← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

فيه﴾؛ فالإنسان لا يرضى بهذا لنفسه فلماذا يرضاه لغيره؟ ! ! فإذا كنت أنت لو أُعطيت الرديء من مال مشترك بينك وبين غيرك ما أخذته إلا على إغماض، وإغضاء عن بعض الشيء؛ فلماذا تختاره لغيرك، ولا تختاره لنفسك؟ ! ! وهذا ينبغي للإنسان أن يتخذه قاعدة فيما يعامل به غيره؛ وهو أن يعامله بما يحب أن يعامله به؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر؛ وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» (١)، هذه قاعدة في المعاملة مع الناس؛ ومع الأسف الشديد أن كثيراً من الناس اليوم لا يتعاملون فيما بينهم على هذا الوجه؛ كثير من الناس يرى أن المكر غنيمة، وأن الكذب غنيمة. ١٣ - ومن فوائد الآية: إثبات القياس؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾؛ يعني إذا كنت لا ترضاه لنفسك فلا ترضاه لغيرك؛ أي قس هذا بهذا. ١٤ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله، وما تضمناه من صفة؛ وهما «غني» و «حميد». القرآن ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ [البقرة: ٢٦٨] التفسير: هذا البخل واختيار الرديء للصدقة من الشيطان الذي يخوفكم الفقر، ويغريكم بالبخل، ويأمركم بالمعاصي ومخالفة الله تعالى، والله يعدكم على إنفاقكم غفرانًا لذنوبكم ورزقا واسعا. والله واسع الفضل، عليم بالأعمال والنيَّات. عن عبد الله بن مسعود قال: " قال رسول الله ﷺ "إن للشيطان لَلَمّة بابن آدم، وللمَلك لَمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق. فمن وجد ذلك فليعلَمْ أنه من الله، فَلْيحمَد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان". ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا﴾ الآية" (٢). قال ابن عطية: " هذه الآية وما بعدها وإن لم تكن أمرا بالصدقة فهي جالبة للنفوس إلى الصدقة، بين فيها نزغات الشيطان ووسوسته وعداوته، وذكر بثوابه هو لا رب غيره" (٣). قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، أي: الشيطان" يخوفكم بالفقر" (٤). قال ابن عباس: " يقول: لا تنفق مالك وأمسكه عليك، فإنك تحتاج إليه" (٥). قال الماوردي: " وهو ما خوّف من الفقر إن أنفق أو تصدق" (٦). قال أبو حيان: " يقول للرجل أمسك فإن تصدّقت افتقرت" (٧). قال ابن كثير: " أي: يخوفكم الفقر، لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله" (٨). قال القاسمي: " أي يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور" (٩).

стр. 2067

قال الصابوني: " أي الشيطان يخوفكم من الفقر إِن تصدقتم ويغريكم بالبخل ومنع الزكاة" (١). وقيل: "عنى فقر الآخرة وهو أن يخيل إليه أن لا جزاء ولا شُكوراً وقيل هو بأن يخوفه، الفقر في آخر عمره" (٢). و" ذكر عن سفيان عن منصور: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾، قال: طول الأمل" (٣). قال الراغب: " المشهور من (الفقر) عند العامة الحاجة، وأصله كثير الفقار ومن قولهم: فقرته نحو كبدته، وبطنته، وبهذا النظر سمى الحاجة والداهية فاقرة، نحو: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ " (٤). وإن قيل: على أي وجه يتصور وعد الشيطان؟ قيل: إن ذلك تسليط النفس ووساوسه ولهذا قال هاهنا في الشيطان: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ قال في غيرها: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ لما جريا مجرى واحدا، ال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾، وقال في أخرى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ الآية" (٥). وروى أبو حيوة عن رجل من أهل الرباط أنه قرأ: " ﴿الفُقر﴾، بضم الفاء، وهي لغة. وقراء: ﴿الفَقَر﴾، بفتحتين" (٦). قوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، يحتمل وجوها: إحداها: بالشح، أي "بالبخل ومنع الزكاة" (٧). وقال الكلبي: "كل الفحشاء في القرآن فهو الزنا إلا هذا" (٨). قال القاسمي: " والفاحش، عند العرب، البخيل. قال طرفة (٩): أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدّد قال الحراليّ: "الفحشاء كل ما اجتمعت عليه استقباحات الشرع" (١٠)، وأعظم مراد بها هنا البخل الذي هو أدوأ داء. لمناسبة ذكر الفقر. وعليه ينبني شر الدنيا والآخرة، ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق به الشر كله" (١١). وقال الراغب: " الفحش والفحشاء كل منكر من المقال والفعال وإن كان قد خصها بعضهم هاهنا بالبخل" (١٢). والثاني: بالمعاصي. قاله مقاتل (١٣) وسعيد بن جبير (١٤)، وابن المبارك (١٥)، وحكي نحوه عن ابن عباس (١٦).

стр. 2068

أي: " ويأمركم بمعاصي الله ، وترك طاعته" (١). قال ابن كثير: " أي: مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخَلاق" (٢). والثالث: الزنا (٣). قاله ابن عباس (٤)، وروي عن الحسن وعكرمة والسدي، نحو ذلك (٥). والرابع: الكلمة السيئة، ومنه قول الشاعر (٦): ولا ينطق الفحشاء من كان منهم ... إذا جلسوا منا ولا من سوائنا قال أبو حيان: " وكأن الشيطان يعد الفقر لمن أراد أن يتصدق، ويأمره، إذ منع، بالرد القبيح على السائل، وبخه وأقهره بالكلام السيء" (٧). قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، "أي وهو سبحانه يعدكم على إِنفاقكم في سبيله مغفرةً للذنوب" (٨). قال قتادة: " مغفرة لفحشائكم" (٩). وقال ابن عباس: " ﴿والله يعدكم مغفرة منه﴾: على هذه المعاصي" (١٠). وروي "عن مقاتل بن حيان، قوله: ﴿والله يعدكم مغفرة منه﴾، لذنوبكم عند الصدقة" (١١). قال ابن كثير: " أي: في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء" (١٢). قال أبو حيان: " أي ستراً لذنوبكم مكافأة للبذل" (١٣). قال ابن عطية: " والمغفرة هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة" (١٤). قوله تعالى: ﴿وفضلًا﴾، "أي: زيادة" (١٥). وروي عن" ابن عباس: " ﴿والله يعدكم مغفرة منه وفضلا﴾ قال: في الرزق" (١٦). وقال قتادة: "فضلا لفقركم" (١٧). وقال مقاتل: " يعني: أن يخلفكم نفقاتكم" (١٨).

стр. 2069

قال البغوي: " أي رزقا خلفا" (١). قال ابن كثير: "أي: في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر" (٢). قال القاسمي: " خلفا وثوابا في الآخرة" (٣). قال الصابوني: " وخلفاً لما أنفقتموه زائداً عن الأصل" (٤). قال أبو حيان: " زيادة على مقتضى ثواب البذل. وقيل: وفضلاً، أن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم، أو وثواباً عليه في الآخرة" (٥). قال ابن عطية: "والفضل هو الرزق في الدنيا والتوسعة فيه والتنعيم في الآخرة، وبكل [أي بالمغفرة والفضل] قد وعد الله تعالى" (٦). قال ابن عثيمين: "فالصدقة تزيد المال؛ لقوله تعالى: ﴿وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ [الروم: ٣٩]، وقوله ﷺ : «ما نقصت صدقة من مال» (٧) " (٨). قال أبو حيان: ثم ذكر تعالى في مقابلة وعد الشيطان وعد الله بشيئين: أحدهما: الستر لما اجترحوه من الذنوب، والثاني: الفضل وهو زيادة الرزق والتوسعة في الدنيا والآخرة" (٩). وذكر النقاش: "أن بعض الناس تأنس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى، لأن الشيطان إنما يبعد العبد من الخير وهو بتخويفه الفقر يبعد منه" (١٠)، قال ابن عطية: "وليس في الآية حجة قاطعة أما إن المعارضة بها قوية وروي أن في التوراة «عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي، فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة» وفي القرآن مصداقه: وهو وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: ٣٩] " (١١). قال الراغب: " إن قيل: من حق مقابلة اللفظ في قوله ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أن يقول (والله يعدكم الغنى)، ويأمركم بالمعروف أو بالبر فليست المغفرة مقابلة للفقر ولا الفضل للفحشاء وإن كان مقابلاً به، فلم لم يذكر في: (الله يأمركم)، والله يأمركم والله في الحقيقة يأمر فأما الشيطان فهو المسؤول الموسوس؟ قيل: قابل الفقر بالمغفرة والفضل، والفضل أعم من الغنى، لأنه يتناوله وغيره، فبين أنه يعد بالغنى وزيادات فضل فأتى في مقابلة وعد الشيطان بالمغفرة، أنه يغفر مع ذلك انقيادكم للشيطان، وسائر الذنوب ولما كان أمر الشيطان بالفحشاء إنما هو لأجل وعده بالفقر لأن من خاف بخل بماله، والبخل سبب ارتكاب سائر الفواحش ولهذا قال ﵊: " وأي داء أدوى من البخل؟ " (١٢)، صار مستغنى أن يذكر

стр. 2070

في مقابله: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ بما ذكر من قوله: ﴿مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ لأن أمر الله تعالى بالخيرات والحسنات معلوم وإنما المجهول أمر الشيطان، إذ كان أمره يخفى على الجهال وإنما يعرفه أولوا الألباب" (١). قوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، " أي: واسع بالجود والفضل على من أنفق، عليم بنيات من أنفق" (٢). قال أبو حيان: "وقيل: عليم أين يضع فضله" (٣). أي: والله ﴿وَاسِعٌ﴾ "يوسع على من يشاء، ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالكم ونياتكم" (٤). قال الطبري: " ﴿والله واسع﴾، الفضل الذي يعدكم أن يعطيكموه من فضله وسعة خزائنه ﴿عليم﴾ بنفقاتكم وصدقاتكم التي تنفقون وتصدقون بها، يحصيها لكم حتى يجازيكم بها عند مقدمكم عليه في آخرتكم" (٥). قال القاسمي: " وَاللَّهُ واسِعٌ قدرة وفضلا فيحقق ما وعدكم به من المغفرة وإخلاف ما تنفقونه عَلِيمٌ بصدقاتكم. فلا يضيع أجركم" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إثبات إغواء الشياطين لبني آدم؛ لقوله تعالى: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾. ٢ - ومنها: أن للشيطان تأثيراً على بني آدم إقداماً، أو إحجاماً؛ أما الإقدام: فيأمره بالزنى مثلاً، ويزين له حتى يُقْدم عليه؛ وأما الإحجام: فيأمره بالبخل، ويعده الفقر لو أنفق؛ وحينئذٍ يحجم عن الإنفاق. ٣ - ومنها: أن أبواب التشاؤم لا يفتحها إلا الشياطين؛ لقوله تعالى: ﴿يعدكم الفقر﴾؛ فالشيطان هو الذي يفتح لك باب التشاؤم يقول: «إذا أنفقت اليوم أصبحت غداً فقيراً؛ لا تنفق»؛ والإنسان بشر: ربما لا ينفق؛ ربما ينسى قول الله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾ [سبأ: ٣٩]، وقول رسوله (ص): «ما نقصت صدقة من مال». ٤ - ومنها: بيان عداوة الشيطان للإنسان؛ لأنه في الواقع عدو له في الخبر، وعدو له في الطلب؛ في الخبر: يعده الفقر؛ في الطلب: يأمره بالفحشاء؛ فهو عدو مخبراً، وطالباً - والعياذ بالله. ٥ - ومنها: أن البخل من الفواحش؛ لأن المقام مقام إنفاق؛ فيكون المراد بالفاحشة: البخل، وعدم الإنفاق. ٦ - ومنها: أن من أمر شخصاً بالإمساك عن الإنفاق المشروع؛ فهو شبيه بالشيطان؛ وكذلك من أمر غيره بالإسراف فالظاهر أنه شيطان؛ لقوله تعالى: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً﴾ [الإسراء: ٢٧]. ٧ - ومنها: البشرى لمن أنفق بالمغفرة، والزيادة؛ لقوله تعالى: ﴿والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا﴾؛ شتان ما بين الوعدين: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾؛ ﴿والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا﴾؛ فالله يعدنا بشيئين: المغفرة، والفضل؛ المغفرة للذنوب؛ والفضل لزيادة المال في بركته، ونمائه. فإن قال قائل: كيف يزيد الله تعالى المنفِق فضلاً ونحن نشاهد أن الإنفاق ينقص المال حساً؛ فإذا أنفق الإنسان من العشرة درهماً صارت تسعة؛ فما وجه الزيادة؟

