← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

و (الحلم) يعني تأخير العقوبة عن مستحقها، كما قال ابن القيم في النونية (١): وهو الحليم فلا يعاجل عبده ... بعقوبة ليتوب من عصيان قال القرطبي: " أخبر تعالى عن غناه المطلق أنه غني عن صدقة العباد، وإنما أمر بها ليثيبهم، وعن حلمه بأنه لا يعاجل بالعقوبة من منّ وآذى بصدقته" (٢). قال ابن عثيمين: " "وجمع الله في هذه الآية بين «الغِنى» و «الحِلم»؛ لأن الآية في سياق الصدقة، فبين أن الصدقات لا تنفع الله؛ وإنما تنفع من يتصدق؛ والآية أيضاً في سياق من أتبع الصدقة أذى ومِنّة؛ وهذا حري بأن يعاجَل بالعقوبة، حيث آذى هذا الرجل الذي أعطاه المال لله؛ ولكن الله حليم يحلم على عبده لعله يتوب من المعصية" (٣). قال السعدي: " ولكن رحمته وإحسانه وحلمه لا يمنعه من معاجلته للعاصين، بل يمهلهم ويصرّف لهم الآيات لعلهم يرجعون إليه وينيبون إليه، فإذا علم تعالى أنه لا خير فيهم ولا تغني عنهم الآيات ولا تفيد بهم المثلات أنزل بهم عقابه وحرمهم جزيل ثوابه" (٤). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فضيلة القول المعروف؛ لقوله تعالى: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة ... ﴾؛ و «القول المعروف» كل ما عرفه الشرع، والعادة؛ مثال ذلك: أن يأتي رجل يسأل مالاً بحاله، أو قاله؛ فكلمه المسؤول، وقال: ليس عندي شيء، وسيرزق الله، وإذا جاء شيء فإننا نجعلك على البال، وما أشبه ذلك؛ فهذا قول معروف ليِّن، وهيِّن. ٢ - ومنها: الحث على المغفرة لمن أساء إليك؛ لكن هذا الحث مقيد بما إذا كانت المغفرة إصلاحاً؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠]؛ أما إذا لم تكن المغفرة إصلاحاً، مثل أن أغفر لهذا الجاني، ثم يذهب، ويسيء إلى الآخرين، أو يكرر الإساءة إليَّ، فإن الغفر هنا غير مطلوب. ٣ - ومنها: أن الأعمال الصالحة تتفاضل، ويلزم من تفاضلها تفاضل العامل، وزيادة الإيمان، أو نقصانه. ٤ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغني» و «الحليم»؛ وإثبات ما دلا عليه من الصفات. ٥ - ومنها: المناسبة في ختم هذه الآية الكريمة بهذين الاسمين؛ لأن في الآية إنفاقاً؛ وإذا كان الله هو الذي يخلِف هذا الإنفاق فإنه لكمال غناه؛ كذلك المغفرة عمن أساء إليك: فإن المغفرة تتضمن الحلم، وزيادة؛ فختم الله الآية بالحلم؛ وقد يقال: إن فيه مناسبة أخرى؛ وهي أن المن بالصدقة كبيرة من كبائر الذنوب؛ والله حليم على أهل الكبائر؛ إذ لو يؤاخذ الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، والله أعلم. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة: ٢٦٤] التفسير: يا من آمنتم بالله واليوم الآخر لا تُذْهِبُوا ثواب ما تتصدقون به بالمنِّ والأذى، فهذا شبيه بالذي يخرج ماله ليراه الناس، فيُثنوا عليه، وهو لا يؤمن بالله ولا يوقن باليوم الآخر، فمثل ذلك مثل حجر أملس عليه تراب

стр. 2032

هطل عليه مطر غزير فأزاح عنه التراب، فتركه أملس لا شيء عليه، فكذلك هؤلاء المراؤون تضمحلُّ أعمالهم عند الله، ولا يجدون شيئًا من الثواب على ما أنفقوه. والله لا يوفق الكافرين لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أي: يا أيها الذين" صدّقوا الله ورسوله" (١). قال أبو حيان: " لما شرط في الإنفاق أن لا يتبع مناً ولا أذىً، لم يكتفِ بذلك حتى جعل المن والأذى مبطلاً للصدقة، ونهى عن الإبطال بهما ليقوي اجتناب المؤمن لهما، ولذلك ناداهم بوصف الإيمان" (٢). قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَن وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، إي لا تحبطوا" أجور صدقاتكم" (٣)، بالمن والأذى. قال ابن عثيمين: " و «المن» إظهار أنك مانّ عليه، وأنك فوقه بإعطائك إياه؛ و «الأذى» أن تذكر ما تصدقت به عند الناس فيتأذى به" (٤). قال القاسمي: " أي لا تحبطوا أجرها بكل واحد منهما. فإنهما إساءتان ينافيان الإحسان المعتبر في الصدقة" (٥). قال ابن كثير: " فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى" (٦). قال ابن حجر: " وأما قوله: ﴿بِالمَنِّ وَالأَذَى﴾، فهو الذي يذكر عطاءه ليمتدح به" (٧). وقوله تعالى ﴿بِالْمَن﴾، فيه وجهان (٨): الأول: بالمن على السائل. قال مقاتل: " هو الرجل يمن صدقته" (٩). الثاني: وقال ابن عباس ﵄: بالمن على الله تعالى بسبب صدقته. قال أبو حيان: " والظاهر أن قوله: بالمن، معناه على الفقير، وهو قول الجمهور" (١٠). قا أبو حيان: "والأذى للسائل" (١١). قال ابن حجر: " فإن الظاهر أن المراد بـ (الأذى) في الآية إنما هو ما يكون من جهة المسؤول للسائل، فإنه عطف على المنّ وجمع معه بـ (الواو) " (١٢). وقد أخرج ابن ابي حاتم بسنده " عن مقاتل بن حيان في قول الله: ﴿بالمن والأذى﴾، قال: يؤذي الذي يتصدق عليه" (١٣).

стр. 2033

قال الشوكاني: " الإبطال للصدقات إذهاب أثرها وإفساد منفعتها أي لا تبطلوها بالمن والأذى أو بأحدهما" (١). قال أبو حيان: "ودلت الآية على أن المن والأذى مبطلان للصدقة، ومعنى إبطالهما أنه لا ثواب فيها عند الله. والسدي يعتقد أن السيئات لا تبطل الحسنات، فقال جمهور العلماء: الصدقة التي يعلم الله من صاحبها انه يمن ويؤذى لا تتقبل، وقيل: جعل الله للملك عليها إمارة، فهو لا يكتبها إذ نيته لم تكن لوجه الله" (٢). قال القرطبي: " وهذا حسن" (٣). وللعلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم﴾ [البقرة: ٢٦٤]، قولان (٤). الأول: أي: لا تأتوا بهذا العمل باطلاً، لأنه إذا اقصد به غير وجه الله فقد أتى به على جهة البطلان. والثاني: وقال القاضي عبد الجبار: "معلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدّمت، فلا يصح أن تبطل. فالمراد إذن إبطال أجرها، لأن الأجر لم يحصل بعد، وهو مستقبل، فيصير إبطاله بما يأتيه من المن والأذى" (٥). قال أبو حيان: "والمعنيان تحملهما الآية" (٦). وقد ذكر أهل العلم في هذا (المنفق) قولين (٧): أحدهما: أنه المنافق، ولم يذكر الزمخشري غيره ينفق للسمعة وليقال إنه سخي كريم، هذه نيته، لا ينفق لرضا الله. وطلب ثواب الآخرة، لأنه في الباطن لا يؤمن بالله واليوم الآخر. والثاني: وقيل: المراد به الكافر المجاهر، وذلك بإنفاقه لقول الناس: ما أكرمه وأفضله ولا يريد بإنفاقه إلاّ الثناء عليه. وقد رجح مكي القول الأول بأنه أضاف إليه الرياء، وذلك من فعل المنافق الساتر لكفره، وأما الكافر فليس عنده رياء لأنه مناصب للدّين مجاهر بكفره (٨). قوله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، " أي كالمرائي الذي يبطل إِنفاقه بالرياء" (٩). قال الآلوسي: " أي لا تبطلوها مشابهين الذي يبطل إنفاقه بالرياء" (١٠). قال ابن كثير: "أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة، ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه" (١١). وقرأ طلحة بي مصرف: ﴿رياءً﴾ بابدال الهمزة الأولى (ياءً) لكسر ما قبلها، وهي مروية عن عاصم (١٢). قوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أي: " ولا يصدق بوحدانية الله ورُبوبيته، ولا بأنه مبعوث بعد مماته" (١٣).

стр. 2034

روي "عن مقاتل بن حيان، في قول الله: ﴿ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾، يعني: المنافق" (١). وقال سعيد بن جبير: "لا يصدقون بتوحيد الله" (٢). قوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، " أي: مثل ذلك المرائي بإِنفاقه كمثل الحجر الأملس الذي عليه شيء من التراب يظنه الظانُّ أرضاً طيبةً منبتة" (٣). قال قتادة: " هذا مثل ضربه الله تعالى، لأعمال الكفار، يوم القيامة" (٤). قال ابن عثيمين: " أي كشِبْه صفوان، وهو الحجر الأملس" (٥). وقد اختلف في الضمير في قوله: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، على قولين (٦): الأول: فالظاهر أنه عائد على ﴿يُنفِقُ مَالَه رِئَآءَ النَّاسِ﴾ لقربه منه، ولإفراده ضرب الله لهذا المنافق المرائي، أو الكافر المباهي، المثل بصفوان عليه تراب، يظنه الظان أرضاً منبتة طيبة، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب، فيبقى صلداً منكشفاً، وأخلف ما ظنه الظان، كذلك هذا المنافق يرى الناس أن له أعمالاً كما يُرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحلت وبطلت، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب. وهذا اختيار الطبري (٧). والثاني: وقيل: الضمير في ﴿فَمَثَلُهُ﴾ عائد على المانِّ المؤذي، وأنه شبه بشيئين أحدهما: بالذي ينفق ماله رئاء الناس، والثاني: بصفوان عليه تراب، ويكون قد عدل من خطاب إلى غيبة، ومن جمع إلى افراد. وقوله تعالى: ﴿صَفْوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فيه وجهان (٨): أحدهما: أنه الحجر الأملس سُمِّيَ بذلك لصفائه (٩). قال الطبري: " الصفوان " واحدٌ وجمعٌ، فمن جعله جمعًا فالواحدة " صفوانة "، بمنزلة: تمرة وتمر ونخلة ونخل، ومن جعله واحدًا، جمعه " صِفْوان، وصُفِيّ، وصِفِيّ، كما قال الشاعر (١٠): مَوَاقعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ و(الصفوان) هو (الصفا)، وهي الحجارة الملس" (١١)، قاله ابن عباس (١٢)، والضحاك (١٣)، والربيع (١٤)، والسدي (١٥)، وقتادة (١٦)، وعكرمة (١٧)، والحسن (١٨)، ومقاتل بن حيان (١٩).

стр. 2035

والثاني: أنه أَلْيَنُ مِنَ الحجارة، حكاه أبان بن تغلب. قال الأصمعي: "الصَّفْواء أو الصَّفْوان والصَّفَا مقصور كلُّه واحدٌ" (١). وقرأ ابن المسيب، والزهري: (صفوان) بفتح الفاء، قيل: وهو شاذ في الأسماع. إنما بابه المصادر: كلغليان والتروان، وفي الصفات نحو: رجل صيحان، وتيس عدوان (٢). قال ابن حجر: ﴿صَفْوَان﴾، " أي: صخرة ملساء بإسكان الفاء (٣) ووهم من فتحها" (٤). قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أي: "فإِذا أصابه مطر شديد أذهب عنه التراب فيبقى صلداً أملس ليس عليه شيء من الغبار أصلاً" (٥). أخرج الطبري " عن ابن عباس: ﴿فتركه صلدًا﴾ قال: تركها نقية ليس عليها شيء" (٦). وروي نحوه عن السدي (٧)، والضحاك (٨)، وقتادة (٩). قال ابن كثير: " أي: فترك الوابل ذلك الصفوان صلدًا، أي: أملس يابسًا، أي: لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي: وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب " (١٠). قال الصابوني: " كذلك هذا المنافق، يظن أن له أعمالاً صالحة فإِذا كان يوم القيامة اضمحلت وذهبت" (١١).

