم مكثت؟ " (١٦). قال الطبري: "أي: " كم قدرُ الزمان الذي لبثتَ ميتًا قبل أن أبعثك من مماتك حيًّا؟ " (١٧).

стр. 1977

قال الصابوني: "أي قال له ربه بواسطة الملك كم مكثت في هذه الحال" (١). قال ابن عطية: والسؤال على جهة التقرير، و ﴿كم﴾ في موضع نصب على الظرف (٢). واختلفوا في القائل له: ﴿كم لبثت﴾، على ثلاثة أقاويل (٣): أحدها: أنه ملك. يقال: لما أحياه الله بعث إليه ملكا فسأله كم لبثت؟ (٤) والثاني: نبي. والثالث: أنه بعض المؤمنين المعمرين ممن شاهده عند موته وإحيائه. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: قال: " لبثتُ ميتًا إلى أن بعثتني حيًّا يومًا واحدًا أو بعض يوم" (٥). قال الزمخشري: " ﴿أو بعض يوم﴾، بناء على الظن" (٦). قال القاسمي: " قاله بناء على التقريب والتخمين. أو استقصارا لمدة لبثه" (٧). قال المراغي: " قال لبثت يوما أو بعض يوم بناء على ظنه وتخمينه" (٨). قال الماوردي: "لأن الله تعالى أماته في أول النهار، وأحياه بعد مائة عام آخر النهار، فقال: يوماً، ثم التفت فرأى بقية الشمس فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ " (٩). قال البغوي: " وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال: لبثت يوما وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ بل بعض يوم" (١٠). قال الطبري: " فكان قوله: ﴿أو بعض يوم﴾ رجوعًا منه عن قوله: ﴿لبثت يومًا﴾ " (١١). أخرج ابن أبي حاتم بسنده " عن قتادة في قول الله: قال كم لبثت قال لبثت يوما ثم التفت، فرأى بقية الشمس قال أو بعض يوم" (١٢). قال ابن أبي حاتم: " وروي عن الحسن والربيع بن أنس نحو ذلك" (١٣). قوله تعالى: ﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، "أي: بل مكثت ميتاً مائة سنة كاملة" (١٤). قال ابن عثيمين: " ﴿بل﴾ هنا للإضراب الإبطالي، يعني: لم تلبث يوماً، أو بعض يوم؛ بل لبثت مائة عام" (١٥). قال القاسمي: " وإنما سأله تعالى ليظهر له عجره عن الإحاطة بشئونه. وأن إحياءه ليس بعد مدة يسيرة، ربما يتوهم أنه هيّن في الجملة، بل بعد مدة طويلة. وينحسم به مادة استبعاده بالمرة. ويطلع في تضاعيفه على

стр. 1978

أمر آخر من بدائع آثار قدرته تعالى. وهو إبقاء الغذاء المتسارع إلى الفساد بالطبع، على ما كان عليه دهرا طويلا، من غير تغيّر مّا" (١). قال علي بن ابي طالب: " خرج عزير نبي الله من مدينته، وهو شاب، فمر على قرية خربة ف قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه فأول ما خلق منه عيناه، فنظر إلى عظامه ينصب بعضها إلى بعض، ثم كسيت لحما، ثم نفخ فيه الروح، فقيل له: كم لبثت؟ قال: لبثت يوما أو بعض يوم، قال: بل لبثت مائة عام، قال: فأتى مدينته، وقد ترك جارا له إسكافا شابا، فجاء وهو شيخ" (٢). وقد اختلفوا في إدغام (الثّاء) في (التاء) من قوله تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، و ﴿لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩]، و [المؤمنون: ١١٢] (٣): القراءة الأولى: فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في كلّ القرآن ذلك بإظهار (الثاء). القراءة الثانية: وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائيّ بالإدغام. قال أبو علي: "من بيّن ﴿لبثت﴾ ولم يدغم، فلتباين المخرجين، وذلك أنّ الظاء والذال والثاء من حيّز، والطاء والتاء والدال من حيّز، فلمّا تباين المخرجان، واختلف الحيّزان لم يدغم، ومن أدغم أجراهما مجرى المثلين، من حيث اتفق الحرفان في أنّهما من طرف اللسان وأصول الثنايا، واتّفقا في الهمس، ورأى الذي بينهما من الاختلاف في المخرج خلافاً يسيراً فأدغم، وأجراهما مجرى المثلين. ويقوّي ذلك وقوع نحو هذا حرفي رويّ في قصيدة واحدة" (٤). قوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي" انظر إلى طعامك وشرابك الذي بقي مائة عام لم يتغير ولم يفسد" (٥). قال ابن عثيمين: " أبهمه الله فلم يبين من أي نوع هو [الطعام والشراب]؛ و «الطعام» كل ما له طعم من مأكول، ومشروب؛ لكنه إذا قرن بالشراب صار المراد به المأكول" (٦). قوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: "لم يتغيّر" (٧). قال الطبري: أي: " لم تغيِّره السِّنون التي أتت عليه" (٨). قال الراغب: " أي لم يتغير بمرور السنين عليه" (٩). قال القاسمي: " قال سبحانه ﴿فَانْظُرْ﴾، لتعاين أمرا آخر من دلائل قدرتنا [وهو أن طعامك وشرابك]، لم يتغيّر في هذه المدة المتطاولة مع تداعيه إلى الفساد" (١٠). أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن قتادة: "كان طعامه الذي معه، سلة من تين" (١١). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن وهب بن منبه ومجاهد، نحو ذلك" (١٢). وروي "عن السدي: فانظر إلى طعامك من التين والعنب" (١٣).

стр. 1979

وروي عن"وهب بن منبه في قوله: فانظر إلى طعامك وشرابك قال: قلة فيها ماء" (١). وقال قتادة: " وشرابه: زق من عصير" (٢). وروي " عن مجاهد: ﴿فانظر إلى طعامك﴾ قال: سلة تين، ﴿وشرابك﴾: قال: زق خمر" (٣). وذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ثلاثة أقوال (٤): الأول: معناه لم يتغيّر، من الماء الآسن وهو غير المتغير، وهذا قول ابن عباس (٥) ومجاهد-في أحد قوليه- (٦) والحسن (٧) وقتادة (٨) والسدي (٩) وابن زيد (١٠) والضحاك (١١)، وعكرمة (١٢)، وحميد الأعرج (١٣) وأبي مالك (١٤) ووهب (١٥) وبكر بن مضر (١٦)، ابن حجر (١٧). قال البغوي: " فكان التين كأنه قطف في ساعته والعصير كأنه عصر في ساعته" (١٨). القول الثاني: لم ينتن، قاله مجاهد (١٩). قال الطبري: " وأحسب أن مجاهدًا والربيع (٢٠) ومن قال في ذلك بقولهما، رأوا أن قوله: ﴿لم يتسنه﴾ من قول الله تعالى ذكره: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٨، ٣٣] بمعنى المتغير الريح بالنتن، من قول القائل: " تسنَّن ". وقد بينت الدلالة فيما مضى على أنّ ذلك ليس كذلك، فإن ظن ظانّ أنه من " الأسَن " من قول القائل: " أسِنَ هذا الماء يأسَنُ أسَنًا، كما قال الله تعالى ذكره: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]، فإنّ ذلك لو كان كذلك، لكان الكلام: فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتأسَّن، ولم يكن ﴿يتسنه﴾ " (٢١). القول الثالث: معناه لم تأتِ عليه السنون فيصير متغيراً، قاله أبو عبيد (٢٢)، وأبو عمرو بن العلاء (٢٣). قال ابن حجر: "أي: لم تمضي عليه السنون الماضية كأنه ابن ليلة" (٢٤).