стр. 2071

فالجواب: أما بالنسبة لزيادة الأجر في الآخرة فالأمر ظاهر؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؛ ومن تصدق بما يعادل تمرة من طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يربيها له حتى تكون مثل الجبل؛ وأما بالنسبة للزيادة الحسية في الدنيا فمن عدة أوجه: الوجه الأول: أن الله قد يفتح للإنسان باب رزق لم يخطر له على بال؛ فيزداد ماله. الوجه الثاني: أن هذا المال ربما يقيه الله آفات لولا الصدقة لوقعت فيه؛ وهذا مشاهد؛ فالإنفاق يقي المال الآفات. الوجه الثالث: البركة في الإنفاق بحيث ينفق القليل، وتكون ثمرته أكثر من الكثير؛ وإذا نُزعت البركة من الإنفاق فقد ينفق الإنسان شيئاً كثيراً في أمور لا تنفعه؛ أو تضره؛ وهذا شيء مشاهد. ٨ - ومنها: أن هذه المغفرة التي يعدنا الله بها مغفرة عظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿منه﴾؛ لأن عظم العطاء من عظم المعطي؛ ولهذا جاء في الحديث الذي وصى به النبي ﷺ أبا بكر: «فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني» (١). ٩ - ومنها: أنه ينبغي للمنفق أن يتفاءل بما وعد الله؛ لقوله تعالى: ﴿والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا﴾؛ فإذا أنفق الإنسان وهو يحسن الظن بالله أن الله يغفر له الذنوب، ويزيده من فضله كان هذا من خير ما تنطوي عليه السريرة. ١٠ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: ﴿واسع﴾، و ﴿عليم﴾؛ وما تضمناه من صفة؛ ويستفاد من الاسمين، والصفتين إثبات صفة ثالثة باجتماعهما؛ لأن الاسم من أسماء الله إذا قرن بغيره تضمن معنًى زائداً على ما إذا كان منفرداً مثل قوله تعالى: ﴿فإن الله كان عفواً قديراً﴾ [النساء: ١٤٩]؛ فالجمع بين العفْوِ والقدرة لها ميزة: أن عفوه غير مشوب بعجز إطلاقاً؛ لأن بعض الناس قد يعفو لعجز؛ فقوله تعالى: ﴿واسع عليم﴾: فالصفة الثالثة التي تحصل باجتماعهما: أن علمه واسع. القرآن ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩] التفسير: يؤتي الله الإصابة في القول والفعل مَن يشاء من عباده، ومن أنعم الله عليه بذلك فقد أعطاه خيرًا كثيرًا. وما يتذكر هذا وينتفع به إلا أصحاب العقول المستنيرة بنور الله وهدايته. قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، أي: يعطي الحكمة لمن يشاء من عباده (٢). قال المراغي: " أي إنه تعالى يعطى الحكمة والعلم النافع المصرّف للإرادة لمن يشاء من عباده، فيميز به الحقائق من الأوهام، ويسهل عليه التفرقة بين الوسواس والإلهام وآلة الحكمة العقل المستقل بالحكم في إدراك الأشياء بأدلتها، وفهم الأمور" (٣). أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن حميد بن عبد الله بن زيد المزي قال: قضى علي بن أبي طالب بقضية على عهد رسول الله ﷺ ، فبلغت النبي ﷺ فأعجبته، فقال: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت" (٤).

стр. 2072

وقرأ الربيع بن خيثم بالتاء في: ﴿تؤتي﴾، وفي: ﴿تشاء﴾، على الخطاب، وهو التفات إذ هو خروج من غيبة إلى خطاب (١). وقد جاءت كلمة الحكمة في اللغة بعدة معان، منها: ١ - العدل، والعلم، والحلم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل. وأحكم الأمر: أتقنه فاستحكم، ومنعه عن الفساد (٢). ٢ - والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويُقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم (٣). ٣ - والحكيم: المتقن للأمور، يقال للرجل إذا كان حكيماً: قد أحكمته التجارب (٤). ٤ - والحَكَمُ والحكيم هما بمعنى: الحاكم والقاضي، والحكيم فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يُحكِمُ الأشياء ويتقنها، فهو فعيل بمعنى مفعل (٥). ٥ - والحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل (٦). ٦ - والحكيم: المانع من الفساد، ومنه سُمِّيت حَكَمة اللجام؛ لأنها تمنع الفرَس من الجري والذهاب في غير قصد، والسورة المحكمة، الممنوعة من التغيير وكل التبديل، وأن يلحق بها ما يخرج عنها، ويزداد عليها ما ليس منها. والحكمة من هذا؛ لأنها تمنع صاحبها من الجهل، ويقال: أحكم الشيء، إذا أتقنه، ومنعه من الخروج عما يريد، فهو محكم وحكيم على التكثير (٧). ٧ - والحَكَمَةُ: ما أحاط بحنكي الفرَس، سُمِّيت بذلك؛ لأنها تمنعه من الجري الشديد، وتذلل الدابة لراكبها، حتى تمنعها من الجماح، ومن كثير من الجهل، ومنه اشتقاق الحكمة؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل (٨). ٨ - والحُكْمُ: هو المنع من الظلم، وسميت حكمة الدابة، لأنها تمنعها، يقال: حكمت الدابة وأحكمتها، ويقال: حكمت السفيه وأحكمته: إذا أخذت على يديه، والحكمة هذا قياسها؛ لأنها تمنع من الجهل، وتقول: حكمت فلاناً تحكيماً: منعته عما يريد (٩). ومما تقدم يتضح ويتبين أن الحكمة يظهر فيها معنى المنع، فقد استعملت في عدة معان تتضمن معنى المنع: فالعدل: يمنع صاحبه من الوقوع في الظلم، والحلم: يمنع صاحبه من الوقوع في الغضب، والعلم: يمنع صاحبه من الوقوع في الجهل، والنُّبُوّة، والقرآن، والإنجيل: فالنبي إنما بُعِثَ لمنع من بعث إليهم من عبادة غير

стр. 2073

اللَّه، ومن الوقوع في المعاصي والآثام، والقرآن والإنجيل وجميع الكتب السماوية أنزلها اللَّه تتضمن ما يمنع الناس من الوقوع في الشرك وكل منكر وقبيح. ومن فسر الحكمة بالمعرفة فهو مبني على أن المعرفة الصحيحة فيها معنى المنع، والتحديد، والفصل بين الأشياء، وكذلك الإتقان، فيه منع للشيء المتقن من تطرق الخلل والفساد إليه، وفي هذا المعنى قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: "الإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه؛ ولهذا دخل فيه معنى المنع كما دخل في الحد بالمنع جزء معناه لا جميع معناه" (١). واختلف أهل التفسير في ﴿الْحِكْمَةَ﴾، في هذا الموضع، على وجوه (٢): أحدها: الفقه في القرآن، قاله ابن عباس (٣)، وقتادة (٤)، وأبي العالية (٥)، ومجاهد (٦)، وروي نحوه عن أبي الدرداء (٧)، ومقاتل (٨)، والحسين بن واقد (٩). والثاني: العلم بالدين، قاله ابن زيد (١٠)، ومالك (١١). قال الصابوني: " أي يعطي العلم النافع المؤدي إِلى العمل الصالح من شاء من عباده" (١٢). والثالث: النبوّة. قاله السدي (١٣)، وأبو سنان (١٤). والرابع: الخشية، قاله الربيع (١٥)، وأبو العالية (١٦)، وسعيد بن جبير (١٧)، وروي نحوه عن مطر بن الوراق (١٨). والخامس: الإصابة في القول والفعل، قاله مجاهد (١٩). قال الزمخشري: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾، أي: "يوفق للعلم والعمل به" (٢٠).

стр. 2074

والسادس: الكتابة، قاله مجاهد (١). والسابع: العقل، قاله زيد بن أسلم (٢). الثامن: الفهم. قاله إبراهيم (٣). التاسع: أن تكون الحكمة هنا صلاح الدين وإصلاح الدنيا. قاله الماوردي (٤). العاشر: السنة. قاله السدي (٥). قال ابن عطية: "وهذه الأقوال كلها -ما عدا قول السدي-، قريب بعضها من بعض لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في عمل أو قول. وكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة. وكل ما ذكر فهو جزء من الحكمة التي هي الجنس" (٦). وقال القرطبي: " وهذه الأقوال كلها ما عدا السدي (٧) والربيع (٨) والحسن (٩)، قريب بعضها من بعض، لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة، وكل ما ذكر من التفضيل فهو حكمة. وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه، فقيل للعلم حكمة، لأنه يمتنع به، وبه يعلم الامتناع من السفه وهو كل فعل قبيح، وكذا القرآن والعقل والفهم. وفي البخاري: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" (١٠) " (١١). قال ابن كثير: " والصحيح أن الحكمة - كما قاله الجمهور - لا تختص بالنبوة، بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبَع، كما جاء في بعض الأحاديث: "من حفظ القرآن فقد أدْرِجَت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه" (١٢) " (١٣). وقال الحافظ ابن حجر: " وأصحّ ما قيل في الحكمة أنها: وضع الشيء في محله أو الفهم في كتاب الله" (١٤). قال الزمخشري: "والحكيم عند اللَّه: هو العالم العامل" (١٥).

стр. 2075

وقال القاسمي: "قال كثيرون: الحكمة إتقان العلم والعمل. وبعبارة أخرى معرفة الحق والعمل به، قال أبو مسلم: الحكمة فعلة من الحكم وهي كالنحلة من النحل، ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولبّ وإصابة رأي. وهي في هذا الموضع في معنى الفاعل. ويقال: أمر حكيم، أي محكم. وهو فعيل بمعنى مفعول. قال تعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] " (١). قال ابن عثيمين: "و ﴿الحكمة﴾ مِن أحكم بمعنى أتقن؛ وهي وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، وتستلزم علماً، ورشداً، فالجاهل لا تأتي منه الحكمة إلا مصادفة؛ والسفيه لا تأتي منه الحكمة إلا مصادفة" (٢). وقال الطبري: (الحكمة): من (الحكم) وفصل القضاء، وأنها الإصابة ... وإذا كان ذلك كذلك معناه، كان جميع الأقوال التي قالها القائلون الذين ذكرنا قولهم في ذلك داخلا فيما قلنا من ذلك، لأن الإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها وعلم ومعرفة. وإذا كان ذلك كذلك، كان المصيب عن فهم منه بمواضع الصواب في أموره مفهما خاشيا لله فقيها عالما، وكانت النبوة من أقسامه، لأن الأنبياء مسددون مفهمون، وموفقون لإصابة الصواب في بعض الأمور، " والنبوة " بعض معاني (الحكمة) " (٣). وقد ذكر بعضهم تسعة وعشرين قولاً في تعريف الحكمة (٤) (٥)، وعند التأمل والنظر نجد أن التعريف الشامل الذي يجمع ويضم جميع هذا الأقوال في تعريف الحكمة هو: "الإصابة في الأقوال والأفعال، ووضع كل شيء في موضعه". فجميع الأقوال تدخل في هذا التعريف؛ لأن الحكمة مأخوذة من الحكم وفصل القضاء الذي هو بمعنى الفصل بين الحق والباطل، يقال: إن فلاناً لحكيم بيِّن الحكمة، يعني: أنه لبين الإصابة في القول والفعل، فجميع التعاريف داخلة في هذا القول؛ لأن الإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها، وعلم، ومعرفة، والمصيب عن فهم منه بمواضع الصواب يكون في جميع أموره: فهماً، خاشياً للَّه، فقيهاً، عالماً، عاملاً بعلمه، ورعاً في دينه ... والحكمة أعم من النبوة، والنبوة بعض معانيها وأعلى أقسامها؛ لأن الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام - مسددون، مفهمون، وموفقون لإصابة الصواب في الأقوال، والأفعال، والاعتقادات، وفي جميع الأمور (٦). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، "أي: من يعطه الله الحكمة فقد أعطاه خيراً كثيراً" (٧).