стр. 2036

أخرج الطبري بسنده " عن قتادة قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿على شيء مما كسبوا﴾، فهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة يقول: لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ، كما ترك هذا المطر الصفاةَ الحجرَ ليس عليه شيء، أنقى ما كان عليه" (١). وروي نحوه عن الربيع (٢)، والسدي (٣)، والضحاك (٤)، وابن عباس (٥)، وابن جريج (٦)، وابن يد (٧). قال الشوكاني: " مثل الله سبحانه هذا المنفق بصفوان عليه تراب يظنه الظان أرضا منبتة طيبة فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب وبقي صلدا أي أجرد نقيا من التراب الذي كان عليه فكذلك هذا المرائي فإن نفقته لا تنفعه كما لا ينفع المطر الواقع على الصفوان الذي عليه تراب" (٨). و(الوابل): المطر الشديد (٩) العظيم (١٠) (١١)، يقال: وَبَلَتِ السماءُ تَبِلُ وَبْلًا، وأرض مَوْبُولَةٌ: أصابها وابل (١٢)، كما قال أمرؤ القيس (١٣): سَاعَةً ثُمَّ انْتَحَاهَا وَابِلٌ ... سَاقِطُ الأكْنَافِ وَاهٍ مُنْهَمِرُ قال الأخفش: " وقوله ﴿أخذا وبيلا﴾ [المزمل: ١٦]، من ذا، يعني: شديدا" (١٤). قال القرطبي: " وضرب وبيل، وعذاب وبيل أي شديد" (١٥). و(الصَّلْد): الأملسُ اليابس (١٦)، يقال: حَجَرٌ صلْدُ، وجبين صلْدٌ: إذا كان براقًا أملس، وأرض صلد: لا تنبت شيئًا كالحجر الصلد، ومن ذلك يقال للقدر الثخينة البطيئة الغلي: " قِدْرٌ صَلود "، " وقد صَلدت تصْلُدُ صُلودًا، ومنه قول تأبط شرًّا (١٧):

стр. 2037

وَلَسْتُ بِجِلْبٍ جِلْبِ رَعْدٍ وَقِرَّةٍ ... وَلا بِصَفًا صَلْدٍ عَنِ الخَيْرِ أعْزَلِ و(الصلد) من الحجارة: الصلب الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره (١)، وهو من الأرَضين ما لا ينبت فيه شيء، وكذلك من الرؤوس، كما قال رؤبة (٢): لَمَّا رَأَتْنِي خَلَقَ المُمَوَّهِ ... بَرَّاقَ أَصْلادِ الجَبِينِ الأجْلَهِ وقال بعض بني أسد في الأرض الصلدة (٣): وإنِّي لأرجو الوَصْلَ منكِ كَما رَجَا ... صَدَى الجَوْفِ مُرْتَادًا كداه صُلود فقوله (صلود): جمعُ صَلْد، وأصله من قولهم: صَلَدَ الزَّنْدُ وأصلد: إذا لم يوْرِ نارًا (٤). قال الواحدي: "وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق وعمل المنّان الموذي، يعنى: أن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالًا كما يُرى التُرابُ على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل؛ لأنه لم يكن لله، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب، فلا يقدر أحد (من الخلق) على ذلك التراب الذي أزاله المطر عن الصفا، كذلك هؤلاء في العمل الذي حبط، إذا قدموا على ربهم لم يجدوا شيئًا" (٥). وقال القاضي عبد الجبار: "ذكر تعالى لكيفية إبطال الصدقة بالمنّ والأذى مثلين، فمثله أولاً بمن ينفق ماله رئاء الناس، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لأن إبطال نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها بالمنّ والأذى. ثم مثله ثانياً بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار. ثم إذا أصابه المطر القوي فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما عليه تراب ولا غبار أصلاً، قال: فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان، فكذا المنّ والأذى يجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله، وذلك صريح القول في الإحاطة والتكفير" (٦). وفي عود الضمير في قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وجهان (٧):

стр. 2038

الأول: عائد على الصفوان. والثاني: وقيل: يحتمل أن يعود على التراب. وأما الضمير في قوله تعالى: ﴿فَتَرَكَهُ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فعائد على الصفوان، "وهذه الجملة جعل فيها العمل الظاهر: كالتراب، والمانّ المؤذي، أو المنافق كالصفوان، ويوم القيامة كالوابل، وعلى قول المعتزلة: المنّ والأذى كالوابل، وقال القفال: وفيه احتمال آخر، وهو أن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة، فمن عمل بإخلاص فكأنه طرح بذراً في أرض طيبة، فهو يتضاعف له وينمو، ألا ترى أنه ضرب المثل في ذلك بجنة فوق ربوة؟ فهو يجده وقت الحاجة إليه. وأما المان والمؤذي والمنافق، فكمن بذر في الصفوان لا يقبل بذراً ولا ينمو فيه شيء، عليه غبار قليل أصابه جود فبقي مستودع بذر خالياً، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئاً" (١). قوله تعالى: ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤]، " أي لا ينتفعون بما فعلوه رياء ولا يجدون له ثوابا" (٢). قال الواحدي: " أي: على ثواب شيء" (٣). قال القرطبي: " يعني المرائي والكافر والمان، على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم .. فعبر عن النفقة بالكسب، لأنهم قصدوا بها الكسب" (٤). قال الصابوني: أي: "لا يجدون له ثواباً في الآخرة فلا ينتفع بشيءٍ منها أصلاً" (٥). وروي "مقاتل بن حيان في قول الله: ﴿لا يقدرون على شيء مما كسبوا﴾، يعني به: نفقاتهم" (٦). قال ابن ابي حاتم: " أنهم لا يؤجرون عليها، ولا تنفعهم يوم القيامة ، وكان مقاتل، ما فسر فسره عن رجال من التابعين، منهم الضحاك بن مزاحم، وجابر بن زيد" (٧). وأخرج ابن ابي حاتم " عن الربيع، في قوله: ﴿لا يقدرون على شيء مما كسبوا﴾، يومئذ، كما ترك المطر الصفا نقيا، ليس عليه شيء" (٨). ثم قال: "وروي عن قتادة، نحو قول الربيع" (٩). وقد اختلف أهل اللعلم في الضمير في قوله ﴿يَقْدِرُونَ﴾ [البقرة: ٣٦٤]، على وجهين (١٠): الأول: قيل: هو عائد على المخاطبين في قوله: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم﴾ ويكون من باب الالتفات، إذ هو رجوع من خطاب إلى غيبة، والمعنى: أنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على الانتفاع بشيء مما كسبتم، وهذا فيه بعد. وقيل: هو عائد على ﴿كَالَّذِى يُنفِقُ﴾ لأن: كالذي جنس، فلك أن تراعي لفظه كما في قوله: ﴿يُنفِقُ مَالَه رِئَآءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ﴾ فأفرد الضمير، ولك أن تراعي المعنى، لأن معناه جمع، وصار هذا ﴿كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ ثم قال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾.

стр. 2039

قال ابن عطية: "وقد انحمل الكلام قبل على لفظ: الذي، وهذا هو مهيع كلام العرب، ولو انحمل أولاً على المعنى لقبح بعد أن يحمل على اللفظ" (١). والثاني: قيل: هو عائد على معلوم غير مذكور المعنى لا يقدر أحد من الخلق على الانتفاع بذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي على الصفوان، لأنه زال ذلك التراب وزال ما كان فيه، فكذلك المان والمؤذي والمنافق، لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة. وقيل: هو عائد على المرائي الكافر أو المنافق، أو على المان، أي: لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم، وهو كسبهم، عند حاجتهم إليه، وعبروا عن النفقة بالكسب لأنهم قصدوا بها الكسب، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا﴾ وقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿والله لا يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أي "لا يهديهم إِلى طريق الخير والرشاد" (٢). قال ابن عثيمين: " أي لا يهدي سبحانه الكافرين هداية توفيق؛ أما هداية الدلالة فإنه سبحانه لم يَدَع أمة إلا بعث فيها نبياً؛ لكن الكافر لا يوفقه الله لقبول الحق؛ و ﴿الكافرين﴾ أي الذين حقت عليهم كلمة الله، كما قال تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧] " (٣). وقوله تعالى: ﴿والله لا يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فيه وجهان (٤): الأول: قال أبو إسحاق: أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين. قال أبو حيان: " يعني الموافقين على الكفر، ولا يهديهم في كفرهم بل هو ضلال محض" (٥). وقال الطبري: " لا يسدّدهم لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها، فيوفقهم لها، وهم للباطل عليها مؤثرون، ولكنه يتركهم في ضلالتهم يعمهون" (٦). والثاني: وقيل: "لا يجعل جزاءهم على كفرهم أن يهديهم" (٧). قال أبو حيان: " وفي هذا ترجح لمن قال: إن ضرب المثل عائد على الكافر" (٨). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: تحريم المن، والأذى في الصدقة؛ لقوله تعالى: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. ٢ - ومنها: بلاغة القرآن، حيث جاء النهي عن المنّ، والأذى بالصدقة بهذه الصيغة التي توجب النفور؛ وهي: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم﴾؛ فإنها أشد وقعاً من «لا تَمُنّوا، ولا تؤذوا بالصدقة». ٣ - ومنها: أن المن والأذى بالصدقة يبطل ثوابها؛ لقوله تعالى: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. ٤ - ومنها: أن المن والأذى بالصدقة كبيرة من كبائر الذنوب؛ وجه ذلك: ترتيب العقوبة على الذنب يجعله من كبائر الذنوب؛ وقد قال شيخ الإسلام في حد الكبيرة: «كل ذنب رُتب عليه عقوبة خاصة، كالبراءة منه، ونفي الإيمان، واللعنة، والغضب، والحد، وما أشبه ذلك»؛ وهذا فيه عقوبة خاصة؛ وهي إبطال العمل؛ ويؤيد ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا

стр. 2040

يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» (١). ٥ - ومنها: أن المنّ والأذى بالصدقة مناف لكمال الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾؛ كأنه يقول: «إن مقتضى إيمانكم ألا تفعلوا ذلك؛ وإذا فعلتموه صار منافياً لهذا الوصف، ومنافياً لكماله». ٦ - ومنها: تشبيه المعقول بالمحسوس ليقربه إلى الذهن؛ لقوله تعالى: ﴿فمثله كمثل صفوان ... ﴾ إلخ. ٧ - ومنها: تحريم مراءاة الناس بالعمل الصالح؛ لقوله تعالى: ﴿كالذي ينفق ماله رئاء الناس﴾؛ والتسميع كالمراءاة؛ والفرق بينهما أن المراءاة فيما يُرى - كالأفعال - والتسميع بما يقال. ٨ - ومنها: أن من راءى الناس بإنفاقه ففي إيمانه بالله، وباليوم الآخر نقص؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر﴾؛ لأن الذي يرائي لو كان مؤمناً بالله حق الإيمان لجعل عمله لله خالصاً لله؛ ولو كان يؤمن باليوم الآخر حق الإيمان لم يجعل عمل الآخرة للدنيا؛ لأن مراءاة الناس قد يكسب بها الإنسان جاهاً في الدنيا فقط؛ مع أنه لا بد أن يتبين أمره؛ وإذا تبين أنه مراءٍ نزلت قيمته في أعين الناس؛ يقول الشاعر: ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا اكتسيت به فإنك عاري أنت لا تظن أنك إذا راءيت الناس أنك ستبقى مخادعاً لهم؛ بل إن الله سيظهر ذلك؛ ما أسر إنسان سريرة إلا أظهرها الله سبحانه على صفحات وجهه، وفلتات لسانه. ٩ - ومن فوائد الآية: إثبات اليوم الآخر؛ وهو يوم القيامة. ١٠ - ومنها: بلاغة القرآن في التشبيه؛ لأنك إذا طابقت بين المشبه، والمشبه به، وجدت بينهما مطابقة تامة. ١١ - ومنها: إثبات كون القياس دليلاً صحيحاً؛ وجه ذلك: التمثيل، والتشبيه؛ فكل تمثيل في القرآن فإنه دليل على القياس؛ لأن المقصود به نقل حكم هذا المشبه به إلى المشبه. ١٢ - ومنها: أن الرياء مبطل للعمل؛ وهو نوع من الشرك؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٢)؛ فإن قصد بعمله إذا رآه الناس أن يتأسى الناس به، ويسارعوا فيه فهي نية حسنة لا تنافي الإخلاص؛ لأن النبي ﷺ صلى على المنبر، وقال: «إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلَّموا صلاتي» (٣)؛ وفي الحج كان (ص) يقول: «لتأخذوا مناسككم» (٤)؛ وهو داخل في قول النبي ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» (٥). ١٣ - ومن فوائد الآية: الإشارة إلى تحسر هؤلاء عند احتياجهم إلى العمل، وعجزهم عنه؛ لقوله تعالى: ﴿لا يقدرون على شيء مما كسبوا﴾؛ وعجز الإنسان عن الشيء بعد محاولة القدرة عليه أشد حسرة من عدمه بالكلية؛ ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون * لو نشاء لجعلناه حطاماً﴾ [البقرة: ٦٣ - ٦٥]؛ وكونه حطاماً ينظرون إليه أشد حسرة من كونه لم ينبت أصلاً؛ وقوله تعالى: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشاء جعلناه أجاجاً﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]؛ وكونه بين أيديهم أجاجاً لا يستسيغون شربه أشد مما لو لم يوجد أصلاً؛ والإنسان العاقل يجعل