стр. 1980

قال الطبري: "ومعنى قوله: ﴿لم يتسنَّه﴾، لم يأت عليه السنون فيتغيَّر، على لغة من قال: " أسنهت عندكم أسْنِه ": إذا أقام سنة، وكما قال الشاعر (١): وَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءٍ وَلا رُجَّبِيَّةٍ ... وَلكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الجَوائِحِ فجعل (الهاء) في (السنة) أصلا وهي اللغة الفصحى (٢) (٣). وقد اختار الأئمة: القول الأول؛ لأن مسنون-كما قال الزجاج-ليس معناه متغير، وإنما معناه: مصبوب على سنة الأرض (٤). وقوله تعالى: ﴿لم يتسنَّه﴾ [البقرة: ٢٥٩]، فيه وجهان من القراءة (٥): احدهما: ﴿لَمْ يَتَسَنَّ﴾، بحذف (الهاء) في الوصل، وإثباتها في الوقف، وهو قراءة يعقوب (٦) وعامة قراء الكوفة.

стр. 1981

قال أبو علي: "ولم يختلفوا في إثباتها في الوقف .. وكان حمزة يحذفهنّ في الوصل، وكان الكسائيّ يحذف الهاء في الوصل من قوله: ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ و ﴿اقْتَدِهْ﴾ ويثبتها في الوصل في الباقي" (١). والقراءة الثانية: ﴿لم يتسنَّه﴾، بإثبات (الهاء) في الوصل والوقف، وهذه قراءة عامة قرأة أهل المدينة والحجاز. قال أبو علي: "فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر هذه الحروف كلّها بإثبات الهاء في الوصل" (٢). قال الطبري: ": والصواب من القراءة عندي في ذلك إثباتُ " الهاء " في الوصل والوقف، لأنها مثبتةٌ في مصحف المسلمين، ولإثباتها وجهٌ صحيح في كلتا الحالتين في ذلك" (٣). وقد أخرج الطبري بسنده " عن سليمان بن عمير، قال: حدثني هانئ مولى عثمان، قال: كنت الرسول بين عثمان وزيد بن ثابت، فقال زيد: سله عن قوله: (لم يتسنّ)، أو (لم يتسنَّه)، فقال عثمان: اجعلوا فيها (هاء) " (٤). وقال هانئ البربري: "كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبيّ بن كعب فيها: ﴿لَمْ يَتَسَنَّ﴾ و ﴿فَأَمْهِلِ الْكَافِرِين﴾ [الطارق: ١٧] و ﴿لا تَبْدِيلَ لِلْخَلْقِ﴾ [الروم: ٣٠]، قال: فدعا بالدواة، فمحا إحدى اللامين وكتب: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، ومحا ﴿فأمْهِلْ﴾ وكتب ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾، وكتب: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ ألحق فيها (الهاء) " (٥). قال الطبري: " ولو كان ذلك من (يتسنى) أو (يتسنن) لما ألحق فيه أبيّ (هاء) لا موضع لها فيه، ولا أمرَ عثمان بإلحاقها فيها، وقد روي عن زيد بن ثابت في ذلك نحو الذي روي فيه عن أبيّ بن كعب" (٦). قال ابن عطية: "وقرأ ابن مسعود: (وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه)، وقرأ طلحة بن مصرف وغيره: (وانظر إلى طعامك وشرابك لمائة سنة) " (٧). قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، " يعني: انظر إلى عظام حمارك" (٨). قال ابن عثيمين: " أي: " انظر إليه بعينك، فنظر إلى حماره تلوح عظامه ليس فيه لحم، ولا عصب، ولا جلد" (٩). قال السدي: ﴿وانظر إلى حمارك﴾، وقد هلكت وبليت عظامه" (١٠). وقال مجاهد: " يعني قوله: ﴿وانظر إلى حمارك﴾: فنظر إلى حماره، حين يحييه الله" (١١).

стр. 1982

أخرج ابن أبي حاتم بسنده " عن عكرمة: ﴿وانظر إلى حمارك﴾، قال: لما قام نظر إلى مفاصله متفرقة، فمضى كل مفصل إلى صاحبه، فلما اتصلت المفاصل كسيت لحما" (١). وري عن الربيع بن أنس: " ﴿وانظر إلى حمارك﴾، وكأن حماره عنده كما هو" (٢). قال البغوي: " فنظر فإذا هو عظام بيض فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض فكساه اللحم والجلد وأحياه وهو ينظر" (٣). قال المراغي: " كيف نخرت عظامه، وتقطعت أوصاله وتمزقت، ليستبين لك طول لبثك، وتطمئن بذلك نفسك" (٤). وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وذكروا وجوها (٥): الأول: فقال بعضهم: قال الله تعالى ذكره ذلك له، بعد أن أحياه خلقًا سويًّا، ثم أراد أن يحيي حماره تعريفًا منه تعالى ذكره له كيفية إحيائه القرية التي رآها خاوية على عروشها، فقال: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾؟ مستنكرًا إحياء الله إياها. قاله وهب (٦)، والسدي (٧). الثاني: وقال آخرون منهم: بل قال الله تعالى ذكره ذلك له بعد أن نفخ فيه الروح في عينه، قالوا: وهي أول عضو من أعضائه نفخ الله فيه الروح، وذلك بعد أن سواه خلقًا سويًّا، وقبل أن يحيى حماره. قاله مجاهد (٨)، وابن جريج (٩). الثالث: وقال آخرون: بل جعل الله الروح في رأسه وبصره، وجسدُه ميتٌ، فرأى حماره قائمًا كهيئته يوم ربطه، وطعامه وشرابه كهيئته يوم حَلَّ البقعة. ثم قال الله له: انظر إلى عظام نفسك كيف ننشزها. قاله وهب (١٠)، والضحاك (١١)، وقتادة (١٢)، والربيع (١٣)، وابن زيد (١٤)، وبكر بن مضر (١٥). قال الطبري: " وأولى الأقوال في هذه الآية بالصواب قولُ من قال: إن الله تعالى ذكره بعث قائل: ﴿أنَّى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ من مماته، ثم أراه نظير ما استنكر من إحياء الله القرية التي مرّ بها بعد مماتها عيانًا من نفسه وطعامه وحماره. فحمل تعالى ذكره ما أراه من إحيائه نفسه وحماره مثلا لما استنكر من إحيائه أهل القرية التي مرّ بها خاويةً على عروشها، وجعل ما أراه من العِبرة في طعامه وشرابه، عبرة له وحجة عليه في كيفية إحيائه منازل القرية وجِنانها. وذلك هو معنى قول مجاهد الذي ذكرناه قبل، وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويل الآية، لأنّ قوله: ﴿وانظر إلى العظام﴾ إنما هو بمعنى: وانظر إلى العظام التي تراها ببصرك كيف ننشزُها، ثم نكسوها لحمًا، وقد كان حماره أدركه من البلى في قول أهل التأويل جميعًا نظيرُ الذي لحق عظامَ من خوطب بهذا الخطاب، فلم يمكن صرف معنى قوله: (وانظر إلى العظام) إلى أنه أمرٌ له بالنظر إلى