стр. 2076

قال مكحول: "إن القرآن جزء من اثنين وسبعين جزءا من النبوة، وهو الحكمة التي قال الله: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾ " (١). قال الزمخشري: " و ﴿خَيْراً كَثِيراً﴾ تنكير تعظيم، كأنه قال: فقد أوتى أىّ خير كثير" (٢) (٣). قال أبو حيان: " وكرر ذكر الحكمة ولم يضمرها لكونها في جملة أخرى، وللاعتناء بها، والتنبيه على شرفها وفضلها وخصالها" (٤). قال القاسمي: "وفي إيلاء هذه الآية لما قبلها إشعار بأن الذي لا يغتر بوعد الشيطان ويوقن بوعد الله هو من آتاه الله الحكمة" (٥). قال القرطبي: " يقال: إن من أعطي الحكمة والقرآن فقد أعطي أفضل ما أعطي من جمع علم كتب الأولين من الصحف وغيرها، لأنه قال لأولئك: " ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]، وسمى هذا خيرا كثيرا، لأن هذا هو جوامع الكلم. وقال بعض الحكماء: من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه، ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم، فإنما أعطي أفضل ما أعطي أصحاب الدنيا، لأن الله تعالى سمى الدنيا متاعا قليلا فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ وسمى العلم والقرآن ﴿خَيْراً كَثِيراً﴾ " (٦). قال ابن عثيمين: " فإن قال قائل: ما وجه اختلاف التعبير بين قوله تعالى: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء﴾، وقوله تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة﴾؟ فالجواب: - والله أعلم - أن الحكمة قد تكون غريزة؛ وقد تكون مكتسبة؛ بمعنى أن الإنسان قد يحصل له مع المران ومخالطة الناس من الحكمة وحسن التصرف ما لا يحصل له لو كان منعزلاً عن الناس؛ ولهذا أتى بالفعل المضارع المبني للمفعول ليعم كل طرق الحكمة التي تأتي - سواء أوتي الحكمة من قبل الله ، أو من قِبل الممارسة والتجارب؛ على أن ما يحصل من الحكمة بالممارسة والتجارب" (٧). وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، فيه ثلاثة قراءات (٨): الأولى: قرأ الجمهور مبنياً للمفعول الذي لم يسم فاعله، وهو ضمير: من، وهو المفعول الأول: ليؤت. الثانية: وقرأ الزهري ويعقوب: ﴿وَمَنْ يُؤْتِ الْحِكْمَةَ﴾، بكسر التاء مبنيا للفاعل.

стр. 2077

قال الزمخشري: "بمعنى: ومن يؤته اللَّه الحكمة" (١). قال أبو حيان: " فإن أراد تفسير المعنى فهو صحيح، وإن أراد تفسير الإعراب فليس كذلك، ليس في يؤت ضمير نصب حذف، بل مفعوله مقدّم بفعل الشرط، كما تقول: أياً تعط درهماً أعطه درهماً" (٢). الثالثة: وقرأ الأعمش: ﴿ومن يؤته الحكمة﴾، بإثبات الضمير الذي هو المفعول الأول: ليؤت، والفاعل في هذه القراءة ضمير مستكن في: يؤت، عائد على الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، أي "ما يتعظ بآيات الله إلا أصحاب العقول الذين يتصرفون تصرفاً رشيداً" (٣). قال ابن كثير: " أي: وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لب وعقل يعي به الخطاب ومعنى الكلام" (٤). قال الزمخشري: " يريد الحكماء العلام العمال. والمراد به الحثّ على العمل بما تضمنت الآي في معنى الإنفاق" (٥). قال القاسمي: أي: وما " يتعظ بأمثال القرآن والحكم، [إلا] ذوو العقول من الناس، الخالصة من شوائب الهوى. وهم الحكماء" (٦). قال الطبري: " فأخبر جل ثناؤه أن المواعظ غير نافعة إلا أولي الحجا والحلوم، وأن الذكرى غير ناهية إلا أهل النهي والعقول" (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إثبات أفعال الله المتعلقة بمشيئته؛ لقوله تعالى: ﴿يؤتي الحكمة﴾؛ وهذه من الصفات الفعلية. ٢ - ومنها: أن ما في الإنسان من العلم والرشد فهو فضل من الله ؛ لقوله تعالى: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء﴾؛ فإذا منّ الله على العبد بعلم، ورشد، وقوة، وقدرة، وسمع، وبصر فلا يترفع؛ لأن هذه الصفات من الله ؛ ولو شاء الله لحرمه إياها، أو لسلبه إياها بعد أن أعطاه إياها؛ فقد يسلب الله العلم من الإنسان بعد أن أعطاه إياه؛ وربما يسلب منه الحكمة؛ فتكون كل تصرفاته طيشاً، وضلالاً، وهدراً. ٣ - ومنها: إثبات المشيئة لله ؛ لقوله تعالى: ﴿من يشاء﴾؛ واعلم أن كل شيء علقه الله بمشيئته فإنه تابع لحكمته البالغة؛ وليس لمجرد المشيئة؛ لكن قد نعلم الحكمة؛ وقد لا نعلمها؛ قال الله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً﴾ [الإنسان: ٣٠]. ٤ - ومنها: إثبات الحكمة لله ؛ لأن الحكمة كمال؛ ومعطي الكمال أولى به؛ فنأخذ من الآية إثبات الحكمة لله بهذا الطريق. ٥ - ومنها: الفخر العظيم لمن آتاه الله الحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾. ٦ - ومنها: وجوب الشكر على من آتاه الله الحكمة؛ لأن هذا الخير الكثير يستوجب الشكر. ٧ - ومنها: أن بلوغ الحكمة متعدد الطرق؛ فقد يكون غريزياً جبل الله العبد عليه؛ وقد يكون كسبياً يحصل بالمران، ومصاحبة الحكماء.

стр. 2078

٨ - ومنها: منّة الله على من يشاء من عباده بإيتائه الحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾. ٩ - ومنها: فضيلة العقل؛ لقوله تعالى: ﴿وما يذكر إلا أولو الألباب﴾؛ لأن التذكر بلا شك يحمد عليه الإنسان؛ فإذا كان لا يقع إلا من صاحب العقل دل ذلك على فضيلة العقل؛ والعقل ليس هو الذكاء لأن العقل نتيجته حسن التصرف - وإن لم يكن الإنسان ذكياً؛ والذكاء؛ قوة الفطنة - وإن لم يكن الإنسان عاقلاً؛ ولهذا نقول: ليس كل ذكي عاقلاً، ولا كل عاقل ذكياً؛ لكن قد يجتمعان؛ وقد يرتفعان؛ وهناك عقل يسمى عقل إدراك؛ وهو الذي يتعلق به التكليف، وهذا لا يلحقه مدح، ولا ذم؛ لأنه ليس من كسب الإنسان. ١٠ - ومن فوائد الآية: أن عدم التذكر نقص في العقل - أي عقل الرشد؛ لقوله تعالى: ﴿وما يذَّكر إلا أولو الألباب﴾؛ فإن الحكم إذا علق بوصف ازداد قوة بقوة ذلك الوصف، ونقص بنقص ذلك الوصف. ١١ - ومنها: أنه لا يتعظ بالمواعظ الكونية أو الشرعية إلا أصحاب العقول الذين يتدبرون ما حصل من الآيات سابقاً، ولاحقاً؛ فيعتبرون بها؛ وأما الغافل فلا تنفعه. القرآن ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾ [البقرة: ٢٧٠] التفسير: وما أعطيتم من مال أو غيره كثير أو قليل تتصدقون به ابتغاء مرضات الله أو أوجبتم على أنفسكم شيئًا من مال أو غيره، فإن الله يعلمه، وهو المُطَّلِع على نياتكم، وسوف يثيبكم على ذلك. ومَن منع حق الله فهو ظالم، والظالمون ليس لهم أنصار يمنعونهم من عذاب الله. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، " يعني أي صدقة تصدقتم" (١). قال البغوي: " فيما فرض الله عليكم" (٢). قال الصابوني: " أي ما بذلتم أيها المؤمنون من مال" (٣). قوله تعالى: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، أي: " أو نذرتم من شيء في سبيل الله" (٤). قال البغوي: "أي: ما أوجبتموه أنتم على أنفسكم في طاعة الله فوفيتم به" (٥). قال الطبري: " يعني " بالنذر "، ما أوجبه المرء على نفسه تبررا في طاعة الله، وتقربا به إليه: من صدقة أو عمل خير" (٦). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، أي: " فإِن الله يعلمه ويجازيكم عليه" (٧). قال الآلوسي: "كناية عن مجازاته سبحانه عليه وإلا فهو معلوم" (٨). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، ثلاثة اوجه (٩): الأول: قال مجاهد: "يحصيه" (١٠). الثاني: قال الزجاج: "يجازي عليه" (١١).

стр. 2079

والثالث: وقيل: يحفظه (١). قال البغوي: "يحفظه حتى يجازيكم به" (٢). قال أبو حيان: "وهذه الأقوال متقاربة" (٣). قال البغوي: " وإنما قال: يعلمه، ولم يقل: يعلمها لأنه رده إلى الآخر منهما كقوله تعالى: ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا﴾ [النساء: ١١٢]، وإن شئت حملته على (ما) كقوله: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ [[البقرة: ٢٣١]، ولم يقل بهما" (٤). وقال الطبري: " فإن قال لنا قائل: فكيف قال: ﴿فإن الله يعلمه﴾، ولم يقل: (يعلمهما)، وقد ذكر النذر والنفقة، قيل: إنما قال: ﴿فإن الله يعلمه﴾، لأنه أراد: فإن الله يعلم ما أنفقتم أو نذرتم، فلذلك وحد الكناية" (٥). وقد ذكر أهل اللغة في التقدير في قوله تعالى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، وجهين (٦): الأول: قال النحاس: "التقدير ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ فإن الله يعلمها، ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ثم حذف" (٧). الثاني: ويجوز أن يكون التقدير: وما أنفقتم فإن الله يعلمه وتعود الهاء على "ما" كما أنشد سيبويه لامرئ القيس: فَتُوِضحَ فَالِمقْرَاةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا ... لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ (٨) ويكون ﴿أو نذرتم من نذر﴾ معطوفا عليه. قال ابن عطية: "ووحد الضمير في ﴿يعلمه﴾ وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص" (٩). قال القرطبي: " وهذا حسن: فإن الضمير قد يراد به جميع المذكور وإن كثر. والنذر حقيقة العبارة عنه أن تقول: هو ما أوجبه المكلف على نفسه من العبادات مما لو لم يوجبه لم يلزمه، تقول: نذر الرجل كذا إذا التزم فعله، ينذر - بضم الذال - وينذر - بكسرها -. وله أحكام يأتي بيانها في غير هذا الوضع إن شاء الله تعالى" (١٠). قال أبو حيان: " وتضمنت هذه الآية وعداً ووعيداً بترتيب علم الله على ما أنفقوا أو نذروا، ومن نفقة" (١١). قال القرطبي: " أي من كان خالص النية فهو مثاب، ومن أنفق رياء أو لمعنى آخر مما يكسبه المن والأذى ونحو ذلك فهو ظالم، يذهب فعله باطلا" (١٢). قال الشوكاني: " فيه معنى الوعد لمن أنفق ونذر على الوجه المقبول والوعيد لمن جاء بعكس ذلك ووحد الضمير مع كون مرجعه شيئين هما النفقة والنذر لأن التقدير وما أنفقتم من نفقة فإن الله يعلمها أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه" (١٣).

