← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

و (التعفف): هو تَرْك مسألة الناس، من (العفة) عن الشيء، والعفة عن الشيء، تركه، كما قال رؤبة (١): فَعَفَّ عَنْ أسْرَارِهَا بَعْدَ العَسَقْ ... وَلَمْ يَضَعْها بيْنَ فَرك وعشق يعني بَرئ وتجنَّبَ (٢). وقوله تعالى ﴿يَحْسَبُهُمُ [البقرة: ٢٧٣]، فيه قراءتان (٣): الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: ﴿يَحْسِبُهُمُ﴾ بكسر السين في كلّ القرآن. الثانية: وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾، بفتح السين في كلّ القرآن (٤). قال أبو علي الفارسي: "القراءة بـ (تحسَب) بفتح السّين أقيس، لأنّ الماضي إذا كان على فعل نحو حسب، كان المضارع على يفعل مثل: فرق يفرق، وشرب يشرب، وشذّ يحسب فجاء على يفعل في حروف أخر. والكسر حسن لمجيء السمع به، وإن كان شاذا عن القياس" (٥). وقوله تعالى: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، فإن ﴿مِنَ﴾ لابتداء الغاية، أي من تعففهم ابتدأت محسبته، وليست لبيان الجنس، لأن الجاهل بهم لا يحسبهم أغنياء غناء تعفف، وانما يحسبهم أغنياء غناء مال، ومحسبته من التعفف ناشئة، وهذا على أنهم متعففون عفة تامة عن المسألة، وهو الذي عليه جمهور المفسرين (٦). قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أي: "تعرفهم يا محمد بعلامتهم وآثارهم" (٧). قال الصابوني: "أي: تعرف حالهم أيها المخاطب بعلامتهم من التواضع وأثر الجهد" (٨). قال ابن كثير: " بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم كما قال تعالى: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، وفي الحديث الذي في السنن: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» (٩)، ثم قرأ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر: ٧٥] " (١٠). وروي " عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ليس المسكين بالطواف عليكم، فتعطونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافا" (١١). وذكر أهل التفسير في المراد بقوله تعالى ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] هُنَا ستة أقوال: أحدها: التخشع والتواضع، قاله مجاهد (١٢). والثاني: الفقر، قاله السدي (١٣).

стр. 2102

والثالث: وقيل: تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة. حكي ذلك عن الربيع (١). والرابع: وقيل: تعرفهم برثاثة ثيابهم. ذكره ابن زيد (٢). والخامس: وقال الضحاك: "صفرة ألوانهم من الجوع والضر" (٣). السادس: وقال قوم، وحكاه مكي: "هي أثر السجود" (٤). قال ابن عطية: " وهذا حسن، لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة، فكان أثر السجود عليهم أبدا" (٥). والأظهر اختلاف ذلك من فقير إلى آخر. والله أعلم. قال الطبري: " الله أخبر نبيَّه ﷺ أنه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم. وإنما كان النبيُّ ﷺ يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند المشاهدة بالعِيان، فيعرفُهم وأصحابه بها، كما يُدرك المريضُ فيعلم أنه مريض بالمعاينة. وقد يجوز أن تكون تلك السيما كانت تخشُّعًا منهم، وأن تكون كانت أثر الحاجة والضرّ، وأن تكون كانت رثاثة الثياب، وأن تكون كانت جميعَ ذلك، وإنما تُدرك علامات الحاجة وآثار الضر في الإنسان، ويعلم أنها من الحاجة والضر، بالمعاينة دون الوصف. وذلك أن المريض قد يصير به في بعض أحوال مرضه من المرض، نظيرُ آثار المجهود من الفاقة والحاجة، وقد يلبس الغني ذو المال الكثير الثيابَ الرثة، فيتزيّى بزيّ أهل الحاجة، فلا يكون في شيء من ذلك دلالة بالصّفة على أنّ الموصوف به مختلٌّ ذو فاقة. وإنما يدري ذلك عند المعاينة بسيماه، كما وصف الله نظير ما يُعرف أنه مريض عند المعاينة، دون وَصْفه بصفته" (٦). وأصل (السيما): من السمة التي هي العلامة، قلبت الواو إلى موضع العين، وقال آخرون: أصل السيما: الارتفاع، لأنها علامة رفعت للظهور (٧). ومن العرب من يقول: (بسيمائهم) فيمدها، وأما ثقيف وبعض أسَدٍ، فإنهم يقولون: (بسيميائهم) ; ومن ذلك قول الشاعر (٨):

стр. 2103

غُلامٌ رَمَاهُ اللهُ بالحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيمِيَاءٌ لا تَشُقُّ عَلَى البَصَرْ (١) قوله تعالى: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أي: " لا يسألونك الناس شيئاً أصلاً فلا يقع منهم إِلحاح" (٢). قال الآلوسي: " أي إلحاحا، وهو أن يلازم المسئول حتى يعطيه من قولهم لحفني من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده، وقيل: سمي الإلحاح بذلك لأنه يغطي القلب كما يغطي اللحاف من تحته" (٣). قال ابن كثير: " أي: لا يُلحْون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن السؤال، فقد ألحف في المسألة" (٤). قال عطاء في وصفهم: "إذا كان عندهم غداء لا يسألون عشاء، وإذا كان عندهم عشاء لا يسألون غداء" (٥). وفي انتصاب قوله تعالى (إِلْحَافًا)، ثلاثة أوجه (٦): أحدها: على أنه مصدر في موضع الحال، أي: لا يسألون في حال الإِلحاف. والثاني: أنه مفعول لأجله، أي: لا يسألون لأجل الإِلحاف. والثالث: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر، أي: يلحفون إلحافاً، والجملة المقدرة حال من فاعل (يَسالُون). قال ابن حجر: " وهل المراد نفي المسألة فلا يسألون أصلاً، أو نفي السؤال بالإِلحاف خاصة، فلا ينتفي السؤال بغير إلحاف؛ فيه احتمال، والثاني أكثر في الاستعمال، ويحتمل أن يكون المراد لو سألوا لم يسألوا إلحافاً فلا يستلزم الوقوع" (٧). واختلف العلماء في معنى قوله ﴿لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣]، على قولين (٨): الأول: قيل هو نفي للسؤال والإلحاف جميعا، أي لايسألون البتة. قاله الطبري (٩) والزجاج (١٠).

стр. 2104

ومنه قول الشاعر (١): عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ إِذَا سَافَهُ الْعَوْدَ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرا يريد نفى المنار والاهتداء به (٢). قال القرطبي: " وعلى هذا جمهور المفسرين، يكون التعفف صفة ثابتة لهم، أي لا يسألون الناس إلحاحا ولا غير إلحاح" (٣). الثاني: وقال قوم: "إن المراد نفي الإلحاف، أي أنهم يسألون غير إلحاف، وهذا هو السابق للفهم، أي يسألون غير ملحفين" (٤). والذي ذهب إليه الأكثرون كالفراء والزجاج والطبري وابن الأنباري وأكثر أهل المعاني والتفسير –كما نسب ذلك لهم الواحدي والقرطبي والشوكاني-أن المعنى: لا يسألون الناس البتة لا بإلحاف ولا بغير إلحاف ووجهه: أن التعفف صفة ثابتة لهم لا تفارقهم ومجرد السؤال ينافيها، وأيضاً أن كون الجاهل بهم يحسبهم أغنياء من التعفف لا يكون إلا مع عدم السؤال البتة (٥). قال ابن عطية: " والآية تحتمل المعنيين: نفي السؤال جملة ونفي الإلحاف فقط، أما الأولى فعلى أن يكون التَّعَفُّفِ صفة ثابتة لهم، ويحسبهم الجاهل بفقرهم لسبب تعففهم أغنياء من المال، وتكون ﴿مِنَ﴾ لابتداء الغاية، ويكون قوله: ﴿لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً﴾ لم يرد به أنهم يسألون غير إلحاف بل المراد به التنبيه على سوء حالة من يسأل إلحافا من الناس، كما تقول: هذا رجل خير لا يقتل المسلمين .. وأما المعنى الثاني فعلى أن يكون التَّعَفُّفِ داخلا في المحسبة أي إنهم لا يظهر لهم سؤالا، بل هو قليل" (٦). وقال ابن عثيمين: " هل النفي للقيد؛ أو للقيد والمقيد؟ إن نظرنا إلى ظاهر اللفظ فإن النفي للقيد؛ أي أنهم لا يلحون في المسألة؛ ولكن يسألون؛ وإن نظرنا إلى مقتضى السياق ترجح أنهم لا يسألون الناس مطلقاً؛ فيكون النفي نفياً للقيد - وهو الإلحاف، والمقيد - وهو السؤال؛ والمعنى أنهم لا يسألون مطلقاً؛ ولو كانوا يسألون ما حسبهم الجاهل أغنياء؛ بل لظنهم فقراء بسبب سؤالهم؛ ولكنه ذكر أعلى أنواع السؤال المذموم - وهو الإلحاح؛ ولهذا تجد الإنسان إذا ألح - وإن كان فقيراً - يثقل عليك، وتمل مسألته؛ حتى ربما تأخذك العزة بالإثم ولا تعطيه؛ فتحرمه، أو تنهره مع علمك باستحقاقه؛ وتجد الإنسان الذي يظهر بمظهر الغني المتعفف ترق له، وتعطيه أكثر مما تعطي السائل" (٧). وقال أبو حيان: " "إذا نفي حكم عن محكوم عليه بقيد فالأكثر في لسان العرب انصراف النفي لذلك القيد، فيكون المعنى على هذا ثبوت سؤالهم ونفي الإلحاح، أي: وإن وقع منهم سؤال فإنما يكون بتلطف وتستر لا بإلحاح" (٨).

стр. 2105

وقد ذكر أهل التفسير في معنى (الإلحاف) وجوها (١): أحدها: الإلحاف، يعني: أن يسأل وله كفاية. قال رسول الله ﷺ : "من سأل وله قيمة وقية فهو ملحف، والوقية: أربعون درهما" (٢). والثاني: أنه الاشتمال بالمسألة، ومنه اشتق اسم اللحاف (٣). والثالث: أنه الحلف في المسألة. قاله السدي (٤). والرابع: أنه الإلحاح في المسألة. قاله ابن زيد (٥). الخامس: وقيل: أن الإلحاف: هو فرط المدح لدى السائل في حال العطاء، وفرط الذم لديه في حال المنع (٦). و«الإلحاف» والإلحاح واللَّجاجُ والإِحفاءُ بمعنى واحد، يقال: ألحفَ وألحَّ في المسألةِ: إذا لَجَّ فيها، وفي الحديث: "من سأل وله أربعون فقد ألحف" (٧) (٨). واختلف في اشتقاق لفظة (الإلحاف) على أقوال (٩): أحدها: أنها: مشتقة من اللِّحاف، لأنه يشتملُ الناسَ بمسألتِه ويَعُمُّهم، كما يشتملُ اللِّحافُ من تحتِه ويُغَطِّيه، ومنه قول ابن الأحمر (١٠): يظلُّ يَحُفُّهُنَّ بقَفْقَفَيْهِ ... ويَلْحَفُهُنَّ هَفْهافاً ثَخِينا يصف ذكر نعام يحضن بيضا، فكأن هذا السائل الملح يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك. ومنه قول طرفة (١١): ثمَّ راحُوا عَبَقُ المِسْكِ بِهِمْ ... يُلْحِفُون الأَرْضَ هُدَّابَ الأُزُرْ أي يلبسونها الأرض كإلباس اللحاف للشيء (١٢). قال الراغب: " والإلحاف استشعار المسألة والاستقصاء فيها وتذرعها، يقال: لحفته: أي ألبسته إلحافا ككسوته، أي ألبسته كساءً" (١٣).