стр. 1983

عظام الحمار دون عظام المأمور بالنظر إليها، ولا إلى أنه أمر له بالنطر إلى عظام نفسه دون عظام الحمار. وإذْ كان ذلك كذلك، وكان البلى قد لحق عظامه وعظام حماره، كان الأولى بالتأويل أن يكون الأمرُ بالنظر إلى كل ما أدركه طرفه مما قد كان البلى لحقه، لأن الله تعالى ذكره جعل جميع ذلك عليه حجة وله عبرةً وعظةً" (١). واختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، على وجهين (٢): الأول: فقال الأكثرون: أراد به عظام حماره. الثاني: وقال قوم" "أراد به عظام هذا الرجل، وذلك أن الله تعالى لم يمت حماره بل أماته هو فأحيا الله عينيه ورأسه، وسائر جسده ميت، ثم قال: انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره قائما واقفا كهيئته يوم ربطه حيا لم يطعم ولم يشرب مائة عام ونظر إلى الرمة في عنقه جديدة لم تتغير، وتقدير الآية: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ وانظر إلى عظامك كيف ننشزها وفي الآية تقديم وتأخير، وتقديرهما: وانظر إلى حمارك، وانظر إلى العظام كيف ننشزها ولنجعلك آية للناس" (٣). قوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، " أي لنصيِّرك علامة للناس على قدرتنا" (٤). قال الطبري: " ولنجعلك حجة على من جهل قدرتي، وشكَّ في عظمتي" (٥). قال القاسمي: " أي فعلنا ما فعلنا، من إحيائك بعد ما ذكر، لتعاين ما استبعدته من الإحياء بعد دهر طويل. ولنجعلك آية للناس على البعث" (٦). عن الربيع بن أنس: "قوله: ﴿آية﴾، يقول: عبرة" (٧). قال ابن عطية: " معناه لهذا المقصد من أن تكون آية فعلنا بك هذا" (٨). قال المراغي: " أي فعلنا ما فعلنا من إحيائك وإحياء حمارك، وحفظ ما معك من الطعام والشراب، ليزيل تعجبك، ونريك آياتنا في نفسك وطعامك وشرابك، ولنجعلك آية للناس، أما كونه آية له فواضح، وأما كونه آية للناس فلأن علمهم بموته مائة عام ثم بحياته بعد ذلك يكون من أكبر الآيات التي يهتدى بها من يشاهدها، إلى كمال قدرة الله وعظيم سلطانه" (٩). وقيل: "كان آية للناس، بأنه جاء بعد مائة عام إلى ولده وولد ولده، شابًّا وهم شيوخ" (١٠). وقد اختلفوا في موضع كون هذا الرجل آية، على قولين (١١): الأول: قال الأعمش: "موضع كونه آية، هو أنه جاء شابا على حاله يوم مات، فوجد الحفدة والأبناء شيوخا" (١٢). قال عكرمة: " كان بعث ابن لمائة وأربعين، شابا، وكان ولده أبناء مائة سنة، وهم شيوخ" (١٣). وروي عن عبدالله مثله (١٤).

стр. 1984

قال ابن أبي حاتم: "وروي عن المنهال بن عمرو والأعمش قالا: جاء شاب وولده شيوخ" (١). والثاني: وقيل: " بل موضع كونه آية، أنه جاء وقد هلك كل من يعرف، فكان آية لمن كان حيا من قومه، إذ كانوا موقنين بحاله سماعا" (٢). وأخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن السدي، يعني قوله: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾، قال: فرجع إلى أهله، فوجد داره قد بيعت وبنيت وهلك من كان يعرفه، فقال: اخرجوا من داري، قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عزير. قالوا: أليس قد هلك عزير، منذ كذا وكذا؟ قال: فإني أنا هو، كان من حالي، وكان. فلما عرفوا ذلك، خرجوا له من الدار فدفعوها إليه" (٣). قال ابن عطية: " وفي إماتته هذه المدة، ثم إحيائه أعظم آية، وأمره كله آية للناس غابر الدهر، لا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض" (٤). وقال عباد بن منصور: "سألت الحسن، عن قوله: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾، قال: فكان هذا عبدا نفعه الله بما أراه من العبرة في نفسه وجعله آية للناس" (٥). قوله تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، " أي تأمل في عظام حمارك النخرة كيف نركّب بعضها فوق بعض وأنت تنظر" (٦). قال القاسمي" أي عظام الحمار لتشاهد كيفية الإحياء، [إذ] نرفع بعضها على بعض ونركبه عليه" (٧). قال المراغي: " أي إن القادر على أن يكسو هذه العظام لحما ويمدها بالحياة ويجعلها أصلا لجسم حى - قادر على أن يعيد الخصب والعمران للقرية، وكذلك القادر على الإحياء بعد لبث مائة سنة قادر على الإحياء بعد لبث الموتى آلاف السنين، فبعض أفعاله تعالى يشبه بعضا" (٨). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: : ﴿كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وجوها (٩): الأول: قال ابن عباس: " ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾: نشخصها عضوا عضوا" (١٠). الثاني: قال وهب بن منبه: "يعني في قوله: ﴿كيف ننشزها﴾ قال: فجعل ينظر إلى العظام، كيف يلتئم بعضها إلى بعض" (١١). الثالث: وعن السدي" "قوله: وانظر إلى العظام كيف ننشزها يقول: نحركها ثم نكسوها، فبعث الله ريحا، فجاءته بعظام الحمار من كل سهل وجبل، ذهبت به الطير والسباع، فاجتمعت، وركب بعضها في بعض، وهو ينظر، وصار حمارا من عظام، ليس له لحم ولا دم" (١٢). الرابع: وريوي: "عن أبي حفص مبشر بن عبيد، في قراءته: ﴿كيف ننشزها﴾، قال: نقيمها" (١٣).

стр. 1985

قال الطبري: " والذي هو أولى بتأويل الآية من القول، أن يقال: أن الله تعالى ذكره، أخبر أنه حمل الذي وصف صفته في هذه الآية حُجة للناس، فكان ذلك حُجة على من عرفه من ولده وقوْمه ممن علم موته، وإحياءَ الله إياه بعد مماته، وعلى من بُعث إليه منهم" (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أربعة قراءات (٢): الأولى: ﴿نُنْشِرُهَا﴾ بالراء المهملة وضم النون، قرأ بذلك ابن كثير ونافع وأبو عمرو وذلك قراءة عامة قرأة أهل المدينة، بمعنى: وانظر إلى العظام كيف نحييها، ثم نكسوها لحمًا، قاله مجاهد (٣)، وقتادة (٤)، وابن زيد (٥). قال الطبري: " واحتج بعض قرَأة ذلك بالراء وضم نون أوله، بقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]، فرأى أنّ من الصواب إلحاق قوله: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشرها﴾ به." (٦). قال الماوردي: "والنشور: الحياة بعد الموت، مأخوذ من نشر الثوب، لأن الميت كالمطوي، لأنه مقبوض عن التصرف بالموت، فإذا حَيِيَ وانبسط بالتصرف قيل: نُشِرَ وأُنشِر " (٧). والقراءة الثانية: قرأ بها الباقون ﴿ننشِزُها﴾، بالزاي المعجمة، يعني نرفع بعضها إلى بعض (٨)، وذلك قراءة عامة قرأة الكوفيين. وأصل (النشوز) الارتفاع، ومنه قيل: " قد نشز الغلام "، إذا ارتفع طوله وشبَّ، ومنه " نشوز المرأة " على زوجها، بأن تطيح ببصرها إلى بشر صارفة له عن زوجها، كقول الفرزدق (٩): إدا جلست عند الإمام كأنها ... بها رفقة من ساعة يستحيلها وكقول الأخر (١٠): إذا الليل عن نشز تخلى رميته ... بأمثال أبصار النساء القواري ومن ذلك قيل للمكان المرتفع من الأرض: " نَشَز ونَشْز ونشاز "، ، فإذا أردت أنك رفعته، قلت: " أنشزته إنشازًا "، و " نشز هو "، إذا ارتفع (١١). فمعنى قوله: " ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾ في قراءة من قرأ ذلك بالزاي: كيف نرفعُها من أماكنها من الأرض فنردُّها إلى أماكنها من الجسد" (١٢). وبه قال ابن عباس (١٣)، والسدي (١٤).