стр. 2080

قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، قال البغوي: أي: وليس للـ"واضعين الصدقة في غير موضعها بالرياء أو يتصدقون من الحرام، [من] أعوان يدفعون عذاب الله عنهم " (١). قال الصابوني: " أي: وليس لمن منع الزكاة أو صرف المال في معاصي الله، من معين أو نصير ينصرهم من عذاب الله" (٢). قال الطبري: " وما لمن أنفق ماله رئاء الناس وفي معصية الله، وكانت نذوره للشيطان وفي طاعته .. [من] من ينصرهم من الله يوم القيامة، فيدفع عنهم عقابه يومئذ بقوة وشدة بطش، ولا بفدية (٣). قال القاسمي: ﴿وَما لِلظَّالِمِينَ﴾: " أي: الذين ينفقون رئاء الناس، أو يضعون الإنفاق في غير موضعه. أو بضم المنّ والأذى إليه، أو بالإنفاق من الخبيث، أو يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو لا يفون بالنذور" (٤). قال المراغي: " أي وما للذين ظلموا أنفسهم ولم يزكوها من رذيلة البخل، أو من رذيلة المن والأذى، وظلموا الفقراء والمساكين بمنع ما أوجبه الله لهم وظلموا الأمة بترك الإنفاق في مصالحها العامة - من أنصار لهم ينصرونهم يوم الجزاء، فيدفعون عنهم بجاههم أو بمالهم، وهذا كقوله: ﴿ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ " (٥). قال الآلوسي: ﴿وَما لِلظَّالِمِينَ﴾: " أي الواضعين للأشياء في غير مواضعها التي يحق أن توضع فيها فيشمل المنفقين بالرياء والمنّ والأذى، والمتحرين للخبيث في الإنفاق، والمنفقين في باطل والناذرين في معصية والممتنعين عن أداء ما نذروا في حق، والباخلين بالصدقة مما آتاهم الله تعالى من فضله، وخصهم أبو سليمان الدمشقي بالمنفقين بالمنّ والأذى والرياء والمبذرين في المعصية ومقاتل بالمشركين ولعل التعميم أولى" (٦). و(الظالم): "هو الواضع للشيء في غير موضعه، وإنما سمى الله المنفق رياء الناس، والناذر في غير طاعته، ظالما، لوضعه إنفاق ماله في غير موضعه، ونذره في غير ماله وضعه فيه، فكان ذلك ظلمه" (٧). وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، أي من: "أعوان يدفعون عذاب الله عنهم" (٨). قال القاسمي: " أي من أعوان ينصرونهم من عقاب الله" (٩). قال الآلوسي: " أي أعوان ينصرونه من بأس الله تعالى لا شفاعة ولا مدافعة" (١٠). قال الحراليّ: "ففي إفهامه أن الله آخذ بيد السخيّ وبيد الكريم كلما عثر فيجد له نصيرا ولا يجد الظالم، بوضع القهر موضع البر، ناصرا" (١١). وقال شريح: " الظالم ينتظر العقوبة، والمظلوم ينتظر النصر" (١٢).

стр. 2081

واختلف في تفسير (الظَّالِمِينَ) في هذه الآية على وجوه (١): الأول: هم المشركون. قاله مقاتل (٢). الثاني: وقال أبو سليمان الدمشقي: "هم المنفقون بالمن والأذى والرياء، والمبذورن في المعصية" (٣). الثالث: وقيل: المنفقو الحرام (٤). قال أبو حيان: ظاهره العموم، فكل ظالم لا يجد له من ينصره ويمنعه من الله" (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الإنفاق قليله وكثيره يثاب عليه المرء؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وما أنفقتم من نفقة﴾، وكلمة ﴿نفقة﴾ نكرة في سياق الشرط؛ فهي تعم؛ وعلى ذلك تشمل القليل، والكثير؛ لكن الثواب عليها مشروط بأمرين: الإخلاص لله؛ وأن تكون على وفق الشرع. ٢ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان إذا أنفق نفقة أن يحتسب الأجر على الله؛ لقوله تعالى: ﴿فإن الله يعلمه﴾؛ لأنك إذا أنفقت وأنت تشعر أن الله يعلم هذا الإنفاق فسوف تحتسب الأجر على الله. ٣ - ومنها: أن ما نذره الإنسان من طاعة فهو معلوم عند الله. ٤ - هل تدل الآية على جواز النذر؟ الجواب: الآية لا تدل على الجواز، كما لو قال قائل مثلاً: «إن سرَقتَ فإن الله يعلم سرقتك»؛ فإن هذا لا يعني أن السرقة جائزة؛ وعلى هذا فالآية لا تعارض نهي النبي ﷺ عن النذر (٦)؛ لأن النهي عن النذر يعني إنشاءه ابتداءً؛ فأما الوفاء به فواجب إذا كان طاعة؛ لقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (٧). ٥ - ومنها: عموم علم الله بكل ما ينفقه الإنسان، أو ينذره من قليل، أو كثير. ٦ - ومنها: الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، وليس لله فيه تدخل إطلاقاً؛ وجه ذلك: أنه إذا كان الله يعلمه فلا بد أن يقع على حسب علمه؛ وإلا لزم أن يكون الله غير عالم؛ ولهذا قال بعض السلف: جادلوهم بالعلم؛ فإن أقروا به خُصِموا؛ وإن أنكروه كفروا. ٧ - ومنها: أن الله لا ينصر الظالم؛ لقوله تعالى: ﴿وما للظالمين من أنصار﴾؛ ولا يرد على هذا ما وقع في أُحد من انتصار الكافرين لوجهين: الوجه الأول: أنه نوع عقوبة، حيث حصل من بعض المسلمين عصيانهم لأمر النبي ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ [آل عمران: ١٥٢]. الوجه الثاني: أن هذا الانتصار من أجل أن يمحق الله الكافرين؛ لأن انتصارهم يغريهم بمقاتلة المسلمين؛ حتى تكون العاقبة للمسلمين، كما قال تعالى: ﴿وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾ [آل عمران: ١٤١].

стр. 2082

٨ - ومن فوائد الآية: أن من دعا على أخيه وهو ظالم له فإن الله لا يجيب دعاءه؛ لأنه لو أجيب لكان نصراً له؛ وقد قال تعالى: ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ [الأنعام: ٢١]. ٩ - ومنها: الثواب على القليل، والكثير؛ وفي القرآن ما يشهد لذلك، مثل قوله تعالى: ﴿ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾ [التوبة: ١٢١]، وقوله تعالى في آخر سورة الزلزلة: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. القرآن ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ [البقرة: ٢٧١] التفسير: إن تظهروا ما تتصدقون به لله فنِعْمَ ما تصدقتم به، وإن تسرُّوا بها، وتعطوها الفقراء فهذا أفضل لكم؛ لأنه أبعد عن الرياء، وفي الصدقة -مع الإخلاص- محو لذنوبكم. والله الذي يعلم دقائق الأمور، لا يخفى عليه شيء من أحوالكم، وسيجازي كلا بعمله. وفي سبب نزول الآية أقوال (١): أحدها: قال الكلبي: "لما نزلت: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ﴾ الآية قالوا: يا رسول الله أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزلت: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ " (٢). والثاني: أخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله: إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم قال: أنزلت في أبي بكر وعمر، أما عمر فجاء بنصف ماله، حتى دفعه إلى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟ قال: خلفت لهم نصف مالي. وأما أبو بكر فجاء بماله كله، يكاد أن يخفيه من نفسه، حتى دفعه إلى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟ قال: عدة الله وعدة رسوله. فبكى عمر، وقال: بأبي أنت وأمي يا أبا بكر، ما استبقنا إلى باب خير قط، إلا كنت سابقنا اليه" (٣). قال السيوطي: " وقصة إتيان أبي بكر وعمر بالمال وردت من طريق موصولة، ولكن ليس فيها ذكر نزول الآية أخرجها أبو داود (٤)، وصححها الترمذي (٥)، والحاكم (٦)، من رواية زيد ين أسلم عن أبيه عن عمر به" (٧).

стр. 2083

الثالث: وروي عن يزيد بن ابي حبيب: "إنما نزلت هذه الآية: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾، في الصدقة على اليهود والنصارى" (١). قوله تغالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١]، " أي: إن تظهروا إعطاء الصدقات" (٢). قال الطبري: " إن تعلنوا الصدقات فتعطوها من تصدقتم بها عليه" (٣). قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]، أي: " فنعم الشيء هي" (٤). قال ابن عطية: " ثناء على إبداء الصدقة" (٥). وقوله تعالى: ﴿نِعِمّا﴾ [البقرة: ٢٧١]، في إعرابه ثلاثة أوجه: أحدها: أن (ما) بعد (نعم) معرفة تامة، والتقدير: نعم الشيء، فبولغ فيه (٦). وهذا التقدير مبني على أن (ما) بعد (نعم) معرفة تامة، لا تفتقر إلى صلة، في محل رفع فاعل بالفعل و (هي) مخصوص بالمدح، والمعنى: إن تبدو الصدقات بينكم فنعم الشيء إبداؤها، فالإبداء هو المخصوص بالمدح، إلا أنه حذف وأقيم المضاف إليه الذي هو ضمير الصدقات مقامه، وهذا القول أي: أن (ما) معرفة تامة في محل رفع فاعل. قال به سيبويه (٧) والمبرد وابن السراج في آخرين (٨). الثاني: وذهب آخرون إلى أن (ما) نكرة تامة غير موصوفة في محل نصب تمييز للفاعل المستتر وجوباً، والمفسر (ما)، و (هي) مخصوص بالمدح، والمعنى: إن تبدو الصدقات بينكم فنعم شيئاً إبداؤها. وهذا قول أبي علي الفارسي (٩) والواحدي (١٠) وابن عطية (١١) وأبي حيان (١٢). الثالث: وذهب الفراء (١٣) إلى أن (ما) لا موضع لها من الإعراب، وأنها مع (نعم) ركبت تركيباً واحداً كحبذا، وجمهور المحققين على خلاف هذا القول (١٤). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] على وجوه (١٥): احدها: ﴿فَنِعِمَّا﴾ بكسر النون، والعين ساكنة. قرأه نافع في غير رواية ورش وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر والمفضّل. والثاني: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ بكسر النون والعين. قرأه ابن كثير وعاصم في رواية حفص، ونافع في رواية ورش. والثالث: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ بفتح النون وكسر العين. قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي، وكلّهم شدّد الميم (١٦).

стр. 2084

قال أبو عليّ: "من قرأ ﴿فَنِعِمَّا﴾، بسكون العين من (فَنِعِمَّا) لم يكن قوله مستقيما عند النحويين، لأنّه جمع بين ساكنين، الأول منهما ليس بحرف مدّ ولين، والتقاء الساكنين عندهم إنّما يجوز إذا كان الحرف الأول منهما حرف لين، نحو: دابّة وشابّة، وتمودّ الثوب، وأصيم (١)، لأنّه ما في الحروف من المدّ يصير عوضاً من الحركة، ألا ترى أنّه إذا صار عوضاً من الحرف المتحرك المحذوف من تمام بناء الشعر عندهم، فأن يكون عوضاً من الحركة أسهل. وقد أنشد سيبويه شعراً قد اجتمع فيه الساكنان (٢)، على حدّ ما اجتمعا في (فَنِعِمَّا) في قراءة من أسكن العين وهو (٣): كأنّه بعد كلال الزاجر ... ومسحي مرّ عقاب كاسر وأنكره أصحابه (٤)، ولعل أبا عمرو أخفى ذلك كأخذه بالإخفاء في نحو: ﴿بارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، و ﴿َيَأْمُرُكُمْ﴾ [البقرة: ٦٧] فظنّ. السامع الإخفاء إسكاناً للطف ذلك في السّمع وخفائه. وأمّا من قرأ: ﴿فَنِعِمَّا﴾، فحجّته أنّه أصل الكلمة نعم، ثم كسر الفاء من أجل حرف الحلق. ولا يجوز أن يكون ممن قال: نعم، فلمّا أدغم حرّك، كما يقول: ﴿يَهْدِي﴾ [يونس: ٣٥]، ألّا ترى أنّ من قال: هذا قدّم مالك، فأدغم، لم يدغم نحو قوله: هذا قدم مالك، وجسم ماجد، لأنّ المنفصل لا يجوز فيه ذلك كما جاز في المتصل قال سيبويه: أمّا قول بعضهم في القراءة: فَنِعِمَّا، فحرك العين، فليس على لغة من قال: نعم ما، فأسكن العين، ولكن على لغة من قال: نعم فحرك العين. وحدّثنا أبو الخطاب (٥): أنّها لغة هذيل، وكسر، كما قال: لعب. ولو كان الذي يقول: نعمّا ممن يقول في الانفصال: نعم لم يجز الإدغام على قوله، لما يلزم من تحريك الساكن في المنفصل. وأمّا من قال: ﴿فَنِعِمَّا﴾ فإنّما جاء بالكلمة على أصلها، وهو نعم كما قال (٦): ما أقلّت قدماي إنّهم ... نعم الساعون في الأمر المبرّ