стр. 2106

الثاني: وقيل: بل اشتقاقُ للفظةِ من «لَحْفِ الجبل» وهو المكانُ الخَشِنُ، ومجازُه أنَّ السائلَ لكثرة سؤالِه كأنه استعمل الخشونةَ في مسألتِه. الثالث: وقيل: بل هي (من لحَفَني فلانٌ)، أي: أعطاني فَضْلَ ما عنده، وهو قريبٌ من معنى الأول (١). قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، " أي ما أنفقتموه في وجوه الخير فإِن الله يجازيكم عليه أحسن الجزاء" (٢). قال قتادة: " محفوظ ذلك عن الله، عالم به، شاكر له، وأنه لا شيء أشكر من الله، لا أجزأ بخير من الله" (٣). قال ابن كثير: " أي: لا يخفى عليه شيء منه، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة، أحوج ما يكونون إليه" (٤). قال الآلوسي: " فيجازيكم به وهو ترغيب في الإنفاق لا سيما على هؤلاء" (٥). قال ابن عثيمين: " هذه الجملة شرطية ذيلت بها الآية المبينة لأهل الاستحقاق حثاً على الإنفاق؛ لأنه إذا كان الله عليماً بأيّ خير ننفقه فسيجازينا عليه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أنه لا يجوز أن نعطي من يستطيع التكسب؛ لقوله تعالى: ﴿لا يستطيعون ضرباً في الأرض﴾؛ لأنه عُلم منه أنهم لو كانوا يستطيعون ضرباً في الأرض، والتكسب فإنهم لا يعطون؛ ولهذا لما جاء رجلان إلى الرسول ﷺ يسألانه الصدقة صعَّد فيهما النظر وصوَّبه، ثم قال: «إن شئتما أعطيتكما؛ ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب» (٧)؛ فإذا كان الإنسان يستطيع الضرب في الأرض والتجارة والتكسب، فإنه لا يعطى؛ لأنه وإن كان فقيراً بماله؛ لكنه ليس فقيراً بعمله. ٢ - ومن فوائد الآية: فضيلة التعفف؛ لقوله تعالى: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾. قلت: فهذا الصنف من الفقراء، أفضل ما وضعت فيهم النفقات لدفع حاجتهم، قال الغزاليّ: ينبغي أن يطلب بالفحص عن أهل الدين في كل محلة، ويستكشف عن بواطن أحوال أهل الخير والتجمل، ممن يكون مستترا مخفيا حاجته لا يكثر البث والشكوى. أو يكون من أهل المروءة ممن ذهبت نعمته وبقيت عادته، فهو يتعيش في جلباب التجمل. فثواب صرف المعروف إليهم أضعاف ما يصرف إلى المجاهرين بالسؤال". كما ينبغي أن يطلب بصدقته من تزكو به الصدقة كأن يكون أهل علم. فإن ذلك إعانة له على العلم. والعلم أشرف العبادات مهما صحّت فيه النية. وكان ابن المبارك يخصص بمعروفه أهل العلم. فقيل له: لو عممت! فقال: إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء. فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجته لم يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم. فتفريغهم للعلم أفضل (٨).

стр. 2107

٣ - ومنها: التنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يكون فطناً ذا حزم، ودقة نظر؛ لأن الله وصف هذا الذي لا يعلم عن حال هؤلاء بأنه جاهل؛ فقال تعالى: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾؛ فينبغي للإنسان أن يكون ذا فطنة، وحزم، ونظر في الأمور. ٤ - ومنها: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: ﴿من التعفف﴾؛ فإن ﴿من﴾ هنا سببية؛ أي بسبب تعففهم يظن الجاهل بحالهم أنهم أغنياء. ٥ - ومنها: الإشارة إلى الفراسة، والفطنة؛ لقوله تعالى: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾؛ فإن السيما هي العلامة التي لا يطلع عليها إلا ذوو الفراسة؛ وكم من إنسان سليم القلب ليس عنده فراسة، ولا بُعد نظر يخدع بأدنى سبب؛ وكم من إنسان عنده قوة فراسة، وحزم، ونظر في العواقب يحميه الله بفراسته عن أشياء كثيرة. ٦ - ومنها: الثناء على من لا يسأل الناس؛ لقوله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾؛ وقد كان من جملة ما بايع النبي ﷺ أصحابه: ألا يسألوا الناس شيئاً؛ حتى إن الرجل ليسقط سوطه من على بعيره، فينزل، فيأخذه ولا يقول لأخيه: أعطني إياه (١)؛ كل هذا بعداً عن سؤال الناس. والسؤال - أي سؤال المال - لغير ضرورة محرم إلا إذا علمنا أن المسؤول يفرح بذلك ويُسَر؛ فإنه لا بأس به؛ بل قد يكون السائل مثاباً مأجوراً لإدخاله السرور على أخيه؛ كما لو سأل إنسان صديقاً له يعرف أنه يكون ممتناً بهذا السؤال؛ وقد قال النبي ﷺ في اللحم الذي على البرمة: «هو على بريرة صدقة؛ ولنا هدية» (٢). ٧ - ومن فوائد الآية: بيان عموم علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم﴾؛ فأيّ خير يفعله العبد فإن الله به عليم. القرآن ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤] التفسير: الذين يُخْرجون أموالهم مرضاة لله ليلا ونهارًا مسرِّين ومعلنين، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا. ذلك التشريع الإلهي الحكيم هو منهاج الإسلام في الإنفاق لما فيه مِن سدِّ حاجة الفقراء في كرامة وعزة، وتطهير مال الأغنياء، وتحقيق التعاون على البر والتقوى؛ ابتغاء وجه الله دون قهر أو إكراه. اختلفوا في سبب نزولها على ستة أقاويل (٣): أحدها: أنها نزلت في عليٍّ كرم الله وجهه، كانت معه أربعة دراهم فأنفقها على أهل الصفّة، أنفق في سواد الليل درهماً، وفي وضح النهار درهماً، وسراً درهماً، وعلانية درهماً، قاله ابن عباس (٤) ومقاتل (٥)، والكلبي (٦)، ومجاهد بن جبر (٧).

стр. 2108

والثاني: وقال ابن جريج: "نزلت في رجل فعل ذلك ولم يسم عليا ولا غيره" (١)، قلت: وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عون مثله (٢) والثالث: وقيل نزلت في أبي بكر الصديق-﵁ حين تصدق بأربعين ألف دينار: عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية (٣). والرابع: أنها نزلت في النفقة على الخيل في سبيل الله لأنهم ينفقون بالليل والنهار سِرّاً وعلانية، قاله عبدالله بن بشر الغافقي (٤)، وأبود الدرداء (٥)، وأبو ذر (٦)، وابن عباس (٧)، والأوزاعي (٨)، وروي عن أبي أمامة وسعيد بن المسيب ومكحول، نحو ذلك (٩). وروي عن يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون﴾ في أصحاب الخيل" (١٠). والخامس: وقيل: "أنها خاصة في إباحة الارتفاق بالزروع والثمار، لأنه يرتفق بها كل مار في ليل أو نهار، في سر وعلانية، فكانت أعم لأنها تؤخذ عن الإرادة وتوافق قدر الحاجة" (١١). والسادس: أنها عامة نزلت في "المنفقين في سبيل الله من غير تبذير ولا تقتير". قاله قتادة (١٢). قال ابن عطية: " والآية وإن كانت نزلت في علي ﵁، فمعناها يتناول كل من فعل فعله وكل مشاء بصدقته في الظلم إلى مظنة ذي الحاجة وأما علف الخيل والنفقة عليها فإن ألفاظ الآية تتناولها تناولا محكما، وكذلك المنفق في الجهاد المباشر له إنما يجيء إنفاقه على رتب الآية" (١٣). قال الآلوسي: " أن الآية عامة في الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة تحرضهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروها ولم يعلقوها بوقت ولا حال، وهذا هو أحسن الوجوه، لأن هذا آخر الآيات المذكورة في بيان حكم الإنفاقات فلا جرم ذكر فيها أكمل وجوه الإنفاقات والله أعلم" (١٤). قال ابن كثير: " هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل أو نهار، والأحوال من سر وجهار، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا" (١٥).

стр. 2109

قوله تعالى: ﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤]، " أي الذين ينفقون في سبيل الله ابتغاء مرضاته" (١). قال الراغب: "يرى البعض بأن إنفاق الأموال"ليس إنفاق المقتنيات فقط، بل كل ما خص الله به الإنسان من النفس والبدن في العبادة والعلم والجاه وغير ذلك، لكن الأظهر أنه إنفاق المقتنيات" (٢). قوله تعالى: ﴿بالليل والنهار سِرّاً وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤]، أي: "في جميع الأوقات، من ليل أو نهار، وفي جميع الأحوال من سر وجهر" (٣). قال الراغب: " ﴿َعَلانِيَةً﴾: ما عرفه الناس أنه صدقة، وبالسر مالا يعرفه صدقة إلا أولوا البصائر، وإلى هذا أشار من قال إنها نزلت، في النفقة على الخيل فإن الإنفاق على الخيل في الظاهر ليس بقربة" (٤). قال الزمخشري: " يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال" (٥). قال ابن القيم: " ذكر عموم الأوقات، وعموم الأحوال فأتى بالفاء في الخبر ليدل على أن الإنفاق في أي وقت وجد من ليل أو نهار وعلى أي حالة وجد من سر وعلانية" (٦). قال القاسمي: " وفي تقديم الليل على النهار والسر على العلانية، إيذان بمزية الإخفاء على الإظهار (٧). قال المراغي: " وإنما قدم الليل على النهار، والسر على العلانية للإيماء إلى تفضيل صدقة السر على صدقة العلانية، وجمع بين السر والعلانية للإيماء إلى أن لكل منهما موضعا تقتضيه المصلحة قد يفضل فيه سواه، إذ الأوقات والأحوال لا تقصد لذاتها" (٨). وفي نصب قوله تعالى: ﴿سِرَّاً وعلانِيَةً﴾، ثلاثةُ أوجهٍ (٩): أحدُهما: أنهما حالان ممَّا تقدَّم، وفيهما ثلاثةُ التأويلاتِ في «زيد عَدْل»، أي: ذوي سر وعلانية أو مُسِرِّين ومُعْلِنين، أو جُعِلوا نفسَ السِّرِّ والعَلانية مبالغةً. والثاني: أنهما منصوبان على الظرف، أي: وَقْتَيْ سِرٍّ وعلانية. والثالث: أنهما منصوبان على المصدرِ، أي إنفاق سرّ وإنفاق علانية. قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤]، " أي لهم ثواب ما أنفقوا" (١٠) عند ربهم. قال ابن كثير: " أي: يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات" (١١). قال السعدي: " أي: أجر عظيم من خير عند الرب الرحيم" (١٢).

стр. 2110

قال البن عثيمين: " أي ثوابهم عند الله؛ وسمي أجراً؛ لأنه يشبه عقد الإجارة التي يعوَّض فيه العامل على عمله؛ وهذا الأجر قد بُين فيما سبق بأن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله: ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾ [البقرة: ٢٦١] " (١). قوله تعالى: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]، أي: "ولا خوف عليهم يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا" (٢). قال ابن عثيمين: " فهم لا يحزنون على ما سبق؛ ولا يخافون من المستقبل؛ لأنهم يرجون ثواب الله ؛ ولا يحزنون على ما مضى؛ لأنهم أنفقوه عن طيب نفس" (٣). قال الحراليّ: "فأفضلهم المنفق ليلا سرّا. وأنزلهم المنفق نهارا علانية. فهم بذلك أربعة أصناف" (٤). قال الراغب: " والقصد بالآية في الجملة نفقة من لا يرائي أن لا يداحي وإنما يقصد به مرضاة الله فقط" (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الثناء على الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله سواء كان ليلاً، أو نهاراً، أو سراً، أو جهاراً. ٢ - ومنها: كثرة ثوابهم؛ لأنه أضاف أجرهم إلى نفسه، فقال تعالى: ﴿فلهم أجرهم عند ربهم﴾؛ والثواب عند العظيم يكون عظيماً. ٣ - ومنها: أن الإنفاق يكون سبباً لشرح الصدر، وطرد الهم، والغم؛ لقوله تعالى: ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾؛ وهذا أمر مجرب مشاهد أن الإنسان إذا أنفق يبتغي بها وجه الله انشرح صدره، وسرت نفسه، واطمأن قلبه؛ وقد ذكر ابن القيم ﵀ في زاد المعاد أن ذلك من أسباب انشراح الصدر. ٤ - ومنها: كرم الله حيث جعل هذا الثواب الذي سببه منه وإليه، أجراً لفاعله؛ كالأجير إذا استأجرته فإن أجره ثابت لازم. ٥ - ومنها: كمال الأمن لمن أنفق في سبيل الله؛ وذلك لانتفاء الخوف، والحزن عنهم. القرآن ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥] التفسير: الذين يتعاملون بالربا -وهو الزيادة على رأس المال- لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من الجنون؛ ذلك لأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا، في أن كلا منهما حلال، ويؤدي إلى زيادة المال، فأكذبهم الله، وبيَّن أنه أحل البيع وحرَّم الربا؛ لما في البيع والشراء من نفع للأفراد والجماعات، ولما في الربا من استغلال وضياع وهلاك. فمن بلغه نهي الله عن الربا فارتدع، فله ما مضى قبل أن يبلغه التحريم لا إثم عليه فيه، وأمره إلى الله فيما يستقبل من زمانه، فإن استمرَّ على توبته فالله لا يضيع أجر المحسنين، ومن عاد إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