стр. 1986

القراءة الثالثة: وقرأ ذلك بعضهم: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نَنْشُرُهَا﴾، بفتح النون من أوله وبالراء. كأنّه وجّه ذلك إلى مثل معنى: نَشْرِ الشيء وطيِّه، وذلك قراءة غير محمودة، لأن العرب لا تقول: نشر الموتى، وإنما تقول: " أنشر الله الموتى "، فنشروا هم " بمعنى: أحياهم فحيُوا هم. ويدل على ذلك قوله: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) وقوله: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) [الأنبياء: ٢١]؛ .. وعلى أنه إذا أريد به حَيِي، الميت وعاش بعد مماته، قيل: نَشَر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة (١): حَتَّى يَقُولَ النَّاسَ مِمَّا رَأَوْا: ... يَا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ وروي سماعًا من العرب: " كان به جَرَبٌ فنَشَر "، إذا عاد وَحَيِيَ" (٢). القراءة الرابعة: وقرأ أبي بن كعب: ﴿كيف ننشيها﴾ بالياء (٣). قال الطبري: " والقول في ذلك عندي أنّ معنى " الإنشاز " ومعنى " الإنشار " متقاربان، لأن معنى " الإنشاز ": التركيبُ والإثبات ورد العظام إلى العظام، ومعنى " الإنشار " إعادة الحياة إلى العظام، وإعادتها لا شك أنه ردُّها إلى أماكنها ومواضعها من الجسد بعد مفارقتها إياها. فهما وإن اختلفا في اللفظ، فمتقاربا المعنى. وقد جاءت بالقراءة بهما الأمة مجيئًا يقطعُ العذر ويوجب الحجة، فبأيِّهما قرأ القارئ فمصيب، لانقياد معنييهما، ولا حجة توجب لإحداهما القضاءَ بالصواب على الأخرى، فإن ظنّ ظانٌ أن " الإنشارَ " إذا كان إحياءً، فهو بالصواب أولى، لأن المأمور بالنظر إلى العظام وهي تنُشر إنما أمر به ليرى عيانًا ما أنكره بقوله: ﴿أنَّى يحيي هذه الله بعد موتها﴾؟ [فقد أخطأ]، فإن إحياء العظام لا شك في هذا الموضع، إنما عنى به ردُّها إلى أماكنها من جسد المنظور إليه، وهو يُحيى، لإعادة الروح التي كانت فارقتها عند الممات. والذي يدل على ذلك قوله: ﴿ثم نكسوها لحمًا﴾، ولا شك أن الروح إنما نفخت في العظام التي أنشزت بعد أن كسيت اللحم. وإذ كان ذلك كذلك، وكان معنى " الإنشاز " تركيب العظام وردها إلى أماكنها من الجسد، وكان ذلك معنى " الإنشار " وكان معلومًا استواء معنييهما، وأنهما متفقا المعنى لا مختلفاه، ففي ذلك إبانة عن صحة ما قلنا فيه، وأما القراءة الثالثة، فغير جائزةٍ القراءةُ بها عندي، وهي قراءة من قرأ: " كَيْفَ نَنْشُرُهَا " بفتح النون وبالراء، لشذوذها عن قراءة المسلمين، وخروجها عن الصحيح الفصيح من كلام العرب" (٤). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، " أي نسترها به" (٥). قال ابن عثيمين: " أي نسترها باللحم؛ فشاهد ذلك بعينه، فاجتمع عنده آيتان من آيات الله؛ إبقاء ما يتغير على حاله - وهو طعامه، وشرابه؛ وإحياء ما كان ميتاً - وهو حماره" (٦). قال ابن عطية: " والكسوة: ما وارى من الثياب، وشبه اللحم بها" (٧).

стр. 1987

قال الطبري: " نكسوها ": نُلبسها ونُواريها به كما يواري جسدَ الإنسان كسوتُه التي يلبَسُها. وكذلك تفعل العرب، تجعل كل شيء غطَّى شيئًا وواراه، لباسًا له وكُسوة، ومنه قول النابغة الجعدي (١): فَالْحَمْدُ للهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي ... حَتَّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإسْلامِ سِرْبَالا فجعل الإسلام - إذ غطَّى الذي كان عليه فواراه وأذهبه - كُسوةً له وسِربالا" (٢). قال السدي: "إن الله كسا العظام لحما ودما، فقام حمارا من لحم ودم، ليس في روح، ثم أقبل ملك يمشي، حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه، فنهق الحمار" (٣). وروي" عن عكرمة يعني قوله: ﴿ثم نكسوها لحما﴾، قال: لما اتصلت المفاصل، كسيت لحما، ثم كسي اللحم عصبا، ثم مد الجلد عليها، ثم نفخ في منخره، فنهق" (٤). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: " فلما تبين له ما أشكل عليه، يعنى أمر إحياء الموتى" (٥). قال الصابوني: " أي فلما رأى الآيات الباهرات" (٦). قال القاسمي"أي: اتضح له إعادته مع طعامه وشرابه وحماره، بعد التلف الكليّ، وظهر له كيفية الإحياء" (٧). قال المراغي: "أي فلما ظهر له إحياء الميت عيانا" (٨). قال ابن عثيمين: أي تبين لهذا الرجل - الذي مر على القرية، واستبعد أن يحييها الله بعد موتها؛ أو استبطأ أن الله يحييها بعد موتها، وحصل ما حصل من آيات الله بالنسبة له، ولحماره، ولطعامه، وشرابه - تبين له الأمر الذي تحقق به قدرة الله " (٩). قال الطبري: أي: " فلما اتضح له عيانًا ما كان مستنكرًا من قدرة الله وعظمته عنده قبل عيانه ذلك، قالَ أَعْلَمُ " (١٠). اعترض عليه ابن عطية قائلا: " وهذا خطأ لأنه ألزم ما لا يقتضيه اللفظ، وفسر على القول الشاذ والاحتمال الضعيف" (١١).