стр. 2041

العمل لله: لله؛ والعمل للناس: للناس؛ أنا قد أحب أن أخرج للناس في ثوب جميل: لا بأس أن أتجمل ليراني الناس على هذه الحال؛ لكن أصلي ليراني الناس أصلي: لا يصح؛ لأن العمل لله يجب أن يكون لله لا يشاركه فيه أحد. ١٤ - ومن فوائد الآية: أن من قضى الله عليه بالكفر لا تمكن هدايته؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الكافرين﴾؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين الواقع من أن الله هدى قوماً كافرين كثيرين؟ فالجواب أن من هدى الله لم تكن حقت عليهم كلمة الله؛ فأما من حقت عليه كلمة الله فلن يُهْدى، كما قال تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]. ١٥ - ومنها: أن المنافق كافر؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الكافرين﴾ بعد أن ذكر ما يتعلق بصفة المنافق؛ وهو الذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله، واليوم الآخر؛ وهذا ينطبق تماماً على المنافقين؛ ولا ريب أن المنافقين كفار - وإن تظاهروا بالإسلام - ولكن هل نعاملهم معاملة الكفار؟ الجواب: لا نعاملهم معاملة الكفار؛ لأن أحكام الدنيا تجري على الظاهر؛ وأحكام الآخرة تجري على الباطن والسرائر، كما قال تعالى: ﴿أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصِّل ما في الصدور﴾ [العاديات: ٩، ١٠]، وقال تعالى: ﴿يوم تبلى السرائر﴾ [الطارق: ٩]؛ ولأنه لو عومل الناس في الدنيا على السرائر لكان في ذلك تكليف ما لا يطاق من وجه؛ وكان في ذلك الفوضى التي لا نهاية لها من وجه آخر؛ أما تكليف ما لا يطاق فلأننا لا نعلم ما في صدور الناس؛ فلا يمكن أن نحكم عليه؛ وأما الفوضى فلأنه يستطيع كل ظالم له ولاية أن يعاقب هذا الرجل، أو يعدم هذا الرجل بحجة أنه مبطن للكفر؛ ولما استؤذن النبي ﷺ في قتل المنافقين قال: «لا أقتلهم؛ لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» (١). القرآن ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ [البقرة: ٢٦٥] التفسير: ومثل الذين ينفقون أموالهم طلبًا لرضا الله واعتقادًا راسخًا بصدق وعده، كمثل بستان عظيم بأرض عالية طيبة هطلت عليه أمطار غزيرة، فتضاعفت ثمراته، وإن لم تسقط عليه الأمطار الغزيرة فيكفيه رذاذ المطر ليعطي الثمرة المضاعفة، وكذلك نفقات المخلصين تُقبل عند الله وتُضاعف، قلَّت أم كثُرت، فالله المُطَّلِع على السرائر، البصير بالظواهر والبواطن، يثيب كلا بحسب إخلاصه. قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، قال السعدي: " أي: قصدهم بذلك رضى ربهم والفوز بقربه" (٢). قال الصابوني: " أي: ينفقونها طلباً لمرضاته وتصديقاً بلقائه تحقيقاً للثواب عليه" (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾، يحتمل وجهين (٤): أحدهما: في نُصرة أهل دينه من المجاهدين. والثاني: في معونة أهل طاعته من المسلمين. قوله تعالى: : ﴿وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥]،

стр. 2042

قال الطبري: " وتثبيتًا لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله وتحقيقًا، من قول القائل: " ثَبَّتُّ فلانًا في هذا الأمر " - إذ صححت عزمَه، وحققته، وقويت فيه رأيه - " أثبته تثبيتًا "، كما قال ابن رواحة (١): فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ تَثْبِيتَ ... مُوسَى، وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا قال السعدي: " أي: صدر الإنفاق على وجه منشرحة له النفس سخية به، لا على وجه التردد وضعف النفس في إخراجها وذلك أن النفقة يعرض لها آفتان إما أن يقصد الإنسان بها محمدة الناس ومدحهم وهو الرياء، أو يخرجها على خور وضعف عزيمة وتردد، فهؤلاء سلموا من هاتين الآفتين فأنفقوا ابتغاء مرضات الله لا لغير ذلك من المقاصد، وتثبيتا من أنفسهم" (٢). وقد ذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، أربعة تأويلات (٣): أحدها: تثبيتاً من أنفسهم بقوة اليقين، والنصرة في الدين، وهو معنى قول الشعبي (٤)، وقتادة (٥)، وأبو صالح (٦)، وابن زيد (٧)، والسدي (٨). والثاني: يتثبتون أين يضعون صدقاتهم، قاله مجاهد (٩)، والحسن (١٠). قال الطبري: " تأويل بعيد المعنى مما يدل عليه ظاهر التلاوة، وذلك أنهم تأولوا قوله: ﴿وتثبيتًا من أنفسهم﴾، بمعنى: " وتثبُّتًا "، فزعموا أنّ ذلك إنما قيل كذلك، لأن القوم كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم. ولو كان التأويل كذلك، لكان: " وتثبتًا من أنفسهم " ; لأن المصدر من الكلام إن كان على " تفعَّلت " " التفعُّل "، فيقال: " تكرمت تكرمًا "، و " تكلمت تكلمًا "، وكما قال جل ثناؤه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]، من قول القائل: " تخوّف فلان هذا الأمر تخوفًا ". فكذلك قوله: ﴿وتثبيتًا من أنفسهم﴾، لو كان من " تثبَّت القومُ في وضع صدقاتهم مواضعها "، لكان الكلام: " وتثبُّتًا من أنفسهم "، لا " وتثبيتًا ". ولكن معنى ذلك ما قلنا: من أنه: وتثبيتٌ من أنفس القوم إياهم، بصحة العزم واليقين بوعد الله تعالى ذكره" (١١). والثالث: يعني احتساباً لأنفسهم عند الله، قاله ابن عباس، وقتادة (١٢). قال الطبري: " وهذا القول أيضًا بعيد المعنى من معنى " التثبيت "، لأن التثبيت لا يعرف في شيء من الكلام بمعنى " الاحتساب "، إلا أن يكون أراد مفسِّرُه كذلك: أن أنفس المنفقين كانت محتسبة في تثبيتها أصحابها. فإن كان ذلك كان عنده معنى الكلام، فليس الاحتساب بمعنًى حينئذ للتثبيت، فيترجَم عنه به" (١٣). والرابع: توطيناً لأنفسهم على الثبوت على طاعة الله، قاله بعض المتكلمين. قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾، "أي: كمثل بستان كثير الشجر بمكانٍ مرتفع من الأرض" (١٤).

стр. 2043

قال الآلوسي: " أي: بستان بنشز من الأرض، والمراد تشبيه نفقة هؤلاء في الزكاء بهذه الجنة، واعتبر كونها في ربوة لأن أشجار الربى تكون أحسن منظرا وأزكى ثمرا للطافة هوائها وعدم كثافته بركوده" (١). قال السعدي: " أي: كثيرة الأشجار غزيرة الظلال، من الاجتنان وهو الستر، لستر أشجارها ما فيها، وهذه الجنة بمحل مرتفع ضاح للشمس في أول النهار ووسطه وآخره، فثماره أكثر الثمار وأحسنها، ليست بمحل نازل عن الرياح والشمس" (٢). قال القرطبي: " الجنة: البستان، وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها، فهي مأخوذة من لفظ الجن والجنين لاستتارهم" (٣). وقال المبرد والفراء: "إذا كان في البستان نخل، فهو جنة وإن كان فيه كرم فهو فردوس" (٤). و(الربوة): "المكان المرتفع ارتفاعا يسيرا، معه في الأغلب كثافة تراب، وما كان كذلك فنباته أحسن، ولذلك خص الربوة بالذكر" (٥). قال الطبري: "وإنما وصفها بذلك جل ثناؤه، لأن ما ارتفع عن المسايل والأودية أغلظ، وجنان ما غلُظ من الأرض أحسنُ وأزكى ثمرًا وغرسًا وزرعًا، مما رقَّ منها، ولذلك قال أعشى بني ثعلبة في وصف روضة (٦): مَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ... خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ هَطِلُ فوصفها بأنها من رياض الحزن (٧)، لأن الحزون: غرسها ونباتها أحسن وأقوى من غروس الأودية والتلاع وزروعها" (٨). وقال السدي: " ﴿بربوة﴾: أي برباوة، وهو ما انخفض من الأرض" (٩). قال ابن عطية: "وهذه عبارة قِلقة، ولفظ الربوة هو مأخوذ من ربا يربو إذا زاد" (١٠).

стр. 2044

قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، في معنى (الربوة) ثلاثة أقاويل (١): أحدهما: هي الموضع المرتفع من الأرض. قاله مجاهد (٢)، وقتادة (٣)، والضحاك (٤)، والربيع (٥)، وابن عباس (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وروي عن وعطاء ومقاتل نحو ذلك (٨). والثاني: وقيل هي المُسْتَوِية. قاله الحسن (٩). والثالث: كل ما ارتفع عن مسيل الماء، قاله اليزيدي (١٠). وقوله تعالى: ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، فيه ثلاثة قراءات (١١): الأولى: قرأ عاصم وابن عامر: ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ بفتح (الراء)، وفي سورة المؤمنين (١٢) مثله، " وبها قرأ بعض أهل الشام، وبعض أهل الكوفة، ويقال إنها لغة لتميم" (١٣). الثانية: وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿بِرُبْوَةٍ﴾ بضم الراء وفي سورة المؤمنين مثله، " وبها قرأت عامة قرأة أهل المدينة والحجاز والعراق" (١٤). قال أبو عليّ: قال أبو عبيدة: "الرّبوة: الارتفاع عن المسيل، وقال أبو الحسن: ربوة. وقال بعضهم: بربوة، وربوة، ورباوة، ورباوة، كلّ من لغات العرب، وهو كلّه في الرابية، وفعله: ربا يربو" (١٥). قال أبو الحسن: "والذي نختار: ﴿رُبوة﴾، بضم الراء وحذف الألف" (١٦). قال أبو عليّ: يقوّي هذا الاختيار أنّ جمعه ربى، ولا يكاد يسمع غيره، وإذا كان فعله: ربا يربو إذا ارتفع؛ فالرابية؛ والرّبوة، إنّما هو لارتفاع أجزائها عن صفحةالمكان التي هي بها، ومنه الرّبا " (١٧). الثالثة: وقرأ فيما ذكر ابن عباس (رِبوه)، بكسر الراء (١٨). وقال الطبري: " وغير جائز عندي أن يقرأ ذلك إلا بإحدى اللغتين: إما بفتح (الراء)، وإما بضمها، لأن قراءة الناس في أمصارهم بإحداهما. وأنا لقراءتها بضمها أشدّ إيثارًا مني بفتحها، لأنها أشهر اللغتين في العرب. فأما الكسر، فإنّ في رفض القراءة به، دِلالةٌ واضحة على أن القراءة به غير جائزة" (١٩). قوله تعالى: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، " أي أصابها مطر غزير" (٢٠).

стр. 2045

قال مقاتل: " أصاب الجنة المطر" (١). وفي معنى (الوابل) وجوه: إحداها: المطر الشديد (٢). والثاني: المطر الغزير، قال عطاء: الوابل: "الجود من المطر" (٣) (٤). ومنه قول عدي بن زيد (٥): قليل لها مني وإن سخطت بأن ... أقول سقيت سقيت الوابل الغدقا قوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، أي: "فأخرجت ثمارها جنيَّة مضاعفة، ضعفي ثمر غيرها من الأرض" (٦). قال الزمخشري: " مثْلَي ما كانت تثمر بسبب الوابل" (٧). قال الطبري: " فإنه يعني الجنة: أنها أضعف ثمرها ضعفين حين أصابها الوابل من المطر" (٨). قال السعدي: " أي: تضاعفت ثمراتها لطيب أرضها ووجود الأسباب الموجبة لذلك، وحصول الماء الكثير الذي ينميها ويكملها" (٩). قال البغوي: "أي أضعفت في الحمل" (١٠). قال عطاء: "حملت في السنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين" (١١). وقال عكرمة: "حملت في السنة مرتين" (١٢). كما قيل في قوله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ [إبراهيم: ٢٥] (١٣). و(الأُكُل)، هو الشيء المأكول، لأن من شأنه أن يؤكل، وأما (الأَكْل) بفتح (الألف) وتسكين (الكاف)، فهو: فِعْل الآكل، يقال منه: أكلت أكلا وأكلتُ أكلة واحدة، ومنه قول الشاعر (١٤):

