← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

ولهذا قال النبي ﵇: «ليس الخبر كالمعاينة» (١)، وأما قول النبي ﵇ نحن أحق بالشك من إبراهيم فمعناه: أنه لو كان شك لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك، فإبراهيم ﵇ أحرى أن لا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم. والذي روي فيه عن النبي ﵇ أنه قال: ذلك محض لإيمان إنما هو في الخواطر الجارية التي لا تثبت، وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن الخليل ﵇. وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم ﵇ أعلم به، يدلك على ذلك قوله: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨] فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوءة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعا، وإذا تأملت سؤاله ﵇ وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكا، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو عن حال شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسئول، نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله، وقد تكون كَيْفَ خبرا عن شيء شأنه أن يستفهم عنه، كَيْفَ نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدء الوحي، وكَيْفَ في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبر عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح، فليزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح، مثال ذلك أن يقول مدع: أنا أرفع هذا الجبل، فيقول له المكذب: أرني كيف ترفعه؟ فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناها تسليم جدلي، كأنه يقول افرض أنك ترفعه أرني كيف؟ فلما كان في عبارة الخليل ﵇ هذا الاشتراك المجازي، خلص الله له ذلك وحمله على أن يبين الحقيقة فقال له: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى، فكمل الأمر وتخلص من كل شك، ثم علل ﵇ سؤاله بالطمأنينة" (٢). واعترض كثير من المفسرين على اختيار الطبري، فهذا القاسمي يقول، " وحكى ابن جرير عن طائفة من أهل العلم أنه سأل ذلك لأنه شك في قدرة الله، واستدلوا بما صح عنه ﷺ وفي الصحيحين وغيرهما من قوله: «نحن أحقّ بالشك من إبراهيم» (٣)، وبما روي عن ابن عباس أنه قال: "ما في القرآن عندي آية أرجى منها، إذ رضي الله من إبراهيم قوله ﴿بَلى﴾، قال فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان" (٤)، أخرجه عنه الحاكم في المستدرك وصححه، ورجح هذا ابن جرير بعد حكايته له، قال ابن عطية: "وهو عندي مردود" (٥). يعني قول هذه الطائفة" (٦). والراجح أن سيدنا إبراهيم ﵇ لم يشك في قدرة الله على إحياء الموتى، ولكنه أراد أن يتحول من علم اليقين الذي أوحاه الله إليه إلى عين اليقين وهو ما تراه العين وتشاهده، حتى يزداد القلب اطمئنانا على ما به من إيمان، وكيف يشك إبراهيم ﵇ في إحياء الله الموتى، وقد حاج الملك وبرهن له على قدرة الله ﵎ على كل شيء ومنها إحياء الموتى، فكيف يحاجج الملك بما يشك فيه؟ ! (٧).

стр. 1997

قال المراغي: "وليس في سؤال إبراهيم ما يشعر بالشك، فالإنسان قد جبل على طلب المزيد في العلم والرغبة في الوقوف على أسرار الخليقة، وأكمل الناس علما أشدهم رغبة في طلب الوقوف على المجهولات، فطلب إبراهيم رؤية كيفية إحياء الموتى طلب للطمأنينة فيما تنزع إليه نفسه من معرفة خفايا أسرار الربوبية، لا طلب للطمأنينة بالبعث إذ قد عرفه بالوحى والدليل" (١). فنعتقد جزما بأنه ليس المقصود هنا أن إبراهيم-﵇ كان يشك في قدرة الله تعالى على الإحياء، ونحتجّ بذلك في وجهين: الأول: أن إبراهيم-﵇ قد قال ﴿بلى﴾، وهذا يزيل كل لبس، وينفي كل توهم في نسبة الشك في القدرة إلى إبراهيم. والاستفهام في قوله تعالى: ﴿أولم تؤمن﴾ للتقرير، وليس للإنكار ولا للنفي، فهو كقوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح: ١] يعني: قد شرحنا لك، فمعنى ﴿أولم تؤمن﴾: ألست قد آمنت. لتقرير إيمان إبراهيم-﵇ (٢).

стр. 1998

قال ابن عطية: " إحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم أعلم به، يدلك على ذلك قوله: ﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً" (١). الثاني: أن سؤال إبراهيم ﵇ إنما هو عن الكيفية، لا عن الإمكان كما هو صريح قوله: ﴿كيف تحيي الموتى﴾. قال ابن عطية: " وإذا تأملت سؤاله ﵇، وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكاً، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو عن حال شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول. نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله ... و ﴿كيف﴾ في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر" (٢). قال الماوردي: " ولأي الأمرين كان، فإنه أحب أن يعلم ذلك علم عيان بعد علم الاستدلال (٣). قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: " ألست قد آمنت؛ لتقرير إيمان إبراهيم ﷺ " (٤). قال الأخفش: " ألست قد صدقت" (٥). قال المراغي: " ألم تعلم ذلك وتؤمن يأنى قادر على الإحياء كيف أشاء حتى تسألنى إراءته؟ " (٦). قال الشوكاني: " أي ألم تعلم ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء حتى تسألني إراءته" (٧). قال ابن عباس: " قال أولم تؤمن يا إبراهيم أني أحي الموتى؟ قال بلى يا رب" (٨). والاستفهام في قوله ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ للتقرير، فهو كقول جرير (٩): ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح أي: أنتم خير الخلائق. قال ابن حجر: " الاستفهام للتقرير، ووجهه: أنه طلب الكيفية، وهو مشعر بالتصديق بالإِحياء" (١٠). وروي "عن سعيد بن جبير في قوله: أولم تؤمن قال بلى يعني: أو لم تؤمن أني خليلك" (١١). وروي عن السدي (١٢) نحوه. قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: " أي بلى آمنت" (١٣).

стр. 1999

قال المراغي: " قال بلى علمت ذلك وصدقت بالخبر" (١). قال الشوكاني: " علمت وآمنت بأنك قادر على ذلك" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، " أي: ليزداد طمأنينة" (٣). قال الطبري: " ليسكن ويهدأ باليقين الذي يستيقنه" (٤). قال القرطبي: " أي سألتك ليطمئن قلبي بحصول الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا" (٥). قال البغوي: " أي ليسكن قلبي إلى المعاينة والمشاهدة، أراد أن يصير له علم اليقين عين اليقين، لأن الخبر ليس كالمعاينة" (٦). قال ابن حجر: " أي: ليزيد سكوناً بالمشاهدة المنضمة إلى اعتقاد القلب؛ لأن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب، وكأنه قال: أنا مصدق، ولكن للعيان لطيف معنى" (٧). قال القاسمي: " ولكن سألت لأزداد بصيرة وسكون قلب برؤية الإحياء، فوق سكونه بالوحي" (٨). قال المراغي: " ولكن تاقت نفسى للخبر والوقوف على كيفية هذا السر ليطمئن قلبى بالعيان بعد خبر الوحى" (٩). قال الأخفش: " أي: قلبي ينازعني الى النظر فاذا نظرت اطمأن قلبي" (١٠). قال الشوكاني: " ولكن سالت ليطمئن قلبي باجتماع دليل العيان إلى دلائل الإيمان" (١١). قال النسفي: " ولكن لأزيد سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال، وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة فعلم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف الضروري" (١٢). قال القرطبي: " والطمأنينة: اعتدال وسكون، فطمأنينة الأعضاء معروفة، كما قال ﵇: «اركع حتى تطمئن راكعاً ... اسجد حتى تطمئن ساجداً» (١٣)، " [أي تستقر] " (١٤)، وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد. والفكر في صورة الإحياء غير محظور، كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها إذ هي فكر فيها عبر فأراد الخليل أن يعاين فيذهب فكره في صورة الإحياء" (١٥). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أربعة أوجه:

стр. 2000

أحدها: يعني ليزداد يقيناً إلى يقينه، هكذا قال الحسن (١)، وقتادة (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، والضحاك (٤)، والربيع (٥). وهذا قول جمهور أهل العلم (٦). قال القسمي: " ولكن ليزول عن قلبي الفكر في كيفية الحياة، لأني إذا شاهدتها سكن قلبي عن الجولان في كيفياتها المتخيلة وتعينت عندي بالتصوير المشاهد. فهذا أحسن ما يجري لي في تفسير هذه الآية" (٧). والثاني: أراد ليطمئن قلبي أنك اتخذتني خليلاً، وهذا قول ابن السائب (٨)، والسدي (٩)، وسعيد بن جبير (١٠). والثالث: أنه لم يردبه رؤية القلب، وإنما أراد به رؤية العين، قاله الأخفش (١١)، وروي ذلك عن الضحاك (١٢). قال الشوكاني: " ولا يصح أن يراد الرؤية القلبية هنا لأن مقصود إبراهيم أن يشاهد الإحياء لتحصل له الطمأنينة" (١٣). الرابع: وقال بعضهم: "لأزداد إيمانا مع إيماني" (١٤)، قاله مجاهد (١٥)، وإبراهيم (١٦)، وسعيد بن جبير (١٧). قال ابن عطية: " ولا زيادة في هذا المعنى تمكن إلا السكون عن الفكر، وإلا فاليقين لا يتبعض" (١٨). الخامس: وقيل: لأعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك. قاله ابن عباس (١٩). وقد ذكر البعض تأويلات لا وجه لها، قال ابن حجر: " وحكى ابن التين (٢٠) عن بعض من لا تحصيل عنده أنه أراد بقوله: ﴿قَلْبِي﴾ رجلاً صالحاً كان يصحبه سأله عن ذلك (٢١)، وأبعد منه ما حكاه القرطبي

стр. 2001

المفسر (١) عن بعض الصوفية: "أنه سأل من ربه أن يريه كيف يُحيي القلوب" (٢) " (٣). قال القرطبي: " وهذا فاسد مردود" (٤). والراجح في هذه المسألة: أن إبراهيم-﵇ سأل ربه أن يريه ببصره كيف يحيي الموتى، لأنه قد تيقن ذلك بخبر الله تعالى، ولكنه أحب أن يشاهده عيانا ليحصل له مرتبة عين اليقين، وقد فصلنا القول فيه في محور سبب مسألة إبراهيم. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، " أي أخذ أربعة طيور" (٥). قال الشوكاني: وخص الطير بذلك، قيل: لأنه أقرب أنواع الحيوان إلى الإنسان" (٦). قال أبو حيان: " وأمره بالأخذ للطيور وهو: إمساكها بيده ليكون أثبت في المعرفة بكيفية الإحياء، لأنه يجتمع عليه حاسة الرؤية، وحاسة اللمس ... والطير اسم جمع لما لا يعقل، يجوز تذكيره وتأنيثه، وهنا أتى مذكراً لقوله تعالى ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ﴾ وجاء على الأفصح في اسم الجمع في العدد حيث فصل: بمن، فقيل: أربعة من الطير يجوز الإضافة، كما قال تعالى: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ ونص بعض أصحابنا على أن الإضافة لاسم الجمع في العدد نادرة لا يقاس عليها، ونص بعضهم على أن اسم الجمع لما لا يعقل مؤنث، وكلا القولين غير صواب" (٧). وقد تعددت الأقوال في نوع الطيور في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] فذكروا فيه وجوها: الأول: هن: الديك، والطاووس، والغراب، والحمام، قاله مجاهد (٨)، ومحمد بن إسحاق (٩)، وحجاج (١٠)، وابن زيد (١١)، وعكرمة (١٢). والثاني: أربعة من الشقانين، قاله ابن عباس (١٣). والثالث: قيل: وز ورال (١٤) وديك وطاوس. قاله ابن عباس (١٥).