стр. 1988

قال الزمخشري: " وقرأ ابن عباس رضى الله عنهما: ﴿فلما تبين له﴾، على البناء للمفعول" (١). قوله تعالى: ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، " قال أيقنت وعلمت علم المشاهدة أن الله على كل شيء قدير" (٢). قال القاسمي: " فخرج من الظلمات إلى النور." (٣). قال ابن كثير: "أي: أنا عالم بهذا وقد رأيته عيانًا فأنا أعلم أهل زماني بذلك" (٤). قال المراغي: " قال: أعلم علما يقينيّا مؤيدا بآيات الله في نفسى وفي الآفاق، أن الله على كل شاء من الأشياء التي من جملتها ما شاهدته، قدير لا يستعصى عليه أمر" (٥). قال الحسن: " ذكر لنا- والله أعلم- أن أول شيء خلقه الله منه، عيناه، ثم جعل يخلق بعد، بقية خلقه وهو ينظر بعينيه، كيف يكسو العظام لحما، ليعتبر ويعلم أن الله يحي الموتى، وأنه على كل شيء قدير، فلما رأى ما أراه الله من ذلك، أجاب ربه خيرا، في معرفته، فقال: ﴿أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ " (٦). وقال محمد بن إسحاق: " ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾، أي: إن الله على كل ما أراد بعباده، من نقمة، أو عفو قدير" (٧). قال ابن عثيمين: و «العلم» - كما سبق - هو إدراك الشيء إدراكاً جازماً مطابقاً لما هو عليه؛ وعدم الإدراك هو الجهل البسيط؛ وإدراك الشيء على غير ما هو عليه: هو الجهل المركب؛ وعدم الجزم: شك؛ أو ظن؛ أو وهم؛ فإن تساوى الأمران فهو شك؛ وإن ترجح أحدهما فالراجح ظن؛ والمرجوح وهم (٨). وأما والـ «القدرة» فصفة تقوم بالقادر بحيث يفعل الفعل بلا عجز؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً﴾ [فاطر: ٤٤]: لما نفى أن يعجزه شيء قال تعالى: ﴿إنه كان عليماً قديراً﴾ فلما نفى العجز، ذكر القدرة، والعلم مقابلها" (٩). واختلفت القراءة في قوله تعالى " ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، على قراءتين (١٠): القراءة الأولى: ﴿قَالَ اعْلَمْ﴾، على معنى الأمر، بوصل (الألف) من (اعلم)، وجزم (الميم) منها، وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة، ويذكرون أنها في قراءة عبد الله: ﴿قِيلَ اعْلَمْ﴾، على وجه الأمر من الله الذي أحيي بعد مماته، فأمر بالنظر إلى ما يحييه الله بعد مماته. وكذلك روي عن ابن عباس (١١). وقال الربيع: "ذكر لنا، والله أعلم، أنه قيل له: ﴿انظر﴾، ! فجعل ينظر إلى العظام كيف يتواصَلُ بعضها إلى بعض، وذلك بعينيه، فقيل: ﴿اعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ (١٢).

стр. 1989

قال أبو علي: " قال: أَعْلَمُ على لفظ الأمر، فالمعنى: يؤول إلى الخبر، وذاك أنّه لما تبيّن له ما تبيّن من الوجه الذي ليس لشبهة عليه منه طريق، نزّل نفسه منزلة غيره، فخاطبها كما يخاطب سواها فقال: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وهذا مما تفعله العرب، ينزّل أحدهم نفسه منزلة الأجنبيّ فيخاطبها كما تخاطبه قال (١): تذكّر من أنّى ومن أين شربه ... يؤامر نفسيه كذي الهجمة الأبل فجعل عزمه على وروده الشرب له لجهد العطش، وعلى تركه الورود مرة لخوف الرامي وترصّد القانص نفسين له. ومن ذلك قول الأعشى (٢): أرمي بها البيد إذا هجّرت ... وأنت بين القرو والعاصر فقال: أنت، وهو يريد نفسه، فنزّل نفسه منزلة سواه في مخاطبته لها مخاطبة الأجنبيّ. ومثل ذلك قوله (٣): ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعاً أيّها الرّجل فقال: ودّع، فخاطب نفسه كما يخاطب غيره، ولم يقل: لأودّع، وعلى هذا قال: أيّها الرجل، وهو يعني نفسه. وقال (٤): ألم تغتمض عيناك ليلة أرمداً فكذلك قوله لنفسه ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، نزّله منزلة الأجنبيّ المنفصل منه، لتنبهه على ما تبيّن له ممّا كان أشكل عليه. قال أبو الحسن (٥): وهو أجود في المعنى" (٦) (٧).

стр. 1990

القراءة الثانية: ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾، على وجه الخبر عن نفسه للمتكلم به، بهمز (ألف) ﴿أعلم﴾ وقطعها، ورفع (الميم)، بمعنى: "فلما تبين له من قدرة الله وعظيم سلطانه بمعاينته ما عاينه، قال المتبيِّن ذلك: أعلم الآن أنا أنّ الله على كل شيء قدير" (١). وبذلك قرأ عامة قرأة أهل المدينة، وبعض قرأة أهل العراق، وبذلك فسّر معناه، جماعة من أهل التفسير: منهم وهب (٢)، وقتادة (٣)، والسدي (٤)، والضحاك (٥)، وابن يد (٦). قال الطبري: " وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: ﴿اعْلَمْ﴾، بوصل (الألف) وجزم (الميم)، على وجه الأمر من الله تعالى ذكره للذي قد أحياه بعد مماته، بالأمر بأن يعلم أن الله الذي أراه بعينيه ما أراه من عظيم قدرته وسلطانه، من إحيائه إياه وحمارَه بعد موت مائة عام وبَلائه، حتى عادَا كهيئتهما يوم قبض أرواحهما، وحفظِه عليه طعامه وشرابه مائة عام حتى ردَّه عليه كهيئته يوم وضعه غير متغير، على كل شيء قادرٌ كذلك، وإنما اخترنا قراءة ذلك كذلك وحكمنا له بالصواب دون غيره; لأن ما قبله من الكلام أمرٌ من الله تعالى ذكره: قولا للذي أحياه الله بعد مماته، وخطابًا له به، وذلك قوله: ﴿فانظر إلى طعامك وشرَابك لم يتسنَّه وانظر إلى حمارك ... وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾، فلما تبين له ذلك جوابًا عن مسألته ربَّه: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ قال الله له: ﴿اعلم أن الله﴾ الذي فعل هذه الأشياء على ما رأيت على غير ذلك من الأشياء قديرٌ كقدرته على ما رأيت وأمثاله، كما قال تعالى ذكره لخليله إبراهيم ﷺ بعد أن أجابه عن مسألته إياه في قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فأمر إبراهيم بأن يعلم، بعد أن أراه كيفية إحيائه الموتى، أنه عزيز حكيم، فكذلك أمر الذي سأل فقال: ﴿أنّى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ بعد أن أراه كيفية إحيائه إياها أن يعلم أنّ الله على كل شيء قدير" (٧). وقال ابن عطية: قوله تعالى ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: "أنا أعلم أن الله على كل شيء قدير، وهذا عندي ليس بإقرار بما كان قبل ينكره كما زعم الطبري، بل هو قول بعثه الاعتبار كما يقول الإنسان المؤمن إذا رأى شيئا غريبا من قدرة الله: الله لا إله إلا هو ونحو هذا. وقال أبو علي: "معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته قبل" (٨). قال ابن عطية: يعني علم المعاينة" (٩). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بلاغة القرآن، حيث ينوع الأدلة، والبراهين على الأمور العظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿أو كالذي مر على قرية﴾؛ فهذه الآية وما قبلها، وما بعدها كلها في سياق قدرة الله على إحياء الموتى.