стр. 2111

قال ابن كثير: "لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصلات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والآنات - شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم" (١). قوله تعالى: ﴿الذين يَأْكُلُونَ الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، "أي: الذين يتعاملون بالربا" (٢). قال سعيد بن جبير: " يعني: استحلاله لأكله" (٣). قال الطبري: أي" الذين يُرْبون" (٤). قال ابن عثيمين: أي الذين يأخذون الربا فينتفعون به بأكل، أو شرب، أو لباس، أو سكن، أو غير ذلك؛ لكنه ذكر الأكل؛ لأنه أعم وجوه الانتفاع، وأكثرها إلحاحاً" (٥). قال القرطبي: " يأكلون" يأخذون، فعبر عن الأخذ بالأكل، لأن الأخذ إنما يراد للأكل" (٦). و(الربا) في اللغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩] أي: اهتزت بأشجارها وعشبها، وربت أي: زادت، وليس المراد الأرض نفسها، بل المراد ما ينبت فيها؛ وفي الشرع: زيادة في شيئين منع الشارع من التفاضل بينهما (٧). قال مجاهد: " كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدّينُ فيقول: لك كذا وكذا وتؤخِّر عني! فيؤخَّر عنه" (٨). وقال قتادة: " أن ربا أهل الجاهلية: يبيعُ الرجل البيع إلى أجل مسمًّى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء، زاده وأخَّر عنه" (٩).

стр. 2112

قوله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أي: " لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إِلا كما يقوم المصروع من جنونه" (١). قال الطبري: أي: لا يقومون في الآخرة من قبورهم، إلا كما يقوم الذي يتخبله الشيطان من مَسِّه إياه (٢). قال ابن كثير: " أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له؛ وذلك أنه يقوم قياما منكرًا" (٣). قال القرطبي: " في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس" (٤). يقال: قد مُسّ الرجل وأُلقِ، فهو مَمسوس ومَألوق، كل ذلك إذا ألمّ به اللَّمَمُ فجُنّ، ومنه قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١]، ومنه قول الأعشى (٥): وَتُصْبحُ عَنْ غِبِّ السُّرَى، وكأَنَّمَا ... أَلَمَّ بِهَا مِنْ طَائِفِ الجِنِّ أَوْلَقُ وقوله تعالى: ﴿لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، اختلف المفسرون في هذا القيام، وفيه أقوال (٦): أحدها: أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا وذلك كالعلامة المخصوصة بآكل الربا، فعرفه أهل الموقف لتلك العلامة أنه آكل الربا في الدنيا، فعلى هذا معنى الآية: أنهم يقومون مجانين، كمن أصابه الشيطان بجنون. قاله ابن عباس (٧)، وروي عن عوف بن مالك، وسعد بن جبير والسدي والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (٨). والثاني: يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين لقوله يخرجون من الأجداث سراعا [المعارج: ٤٣] إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون، كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس وذلك لأنهم أكلوا الربا في الدنيا، فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم فهم ينهضون، ويسقطون، ويريدون الإسراع، ولا يقدرون، وهذا القول غير الأول لأنه يريد أن أكلة الربا لا يمكنهم الإسراع في المشي بسبب ثقل البطن، وهذا ليس من الجنون في شيء.

стр. 2113

قاله ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، والضحاك (٦)، والسدي (٧)، وابن يد (٨)، وابن مسعود (٩)، والحسن (١٠)، وعكرمة (١١)، ومقاتل (١٢)، واختاره الطبري (١٣). ويتأكد هذا القول بما روي في قصة الإسراء عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله ﷺ : "أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت، فيها الحيات ترى من خارج بطونهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا" (١٤). والثالث: أنه مأخوذ من قوله تعالى: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [الأعراف: ٢٠١] وذلك لأن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير الله، فهذا هو المراد من مس الشيطان، ومن كان كذلك كان في أمر الدنيا متخبطا، فتارة الشيطان يجره إلى النفس والهوى، وتارة الملك يجره إلى الدين والتقوى، فحدثت هناك حركات مضطربة، وأفعال مختلفة، فهذا هو الخبط الحاصل بفعل الشيطان وآكل الربا لا شك أنه يكون مفرطا في حب الدنيا متهالكا فيها، فإذا مات على ذلك الحب صار ذلك الحب حجابا بينه وبين الله تعالى، فالخبط الذي كان حاصلا في الدنيا بسبب حب المال أورثه الخبط في الآخرة، وأوقعه في ذلك الحجاب، وهذا التأويل أقرب عندي من الوجهين اللذين نقلناهما عمن نقلنا. الرابع: إنهم لا يقومون عند التعامل بالربا إلا كما يقوم المصروع؛ لأنهم - والعياذ بالله - لشدة شغفهم بالربا كأنما يتصرفون تصرف المتخبط الذي لا يشعر؛ لأنهم سكارى بمحبة الربا، وسكارى بما يربحونه - وهم الخاسرون؛ فيكون القيام هنا في الدنيا؛ شبَّه تصرفاتهم العشوائية الجنونية المبنية على الربا العظيم - الذي يتضخم المال من أجل الربا - بالإنسان المصروع الذي لا يعرف كيف يتصرف؛ وهذا قول كثير من المتأخرين؛ وقالوا: إن يوم القيامة هنا ليس له ذكر؛ ولكن الله شبَّه حالهم حين طلبهم الربا بحال المصروع من سوء التصرف؛ وكلما كان الإنسان أشد فقراً كانوا له أشد ظلماً؛ فيكثرون عليه الظلم لفقره؛ بينما حاله تقتضي الرأفة، والتخفيف؛ لكن هؤلاء ظلمة ليس همهم إلا أكل أموال الناس. والراجح-والله أعلم- هو القول الثاني، يعني: أن آكلي الربا "لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس؛ يعني: كالمصروع الذي يتخبطه الشيطان؛ و «التخبط» هو الضرب العشوائي؛ فالشيطان يتسلّط على ابن آدم تسلطاً عشوائياً، فيصرعه؛ فيقوم هؤلاء من قبورهم يوم القيامة كقيام

стр. 2114

المصروعين - والعياذ بالله - يشهدهم الناس كلهم؛ وهذا القول هو قول جمهور المفسرين" (١). قال ابن عطية: " ويقوي هذا التأويل المجمع عليه في أن في قراءة عبد الله بن مسعود ﴿لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم﴾ " (٢). واختلفوا في مس الجنون، هل هو بفعل الشيطان؟ (٣): القول الأول: أنه من فعل الله بما يحدثه من غلبة السوداء فيصرعه، ينسب إلى الشيطان مجازاً تشبيهاً بما يفعله من إغوائه الذي يصرعه. والقول الثاني: أنه من فعل الشيطان بتمكين الله له من ذلك في بعض الناس دون بعض، لأنه ظاهر القرآن وليس في العقل ما يمنعه. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرِّبَا﴾ "أي: ذلك التخبط والتعثر (٤) بسبب استحلالهم ما حرّمه الله، وقولهم: الربا كالبيع فلماذا يكون حراماً؟ " (٥). قال سعيد بن جبير: " فهو الرجل إذا حل ماله على صاحبه فيقول المطلوب للطالب: زدني في الأجل، وأزيدك على مالك، فإذا فعل ذلك قيل لهم: هذا ربا. قالوا: سواء علينا أن زدنا في أول البيع، أو عند محل المال فهما سواء، فذلك قوله: قالوا إنما البيع مثل الربا: لقولهم: إن زدنا في أول البيع أو عند محل المال، فهما سواء" (٦). قال ابن عطية: " معناه عند جميع المتأولين في الكفار، وأنه قول تكذيب للشريعة ورد عليها، والآية كلها في الكفار المربين نزلت ولهم قيل ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾، ولا يقال ذلك لمؤمن عاص، ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية" (٧). قال ابن عثيمين: الباء في قوله ﴿بِأَنَّهُمْ﴾، " للسببية؛ يعني أنهم عُمّي عليهم الفرق بين البيع، والربا؛ أو أنهم كابروا فألحقوا الربا بالبيع؛ ولذلك عكسوا التشبيه، فقالوا: إنما البيع مثل الربا، ولم يقولوا: «إنما الربا مثل البيع»، كما هو مقتضى الحال" (٨). قال القرطبي: " أي إنما الزيادة عند حلول الأجل آخرا كمثل أصل الثمن في أول العقد، وذلك أن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك، فكانت إذا حل دينها قالت للغريم: إما أن تقضي وإما أن تربي، أي تزيد في الدين. فحرم الله سبحانه ذلك ورد عليهم قولهم بقوله الحق: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وأوضح أن الأجل إذا حل ولم يكن عنده ما يؤدي أنظر إلى الميسرة. وهذا الربا هو الذي نسخه النبي ﷺ بقوله يوم عرفة" (٩). قال ابن كثير: " أي: إنما جُوزُوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، وليس هذا قياسًا منهم للربا على البيع؛ لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من

стр. 2115

باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ أي: هو نظيره، فلم حرم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي: هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا! " (١). وقال الحافظ ابن حجر: " يحتمل أن يكون من تمام اعتراض الكفار حيث قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] أي: فلم أحل هذا وحرم هذا؟ ويحتمل أن يكون رداً عليهم، ويكون اعترافهم بحكم العقل، والرد عليهم بحكم الشرع الذي لا معقب لحكمه، وعلى الثاني أكثر المفسرين (٢). واستبعد بعض الحذاق الأول (٣)، وليس ببعيد إلا من جهة أن جوابهم بقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ إلى آخره يحتاج إلى تقدير، والأصل عدمه" (٤). قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ أي أحل الله البيع لما فيه من تبادل المنافع، وحرّم الربا لما فيه من الضرر الفادح بالفرد والمجتمع" (٥) (٦).

стр. 2116

قال سعيد بن جبير: " فأكذبهم الله تبارك أسمع لقولهم: سواء علينا أن زدنا في أول البيع أو عند محل المال، فقال: وأحل الله البيع وحرم الربا" (١). قال الزمخشري: " إنكار لتسويتهم بينهما، ودلالة على أنّ القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال اللَّه وتحريمه" (٢). قال الطبري: " فليست الزيادتان اللتان إحداهما من وَجه البيع، والأخرى من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل، سواء" (٣). قال ابن عثيمين: " فأبطل الله هذه الشبهة بما ذكر" (٤). قال القاسمي: " إنكار لتسويتهم بينهما. إذ الحل مع الحرمة ضدان. فإنّى يتماثلان؟ ودلالة على أن القياس يهدمه النص. لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه" (٥). قال ابن كثير: ": قالوا: ما قالوه من الاعتراض، مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكما، وهو الحكيم العليم الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها، وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم فينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل" (٦). قال القرطبي: " قال جعفر بن محمد الصادق رحمهما الله: حرم الله الربا ليتقارض الناس .. وقال بعض الناس: حرمه الله لأنه متلفة للأموال مهلكة للناس" (٧). قوله تعالى: ﴿فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، " أي من بلغه نهيُ الله عن الربا" (٨). قال المخشري: " فمن بلغه وعظ من اللَّه وزجر بالنهى عن الربا" (٩). قال ابن عثيمين: " أي من بلغه حكم الربا بعد أن تعامل به" (١٠). قال الشنقيطي: أي: "أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا" (١١) قال القاسمي: " أي بلغه وعظ وزجر كالنهي عن الربا .. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة للإشعار بكون مجيء الموعظة للتربية" (١٢). قال السدي: " أما الموعظة فالقرآن" (١٣). وقال سعيد بن جبير: " يعني البيان الذي في القرآن، في تحريم الربا، فانتهى عنه" (١٤).