стр. 2002

والرابع: وقيل: الغرنوق (١) والطاوس، والديك، والحمامة. قاله ابن عباس (٢). والراجح أن نقول: بأن الله تعالى لم يعينها، وأن "محاولة تعيينهن لا فائدة منها؛ لأنه لا يهمنا أكانت هذه الطيور إوَزًّا، أم حماماً، أم غرباناً، أم أيَّ نوع من نواع الطيور؛ لأن الله لم يبينها لنا؛ ولو كان في تبيينها فائدة لبيَّنها الله " (٣). قال ابن كثير: " وإن كان لا طائل تحت تعيينها، إذ لو كان في ذلك مُتَّهم لنص عليه القرآن" (٤). قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، " أي: أملهن، واضممهن إليك" (٥). قال الصابوني: " فضمهنَّ إِليك، ثم اقطعهن، ثم اخلط بعضهن ببعض حتى يصبحن كتلة واحدة" (٦). قال النسفي: وإنما أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها ليتأملها ويعرف أشكالها وهيئآتها وحلاّها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك" (٧). قال السعدي: " أي: مزقهن، اخلط أجزاءهن بعضها ببعض" (٨). قال الأخفش: " أي: قطعهن" (٩). قال ابن كثير: " أوثقهن" (١٠). قال أبو عليّ: «صرت» يقع على إمالة الشيء، يقال صرته، أصوره: إذا أملته إليك، وعلى قطعه، يقال: صرته أي: قطعته، فمن الإمالة قول الشاعر (١١): على أنّني في كلّ سير أسيره ... وفي نظري من نحو أرضك أصور فقالوا: الأصور: المائل العنق. ومن الإمالة قوله (١٢):

стр. 2003

يصور عنوقها أحوى زنيم ... له ظاب كما صخب الغريم فهذا لا يكون إلّا من الإمالة وكذلك قول الآخر (١): جاءت خلعة دهس صفايا ... يصور عنوقها أحوى زنيم ومن القطع قول ذي الرّمّة (٢): صرنا به الحكم وعيّا الحكما قال أبو عبيدة: فصلنا به الحكم (٣). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] (٤) على وجوه: القراءة الأولى: قرأت الجماعة: بضم (الصاد): ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ (٥). وذلك من قول القائل: صُرْت إلى هذا الأمر، إذا ملت إليه، ويقال: إني إليكم لأصْوَر، أي: مشتاق مائل، ومنه قول الشاعر (٦): اللهُ يَعْلَمُ أنَّا فِي تَلَفُّتِنَا ... يَوْمَ الفِرَاقِ إلَى أَحْبَابِنَا صُورُ ومنه قول الطرماح (٧):

стр. 2004

عَفَائِفُ إِلا ذَاكَ أَوْ أَنْ يَصُورَهَا ... هَوًى، والْهَوَى للعَاشِقِينَ صَرُوعُ يعني بقوله: (أو أن يصورها هوى)، يميلها (١). فمعنى قوله: ﴿فصُرْهن إليك﴾ اضممهن إليك ووجِّههن نحوك، كما يقال: " صُرْ وجهك إليّ "، أي أقبل به إليّ، ومن وَجَّه قوله: ﴿فصرهن إليك﴾ إلى هذا التأويل، كان في الكلام عنده متروك قد ترك ذكرُه استغناءً بدلالة الظاهر عليه. ويكون معناه حينئذ عنده: قال: ﴿فخذ أربعةً من الطير فصرهن إليك﴾، ثم قطعهن، (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا﴾. وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك إذا قرئ كذلك بضم (الصاد): قطِّعهن، كما قال توبة بن الحميِّر (٢): فَلَمَّا جَذَبْتُ الحَبْلَ أَطَّتْ نُسُوعُهُ ... بِأَطْرَافِ عِيدَانٍ شَدِيدٍ أُسُورُهَا فَأَدْنَتْ لِيَ الأسْبَابَ حَتَّى بَلَغْتُهَا ... بِنَهْضِي وَقَدْ كَادَ ارْتِقَائِي يَصُورُهَا يعني: يقطعها. وإذا كان ذلك تأويل قوله: ﴿فصرهن﴾، كان في الكلام تقديم وتأخير، ويكون معناه: فخذ أربعة من الطير إليك فصِرهن ويكون ﴿إليك﴾ من صلة ﴿خذ﴾ (٣). القراءة الثانية: وقرأ جماعة من أهل الكوفة: ﴿فَصِرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾، بالكسر، بمعنى: قطعهن (٤). وقد زعم جماعة من نحويي الكوفة أنهم لا يعرفون: ﴿فصُرهن﴾ ولا ﴿فصرهن﴾ بمعنى: قطعهن، في كلام العرب - وأنهم لا يعرفون كسر (الصاد) و (ضمها) في ذلك إلا بمعنى واحد، وأنهما جميعًا لغتان بمعنى (الإمالة) وأن كسر (الصاد) منها لغة في هذيل وسليم، وأنشدوا لبعض بني سليم (٥): وَفَرْعٍ يَصِيرُ الجِيدَ وَحْفٍ كَأَنَّهُ ... عَلَى الِّليتِ قِنْوَانُ الكُرُوم الدَّوَالِح قال أبو علي: "فمعنى هذا يميل الجيد من كثرته" (٦). ومثل هذا قول الآخر (٧): وقامت ترائيك مغدودنا ... إذا ما ما تنوء به آدها قال أبو علي: " فقد ثبت أنّ الميل والقطع، يقال في كلّ واحد منهما" (٨).

стр. 2005

واختلف في (الضم) و (الكسر) على قولين (١): أحدهما: أن معناه متفق ولفظهما مختلف. فقال نحويو البصرة: ﴿فصرهن إليك﴾ سواء معناه إذا قرئ بالضم من الصاد وبالكسر في أنه معنيٌّ به في هذا الموضع التقطيع. قالوا: وهما لغتان: إحداهما: " صار يصور "، والأخرى: " صَار يصير "، واستشهدوا على ذلك ببيت توبة بن الحمير الذي ذكرنا قبل (٢)، وببيت المعلَّى بن جَمَّال العبدي (٣): وَجَاءَت خُلْعَةٌ دُهْسٌ صَفَايَا ... يَصُورُ عُنُوقَهَا أَحْوَى زَنِيمُ بمعنى: يفرِّق عنوقها ويقطعها، وببيت خنساء (٤): لَظَلَّتْ الشُّمُّ مِنْهَا وَهْيَ تَنْصَارُ يعني بالشم: الجبال، أنها تتصدع وتتفرق، وببيت أبي ذؤيب (٥): فَانْصَرْنَ مِنْ فَزَعٍ وَسَدَّ فُرُوجَهُ ... غُبْرٌ ضَوَارٍ: وَافِيَانِ وَأَجْدَعُ قالوا: فلقول القائل: " صُرْت الشيء "، معنيان: أملته، وقطعته. وحكوا سماعًا: " صُرْنا به الحكم ": فصلنا به الحكم (٦).

стр. 2006

القراءة الثالثة: بتشديد (الراء) مع (ضم) أوله (كسره) من: صَرَّه يصِرُّه، إذا جمعه (١). القراءة الرابعة: ونقل أبو البقاء (٢): تثليث (الراء) في هذه القراءة (٣). قال ابن حجر: "وهي شاذة" (٤). والراجح هو قول البصريين، بأن معنى الضم في (الصاد) من قوله: ﴿فصرهن إليك﴾ والكسر، سواء بمعنى واحد - وأنهما لغتان، معناهما في هذا الموضع: فقطعهن - وأنّ معنى " إليك " تقديمها قبل " فصرهن "، من أجل أنها صلة قوله: ﴿فخذ﴾، وذلك " لإجماع أهل التأويل على أن معنى قوله: ﴿فصرهن﴾ غير خارج من أحد معنيين: إما " قطِّعهن "، وإما " اضْمُمْهن إليك "، بالكسر قرئ ذلك أو بالضم. ففي إجماع جميعهم على ذلك على غير مراعاة منهم كسر الصاد وضمها، ولا تفريق منهم بين معنيي القراءتين، أعني الكسر والضم أوضح الدليل على صحّة قول القائلين من نحويي أهل البصرة في ذلك ما حكينا عنهم من القول، وخطأ قول نحويي الكوفيين; لأنهم لو كانوا إنما تأولوا قوله: ﴿فصرهن﴾ بمعنى فقطعهن، على أنّ أصل الكلام " فاصرهن "، ثم قلبت فقيل: " فصِرْهن " بكسر " الصاد "، لتحول " ياء "، " فاصرهن " مكان رائه، وانتقال رائه مكان يائه، لكان لا شكّ - مع معرفتهم بلغتهم وعلمهم بمنطقهم - قد فصلوا بين معنى ذلك إذا قرئ بكسر صاده، وبينه إذا قرئ بضمها، إذ كان غير جائز لمن قلب " فاصِرهن " إلى " فصِرهن " أن يقرأه " فصُرْهن " بضم " الصاد "، وهم، مع اختلاف قراءتهم ذلك، قد تأولوه تأويلا واحدًا على أحد الوجهين اللذين ذكرنا. ففي ذلك أوضحُ الدليل على خطأ قول من قال: إن ذلك إذا قرئ بكسر " الصاد " بتأويل: التقطيع، مقلوب من: " صَرِي يَصْرَى " إلى " صار يصير " وجهل من زعم أن قول القائل: " صار يصور "، و " صار يصير " غير معروف في كلام العرب بمعنى: قطع" (٥). وعلى القول المختار وهو قول البصريين (٦)، فإن في تفسير ﴿فَصُرْهُنَّ﴾، سة أقاويل: أحدها: معناه انْتُفْهُنَّ بريشهن ولحومهن، قاله مجاهد (٧)، وقتادة (٨). والثاني: قَطِّعْهُن، قاله ابن عباس (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، والحسن، وأبي مالك (١١)، وعكرمة (١٢)، ومجاهد (١٣)، وقتادة (١٤)، والضحاك (١٥)، والسدي (١٦)، والربيع (١٧)، وابن إسحاق (١٨)، وأبو أسود الدؤلي (١٩).

стр. 2007

والثالث: اضْمُمْهُن إليك، قاله وعطاء (١). والرابع: أَمِلْهُن إليك (٢). والخامس: أوثقهن، قاله ابن عباس (٣)، واختاره ابن كثير (٤). والسادس: أجمعهن، قاله ابن زيد (٥). والسابع: علمهن، قاله أبو الجوزاء (٦). والقول الثاني: أن معنى الضم والكسر مختلف، وفي اختلافهما أربعة أقوال (٧): الأول: قاله أبو عبيدة أن معناه بالضم: اجْمَعْهن، وبالكسر: قَطِّعْهُنّ. والثاني: قال ابن التين: ﴿صُرهن﴾ بضم الصاد معناها: ضُمَّهن، وبكسرها: قَطِّعهن (٨). والثالث: قاله الكسائي ومعناه بالضم: أَمِلْهُنّ، وبالكسر: أقْبِلْ بهن. والرابع: وعن الفراء: الضم: مشترك، والكسر: القطع فقط (٩). قال ابن حجر: " وذكر صاحب (المغرب) أن هذه اللفظة: بالسريانية (١٠)، وقيل: بالنبطية (١١)، لكن المنقول أولاً يدل على أنها بالعربية، والعلم عند الله تعالى" (١٢). قال الطبري: "فسواءٌ قرأ القارئ ذلك بضم (الصاد): ﴿فصُرْهن إليك﴾ أو كسرها ﴿فصِرْهن﴾ إذ كانت لغتين معروفتين بمعنى واحد، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن أحبّهما إليّ أن أقرأ به ﴿فصُرْهن إليك﴾، بضم (الصاد)، لأنها أعلى اللغتين وأشهرهما، وأكثرهما في إحياء العرب" (١٣). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: ثم" ضع على كل جبل منهن بعضا" (١٤).