стр. 2085

ولا يجوز أن يكون ممن يقول: قبل الإدغام نعم، كما أن من قال: نعمّا لا يكون ممن قال قبل الإدغام: نعم، ولكن ممن يقول نعم، فجاء بالكلمة على أصلها وكل حسن" (١). واختلف أهل العلم في المعني بالـ (صدقات) هنا، التطوع أم الفرض (٢): الأول: قيل الألف واللام للعهد، فتصرف إلى المفروضة، فإن الزكاة نسخت كل الصدقات (٣)، وبه قال الحسن (٤)، وقتادة (٥)، ويزيد بن أبي حبيب (٦)، وأبو جعفر (٧). الثاني: المراد هنا صدقات التطوّع دون الفرض. قاله سفيان (٨)، وهو قول جمهور المفسرين (٩)، لأن "الإخفاء فيها أفضل من الإظهار، وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها لانتفاء الرياء عنها، وليس كذلك الواجبات" (١٠). قال أبو حيان: " والصدقات ظاهر العموم، فيشمل المفروضة والمتطوّع بها" (١١). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ [البقرة: ٢٧١]، أي: " وإن تستروها فلم تعلنوها" (١٢). قال الآلوسي: " أي تسروها" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ [البقرة: ٢٧١]، أي: " وتعطوها الفقراء في السر" (١٤). قوله تعالى: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، أي: " فهو أفضل لكم، لأن ذلك أبعد عن الرياء" (١٥). قال القاسمي: " أي من العلانية، لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص الذي هو روح العبادات" (١٦). قال الآلوسي: أي: " فالإخفاء خير لكم" (١٧). قال الطبري: " فإخفاؤكم إياها خير لكم من إعلانها" (١٨). قال ابن القيم: "وتأمَّل تقييده - تعالى - الإخفاءَ بإيتاء الفقراء خاصةً، ولم يَقُلْ: وإن تُخفوها فهو خيرٌ لكم، فإنَّ من الصَّدَقة ما لا يُمكن إخفاؤه، كتجهيز جيشٍ، وبناء قنطرةٍ، وإجراء نهرٍ، أو غير ذلك، وأما إيتاؤها الفقراء، ففي إخفائها من الفوائد: الستر عليه، وعدم تَخْجِيلِه بين الناس، وإقامته مقامَ الفضيحة، وأن يرى النَّاسُ

стр. 2086

أنَّ يده هي اليد السُّفلى، وأنَّه لا شيءَ له؛ فيزهدون في معاملته ومعاوَضته، وهذا قدرٌ زائدٌ من الإحسان إليه لمجرد الصَّدَقة، مع تضمُّنه الإخلاص ... " (١). وقد اختلفوا: هل الأفضل إظهار الصدقات أم إخفاؤها، وفيه وجوه (٢): أحدها: إسرار صدقة التطوع أفضل مِن إظهارها، لأنه من الرياء أبعد، فأما الزكاة فإبداؤها أفضل، لأنه من التهمة أبعد، وهو قول ابن عباس (٣)، وسفيان (٤)، وأبو جعفر (٥). وحكى الطبري الإجماع على إظهار الصدقة المفروضة، واختاره، القاضي أبو يعلى (٦). قال ابن حجر: " وأما الآية فظاهرة في تفضيل صدقة السر" (٧). وقال القرطبي: " مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: " أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" (٨)، وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك، وروى النسائي عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ : "إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة" (٩)، وفي الحديث: "إن صدقة السر تطفئ غضب الرب" (١٠) " (١١). قال ابن العربي: "وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر، ولا تفضيل صدقة السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت، فأما صدقة النفل فالقرآن ورد مصرحا بأنها في السر أفضل منها في الجهر، بيد أن علماءنا قالوا: إن هذا على الغالب مخرجه، والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة تختلف بحال المعطي لها والمعطى إياها والناس الشاهدين لها. أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السنة وثواب القدوة" (١٢). ثم قال القرطبي: "هذا لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل، وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطي لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل" (١٣).

стр. 2087

والثاني: أن إخفاء الصدقتين فرضاً ونفلاً أفضل، قاله يزيد بن أبي حبيب (١)، والحسن (٢)، وقتادة (٣)، والربيع (٤). قال المهدوي: "قيل المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به، فكان الإخفاء فيهما أفضل في مدة النبي ﵇، ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك فاستحسن العلماء إظهار الفرض لئلا يظن بأحد المنع" (٥). قال ابن عطية: "وهذا القول مخالف للآثار، ويشبه في زمننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء" (٦). والثالث: وقيل: إن إخفاء الصدقات على فقراء اليهود والنصارؤ أفضل، وأما ما أعطى فقراء المسلمين من زكاة وصدقة تطوع، فإخفاؤه أفضل من علانيته. قاله يزيد بن أبي حبيب (٧). قال ابن عطية: " وهذا مردود لا سيما عند السلف الصالح، فقد قال الطبري (٨): أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل" (٩). قال الطبري: " ولم يخصص الله من قوله: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾، شيئا دون شيء، فذلك على العموم إلا ما كان من زكاة واجبة، فإن الواجب من الفرائض قد أجمع الجميع على أن الفضل في إعلانه وإظهاره سوى الزكاة التي ذكرنا اختلاف المختلفين فيها مع إجماع جميعهم على أنها واجبة، فحكمها في أن الفضل في أدائها علانية، حكم سائر الفرائض غيرها" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، " أي ويمحو عنكم بعض ذنوبكم" (١١). قال الصابوني: "أي: يزيل بجميل أعمالكم سيء آثامكم" (١٢). قال السعدي: " ففيه دفع العقاب" (١٣). قال الآلوسي: " أي والله يكفر أو الإخفاء، والإسناد مجازي" (١٤). قال ابن عثيمين: " السيئة: هي ما يسوء المرء عمله، أو ثوابه" (١٥). وذكر أهل التفسير في إعراب ﴿مِنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، ثلاثة أوجه (١٦):

стр. 2088

أحدها: أن ﴿مِنْ﴾ زائدة تقديرها: ويكفر عنكم سيئاتكم. قاله بعض نحويي البصرة (١)، قال ابن عطية: " وذلك منهم خطأ" (٢). والثاني: وقيل: أنها تبعيضية، أي: "نكفر الصفائر من الذنوب (٣)، " لأن الصدقات لا يكفر بها جميع السيئات" (٤)، قال الماوردي: "إنما يكفر بالطاعة من غير التوبة، الصغائر" (٥). والثالث: وقيل: أنها سببية، والتقدير: من أجل ذنوبكم (٦). قال أبو حيان وهذا "ضعيف" (٧). وذكروا في (تكفير السيئات) وجهين (٨): أحدهما: يسترها عليهم. والثاني: يغفرها واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، على وجوه (٩): أحدها: روي عن ابن عباس أنه كان يقرؤه: ﴿وتكفر عنكم﴾، بالتاء، وكان يقول: " الصدقة هي التي تكفر" (١٠). والثاني: وقرأ ابن عامر: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ بالياء والرفع، وكذلك حفص عن عاصم (١١). بمعنى: ويكفر الله عنكم بصدقاتكم، على ما ذكر في الآية من سيئاتكم. والثالث: قرأ نافع وحمزة والكسائي ﴿ونكفر﴾، بالنون وجزم الراء. يعني: "وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء نكفر عنكم من سيئاتكم بمعنى: مجازاة الله مخفي الصدقة بتكفير بعض سيئاته بصدقته التي أخفاها" (١٢). قال أبو علي: " وأمّا من جزم فقال: ﴿ونكفرْ عنكم﴾، فإنّه حمل الكلام على موضع قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، لأنّ قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم﴾ ْ في موضع جزم، ألّا ترى أنّه لو قال: وإن تخفوها يكن أعظم لأجركم، لجزم. فقد علمت أنّ قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في موضع جزم فحمل قوله: ويكفر على الموضع، ومثل هذا في الحمل على الموضع أن سيبويه زعم أن بعض القراء قرأ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ [الأعراف: ١٨٦] (١٣) لأنّ قوله: ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾: في أنّه في موضع جزم مثل قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم﴾ ْ. ومثله في الحمل على الموضع، قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، حمل قوله ﴿وَأَكُنْ﴾ على موضع قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾، لأنّ هذا موضع فعل مجزوم، لو قال: (أخّرني إلى أجل قريب أصّدق)، لجزم، فإذا ثبت أنّ قوله: فأصّدق في موضع فعل مجزوم حمل قوله: أَكُنْ عليه، ومثل ذلك قوله الشاعر (١٤):

стр. 2089

أنّى سلكت فإنّني لك كاشح ... وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد فحمل قوله وأزدد على موضع قوله: فإنني لك كاشح. ومثله قول الآخر، وأظنّه أبا دؤاد (١): فأبلوني بليّتكم لعلّي ... أصالحكم وأستدرج نويّا فأمّا النون والياء في قوله: نكفّر، ويكفّر، فمن قال: ويكفّر فلأن ما بعده على لفظ الإفراد، فيكفّر أشبه بما بعده من الإفراد منه بالجمع" (٢). الرابع: وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ونكفر﴾، بالنون والرفع. قال أبو عليّ: "من قرأ ﴿ونكفر عنكم﴾، من سيئاتكم فرفع، كان رفعه من وجهين: أحدهما: أن يجعله خبر مبتدأ محذوف تقديره: ونحن نكفّر عنكم سيئاتكم. والآخر: أن يستأنف الكلام ويقطعه مما قبله، فلا يجعل الحرف العاطف للاشتراك ولكن لعطف جملة على جملة" (٣). قال الطبري: "وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأ: ﴿ونكفر عنكم﴾ بالنون وجزم الحرف، على معنى الخبر من الله عن نفسه أنه يجازي المخفي صدقته من التطوع ابتغاء وجهه من صدقته، بتكفير سيئاته. وإذا قرئ كذلك، فهو مجزوم على موضع " الفاء " في قوله: " فهو خير لكم ". لأن " الفاء " هنالك حلت محل جواب الجزاء" (٤). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]، أي "هو سبحانه مطلع على أعمالكم يعلم خفاياكم" (٥). قال ابن عثيمين: " أي: عليم ببواطن الأمور كظواهرها" (٦). قال ابن عطية: " وقوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ وعد ووعيد" (٧). قال المراغي: " أي فما تفعلونه في صدقاتكم من الإسرار والإعلان، فالله خبير به، عليم بأمره، ومجازيكم عليه، وفي هذا ترغيب في إعطاء الصدقات سرا" (٨). قال الصابوني: "والآية ترغيب في الإِسرار" (٩). قال الآلوسي: " ﴿وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ في صدقاتكم من الإبداء والإخفاء ﴿خَبِيرٌ﴾: عالم لا يخفى عليه شيء فيجازيكم على ذلك كله، ففي الجملة ترغيب في الإعلان والإسرار وإن اختلفا في الأفضلية، ويجوز أن يكون الكلام مساقا للترغيب في الثاني لقربه ولكون الخبرة بالإبداء ليس فيها كثير مدح" (١٠). قال أبو حيان: " تم الله بهذه الصفة لأنها تدل على العلم بما لطف من الاشياء وخفي، فناسب الإخفاء ختمها بالصفة المتعلقة بما خفي" (١١). الفوائد:

стр. 2090

١ - من فوائد الآية: الحث على الصدقة، والترغيب فيها سواء أبداها، أو أخفاها. ٢ - ومنها: أن إخفاء الصدقة أفضل من إبدائها؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص؛ وأستر للمتصدق عليه؛ لكن إذا كان في إبدائها مصلحة ترجح على إخفائها - مثل أن يكون إبداؤها سبباً لاقتداء الناس بعضهم ببعض، أو يكون في إبدائها دفع ملامة عن المتصدق، أو غير ذلك من المصالح - فإبداؤها أفضل. ٣ - ومنها: أن الصدقة لا تعتبر حتى يوصلها إلى الفقير؛ لقوله تعالى: ﴿وتؤتوها الفقراء﴾. ويتفرع على هذا فرعان: أحدهما: أن مؤونة إيصالها على المتصدق. الثاني: أنه لو نوى أن يتصدق بماله، ثم بدا له ألا يتصدق فله ذلك؛ لأنه لم يصل إلى الفقير. ٤ - ومنها: تفاضل الأعمال - أي أن بعض الأعمال أفضل من بعض؛ لقوله تعالى: ﴿فهو خير لكم﴾؛ وتفاضل الأعمال يكون بأسباب: أ - منها التفاضل في الجنس، كالصلاة - مثلاً - أفضل من الزكاة، وما دونها. ب - ومنها التفاضل في النوع؛ فالواجب من الجنس أفضل من التطوع؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه» (١). ج - ومنها التفاضل باعتبار العامل لقوله -صلى الله علسه وسلم-: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» (٢). د - ومنها التفاضل باعتبار الزمان، كقوله (ص) في العشر الأول من ذي الحجة: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» (٣)، وكقوله تعالى: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر: ٣]. هـ - ومنها التفاضل بحسب المكان، كفضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره. و- ومنها التفاضل بحسب جودة العمل وإتقانه، كقوله (ص): «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة؛ والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» (٤). ز - ومنها التفاضل بحسب الكيفية، مثل قوله (ص): «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... »، وذكر منهم: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (٥). وتفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل؛ لأن الإنسان يشرف، ويفضل بعمله؛ وتفاضل الأعمال يستلزم زيادة الإيمان؛ لأن الإيمان قول، وعمل؛ فإذا تفاضلت الأعمال تفاضل الإيمان - أعني زيادة الإيمان، ونقصانه - وهو مذهب أهل السنة، والجماعة. ٥ - ومن فوائد الآية: أن الصدقة سبب لتكفير السيئات؛ لقوله تعالى: ﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾؛ ويؤيد هذا قول النبي ﷺ : «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل»، ثم تلا (ص): ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع ... ﴾ (٦) [السجدة: ١٦].

стр. 2091

٦ - ومنها: إثبات أفعال الله الاختيارية - كما هو مذهب أهل السنة، والجماعة؛ لقوله تعالى: ﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾؛ فإن تكفير السيئات حاصل بعد العمل الذي يحصل به التكفير. ٧ - ومنها: بيان آثار الذنوب، وأنها تسوء العبد؛ لقوله تعالى: ﴿من سيئاتكم﴾. ٨ - ومنها: إثبات اسم الله «الخبير»؛ وإثبات ما دل عليه من صفة. ٩ - ومنها: تحذير العبد من المخالفة؛ لقوله تعالى: ﴿والله بما تعملون خبير﴾؛ فإن إخباره إيانا بذلك يستلزم أن نخشى من خبرته فلا يفقدنا حيث أمرنا، ولا يرانا حيث نهانا. القرآن ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ [البقرة: ٢٧٢] التفسير: لست -أيها الرسول- مسئولا عن توفيق الكافرين للهداية، ولكن الله يشرح صدور مَن يشاء لدينه، ويوفقه له. وما تبذلوا من مال يَعُدْ عليكم نَفْعُه من الله، والمؤمنون لا ينفقون إلا طلبًا لمرضاة الله. وما تنفقوا من مال -مخلصين لله- توفوا ثوابه، ولا تُنْقَصُوا شيئا من ذلك. وفي الآية إثبات صفة الوجه لله تعالى على ما يليق به سبحانه. قال البغوي: " وهذا في صدقة التطوع، أباح الله تعالى أن توضع في أهل الإسلام وأهل الذمة، فأما الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها إلا في المسلمين وهم أهل السهمان المذكورون في سورة التوبة" (١). وفي سبب نزول الآية وجهان (٢): أحدهما: روي عن ابن عباس قال: "كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين، فسألوا فرخص لهم فنزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُون﴾ " (٣). وروي نحوه عن قتادة (٤)، والربيع (٥).

стр. 2092

والثاني: أخرج ابن ابي حاتم بسنده " عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، أنه كان يأمر بألا يصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية: ﴿ليس عليك هداهم﴾ إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك، من كل دين" (١). قال ابن ابي حاتم: "وروي عن السدي، أنه قال: المشركين" (٢). وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن يزيد بن أبي الحبيب: " إنما أنزلت هذه الآية على اليهود والنصارى" (٣) (٤). قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، " أي ليس عليك يا محمد أن تهدي الناس، فإِنك لست بمؤاخذ بجزيرة من لم يهتد، إِنما أنت ملزم بتبليغهم فحسب" (٥). قال الحسن: " لا نكلف محمدا ﵇ بهداهم، إلا أن يبلغ رسالته" (٦). قال الطبري: " ليس عليك يا محمد هدى المشركين إلى الإسلام، فتمنعهم صدقة التطوع، ولا تعطيهم منها ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها" (٧). قال البغوي: "فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها" (٨). قال الشوكاني: " أي ليس بواجب عليك أن تجعلهم مهديين قابلين لما أمروا به ونهوا عنه" (٩).

стр. 2093

قال القاسمي: " أي لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الإتيان بما أمروا به من المحاسن والانتهاء عما نهوا عنه من المساوئ المعدودة كالمنّ والأذى والإنفاق من الخبيث والبخل" (١). قال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ هذا الكلام متصل بذكر الصدقات، فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين .. وقيل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ ليس متصلا بما قبل، فيكون ظاهرا في الصدقات وصرفها إلى الكفار، بل يحتمل أن يكون معناه ابتداء كلام" (٢). قال ابن عثيمين: " والهدى المنفي هنا هدى التوفيق؛ وأما هدى البيان فهو على الرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة: ٦٧]؛ ولقوله تعالى: ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ [الشورى: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ [الرعد: ٤٠] ... إلى آيات كثيرة تدل أن على الرسول ﷺ أن يهدي الناس هداية الدلالة، والإرشاد؛ أما هداية التوفيق فليست على الرسول، ولا إلى الرسول؛ لا يجب عليه أن يهديهم؛ وليس بقدرته ولا استطاعته أن يهديهم؛ ولو كان بقدرته أن يهديهم لهدى عمه أبا طالب؛ ولكنه لا يستطيع ذلك؛ لأن هذا إلى الله وحده" (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، أي والله" يرشد من يشاء" (٤) إلى الإسلام. قال الصابوني: " والله يهدي من شاء من عباده إِلى الإِسلام" (٥). قال القاسمي: " بخلق الهداية في قلبه عقيب بيانك لجريان سنته بخلق الأشياء عقيب أسبابها، لا على سبيل الوجوب. بل على سبيل الاختيار، أفاده المهايميّ" (٦). قال البغوي: "وأراد به هداية التوفيق، أما هدي البيان والدعوة فكان على رسول الله ﷺ ، فأعطوهم بعد نزول الآية" (٧). قال ابن عطية: " أي يرشده، وفي هذا رد على القدرية وطوائف المعتزلة" (٨). قال ابن عثيمين: "وهذا كالاستدراك لما سبق؛ أي لمّا نفى كون هدايتهم على الرسول ﷺ بين أن ذلك إلى الله وحده؛ فيهدي من يشاء ممن اقتضت حكمته هدايته" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، يعني: " أيّ شيء تنفقونه من المال" (١٠). قال سفيان بن عيينة: "هو الصدقة" (١١). وقال الحسن: " نفقة المؤمن نفسه" (١٢). قال السعدي: " أي: قليل أو كثير على أي شخص كان من مسلم وكافر" (١٣).

стр. 2094

قال ابن عطية: " والخير في هذه الآية المال لأنه اقترن بذكر الإنفاق، فهذه القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم يقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال، نحو قوله تعالى: خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان: ٢٤] وقوله تعالى: مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: ٧] إلى غير ذلك، وهذا الذي قلناه تحرز من قول عكرمة: "كل خير في كتاب الله فهو المال" (١). قوله تعالى: ﴿فَلأنْفُسِكُم﴾ [البقرة: ٢٧٢]، "أي" تعملونه لأنفسكم" (٢). قال أبو عبيدة: لأهل دينكم" (٣). قال السعدي: " أي: نفعه راجع إليكم" (٤). قال الصابوني: " فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم لأن ثوابه لكم" (٥). قال القاسمي: " فلم تمنون به على الناس وتؤذونهم؟ ونظائر هذا القرآن كثيرة كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] " (٦). قال ابن عثيمين: " أي: وليس لله ؛ فالله لا ينتفع به؛ بل لأنفسكم تقدمونه؛ وما لا تنفقونه فقد حرمتم أنفسكم" (٧). قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، أي: "لا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله" (٨). قال عطاء الخراساني: " إذا أعطيت لوجه الله، فلا عليك ما كان عمله" (٩). وقال الحسن: " نفقة المؤمن لنفسه ولا ينفق المؤمن إذا أنفق- إلا ابتغاء وجه الله" (١٠). قال القاسمي: " نفي في معنى النهي. أي فلا تستطيلوا به على الناس ولا تراؤوا به" (١١). قال الراغب: " أي ما تنفقون لهم إلا تقرباً إلي الله ، فمعلوم أن من خص بنفقته هؤلاء، فإنه لم يقصد إلا وجه الله" (١٢). قال الصابوني: " أي لا تجعلوا إِنفاقكم إِلا لوجه الله لا لغرضٍ دنيوي" (١٣). قال ابن عطية: " وفيه تأويل آخر وهو أنها شهادة من الله تعالى للصحابة أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجه الله، فهو خبر منه لهم فيه تفضيل، وعلى التأويل الآخر هو اشتراط عليهم ويتناول الاشتراط غيرهم من الأمة" (١٤). قال ابن عثيمين: " لا تنفقون إنفاقاً ينفعكم إلا ما ابتغيتم به وجه الله؛ فأما ما ابتغي به سوى الله فلا ينفع صاحبه؛ بل هو خسارة عليه" (١٥). قال السعدي: " هذا إخبار عن نفقات المؤمنين الصادرة عن إيمانهم أنها لا تكون إلا لوجه الله تعالى، لأن إيمانهم يمنعهم عن المقاصد الردية ويوجب لهم الإخلاص" (١٦).

стр. 2095

قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، "أي أيّ شيء تنفقونه من المال" (١). قال ابن عثيمين: يعني" أيَّ: خير تنفقونه من الأعيان، والمنافع قليلاً كان أو كثيراً" (٢). قوله تعالى: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، " أي: يوفر لكم جزاؤه" (٣). قال ابن عثيمين: أي: تعطَونه وافياً من غير نقص، بل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة" (٤). قال الصابوني: " أي فإِن أجره وثوابه أضعافاً مضاعفة تنالونه" (٥). قال ابن زيد: " هو مردود عليك، فمالك ولهذا تؤذيه وتمن عليه؟ إنما نفقتك لنفسك وابتغاء وجه الله، والله يجزيك" (٦). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، أي: " ولا تنقصون شيئاص من حسناتكم" (٧). قال سلمة بن إسحاق: " أي: لا يضيع لكم عند الله أجره في الآخرة، وعاجل خلفه في الدنيا" (٨). قال البغوي: "لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا" (٩). قال القاسمي: أي لا تنقصون من حسناتكم، كما لا يزاد على سيئاتكم" (١٠). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن هداية الخلق لا تلزم الرسل؛ ونعنى بذلك هداية التوفيق؛ أما هداية الدلالة فهي لازمة عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ [المائدة: ٦٧]. ٢ - ومنها: أن الإنسان إذا بلغ شريعة الله برئت ذمته؛ لقوله تعالى: ﴿ليس عليك هداهم﴾؛ ولو كانت ذمته لا تبرأ لكان ملزماً بأن يهتدوا. ٣ - ومنها: إثبات أن جميع الأمور دقيقها، وجليلها بيد الله؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾. ٤ - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾؛ لأنهم يقولون: «إن العبد مستقل بعمله، ولا تعلق لمشيئة الله فيه». ٥ - ومنها: إثبات المشيئة لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿من يشاء﴾. ٦ - ومنها: أن هداية الخلق بمشيئة الله؛ ولكن هذه المشيئة تابعة للحكمة؛ فمن كان أهلاً لها هداه الله؛ لقوله تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤]؛ ومن لم يكن أهلاً للهداية لم يهده؛ لقوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]، ولقوله تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].