стр. 2046

وَمَا أَكْلَةٌ إنْ نِلْتُها بِغَنِيمَةٍ ... وَلا جَوْعَةٌ إِنْ جُعْتُهَا بِغَرَام قال ابن عطية: " وإضافة (الأُكْل) " إلى الجنة، إضافة اختصاص، كسرج الدابة وباب الدار، وإلا فليس الثمر مما تأكله الجنة" (١). واختلف في قوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، بناء على الخلاف في أن الضعف هل هو المثل أو المثلان: القول الأول: قالوا: " ﴿ضِعْفَيْنِ﴾، معناه: اثنين مما يظن بها ويحرز من مثلها" (٢)، لأن ضعف الشيء مثله زائداً عليه، وضعفاه: مثلاه زائداً عليه (٣). والثاني: وقيل "ضعف الشيء مثلاه" (٤). قال الماوردي: " والأول قول الجمهور" (٥). وقوله تعالى: ﴿أُكُلَهَا﴾ [البقرة: ٢٦٥]، فيه قراءتان (٦): الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿أُكْلها﴾ بضم الهمزة وسكون الكاف، وكذلك كل مضاف إلى مؤنث وفارقهما أبو عمرو فيما أضيف إلى مذكر مثل: (أكله) أو كان غير مضاف إلى مكنى مثل (أكل خمط) فثقل أبو عمرو ذلك، وخففاه. والثانية: وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي في جميع ما ذكرناه بالتثقيل. قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، أي: فإن لم ينزل عليها المطر الغزير: " فمطر صغير القطر، يكفيها لكرم منبتها" (٧). قال البغوي: " أي فطش، وهو المطر الضعيف الخفيف ويكون دائما" (٨). قال الصابوني: " أي فإِن لم ينزل عليها المطر الغزير فيكفيها المطر الخفيف أو يكفيها الندى لجودتها وكرم منبتها ولطافة هوائها فهي تنتج على كل حال" (٩). قال ابن عطية: " ثم أكد تعالى مدح هذه الربوة بأنها إن لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فإن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل، وذلك لكرم الأرض" (١٠). قال الطبري: أي: " فإن لم يكن الوابلُ أصابها، أصابها طل، وذلك في الكلام نحو قول القائل: " حَبَست فرسين، فإن لم أحبس اثنين فواحدًا بقيمته "، بمعنى: إلا أكن، لا بدَّ من إضمار (كان)، لأنه خبر، ومنه قول الشاعر (١١): إِذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ ... وَلَمْ تَجِدِي مِنْ أَنْ تُقِرِّي بها بُدَّا

стр. 2047

وقال الآلوسي: " والمراد أن خيرها لا يخلف على كل حال لجودتها وكرم منبتها ولطافة هوائها والطل- الرذاذ من المطر وهو اللين منه" (١). واختلف أهل العلم في التقدير في قوله تعالى: ﴿فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وفيه وجهان (٢): الأول: قال المبرد: "تقديره فَطَلٌّ يكفيها" (٣). والثاني: وقال آخرون: التقدير فالذي أصابهم طل. قال ابن عطية: "فشبه نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفلو والفصيل حسب الحديث بنمو نبات هذه الجنة بالربوة الموصوفة، وذلك كله بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقي صلدا" (٤). قال الماوردي: "، فأراد بهذا ضرب المثل أن كثير البِر مثل زرع المطر كثير النفع، وقليل البِر مثل زرع الطل قليل النفع، ولا تدع قليل البر إذا لم تفعل كثيره، كما لا تدع زرع الطل إذا لم تقدر على زرع المطر" (٥). وقال البغوي: " وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المؤمن المخلص فيقول: كما أن هذه الجنة تريع في كل حال ولا تخلف سواء قل المطر أو كثر، كذلك يضعف الله صدقة المؤمن المخلص الذي لا يمن ولا يؤذي سواء قلت نفقته أو كثرت، وذلك أن الطل إذا كان يدوم يعمل عمل الوابل الشديد" (٦). وفي تفسير (الطلّ) ثلاثة أقوال (٧): إحداها: أنه: المستدق من القطر الخفيف، قاله قتادة (٨)، والربيع (٩)، والضحاك (١٠)، وسعيد بن جبير (١١)، وابن عباس (١٢)، وهو مشهور اللغة (١٣). والثاني: وقيل: أنه الرذاذ من المطر (١٤). قاله مقاتل (١٥).

стр. 2048

والثالث: وقال قوم (الطل) الندى. قاله ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، والسدي (٣)، والضحاك (٤)، ومقاتل (٥). قال ابن عطية: وهذا تجوز وتشبيه" (٦). أخرج الطبري " عن السدي قوله: ﴿فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصيبها وابل فطل﴾، يقول: كما أضعفتُ ثمرة تلك الجنة، فكذلك تُضاعف ثمرة هذا المنفق ضِعفين" (٧). وقال الضحاك: " هذا مثل من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله" (٨). وقال الربيع: " هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن" (٩). وأخرج ابن أبي حاتم بسنده " عن قتادة، قوله: والله بما تعملون بصير هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن، يقول: ليس لخيره خلف، كما ليس لخير هذه الجنة خلف، على أي حال كان، إما وابل، وإما طل" (١٠). قوله تعالى: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، "أي: لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد" (١١). وقال ابن عطية: " وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وعد ووعيد" (١٢). قال الآلوسي: " فيجازي كلّا من المخلص والمرائي بما هو أعلم به، ففي الجملة ترغيب للأوّل، وترهيب للثاني مع ما فيها من الإشارة إلى الحط على الأخير حيث قصد بعمله رؤية من لا تغنى رؤيته من لا تغنى رؤيته شيئا وترك وجه البصير الحقيقي الذي تغني وتفقر رؤيته عز شأنه" (١٣). قال الطبري: " وإنما يعني بهذا القول جل ذكره، التحذيرَ من عقابه في النفقات التي ينفقها عباده وغير ذلك من الأعمال أن يأتي أحدٌ من خلقه ما قد تقدّم فيه بالنهي عنه، أو يفرّطَ فيما قد أمر به، لأن ذلك بمرأى من الله ومَسمَع، يعلمه ويحصيه عليهم، وهو لخلقه بالمرصاد" (١٤). قال ابن عثيمين: و ﴿البصير﴾، هنا كونه من "العلم أحسن ليشمل ما نعمله من الأقوال؛ فإن الأقوال تسمع، ولا تُرى؛ وليشمل ما في قلوبنا؛ فإن ما في قلوبنا لا يُسمع، ولا يُرى؛ وإنما يعلم عند الله ، كما قال تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ [ق: ١٦] " (١٥). وقوله تعالى: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، فيه قراءتان (١٦): الأولى: قراءة الجماعة: ﴿تَعْمَلُونَ﴾.

стр. 2049

والثانية: وقرأ الزهري ﴿يعملون﴾ بالياء. قال ابن عطية: " كأنه يريد به الناس أجمع. أو يريد المنفقين فقط، فهو وعد محض" (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أنه لا إنفاق نافع إلا ما كان مملوكاً للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿أموالهم﴾؛ فلو أنفق مال غيره لم يقبل منه إلا أن يكون بإذن من الشارع، أو المالك. فإن قال قائل: عندي مال محرم لكسبه، وأريد أن أتصدق به فهل ينفعني ذلك؟ فالجواب: إن أنفقه للتقرب إلى الله به: لم ينفعه، ولم يسلم من وزر الكسب الخبيث؛ والدليل قوله ﷺ : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً» (٢)؛ وإن أراد بالصدقة به التخلص منه، والبراءة من إثمه: نفعه بالسلامة من إثمه، وصار له أجر التوبة منه - لا أجر الصدقة. ولو قال قائل: عندي مال اكتسبته من ربا فهل يصح أن أبني به مسجداً، وتصح الصلاة فيه؟ فالجواب: بالنسبة لصحة الصلاة في هذا المسجد هي صحيحة بكل حال؛ وبالنسبة لثواب بناء المسجد: إن قصد التقرب إلى الله بذلك لم يقبل منه، ولم يسلم من إثمه؛ وإن قصد التخلص سلم من الإثم، وأثيب - لا ثواب باني المسجد - ولكن ثواب التائب. ٢ - ومن فوائد الآية: بيان ما للنية من تأثير في قبول الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿ابتغاء مرضات الله﴾. ٣ - ومنها: اشتراط الإخلاص لقبول الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿ابتغاء مرضات الله﴾. ٤ - ومنها: أن الإنفاق لا يفيد إلا إذا كان على وفق الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿ابتغاء مرضات الله﴾؛ وجه ذلك أن من ابتغى شيئاً فإنه لا بد أن يسلك الطريق الموصل إليه؛ ولا طريق يوصل إلى مرضات الله إلا ما كان على وفق شريعته في الكم، والنوع، والصفة؛ كما قال تعالى في الكم: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ [الفرقان: ٦٧]؛ وقال تعالى في النوع: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٣٤]، وقال النبي ﷺ : «لا يقبل الله إلا الطيب» (٣)؛ وفي الصفة قال الله تعالى: ﴿كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ... ﴾ إلخ [البقرة: ٢٦٤]. ٥ - ومن فوائد الآية: إثبات رضا الله؛ لقوله تعالى: ﴿مرضات الله﴾؛ وهو من الصفات الفعلية. ٦ - ومنها: بيان أن تثبيت الإنسان لعمله، واطمئنانه به من أسباب قبوله؛ لقوله تعالى: ﴿وتثبيتاً من أنفسهم﴾؛ لأن الإنسان الذي لا يعمل إلا كارهاً فيه خصلة من خصال المنافقين؛ كما قال تعالى: ﴿ولا ينفقون إلا وهم كارهون﴾ [التوبة: ٥٤]. ٧ - ومنها: فضل الإنفاق على وجه التثبيت من النفس؛ لأنه يندفع بدافع نفسي؛ لا بتوصية من غيره، أو نصيحة. ٨ - ومنها: إثبات القياس؛ لقوله تعالى: ﴿مثل ... كمثل ... ﴾؛ وقد ذكرنا قاعدة فيما سبق أن كل مثال في القرآن سواء كان تمثيلياً، أو إفرادياً، فهو دليل على ثبوت القياس. ٩ - ومنها: أنه يحسن في التعليم أن يبين المعقول بالمحسوس؛ لقوله تعالى: ﴿كمثل جنة بربوة﴾؛ وهذا من البلاغة؛ لأنه يقرب المعقول إلى أذهان الناس. ١٠ - ومنها: اختيار المكان الأنفع لمن أراد أن ينشئ بستاناً؛ لقوله تعالى: ﴿كمثل جنة بربوة﴾.

стр. 2050

١١ - ومنها: بركة آثار المطر؛ لقوله تعالى: ﴿فآتت أكلها ضعفين﴾؛ ولهذا وصف الله المطر بأنه مبارك في قوله تعالى: ﴿ونزلنا من السماء ماءً مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد﴾ [ق~: ٩] الآيتين. ١٢ - ومنها: أنه إذا كان مكان البستان طيباً فإنه يكفي فيه الماء القليل؛ لقوله تعالى: ﴿فإن لم يصبها وابل فطل﴾. ١٣ - ومنها: إثبات علم الله، وعمومه؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون بصير﴾. ١٤ - ومنها: التحذير من مخالفة الله ؛ لكونه عالماً بما نعمل. القرآن ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾ [البقرة: ٢٦٦] التفسير: أيرغب الواحد منكم أن يكون له بستان فيه النخيل والأعناب، تجري من تحت أشجارِه المياه العذبة، وله فيه من كل ألوان الثمرات، وقد بلغ الكِبَر، ولا يستطيع أن يغرس مثل هذا الغرس، وله أولاد صغار في حاجة إلى هذا البستان وفي هذه الحالة هبَّت عليه ريح شديدة، فيها نار محرقة فأحرقته؛ وهكذا حال غير المخلصين في نفقاتهم، يأتون يوم القيامة ولا حسنة لهم. وبمثل هذا البيان يبيِّن الله لكم ما ينفعكم؛ كي تتأملوا، فتخلصوا نفقاتكم لله. ذكر أهل العلم في معنى هذا المثل أربعة أقوال: القول الأول: أنه مثل لمن أحسن العمل ثم انعكس سيرته. وهو قول عمر بن الخطاب (١)، وابن عباس (٢)، وقد روي عن قتادة (٣) والربيع (٤)، والضحاك (٥)، وعكرمة (٦)، نحو ذلك، واختاره جمع من أهل التفسير (٧). القول الثاني: وقيل: أن الآية مثل آخر لنفقة الرياء. قاله السدي (٨) ورجحه الطبري (٩). القول الثالث: وقيل: هو مثل للمفرِّط في طاعة الله لملاذّ الدنيا، فيحصل في الآخرة على الحسرة العظمى (١٠). قاله مجاهد (١١). القول الرابع: وقيل: أنه مثل لمن عمل عملا لوجه الله تعالى من صدقة أو غيرها ثم عمل أعمالا تفسده (١٢). روي عن ابن زيد (١٣) نحو هذا المعنى، واختاره السعدي (١٤)، والبغوي (١٥)، والزمخشري (١٦) وآخرون.