стр. 2008

قال الصابوني: " أي فرِّق أجزاءهن على رءوس الجبال" (١). قال السعدي: " واجعل على كل جبل، أي: من الجبال التي في القرب منه، جزء من تلك الأجزاء" (٢). قال ابن عثيمين: " والله أعلم بالحكمة من تعيين العدد، والجبال" (٣). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فيه أربعة أقاويل (٤): أحدها: أنها كانت أربعة جبال، قاله ابن عباس (٥)، والحسن، وقتادة (٦)، والربيع (٧)، وابن إسحاق (٨)، وابن زيد (٩). والثاني: أنها كانت سبعة، قاله ابن جريج (١٠)، والسدي (١١)، وابن عباس (١٢). والثالث: كل جبل، قاله مجاهد (١٣)، والضحاك (١٤). والرابع: أنه أراد جهات الدنيا الأربع، وهي المشرق والمغرب والشمال والجنوب، فمثّلها بالجبال، قاله ابن بحر. والراجح: هو قول مجاهد ومن وافقه، "وهو أن الله تعالى ذكره أمرَ إبراهيم بتفريق أعضاء الأطيار الأربعة بعد تقطيعه إياهن، على جميع الأجبال التي كان يصل إبراهيم في وقت تكليف الله إياه تفريقَ ذلك وتبديدَها عليها أجزاء. لأن الله تعالى ذكره قال له: ﴿ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا﴾ و (الكل) حرف يدل على الإحاطة بما أضيف إليه، لفظه واحد ومعناه الجمع، فإذا كان ذلك كذلك، فلن يجوز أن تكون الجبال التي أمر الله إبراهيمَ بتفريق أجزاء الأطيار الأربعة، عليها خارجةً من أحد معنيين: إما أن تكون بعضًا، أو جميعا، فإن كانت " بعضًا " فغير جائز أن يكون ذلك البعض إلا ما كان لإبراهيم السبيلُ إلى تفريق أعضاء الأطيار الأربعة عليه، أو يكون " جميعا "، فيكون أيضًا كذلك، وقد أخبر الله تعالى ذكره أنه أمره بأن يجعل ذلك على " كل جبل "، وذلك إما كل جبل وقد عرفهن إبراهيم بأعيانهن، وإمَّا ما في الأرض من الجبال. فأما قول من قال: " إن ذلك أربعة أجبل "، وقول من قال: " هن سبعة "، فلا دلالة عندنا على صحة شيء من ذلك فنستجيز القول به، وإنما أمر الله إبراهيم ﷺ أن يجعل الأطيار الأربعة أجزاء متفرقة على كل جبل، ليري إبراهيم قدرته على جمع أجزائهن وهنَّ متفرقات متبدِّدات في أماكن مختلفة شتى، حتى يؤلف بعضهن إلى بعض، فيعدن كهيئتهن قبل تقطيعهن وتمزيقهن وقبل تفريق أجزائهن على الجبال أطيارًا أحياءً يطرن، فيطمئنّ قلب إبراهيم، ويعلم أنّ كذلك جَمْعُ الله أوصال الموتى لبعث القيامة، وتأليفه أجزاءهم بعد البلى وردّ كل عضو من أعضائهم إلى موضعه كالذي كان قبل الردَى" (١٥). واختلفوا هل قطّع إبراهيم الطير أعضاء صرن به أمواتاً، أم لا؟ على قولين (١٦): أحدهما: أنه قطَّعَهُن أعضاء صرن به أمواتاً، ثم دعاهن فعدْن أحياء ليرى كيف يحيي الله الموتى كما سأل ربه، وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه فَرَّقَهُن أحياء، ثم دعاهن فأجبنه وعدن إليه، يستدل بعودهن إليه بالدعاء، على عَوْد الأموات بدعاء الله أحياءً، ولا يصح من إبراهيم أن يدعو أمواتاً له، قاله ابن بحر. قال الماوردي: فإنْ قيل: فكيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فعنه جوابان (١٧): أحدهما: أن ما سأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف، وما سأله إبراهيم خاص يصح. والثاني: أن الأحوال تختلف، فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة، وفي بعض وقت آخر المنع فيما لم يتقدم فيه إذن. وقرأ عاصم برواية أبي بكر ﴿جُزْءًا﴾ مثقلا مهموزا، والآخرون بالتخفيف والهمز، وقرأ أبو جعفر مشددة الزاي بلا همز ﴿جزا﴾ وأراد به بعض الجبال، الباقون مهموز مخفف، وهي لغات، ومعناه النصيب (١٨). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي ثم: "نادهنَّ" (١٩). قال النسفي: " قل لهن تعالين بإذن الله" (٢٠). قال الطبري: " أمر أن يقول لأجزاء الأطيار بعد تفريقهن على كل جبل: " تعالين بإذن الله " (٢١). قال ابن عباس: " فدعا باسم الله الأعظم" (٢٢). وقال مجاهد: " باسم إله إبراهيم تعالين" (٢٣). قوله تعالى: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: " يأتينك مسرعات" (٢٤). قال النسفي: " أي ساعيات مسرعات في طيرانهن أو في مشيهن على أرجلهن" (٢٥). قال السعدي: " أي: تحصل لهن حياة كاملة، ويأتينك في هذه القوة وسرعة الطيران" (٢٦). وللمفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿سعياً﴾؛ قولان (٢٧): أحدهما: أن (السعي) هنا بمعنى الطيران؛ فالمعنى: يأتينك طيراناً لا نقص فيهن؛ لأن سعي كل شيء بحسبه؛ وسعي الطيور هو الطيران.

стр. 2009

الثاني: أن المراد بـ (السعي): المشي بسرعة على الأرجل. قال ابن عثيمين: "ولكن الأولى - فيما يظهر لنا - هو الطيران؛ لأن كونهن يمشين على الأرجل لا يدل على كمالهن؛ إذ إن الطائر إذا كُسر جناحه صار يمشي؛ لكن كونهن يطرن أبلغ؛ لأنه كأنهن أتين على أكمل الحياة، والوجوه" (١). واخرج ابن أبي حاتم بسنده " عن ابن عباس، يعني قوله: يأتينك سعيا قال: فرجع كل نصف إلى نصفه، وكل ريش إلى طائره، ثم أقبلت تطير بغير رؤس، حتى انتهت إلى قدمه، تريد رؤسها بأعناقها، فلما رآها وما تفعل، رفع قدمه، فوضع كل طائر منها عنقه في رأسه فعادت كما كانت، فقال إبراهيم حين رأى ذلك: ﴿أعلم أن الله عزيز حكيم﴾ " (٢). قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي عزيز" لا يعجز عما يريده، حكيم في تدبيره وصنعه" (٣). قال ابن إسحاق: ": عزيز في بطشه، حكيم في أمره" (٤). وأخرج ابن ابي حاتم " عن ابن عباس، في قوله: واعلم أن الله عزيز حكيم يقول: مقتدر على ما يشاء" (٥). وعن الربيع: " ﴿واعلم أن الله عزيز﴾ في نقمته ﴿حكيم﴾ في أمره" (٦). قال النسفي: " ﴿عزيز﴾، لا يمتنع عليه ما يريده، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يدبر لا يفعل إلا ما فيه الحكمة" (٧). قال ابن كثير: " أي: عزيز لا يغلبه شيء، ولا يمتنع منه شيء، وما شاء كان بلا ممانع لأنه العظيم القاهر لكل شيء، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره" (٨). قال السعدي: " أي: ذو قوة عظيمة سخر بها المخلوقات، فلم يستعص عليه شيء منها، بل هي منقادة لعزته خاضعة لجلاله، ومع ذلك فأفعاله تعالى تابعة لحكمته، لا يفعل شيئا عبثا" (٩) قال ابن عثيمين: " والله يقرن كثيراً بين هذين الاسمين: «العزيز» و «الحكيم»؛ لأن العزيز من المخلوقين قد تفوته الحكمة لعزته: يرى نفسه عزيزاً غالباً، فيتهور في تصرفاته، ويتصرف بدون حكمة؛ والحكيم من المخلوقين قد لا يكون عزيزاً؛ فإذا اقترنت حكمته بعزة صار له سلطان وقوة، ولم تفته الأمور؛ فجمع الله لنفسه بين العزة، والحكمة؛ وسبق الكلام عليهما مفصلاً" (١٠). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن التوسل إلى الله بربوبيته من آداب الدعاء التي يتوسل بها الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿رب﴾؛ لأن إجابة الدعاء من مقتضيات الربوبية؛ إذ إنه فعل؛ وكل ما يتعلق بأفعال الرب فهو من مقتضيات الربوبية؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ حين ذكر الرجل يطيل السفر يمد يديه إلى السماء:

стр. 2010

«يقول: يا رب! يا رب! » (١)؛ ولو تأملت أكثر أدعية القرآن لوجدتها مصدرة بـ «الرب»؛ لأن إجابة الدعاء من مقتضيات الربوبية. ٢ - ومنها: أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب ما يزداد به يقينه، لقوله تعالى: ﴿أرني كيف تحيي الموتى﴾؛ لأنه إذا رأى بعينه ازداد يقينه. ٣ - ومنها: أن عين اليقين أقوى من خبر اليقين؛ لقوله تعالى: ﴿أرني كيف تحيي الموتى﴾؛ لأن إبراهيم ﵇ عنده خبر اليقين بأن الله قادر؛ لكن يريد عين اليقين؛ ولهذا جاء في الحديث: «ليس الخبر كالمعاينة» (٢)؛ وقد ذكر العلماء أن اليقين ثلاث درجات: علم؛ وعين؛ وحق؛ كلها موجودة في القرآن؛ مثال «علم اليقين» قوله تعالى: ﴿كلا لو تعلمون علم اليقين﴾ [التكاثر: ٥]؛ ومثال «عين اليقين» قوله تعالى: ﴿ثم لترونها عين اليقين﴾ [التكاثر: ٧]؛ ومثال «حق اليقين» قوله تعالى: ﴿إن هذا لهو حق اليقين﴾ [الواقعة: ٥٦]؛ نضرب مثالاً يوضح الأمر: قلت: إن معي تفاحة حلوة - وأنا عندك ثقة؛ فهذا علم اليقين: فإنك علمت الآن أن معي تفاحة حلوة؛ فأخرجتُها من جيبي، وقلت: هذه التفاحة؛ فهذا عين اليقين؛ ثم أعطيتك إياها، وأكلتَها وإذا هي حلوة؛ هذا حق اليقين. ٤ - ومن فوائد الآية: إثبات أفعال الله الاختيارية؛ بمعنى أن الله له أفعال تتعلق بمشيئته؛ لقوله تعالى: ﴿تحيي الموتى﴾. ٥ - ومنها: تمام قدرة الله بإحياء الموتى؛ وقد قرر الله ذلك في آيات كثيرة. ٦ - ومنها: إثبات الكلام لله ؛ لقوله تعالى: ﴿قال أو لم تؤمن﴾، وقوله تعالى: ﴿قال فخذ أربعة﴾؛ والله ؛ يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء؛ بما شاء: من القول؛ متى شاء: في الزمن؛ كيف شاء: في الكيفية. ٧ - ومنها: أن كلام الله بحروف، وأصوات مسموعة؛ لوقوع التحاور بين الله ، وإبراهيم ﷺ . ٨ - ومنها: إثبات أن إبراهيم مؤمن بقدرة الله على إحياء الموتى؛ لقوله تعالى: ﴿قال أو لم تؤمن قال بلى﴾؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا، وبين ما ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» (٣)؛ فأثبت شكاً فينا، وفي إبراهيم، وأننا أحق بالشك من إبراهيم؟ فالجواب أن الحديث لا يراد به هذا المعنى؛ لأن هذا معنًى يخالف الواقع؛ فليس عند الرسول ﷺ شك في إحياء الموتى؛ وإنما المعنى أن إبراهيم لم يشك؛ فلو قدر أنه يشك فنحن أحق بالشك منه؛ وما دام الشك منتفياً في حقنا فهو في حقه أشد انتفاءً؛ فإذا عُلم أننا الآن نؤمن بأنه تعالى هو القادر، فإبراهيم أولى منا بالإيمان بذلك؛ هذا هو معنى الحديث، ولا يحتمل غيره؛ فإن قلت: لا زال هنا إشكال؛ وهو: هل إبراهيم أكمل إيماناً من محمد ﷺ ؟ فالجواب: لا؛ ولكن قاله ﷺ على سبيل التواضع؛ ولهذا قرن بينه وبين قوله ﷺ : «ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي» (٤)؛ فيوسف بقي في السجن بضع سنين، وجاءه رسول الملك يدعوه؛ فقال له: لا أخرج، ﴿ارجع إلى