стр. 2096

٧ - ومنها: أن أعمال الإنسان لا تنصرف إلى غيره؛ لقوله تعالى: ﴿وما تنفقوا من خير فلأنفسكم﴾؛ وليس في الآية دليل على منع أن يتصدق الإنسان بعمله على غيره؛ ولكنها تبين أن ما عمله الإنسان فهو حق له؛ ولهذا جاءت السنة صريحة بجواز الصدقة عن الميت، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري في قصة الرجل الذي قال: «يا رسول الله، إن أمي أفتلتت نفسها وأُراها لو تكلمت تصدقت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم تصدق عنها» (١)؛ وكذلك حديث سعد بن عبادة حين تصدق ببستانه لأمه (٢)؛ إذاً فالآية لا تدل على منع الصدقة عن الغير؛ وإنما تدل على أن ما عمله الإنسان لا يصرف إلى غيره. ٨ - ومن فوائد الآية: أن الإنفاق الذي لا يُبتغى به وجه الله لا ينفع العبد؛ لقوله تعالى: ﴿وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله﴾. ٩ - ومنها: التنبيه على الإخلاص: أن يكون الإنسان مخلصاً لله في كل عمله؛ حتى في الإنفاق وبذل المال ينبغي له أن يكون مخلصاً فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله﴾؛ فالإنفاق قد يحمل عليه محبة الظهور، ومحبة الثناء، وأن يقال: فلان كريم، وأن تتجه الأنظار إليه؛ ولكن كل هذا لا ينفع؛ إنما ينفع ما ابتغي به وجه الله. ١٠ - ومنها: إثبات وجه الله ؛ لقوله تعالى: ﴿إلا ابتغاء وجه الله﴾؛ وأهل السنة والجماعة يقولون: إن لله وجهاً حقيقياً موصوفاً بالجلال والإكرام لا يماثل أوجه المخلوقين؛ وأنه من الصفات الذاتية الخبرية؛ و «الصفات الذاتية الخبرية» هي التي لم يزل، ولا يزال متصفاً بها، ونظير مسماها أبعاض وأجزاء لنا. وأهل التعطيل ينكرون أن يكون لله وجه حقيقي، ويقولون: المراد بـ «الوجه» الثواب، أو الجهة، أو نحو ذلك؛ وهذا تحريف مخالف لظاهر اللفظ، ولإجماع السلف؛ ولأن الثواب لا يوصف بالجلال والإكرام؛ والله وصف وجهه بالجلال والإكرام، فقال تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٧]. ١١ - ومنها: الإشارة إلى نظر وجه الله؛ لقوله تعالى: ﴿إلا ابتغاء وجه الله﴾؛ وهذا - أعني النظر إلى وجه الله - ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف؛ لقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦]؛ فقد فسر النبي ﷺ «الزيادة» بأنها النظر إلى وجه الله (٣) ... إلى آيات أخرى؛ وأما السنة فقد تواترت بذلك؛ ومنها قوله (ص): «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» (٤)؛ وأما إجماع السلف فقد نقله غير واحد من أهل العلم. ١٢ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان لا يُنْقص من عمله شيئاً؛ لقوله تعالى: ﴿وما تنفقوا من خير يوف إليكم﴾. ١٣ - ومنها: الإشارة إلى أن الإنفاق من الحرام لا يقبل؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿من خير﴾؛ ووجهه: أن الحرام ليس بخير؛ بل هو شر.

стр. 2097

١٤ - ومنها: نفي الظلم في جزاء الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم لا تظلمون﴾؛ وهذا يستلزم كمال عدله؛ فإن الله كلما نفى عن نفسه شيئاً من الصفات فإنه مستلزم لكمال ضده. القرآن ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾ [البقرة: ٢٧٣] التفسير: اجعلوا صدقاتكم لفقراء المسلمين الذين لا يستطيعون السفر؛ طلبًا للرزق لاشتغالهم بالجهاد في سبيل الله، يظنهم مَن لا يعرفهم غير محتاجين إلى الصدقة؛ لتعففهم عن السؤال، تعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم، لا يسألون الناس بالكُليَّة، وإن سألوا اضطرارًا لم يُلِحُّوا في السؤال. وما تنفقوا مِن مال في سبيل الله فلا يخفى على الله شيء منه، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمَّه يوم القيامة. في سبب نزول الآية وجوه (١): أحدها: قال مقاتل: "هم أهل الصفة منهم أبو هريرة وابن مسعود والموالي أربعمائة رجل لا أموال لهم بالمدينة، فإذا كان الليل أووا إلى الصفة فأمر الله بالنفقة عليهم" (٢). والثاني: أخرج ابن ابي حاتم عن مجاهد: " قوله: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ قال: مهاجري قريش بالمدينة مع النبي ﷺ ، أمر بالصدقة عليهم" (٣). وروي نحوه عن أبي جعفر (٤)، والسدي (٥). والثالث: وأخرج ابن ابي حاتم " عن سعيد، في قوله: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾، قال: قوم أصابتهم الجراحات في سبيل الله فصاروا زمنى، فجعل لهم في أموال المسلمين حقا" (٦). والرابع: وروي عن السدي، قوله: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾، حصرهم المشركون في المدينة" (٧). الخامس: وروي "عن رجاء بن حيوة في قول الله: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض﴾، قال: لا يستطيعون تجارة" (٨). وروي عن السدي، مثل ذلك (٩). السادس: وقيل الفقراء عامة دون تحديد. حكي عن السدي (١٠)، نحو هذا المعنى. قال ابن عطية: " ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقر غابر الدهر، وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم، لأن الأنصار كانوا أهل أموال وتجارة في قطرهم" (١١).

стр. 2098

قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، "أي اجعلوا ما تنفقونه للفقراء الذين حبسوا أنفسهم للجهاد والغزو في سبيل الله" (١). قال ابن عثيمين: " أي منعوا من الخروج من ديارهم في شريعته" (٢). قال ابن كثير: " يعني: المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى الله وإلى رسوله، وسكنوا المدينة وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم" (٣). قال ابن عطية: ﴿أُحْصِرُوا﴾: أي: "حبسوا ومنعوا .. [أي]: أنهم هم حابسو أنفسهم بربقة الدين وقصد الجهاد وخوف العدو، إذا أحاط بهم الكفر، فصار خوف العدو عذرا " (٤). قال الطبري: " الذين جَعلهم جهادُهم عدوَّهم يُحْصِرون أنفسَهم فيحبسونها عن التصرُّف فلا يستطيعون تصرّفًا" (٥). قال القاسمي: " أي حبسوا أنفسهم في طاعته تعالى من جهاد أو غيره" (٦). وذهب بعض اللغويين إلى أن (أحصر) و (حصر) بمعنى واحد من الحبس والمنع سواء كان ذلك بعدو أو بمرض ونحوه من الأعذار، حكاه ابن سيده وغيره ونقله ابن عطية (٧). وقوله تعالى ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ متعلق بمحذوف ينساق إليه الكلام، أي اجعلوا ما تنفقونه للفقراء، أو صدقاتكم للفقراء. أي المحتاجين إلى النفقة (٨). وقوله تعالى ﴿الفقراء﴾ جمع فقير؛ و «الفقير» هو المعدم؛ لأن أصل هذه الكلمة مأخوذة من «الفقر» الموافق لـ «القفر» في الاشتقاق الأكبر - الذي يتماثل فيه الحروف دون الترتيب؛ و «القفر» الأرض الخالية، كما قال الشاعر (٩): وقبرُ حربٍ بمكانٍ قفر ... وليس قربَ قبرِ حرب قبر فـ «الفقير» معناه الخالي ذات اليد؛ ويقرن بـ «المسكين» أحياناً؛ فإذا قرن بـ «المسكين» صار لكل منهما معنى؛ وصار «الفقير» من كان خالي ذات اليد؛ أو من لا يجد من النفقة إلا أقل من النصف؛ والمسكين أحسن حالاً منه، لكن لا يجد جميع الكفاية؛ أما إذا انفرد أحدهما عن الآخر صار معناهما واحداً؛ فهو من الكلمات التي إذا اجتمعت افترقت؛ وإذا افترقت اجتمعت (١٠). وقوله تعالى ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، يحتمل وجهين (١١): أحدهما: الجهاد. والثاني: الدخول في شريعة الإسلام. قال ابن عطية: " واللفظ يتناولهما" (١٢).

стр. 2099

وفي تفسير قوله تعالى ﴿أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أربعة أقاويل (١): أحدها: حَصَروا أنفسهم في سبيل الله للغزو، أي: أنهم منعوا أنفسهم من التصرف للمعاش خوف العدو من الكفار، قاله قتادة (٢)، وابن زيد (٣). ورجحه الطبري (٤). والثاني: منعهم الكفار بالخوف منهم، قاله السدي (٥). والثالث: منعهم الفقر من الجهاد. يعني: أن فقرهم وضعفهم منعهم من السفر لجهاد العدو ومقارعته (٦). وهو محتمل. والرابع: منعهم التشاغل بالجهاد عن طلب المعاش. اختاره الحافظ ابن حجر (٧). قال الشنقيطي: " لم يبين هنا سبب فقرهم؛ ولكنه بين في سورة الحشر أن سبب فقرهم هو إخراج الكفار لهم من ديارهم وأموالهم بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] الآية " (٨). قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، "أي: لا يستطيعون بسبب الجهاد السفر في الأرض للتجارة والكسب" (٩). قال القاسمي: " أي ذهابا فِي ﴿الْأَرْضِ﴾ لاكتساب أو تجارة" (١٠). قال الآلوسي: " أي مشيا فيها وذهابا للتكسب والتجارة" (١١). قال الطبري: " لا يستطيعون تقلُّبًا في الأرض، وسفرًا في البلاد، ابتغاءَ المعاش وطَلبَ المكاسب، فيستغنوا عن الصدقات، رهبةَ العدوّ وخوفًا على أنفسهم منهم" (١٢). قال ابن كثير: " يعني: سفرًا للتسبب في طلب المعاش. والضرب في الأرض: هو السفر؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿

стр. 2100

عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ الآية [المزمل: ٢٠] " (١). قال ابن عطية: " كانوا لا يستطيعون الضرب في الأرض لكون البلاد كلها كفرا مطبقا، وهذا في صدر الهجرة، فقلتهم تمنع من الاكتساب بالجهاد. وإنكار الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة" (٢). قال القرطبي: " وقيل: معنى ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ﴾، أي لما قد ألزموا أنفسهم من الجهاد. والأول أظهر" (٣). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وجهين: أحدهما: يعني تصرفاً، قاله ابن زيد (٤). والثاني: يعني تجارة، قاله قتادة (٥)، والسدي (٦)، ورجاء بن حيوة (٧). والضرب في الأرض هو السفر فيها، قال- : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وظاهر الآية أنه السفر للتجارة والتكسب كما هو قول جمهور المفسرين. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، "أي: يظنهم الذي لا يعرف حالهم أغنياء موسرين من شدة تعففهم" (٨). قال ابن كثير: ": الجاهلُ بأمْرهم وحالهم يحسبهم أغنياء، من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم" (٩). قال قتادة: ": يحسبهم الجاهل بأمرهم أغنياء من التعفف" (١٠). قال الطبري: " من تعففهم عن المسألة، وتركهم التعرض لما في أيدي الناس، صبرًا منهم على البأساء والضراء" (١١). قال القرطبي: " أي أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء، وفيه دليل على أن اسم الفقر يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ذلك من إعطاء الزكاة إليه" (١٢). قال الماوردي: من التعفف: يعني من التقنع والعفة والقناعة" (١٣). قال القاسمي: " والتلويح به قناعة بما أعطاهم مولاهم، ورضا عنه، وشرف نفس" (١٤). قال الحسن: " دلّ الله المؤمنين عليهم وجعل نفقاتهم لهم، وأمرهم أن يضعوا نفقاتهم فيهم ورضي عنهم" (١٥).