стр. 2051

والقول الأول أحسن من أن يكون تمثيلا لمن يبطل صدقته بالمنّ والأذى والرياء، وفصل عنه لاتصاله بمنا ذكر بعده أيضا لأن ذلك لا عمل له، وأجيب بأن له عملا يجازى عليه بحسب ظاهر حاله وظنه وهو يكفي للتمثيل المذكور، وأنت تعلم أن هذا لا يدفع أحسنية ذلك لا سيما وقد قاله ترجمان القرآن وارتضاه الأمير المحدث رضي الله تعالى عنه (١). قال ابن عطية: " وهذا أبين من الذي رجح الطبري، وليست هذه الآية بمثل آخر لنفقة الرياء، هذا هو مقتضى سياق الكلام، وأما بالمعنى في غير هذا السياق فتشبه حال كل منافق أو كافر عمل وهو يحسب أنه يحسن صنعا، فلما جاء إلى وقت الحاجة لم يجد شيئا" (٢). قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، أي: " أيحب أحدكم" (٣). قال ابن عثيمين: " الاستفهام هنا بمعنى النفي، كما سيتبين من آخر الآية؛ و (يود) أي يحب؛ و (الود) خالص المحبة" (٤). قوله تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، " يعني بستانًا" (٥). وقرأ الحسن: " ﴿له جنات﴾ " (٦). قوله تعالى: ﴿مِنْ نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، "أي: فيها من أنواع النخيل والأعناب والثمار الشيء الكثير" (٧). قال ابن عطية: " وخص النخيل والأعناب بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر" (٨). وقال السعدي: " وخص منها النخل والعنب لفضلهما وكثرة منافعهما، لكونهما غذاء وقوتا وفاكهة وحلوى" (٩). قال الراغب: " النخيل: سمي بذلك لأنه منخول الأشجار وصفوها وذاك أنه أكرم ما ينبت، لكونه مشبها بالحيوانات في الاحتياج، الأنثى منها إلى الفحل في التلقيح وأنه إذا قطع رأسه لم يثمر بعده" (١٠). قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [البقرة: ٢٦٦]، "أي: تمر الأنهار من تحت أشجارها" (١١). قال السعدي: " وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية التي تسقيها من غير مؤنة" (١٢). قال ابن عثيمين: " وظاهر كلمة ﴿أنهار﴾ أن الماء عذب، وجمع ﴿الأنهار﴾ باعتبار تفرقها في الجنة، وانتشارها في نواحيها؛ إذاً يعتبر هذا البستان كاملاً من كل النواحي: نخيل، وأعناب، ومياه، وثمرات؛ وهو أيضاً جنة كثيرة الأشجار، والأغصان، والزروع، وغير ذلك - هذا هو المشهد الأول من الآية" (١٣).

стр. 2052

قوله تعالى: ﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات﴾ [البقرة: ٢٦٦]، "أي: ينبت له فيها جميع الثمار ومن كل زوج بهيج" (١). أخرج ابن ابي حاتم بسنده" عن عكرمة، قوله: ﴿فيها من كل الثمرات﴾، فما في الدنيا من شجرة إلا وهي في الجنة، حتى الحنظل" (٢). قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف قال (جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ) ثم قال: (لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ)، قلت: النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع، خصهما بالذكر، وجعل الجنة منهما - وإن كانت محتوية على سائر الأشجار - تغليباً لهما على غيرهما، ثم أردفهما ذكر كل الثمرات. ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها كقوله: ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ بعد قوله: ﴿جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ " (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَصَابَهُ الكبر﴾ [البقرة: ٢٦٦]، أي: " أصابته الشيخوخة فضعف عن الكسب" (٤). قال السعدي: "ثم إنه أصابه الكبر فضعف عن العمل وزاد حرصه" (٥). قال الآلوسي: " أي: أثر فيه علو السن والشيخوخة وهو أبلغ من كبر" (٦). قال ابن عثيمين: " أي: أصاب صاحب الجنة الكِبَر، فعجز عن تصريفها، والقيام عليها" (٧). قال الراغب: " ﴿وَأَصَابَهُ الكبر﴾، تنبيه على معنى التأثير والنكاية فيه، كقول الشاعر (٨): رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى" (٩). قوله تعالى: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، أي: "وله أولاد صغار لا يقدرون على الكسب" (١٠). قال البغوي: يعني" أولاد صغار ضعاف عجزة" (١١). قال ابن عثيمين: " يعني صغاراً، أو عاجزين؛ فالأب كبير؛ والذرية ضعفاء - إما لصغرهم، أو عجزهم" (١٢). قال الطبري: " صغارٌ أطفال" (١٣). قال الآلوسي: " وترك التعبير بصغار مع مقابلة الكبر، لأنه أنسب كما لا يخفى" (١٤). قال أبو حيان: " ويحتمل أن يراد بضعفاء: محاويج" (١٥).

стр. 2053

وعن ابن عباس: " ﴿وله ذرية ضعفاء﴾، قال: مثل ضرب" (١). قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فاحترقت﴾ [البقرة: ٢٦٦]، "أي أصاب تلك الحديقة ريح عاصفة شديدة معها نار فأحرقت الثمار والأشجار" (٢). قال أبو حيان: " وفي العطف بالفاء في قوله: فأصابها إعصار، دليل على أنها حين أزهت وحسنت للانتفاع بها أعقبها الإعصار .. وقد فسر أنها هلكت بالصاعقة" (٣). و(الإعصار): ريح عاصف شديدة، تهب من الأرض إلى السماء كالعمود، تجمع (أعاصير) (٤)، ومنه قول يزيد بن مفرغ الحميري (٥): أُنَاسٌ أَجَارُونَا فَكَانَ جِوارُهُمْ ... أَعَاصِيرَ مِنْ فَسْوِ العِرَاقِ المُبَذَّرِ وفي سبب تسميتها بالإعصار قولان: الأول: قال المهدوي: " قيل لها إِعْصارٌ، لأنها تلتف كالثوب إذا عصر" (٦). قال ابن عطية: "وهذا ضعيف" (٧). قال القرطبي: "بل هو صحيح، لأنه المشاهد المحسوس، فإنه يصعد عمودا ملتفا" (٨). والثاني: وقيل: "إنما قيل للريح إعصار، لأنه يعصر السحاب، والسحاب معصرات إما لأنها حوامل فهي كالمعصر من النساء. وإما لأنها تنعصر بالرياح. وحكى ابن سيده: إن المعصرات فسرها قوم بالرياح لا بالسحاب" (٩).

стр. 2054

وذكر أهل العلم في تفسير ﴿فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فاحترقت﴾ [البقرة: ٢٦٦]، قولين (١): أحدهما: أنها: ريح فيها سموم شديدةٌ، قاله ابن عباس (٢)، وقتادة (٣) والسدي (٤)، والربيع (٥) ظن ومجاهد (٦). والثاني: هي ريح فيها برد شديد. قاله الحسن (٧) والضحاك (٨). قال ابن حجر: " والأول أظهر؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهِ نَار﴾ (٩). وقوله تعالى: ﴿فاحترقت﴾ [البقرة: ٢٦٦]، فيه قولان: الأول: "فذهبت أحوج ما كان إليها". قاله الحسن (١٠). الثاني: " فاحترق بستانه". قاله ابن عباس (١١). قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات﴾ [البقرة: ٢٦٦]، "أي: مِثل ذلك البيان" (١٢)، يبيّن الله لكم آياته. قال أبو حيان: " أي: مثل هذا البيان تصرف الأمثال المقربة الأشياء للذهن، يبين لكم العلامات التي يوصل بها إلى اتباع الحق" (١٣). أخرج ابن أبي حاتم" عن سعيد بن جبير، في قول الله: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات﴾، يعني: ما ذكر" (١٤). قال ابن عثيمين: " ﴿الآيات﴾ يشمل الآيات الكونية، والشرعية - يبينها الله، ويوضحها" (١٥). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآْيَاتِ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، يحتمل وجهين (١٦): أحدهما: يوضح لكم الدلائل. والثاني: يضرب لكم الأمثال. قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، " أي: كي تتفكروا فيها وتعتبروا بما تضمنته من العبر وتعلموا بموجبها" (١٧). قال الطبري: " لتتفكروا بعقولكم، فتتدبّروا وتعتبروا بحجج الله فيها وتعملوا بما فيها من أحكامها، فتطيعوا الله به" (١٨). قال القرطبي: " كي ترجعوا إلى عظمتي وربوبيتي ولا تتخذوا من دوني أولياء" (١٩).

стр. 2055

قال أبو حيان" أي: تعلمون أفكاركم فيما يفنى ويضمحل من الدنيا، وفيما هو باق لكم في الآخرة، فتزهدون في الدنيا، وترغبون في الآخرة" (١). قال الصابوني: " لكي تتفكروا وتتدبروا بما فيها من العبر والعظات" (٢). قال ابن عثيمين: " و «التفكر» إعمال الفكر فيما يراد" (٣). قال ابن عطية: " و ﴿لَعَلَّكُمْ﴾، ترجّ في حق البشر، أي إذا تأمل من يبين له هذا البيان رجي له التفكر وكان أهلا له" (٤). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، يحتمل ثلاثة أوجه: إحداها: تعتبرون، لأن المفكر معتبر (٥). والثاني: تهتدون، لأن الهداية التَّفَكُّر (٦). الثالث: تطيعون، قاله مجاهد" (٧). وروي عن ابن عباس: " ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾، يعني: في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها" (٨). وروي عن قتادة: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾: هذا مثل ضربه الله فاعقلوا عن الله أمثاله، يقول: وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون" (٩). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بيان تثبيت المعاني المعقولة بالأمور المحسوسة؛ لأنه أقرب إلى الفهم؛ وجه ذلك أن الله ضرب مثلاً للمانّ بالصدقة بصاحب هذه الجنة؛ ووجه الشبه سبقت الإشارة إليه. ٢ - ومنها: جواز ضرب المثل بالقول؛ فهل يجوز ضرب المثل بالفعل - وهو ما يسمى بالتمثيل؟ الجواب: نعم، يجوز لكن بشرط ألا يشتمل على شيء محرم؛ ولنضرب لذلك أمثلة للأشياء المحرمة في التمثيل: أولاً: أن يكون فيه قيام رجل بدور امرأة، أو قيام امرأة بدور رجل؛ لأن النبي ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال (١٠). ثانياً: أن يتضمن ازدراء ذوي الفضل من الصحابة، وأئمة المسلمين؛ لأن ازدراءهم واحتقارهم محرم؛ والقيام بتمثيلهم يحط من قدرهم - لا سيما إذا عُلم من حال الممثِّل أنه فاسق؛ لأن الغالب إذا كان فاسقاً وقد تقمص شخصية هذا الرجل التَّقي الذي له قدره، وفضله في الأمة، فإن هذا قد يحط من قدره بهذا الذي قام بدور في التمثيلية. ثالثاً: أن يكون فيه تقليد لأصوات الحيوانات، مثل أن يقوم بدور تمثيل الكلب، أو الحمار؛ لأن الله لم يذكر التشبيه بالحيوانات إلا في مقام الذم، كقوله تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار﴾ [الجمعة: ٥]، وقوله: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو

стр. 2056

شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ... ﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦] الآيتين؛ وكذلك السنة لم تأت بالتشبيه بالحيوان إلا في مقام الذم، كقول النبي ﷺ : «الذي يتكلم والإمام يخطب يوم الجمعة كمثل الحمار يحمل أسفاراً» (١)، وقوله: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» (٢). رابعاً: أن يتضمن تمثيل دَور الكافر، أو الفاسق؛ بمعنى أن يكون أحد القائمين بأدوار هذه التمثيلية يمثل دَور الكافر، أو دَور الفاسق؛ لأنه يخشى أن يؤثر ذلك على قلبه: أن يتذكر يوماً من الدهر أنه قام بدور الكافر، فيؤثر على قلبه، ويدخل عليه الشيطان من هذه الناحية؛ لكن لو فعل هل يكون كافراً؟ الجواب: لا يكون كافراً؛ لأن هذا الرجل لا ينسب الكفر إلى نفسه؛ بل صور نفسه صورة من ينسبه إلى نفسه، كمن قام بتمثيل رجل طلق زوجته؛ فإن زوجة الممثل لا تطلق؛ لأنه لم ينسب الطلاق إلى نفسه؛ بل إلى غيره. وقد ظن بعض الناس أنه إذا قام بدور الكافر فإنه يكفر، ويخرج من الإسلام، ويجب عليه أن يجدد إسلامه، واستدل بالقرآن، وكلام أهل العلم؛ أما القرآن فاستدل بقوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ [التوبة: ٦٥، ٦]: وهؤلاء القوم يدعون أنهم يخوضون، ويلعبون؛ يعني: على سبيل التسلية ليقطعوا بها عناء الطريق؛ ويقول أهل العلم: إن من أتى بكلمة الكفر - ولو مازحاً - فإنه يكفر؛ قالوا: وهذا الرجل مازح ليس جادّاً؛ فالجواب أن نقول: إن النبي ﷺ قال: «ثلاث جِدّهن جِدّ وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة» (٣): فلو قال الرجل لزوجته: أنت طالق يمزح عليها فإنها تطلق؛ فهل تقولون: إذا قام الممثل بدور رجل طلق امرأته فإنها تطلق امرأته؟ سيقولون: لا؛ وكلنا يقول: لا؛ والفرق ظاهر؛ لأن المازح يضيف الفعل إلى نفسه، والممثل يضيفه إلى غيره؛ ولهذا لا تطلق زوجته لو قام بدور تمثيل المطلِّق؛ ولا يكفر لو قام بدوره تمثيل الكافر؛ لكن أرى أنه لا يجوز من ناحية أخرى؛ وهي أنه لعله يتأثر قلبه في المستقبل، حيث يتذكر أنه كان يوماً من الدهر يمثل دور الكافر؛ ثم إنه ربما يعَيَّر به فيقال مثلاً: أين أبو جهل؟ ! إذا قام بدوره. ويمكن أن نأتي بدليل على جواز التمثيل؛ وذلك في قصة الثلاثة من بني إسرائيل: الأقرع، والأعمى، والأبرص؛ فالملك أتى الأبرص، والأقرع، والأعمى، وسألهم ماذا يريدون؛ كل ذكر أمنيته؛ فأعطاه الله أمنيته؛ ثم عاد إليهم المَلَك مرة أخرى؛ عاد إلى الأبرص بصورته، وهيئته - يعني أبرص فقيراً - وقال له: «إني رجل فقير، وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري؛ فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك» (٤)؛