стр. 2011

ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ [يوسف: ٥٠]؛ مع أن غيره لو حبس سبع سنين، وقالوا له: «اخرج»، فإنه يخرج؛ هذا مقتضى الطبيعة؛ لكن يوسف ﵊ كان حليماً حازماً؛ قال: لا أخرج حتى تظهر براءتي كاملة؛ فتبين من هذا أنه لا يلزم من قول الرسول ﷺ هذا أن يكون إبراهيم أقوى إيماناً. ٩ - ومن فوائد الآية: إثبات زيادة الإيمان في القلب؛ لقوله تعالى: ﴿بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾؛ ففيه رد على من قال: إن الإيمان لا يزيد، ولا ينقص؛ ولا ريب أن هذا القول ضعيف؛ لأن الواقع يكذبه؛ والنصوص تكذبه أيضاً: ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم﴾ [الفتح: ٤]، وقال تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون﴾ [التوبة: ١٢٤]؛ وفي السنة: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» (١)؛ فالإيمان يزيد كمية، وكيفية؛ فمثال زيادة الكمية: أن الذي يسبح عشراً أزيد إيماناً من الذي يسبح خمساً؛ والذي يصلي عشر ركعات أزيد إيماناً من الذي يصلي ستاً؛ وأما زيادة الكيفية فمثالها: رجل صلى ركعتين بطمأنينة، وخشوع، وتأمل فإيمانه أزيد ممن صلاهما بسرعة؛ كذلك يزداد الإيمان بحسب إقرار القلب: كلما كثرت الآيات لدى الإنسان فلا شك أن إيمانه يزداد قوة، ورسوخاً؛ اقرأ قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾ [الحج: ١١] أي على طرَف ﴿فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة﴾ [الحج: ١١]: هذا إيمانه ضعيف مهزوز: إن لم تأته فتنة فهو مستقر؛ وإن أتته فتنة - شبهة، أو شهوة - انقلب على وجهه؛ فمثلاً نحن الآن في المملكة العربية السعودية ليس عندنا - ولله الحمد - أحد يعارضنا في العقيدة؛ فليس عندنا معتزلة، ولا جهمية، ولا جبرية ... ، فنحن ثابتون على الفطرة؛ ولكن لو يبتلى الإنسان، فيأتيه واحد من عفاريت الإنس جيد في المجادلة، والمحاجة من المعتزلة لأوشك أن يؤثر عليه، وينقله إذا لم يكن لديه رسوخ في العلم، والإيمان؛ كذلك لو أن إنساناً عنده إيمان لكن تعرضت له امرأة ذات منصب، وجمال، وأغرته حتى وقع في الفاحشة؛ وإنسان آخر تعرضت له هذه المرأة فقال: «إني أخاف الله» تجد الفرق بينهما؛ فالمهم أن القول الراجح الذي لا شك فيه، والذي تدل عليه الأدلة السمعية، والواقعية أن الإيمان يزيد، وينقص. ١٠ - ومن فوائد الآية: جواز الاقتصار في الجواب على الحرف الدال عليه؛ لقوله تعالى: ﴿بلى﴾؛ وعليه فلو قيل للرجل: ألم تطلق زوجتك؟ فقال: «بلى»: طلقت؛ ولو قيل للرجل عند عقد النكاح: أقبلت النكاح، وقال: «نعم» انعقد النكاح؛ لأن حرف الجواب يغني عن ذكر الجملة. ١١ - ومنها: امتنان الله على العبد بما يزداد به إيمانه، لقوله تعالى: ﴿فخذ أربعة من الطير ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يأتينك سعياً﴾. ١٢ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: «العزيز» و «الحكيم»؛ وإثبات ما تضمناه من الصفة؛ وهي العزة، والحكمة؛ لأن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة ولا عكس؛ يعني: ليس كل صفة يؤخذ منها اسم؛ لكن كل اسم يؤخذ منه صفة؛ لأن أسماء الله أعلام، وأوصاف؛ فكل اسم من أسمائه متضمن للصفة التي دل عليها اشتقاقه، أو لوازمها. القرآن ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] التفسير:

стр. 2012

ومِن أعظم ما ينتفع به المؤمنون الإنفاقُ في سبيل الله. ومثل المؤمنين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة زُرِعتْ في أرض طيبة، فإذا بها قد أخرجت ساقًا تشعب منها سبع شعب، لكل واحدة سنبلة، في كل سنبلة مائة حبة. والله يضاعف الأجر لمن يشاء، بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان والإخلاص التام. وفضل الله واسع، وهو سبحانه عليم بمن يستحقه، مطلع على نيات عباده. قال القرطبي: " لما قص الله سبحانه ما فيه من البراهين، حث على الجهاد، وأعلم أن من جاهد بعد هذا البرهان الذي لا يأتي به إلا نبي فله في جهاده الثواب العظيم، روى البستي في صحيح مسنده عن ابن عمر قال: "لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : "رب زد أمتي" فنزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال رسول الله ﷺ : "رب زد أمتي" فنزلت ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] " (١)، وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها، وضمنها التحريض على ذلك" (٢). قال ابن عطية: " هذه الآية لفظها بيان مثل بشرف النفقة في سبيل الله وبحسنها، وضمنها التحريض على ذلك، وهذه الآية في نفقة التطوع" (٣). واختلف في سبب نزول الآية على أقوال (٤): الأول: روي أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف ﵄، وذلك أن رسول الله ﷺ لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبدالرحمن بأربعة آلاف فقال: "يا رسول الله، عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربي، وألفين لعيالي. فقال رسول الله ﷺ : "بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت" (٥)، وقال عثمان: "يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له، فنزلت هذه الآية فيهما" (٦). الثاني: وقيل: نزلت في نفقة التطوع (٧). الثالث: وقيل: نزلت قبل آية الزكاة ثم نسخت بآية الزكاة (٨). قال القرطبي: " ولا حاجة إلى دعوى النسخ، لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كل وقت. وسبل الله كثيرة وأعظمها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا" (٩).

стр. 2013

قال الراغب: " إن قيل: كيف تعلق هذه الآية بما قبلها؟ قيل: إن ذلك متعلق بقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ وما بينه وبين هذه الآية، اعتراضات مرغبة للإنسان في فرضه من حث على قناعة هي أس الجود، وذكر عظمة المستقرض وإرشاد لمن يستقرض منهم، وبين في يده أن فرضه هو الإنفاق في سبيله وأن مضاعفته هو بأن يجعل للواحد سبع مائة وأنه يضاعف مع ذلك لمن يشاء مضاعفة لا يضبط عدها، ولا يعرف حدها" (١). قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ في سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٦١]، " أي مثل الذين ينفقون المال يبتغون به رضا الله وحسن مثوبته" (٢). وقوله تعالى: ﴿في سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٦١]، فيه وجوه (٣): الأول: يعني في الجهاد، قاله السدي (٤)، وابن زيد (٥)، والربيع (٦)، ومكحول (٧)، واختاره الطبري (٨). قال ابن عطية: " وقد ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف، وبين ذلك الحديث الصحيح" (٩). والثاني: في طاعة الله. قاله سعيد بن جبير (١٠). والثالث: وقال الربيع: "فكان من بايع النبي ﷺ بالمدينة ولم يذهب وجها إلا بإذنه، كانت الحسنة له بسبعمائة ضعف. ومن بايع على الإسلام، كانت الحسنة له عشر أمثالها" (١١). الرابع: وقال ابن عباس: "نفقة الحج والجهاد سواء، الدرهم بسبعمائة، لأنه في سبيل الله" (١٢). الخامس: وقيل: النفقة في جميع أبواب الخير (١٣). وبه قال جمع من العلماء. قال الراغب: سبيل الله " هو لكل ما يتوصل به إلى الله عز جل" (١٤). قال ابن عطية: "وسبل الله كثيرة، وهي جميع ما هو طاعة وعائد بمنفعة على المسلمين والملة، وأشهرها وأعظمها غناء الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا" (١٥). السادس: وقيل: سبيل الله هو شرعه (١٦). قال العلامة ابن عثيمين-﵀: " وسبيل الله هو شرعه، لأنه يهدي إليه، ويوصل إليه؛ قال الله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣]؛ وأضيف إلى الله لسببين؛ السبب الأول: أنه هو الذي وضعه لعباده، وشرعه لهم؛ والسبب الثاني: أنه موصل إليه؛ ويضاف «السبيل» أحياناً إلى سالك السبيل؛ فيقال: سبيل المؤمنين، كما قال الله تعالى: ﴿ومن يشاقق

стр. 2014

الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ [النساء: ١١٥]؛ ولا تناقض بينهما؛ لأنه يضاف إلى المؤمنين باعتبار أنهم هم الذين سلكوه؛ وإلى الله باعتبار أنه الذي شرعه، وأنه موصل إليه" (١). قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١]، أي: " كمن يزرع حبة فى أرض مغلة فتنبت سبع سنابل" (٢). قال البغوي: كمثل حبة أخرجت سبع سنابل (٣). قال المراغي: أي " تخرج ساقا تتشعب منه سبع شعب" (٤). قال الزمخشري: " ومعنى إنباتها سبع سنابل، أن تخرج ساقا يتشعب منها سبع شعب، لكل واحدة سنبلة وهذا التمثيل تصوير للإضعاف، كأنها ماثلة بين عينى الناظر" (٥). قال القرطبي: " كمثل زارع زرع في الأرض حبة فأنبتت الحبة سبع سنابل، فشبه المتصدق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر" (٦). قال ابن عطية: "والحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته، وأشهر ذلك البر، وكثيرا ما يراد بالحب. ومنه قول المتلمس (٧): آليت حب العراق الدهر أطعمه ... والحب يأكله في القرية السوس" (٨) وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما في سائر الحبوب فأكثر، ولكن المثال وقع بهذا القدر" (٩). قوله تعالى: ﴿في كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، " في كل سنبلة منها مائة حبة قال الصابوني: "أي كل سنبلةٍ منها تحتوي على مائة حبة فتكون الحبة قد أغلَّتْ سبعمائة حبة، وهذا تمثيل لمضاعفة الأجر لمن أخلص في صدقته" (١٠). قال الراغب: " يقال النبت لما له نمو في أصل الحلقة يقال تنبت الصبي والشعر والسن وفلان حسن النية ويستعمل النبات فيما له ساق، وما ليس له ساق وإن كان في التعارف قد يختص بما لا ساق له، وأنبت الغلام إذا راهق، كأنه صار ذا نبتة وفلان في منبت خير كناية عن الأصل .. والسنبلة فيعلة من السبل يقال: أسبل الزرع، وسنبل" (١١). قال القاسمي: " أي: أنبتت ساقا انشعب سبع شعب، خرج من كل شعبة سنبلة فيها مائة حبة، فصارت الحبة سبعمائة حبة بمضاعفة الله لها" (١٢). وروي " عن عكرمة، في قوله: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾، فذلك سبعمائة" (١٣).

стр. 2015

قال ابن كثير: " وهذا المثل أبلغ في النفوس، من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله ، لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة" (١). وفي مضاعفة ذلك في غير ذلك من الطاعات، قولان (٢): أحدهما: أن الحسنة في غير ذلك بعشرة أمثالها، قاله ابن زيد (٣). والثاني: يجوز مضاعفتها بسبعمائة ضعف، قاله الضحاك (٤). وقال أبو عمرو الداني: "قرأ بعضهم ﴿مائة حبة﴾، بالنصب على تقدير أنبتت مائة حبة" (٥). قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، أي: " أي يزيد ثواباً لمن يشاء حسب ما تقتضيه حكمته" (٦). قال الصابوني: "يضاعف الأجر لمن أراد على حسب حال المنفق من إِخلاصه وابتغائه بنفقته وجه الله" (٧). قال ابن كثير: " أي: بحسب إخلاصه في عمله" (٨). قال المراغي: أي " فيزيده زيادة لا حصر لها" (٩). قال القرطبي: "يعني على سبعمائة، فيكون مثل المتصدق مثل الزارع، إن كان حاذقا في عمله، ويكون البذر جيدا وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر، فكذلك المتصدق إذا كان صالحا والمال طيبا ويضعه موضعه فيصير الثواب أكثر، خلافا لمن قال: ليس في الآية تضعيف على سبعمائة" (١٠). وقد وردت في السنة أحاديث كثيرة في تضعيف الحسنة إلى سبمعمائة ضعف، منها: - جاء في الصحيحين: وغيرهما عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ : كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عزّ وجلى: "إلّا الصوم فإنّه لي وأنا أجزي به» (١١). - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيّب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيّب، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوّه حتى تكون مثل الجبل» (١٢). - وأخرج أحمد ومسلم والنسائي والحاكم عن ابن مسعود قال: «جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ : لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» (١٣). - وأخرج أحمد والطبراني والبيهقيّ عن بريدة قال: «قال رسول الله ﷺ : النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله. الدرهم بسبعمائة ضعف» (١٤).