стр. 2117

وفي قوله تعالى ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ وجهان (١): أحدهما: التحريم. والثاني: الوعيد. قال ابن عطية: " "وسقطت علامة التأنيث في قوله: ﴿فَمَنْ جاءَهُ﴾، لأن تأنيث (الموعظة) غير حقيقي وهو بمعنى وعظ، وقرأ الحسن «فمن جاءته» بإثبات العلامة" (٢). قوله تعالى: ﴿فَانْتَهَى﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أي: " فانتهى حال وصول الشرع إليه" (٣). قال الزمخشري: "فتبع النهى وامتنع" (٤). قال الصابوني: أي: فانتهى عن التعامل بالربا (٥). قال سفيان: "تاب" (٦). قال القاسمي: " أي فاتعظ بلا تراخ، وتبع النهي" (٧). قال الشنقيطي: " أي: ترك المعاملة بالربا؛ خوفا من الله تعالى وامتثالا لأمره" (٨). قوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أي: " فله ما مضى قبل التحريم" (٩). قال السدي: "وأما ﴿ما سلف﴾، فله ما أكل من الربا" (١٠). وروي نحوه عن سعيد بن جبير (١١). وقال سفيان: " سمعنا في قوله: ﴿ما سلف﴾، قال: مغفورا له" (١٢). قال الماوردي: "يعني ما أكل من الربا لا يلزمه رَدُّه" (١٣). قال القاسمي: " أي ما تقدم أخذه قبل التحريم ولا يسترد منه" (١٤). قال ابن عثيمين: " أي ما أخذه من الربا قبل العلم بالحكم" (١٥). قال ابن كثير: " فله ما سلف من المعاملة، لقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥] وكما قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: "وكل ربًا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس" (١٦)، ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية، بل عفا عما سلف" (١٧).

стр. 2118

قال ابن عطية: " وهذا حكم من الله تعالى لمن أسلم من كفار قريش وثقيف ومن كان يتجر هناك، و ﴿سَلَفَ﴾، معناه: تقدم في الزمن وانقضى" (١)، قال أبو حيان: "وهذا على قول من قال: الآية مخصوصة بالكفار، ومن قال: إنها عامة فمعناه: فله ما سلف، قبل التحريم" (٢). قال الشنقيطي: " ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أي: لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]. وقال في الصيد قبل التحريم: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ. ومن أصرح الأدلة في هذا المعنى أن النبي ﷺ -والمسلمين لما استغفروا لقربائهم الموتى من المشركين (٣) وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وندموا على استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه" (٤). قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، " أي: أمره موكول إِلى الله إِن شاء عفا عنه وإِن شاء عاقبه" (٥) قال المخشري: " يحكم في شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به" (٦). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، خمسة أوجه (٧): أحدها: في المحاسبة والجزاء. ويكون الضمير عائدا على (المنتهي) بعد التحريم. والثاني: في العفو عنه وإسقاط التبعية. وذلك أن يكون الضمير عائدا على ﴿ما سَلَفَ﴾. والثالث: في العصمة والتوفيق. روي ذلك عن سعيد بن جبير (٨)، ومقاتل (٩). وذلك أن يكون الضمير عائدا على (ذي الربا)، بمعنى: "أمره إلى الله في أن يثبته على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية في الربا"" (١٠).

стр. 2119

واختار هذا القول النحاس، قائلا: "وهذا قول حسن بين، أي وأمره إلى الله في المستقبل إن شاء ثبته على التحريم وإن شاء أباحه" (١). والرابع: في إمرار تحريم الربا أو غير ذلك. ويكون الضمير عائدا على (الربا). والخامس: أن يعود الضمير على المنتهي، ولكن بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير، كما تقول وأمره إلى طاعة وخير وموضع رجاء. وكما تقول وأمره في نمو أو إقبال إلى الله وإلى طاعته (٢). قال الآلوسي: " ومن الناس من جعل الضمير المجرور لـ ﴿ما سَلَفَ﴾ أو لـ ﴿الربا﴾، وكلاهما خلاف الظاهر " (٣). قال أبو حيان: " الظاهر أن الضمير في: ﴿أمره﴾، عائد على المنتهي، إذ سياق الكلام معه، وهو بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير" (٤). قوله تعالى: ﴿﴿وَمَنْ عَادَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، " أي ومن عاد إِلى التعامل بالربا واستحله بعد تحريم الله له" (٥). قال سعيد بن جبير: " يعني: في الربا بعد التحريم، فاستحله، لقولهم: إنما البيع مثل الربا" (٦). وأخرج ابن ابي حاتم "عن سفيان في قوله: ﴿ومن عاد﴾، قال: من لم يتب حتى يموت فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" (٧). قال الآلوسي: " أي: رجع إلى ما سلف ذكره من فعل الربا واعتقاد جوازه والاحتجاج عليه بقياسه على البيع" (٨). قال القاسمي: " أي إلى تحليل الربا بعد النص" (٩). قال ابن كثير: " أي: إلى الربا ففعله بعد بلوغ نهي الله له عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة" (١٠). قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، " فهو من المخلدين في نار جهنم" (١١). قال سعيد بن جبير: " يعني: لا يموتون" (١٢). وقد أتى باسم الإشارة الدال على البعد في قوله ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ وذلك لسفوله، أي هوى بعيداً؛ و ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾، أي: أهلها الملازمون لها؛ وأكد ذلك بقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١٣). قال القاسمي: " ومن أحل ما حرم الله فهو كافر، فلذا استحق الخلود، وبهذا تبين أن لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق. حيث بنوا على أن المتوعد عليه بالخلود العود إلى فعل الربا خاصة. ولا يخفى أنه لا يساعدهم على ذلك الظاهر الذي استدلوا به. فإن الذي وقع العود إليه محمول على ما تقدم.

стр. 2120

كأنه قال: ومن عاد إلى ما سلف ذكره، وهو فعل الربا واعتقاد جوازه والاحتجاج عليه بقياسه على البيع. ولا شك أن من تعاطى معاملة الربا مستحلا لها مكابرا في تحريمها، مسندا إحلالها إلى معارضة آيات الله البينات، بما يتوهمه من الخيالات- فقد كفر ثم ازداد كفرا. وإذ ذاك يكون الموعود بالخلود في الآية من يقال إنه كافر مكذب غير مؤمن. وهذا لا خلاف فيه، فلا دليل إذا للمعتزلة على اعتزالهم في هذه الآية. والله الموفق" (١). قال ابن عاشور: " وجعل العائد خالدا في النار إما لأن المراد العود إلى قوله: إنما البيع مثل الربا، أي عاد إلى استحلال الربا وذلك نفاق فإن كثيرا منهم قد شق عليهم ترك التعامل بالربا، فعلم الله منهم ذلك وجعل عدم إقلاعهم عنه أمارة على كذب إيمانهم، فالخلود على حقيقته. وإما لأن المراد العود إلى المعاملة بالربا، وهو الظاهر من مقابلته بقوله: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى والخلود طول المكث كقول لبيد (٢): فَوَقَفْتُ أَسْأَلُهَا وَكَيفَ سُؤَالُنَا ... صُمًّا خَوَالِدَ مَا يَبِيْنُ كَلامُهَا ومنه: خلد الله ملك فلان. وتمسك بظاهر هاته الآية ونحوها الخوارج القائلون بتكفير مرتكب الكبيرة كما تمسكوا بنظائرها، وغفلوا عن تغليظ وعيد الله تعالى في وقت نزول القرآن إذ الناس يومئذ قريب عهدهم بكفر. ولا بد من الجمع بين أدلة الكتاب والسنة" (٣). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: التحذير من الربا، حيث شبه آكله بمن يتخبطه الشيطان من المس. ٢ - ومنها: أن من تعامل بالربا فإنه يصاب بالنهمة العظيمة في طلبه. ٣ - ومنها: أن الشيطان يتخبط بني آدم فيصرعه؛ ولا عبرة بقول من أنكر ذلك من المعتزلة، وغيرهم؛ وقد جاءت السنة بإثبات ذلك؛ والواقع شاهد به؛ وقد قسم ابن القيم ﵀ في زاد المعاد الصرع إلى قسمين: صرع بتشنج الأعصاب؛ وهذا يدركه الأطباء، ويقرونه، ويعالجونه بما عندهم من الأدوية، والثاني: صرع من الشيطان؛ وذلك لا علم للأطباء به؛ ولا يعالج إلا بالأدوية الشرعية كقراءة القرآن، والأدعية النبوية الواردة في ذلك. ٤ - ومن فوائد الآية: بيان علة قيام المرابين كقيام الذي يتخبطه الشيطان من المس؛ وهي: ﴿أنهم قالوا إنما البيع مثل الربا﴾ يعني: فإذا كان مثله فلا حرج علينا في طلبه. ٥ - ومنها: مبالغة أهل الباطل في ترويج باطلهم؛ لأنهم جعلوا المقيس هو المقيس عليه؛ لقولهم: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾؛ وكان مقتضى الحال أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع. ٦ - ومنها: أن الحكم لله ﵎ وحده؛ فما أحله فهو حلال؛ وما حرمه فهو حرام سواء علمنا الحكمة في ذلك، أم لم نعلم؛ لأنه تعالى رد قولهم: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾؛ فكأنه قال: ليس الأمر إليكم؛ وإنما هو إلى الله. ٧ - ومنها: أن بين الربا والبيع فرقاً أوجب اختلافهما في الحكم؛ فإنا نعلم أن الله تعالى لا يفرق بين شيئين في الحكم إلا وبينهما فرق في العلة، والسبب المقتضي لاختلافهما؛ لقوله تعالى: ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ [التين: ٨]، وقوله تعالى: ﴿ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون﴾ [المائدة: ٥٠]. ٨ - ومنها: أن ما أخذه الإنسان من الربا قبل العلم فهو حلال له بشرط أن يتوب، وينتهي؛ لقوله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾.

стр. 2121

٩ - ومنها: أنه لو تاب من الربا قبل أن يقبضه فإنه يجب إسقاطه؛ لقوله تعالى: ﴿فانتهى﴾؛ ومن أخذه بعد العلم فإنه لم ينته؛ ولهذا قال النبي ﷺ في عرفة في حجة الوداع: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع؛ وأول رباً أضعه ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله» (١)؛ فبين (ص) أن ما لم يؤخذ من الربا فإنه موضوع. ١٠ - ومنها: رأفة الله تعالى بمن شاء من عباده؛ لقوله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى﴾؛ وهذه ربوبية خاصة تستلزم توفيق العبد للتوبة حتى ينتهي عما حرم الله عليه. ١١ - ومنها: التحذير من الرجوع إلى الربا بعد الموعظة؛ لقوله تعالى: ﴿ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾. ١٢ - ومنها: التخويف من التفاؤل البعيد لمن تاب من الربا؛ لأنه تعالى قال: ﴿فله ما سلف وأمره إلى الله﴾؛ يعني أن الإنسان يتفاءل، ويؤمل؛ لأن الأمر قد لا يكون على حسب تفاؤله. ١٣ - ومنها: بيان عظم الربا؛ لقوله تعالى: ﴿ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾. القرآن ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] التفسير: يذهب الله الربا كله أو يحرم صاحبه بركة ماله، فلا ينتفع به، وينمي الصدقات ويكثرها، ويضاعف الأجر للمتصدقين، ويبارك لهم في أموالهم. والله لا يحب كل مُصِرٍّ على كفره، مُسْتَحِلٍّ أكل الربا، متمادٍ في الإثم والحرام ومعاصي الله. قوله تعالى: قوله تعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]، "أي: ينقصه ويهلكه ويذهب ببركته" (٢). قال ابن عباس: "يَنقص" (٣). وقال سعيد بن جبير: "يضمحل" (٤). وقال الحسن: " ذلك يوم القيامة، يمحق الله الربا يومئذ وأهله" (٥). وقال مقاتل: " ما كان من ربا، وإن ثري، حتى تغبط به صاحبه، يمحقه الله " (٦). قال الطبري: "، ينقُصُ الله الرّبا فيذْهبه" (٧). قال ابن عطية: أي: " ينقص ويذهب، ومنه محاق القمر وهو انتقاصه" (٨). قال الماوردي: " أي ينقصه شيئاً بعد شيء، مأخوذ من محاق الشهر لنقصان الهلال فيه" (٩). قال الصابوني: " أي يُذهب ربحه ويمحو خيره وإِن كان زيادة في الظاهر" (١٠). قال ابن كثير: " أي: يذهبه، إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يَحْرمَه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة. كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّم

стр. 2122

﴾ [الأنفال: ٣٧]، وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّه﴾ [الآية] (١) [الروم: ٣٩] " (١). قال ابن حجر: "وأن اكتساب المال من غير حله، وكذا إمساكه عن إخراج الحق منه سبب لمحقه فيصير غير مبارك" (٢). وقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]، فيه وجهان (٣): أحدهما: يبطله يوم القيامة إذا تصدق به في الدنيا. والثاني: يرفع البركة منه في الدنيا مع تعذيبه عليه في الآخرة. قوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، أي: " يُضاعف أجرَها، يَرُبُّها وينمِّيها له" (٤). قال سعيد بن جبير: " يضاعف الصدقات" (٥). قال ابن حجر: "أي: ينميها" (٦). قال ابن عطية: " معناه ينميها ويزيد ثوابها تضاعفا" (٧). قال البغوي: " أي: يثمرها ويبارك فيها في الدنيا، ويضاعف بها الأجر والثواب في العقبى" (٨). قال الصابوني: " ويُكثر الصدقات وينميّها وإِن كانت نقصاناً في الشاهد" (٩). وقد روي عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل" (١٠). وقد ذكر أهل العلم في قوله تعالى ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] قولين (١١):

стр. 2123

أحدهما: يثمر المال الذي خرجت منه الصدقة. والثاني: يضاعف أجر الصدقة ويزيدها، وتكون هذه الزيادة واجبة بالوعد لا بالعمل. قال ابن عطية: " وقد جعل الله هذين الفعلين بعكس ما يظنه الحريص الجشع من بني آدم، يظن الربا يغنيه وهو في الحقيقة ممحق، ويظن الصدقة تفقره وهي نماء في الدنيا والآخرة" (١). وقوله: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، فيه قراءتين (٢): الأولى: بضم الياء والتخفيف، من: ربا الشيء يربو وأرباه يربيه أي: كثّره ونماه ينميه. والثانية: وقرئ: ﴿ويُرَبِّي﴾ بالضم والتشديد، من التربية (٣). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، " أي: لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل" (٤). أخرج ابن أبي حاتم " عن سفيان بن عيينة، قوله: ﴿والله لا يحب﴾، قال: لا يقرب" (٥). قال الطبري: ": والله لا يحب كل مُصرٍّ على كفر بربه، مقيم عليه، مستحِلّ أكل الربا وإطعامه، " أثيم "، متماد في الإثم، فيما نهاه عنه من أكل الربا والحرام وغير ذلك من معاصيه، لا ينزجر عن ذلك ولا يرعوي عنه، ولا يتعظ بموعظة ربه التي وعظه بها في تنزيله وآي كتابه" (٦). قال ابن عثيمين: "إذا نفى الله تعالى المحبة فالمراد إثبات ضدها، وهي الكراهة" (٧). قال ابن كثير: " ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل" (٨). وذكر أهل التفسير في معنى ﴿الكَفَّار﴾ [البقرة: ٢٧٦] وجهين (٩): أحدهما: الذي يستر نعم الله ويجحدها. والثاني: هو الذي يكثر فعل ما يكفر به. وفي معنى (الأثيم) وجهان (١٠): أحدهما: أنه من بَّيت الإِثم. والثاني: الذي يكثر فعل ما يأثم به. قال ابن عثيمين: " و «الكَفّار» كثير الكفر، أو عظيم الكفر؛ و «الأثيم» بمعنى الآثم، كالسميع بمعنى السامع" (١١). قال ابن عطية: " يقتضي أن الزجر في هذه الآيات للكفار المستحلين للربا القائلين على جهة التكذيب للشرع ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾، ووصف الكفار ب أَثِيمٍ، إما مبالغة من حيث اختلف اللفظان، وإما ليذهب الاشتراك الذي في كفار، إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض" (١٢).

стр. 2124

وقيل في تفسير قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ﴾، أي: "محسنا صالحا بل يريده مسيئا فاجرا، ويحتمل أن يريد والله لا يحب توفيق الكفار الأثيم، وهذه تأويلات مستكرهة، أما الأول فأفرط في تعدية الفعل وحمله من المعنى ما لا يحتمله لفظه، وأما الثاني فغير صحيح المعنى، بل الله تعالى يحب التوفيق على العموم ويحببه، والمحب في الشاهد يكون منه ميل إلى المحبوب ولطف به، وحرص على حفظه، وتظهر دلائل ذلك، والله تعالى يريد وجود الكافر على ما هو عليه، وليس له عنده مزية الحب بأفعال تظهر عليه نحو ما ذكرناه في الشاهد، وتلك المزية موجودة للمؤمن، ولما انقضى ذكرهم عقب بذكر ضدهم ليبين ما بين الحالين" (١). قال الصابوني: " وفي الآية تغليظ في أمر الربا وإِيذان بأنه من فعل الكفار" (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: محق الربا: إما حساً، وإما معنًى، كما سبق. ٢ - ومنها: التحذير من الربا، وسد أبواب الطمع أمام المرابين. ٣ - ومنها: أن الله يرْبي الصدقات - أي يزيدها؛ والزيادة إما أن تكون حسية؛ وإما أن تكون معنوية؛ فإن كانت حسية فبالكمية، مثل أن ينفق عشرة، فيخلف الله عليه عشرين؛ وأما المعنوية فأن يُنْزل الله البركة في ماله. ٤ - ومنها: مقابلة الضد بالضد؛ فكما أن الربا يُمحَق، ويزال؛ فالصدقة تزيد المال، وتنميه؛ لأن الربا ظلم، والصدقة إحسان. ٥ - ومنها: إثبات المحبة لله ؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يحب كل كفار أثيم﴾؛ ووجه الدلالة أن نفي المحبة عن الموصوف بالكفر، والإثم يدل على إثباتها لمن لم يتصف بذلك - أي لمن كان مؤمناً مطيعاً؛ ولولا ذلك لكان نفي المحبة عن «الكفار الأثيم» لغواً من القول لا فائدة منه؛ ولهذا استدل الشافعي ﵀ بقوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥] على أن الأبرار يرون الله ؛ لأنه لما حجب الفجار عن رؤيته في حال الغضب دل على ثبوتها للأبرار في حال الرضا؛ وهذا استدلال خفي جيد؛ والمحبة الثابتة لله هي محبة حقيقية تليق بجلاله، وعظمته؛ وليست - كما قال أهل التعطيل - إرادة الثواب، أو الثواب؛ لأن إرادة الثواب ناشئة عن المحبة؛ وليست هي المحبة؛ وهذه القاعدة - أعني إجراء النصوص على ظاهرها في باب صفات الله - اتفق عليها علماء السلف، وأهل السنة والجماعة؛ لأن ما يتحدث الله به عن نفسه أمور غيبية يجب علينا الاقتصار فيها على ما ورد. القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧] التفسير: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا الأعمال الطيبة، وأدَّوا الصلاة كما أمر الله ورسوله، وأخرجوا زكاة أموالهم، لهم ثواب عظيم خاص بهم عند ربهم ورازقهم، ولا يلحقهم خوف في آخرتهم، ولا حزن على ما فاتهم من حظوظ دنياهم. قال ابن كثير: " ثم قال تعالى مادحا للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبرًا عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون" (٣).

стр. 2125

قال ابن عاشور: هذه الآية: "جملة معترضة لمقابلة الذم بالمدح، وقد تقدم تفسير نظيرتها قريبا. والمقصود التعريض بأن الصفات المقابلة لهاته الصفات صفت غير المؤمنين. والمناسبة تزداد ظهورا لقوله: ﴿وآتوا الزكاة﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٧٧]، أي: إن الذين"آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به" (٢). قال الصابوني: " أي صدّقوا بالله" (٣). قال الآلوسي: أي: " بما وجب الإيمان به" (٤). قال الطبري: " يعني الذين صدقوا بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند ربهم، من تحريم الربا وأكله، وغير ذلك من سائر شرائع دينه" (٥). قوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصالحات﴾ [البقرة: ٢٧٧]، " أي: وعملوا الأعمال الصالحات؛ وهي المبنية على الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ " (٦). قال الطبري: " ﴿وعملوا الصالحات﴾، التي أمرهم الله بها، والتي نَدَبهم إليها" (٧). قوله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، أي: " وأدَّوا الصلاة كما أمر الله ورسوله ا" (٨). قال ابن عثيمين: "أي: وأتوا بها قويمة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومكملاتها؛ وعطْفها على العمل الصالح من باب عطف الخاص على العام؛ لأن إقامة الصلاة من الأعمال الصالحة، ونُص عليها لأهميتها" (٩). قال الطبري: أي: ﴿وأقاموا الصلاة﴾ المفروضة بحدودها، وأدّوها بسُنَنها" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، "أي: أوعطوا الزكاة مستحقها" (١١). قال الطبري: " ﴿وآتوا الزكاة﴾ المفروضة عليهم في أموالهم، بعد الذي سلف منهم من أكل الرّبا، قبل مجيء الموعظة فيه من عند ربهم" (١٢). و«الزكاة»: هي النصيب الذي أوجبه الله في الأموال الزكوية؛ وهو معروف في كتب الفقه" (١٣). قال ابن عطية: " وخص الصَّلاةَ والزَّكاةَ بالذكر وقد تضمنهما عمل الصَّالِحاتِ تشريفا لهما، وتنبيها على قدرهما، إذ هما رأس الأعمال الصلاة في أعمال البدن، والزكاة في أعمال المال" (١٤).

стр. 2126

قال الآلوسي: تخصيص الصلاة والزكاة، "بالذكر مع اندارجهما في الأعمال للتنبيه على عظم فضلهما، فإن الأولى أعظم الأعمال البدنية. والثانية أفضل الأعمال المالية" (١). قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، "أي: لهم ثوابهم عند الله" (٢). قال قتادة: "أجر كبير على حسناتهم، وهي الجنة" (٣). قال الآلوسي: "الموعود لهم حال كونه عِنْدَ رَبِّهِمْ وفي التعبير بذلك مزيد لطف وتشريف" (٤). قال الطبري: "يعني ثواب ذلك من أعمالهم وإيمانهم وصَدَقتهم يوم حاجتهم إليه في معادهم" (٥). قوله تعالى: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، أي: " ولا يلحقهم خوف في آخرتهم" (٦). قال ابن عثيمين: " أي فيما يستقبل من أمرهم" (٧). قال القاسمي: أي: لاخوف عليهم"يوم الفزع الأكبر" (٨). قال الطبري: " يومئذ من عقابه على ما كان سلف منهم في جاهليتهم وكفرهم قبل مجيئهم موعظة من ربهم، من أكل ما كانوا أكلوا من الربا، بما كان من إنابتهم، وتوبتهم إلى الله من ذلك عند مجيئهم الموعظة من ربهم، وتصديقهم بوعد الله ووعيده" (٩). قوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، أي: " ولا حزن على ما فاتهم من حظوظ دنياهم" (١٠). قال ابن عثيمين: " أي فيما مضى من أمرهم" (١١). قال القاسمي: " لأنهم فرحون بما آتاهم ربهم ووقاهم عذاب الجحيم" (١٢). قال الطبري: " ﴿ولاهم يحزنزن﴾ على تركهم ما كانوا تركوا في الدنيا من أكل الربا والعمل به، إذا عاينوا جزيل ثواب الله ﵎، وهم على تركهم ما ترَكوا من ذلك في الدنيا ابتغاءَ رضوانه في الآخرة، فوصلوا إلى ما وُعدوا على تركه" (١٣). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الحث على الإيمان، والعمل الصالح؛ لأن ذكر الثواب يستلزم التشجيع، والحث، والإغراء. ٢ - ومنها: أنه لابد مع الإيمان من العمل الصالح؛ فمجرد الإيمان لا ينفع العبد حتى يقوم بواجبه - أي واجب الإيمان: وهو العمل الصالح. ٣ - ومنها: أن العمل لا يفيد حتى يكون صالحاً؛ والصلاح أن ينبني العمل على أمرين: الإخلاص لله وضده الشرك؛ والمتابعة - وضدها البدعة؛ فمن أخلص لله في شيء، ولكنه أتى بعمل مبتدع لم يقبل منه؛ ومن أتى بعمل مشروع لكن خلطه بالشرك لم يقبل منه؛ وأدلة هذا معروفة.