стр. 2101

و (التعفف): هو تَرْك مسألة الناس، من (العفة) عن الشيء، والعفة عن الشيء، تركه، كما قال رؤبة (١): فَعَفَّ عَنْ أسْرَارِهَا بَعْدَ العَسَقْ ... وَلَمْ يَضَعْها بيْنَ فَرك وعشق يعني بَرئ وتجنَّبَ (٢). وقوله تعالى ﴿يَحْسَبُهُمُ [البقرة: ٢٧٣]، فيه قراءتان (٣): الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: ﴿يَحْسِبُهُمُ﴾ بكسر السين في كلّ القرآن. الثانية: وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾، بفتح السين في كلّ القرآن (٤). قال أبو علي الفارسي: "القراءة بـ (تحسَب) بفتح السّين أقيس، لأنّ الماضي إذا كان على فعل نحو حسب، كان المضارع على يفعل مثل: فرق يفرق، وشرب يشرب، وشذّ يحسب فجاء على يفعل في حروف أخر. والكسر حسن لمجيء السمع به، وإن كان شاذا عن القياس" (٥). وقوله تعالى: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، فإن ﴿مِنَ﴾ لابتداء الغاية، أي من تعففهم ابتدأت محسبته، وليست لبيان الجنس، لأن الجاهل بهم لا يحسبهم أغنياء غناء تعفف، وانما يحسبهم أغنياء غناء مال، ومحسبته من التعفف ناشئة، وهذا على أنهم متعففون عفة تامة عن المسألة، وهو الذي عليه جمهور المفسرين (٦). قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أي: "تعرفهم يا محمد بعلامتهم وآثارهم" (٧). قال الصابوني: "أي: تعرف حالهم أيها المخاطب بعلامتهم من التواضع وأثر الجهد" (٨). قال ابن كثير: " بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم كما قال تعالى: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، وفي الحديث الذي في السنن: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» (٩)، ثم قرأ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر: ٧٥] " (١٠). وروي " عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ليس المسكين بالطواف عليكم، فتعطونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافا" (١١). وذكر أهل التفسير في المراد بقوله تعالى ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] هُنَا ستة أقوال: أحدها: التخشع والتواضع، قاله مجاهد (١٢). والثاني: الفقر، قاله السدي (١٣).

стр. 2102

والثالث: وقيل: تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة. حكي ذلك عن الربيع (١). والرابع: وقيل: تعرفهم برثاثة ثيابهم. ذكره ابن زيد (٢). والخامس: وقال الضحاك: "صفرة ألوانهم من الجوع والضر" (٣). السادس: وقال قوم، وحكاه مكي: "هي أثر السجود" (٤). قال ابن عطية: " وهذا حسن، لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة، فكان أثر السجود عليهم أبدا" (٥). والأظهر اختلاف ذلك من فقير إلى آخر. والله أعلم. قال الطبري: " الله أخبر نبيَّه ﷺ أنه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم. وإنما كان النبيُّ ﷺ يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند المشاهدة بالعِيان، فيعرفُهم وأصحابه بها، كما يُدرك المريضُ فيعلم أنه مريض بالمعاينة. وقد يجوز أن تكون تلك السيما كانت تخشُّعًا منهم، وأن تكون كانت أثر الحاجة والضرّ، وأن تكون كانت رثاثة الثياب، وأن تكون كانت جميعَ ذلك، وإنما تُدرك علامات الحاجة وآثار الضر في الإنسان، ويعلم أنها من الحاجة والضر، بالمعاينة دون الوصف. وذلك أن المريض قد يصير به في بعض أحوال مرضه من المرض، نظيرُ آثار المجهود من الفاقة والحاجة، وقد يلبس الغني ذو المال الكثير الثيابَ الرثة، فيتزيّى بزيّ أهل الحاجة، فلا يكون في شيء من ذلك دلالة بالصّفة على أنّ الموصوف به مختلٌّ ذو فاقة. وإنما يدري ذلك عند المعاينة بسيماه، كما وصف الله نظير ما يُعرف أنه مريض عند المعاينة، دون وَصْفه بصفته" (٦). وأصل (السيما): من السمة التي هي العلامة، قلبت الواو إلى موضع العين، وقال آخرون: أصل السيما: الارتفاع، لأنها علامة رفعت للظهور (٧). ومن العرب من يقول: (بسيمائهم) فيمدها، وأما ثقيف وبعض أسَدٍ، فإنهم يقولون: (بسيميائهم) ; ومن ذلك قول الشاعر (٨):

стр. 2103

غُلامٌ رَمَاهُ اللهُ بالحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيمِيَاءٌ لا تَشُقُّ عَلَى البَصَرْ (١) قوله تعالى: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أي: " لا يسألونك الناس شيئاً أصلاً فلا يقع منهم إِلحاح" (٢). قال الآلوسي: " أي إلحاحا، وهو أن يلازم المسئول حتى يعطيه من قولهم لحفني من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده، وقيل: سمي الإلحاح بذلك لأنه يغطي القلب كما يغطي اللحاف من تحته" (٣). قال ابن كثير: " أي: لا يُلحْون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن السؤال، فقد ألحف في المسألة" (٤). قال عطاء في وصفهم: "إذا كان عندهم غداء لا يسألون عشاء، وإذا كان عندهم عشاء لا يسألون غداء" (٥). وفي انتصاب قوله تعالى (إِلْحَافًا)، ثلاثة أوجه (٦): أحدها: على أنه مصدر في موضع الحال، أي: لا يسألون في حال الإِلحاف. والثاني: أنه مفعول لأجله، أي: لا يسألون لأجل الإِلحاف. والثالث: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر، أي: يلحفون إلحافاً، والجملة المقدرة حال من فاعل (يَسالُون). قال ابن حجر: " وهل المراد نفي المسألة فلا يسألون أصلاً، أو نفي السؤال بالإِلحاف خاصة، فلا ينتفي السؤال بغير إلحاف؛ فيه احتمال، والثاني أكثر في الاستعمال، ويحتمل أن يكون المراد لو سألوا لم يسألوا إلحافاً فلا يستلزم الوقوع" (٧). واختلف العلماء في معنى قوله ﴿لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣]، على قولين (٨): الأول: قيل هو نفي للسؤال والإلحاف جميعا، أي لايسألون البتة. قاله الطبري (٩) والزجاج (١٠).

стр. 2104

ومنه قول الشاعر (١): عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ إِذَا سَافَهُ الْعَوْدَ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرا يريد نفى المنار والاهتداء به (٢). قال القرطبي: " وعلى هذا جمهور المفسرين، يكون التعفف صفة ثابتة لهم، أي لا يسألون الناس إلحاحا ولا غير إلحاح" (٣). الثاني: وقال قوم: "إن المراد نفي الإلحاف، أي أنهم يسألون غير إلحاف، وهذا هو السابق للفهم، أي يسألون غير ملحفين" (٤). والذي ذهب إليه الأكثرون كالفراء والزجاج والطبري وابن الأنباري وأكثر أهل المعاني والتفسير –كما نسب ذلك لهم الواحدي والقرطبي والشوكاني-أن المعنى: لا يسألون الناس البتة لا بإلحاف ولا بغير إلحاف ووجهه: أن التعفف صفة ثابتة لهم لا تفارقهم ومجرد السؤال ينافيها، وأيضاً أن كون الجاهل بهم يحسبهم أغنياء من التعفف لا يكون إلا مع عدم السؤال البتة (٥). قال ابن عطية: " والآية تحتمل المعنيين: نفي السؤال جملة ونفي الإلحاف فقط، أما الأولى فعلى أن يكون التَّعَفُّفِ صفة ثابتة لهم، ويحسبهم الجاهل بفقرهم لسبب تعففهم أغنياء من المال، وتكون ﴿مِنَ﴾ لابتداء الغاية، ويكون قوله: ﴿لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً﴾ لم يرد به أنهم يسألون غير إلحاف بل المراد به التنبيه على سوء حالة من يسأل إلحافا من الناس، كما تقول: هذا رجل خير لا يقتل المسلمين .. وأما المعنى الثاني فعلى أن يكون التَّعَفُّفِ داخلا في المحسبة أي إنهم لا يظهر لهم سؤالا، بل هو قليل" (٦). وقال ابن عثيمين: " هل النفي للقيد؛ أو للقيد والمقيد؟ إن نظرنا إلى ظاهر اللفظ فإن النفي للقيد؛ أي أنهم لا يلحون في المسألة؛ ولكن يسألون؛ وإن نظرنا إلى مقتضى السياق ترجح أنهم لا يسألون الناس مطلقاً؛ فيكون النفي نفياً للقيد - وهو الإلحاف، والمقيد - وهو السؤال؛ والمعنى أنهم لا يسألون مطلقاً؛ ولو كانوا يسألون ما حسبهم الجاهل أغنياء؛ بل لظنهم فقراء بسبب سؤالهم؛ ولكنه ذكر أعلى أنواع السؤال المذموم - وهو الإلحاح؛ ولهذا تجد الإنسان إذا ألح - وإن كان فقيراً - يثقل عليك، وتمل مسألته؛ حتى ربما تأخذك العزة بالإثم ولا تعطيه؛ فتحرمه، أو تنهره مع علمك باستحقاقه؛ وتجد الإنسان الذي يظهر بمظهر الغني المتعفف ترق له، وتعطيه أكثر مما تعطي السائل" (٧). وقال أبو حيان: " "إذا نفي حكم عن محكوم عليه بقيد فالأكثر في لسان العرب انصراف النفي لذلك القيد، فيكون المعنى على هذا ثبوت سؤالهم ونفي الإلحاح، أي: وإن وقع منهم سؤال فإنما يكون بتلطف وتستر لا بإلحاح" (٨).

стр. 2105

وقد ذكر أهل التفسير في معنى (الإلحاف) وجوها (١): أحدها: الإلحاف، يعني: أن يسأل وله كفاية. قال رسول الله ﷺ : "من سأل وله قيمة وقية فهو ملحف، والوقية: أربعون درهما" (٢). والثاني: أنه الاشتمال بالمسألة، ومنه اشتق اسم اللحاف (٣). والثالث: أنه الحلف في المسألة. قاله السدي (٤). والرابع: أنه الإلحاح في المسألة. قاله ابن زيد (٥). الخامس: وقيل: أن الإلحاف: هو فرط المدح لدى السائل في حال العطاء، وفرط الذم لديه في حال المنع (٦). و«الإلحاف» والإلحاح واللَّجاجُ والإِحفاءُ بمعنى واحد، يقال: ألحفَ وألحَّ في المسألةِ: إذا لَجَّ فيها، وفي الحديث: "من سأل وله أربعون فقد ألحف" (٧) (٨). واختلف في اشتقاق لفظة (الإلحاف) على أقوال (٩): أحدها: أنها: مشتقة من اللِّحاف، لأنه يشتملُ الناسَ بمسألتِه ويَعُمُّهم، كما يشتملُ اللِّحافُ من تحتِه ويُغَطِّيه، ومنه قول ابن الأحمر (١٠): يظلُّ يَحُفُّهُنَّ بقَفْقَفَيْهِ ... ويَلْحَفُهُنَّ هَفْهافاً ثَخِينا يصف ذكر نعام يحضن بيضا، فكأن هذا السائل الملح يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك. ومنه قول طرفة (١١): ثمَّ راحُوا عَبَقُ المِسْكِ بِهِمْ ... يُلْحِفُون الأَرْضَ هُدَّابَ الأُزُرْ أي يلبسونها الأرض كإلباس اللحاف للشيء (١٢). قال الراغب: " والإلحاف استشعار المسألة والاستقصاء فيها وتذرعها، يقال: لحفته: أي ألبسته إلحافا ككسوته، أي ألبسته كساءً" (١٣).
следующие страницы →