стр. 2016

- وأخرج ابن أبي حاتم عن عمران بن حصين عن رسول الله ﷺ قال: من أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته، فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله، وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ " (١). قال ابن كثير: " وهذا حديث غريب" (٢). قال الطبري: " فإن قال قائل: وهل رأيتَ سنبلة فيها مائة حبة أو بلغتْك فضرب بها مثل المنفقَ في سبيل الله ماله؟ قيل: إن يكن ذلك موجودًا فهو ذاك، وإلا فجائز أن يكون معناه: كمثل سنبلة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، إنْ جَعل الله ذلك فيها. ويحتمل أن يكون معناه: في كل سنبلة مائة حبة; يعني أنها إذا هي بذرت أنبتت مائة حبة فيكون ما حدث عن البذر الذي كان منها من المائة الحبة، مضافًا إليها، لأنه كان عنها" (٣). وعلى هذا الوجه فسّره الضحاك (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، يحتمل أمرين (٥): أحدهما: يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء من عباده أجرَ حسناته، بعد الذي أعطى غير منفق في سبيله، دون ما وعد المنفق في سبيله من تضعيف الواحدة سبعمائة. فأما المنفق في سبيله، فلا ينقصة عما وعده من تضعيف السبعمائة بالواحدة. قاله الضحاك (٦). والثاني: وقيل: يضاعف الزيادة على ذلك لمن يشاء. قال الطبري: " وهذا قول ذكر عن ابن عباس من وجه لم أجد إسناده، فتركت ذكره" (٧). قال الطبري: " والله يضاعف على السبعمائة إلى ما يشاء من التضعيف، لمن يشاء من المنفقين في سبيله. لأنه لم يجر ذكر الثواب والتضعيف لغير المنفق في سبيل الله، فيجوز لنا توجيه ما وعد تعالى ذكره في هذه الآية من التضعيف، إلى أنه عِدَة منه على [العمل في غير سبيله، أو] على غير النفقة في سبيل الله" (٨). قال ابن حجر: " والآية محتملة للأمرين فيحتمل أن يكون المراد أنه يضاعف تلك المضاعفة بأن يجعلها سبعمائة، ويحتمل أنه يضاعف السبعمائة بأن يزيد عليها (٩)، والمصرح بالرد عليه حديث ابن عباس المخرج عند المصنف في الرقاق، ولفظه: "كتب الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة" (١٠) " (١١).

стр. 2017

ثم قال: "فالأول هو المحقق من سياق الآية، والثاني محتمل، ويؤيد الجواز سعة الفضل" (١). قال الراغب: " فإن قيل: كيف قال في موضع: ﴿يُضَاعِفُ﴾، وفي موضع: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال هاهنا ما يدل على أنه يحادي بواحد سبع مائة: قيل: في ذلك طريقتان: إحداهما: أن الخيرات تختلف باختلاف العالمين واختلاف نياتهما. والثاني: أن تختلف باختلاف الأعمال. فالأول: هو أن الناس فيما يتحرونه من أفعال الخير بالقول المجمل ثلاثة أضرب على ما قصد تعالى من ظالم ومقتصد وسابق أما الظالم: فالمتحري للخير مخافة سلطان ومذمة إنسان وتخويف عالم إياه من النار ونحو ذلك، وأما المقتصد: فالمتحري للخير مخافة عقاب الله ورجاء ثوابه من حيث ما قد تحقق وعده ووعيده، وأما السابق: فالمتحري للخير قصدا لوجه الله خالصا وثوابهم يختلف باختلاف مقاصدهم ولهذا قال ﵊ في السابقين حاكيا عن الله " أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ " (٢) الخبر. والثاني: وهو أن يختلف باختلاف الأعمال وبيان ذلك أن السخاء أفضل أفعال العباد بدلالة قول النبي ﷺ : " السخاء شجرة من أشجار الجنة، أغصانها متدليات في الدنيا فمن أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى الجنة، والبخل شجرة من أشجار النار، فمن أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى النار " (٣). وقيل لبعض الحكماء: " أي شيء من أفعال العباد أشبه بفعل الله "؟ فقال: " السخاء، وأفضل الجود ما كان عن ضيق "، ولهذا قال الشاعر (٤): ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل وقد علم أن أصحاب النبي ﷺ كانوا مضيفين سيما في ابتداء الإسلام وأفضل الإنفاق ما يقصد به وجه الله لعز وجل -، وأفضل ما يقصد به وجهه ما يجعل في سبيل الله، وأفضل سبيل ينفق فيه ما كان أكثره غنى، وقد علم أنه لا جهاد أكبر من جهاد النبي ﷺ ولا قوم أكفر ممن كان يحاد بهم ولا زمان أحوج إلى محاربتهم من زمانه وكل وأحد من هذه الخصال يجري مجرى فعل يستحق

стр. 2018

مثوبة محددة، فعظم الله تعالى أمر الإنفاق في سبيله في زمانه، وجعل له من الثواب ما لم يجعل لغيره من الأعمال. ووجه ثالث: وهو أن الإنسان متى تحرى فعل الخير على ما يجب وكما يجب يدعوه ذلك إلى أن يزيد في فعل الخير فلا يزداد، حتى إنما يصير مثل ملك فيه الفضيلة وبازدياده في الإيمان وفعل الخيرات يزداد ثوابه، فحيث ما ذكر التضعيف، فأشار إلى الحالة الأولى وحيث ما ذكر عشرة أمثالها وسبعمائة فإلى الأحوال المتوسطات وحيث ما ذكر، ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فإلى المنتهيات والغايات وأنها لا يحصرها عدد كما قال: ﵊: " ما لا عين رأت ولا أذن سمعت " (١). وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾] البقرة: ٢٦١]، أي: "أي واسع الفضل عليم بنيَّة المنفق" (٢). قال البغوي: أي والله: " ﴿وَاسِعٌ﴾: غني، يعطي عن سعة، و ﴿عَلِيمٌ﴾: بنية من ينفق ماله" (٣). قال ابن كثير: " أي: فضله واسع كثير أكثر من خلقه، عليم بمن يستحق ومن لا يستحق" (٤). قال الطبري: " قال المراغي: " أي: إنه تعالى لا ينحصر فضله، ولا يحد عطاؤه، وهو عليم بمن يستحق هذه المضاعفة" (٥). قال ابن عثيمين: "أي ذو سعة في جميع صفاته؛ فهو واسع العلم، والقدرة، والرحمة، والمغفرة، وغير ذلك من صفاته؛ فإنها صفات واسعة عظيمة عليا؛ و ﴿عليم﴾ أي ذو علم - وهو واسع فيه - وعلمه شامل لكل شيء جملة، وتفصيلاً؛ حاضراً، ومستقبلاً، وماضياً" (٦). وعن سعيد بن جبير: في قوله ﴿عليم﴾: قال: "يعني: عليم بما يكون" (٧). وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ﴾] البقرة: ٢٦١]، فيه وجوه (٨): أحدها: واسع لا يَضِيق عن الزيادة، عليم بمن يستحقها، قاله ابن زيد (٩)، واختاره الطبري (١٠) وابن كثير (١١). والثاني: واسع الرحمة لا يَضِيق عن المضاعفة، عليم بما كان من النفقة. الثالث: وقيل: " معنى ذلك: ﴿والله واسع﴾، لتلك الأضعاف، ﴿عليم﴾ بما ينفق الذين ينفقون أموالهم في طاعة الله" (١٢). الرابع: واسع القدرة، عليم بالمصلحة. قاله الماوردي (١٣). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: ضرب الأمثال؛ وهو تشبيه المعقول بالمحسوس؛ لأن ذلك أقرب إلى الفهم.

стр. 2019

٢ - ومنها: أن القرآن على غاية ما يكون من البلاغة، والفصاحة، لأن الفصاحة هي الإفصاح بالمعنى، وبيانه؛ وضرب الأمثال من أشد ما يكون إفصاحاً، وبياناً: قال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣]. ٣ - ومنها: فضيلة الإنفاق في سبيل الله؛ لأنه ينمو للمنفق حتى تكون الحبة سبعمائة حبة. ٤ - ومنها: الإشارة إلى الإخلاص لله في العمل؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾ بأن يقصدوا بذلك وجه الله . ٥ - ومنها: الإشارة إلى موافقة الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾؛ لأن ﴿في﴾ للظرفية؛ والسبيل بمعنى الطريق؛ وطريق الله: شرعه؛ والمعنى: أن هذا الإنفاق لا يخرج عن شريعة الله؛ والإنفاق الذي يكون موافقاً للشرع هو ما ذكره بقوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ [الفرقان: ٦٧]. ومعنى إنفاقهم في شرع الله أن يكون ذلك إخلاصاً لله، واتباعاً لشرعه؛ فمن نوى بإنفاقه غير الله فليس في سبيل الله؛ مثل «المرائي»: رجل أنفق في الجهاد، أو أنفق في الصدقة على المساكين؛ لكنه أنفق ليقال: إن فلاناً جواد؛ أو أنه كريم؛ هذا ليس في سبيل الله، لأنه مراء؛ لم يقصد وجه الله ؛ إذاً لم يرد السبيل الذي يوصل إلى الله؛ ولا يهمه أن يقبل الله منه، أو لا يقبل؛ المهم عنده أنه يقال عند الناس: إنه رجل كريم، أو جواد. وأما أن يكون على حسب شريعة الله: فإن أنفق في وجه لا يرضى به الله فليس في سبيل الله - وإن أخلص لله - كرجل ينفق على البدع يريد بذلك وجه الله - وهذا كثير: كبناء الربط للصوفية المنحرفة، وبناء البيوت للأعياد الميلادية، وبناء القصور للمآتم، وطبع الكتب المشتملة على بدع؛ هذا قد يريد الإنسان بذلك وجه الله لكنه خلاف شريعة الله؛ فلا يكون في سبيل الله. ٦ - ومن فوائد الآية: إثبات الملكية للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿أموالهم﴾؛ فإن الإضافة هنا تفيد الملكية. ٧ - ومنها: وجه الشبه في قوله تعالى: ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل﴾؛ فإن هذه الحبة أنبتت سبع سنابل؛ وشبهها الله بذلك؛ لأن السنابل غذاء للجسم، والبدن؛ كذلك الإنفاق في سبيل الله غذاء للقلب، والروح. ٨ - ومنها: أن ثواب الله، وفضله أكثر من عمل العامل؛ لأنه لو عومل العامل بالعدل لكانت الحسنة بمثلها؛ لكن الله يعامله بالفضل، والزيادة؛ فتكون الحبة الواحدة سبعمائة حبة؛ بل أزيد؛ لقوله تعالى: ﴿والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾. ٩ - ومنها: إثبات الصفات الفعلية - التي تتعلق بمشيئة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿يضاعف﴾؛ و «المضاعفة» فعل. ١٠ - ومنها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله تعالى: ﴿لمن يشاء﴾؛ ولكن هل هذه المشيئة مشيئة مجردة؛ أي أن الترجيح يكون فيها بدون سبب؛ أو هي مشيئة مقيدة بما تقتضيه المصلحة، والحكمة؟ الجواب أنها مشيئة مقيدة بما تقتضيه المصلحة، والحكمة؛ وعليه فخذ هذا مقياساً: كل شيء علقه الله على المشيئة فإنه مقيد بالحكمة؛ ودليله قوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً﴾ [الإنسان: ٣٠]. ١١ - ومنها: أن الله له السلطان المطلق في خلقه؛ ولا أحد يعترض عليه؛ لقوله تعالى: ﴿يضاعف لمن يشاء﴾؛ ولهذا لما تناظر رجل من المعتزلة، وآخر من أهل السنة قال له المعتزلي: أرأيت إن منعني الهدى، وقضى علي بالردى أحسن إلي، أم أساء؟ - يريد أن يبين أن أفعال العباد لا تدخل في إرادة الله؛ لأنه إذا دخلت في إرادة الله فإن هذا الذي قضى عليه بالشقاء، ومنع الهدى يكون إساءة من الله إليه، فقال له السني: إن منعك ما هو لك فقد أساء؛ وإن منعك فضله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء؛ فغُلب المعتزلي؛ لأنه ليس لك حق على الله واجب؛ والله يؤتي فضله من يشاء.

стр. 2020

١٢ - ومن فوائد الآية: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: «الواسع»، و «العليم»؛ لقوله تعالى: ﴿واسع عليم﴾؛ وإثبات ما تضمناه من صفة؛ وهما السعة، والعلم. ١٣ - ومنها: الحث، والترغيب في الإنفاق في سبيل الله؛ يؤخذ هذا من ذكر فضيلة الإنفاق في سبيل الله، فإن الله لم يذكر هذا إلا من أجل هذا الثواب؛ فلا بد أن يعمل له. القرآن ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢] التفسير: الذين يخرجون أموالهم في الجهاد وأنواع الخير، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات مَنّاً على مَن أعطَوه ولا أذى بقول أو فِعْلٍ يشعره بالتفضل عليه، لهم ثوابهم العظيم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على شيء فاتهم في هذه الدنيا. قال ابن عطية: " لما تقدم في الآية التي قبل هذه ذكر الإنفاق في سبيل الله على العموم بيّن في هذه الآية أن ذلك الحكم إنما هو لمن لم يتبع إنفاقه منا ولا أذى، وذلك أن المنفق في سبيل الله إنما يكون على أحد ثلاثة أوجه: - إما أن يريد وجه الله تعالى ويرجو ثوابه، فهذا لا يرجو من المنفق عليه شيئا ولا ينظر من أحواله في حال سوى أن يراعي استحقاقه. - وإما أن يريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه، فهذا لم يرد وجه الله بل نظر إلى هذه الحال من المنفق عليه، وهذا هو الذي متى أخلف ظنه من بإنفاقه وآذى. - وإما أن ينفق مضطرا دافع غرم إما لماتة للمنفق عليه أو قرينة أخرى من اعتناء معتن ونحوه، فهذا قد نظر في حال ليست لوجه الله، وهذا هو الذي متى توبع وحرج بوجه من وجوه الحرج آذى" (١). وقد اختلف في سبب نزول الآية على أقوال (٢): الأول: قيل: إن هذه الآية، نزلت في عثمان بن عفان ﵁، قال عبدالرحمن بن سمرة: جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر رسول الله ﷺ فرأيته يدخل يده فيها ويقلبها ويقول: " ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم اللهم لا تنس هذا اليوم لعثمان" (٣). الثاني: وقيل: أن إنها نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف ﵄، وذلك أن رسول الله ﷺ لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبدالرحمن بأربعة آلاف فقال: "يا رسول الله، عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربي، وألفين لعيالي. فقال رسول الله ﷺ : "بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت" (٤)، وقال عثمان: "يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له، فنزلت هذه الآية فيهما" (٥).