стр. 1991

٢ - ومنها: الإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يهتم الإنسان بأعيان أصحاب القصة؛ إذ لو كان هذا من الأمور المهمة لكان الله يبين ذلك: يقول: فلان؛ ويبين القرية. ٣ - ومنها: أن العبرة بالمعاني والمقاصد دون الأشخاص. ٤ - ومنها: إطلاق القرية على المساكن؛ لقوله تعالى: ﴿وهي خاوية على عروشها﴾ مع أنه يحتمل أن يراد بهذه الآية المساكن، والساكن؛ لأن كونها خاوية على عروشها يدل على أن أهلها أيضاً مفقودون، وأنهم هالكون. ٥ - ومنها: قصور نظر الإنسان، وأنه ينظر إلى الأمور بمعيار المشاهَد المنظور لديه؛ لقوله هذا الرجل: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾؛ فكونك ترى أشياء متغيرة لا تستبعد أن الله يزيل هذا التغيير؛ وكم من أشياء قدَّر الناس فيها أنها لن تزول، ثم تزول؛ كم من أناس أمَّلوا دوام الغنى، ودوام الأمن، ودوام السرور، ثم أعقبه ضد ذلك؛ وكم من أناس كانوا على شدة من العيش، والخوف، والهموم، والغموم، ثم أبدلهم الله بضد ذلك. ٦ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان إذا استبعد وقوع الشيء - ولكنه لم يشك في قدرة الله - لا يكفر بهذا. ٧ - ومنها: بيان قدرة الله في إماتة هذا الرجل لمدة معينة، ثم إحيائه؛ لقوله تعالى: ﴿فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾. ٨ - ومنها: إثبات الكلام لله ، والقول، وأنه بحرف، وصوت مسموع؛ لقوله تعالى: ﴿قال كم لبثت﴾؛ والأولى الأخذ بظاهر القرآن، وأن القائل هو الله . ٩ - ومنها: جواز امتحان العبد في معلوماته؛ لقوله تعالى: ﴿كم لبثت﴾. ١٠ - ومنها: الرد على الأشاعرة الذين قالوا: «إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأن هذه الأصوات التي سمعها موسى، ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - وغيرهما ممن كلمه الله هي أصوات خلقها الله لتعبر عما في نفسه»؛ وأن هذا القول مقتضاه إنكار القول من الله . ١١ - ومنها: بيان حكمة الله، حيث أمات هذا الرجل، ثم بعثه ليتبين له قدرة الله . ١٢ - ومنها: جواز إخبار الإنسان بما يغلب على ظنه، وأنه إذا خالف الواقع لا يعد مخطئاً؛ لقوله تعالى: ﴿قال لبثت يوماً أو بعض يوم﴾ مع أنه لبث مائة عام. ١٣ - ومنها: أن الله قد يمنّ على عبده بأن يريه من آياته ما يزداد به يقينه؛ لقوله تعالى: ﴿فانظر إلى طعامك ... ﴾ إلخ. ١٤ - ومنها: أن قدرة الله فوق ما هو معتاد من طبيعة الأمور، حيث بقي هذا الطعام والشراب مائة سنة لم يتغير. ١٥ - ومنها: الرد على أهل الطبيعة الذين يقولون: إن السنن الكونية لا تتغير؛ لقوله تعالى: ﴿لم يتسنه﴾: لكون هذا الطعام، والشراب لم يتغير لمدة مائة سنة، والرياح تمر به، والشمس، والحر. ١٦ - ومنها: جواز الانتفاع بالحُمُرِ؛ لقوله تعالى: ﴿وانظر إلى حمارك﴾. ١٧ - ومنها: ثبوت الملكية فيها: لأن الله أضاف الحمار إلى صاحبه؛ فقال تعالى: ﴿حمارك﴾؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين قول النبي ﷺ : «إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» (١)؛ وإثبات الملكية يقتضي حل الثمن؟

стр. 1992

فالجواب: أنها إذا بيعت للأكل فهو حرام؛ لأنه هو المحرم؛ وأما إذا بيعت للانتفاع فهذا حلال؛ لأن الانتفاع بها حلال؛ إذاً فهذا لا يعارض الحديث؛ فإذا اشترى الحمار للأكل فالثمن حرام؛ وإن اشتراه للمنفعة فالمنفعة حلال، وثمنها حلال. ١٨ - ومن فوائد الآية: أن الله يحدث للعبد ما يكون عبرة لغيره؛ لقوله تعالى: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾؛ ومثل ذلك قوله تعالى في عيسى بن مريم، وأمه: ﴿والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين﴾ [الأنبياء: ٩١]. ١٩ - ومنها: أنه ينبغي التفكر فيما خلقه الله ، وأحدثه في الكون؛ لأن ذلك يزيد الإيمان، حيث إن هذا الشيء آية من آيات الله. ٢٠ - ومنها: أنه ينبغي النظر إلى الآيات على وجه الإجمال، والتفصيل؛ لقوله تعالى: ﴿وانظر إلى حمارك﴾: مطلق؛ ثم قال تعالى: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها ... ﴾ إلخ؛ فيقتضي أن نتأمل أولاً في الكون من حيث العموم، ثم من حيث التفصيل؛ فإن ذلك أيضاً يزيدنا في الإيمان. ٢١ - ومنها: أن الله جعل اللحم على العظام كالكسوة؛ بل هو كسوة في الواقع؛ لقوله تعالى: ﴿ثم نكسوها لحماً﴾، وقال تعالى: ﴿فكسونا العظام لحماً﴾ [المؤمنون: ١٤]؛ ولهذا تجد اللحم يقي العظام من الكسر والضرر؛ لأن الضرر في العظام أشد من الضرر في اللحم. ٢٢ - ومنها: أن الإنسان بالتدبر، والتأمل، والنظر يتبين له من آيات الله ما لا يتبين لو غفل؛ لقوله تعالى: ﴿فلما تبين له ... ﴾ إلخ. ٢٣ - ومنها: بيان عموم قدرة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿على كل شيء قدير﴾. ٢٤ - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: ﴿على كل شيء قدير﴾؛ لأن من الأشياء فعل العبد؛ والله قادر على فعل العبد؛ وعند القدرية المعتزلة أن الله ليس بقادر على أفعال العبد؛ لأن العبد عندهم مستقل خالق لفعله، وأن الله لم يخلق أفعاله. ٢٥ - ومنها: الرد على منكري قيام الأفعال الاختيارية بالله ؛ لقوله تعالى: ﴿فأماته الله ... ثم بعثه﴾؛ وهذه أفعال متعلقة بمشيئته، واختياره: متى شاء فعل، ومتى شاء لم يفعل؛ متى شاء خلق، ومتى شاء أمات؛ ومتى شاء أذل، متى شاء أعز. ٢٦ - ومنها: أن كلام الله بحروف، وأصوات مسموعة؛ لقوله تعالى: ﴿كم لبثت﴾، وقوله تعالى: ﴿بل لبثت مائة عام﴾؛ فإن مقول القول حروف بصوت سمعه المخاطَب، وأجاب عليه بقوله: ﴿لبثت يوماً أو بعض يوم﴾؛ ولكن الصوت المسموع من كلام الله ليس كصوت المخلوقين؛ الحروف هي الحروف التي يعبر بها الناس؛ لكن الصوت: لا؛ لأن الصوت صفة الرب ؛ والله يقول: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]. ٢٧ - ومنها: أنه يلزم من النظر في الآيات العلم، واليقين؛ لقوله تعالى: ﴿فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾. ٢٨ - ومنها: أنه يمكن الرد على الجبرية على قراءة: «اعلم»؛ لأنه لو كان الإنسان مجبوراً لكان توجه الخطاب إليه بالأمر والتكليف، لغواً وعبثاً. ٢٩ - ومنها: ثبوت كرامات الأولياء؛ وهي كل أمر خارق للعادة يجريه الله على يد أحد أوليائه تكريماً له، وشهادةً بصدق الشريعة التي كان عليها؛ ولهذا قيل: كل كرامة لوليّ فهي آية للنبي الذي اتبعه؛ و «الولي» كل مؤمن تقي؛ لقوله تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣]. ٣٠ - ومنها: وجوب العلم بأن الله على كل شيء قدير.