стр. 2057

فالملَك يمثل دور رجل فقير - وهو ليس بفقير - وأبرص - وليس بأبرص - وكذلك بالنسبة للأقرع، والأعمى؛ فبعض العلماء استدل بهذا الحديث على جواز التمثيل. فعليه نقول إذا كان التمثيل لا يشتمل على شيء محرم من الأمثلة التي ذكرناها، أو غيرها، فإنه لا بأس به، وليس من الكذب في شيء؛ لأن الكذب يضيف الإنسان الأمر إلى نفسه، فيأتي إليك يقرع الباب؛ تقول: مَن؟ يقول: أنا زيد - وليس هو بزيد؛ فهذا كاذب؛ لكن يأتي إنسان يقول: أنا أمثل دور فلان، ويعرف الناس أنه ليس فلاناً؛ فليس بكذب؛ لكنه إذا نسب القول إلى شخص معيَّن فهذا يحتاج إلى ثبوت هذا القول عن هذا الشخص المعين؛ أما إذا حكى قصة رجل بوصفه - لا بعينه - فليس بكذب. ٣ - ومن فوائد الآية: أن الله يبين لعباده الآيات الشرعية، والكونية؛ كلها مبينة في كتابه أتم بيان. ٤ - ومنها: الحث على التفكر، وأنه غاية مقصودة؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تتفكرون﴾؛ فالإنسان مأمور بالتفكر في الآيات الكونية، والشرعية؛ لأن التفكر يؤدي إلى نتائج طيبة؛ لكن هذا فيما يمكن الوصول إليه بالتفكر فيه؛ أما ما لا يمكن الوصول إليه بالتفكر فيه فإن التفكر فيه ضياع وقت، وربما يوصل إلى محظور، مثل التفكر في كيفية صفات الله : هذا لا يجوز؛ لأنك لن تصل إلى نتيجة؛ ولهذا جاء في الأثر: «تفكروا في آيات الله ولا تفكروا في ذات الله» (١)؛ لأن هذا أمر لا يمكن الوصول إليه؛ وغاية لا تمكن الإحاطة بها، كما قال تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]؛ فلا يجوز لأحد أن يتفكر في كيفية استواء الله على العرش؛ بل يجب الكف عنه؛ لأنه سيؤدي إلى نتيجة سيئة؛ إما إلى التكييف، أو التمثيل، أو التعطيل - ولا بد؛ وأما التفكر في معاني أسماء الله فمطلوب؛ لأن المعنى كما قال الإمام مالك ﵀ لما سئل: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]: كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧] التفسير: يا من آمنتم بي واتبعتم رسلي أنفقوا من الحلال الطيب الذي كسبتموه ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تقصدوا الرديء منه لتعطوه الفقراء، ولو أُعطِيتموه لم تأخذوه إلا إذا تغاضيتم عما فيه من رداءة ونقص. فكيف ترضون لله ما لا ترضونه لأنفسكم؟ واعلموا أن الله الذي رزقكم غني عن صدقاتكم، مستحق للثناء، محمود في كل حال. في سبب نزول الآية: روي عن البراء أنه قال: "نزلت فينا هذه الآية كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرة نخله وقلته فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام إذا جاع أحدهم أتى القنو فضربه فيسقط من البسر والتمر ما يأكله، وكان أناس ممن لا يرغب في الخير يجيء أحدهم بالقنو فيه

стр. 2058

الحشف [و] بالقنو فيه الشيص [و] بالقنو وقد انكسر فيعلقه، قال: فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٦٦]، يعني: يا أيها الذين" صدقوا بالله ورسوله وآي كتابه" (٢). قال الزهري: إذا قال الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فالنبي ﷺ ، منهم" (٣). سبق أن قلناً بأن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، والعناية به؛ لأن النداء يتضمن التنبيه؛ والتنبيه على الشيء دليل على الاهتمام به، وأن تصديره بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يفيد عدة فوائد (٤): أولاً: الإغراء؛ و «الإغراء» معناه الحث على قبول ما تخاطَب به؛ ولهذا قال ابن مسعود ﵁: «إذا قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه» (٥)؛ ولهذا لو ناديتك بوصفك، وقلت: يا رجل، يا ذكي، يا كريم. معناه: يا من توصف بهذا اجعل آثار هذا الشيء بادياً عليك. ثانياً: أن امتثال ما جاء في هذا الخطاب من مقتضيات الإيمان؛ كأنه تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إن إيمانكم يدعوكم إلى كذا وكذا. ثالثاً: أن مخالفته نقص في الإيمان؛ لأنه لو حقق هذا الوصف لامتثل ما جاء في الخطاب.

стр. 2059

قوله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾: بعد أن ذكر الله فيما سبق فضيلة الإنفاق ابتغاء وجهه، وسوء العاقبة لمن منَّ بصدقته، أو أنفق رياءً، حثَّ على الإنفاق؛ لكن الفرق بين ما هنا، وما سبق: أن ما هنا بيان للذي ينفَق منه؛ وهناك بيان للذي ينَفق عليه. قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، " أي أنفقوا من الحلال الطيب من المال الذي كسبتموه" (١). قال الراغب: " كل ما يناله الإنسان بريح أو أجرة عمل ... وتخصيص المكتسب دون الموروث لأن الإنسان مما يكتسبه أضن منه مما يرثه، فإذا الموروث معقول من فحواه" (٢). أخرج ابن ابي حاتم " عن ابن عباس، قوله: ﴿أنفقوا﴾، يقول: تصدقوا" (٣). وروي عن مقاتل، نحو ذلك (٤). قال ابن عطية: " وكَسَبْتُمْ معناه كانت لكم فيه سعاية، إما بتعب بدن أو مقاولة في تجارة، والموروث داخل في هذا لأن غير الوارث قد كسبه" (٥). واختلف في قوله تعالى: ﴿مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وفيه أربعة أقاويل: أحدها: يعني به الذهب والفضة، وهو قول عليّ (٦) -كرّم الله وجهه-، والسدي (٧). واختاره ابن كثير (٨). والثاني: يعني التجارة، قاله مجاهد (٩)، ونحوه عن عائشة (١٠) ﵂. والثالث: الحلال (١١).حكي ذلك عن ابن زيد (١٢). قال ابن عطية: " وقول ابن زيد ليس بالقوي من جهة نسق الآية لا من معناه في نفسه" (١٣). والرابع: من جيد ما كسبتم، أي: أطيب الأموال وأنفسه. قاله ابن عباس (١٤). والخامس: وقيل: ﴿من طيبات ما كسبتم﴾، يعني: المغزل. روي ذلك عن عليّ (١٥) -كرّم الله وجهه-. السادس: أنه يقصد به الحض على الإنفاق. قاله ابن عطية (١٦).

стр. 2060

والراجح-والله أعلم- هو قول ابن عباس، ويسنده سبب النزول. وهو قول الجمهور (١). قوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، أي: " ومن الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض" (٢). قال الماوردي: " من الزرع والثمار" (٣). قال ابن عثيمين: " قال بعضهم: إنه معطوف على ﴿ما﴾ في قوله تعالى: ﴿ما كسبتم﴾؛ يعني: «ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض»؛ ولكن الصحيح الذي يظهر أنه معطوف على قوله تعالى: ﴿طيبات﴾؛ يعني: «أنفقوا من طيبات ما كسبتم، وأنفقوا مما أخرجنا لكم من الأرض»؛ لأن ما أخرج الله لنا من الأرض كله طيب ملك لنا، كما قال تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ [البقرة: ٢٩] " (٤). وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، على أقوال: الأول: قيل: النخل. حكي ذلك عن مجاهد (٥). ويدل عليه حديث حجاج (٦). الثاني: وقيل: النبت والثمار. وهو أحد قولي مجاهد (٧)، وروي نحوه عن مقاتل (٨)، والسدي (٩)، وعلي (١٠) -كرّم الله وجهه-. واختلف المتأولون هل المراد بهذا (الإنفاق)، على ثلاثة أقوال (١١): أحدهما: هي الزكاة المفروضة. قاله عبيدة السلماني (١٢)، وعلي (١٣) -كرّم الله وجهه-، ومحمد بن سيرين (١٤). والثاني: هي في التطوع، قاله بعض المتكلمين (١٥). واختاره ابن كثير (١٦). والثالث: أنها " عام في الواجب والتطوع" (١٧). قال ابن عطية: " نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد، وأما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر، ودرهم زائف خير من تمرة، فالأمر على هذا القول للوجوب، والظاهر من قول البراء بن عازب والحسن بن أبي الحسن وقتادة، أن الآية في التطوع .. والأمر على هذا القول على

стр. 2061

الندب، وكذلك ندبوا إلى أن لا يتطوعوا إلا بجيد مختار، والآية تعم الوجهين، لكن صاحب الزكاة يتلقاها على الوجوب وصاحب التطوع يتلقاها على الندب" (١). قوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، " أي ولا تقصدوا الرديء الخسيس فتتصدقوا منه" (٢). قال الطبري: " ولا تعمدوا، ولا تقصدوا .. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: ﴿ولا تؤموا﴾ من (أممت)، وهذه من (يممت)، والمعنى واحد وإن اختلفت الألفاظ" (٣). وروى البزي عن ابن كثير تشديد التاء في أحد وثلاثين موضعا أولها هذا الحرف، وقرأ الزهري ومسلم بن جندب ﴿ولا تيمّموا﴾ بضم التاء وكسر الميم، وهذا على لغة من قال: يممت الشيء بمعنى قصدته، وفي اللفظ لغات، منها أممت الشيء خفيفة الميم الأولى وأممته بشدها ويممته وتيممته، وحكى أبو عمرو أن ابن مسعود قرأ ﴿ولا تؤمموا﴾ بهمزة بعد التاء، وهذه على لغة من قال أممت مثقلة الميم (٤). قال الراغب: " وأصل التيمم قصد اليم أي لجة البحر، ثم صار في التعارف القصد نحو، ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، ويممته وأممته، قيل هما واحد، وقال الخليل: أممته: قصدته من أمامه، ويممته: قصدته من أي جهة كان" (٥)، ومنه قول ميمون بن قيس الأعشى (٦): تيممت قيسا وكم دونه ... من الأرض من مهمه ذي شزن وقول امرئ القيس (٧): تيمّمت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظّلّ عرمضها طام قال الشافعي: يعني - واللَّه أعلم -: تأخذونه لأنفسكم ئمن لكم عليه حق، فلا تنفقوا ما لا تأخذون لأنفسكم، يعني: لا تعطوا مما خبث عليكم -واللَّه أعلم - وعندكم طيب .. فحرام على من عليه صدقة أن يعطي صدقة من شرها" (٨). قال الماوردي: "التيمم: التعمد، قال الخليل: تقول أَمَمْتُه إذا قصدت أَمَامَه، ويَمَّمْتُه إذا تعمدته من أي جهة كان، وقال غيره: هما سواء، والخبيث: الرديء من كل شيء" (٩). روي "عن البراء بن عازب، في قوله: ﴿ولا تيمموا﴾ يقول: لا تعمدوا" (١٠). وروي عن مقاتل بن حيان، نحو ذلك" (١١). وفي تفسير ﴿الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، هنا قولان: أحدهما: أنهم كانوا يأتون بالحشف فيدخلونه في تمر الصدقة، فنزلت هذه الآية، وهو قول عليٍّ، والبراء بن عازب (١٢).