стр. 2021

قال ابن حجر: "وقال مقاتل بمعناه مختصرا" (١). الثالث: وقال ابن ظفر: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن، أما أبو بكر فأنفق جميع ماله، وأما الباقون فأنفق نصف ما عنده وكذا ابن عوف وأما عثمان فاشترى بئر رومة وجهز جيش العسرة وأما علي فباع حائطا له باثني عشر ألفا فتصدق بجميعها وأصبح يوما وليس عنده سوى أربعة دراهم فتصدق بها وكان كثير الإيثار على نفسه" (٢). وقال أبو سعيد الخدري: "رأيت رسول الله ﷺ رافعا يده يدعو لعثمان ويقول: "يا رب إن عثمان بن عفان رضيت عنه فارض عنه" فما زال رافعا يده حتى طلع الفجر، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ﴾ الآية" (٣). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ﴾ [البقرة: ٢٦٢]، أي: " الذين ينفقون أموالهم في طاعة الله وسبيله" (٤). قال الطبري: "الذين يعينون المجاهدين في سبيل الله بالإنفاق عليهم وفي حَمُولاتهم، وغير ذلك من مؤنهم" (٥). قال ابن عطية: "وسبل الله كثيرة، وهي جميع ما هو طاعة وعائد بمنفعة على المسلمين والملة، وأشهرها وأعظمها غناء الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا" (٦). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا﴾ [البقرة: ٢٦٢]، أي: " ولا يعقبون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات بالمنِّ على من أحسنوا إِليه" (٧). قال البغوي: " وهو أن يمن عليه بعطائه فيقول أعطيتك كذا، ويعد نعمه عليه فيكدرها" (٨). قال السعدي: " ولا يتبعونها بما ينقصها ويفسدها من المن بها على المنفق عليه بالقلب أو باللسان، بأن يعدد عليه إحسانه ويطلب منه مقابلته" (٩). قال ابن عثيمين: " أي لا يحصل منهم بعد الصدقة مَنٌّ بأن يظهر المنفِق مظهر المترفع على المنفَق عليه" (١٠). قال القاسمي: " ﴿مَنًّا﴾: وهو ذكره لمن أنفق عليه ليريه أنه أوجب بذلك عليه حقا" (١١).

стр. 2022

وقد ذكر أهل العلم في تفسير (المنّ) قولان (١): الأول: المن: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها (٢) مثل أن يقول: قد أحسنت إليك ونعشتك وشبهه. والثاني: وقيل: المن: التحدث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه. قال القرطبي: والمن من الكبائر، ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره (٣)، وأنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، وروى النسائي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمرأة المترجلة تتشبه بالرجال والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والمدمن الخمر والمنان بما أعطى " (٤). وفي بعض طرق مسلم: " المنان هو الذي لا يعطي شيئا إلا منة " (٥) " (٦). و(المنّ) في اللغة على وجوه: أولا: يكون بمعنى الإنعام، يقال: قد منَّ عليَّ فلان: إذا أَفْضَل وأَنْعَم، ولفلان عليّ منّة، أي: نعمة، أنشد ابن الأنباري (٧): فمِنّي عَلَيْنَا بالسَّلامِ فَإِنَّما ... كلامُكِ ياقُوتٌ ودُرٌّ مُنَظَّمُ ومن النعمة: قوله ﷺ : "ما من الناس أحد أمنّ علينا في صحبته ولا ذات يده من ابن أبي قحافة " (٨). يريد: أنعم وأسمح بماله، ولم يرد المنة التي تهدم الصنيعة، والله تعالى يُوصَفُ بأنه مَنَّان، أي: منعم. قال أهل اللغة: المن: الإحسانُ إلى من لا يستثيبه، ولهذا يقال: الله تعالى منّان، لأن إحسانه إلى الخلق ليس لطلب ثواب، ومن هذا قوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ [ص: ٣٩] وقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثرَ مما أعطيت (٢). والمنّ في اللغة أيضًا: النقص من الحق والبخس له، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] يقال: غير مقطوع، وغير منقوص، ومن هذا يسمى الموت: مَنُونًا؛ لأنه يُنْقِصُ الأَعْدَاد، ويقطع الأعمار (٩). ومن هذا: المِنَّةُ المذمومة؛ لأنها تُنْقِصُ النعمة وتُكَدِّرُها، قال الشاعر في المِنَّةِ المَذْمومة (١٠):

стр. 2023

أَنَلْتَ قليلًا ثم أسْرعَت مِنَّةً ... فَنَيْلُكَ مَمْنُون لِذَاك قليلُ فالمراد بالمن الذي في الآية: المنُّ الذي هو الاعتداد بالصنيعة، وذكرها الذي يكدرها. والعَرَبُ تتمدّح بترك المنِّ بالنعمة، قال قائلهم (١): زَادَ مَعْروفَكَ عِنْدِي عِظَمًا ... أنَّهُ عِنْدَكَ مَسْتُورٌ حقيرْ تَتَنَاسَاهُ كأنْ لم تَأتِهِ ... وهو في العالم مَشْهورٌ كبيرْ (٢) قوله تعالى: ﴿وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢]، أي: " ولا بالأذى" (٣). قال ابن كثير: " أي: لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروها يحبطون به ما سلف من الإحسان" (٤). قال السعدي: " ولا أذية له قولية أو فعلية" (٥). قال القرطبي: " و (الأذى): السب والتشكي، وهو أعم من المن لأن المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه" (٦). قال البغوي: " أن يعيره فيقول إلى كم تسأل وكم تؤذيني؟ وقيل من الأذى هو أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحب وقوفه عليه" (٧). قال النسفي: " هو أن يتطاول عليه بسبب ما أعطاه" (٨). وقال الضحاك: " أن لا ينفق الرجل ماله، خيرٌ من أن ينفقه ثم يتبعه منًّا وأذى" (٩). وقال الحسن: " إن أقواما يبعثون الرجل منهم في سبيل الله، أو ينفق على الرجل، ويعطيه النفقة، ثم يمنه ويؤذيه، ومنه ما أنفق، يقول: أنفقت في سبيل الله كذا وكذا، من منه، من غير محتسبه عند الله، وأذى، يؤذي به الرجل الذي أعطاه، من ماله ويقول: ألم أعطك من مالي كذا وكذا؟ ألم أنفق عليك كذا وكذا؟ يمن عليه، وأذى يؤذيه، فذلك من القول له، إذ قال الله: الذين ينفقون أموالهم" (١٠). وقال زيد بن أسلم: "لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه، وقالت له امرأة: يا أبا أسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقا، فإنهم إنما يخرجون ليأكلوا الفواكه، فإن عندي أسهما وجعبة، فقال لها لا بارك الله في أسهمك وجعبتك، فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم" (١١). قال الآلوسي: " وإنما قدم (المنّ) لكثرة وقوعه وتوسيط كلمة ﴿لا﴾ لشمول النفي لاتباع كل واحدة منهما، و ﴿ثُمَّ﴾ للتفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى في الرتبة والبعد بينهما في الدرجة" (١٢). قال ابن عطية: " والأذى: السب والتشكي، وهو أعم من المنّ، لأنّ المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه" (١٣).

стр. 2024

قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم﴾ [البقرة: ٢٦٢]، " أي: لهم ثواب ما قدموا من الطاعة عند الله" (١). قال ابن كثير: "أي: ثوابهم على الله، لا على أحد سواه" (٢). قال ابن عطية: وضمن الله الأجر للمنفق في سبيل الله، والأجر الجنة" (٣). قال الشوكاني: "وقوله ﴿عند ربهم﴾ فيه تأكيد وتشريف" (٤). وذكروا بأن قوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِم﴾ [البقرة: ٢٦٢]، يحتمل وجهان (٥): الأول: يحتمل أن ثوابه عند الله ملتزم به، ولا بد أن يوفيه. والثاني: ويحتمل معنى آخر، وهو أن الثواب هذا يكون في الجنة التي سقفها عرش الرحمن؛ وهذه عندية مكان، ولا ينافي ما سبق من عندية العهد، والالتزام بالوفاء؛ فتكون الآية شاملة للمعنيين، وأرى بأن كلا المعنيين صحيحين. والله أعلم. قال ابن عثيمين: " وسمى الله الثواب أجراً؛ لأنه تكفل للعامل بأن يجزيه على هذا العمل؛ فصار كأجر الأجير" (٦). قوله تعالى: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٢]، أي: " أي لا يعتريهم فزعٌ يوم القيامة" (٧). قال الطبري: " عند مقدمهم على الله وفراقهم الدنيا، ولا في أهوال القيامة" (٨). قال ابن عثيمين: " أي مما يستقبل" (٩). قال ابن عطية: " ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل" (١٠). وقوله تعالى: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٢]، فيه تأويلان (١١): أحدهما: لا خوف عليهم في فوات الأجر (١٢). والثاني: لا خوف عليهم في أهوال الآخرة، قاله الطبري (١٣)، وابن كثير (١٤)، والقاسمي (١٥)، والصابوني (١٦) وآخرون. قوله تعالى: ﴿﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢]، أي: ولا هم يحزنون " على ما خلفوا وراءهم في الدنيا" (١٧).

стр. 2025

قال ابن عثيمين: " أي على ما مضى - لكمال نعيمهم - لأن المنعَّم لو أصابه الحزن، أو الخوف لتنغص نعيمه" (١). قال القاسمي: " على فائت من زهرة الدنيا، لصيرورتهم إلى ما هو خير من ذلك" (٢). قال ابن كثير: " ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: [على] ما خلفوه من الأولاد وما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها، لا يأسفون عليها؛ لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك" (٣). قال ابن عطية: ونفى" الحزن على ما سلف من دنياه، لأنه يغتبط بآخرته" (٤). قال المراغي: " ولا هم يحزنون حين يحزن الباخلون الممسكون عن الإنفاق في سبيل الله، إذ هم أهل السكينة والاطمئنان والسرور الدائم" (٥). قال محمد الحجازي: " ولا هم يحزنون وقت أن يحزن البخيل ويندم على إمساكه رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين" (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢]، يحتمل وجهين (٧): أحدهما: لا يحزنون على ما أنفقوه. والثاني: لا يحزنون على ما خلفوه. قال الشوكاني: " وقوله ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ظاهرة نفي الخوف عنهم في الدارين لما تفيده النكرة الواقعة في سياق النفي من الشمول وكذلك ﴿ولا هم يحزنون﴾ يفيد دوام انتفاء الحزن عنهم" (٨). قال الشنقيطي: " يفهم من هذه الآية أن من أتبع إنفاقه المن والأذى لم يحصل له هذا الثواب المذكور هنا في قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وقد صرح تعالى بهذا المفهوم في وله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] الآية " (٩). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الحث على الإنفاق في سبيل الله؛ لقوله تعالى: ﴿لهم أجرهم عند ربهم﴾. ٢ - ومنها: الإشارة إلى الإخلاص لله، ومتابعة الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾. ٣ - ومنها: أن من أتبع نفقته منًّا، أو أذى، فإنه لا أجر له؛ لقوله تعالى: ﴿ثم لا يتبعون ما أنفقوا منًّا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم﴾؛ فإذا أتبع منًّا، أو أذًى بطل أجره، كما هو صريح قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. ٤ - ومنها: أن المن والأذى يبطل الصدقة؛ وعليه فيكون لقبول الصدقة شروط سابقة، ومبطلات لاحقة؛ أما الشروط السابقة فالإخلاص لله، والمتابعة؛ وأما المبطلات اللاحقة فالمن، والأذى. مسألة (١): هل مجرد إخبار المنفِق بأنه أعطى فلاناً دون منّ منه بذلك يعتبر من الأذى؟ الجواب: نعم؛ لأن المعطى تنزل قيمته عند من علم به؛ لكن لو أراد بالخبر أن يقتدي الناس به فيعطوه فليس في هذا أذًى؛ بل هو لمصلحة