стр. 1993

القرآن ﴿َإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] التفسير: واذكر -أيها الرسول- طلب إبراهيم من ربه أن يريه كيفية البعث، فقال الله له: أَوَلم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن أطلب ذلك لأزداد يقينًا على يقيني، قال: فخذ أربعة من الطير فاضممهن إليك واذبحهن وقطعهن، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا، ثم نادِهن يأتينك مسرعات. فنادى إبراهيم ﵇، فإذا كل جزء يعود إلى موضعه، وإذا بها تأتي مسرعة. واعلم أن الله عزيز لا يغلبه شيء، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، " ألم تر إذ قال إبراهيم" (١). قال الطبري: " وإنما صلح أن يعطف بقوله: ﴿وإذ قال إبراهيم﴾ على قوله: ﴿أو كالذي مرّ على قرية﴾، وقوله: ﴿ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه﴾، لأن قوله: ﴿ألم تر﴾ ليس معناه: ألم تر بعينيك، وإنما معناه: ألم تر بقلبك، فمعناه: ألم تعلم فتذكر، فهو وإن كان لفظه لفظ " الرؤية " فيعطف عليه أحيانًا بما يوافق لفظه من الكلام، وأحيانًا بما يوافق معناه" (٢). و﴿إبراهيم﴾ ﷺ هو الأب الثالث للأنبياء؛ فالأول: آدم؛ والثاني: نوح؛ والثالث: إبراهيم، كما قال الله : ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى في نوح: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ [الصافات: ٧٧]؛ وآدم معلوم أنه أبو البشر: قال الله تعالى: ﴿يا بني آدم﴾ [الأعراف: ٢٦] (٣). قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: ربّي " اجعلني أنظر، وأرى بعيني" (٤)، كيف تحيي الموتى. قال ابن عثيمين: "والسؤال هنا عن الكيفية لا عن الإمكان؛ لأن إبراهيم لم يشك في القدرة؛ ولا عن معنى الإحياء؛ لأن معنى الإحياء عنده معلوم؛ لكن أراد أن يعلم الكيفية: كيف يحيي الله الموتى بعد أن أماتهم، وصاروا تراباً وعظاماً" (٥). قال الصابوني: " سأل الخليل عن الكيفية مع إِيمانه الجازم بالقدرة الربانية، فكان يريد أن يعلم بالعيان ما كان يوقن به بالوجدان" (٦). وقوله تعالى: ﴿الموتى﴾: يحتمل وجهين (٧): الأول: أيّ موتى يكونون. الثاني: أن المراد به الموتى من بني آدم. إذا نظرنا إلى لفظ ﴿الموتى﴾ وجدناه عاماً؛ يعني أيّ شيء يحييه الله أمامه فقد أراه؛ فيترجح الاحتمال الأول. واختلف أهل التفسير في سبب مسألة إبراهيم، على أقوال (٨):

стр. 1994

الأول: أنه أنه رأى دابة قد تقسَّمتها السباعُ والطيرُ، فسأل ربه أن يريه كيفية إحيائه إياها، وهذا قول ابن عباس (١)، وقتادة (٢)، والضحاك (٣)، وابن جريج (٤)، وابن يد (٥). قال الطبري: " فيزداد يقينًا برؤيته ذلك عيانًا إلى علمه به خبرًا، فأراه الله ذلك مثلا بما أخبر أنه أمره به" (٦). والثاني: لمنازعة النمرود له في الإحياء، قاله ابن إسحاق (٧)، والحسن (٨) فيما معناه. قال الطبري: القولان الأول والثاني: " متقاربا المعنى، في أن مسألة إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، كانت ليرى عيانًا ما كان عنده من علم ذلك خبرًا" (٩). الثالث: وقال آخرون: بل كانت مسألته ذلك ربَّه عند البشارة التي أتته من الله بأنه اتخذه خليلا فسأل ربه أن يريه عاجلا من العلامة له على ذلك، ليطمئن قلبه بأنه قد اصطفاه لنفسه خليلا ويكون ذلك لما عنده من اليقين مؤيِّدًا. وإلى هذا القول ذهب الطحاوي (١٠)، وهو المروي عن السدي (١١)، وسعيد بن جبير (١٢)، وعبدالله بن المبارك (١٣). الرابع: وقيل: قال ذلك لربه لأنه شك في قدرة الله على إحياء الموتى. روي فيما معنى ذلك عن عطاء بن أبي رباح (١٤)، وابن عباس (١٥)، وعطاء (١٦)، وهذا اختيار الطبري (١٧). واستندوا في قولهم على ما روي عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " نحنُ أحق بالشك من إبراهيم، قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال أولم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " (١٨) (١٩).

стр. 1995

قال الطبري، مرجحا هذا القول: " وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، ما صحَّ به الخبر عن رسول الله صلى أنه قال، وهو قوله: " نحن أحق بالشك من إبراهيم، قال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال أولم تؤمن؟ " (١)، وأن تكون مسألته ربَّه ما سأله أن يُريه من إحياء الموتى لعارض من الشيطان عرضَ في قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفًا (٢): من أن إبراهيم لما رأى الحوت الذي بعضه في البر وبعضه في البحر، قد تعاوره دواب البر ودواب البحر وطير الهواء، ألقى الشيطان في نفسه فقال: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فسأل إبراهيم حينئذ ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، ليعاين ذلك عيانًا، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أن يلقي في قلبه مثل الذي ألقي فيه عند رؤيته ما رأى من ذلك. فقال له ربه: ﴿أولم تؤمن﴾؟ يقول: أولم تصدق يا إبراهيم بأني على ذلك قادر؟ قال: بلى يا رب! لكن سألتك أن تريني ذلك ليطمئن قلبي، فلا يقدر الشيطان أن يلقي في قلبي مثل الذي فعل عند رُؤيتي هذا الحوت" (٣)، وكذا روي عن ابن يد (٤). وقد اعترض ابن عطية على هذا القول، فقال: " فأما قول ابن عباس: هي أرجى آية فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست مظنة ذلك، ويجوز أن يقول: هي أرجى آية لقوله، أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ أي إن الإيمان كاف لا يحتاج بعده إلى تنقير وبحث، وأما قول عطاء بن أبي رباح: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فمعناه من حب المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به،

стр. 1996

ولهذا قال النبي ﵇: «ليس الخبر كالمعاينة» (١)، وأما قول النبي ﵇ نحن أحق بالشك من إبراهيم فمعناه: أنه لو كان شك لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك، فإبراهيم ﵇ أحرى أن لا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم. والذي روي فيه عن النبي ﵇ أنه قال: ذلك محض لإيمان إنما هو في الخواطر الجارية التي لا تثبت، وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن الخليل ﵇. وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم ﵇ أعلم به، يدلك على ذلك قوله: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨] فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوءة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعا، وإذا تأملت سؤاله ﵇ وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكا، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو عن حال شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسئول، نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله، وقد تكون كَيْفَ خبرا عن شيء شأنه أن يستفهم عنه، كَيْفَ نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدء الوحي، وكَيْفَ في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبر عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح، فليزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح، مثال ذلك أن يقول مدع: أنا أرفع هذا الجبل، فيقول له المكذب: أرني كيف ترفعه؟ فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناها تسليم جدلي، كأنه يقول افرض أنك ترفعه أرني كيف؟ فلما كان في عبارة الخليل ﵇ هذا الاشتراك المجازي، خلص الله له ذلك وحمله على أن يبين الحقيقة فقال له: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى، فكمل الأمر وتخلص من كل شك، ثم علل ﵇ سؤاله بالطمأنينة" (٢). واعترض كثير من المفسرين على اختيار الطبري، فهذا القاسمي يقول، " وحكى ابن جرير عن طائفة من أهل العلم أنه سأل ذلك لأنه شك في قدرة الله، واستدلوا بما صح عنه ﷺ وفي الصحيحين وغيرهما من قوله: «نحن أحقّ بالشك من إبراهيم» (٣)، وبما روي عن ابن عباس أنه قال: "ما في القرآن عندي آية أرجى منها، إذ رضي الله من إبراهيم قوله ﴿بَلى﴾، قال فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان" (٤)، أخرجه عنه الحاكم في المستدرك وصححه، ورجح هذا ابن جرير بعد حكايته له، قال ابن عطية: "وهو عندي مردود" (٥). يعني قول هذه الطائفة" (٦). والراجح أن سيدنا إبراهيم ﵇ لم يشك في قدرة الله على إحياء الموتى، ولكنه أراد أن يتحول من علم اليقين الذي أوحاه الله إليه إلى عين اليقين وهو ما تراه العين وتشاهده، حتى يزداد القلب اطمئنانا على ما به من إيمان، وكيف يشك إبراهيم ﵇ في إحياء الله الموتى، وقد حاج الملك وبرهن له على قدرة الله ﵎ على كل شيء ومنها إحياء الموتى، فكيف يحاجج الملك بما يشك فيه؟ ! (٧).