стр. 2062

والثاني: وقيل: الحشف والدرهم الزيف، وما لا خير فيه. قاله عبدالله بن معقل (١)، وروي عن عبيدة (٢) نحو ذلك. والثالث: أن الخبيث هو الحرام، قاله ابن زيد (٣). قال الراغب: " إن قيل: لم قال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ﴾ ولم يقل: (ولا تنفقوا الخبيث) مع أن اللفظ كان أوجز؟ قيل: لأن القبيح من الإنسان أن يقصد الخبيث أي الرديء من جملة ما في يده فيخصه بالإنفاق في سبيل الله، فأما إنفاق الرديء لمن ليس له غير ذلك، أو لمن لا يقصده خصوصا فغير مذموما" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، أي: "لو أعطيتموه ما أخذتموه"، إِلا إِذا تساهلتم وأغمضتم البصر" (٥). قال الطبري: " ولستم بآخذي الخبيث في حقوقكم، إلا أن تتجافوا في أخذكم إياه عن بعض الواجب لكم من حقكم، فترخصوا فيه لأنفسكم" (٦). قال ابن كثير: فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون" (٧). قال ابن عطية: " كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع .. أي فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم" (٨). قال الراغب: " والإغماض والتغميض غض البصر ويستعمل في الترخص كالإغضاء" (٩). قوله تعالى: ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، فيه أربعة تأويلات: أحدها: إلا أن تتساهلوا (١٠)، يعني: " ولستم بآخذي الرديء من غرمائكم في واجب حقوقكم قبلهم، إلا عن إغماض منكم لهم في الواجب لكم عليهم" (١١). وهو قول عبيدة (١٢)، والبراء بن عازب (١٣)، وابن عباس (١٤)، ومجاهد (١٥)، والربيع (١٦)، والضحاك (١٧). والثاني: إلا أن تحطوا في الثمن، أي "لو وجدتموه في السوق يباع، ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه" (١٨)، قاله الحسن (١٩)، وروي نحوه عن قتادة (٢٠)، وعلي بن أبي طالب (٢١) ﵁. قال ابن عطية: وهذان القولان يشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة" (٢٢). والثالث: إلا بوكس، فكيف تعطونه في الصدقة قاله الزجاج (٢٣). والرابع: إلا أن ترخصوا لأنفسكم فيه وتتجوّزوا، قاله السدي، وعبدالله بن معقل (٢٤) ويسنده قول الطِّرِمّاح، كما سيأتي (٢٥). الخامس: على استحياء (٢٦)، يعني: " ولستم بآخذي هذا الرديء الخبيث لو أهدي لكم، إلا أن تغمضوا فيه، فتأخذوه وأنتم له كارهون، على استحياء منكم ممن أهداه لكم" (٢٧). قاله البراء بن عازب" (٢٨). قال ابن عطية: " وهذا يشبه كون الآية في التطوع" (٢٩). السادس: وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا على ما فيه من الإثم عليكم في أخذه. قاله ابن زيد (٣٠). السابع: وقيل: "ولستم بآخذي هذا الرديء من حقكم إلا أن تغمضوا من حقكم" (٣١). روي ذلك عن ابم معقل (٣٢). والراجح أن الله أمر إخراج الجيد من الأموال الطيب، وأما في الصدقة، فمكروه أن يعطي فيها إلا الأجود من المال والأطيب. وقال الطبري" والصدقة قربان المؤمن فلست أحرم عليه أن يعطي فيها غير الجيد، لأن ما دون الجيد ربما كان أعم نفعا لكثرته، أو لعظم خطره وأحسن موقعا من المسكين، وممن أعطيه قربة إلى الله من الجيد، لقلته أو لصغر خطره وقلة جدوى نفعه على من أعطيه" (٣٣). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿تُغْمِضُوا﴾ [البقرة: ٢٦٧]، على وجوه (٣٤): الأول: قرأ جمهور الناس ﴿إلا أن تغمضوا﴾ بضم التاء وسكون الغين وكسر الميم (٣٥). الثاني: وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم مخففا (٣٦).

стр. 2063

الثالث: وروي عن الزهري أيضا: ﴿تغمّضوا﴾ بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم مشددة. الرابع: وحكى مكي عن الحسن البصري ﴿تغمّضوا﴾، مشددة الميم مفتوحة وبفتح التاء. الخامس: وقرأ قتادة بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففا، قال أبو عمرو معناه: "إلا أن يغمض لكم" (١). وذكر ابن عطية في أصل كلمة ﴿تغمّضوا﴾ في كلام العرب، وجهين: الأول: من قول العرب: أغمض الرجل في أمر كذا، إذا تساهل فيه ورضي ببعض حقه وتجاوز، فمن ذلك قول الطرماح بن حكيم (٢): لم يفتنا بالوتر قوم وللضيـ ... م رجال يرضون بالإغماض الثاني: وإما أن تنتزع من: تغميض العين، لأن الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عنه عينيه، ومنه قول الشاعر (٣): إلى كم وكم أشياء منكم تريبني ... أغمض عنها لست عنها بذي عمى وهذا كالإغضاء عند المكروه. قال ابن عطية: "وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية وأشار إليه مكي، وإما من قول العرب أغمض الرجل إذا أتى غامضا من الأمر كما تقول: أعمن إذا أتى عمان، وأعرق إذا أتى العراق، وأنجد، وأغور، إذا أتى نجدا والغور الذي هو تهامة، ومنه قول الجارية: وإن دسر أغمض" (٤). قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، " أي أنه سبحانه غني عن نفقاتكم حميد يجازي المحسن أفضل الجزاء" (٥). قال البراء: " واعلموا أن الله غني عن صدقاتكم" (٦). وأخرج ابن أبن ابي حاتم" عن مقاتل بن حيان، في قوله: ﴿واعلموا أن الله غني﴾: في سلطانه عما عندكم" (٧). قال ابن عطية: " نبه تعالى على صفة (الغنى)، أي: لا حاجة به إلى صدقاتكم، فمن تقرب وطلب مثوبة فليفعل ذلك بما له قدر، و ﴿حَمِيدٌ﴾، معناه: محمود في كل حال، وهي صفة ذات" (٨).

стр. 2064

قال ابن كثير: فالله "وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها فهو غني عنها، وما ذاك إلا ليساوي الغني الفقير، كقوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] وهو غني عن جميع خلقه، وجميع خلقه فقراء إليه، وهو واسع الفضل لا ينفد ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب، فليَعلمْ أن الله غني واسع العطاء، كريم جواد، سيجزيه بها ويضاعفها له أضعافًا كثيرة من يقرض غَيْرَ عديم ولا ظلوم، وهو الحميد، أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه" (١). قال ابن عثيمين: " ووجه المناسبة في ذكر «الحميد» بعد «الغني» أن غناه غِنًى يحمد عليه؛ بخلاف غنى المخلوق؛ فقد يحمد عليه، وقد لا يحمد؛ فلا يحمد المخلوق على غناه إذا كان بخيلاً؛ وإنما يحمد إذا بذله؛ والله غني حميد؛ فهو لم يسألكم هذا لحاجته إليه؛ ولكن لمصلحتكم أنتم" (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾؛ فإن هذا وصف يقتضي امتثال أمر الله؛ وهذا يدل على فضيلة الإيمان. ٢ - ومنها: أن من مقتضى الإيمان امتثال أمر الله، واجتناب نهيه؛ ووجهه أن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا﴾؛ فلولا أن للإيمان تأثيراً لكان تصدير الأمر بهذا الوصف لغواً لا فائدة منه. ٣ - ومنها: وجوب الإنفاق من طيبات ما كسبنا؛ لقوله تعالى: ﴿أنفقوا﴾؛ والأصل في الأمر الوجوب حتى يقوم دليل صارف عن الوجوب. ٤ - ومنها: وجوب الزكاة في عروض التجارة؛ لقوله تعالى: ﴿ما كسبتم﴾؛ ولا شك أن عروض التجارة كسب؛ فإنها كسب بالمعاملة. ٥ - ومنها: أن المال الحرام لا يؤمر بالإنفاق منه؛ لأنه خبيث؛ والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً. فإذا قال قائل: ماذا أصنع به إذا تبت؟ فالجواب أنه يرده على صاحبه إن أخذه بغير اختياره؛ فإن كان قد مات رده على ورثته؛ فإن لم يكن له ورثة فعلى بيت المال؛ فإن تعذر ذلك تصدق به عمن هو له؛ أما إذا أخذه باختيار صاحبه كالربا، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، فإنه لا يرده عليه؛ ولكن يتصدق به؛ هذا إذا كان حين اكتسابه إياه عالماً بالتحريم؛ أما إن كان جاهلاً فإنه لا يجب عليه أن يتصدق به؛ لقوله تعالى: ﴿فله ما سلف وأمره إلى الله﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ٦ - ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾؛ ووجه الدلالة: أنه لو كان الإنسان مجبراً على عمله لم يصح أن يوجه إليه الأمر بالإنفاق؛ لأنه لا يقدر على زعم هؤلاء الجبرية؛ ولأن الله أضاف الكسب إلى المخاطَب في قوله تعالى: ﴿ما كسبتم﴾؛ ولو كان مجبراً عليه لم يصح أن يكون من كسبه؛ وليعلم أن مثل هذا الدليل في الرد على الجبرية كثير في القرآن، وإنما نذكره عند كل آية لينتفع بذلك من يريد إحصاء الأدلة على هؤلاء؛ وإلا فالدليل الواحد كافٍ لمن أراد الحق. ٧ - ومنها: وجوب الزكاة في الخارج من الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾؛ وظاهر الآية وجوب الزكاة في الخارج من الأرض مطلقاً سواء كان قليلاً، أم كثيراً؛ وسواء كان مما يوسَّق، ويكال، أم لا؛ وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم؛ وهو أن الزكاة تجب في الخارج من الأرض مطلقاً لعموم الآية؛ ولكن الصواب ما دلت عليه السنة من أن الزكاة لا تجب إلا في شيء معين جنساً، وقدراً؛ فلا تجب

стр. 2065

الزكاة في القليل؛ لقول النبي ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (١)؛ و «الوسق» هو الحِمل؛ ومقدار خمسة أوسق: ثلاثمائة صاع بالصاع النبوي. ولا تجب الزكاة إلا فيما يكال؛ وذلك من قوله (ص): «ليس فيما دون خمسة أوسق»؛ و «الوسق» كما ذكرت هو الحمل؛ وهو ستون صاعاً؛ وعليه فلا تجب الزكاة في الخضراوات مثل: التفاح، والبرتقال، والأترج، وشبهها، لأن السنة بينت أنه لا بد من أن يكون ذلك الشيء مما يوسق. تنبيه: لم يبين في الآية مقدار الواجب إنفاقه من الكسب، والخارج من الأرض؛ ولكن السنة بينت أن مقدار الواجب فيما حصل من الكسب ربع العشر؛ ومقدار الواجب في الخارج من الأرض العشر فيما يسقى بلا مؤونة؛ ونصفه فيما يسقى بمؤونة. ٨ - ومن فوائد الآية: ما يتبين من اختلاف التعبير في قوله تعالى: ﴿من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾؛ فلماذا عبر في الأول تعبيراً يدل على أن ذلك من فعل العبد؛ وفي الثاني عبر تعبيراً يدل على أنه ليس من فعل العبد؟ الأمر في ذلك واضح؛ لأن نمو التجارة بالكسب، وغالبه من فعل العبد: يبيع، ويشتري، ويكسب؛ أما ما خرج من الأرض فليس من فعل العبد في الواقع، كما قال تعالى: ﴿أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]. ٩ - من فوائد الآية: وجوب الزكاة في المعادن؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ لكن العلماء يقولون: إن كان المعدن ذهباً أو فضة وجبت فيه الزكاة بكل حال؛ وإن كان غير ذهب، ولا فضة، كالنحاس، والرصاص، وما أشبههما ففيه الزكاة إن أعده للتجارة؛ لأن هذه المعادن لا تجب الزكاة فيها بعينها؛ إنما تجب الزكاة فيها إذا نواها للتجارة. وهل يستفاد من الآية وجوب الزكاة في الركاز - والركاز هو ما وجد من دفن الجاهلية - أي مدفون الجاهلية؛ يعني ما وجد من النقود القديمة، أو غيرها التي تنسب إلى زمن بعيد بحيث يغلب على الظن أنه ليس لها أهل وقتَ وجودها؟ لا يستفاد؛ لكن السنة دلت على أن الواجب فيه الخمس (٢)؛ ثم اختلف العلماء ما المراد بالخمس: هل هو الجزء المشاع - وهو واحد من خمسة؛ أو هو الخمس الذي مصرفه الفيء؟ على قولين؛ وبسط ذلك مذكور في كتب الفقه. ١٠ - ومن فوائد الآية: تحريم قصد الرديء في إخراج الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾. ١١ - ومنها: إذا ضمت هذه الآية إلى حديث ابن عباس حين بعث النبي معاذاً إلى اليمن، وقال: «إياك وكرائم أموالهم» (٣)، تبين لك العدل في الشريعة الإسلامية؛ لأن العامل على الزكاة لو قصد الكرائم من الأموال صار في هذا إجحاف على أهل الأموال؛ ولو قصد الرديء صار فيه إجحاف على أهل الزكاة؛ فصار الواجب وسطاً؛ لا نلزم صاحب المال بإخراج الأجود؛ ولا نمكنه من إخراج الأردأ؛ بل يخرج الوسط. ١٢ - ومنها: الإشارة إلى قاعدة إيمانية عامة؛ وهي قول الرسول ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٤)؛ ووجه الدلالة أن الله قال: ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا

стр. 2066

فيه﴾؛ فالإنسان لا يرضى بهذا لنفسه فلماذا يرضاه لغيره؟ ! ! فإذا كنت أنت لو أُعطيت الرديء من مال مشترك بينك وبين غيرك ما أخذته إلا على إغماض، وإغضاء عن بعض الشيء؛ فلماذا تختاره لغيرك، ولا تختاره لنفسك؟ ! ! وهذا ينبغي للإنسان أن يتخذه قاعدة فيما يعامل به غيره؛ وهو أن يعامله بما يحب أن يعامله به؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر؛ وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» (١)، هذه قاعدة في المعاملة مع الناس؛ ومع الأسف الشديد أن كثيراً من الناس اليوم لا يتعاملون فيما بينهم على هذا الوجه؛ كثير من الناس يرى أن المكر غنيمة، وأن الكذب غنيمة. ١٣ - ومن فوائد الآية: إثبات القياس؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾؛ يعني إذا كنت لا ترضاه لنفسك فلا ترضاه لغيرك؛ أي قس هذا بهذا. ١٤ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله، وما تضمناه من صفة؛ وهما «غني» و «حميد». القرآن ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ [البقرة: ٢٦٨] التفسير: هذا البخل واختيار الرديء للصدقة من الشيطان الذي يخوفكم الفقر، ويغريكم بالبخل، ويأمركم بالمعاصي ومخالفة الله تعالى، والله يعدكم على إنفاقكم غفرانًا لذنوبكم ورزقا واسعا. والله واسع الفضل، عليم بالأعمال والنيَّات. عن عبد الله بن مسعود قال: " قال رسول الله ﷺ "إن للشيطان لَلَمّة بابن آدم، وللمَلك لَمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق. فمن وجد ذلك فليعلَمْ أنه من الله، فَلْيحمَد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان". ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا﴾ الآية" (٢). قال ابن عطية: " هذه الآية وما بعدها وإن لم تكن أمرا بالصدقة فهي جالبة للنفوس إلى الصدقة، بين فيها نزغات الشيطان ووسوسته وعداوته، وذكر بثوابه هو لا رب غيره" (٣). قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، أي: الشيطان" يخوفكم بالفقر" (٤). قال ابن عباس: " يقول: لا تنفق مالك وأمسكه عليك، فإنك تحتاج إليه" (٥). قال الماوردي: " وهو ما خوّف من الفقر إن أنفق أو تصدق" (٦). قال أبو حيان: " يقول للرجل أمسك فإن تصدّقت افتقرت" (٧). قال ابن كثير: " أي: يخوفكم الفقر، لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله" (٨). قال القاسمي: " أي يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور" (٩).

стр. 2067

قال الصابوني: " أي الشيطان يخوفكم من الفقر إِن تصدقتم ويغريكم بالبخل ومنع الزكاة" (١). وقيل: "عنى فقر الآخرة وهو أن يخيل إليه أن لا جزاء ولا شُكوراً وقيل هو بأن يخوفه، الفقر في آخر عمره" (٢). و" ذكر عن سفيان عن منصور: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾، قال: طول الأمل" (٣). قال الراغب: " المشهور من (الفقر) عند العامة الحاجة، وأصله كثير الفقار ومن قولهم: فقرته نحو كبدته، وبطنته، وبهذا النظر سمى الحاجة والداهية فاقرة، نحو: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ " (٤). وإن قيل: على أي وجه يتصور وعد الشيطان؟ قيل: إن ذلك تسليط النفس ووساوسه ولهذا قال هاهنا في الشيطان: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ قال في غيرها: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ لما جريا مجرى واحدا، ال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾، وقال في أخرى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ الآية" (٥). وروى أبو حيوة عن رجل من أهل الرباط أنه قرأ: " ﴿الفُقر﴾، بضم الفاء، وهي لغة. وقراء: ﴿الفَقَر﴾، بفتحتين" (٦). قوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، يحتمل وجوها: إحداها: بالشح، أي "بالبخل ومنع الزكاة" (٧). وقال الكلبي: "كل الفحشاء في القرآن فهو الزنا إلا هذا" (٨). قال القاسمي: " والفاحش، عند العرب، البخيل. قال طرفة (٩): أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدّد قال الحراليّ: "الفحشاء كل ما اجتمعت عليه استقباحات الشرع" (١٠)، وأعظم مراد بها هنا البخل الذي هو أدوأ داء. لمناسبة ذكر الفقر. وعليه ينبني شر الدنيا والآخرة، ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق به الشر كله" (١١). وقال الراغب: " الفحش والفحشاء كل منكر من المقال والفعال وإن كان قد خصها بعضهم هاهنا بالبخل" (١٢). والثاني: بالمعاصي. قاله مقاتل (١٣) وسعيد بن جبير (١٤)، وابن المبارك (١٥)، وحكي نحوه عن ابن عباس (١٦).

стр. 2068

أي: " ويأمركم بمعاصي الله ، وترك طاعته" (١). قال ابن كثير: " أي: مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخَلاق" (٢). والثالث: الزنا (٣). قاله ابن عباس (٤)، وروي عن الحسن وعكرمة والسدي، نحو ذلك (٥). والرابع: الكلمة السيئة، ومنه قول الشاعر (٦): ولا ينطق الفحشاء من كان منهم ... إذا جلسوا منا ولا من سوائنا قال أبو حيان: " وكأن الشيطان يعد الفقر لمن أراد أن يتصدق، ويأمره، إذ منع، بالرد القبيح على السائل، وبخه وأقهره بالكلام السيء" (٧). قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، "أي وهو سبحانه يعدكم على إِنفاقكم في سبيله مغفرةً للذنوب" (٨). قال قتادة: " مغفرة لفحشائكم" (٩). وقال ابن عباس: " ﴿والله يعدكم مغفرة منه﴾: على هذه المعاصي" (١٠). وروي "عن مقاتل بن حيان، قوله: ﴿والله يعدكم مغفرة منه﴾، لذنوبكم عند الصدقة" (١١). قال ابن كثير: " أي: في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء" (١٢). قال أبو حيان: " أي ستراً لذنوبكم مكافأة للبذل" (١٣). قال ابن عطية: " والمغفرة هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة" (١٤). قوله تعالى: ﴿وفضلًا﴾، "أي: زيادة" (١٥). وروي عن" ابن عباس: " ﴿والله يعدكم مغفرة منه وفضلا﴾ قال: في الرزق" (١٦). وقال قتادة: "فضلا لفقركم" (١٧). وقال مقاتل: " يعني: أن يخلفكم نفقاتكم" (١٨).

стр. 2069

قال البغوي: " أي رزقا خلفا" (١). قال ابن كثير: "أي: في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر" (٢). قال القاسمي: " خلفا وثوابا في الآخرة" (٣). قال الصابوني: " وخلفاً لما أنفقتموه زائداً عن الأصل" (٤). قال أبو حيان: " زيادة على مقتضى ثواب البذل. وقيل: وفضلاً، أن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم، أو وثواباً عليه في الآخرة" (٥). قال ابن عطية: "والفضل هو الرزق في الدنيا والتوسعة فيه والتنعيم في الآخرة، وبكل [أي بالمغفرة والفضل] قد وعد الله تعالى" (٦). قال ابن عثيمين: "فالصدقة تزيد المال؛ لقوله تعالى: ﴿وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ [الروم: ٣٩]، وقوله ﷺ : «ما نقصت صدقة من مال» (٧) " (٨). قال أبو حيان: ثم ذكر تعالى في مقابلة وعد الشيطان وعد الله بشيئين: أحدهما: الستر لما اجترحوه من الذنوب، والثاني: الفضل وهو زيادة الرزق والتوسعة في الدنيا والآخرة" (٩). وذكر النقاش: "أن بعض الناس تأنس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى، لأن الشيطان إنما يبعد العبد من الخير وهو بتخويفه الفقر يبعد منه" (١٠)، قال ابن عطية: "وليس في الآية حجة قاطعة أما إن المعارضة بها قوية وروي أن في التوراة «عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي، فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة» وفي القرآن مصداقه: وهو وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: ٣٩] " (١١). قال الراغب: " إن قيل: من حق مقابلة اللفظ في قوله ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أن يقول (والله يعدكم الغنى)، ويأمركم بالمعروف أو بالبر فليست المغفرة مقابلة للفقر ولا الفضل للفحشاء وإن كان مقابلاً به، فلم لم يذكر في: (الله يأمركم)، والله يأمركم والله في الحقيقة يأمر فأما الشيطان فهو المسؤول الموسوس؟ قيل: قابل الفقر بالمغفرة والفضل، والفضل أعم من الغنى، لأنه يتناوله وغيره، فبين أنه يعد بالغنى وزيادات فضل فأتى في مقابلة وعد الشيطان بالمغفرة، أنه يغفر مع ذلك انقيادكم للشيطان، وسائر الذنوب ولما كان أمر الشيطان بالفحشاء إنما هو لأجل وعده بالفقر لأن من خاف بخل بماله، والبخل سبب ارتكاب سائر الفواحش ولهذا قال ﵊: " وأي داء أدوى من البخل؟ " (١٢)، صار مستغنى أن يذكر

стр. 2070

في مقابله: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ بما ذكر من قوله: ﴿مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ لأن أمر الله تعالى بالخيرات والحسنات معلوم وإنما المجهول أمر الشيطان، إذ كان أمره يخفى على الجهال وإنما يعرفه أولوا الألباب" (١). قوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، " أي: واسع بالجود والفضل على من أنفق، عليم بنيات من أنفق" (٢). قال أبو حيان: "وقيل: عليم أين يضع فضله" (٣). أي: والله ﴿وَاسِعٌ﴾ "يوسع على من يشاء، ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالكم ونياتكم" (٤). قال الطبري: " ﴿والله واسع﴾، الفضل الذي يعدكم أن يعطيكموه من فضله وسعة خزائنه ﴿عليم﴾ بنفقاتكم وصدقاتكم التي تنفقون وتصدقون بها، يحصيها لكم حتى يجازيكم بها عند مقدمكم عليه في آخرتكم" (٥). قال القاسمي: " وَاللَّهُ واسِعٌ قدرة وفضلا فيحقق ما وعدكم به من المغفرة وإخلاف ما تنفقونه عَلِيمٌ بصدقاتكم. فلا يضيع أجركم" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إثبات إغواء الشياطين لبني آدم؛ لقوله تعالى: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾. ٢ - ومنها: أن للشيطان تأثيراً على بني آدم إقداماً، أو إحجاماً؛ أما الإقدام: فيأمره بالزنى مثلاً، ويزين له حتى يُقْدم عليه؛ وأما الإحجام: فيأمره بالبخل، ويعده الفقر لو أنفق؛ وحينئذٍ يحجم عن الإنفاق. ٣ - ومنها: أن أبواب التشاؤم لا يفتحها إلا الشياطين؛ لقوله تعالى: ﴿يعدكم الفقر﴾؛ فالشيطان هو الذي يفتح لك باب التشاؤم يقول: «إذا أنفقت اليوم أصبحت غداً فقيراً؛ لا تنفق»؛ والإنسان بشر: ربما لا ينفق؛ ربما ينسى قول الله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾ [سبأ: ٣٩]، وقول رسوله (ص): «ما نقصت صدقة من مال». ٤ - ومنها: بيان عداوة الشيطان للإنسان؛ لأنه في الواقع عدو له في الخبر، وعدو له في الطلب؛ في الخبر: يعده الفقر؛ في الطلب: يأمره بالفحشاء؛ فهو عدو مخبراً، وطالباً - والعياذ بالله. ٥ - ومنها: أن البخل من الفواحش؛ لأن المقام مقام إنفاق؛ فيكون المراد بالفاحشة: البخل، وعدم الإنفاق. ٦ - ومنها: أن من أمر شخصاً بالإمساك عن الإنفاق المشروع؛ فهو شبيه بالشيطان؛ وكذلك من أمر غيره بالإسراف فالظاهر أنه شيطان؛ لقوله تعالى: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً﴾ [الإسراء: ٢٧]. ٧ - ومنها: البشرى لمن أنفق بالمغفرة، والزيادة؛ لقوله تعالى: ﴿والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا﴾؛ شتان ما بين الوعدين: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾؛ ﴿والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا﴾؛ فالله يعدنا بشيئين: المغفرة، والفضل؛ المغفرة للذنوب؛ والفضل لزيادة المال في بركته، ونمائه. فإن قال قائل: كيف يزيد الله تعالى المنفِق فضلاً ونحن نشاهد أن الإنفاق ينقص المال حساً؛ فإذا أنفق الإنسان من العشرة درهماً صارت تسعة؛ فما وجه الزيادة؟
следующие страницы →