стр. 2127

٤ - ومنها: بيان أهمية إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. ٥ - ومنها: أن هذين الركنين - أعني إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة - أعلى أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ للنص عليهما من بين سائر الأعمال الصالحة. ٦ - ومنها: أن الله ضمن الأجر لمن آمن، وعمل صالحاً، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿لهم أجرهم عند ربهم﴾. ٧ - ومنها: الإشارة إلى عظمة هذا الثواب؛ لأنه أضافه إلى نفسه ﵎ والمضاف إلى العظيم يكون عظيماً. ٨ - ومنها: أن هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الأربع - الإيمان، والعمل الصالح، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة - ليس عليهم خوف من مستقبل أمرهم؛ ولا حزن فيما مضى من أمرهم؛ لأنهم فعلوا ما به الأمن التام، كما قال الله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: ٨٢]. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] التفسير: في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال (١): الأول: قال السدي: " نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب ورجلٍ من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية، يُسلِفان في الرِّبا إلى أناس من ثقيف من بني عمرو وهم بنو عمرو بن عمير، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله ﴿ذروا ما بقي﴾ من فضل كان في الجاهلية ﴿من الربا﴾ " (٢). وروي نحوه عن ابن جريج (٣)، والضحاك (٤)، ومقاتل (٥). والثاني: روي الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: "بلغنا والله أعلم أن هذه الآية نزلت في بني عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف، وفي بني المغيرة من بني مخزوم، وكانت بنو المغيرة يربون لثقيف، فلما أظهر الله تعالى رسوله على مكة، وضع يومئذ الربا كله، فأتى بنو عمرو بن عمير وبنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد وهو على مكة، فقال بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالربا وضع عن الناس غيرنا، فقال بنو عمرو بن عمير: صولحنا على أن لنا ربانا، فكتب عتاب في ذلك إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية والتي بعدها: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ فعرف بنو عمرو أن لا يدان لهم بحرب من الله ورسوله يقول الله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون﴾ فتأخذون أكثر ﴿ولا تظلمون﴾ فتبخسون منه" (٦). والثالث: وقال آخرون: "نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجذاذ قال لهما صاحب التمر: لا يبقى لي ما يكفي عيالي إذا أنتما أخذتما حظكما كله، فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما ففعلا؛ فلما حل الأجل طلبا الزيادة، فبلغ ذلك رسول الله

стр. 2128

- ﷺ فنهاهما وأنزل الله تعالى هذه الآية، فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما" (١). روي ذلك عن عطاء وعكرمة (٢). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، أي: " يا من آمنتم بالله واتبعتم رسوله خافوا الله" (٣). قال ابن كثير: "أي: خافوه وراقبوه فيما تفعلون" (٤). قال الصابوني: " أي اخشوا ربكم وراقبوه فيما تفعلون" (٥). والجملة ندائية؛ فائدتها: تنبيه المخاطب، وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه (٦). قال ابن عاشور: " وأمروا بتقوى الله قبل الأمر بترك الربا لأن تقوى الله هي أصل الامتثال والاجتناب ولأن ترك الربا من جملتها، فهو كالأمر بطريق برهاني" (٧). قال الطبري: أي" خافوا الله على أنفسكم، فاتقوه بطاعته فيما أمركم به، والانتهاء عما نهاكم عنه" (٨). وذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] وجهين (٩): أحدهما: يأ أيها الذين أمنوا بألسنتهم اتقوا الله بقلوبكم. والثاني: يأيها الذين أمنوا بقلوبهم اتقوا الله في أفعالكم. وقال ابن فورك: "يحتمل أنه يريد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بمن قبل محمد من الأنبياء، ﴿ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، بمحمد، إذ لا ينفع الأول إلا بهذا" (١٠). قال ابن عطية: "وهذا مردود بما روي في سبب الآية" (١١). قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، أي: " اتركوا ما بقي من الربا" (١٢). أخرج ابن أبي حاتم"عن زيد بن أسلم في قول الله: ﴿اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾، قال: ما بقي على الناس" (١٣). قال ابن كثير: "أي: اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال، بعد هذا الإنذار" (١٤). قال الطبري: أي: " اتركوا طلب ما بقي لكم من فَضْل على رءوس أموالكم التي كانت لكم قبل أن تُربوا عليها" (١٥). قال الصابوني: " واتركوا ما لكم من الربا عند الناس" (١٦).

стр. 2129

قال ابن عاشور: " اتركوا ما بقي في ذمم الذين عاملتموهم بالربا" (١). قال مجاهد: " كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين فيقول: لك كذا وكذا، وتؤخر عني، فيؤخر عنه" (٢). وقوله تعالى: ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، فيه أربعة أوجه من القراءات (٣): أحدهما: ﴿مَا بَقِيَ﴾ وهي قراءة الجمهور. الثانية: «ما بقِيْ» بكسر القاف وإسكان الياء، قرأه الحسن (٤)، وهذا كما قال جرير (٥): هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم ... ماضي العزيمة ما في حكمه جنف وقال عمر بن أبي ربيعة (٦): كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم ... يا أشبه الناس كل الناس بالقمر إني لأجذل أن أمشي مقابله ... حباً لرؤية من أشبهت في الصور أصله (ما رضي) و (أن أمشي) فأسكنها وهو في الشعر كثير، ووجهه أنه شبه الياء بالألف فكما لا تصل الحركة إلى الألف فكذلك لا تصل هنا إلى الياء، ومن هذه اللغة أحب أن أدعوك، وأشتهي أن أقضيك، بإسكان الواو والياء (٧). قال ابن عطية: وفي هذا نظر" (٨). والثالثة: «ما بقى»، بالألف، قرأه الحسن (٩) وهي لغة طيء، يقولون للجارية: جاراة، وللناصية: ناصاة، وقال الشاعر (١٠): لعمرك لا أخشى التصعلك ما بقى ... على الأرض قيسي يسوق الأباعرا والرابعة: «الرّبو»، بكسر الراء المشددة وضم الباء وسكون الواو، قرأه أبو السّمّال، وقال أبو الفتح: "شذ هذا الحرف في أمرين: أحدهما الخروج من الكسر إلى الضم بناء لازما، والآخر وقوع الواو بعد الضمة في آخر الاسم" (١١). قال ابن عطية: "وهذا شيء لم يأت إلا في الفعل، نحو يغزو ويدعو وأما ذو الطائية بمعنى الذي فشاذة جدا، ومنهم من يغير واوها إذا فارق الرفع، فيقول رأيت ذا قام، ووجه القراءة أنه فخم الألف انتحاء بها الواو التي الألف بدل منها على حد قولهم، الصلاة والزكاة وهي بالجملة قراءة شاذة" (١٢). الخامسة: «الربا»، بالإمالة، ولك لمكان الكسرة في الراء، قراءه بذلك الكسائي وحمزة، وأما الباقون بالتفخيم، لفتحة الباء (١٣).

стр. 2130

قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، أي: مصدقين" بما شرع الله لكم من تحليل البيع، وتحريم الربا وغير ذلك" (١). روي "عن سعيد، في قوله: إن كنتم مؤمنين يعني: مصدقين" (٢). قال الطبري: " إن كنتم محققين إيمانكم قولا وتصديقكم بألسنتكم، بأفعالكم" (٣). قال ابن عثيمين: " هذا من باب الإغراء، والحث على الامتثال؛ يعني: إن كنتم مؤمنين حقاً فدعوا ما بقي من الربا؛ وهذه الجملة يقصد بها الإغراء، والإثارة - أعني إثارة الهمة، فإن قلت: كيف يوجِّه الخطاب للمؤمنين، ويقول: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾؛ أفلا يكون في هذا تناقض؟ فالجواب: ليس هنا تناقض؛ لأن معنى الثانية التحدي؛ أي إن كنتم صادقين في إيمانكم فاتقوا الله، وذروا ما بقي من الربا" (٤). وحكى النقاش عن مقاتل بن سليمان أنه قال: "إِنْ في هذه الآية بمعنى إذ" (٥). قال ابن عطية: وهذا مردود لا يعرف في اللغة" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بلوغ القرآن أكمل البلاغة؛ لأن الكلام في القرآن يأتي دائماً مطابقاً لمقتضى الحال؛ فإذا كان الشيء مهماً أحاطه بالكلمات التي تجعل النفوس قابلة له؛ وهذا أكمل ما يكون من البلاغة. ٢ - ومنها: أنه إذا كان الشيء هاماً فإنه ينبغي أن يصَدَّر بما يفيد التنبيه من نداء، أو غيره. ٣ - ومنها: وجوب تقوى الله، لقوله تعالى: ﴿اتقوا الله﴾؛ و «التقوى» وصية الله لعباده الأولين، والآخرين؛ قال الله تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾ [النساء: ١٣١]. ٤ - ومنها: وجوب ترك الربا - وإن كان قد تم العقد عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾؛ وهذا في عقد استوفي بعضه، وبقي بعضه. ٥ - ومنها: أنه لا يجوز تنفيذ العقود المحرمة في الإسلام - وإن عقدت في حال الشرك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾، ولقول النبي ﷺ في خطبته في عرفة عام حجة الوداع: «وربا الجاهلية موضوع؛ وأول ربا أضعه ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله» (٧)؛ ولكن يجب أن نعلم أن العقود التي مضت في الكفر على وجه باطل، وزال سبب البطلان قبل الإسلام فإنها تبقى على ما كانت عليه؛ مثال ذلك: لو تبايع رجلان حال كفرهما بيعاً محرماً في الإسلام، ثم أسلما فالعقد يبقى بحاله؛ ومثال آخر: لو تزوج الكافر امرأة في عدتها، ثم أسلما بعد انقضاء عدتها فالنكاح باق؛ ولهذا أمثلة كثيرة. ٦ - ومن فوائد الآية: تحريم أخذ ما يسمى بالفوائد من البنوك؛ لقوله تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾؛ وزعم بعض الناس أن الفوائد من البنوك تؤخذ لئلا يستعين بها على الربا؛ وإذا كان البنك بنك كفار فلئلا يستعين بها على الكفر؛ فنقول: أأنتم أعلم أم الله! ! ! وقد قال الله تعالى: ﴿ذروا ما بقي من الربا﴾؛ والاستحسان في مقابلة النص باطل.