стр. 2026

المعطى؛ أما إن ذكر أنه أعطى، ولم يعيِّن المعطى فهذا ليس فيه أذى؛ ولكن يخشى عليه الإعجاب، أو المراءاة. مسألة (٢): هل المنفق عليه إذا أحس بأن المنفق منّ عليه، أو ربما أذاه هل الأفضل أن يبقى قابلاً للإنفاق أو يرده؟ الجواب الأفضل أن يرده لئلا يكون لأحد عليه منة؛ ولكن إذا رده بعد القبض فهل يلزم المنفِق قبوله؟ الجواب: لا يلزمه قبوله؛ لأنه خرج عن ملكه إلى ملك المنفق عليه؛ فيكون رده إياه ابتداء عطية. ٥ - ومن فوائد الآية: إثبات العندية لله ؛ لقوله تعالى: ﴿عند ربهم﴾؛ والعندية تفيد القرب؛ فيكون الله في مكان، وبعض الأشياء عنده، وبعض الأشياء بعيدة عنه؛ ولكن كلها قد أحاط الله بها؛ كلها بالنسبة إليه - إلى علمه، وقدرته، وسلطانه، وربوبيته - كلها سواء - لكن لا شك أن من كان حول العرش ليس كمن حول الفرش؛ ولكن يجب أن نعلم أن المكان ليس محيطاً به، كما قال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧]؛ لأنه فوق كل شيء؛ لا يحيط به شيء من مخلوقاته. ٦ - ومن فوائد الآية: أن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، ويَسْلَمون من المحبطات لا ينالهم خوف في المستقبل، ولا حزن على الماضي؛ لقوله تعالى: ﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. القرآن ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣] التفسير: كلام طيب وعفو عما بدر مِن السائل مِن إلحافٍ في السؤال، خير من صدقة يتبعها من المتصدق أذى وإساءة. والله غني عن صدقات العباد، حليم لا يعاجلهم بالعقوبة. قال ابن عطية: " هذا إخبار جزم من الله تعالى أن القول المعروف وهو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله، خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة، وفي باطنها لا شيء. لأن ذلك القول المعروف فيه أجر، وهذه لا أجر فيها" (١). قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]، "أي: ردّ جميل من المسؤول" (٢). قال البغوي: " أي: كلام حسن، ورد على السائل جميل" (٣). قال الطبري: " قولٌ جميل، ودعاءُ الرجل لأخيه المسلم" (٤). قال ابن كثير: " أي: من كلمة طيبة ودعاء لمسلم" (٥). قال الآلوسي: " أي كلام جميل يرد به السائل مثل يرحمك الله يرزقك الله إن شاء الله تعالى أعطيك بعد هذا" (٦). قال الصابوني: " أي ردُّ السائل بالتي هي أحسن" (٧). قال القرطبي: " و (القول المعروف) هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله" (٨).

стр. 2027

قال السعدي: " أي: تعرفه القلوب ولا تنكره، ويدخل في ذلك كل قول كريم فيه إدخال السرور على قلب المسلم، ويدخل فيه رد السائل بالقول الجميل والدعاء له" (١). وقد تعددت عبارات المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] على وجوه (٢): الأول: أن يدني إن أعطى. الثاني: يدعو إن منع. قاله الكلبي (٣). الثالث: وقيل عدة حسنة. الرابع: وقال الضحاك: نزلت في إصلاح ذات البين (٤). الخامس: وقيل: "القول المعروف أن تحث غيرك على إعطائه" (٥). قال أبو حيان: "وهذا كله على أن يكون الخطاب مع المسؤول لأن الخطاب في الآية قبل هذا، وفي الآية بعد هذا، إنما هو مع المتصدّق وقيل: الخطاب للسائل، وهو حث له على إجمال الطلب، أي يقول قولاً حسناً من تعريض بالسؤال أو إظهار للغنى حيث لا ضرورة، ويكسب خير من مثال صدقة يتبعها أذى، واشترك القول المعروف والمغفرة مع الصدقة التي يتبعها أذى في مطلق الخيرية، وهو: النفع، وإن اختلفت جهة النفع، فنفع القول المعروف والمغفرة باقٍ، ونفع تلك الصدقة فانٍ، ويحتمل أن يكون الخيرية هنا من باب قولهم: شيء خير من لا شيء. وقال الشاعر (٦): ومنعك للندى بجميل قول ... أحب إليّ من بذل ومنَّه وقال آخر فأجاد (٧): إن لم تكن ورق يوماً أجودبها ... للمعتفين فإني لينُ العودِ لا يعدم السائلون الخير من خلقي ... إما نوالي وإما حسن مردود" (٨). قال القرطبي: ": ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ ابتداء والخبر محذوف، أي قول معروف أولى وأمثل، ذكره النحاس والمهدوي" (٩)، قال ابن عطية: "وفي هذا ذهاب برونق المعنى، وإنما يكون المقدر كالظاهر" (١٠). وقال النحاس: "ويجوز أن يكون ﴿قول معروف﴾ خبر ابتداء محذوف، أي الذي أمرتم به قول معروف" (١١)، قال أبو حيان: "وجوز أن يكون: قول معروف، خبر مبتدأ محذوف تقديره: المأمور به قول معروف، ولم يحتج إلى ذكر المن في قوله: يتبعها، لأن الأذى يشمل المن وغيره كما قلنا" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]، " أي: عفو عن ظلم قولي أو فعلي" (١٣). قال الطبري: أي: " وسترٌ منه عليه لما علم من خَلَّته وسوء حالته" (١٤).

стр. 2028

قال ابن حجر: " أي: عفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول" (١). قال القرطبي: " المغفرة هنا: الستر للخلة وسوء حالة المحتاج، والمعنى -والله أعلم-: وفعل يؤدي إلى المغفرة، خير من صدقة يتبعها أذى " (٢). قال أبو حيان: "وعفو من السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول من إلحاح أو سب أو تعريض بسبب، كما يوجد في كثير من المستعطين .. والمغفرة، أي: الستر على نفسه والكف عن إظهار ما ارتكب من المآثم" (٣). قال السعدي: الصفح" لمن أساء إليك بترك مؤاخذته والعفو عنه، ويدخل فيه العفو عما يصدر من السائل مما لا ينبغي" (٤). قال البغوي: " أي تستر عليه خلته ولا تهتك عليه ستره" (٥). قال الصابوني: والصفحُ عن إِلحاحه" (٦). قال الآلوسي: " أي ستر لما وقع من السائل من الالحاف في المسألة وغيره مما يثقل على المسئول وصفح عنه" (٧). قال ابن عطية: "والمغفرة الستر للخلة وسوء حالة المحتاج. ومن هذا قول الأعرابي، وقد سأل قوما بكلام فصيح، فقال له قائل: ممن الرجل؟ فقال اللهم غفرا، سوء الاكتساب يمنع من الانتساب" (٨). وفي قوله تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]، ذكر أهل العلم وجوها (٩): أحدها: يعني العفو عن أذى السائل، بأن "يتجاوز عن الفقير إذا استطال عليه عند رده" (١٠). قال النقاش: " يقال معناه: ومغفرة للسائل إن أغلظ أو جفا إذا حرم" (١١)، "خير من التصدق عليه من المن والأذى" (١٢). والثاني: يعني بالمغفرة: السلامة من المعصية (١٣). والثالث: أنه ترك الصدقة والمنع منها، قاله ابن بحر (١٤). والرابع: هو يستر عليه فقره ولا يفضحه به، أي: "ستر خلة المحتاج، وسوء حاله" (١٥). قاله الطبري (١٦). الخامس: وقال الكلبي والضحاك: بتجاوز عن ظالمه (١٧).

стр. 2029

السادس: وقيل: " ويجوز أن يكون مثل قولك: تفضل الله عليك، أكبر من الصدقة التي تمن بها، أي غفران الله خير من صدقتكم هذه التي تمنون بها" (١). السابع: وقيل: نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل (٢). قال الآلوسي: "يحتمل أن يراد بالمغفرة مغفرة الله تعالى للمسؤول بسبب تحمله ما يكره من السائل" (٣). الثامن: وقيل: " مغفرة السائل ما يشق عليه من رد المسئول خَيْرٌ للمسؤول من تلك الصدقة" (٤)، أي: معذرة منه للمسؤول؛ لكونه رده رداً جميلاً (٥). قال أبو حيان: "أي عفو من جهة السائل، لأنه إذا رده ردّاً جميلاً عذره" (٦). العاشر: وقيل: "هو الدعاء والتأسي والترجئة بما عند الله" (٧). الحادي عشر: وقيل: "الدعاء لأخيه بظهر الغيب" (٨). الثاني عشر: وقيل: "الأمر بالمعروف خير ثواباً عند الله من صدقة يتبعها أذى" (٩). الثالث عشر: وقيل: "التسبيحات والدعاء والثناء والحمد لله" (١٠). الرابع عشر: وقيل: المغفرة أن يسأل الله الغفران لتقصير في عطاء وسدّ خلة" (١١). قال السعدي: " ومفهوم الآية أن الصدقة التي لا يتبعها أذى أفضل من القول المعروف والمغفرة، وإنما كان المنّ بالصدقة مفسدا لها محرما، لأن المنّة لله تعالى وحده، والإحسان كله لله، فالعبد لا يمنّ بنعمة الله وإحسانه وفضله وهو ليس منه، وأيضا فإن المانّ مستعبِدٌ لمن يمنّ عليه، والذّل والاستعباد لا ينبغي إلا لله، والله غني بذاته عن جميع مخلوقاته، وكلها مفتقرة إليه بالذات في جميع الحالات والأوقات، فصدقتكم وإنفاقكم وطاعاتكم يعود مصلحتها إليكم ونفعها إليكم" (١٢). قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذىً﴾ [البقرة: ٢٦٣]، أي: " خيرٌ عند الله وأفضل من إِعطائه ثم إيذائه أو تعييره بذلّ السؤال" (١٣). قال الطبري: " يعني يشتكيه عليها، ويؤذيه بسببها" (١٤). قال البغوي: أي من " منّ وتعيير للسائل أو قول يؤذيه" (١٥). قال أبو حيان: يعني: " أخف على البدن من صدقة يتبعها أذى" (١٦).

стр. 2030

قال الماوردي: "ويحتمل الأذى هنا وجهين: أحدهما: أنه المنّ. والثاني: أنه التعيير بالفقر" (١). قال الآلوسي: " وإنما لم يذكر المنّ لأن الأذى يشمله وغيره، وذكره فيما تقدم اهتماما به لكثرة وقوعه من المتصدقين وعسر تحفظهم عنه" (٢). ويحتمل قوله: ﴿خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذىً﴾ [البقرة: ٢٦٣]، وجهين (٣): أحدهما: خير منها على العطاء. والثاني: خير منها عند الله. روي عن عمرو بن دينار قال: " بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "ما من صدقة أحب إلى الله من قول معروف، ألم تسمع قوله: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى﴾ " (٤). وروي عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" (٥). وعن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى" (٦). وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا عاق لوالديه، ولا منان" (٧). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]، أي: " أي مستغن عن صدقة العباد، لا يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بالصدقة" (٨). قال البراء: " والله غني عن صدقاتكم" (٩). وقيل: الله "غني، لا يحوج الفقراء إلى تحمل مؤونة المنّ والأذى ويرزقهم من جهة أخرى" (١٠). قال أبو حيان: "أي غني عن الصدقة، حليم بتأخر العقوبة، وقيل: غني لا حاجة به إلى منفق يمن ويؤذي، حليم عن معاجلة العقوبة، وهذا سخط منه ووعيد" (١١). قال ابن عباس: " (الغني)، الذي كمل في غناه، و (الحليم)، الذي قد كمل في حلمه" (١٢). وعنه أيضا: " أخبر الله عباده بحلمه وعطفه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته" (١٣). قال الصابوني: " أي مستغنٍ عن الخلق حليم لا يعاجل العقوبة لمن خالف أمره" (١٤). قال الآلوسي: " والجملة تذييل لما قبلها مشتملة على الوعد والوعيد مقررة لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعا" (١٥).