стр. 1997

قال المراغي: "وليس في سؤال إبراهيم ما يشعر بالشك، فالإنسان قد جبل على طلب المزيد في العلم والرغبة في الوقوف على أسرار الخليقة، وأكمل الناس علما أشدهم رغبة في طلب الوقوف على المجهولات، فطلب إبراهيم رؤية كيفية إحياء الموتى طلب للطمأنينة فيما تنزع إليه نفسه من معرفة خفايا أسرار الربوبية، لا طلب للطمأنينة بالبعث إذ قد عرفه بالوحى والدليل" (١). فنعتقد جزما بأنه ليس المقصود هنا أن إبراهيم-﵇ كان يشك في قدرة الله تعالى على الإحياء، ونحتجّ بذلك في وجهين: الأول: أن إبراهيم-﵇ قد قال ﴿بلى﴾، وهذا يزيل كل لبس، وينفي كل توهم في نسبة الشك في القدرة إلى إبراهيم. والاستفهام في قوله تعالى: ﴿أولم تؤمن﴾ للتقرير، وليس للإنكار ولا للنفي، فهو كقوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح: ١] يعني: قد شرحنا لك، فمعنى ﴿أولم تؤمن﴾: ألست قد آمنت. لتقرير إيمان إبراهيم-﵇ (٢).

стр. 1998

قال ابن عطية: " إحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم أعلم به، يدلك على ذلك قوله: ﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً" (١). الثاني: أن سؤال إبراهيم ﵇ إنما هو عن الكيفية، لا عن الإمكان كما هو صريح قوله: ﴿كيف تحيي الموتى﴾. قال ابن عطية: " وإذا تأملت سؤاله ﵇، وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكاً، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو عن حال شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول. نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله ... و ﴿كيف﴾ في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر" (٢). قال الماوردي: " ولأي الأمرين كان، فإنه أحب أن يعلم ذلك علم عيان بعد علم الاستدلال (٣). قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: " ألست قد آمنت؛ لتقرير إيمان إبراهيم ﷺ " (٤). قال الأخفش: " ألست قد صدقت" (٥). قال المراغي: " ألم تعلم ذلك وتؤمن يأنى قادر على الإحياء كيف أشاء حتى تسألنى إراءته؟ " (٦). قال الشوكاني: " أي ألم تعلم ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء حتى تسألني إراءته" (٧). قال ابن عباس: " قال أولم تؤمن يا إبراهيم أني أحي الموتى؟ قال بلى يا رب" (٨). والاستفهام في قوله ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ للتقرير، فهو كقول جرير (٩): ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح أي: أنتم خير الخلائق. قال ابن حجر: " الاستفهام للتقرير، ووجهه: أنه طلب الكيفية، وهو مشعر بالتصديق بالإِحياء" (١٠). وروي "عن سعيد بن جبير في قوله: أولم تؤمن قال بلى يعني: أو لم تؤمن أني خليلك" (١١). وروي عن السدي (١٢) نحوه. قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: " أي بلى آمنت" (١٣).

стр. 1999

قال المراغي: " قال بلى علمت ذلك وصدقت بالخبر" (١). قال الشوكاني: " علمت وآمنت بأنك قادر على ذلك" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، " أي: ليزداد طمأنينة" (٣). قال الطبري: " ليسكن ويهدأ باليقين الذي يستيقنه" (٤). قال القرطبي: " أي سألتك ليطمئن قلبي بحصول الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا" (٥). قال البغوي: " أي ليسكن قلبي إلى المعاينة والمشاهدة، أراد أن يصير له علم اليقين عين اليقين، لأن الخبر ليس كالمعاينة" (٦). قال ابن حجر: " أي: ليزيد سكوناً بالمشاهدة المنضمة إلى اعتقاد القلب؛ لأن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب، وكأنه قال: أنا مصدق، ولكن للعيان لطيف معنى" (٧). قال القاسمي: " ولكن سألت لأزداد بصيرة وسكون قلب برؤية الإحياء، فوق سكونه بالوحي" (٨). قال المراغي: " ولكن تاقت نفسى للخبر والوقوف على كيفية هذا السر ليطمئن قلبى بالعيان بعد خبر الوحى" (٩). قال الأخفش: " أي: قلبي ينازعني الى النظر فاذا نظرت اطمأن قلبي" (١٠). قال الشوكاني: " ولكن سالت ليطمئن قلبي باجتماع دليل العيان إلى دلائل الإيمان" (١١). قال النسفي: " ولكن لأزيد سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال، وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة فعلم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف الضروري" (١٢). قال القرطبي: " والطمأنينة: اعتدال وسكون، فطمأنينة الأعضاء معروفة، كما قال ﵇: «اركع حتى تطمئن راكعاً ... اسجد حتى تطمئن ساجداً» (١٣)، " [أي تستقر] " (١٤)، وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد. والفكر في صورة الإحياء غير محظور، كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها إذ هي فكر فيها عبر فأراد الخليل أن يعاين فيذهب فكره في صورة الإحياء" (١٥). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أربعة أوجه:

стр. 2000

أحدها: يعني ليزداد يقيناً إلى يقينه، هكذا قال الحسن (١)، وقتادة (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، والضحاك (٤)، والربيع (٥). وهذا قول جمهور أهل العلم (٦). قال القسمي: " ولكن ليزول عن قلبي الفكر في كيفية الحياة، لأني إذا شاهدتها سكن قلبي عن الجولان في كيفياتها المتخيلة وتعينت عندي بالتصوير المشاهد. فهذا أحسن ما يجري لي في تفسير هذه الآية" (٧). والثاني: أراد ليطمئن قلبي أنك اتخذتني خليلاً، وهذا قول ابن السائب (٨)، والسدي (٩)، وسعيد بن جبير (١٠). والثالث: أنه لم يردبه رؤية القلب، وإنما أراد به رؤية العين، قاله الأخفش (١١)، وروي ذلك عن الضحاك (١٢). قال الشوكاني: " ولا يصح أن يراد الرؤية القلبية هنا لأن مقصود إبراهيم أن يشاهد الإحياء لتحصل له الطمأنينة" (١٣). الرابع: وقال بعضهم: "لأزداد إيمانا مع إيماني" (١٤)، قاله مجاهد (١٥)، وإبراهيم (١٦)، وسعيد بن جبير (١٧). قال ابن عطية: " ولا زيادة في هذا المعنى تمكن إلا السكون عن الفكر، وإلا فاليقين لا يتبعض" (١٨). الخامس: وقيل: لأعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك. قاله ابن عباس (١٩). وقد ذكر البعض تأويلات لا وجه لها، قال ابن حجر: " وحكى ابن التين (٢٠) عن بعض من لا تحصيل عنده أنه أراد بقوله: ﴿قَلْبِي﴾ رجلاً صالحاً كان يصحبه سأله عن ذلك (٢١)، وأبعد منه ما حكاه القرطبي
следующие страницы →