стр. 2131

فإن قال قائل: إذا كان البنك بنكاً غير إسلامي، ولو تركناه لهم صرفوه إلى الكنائس، وإلى السلاح الذي يقاتَل به المسلمون، أو أبقوه عندهم، ونما به رباهم؛ فنقول: إننا مخاطبون بشيء، فالواجب علينا أن نقوم بما خوطبنا به؛ والنتائج ليست إلينا؛ ثم إننا نقول: هذه الفائدة التي يسمونها فائدة هل هي قد دخلت في أموالنا حتى نقول: إننا أخرجنا من أموالنا ما يستعين به أعداؤنا على كفرهم، أو قتالنا؟ والجواب: أن الأمر ليس كذلك؛ فإن هذه الزيادة التي يسمونها فائدة ليست نماءَ أموالنا؛ فلم تدخل في ملكنا؛ ثم إننا نقول له: إذا أخذته فأين تصرفه؟ قال: أصرفه في صدقة؛ في إصلاح طرق؛ في بناء مساجد تخلصاً منه، أو تقرباً به؛ نقول له: إن فعلت ذلك تقرباً لم يقبل منك، ولم تسلم من إثمه؛ لأنك صرفته في هذه الحال على أنه ملكك؛ وإذا صرفته على أنه ملكك لم يقبل منك؛ لأنه صدقة من مال خبيث؛ ومن اكتسب مالاً خبيثاً فتصدق به لم يقبل منه؛ لقول النبي ﷺ : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً» (١)؛ وإن أخرجته تخلصاً منه فأي فائدة من أن تلطخ مالك بالخبيث، ثم تحاول التخلص منه؛ ثم نقول أيضاً: هل كل إنسان يضمن من نفسه أن يخرج هذا تخلصاً منه؟ ! فربما إذا رأى الزيادة الكبيرة تغلبه نفسه، ولا يخرجها؛ أيضاً إذا أخذت الربا، وقال الناس: إن فلاناً أخذ هذه الأموال التي يسمونها الفائدة؛ أفلا تخشى أن يقتدي الناس بك؟ ! لأنه ليس كل إنسان يعلم أنك سوف تخرج هذا المال، وتتخلص منه. ولهذا أرى أنه لا يجوز أخذ شيء من الربا مطلقاً؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾؛ ولم يوجه العباد إلى شيء آخر. ٨ - ومن فوائد الآية: أن ممارسة الربا تنافي الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾؛ ولكن هل يُخرج الإنسانَ من الإيمان إلى الكفر؟ مذهب الخوارج أنه يخرجه من الإيمان إلى الكفر؛ فهو عند الخوارج كافر، كفرعون، وهامان، وقارون؛ لأنه فعل كبيرة من كبائر الذنوب؛ ومذهب أهل السنة والجماعة أنه مؤمن ناقص الإيمان؛ لكنه يُخشى عليه من الكفر لا سيما آكل الربا؛ لأنه غذي بحرام؛ وقد قال النبي ﷺ حين ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام: «فأنى يستجاب لذلك» (٢) - نسأل الله العافية. ٩ - ومن فوائد الآية: رحمة الله بعباده، حيث حرم عليهم ما يتضمن الظلم؛ وأكد هذا التحريم، وأنزل القرآن فيه بلفظ يحمل على ترك هذا المحرم؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، وقوله تعالى: ﴿اتقوا الله﴾، وقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾؛ والحكم: ﴿ذروا ما بقي من الربا﴾. القرآن ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] التفسير: فإن لم ترتدعوا عما نهاكم الله عنه فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله، وإن رجعتم إلى ربكم وتركتم أَكْلَ الربا فلكم أَخْذُ ما لكم من ديون دون زيادة، لا تَظْلمون أحدًا بأخذ ما زاد على رؤوس أموالكم، ولا يظلمكم أحد بنقص ما أقرضتم. قال ابن كثير: " وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار" (٣). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٧٩]، يعني: "فإن لم تتركوا ما بقي من ربا" (٤).

стр. 2132

قال قتادة: " فإن لم تؤمنوا بتحريم الربا" (١). قال الطبري: " فإن لم تذَروا ما بقي من الربا" (٢). قال الآلوسي: " أي ما أمرتم به من الاتقاء وترك البقايا إما مع إنكار حرمته وإما مع الاعتراف" (٣). قال الصابوني: " أي وإِن لم تتركوا التعامل بالربا فأيقنوا" (٤). قال أبو حيان: " ظاهره: فإن لم تتركوا ما بقي من الربا، وسمي الترك فعلاً، وإذا أمروا بترك ما بقي من الربا من ذلك الأمر بترك إنشاء الربا على طريق الأولى والأحرى" (٥). وقال الرازي: "فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه، فأذنوا بحرب من الله ورسوله، ومن ذهب إلى هذا قال: فيه دليل على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام خرج من الملة كما لو كفر بجميعها" (٦). وقال مقاتل بن حيان: "قوله: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾، قال: كتب رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل، أن اعرض عليهم هذه الآية فإن فعلوا، فلهم رؤس أموالهم، وإن أبوا، فآذنهم بحرب من الله ورسوله" (٧) .. قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، " أي: فأيقنوا بحرب الله ورسوله لكم" (٨). قال ابن عباس: ": يُقال يوم القيامة لآكل الرّبا: خذ سلاحك للحرْب" (٩). وفي رواية أخرى له: " فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله" (١٠). وقال قتادة: " أوْعدهم الله بالقتل كما تسمعون، فجعلهم بَهْرَجًا أينما ثقفوا" (١١). وقال الربيع: " أوعد الآكلَ الرّبا بالقتل" (١٢). قال الطبري: ": وهذه الأخبار كلها تنبئ عن أن قوله: (فأذنوا بحرب من الله) إيذان من الله لهم بالحرب والقتل، لا أمر لهم بإيذان غيرهم" (١٣). قال ابن عثيمين: أي: أعلنوا الحرب على الله ورسوله (١٤). قال الآلوسي: " أي فأيقنوا- وبذلك قرأ الحسن- وهو التفسير المأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما" (١٥).

стр. 2133

وذكروا في تفسير قوله تعالى ﴿فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وجهين (١): أحدهما: إن لم تنتهوا عن الربا أموت النبي بحربكم. والثاني: إن لم تنتهوا عنه فأنتم حرب الله ورسوله، يعني أعداءه. قلت: الوجه الثاني يحتمله الآية وبه قال الأكثرون، والأول بعيد. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى ﴿فَأْذَنُوا﴾ [البقرة: ٢٧٩]، فيه قراءتان: الأولى: ﴿فَأْذَنُوا﴾، بإسكان الهمزة وفتح الذال، وهو المشهور (٢)، قال أبو عبيدة: "معنى قوله: ﴿فَأْذَنُوا﴾، فأيقنوا (٣)، قال الطبري: " بمعنى: كونوا على علم وإذن" (٤). والثانية: وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم (٥): (فآذِنُوا) بالمد وكسر الذال (٦)، أي: آذنوا غيركم وأعلموهم (٧). قال الطبري: بمعنى: " أعلمُوهم وأخبروهم بأنكم علىَ حرْبهم" (٨). قال أبو علي: " فآذنوا بحرب فتقديره: فأعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب، والمفعول هنا محذوف على قوله: وقد أثبت هذا المفعول المحذوف هنا، في قوله ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم أيضا لا محالة، ففي أمرهم بالإعلام ما يعلمون هم أيضا أنهم حرب إن لم يمتنعوا عمّا نهوا عنه من وضع الرّبا عمن كان عليه. وليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم" (٩). قال ابن عطية: "والقراءتان عندي سواء لأن المخاطب في الآية محضور بأنه كل من لم يذر ما بقي من الربا، فإن قيل لهم: «فأذنوا» فقد عمهم الأمر، وإن قيل لهم: «فآذنوا» بالمد فالمعنى أنفسكم وبعضكم بعضا، وكأن هذه القراءة تقتضي فسحا لهم في الارتياء والتثبيت أي فأعلموا نفوسكم هذا ثم انظروا في الأرجح لكم، ترك الربا أو الحرب" (١٠). والقراءة الأولى أوضح في مراد السياق (١١). والله أعلم.

стр. 2134

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، "أي: بأخذ الزيادة" (١). قال الضحاك: " إن عملتم بالذي أمرتكم فلكم رؤس أموالكم" (٢). قال البغوي: " أي تركتم استحلال الربا ورجعتم عنه" (٣). قال الآلوسي: " عما يوجب الحرب" (٤). قال الطبري: " فتركتم أكلَ الربا وأنبتم إلى الله " (٥). قال ابن عثيمين: " أي رجعتم إلى الله من معصيته إلى طاعته؛ وذلك هنا بترك الربا؛ والتوبة من الربا، كالتوبة من غيره - لابد فيها من توافر الشروط الخمسة المعروفة" (٦). قال الرازي: "والمعنى على القول الأول: تبتم من معاملة الربا، وعلى القول الثاني: من استحلال الربا" (٧). أخرج ابن أبي حاتم " عن مقاتل بن حيان، قوله: وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم فقالوا: نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا فتركوه" (٨). قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، أي: " فلكم أصل المال الذي دفعتموه من غير زيادة ولا نقصان" (٩). قال الطبري: ""من الديون التي لكم على الناس، دون الزيادة التي أحدثتموها على ذلك ربًا منكم" (١٠). وروي عن النبي ﷺ ، أنه قال يوم الفتح: " ألا إن ربا الجاهلية موضوعٌ كله، وأوَّل ربا أبتدئ به ربا العباس بن عبد المطلب " (١١). قال الضحاك: " وضع الله الرّبا، وجعل لهم رءوس أموالهم" (١٢). قال قتادة: " والمال الذي لهم على ظهور الرجال، جعل لهم رءوس أموالهم حين نزلت هذه الآية، فأما الربح والفضل فليس لهم، ولا ينبغي لهم أن يأخذوا منه شيئًا" (١٣). وروي نحوه عن السدي (١٤). وأخرج ابن أبي حاتم عن "ابن وهب، عن ملك وسألته عن قول الله: ﴿وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾، قال: إنما ذلك في أهل الإسلام" (١٥). قال ابن عثيمين: " ﴿رؤوس﴾ جمع رأس؛ و «الرأس» هنا بمعنى الأصل؛ أي لكم أصول الأموال؛ وأما الربا فليس لكم" (١٦). قوله تعالى: ﴿لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، أي: " من غير زيادة ولا نقصان" (١٧). قال ابن كثير: "أي: بوضع رؤوس الأموال أيضا، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه" (١٨). قال البغوي: " ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾ بطلب الزيادة ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ بالنقصان عن رأس المال" (١٩). قال ابن عطية: " لا تَظْلِمُونَ في أخذ الربا وَلا تُظْلَمُونَ في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم، فتذهب أموالكم. ويحتمل أن يكون لا تظلمون في مطل، لأن "مطل الغني ظلم" (٢٠)، كما قال ﷺ " (٢١). قال الماوردي: " ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾: بأن تأخذوا الزيادة على رؤوس أموالكم، ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾، بأن تمنعوا رؤوس أموالكم" (٢٢). وروي عن النبي- ﷺ : "ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون" (٢٣). وقال ابن عباس: " ﴿لا تَظلمون﴾، فتُربون، ﴿ولا تظلمون﴾، فتنقصون" (٢٤). وقال ابن زيد: " لا تنقصون من أموالكم، ولا تأخذون باطلا لا يحلُّ لكم" (٢٥). وقال الضحاك: " لا تَظْلِمُونَ: لا تأخذوا غير رؤس أموالكم" (٢٦)، وعنه أيضا: " ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ قال: لا يظلمكم الذي لكم عليهم أموالكم" (٢٧). قال أبو علي: "موضع «لا تظلمون» نصب على الحال من لكم، التقدير: فلكم رءوس أموالكم غير ظالمين ولا مظلومين" (٢٨). قال أحمد بن موسى: "قرءوا كلّهم: لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٧٩] بفتح التاء الأولى وضم الثانية، وروى المفضّل عن عاصم لا تُظْلِمُونَ وَلا تَظْلَمُونَ بضم التاء الأولى وفتح الثانية (٢٩). قال أبو علي: قال أبو علي: ويرجح تقديم: ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾، وهي قراءة الجماعة، لأنها تناسب قوله ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾، في إسناد الفعلين إلى الفاعل فيجيء «تظلمون» بفتح التاء أشكل بما قبله (٣٠).