стр. 2031

و (الحلم) يعني تأخير العقوبة عن مستحقها، كما قال ابن القيم في النونية (١): وهو الحليم فلا يعاجل عبده ... بعقوبة ليتوب من عصيان قال القرطبي: " أخبر تعالى عن غناه المطلق أنه غني عن صدقة العباد، وإنما أمر بها ليثيبهم، وعن حلمه بأنه لا يعاجل بالعقوبة من منّ وآذى بصدقته" (٢). قال ابن عثيمين: " "وجمع الله في هذه الآية بين «الغِنى» و «الحِلم»؛ لأن الآية في سياق الصدقة، فبين أن الصدقات لا تنفع الله؛ وإنما تنفع من يتصدق؛ والآية أيضاً في سياق من أتبع الصدقة أذى ومِنّة؛ وهذا حري بأن يعاجَل بالعقوبة، حيث آذى هذا الرجل الذي أعطاه المال لله؛ ولكن الله حليم يحلم على عبده لعله يتوب من المعصية" (٣). قال السعدي: " ولكن رحمته وإحسانه وحلمه لا يمنعه من معاجلته للعاصين، بل يمهلهم ويصرّف لهم الآيات لعلهم يرجعون إليه وينيبون إليه، فإذا علم تعالى أنه لا خير فيهم ولا تغني عنهم الآيات ولا تفيد بهم المثلات أنزل بهم عقابه وحرمهم جزيل ثوابه" (٤). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فضيلة القول المعروف؛ لقوله تعالى: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة ... ﴾؛ و «القول المعروف» كل ما عرفه الشرع، والعادة؛ مثال ذلك: أن يأتي رجل يسأل مالاً بحاله، أو قاله؛ فكلمه المسؤول، وقال: ليس عندي شيء، وسيرزق الله، وإذا جاء شيء فإننا نجعلك على البال، وما أشبه ذلك؛ فهذا قول معروف ليِّن، وهيِّن. ٢ - ومنها: الحث على المغفرة لمن أساء إليك؛ لكن هذا الحث مقيد بما إذا كانت المغفرة إصلاحاً؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠]؛ أما إذا لم تكن المغفرة إصلاحاً، مثل أن أغفر لهذا الجاني، ثم يذهب، ويسيء إلى الآخرين، أو يكرر الإساءة إليَّ، فإن الغفر هنا غير مطلوب. ٣ - ومنها: أن الأعمال الصالحة تتفاضل، ويلزم من تفاضلها تفاضل العامل، وزيادة الإيمان، أو نقصانه. ٤ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغني» و «الحليم»؛ وإثبات ما دلا عليه من الصفات. ٥ - ومنها: المناسبة في ختم هذه الآية الكريمة بهذين الاسمين؛ لأن في الآية إنفاقاً؛ وإذا كان الله هو الذي يخلِف هذا الإنفاق فإنه لكمال غناه؛ كذلك المغفرة عمن أساء إليك: فإن المغفرة تتضمن الحلم، وزيادة؛ فختم الله الآية بالحلم؛ وقد يقال: إن فيه مناسبة أخرى؛ وهي أن المن بالصدقة كبيرة من كبائر الذنوب؛ والله حليم على أهل الكبائر؛ إذ لو يؤاخذ الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، والله أعلم. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة: ٢٦٤] التفسير: يا من آمنتم بالله واليوم الآخر لا تُذْهِبُوا ثواب ما تتصدقون به بالمنِّ والأذى، فهذا شبيه بالذي يخرج ماله ليراه الناس، فيُثنوا عليه، وهو لا يؤمن بالله ولا يوقن باليوم الآخر، فمثل ذلك مثل حجر أملس عليه تراب

стр. 2032

هطل عليه مطر غزير فأزاح عنه التراب، فتركه أملس لا شيء عليه، فكذلك هؤلاء المراؤون تضمحلُّ أعمالهم عند الله، ولا يجدون شيئًا من الثواب على ما أنفقوه. والله لا يوفق الكافرين لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أي: يا أيها الذين" صدّقوا الله ورسوله" (١). قال أبو حيان: " لما شرط في الإنفاق أن لا يتبع مناً ولا أذىً، لم يكتفِ بذلك حتى جعل المن والأذى مبطلاً للصدقة، ونهى عن الإبطال بهما ليقوي اجتناب المؤمن لهما، ولذلك ناداهم بوصف الإيمان" (٢). قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَن وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، إي لا تحبطوا" أجور صدقاتكم" (٣)، بالمن والأذى. قال ابن عثيمين: " و «المن» إظهار أنك مانّ عليه، وأنك فوقه بإعطائك إياه؛ و «الأذى» أن تذكر ما تصدقت به عند الناس فيتأذى به" (٤). قال القاسمي: " أي لا تحبطوا أجرها بكل واحد منهما. فإنهما إساءتان ينافيان الإحسان المعتبر في الصدقة" (٥). قال ابن كثير: " فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى" (٦). قال ابن حجر: " وأما قوله: ﴿بِالمَنِّ وَالأَذَى﴾، فهو الذي يذكر عطاءه ليمتدح به" (٧). وقوله تعالى ﴿بِالْمَن﴾، فيه وجهان (٨): الأول: بالمن على السائل. قال مقاتل: " هو الرجل يمن صدقته" (٩). الثاني: وقال ابن عباس ﵄: بالمن على الله تعالى بسبب صدقته. قال أبو حيان: " والظاهر أن قوله: بالمن، معناه على الفقير، وهو قول الجمهور" (١٠). قا أبو حيان: "والأذى للسائل" (١١). قال ابن حجر: " فإن الظاهر أن المراد بـ (الأذى) في الآية إنما هو ما يكون من جهة المسؤول للسائل، فإنه عطف على المنّ وجمع معه بـ (الواو) " (١٢). وقد أخرج ابن ابي حاتم بسنده " عن مقاتل بن حيان في قول الله: ﴿بالمن والأذى﴾، قال: يؤذي الذي يتصدق عليه" (١٣).

стр. 2033

قال الشوكاني: " الإبطال للصدقات إذهاب أثرها وإفساد منفعتها أي لا تبطلوها بالمن والأذى أو بأحدهما" (١). قال أبو حيان: "ودلت الآية على أن المن والأذى مبطلان للصدقة، ومعنى إبطالهما أنه لا ثواب فيها عند الله. والسدي يعتقد أن السيئات لا تبطل الحسنات، فقال جمهور العلماء: الصدقة التي يعلم الله من صاحبها انه يمن ويؤذى لا تتقبل، وقيل: جعل الله للملك عليها إمارة، فهو لا يكتبها إذ نيته لم تكن لوجه الله" (٢). قال القرطبي: " وهذا حسن" (٣). وللعلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم﴾ [البقرة: ٢٦٤]، قولان (٤). الأول: أي: لا تأتوا بهذا العمل باطلاً، لأنه إذا اقصد به غير وجه الله فقد أتى به على جهة البطلان. والثاني: وقال القاضي عبد الجبار: "معلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدّمت، فلا يصح أن تبطل. فالمراد إذن إبطال أجرها، لأن الأجر لم يحصل بعد، وهو مستقبل، فيصير إبطاله بما يأتيه من المن والأذى" (٥). قال أبو حيان: "والمعنيان تحملهما الآية" (٦). وقد ذكر أهل العلم في هذا (المنفق) قولين (٧): أحدهما: أنه المنافق، ولم يذكر الزمخشري غيره ينفق للسمعة وليقال إنه سخي كريم، هذه نيته، لا ينفق لرضا الله. وطلب ثواب الآخرة، لأنه في الباطن لا يؤمن بالله واليوم الآخر. والثاني: وقيل: المراد به الكافر المجاهر، وذلك بإنفاقه لقول الناس: ما أكرمه وأفضله ولا يريد بإنفاقه إلاّ الثناء عليه. وقد رجح مكي القول الأول بأنه أضاف إليه الرياء، وذلك من فعل المنافق الساتر لكفره، وأما الكافر فليس عنده رياء لأنه مناصب للدّين مجاهر بكفره (٨). قوله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، " أي كالمرائي الذي يبطل إِنفاقه بالرياء" (٩). قال الآلوسي: " أي لا تبطلوها مشابهين الذي يبطل إنفاقه بالرياء" (١٠). قال ابن كثير: "أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة، ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه" (١١). وقرأ طلحة بي مصرف: ﴿رياءً﴾ بابدال الهمزة الأولى (ياءً) لكسر ما قبلها، وهي مروية عن عاصم (١٢). قوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أي: " ولا يصدق بوحدانية الله ورُبوبيته، ولا بأنه مبعوث بعد مماته" (١٣).

стр. 2034

روي "عن مقاتل بن حيان، في قول الله: ﴿ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾، يعني: المنافق" (١). وقال سعيد بن جبير: "لا يصدقون بتوحيد الله" (٢). قوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، " أي: مثل ذلك المرائي بإِنفاقه كمثل الحجر الأملس الذي عليه شيء من التراب يظنه الظانُّ أرضاً طيبةً منبتة" (٣). قال قتادة: " هذا مثل ضربه الله تعالى، لأعمال الكفار، يوم القيامة" (٤). قال ابن عثيمين: " أي كشِبْه صفوان، وهو الحجر الأملس" (٥). وقد اختلف في الضمير في قوله: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، على قولين (٦): الأول: فالظاهر أنه عائد على ﴿يُنفِقُ مَالَه رِئَآءَ النَّاسِ﴾ لقربه منه، ولإفراده ضرب الله لهذا المنافق المرائي، أو الكافر المباهي، المثل بصفوان عليه تراب، يظنه الظان أرضاً منبتة طيبة، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب، فيبقى صلداً منكشفاً، وأخلف ما ظنه الظان، كذلك هذا المنافق يرى الناس أن له أعمالاً كما يُرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحلت وبطلت، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب. وهذا اختيار الطبري (٧). والثاني: وقيل: الضمير في ﴿فَمَثَلُهُ﴾ عائد على المانِّ المؤذي، وأنه شبه بشيئين أحدهما: بالذي ينفق ماله رئاء الناس، والثاني: بصفوان عليه تراب، ويكون قد عدل من خطاب إلى غيبة، ومن جمع إلى افراد. وقوله تعالى: ﴿صَفْوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فيه وجهان (٨): أحدهما: أنه الحجر الأملس سُمِّيَ بذلك لصفائه (٩). قال الطبري: " الصفوان " واحدٌ وجمعٌ، فمن جعله جمعًا فالواحدة " صفوانة "، بمنزلة: تمرة وتمر ونخلة ونخل، ومن جعله واحدًا، جمعه " صِفْوان، وصُفِيّ، وصِفِيّ، كما قال الشاعر (١٠): مَوَاقعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ و(الصفوان) هو (الصفا)، وهي الحجارة الملس" (١١)، قاله ابن عباس (١٢)، والضحاك (١٣)، والربيع (١٤)، والسدي (١٥)، وقتادة (١٦)، وعكرمة (١٧)، والحسن (١٨)، ومقاتل بن حيان (١٩).

стр. 2035

والثاني: أنه أَلْيَنُ مِنَ الحجارة، حكاه أبان بن تغلب. قال الأصمعي: "الصَّفْواء أو الصَّفْوان والصَّفَا مقصور كلُّه واحدٌ" (١). وقرأ ابن المسيب، والزهري: (صفوان) بفتح الفاء، قيل: وهو شاذ في الأسماع. إنما بابه المصادر: كلغليان والتروان، وفي الصفات نحو: رجل صيحان، وتيس عدوان (٢). قال ابن حجر: ﴿صَفْوَان﴾، " أي: صخرة ملساء بإسكان الفاء (٣) ووهم من فتحها" (٤). قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أي: "فإِذا أصابه مطر شديد أذهب عنه التراب فيبقى صلداً أملس ليس عليه شيء من الغبار أصلاً" (٥). أخرج الطبري " عن ابن عباس: ﴿فتركه صلدًا﴾ قال: تركها نقية ليس عليها شيء" (٦). وروي نحوه عن السدي (٧)، والضحاك (٨)، وقتادة (٩). قال ابن كثير: " أي: فترك الوابل ذلك الصفوان صلدًا، أي: أملس يابسًا، أي: لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي: وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب " (١٠). قال الصابوني: " كذلك هذا المنافق، يظن أن له أعمالاً صالحة فإِذا كان يوم القيامة اضمحلت وذهبت" (١١).
следующие страницы →