стр. 2135

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا﴾؛ لأن الجبرية يقولون: إن الإنسان لا يستطيع الفعل، ولا الترك؛ لأنه مجبر؛ وحقيقة قولهم تعطيل الأمر والنهي؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يفعل ما أمر به، ولا ترك ما نهي عنه. ٢ - ومنها: أن المصِرّ على الربا معلن الحرب على الله ورسوله؛ لقوله تعالى: ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾. ويتفرع على هذه الفائدة أنه إذا كان معلناً الحرب على الله، ورسوله فهو معلن الحرب على أولياء الله، ورسوله - وهم المؤمنون؛ وذلك بدلالة الالتزام؛ لأن كل مؤمن يجب أن ينتصر لله، ورسوله؛ فالمؤمنون هم حزب الله ورسوله. ٣ - ومن فوائد الآية: عظم الربا لعظم عقوبته؛ وإنما كان بهذه المثابة ردعاً لمتعاطيه عن الاستمرار فيه؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنه جاء في الوعيد على الربا ما لم يأت على ذنب دون الشرك؛ ولهذا جاء في الحديث الذي طرقه متعددة: «إن الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن يأتي الرجل أمه» (١)؛ وهذا كلٌّ يستبشعه؛ فالربا ليس بالأمر الهين؛ والمؤمن ترتعد فرائصه إذا سمع مثل هذه الآية. ٤ - ومنها: أنه يجب على كل من تاب إلى الله من الربا ألا يأخذ شيئاً مما استفاده من الربا؛ لقوله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم﴾. ٥ - ومنها: أنه لا يجوز أخذ ما زاد على رأس المال من الربا لأيّ غرض كان؛ سواء أخذه ليتصدق به، أو ليصرفه في وجوه البر تخلصاً منه، أو لغير ذلك؛ لأن الله أمر بتركه؛ ولو كان هنا طريق يمكن صرفه فيه لبينه الله . ٦ - ومنها: الإشارة إلى الحكمة من تحريم الربا - وهي الظلم؛ لقوله تعالى: ﴿لا تظلمون ولا تظلمون﴾. فإن قال قائل: إن بعض صور الربا ليس فيه ظلم، مثل أن يشتري صاعاً من البر الجيد بصاعين من الرديء يساويانه في القيمة؛ فإنه لا ظلم في هذه الصورة؛ قلنا: إن العلة إذا كانت منتشرة لا يمكن ضبطها فإن الحكم لا ينتقض بفقدها؛ ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه أتي إليه بتمر جيد فسأل: «من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديّ فبعت منه صاعين بصاع، فقال النبي ﷺ : أوَّه أوَّه! عين الربا عين الربا لا تفعل» (٢)؛ ثم أرشدهم إلى أن يبيعوا التمر الرديء بالدراهم؛ ويشتروا بالدراهم تمراً جيداً؛ فدل هذا على أن تخلف الظلم في بعض صور الربا لا يخرجه عن الحكم العام للربا؛ لأن هذه العلة منتشرة لا يمكن ضبطها؛ ولهذا أمثلة كثيرة؛ ودائماً نجد في كلام أهل العلم أن العلة إذا كانت منتشرة غير منضبطة فإن الحكم يعم، ولا ينظر للعلة. ٧ - ومن فوائد الآية: إثبات رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿ورسوله﴾. ٨ - ومنها: رحمة الله بالعباد، حيث أرسل إليهم الرسل؛ لأن العقول لا يمكن أن تستقل بمعرفة ما ينفعها، ويضرها على وجه التفصيل لقصورها؛ إنما تعرفه على سبيل الجملة؛ لقوله تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]؛ فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل؛ فكان في هذا رحمة عظيمة للخلق. ٩ - ومنها: مراعاة العدل في معاملة الناس بعضهم مع بعض؛ لقوله تعالى: ﴿فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾.

стр. 2136

القرآن ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] التفسير: وإن كان المدين غير قادر على السداد فأمهلوه إلى أن ييسِّر الله له رزقًا فيدفع إليكم مالكم، وإن تتركوا رأس المال كله أو بعضه وتضعوه عن المدين فهو أفضل لكم، إن كنتم تعلمون فَضْلَ ذلك، وأنَّه خير لكم في الدنيا والآخرة. في سبب نزول الآية: قال الكلبي: "قالت بنو عمرو بن عمير لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا ولكن الربا ندعه لكم، فقالت بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة، فأبوا أن يؤخروهم فأنزل الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ الآية" (١). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، "أي إِذا كان المستدين معسراً" (٢). قال ابن عثيمين: أي "إن وجِد صاحب إعسار، لا يستطيع الوفاء (٣). قال الطبري: " وإن كان الغريم ذا عسرة" (٤). قال ابن عاشور: أي "وإن حصل ذو عسرة، أي غريم معسر، وفي الآية حجة على أن (ذو) تضاف لغير ما يفيد شيئا شريفا" (٥). قال ابن عطية: " و «العسرة» ضيق الحال من جهة عدم المال ومنه جيش العسرة" (٦). أخرج ابن ابي حاتم عن " محمد بن إسحاق، أخبرني من لا أتهم عن أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز، أنهما قالا جميعا: من لم يكن له إلا مسكن (فهو والله) معسر، ممن أمر الله بإنظاره" (٧). وقرأ الأعمش «وإن كان معسرا فنظرة»، وحكى المهدوي أن في مصحف عثمان، «فإن كان» بالفاء ذُو عُسْرَةٍ بالواو (٨). قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، " فعليكم أن تمهلوه إِلى وقت اليسر" (٩). قال مجاهد: "يؤخّره، ولا يزدْ عليه. وكان إذا حلّ دين أحدهم فلم يجد ما يعطيه، زاد عليه وأخَّره" (١٠). وري نحو ذلك عن السدي (١١). قال الصابوني: " لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينة: إِمّا أن تَقْضي وإِمّا أن تُرْبي" (١٢). قال الطبري: " فعليكم أن تنظروه إلى ميسرة، كما قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ) [سورة البقرة: ١٩٦] " (١٣).

стр. 2137

قال ابن عطية: " والنظرة: التأخير" (١). وفي قوله تعالى ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ثلاثة أقوال: أحدها: مفعلة من اليسر، وهو أن يوسر (٢)، وهو قول الأكثرين، والمعنى: "فعليكم أن تنظروه حتى يُوسر بالدَّين الذي لكم، فيصيرَ من أهل اليُسر به" (٣)، قاله: ابن عباس (٤)، وشريح (٥)، وإبراهيم (٦)، والربيع (٧)، وقتادة (٨)، ومجاهد (٩)، والضحاك (١٠)، وأبان بن عثمان (١١) وعمر بن عبدالعزيز (١٢). والثاني: إلى الموت، قاله أبو جعفر (١٣)، وإبراهيم النخعي (١٤)، ومحمد بن علي (١٥). والثالث: إلى الغنى. قاله السدي (١٦). قال الطحاوي: "كان الحر يباع في الدين أول الإسلام إذا لم يكن له مال يقضيه عن نفسه حتى نسخ الله ذلك فقال جل وعز: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ " (١٧)، قال القرطبي: "واحتجوا بحديث رواه الدارقطني من حديث مسلم بن خالد الزنجي أخبرنا زيد بن أسلم عن ابن البيلماني عن سرق قال: كان لرجل علي مال - أو قال دين - فذهب بي إلى رسول الله ﷺ فلم يصب لي مالاً فباعني منه، أو باعني له" (١٨). أخرجه البزار بهذا الإسناد أطول منه. ومسلم بن خالد الزنجي وعبدالرحمن بن البيلماني لا يحتج بهما" (١٩).

стр. 2138

قال المهدوي: "وقال بعض العلماء هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر بدين، وحكى مكي: أن النبي ﷺ أمر به في صدر الإسلام" (١)، قال ابن عطية: فإن ثبت فعل النبي ﷺ فهو نسخ، وإلا فليس بنسخ" (٢). وقال ابن عاشور: " وقد قيل: إن ذلك كان حكما في الجاهلية وهو حكم قديم في الأمم كان من حكم المصريين، ففي القرآن الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك [يوسف: ٧٦]. وكان في شريعة الرومان استرقاق المدين، وأحسب أن في شريعة التوراة قريبا من هذا، وروي أنه كان في صدر الإسلام، ولم يثبت" (٣). ويجوز في إعراب قوله تعالى: ﴿نَظِرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وجهان (٤): أحدهما: أن تكون مبتدأ، والخبر محذوف؛ والتقدير: فعليكم نظرة؛ أو فله نظرة. والثاني: بأن تكون خبراً لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: فالواجب عليه نظرة؛ أي إنظار إلى ميسرة؛ أي: إيسار. واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿نَظِرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٠] على وجوه (٥): أحدها: قراءة الجماعة «نَظِرَةٌ» بكسر الظاء. والثاني: وقرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن: «فنظرة» بسكون الظاء، وكذلك قرأ الضحاك، وهي على تسكين الظاء من نظرة، وهي لغة تميمية. والثالث: وقرأ عطاء بن أبي رباح «فناظرة» على وزن فاعلة، وقال الزجّاج: هي من أسماء المصادر، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] وكقوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥]، وكقوله: ﴿يَعْلَمُ خَآاِنَةَ الاعْيُنِ﴾، فيكون قوله ﴿فناظرة﴾، وقال: : قرأ عطاء فناظره: بمعنى: فصاحب الحق ناظره، أي: منتظره، أو: صاحب نظرته، على طريقة النسب، كقولهم: مكان عاشب، وباقل، بمعنى: ذو عشب وذو بقل، وعنه: فناظره، على الأمر بمعنى: فسامحه بالنظرة، وباشره بها" (٦). الرابع: ﴿فناظروه﴾، قرأه عبد الله، أي: فأنتم ناظروه. أي: فأنتم منتظروه (٧). وقوله تعالى: ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فيه ثلاثة قراءات (٨): الأولى: ﴿ميسُرة﴾ بضمها. وهي قراءة نافع. والثانية: ﴿ميسَرة﴾ بفتح السين، وهي قراءة باقي السبعة وجمهور الناس. والثالثة: ﴿ميسره﴾، بضم السين وكسر الراء، وهي قراءة شاذة، قرأءه عطاء بن أبي رياح ومجاهد. وكلّهم قلب الهاء تاء ونوّنها (٩).

стр. 2139

قال أبو عليّ: "القراءة الأولى أولى، لأنّ الكلمة بفتح العين منها أكثر من الضمّ، ومفعلة بناء مبني على التأنيث، ألا ترى أن مفعلا بغير هاء بناء لم يجيء في الآحاد؟ " (١). واختلف أهل العلم: هل هذا الحكم بالنظرة إلى الميسرة: واقف على أهل الربا أو هو منسحب على كل ذي دين حال؟ وفيه قولان (٢): أحدهما: أن الإِنظار بالعسرة واجب في دَيْن الربا خاصّة، وأما الديون وسائر الأمانات فليس فيها نظرة، بل تؤدى إلى أهلها. قاله: ابن عباس (٣)، وشريح (٤)، وإبراهيم (٥) وابن عبيد بن عمير (٦). والثاني: أنه عام يجب إنظاره بالعسرة في كل دَيْن، لظاهر الآية، وهو قول ابن عباس (٧)، وعطاء (٨)، والضحاك (٩). قال الماوردي: وقيل إن الإِنظار بالعسرة في دَيْن الربا بالنص، وفي غيره من الديون بالقياس " (١٠). قال ابن عطية: " وكأن القول [الأول] يترتب إذا لم يكن فقر مدقع وأما مع الفقر والعدم الصريح، فالحكم هي النظرة ضرورة، وقال جمهور العلماء النظرة إلى الميسرة حكم ثابت في المعسر سواء كان الدين ربا أو من تجارة في ذمة أو من أمانة" (١١). قال ابن عاشور: " ومورد الآية على ديون معاملات الربا، لكن الجمهور عمموها في جميع المعاملات ولم يعتبروا خصوص السبب لأنه لما أبطل حكم الربا صار رأس المال دينا بحتا، فما عين له من طلب الإنظار في الآية حكم ثابت للدين كله" (١٢). وقال الطبري: " والصواب من القول في قوله: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾، أنه معنيٌّ به غرماء الذين كانوا أسلموا على عهد رسول الله ﷺ ، ولهم عليهم ديون قد أربَوْا فيها في الجاهلية، فأدركهم الإسلام قبل أن يقبضوها منهم، فأمر الله بوضع ما بقي من الربا بعد ما أسلموا، وبقبض رؤوس أموالهم، ممن كان منهم من غرمائهم موسرا، أو إنظار من كان منهم معسرا برؤوس أموالهم إلى ميسرتهم. فذلك حكم كل من أسلم وله ربا قد أربى على غريم له، فإن الإسلام يبطل عن غريمه ما كان له عليه من قِبْل الربا، ويلزمه أداء رأس ماله - الذي كان أخذ منه، أو لزمه من قبل الإرباء - إليه، إن كان موسرا، وإن كان معسرا، كان منظرا برأس مال صاحبه إلى ميسرته، وكان الفضل على رأس المال مبطلا عنه. غير أن الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا، وإياهم عنى بها، فإن الحكم الذي حكم الله به: من إنظاره المعسر برأس مال المربي بعد بطول الربا عنه، حكم واجب لكل من كان عليه دين لرجل قد حل عليه، وهو بقضائه

стр. 2140

معسر: في أنه منظر إلى ميسرته، لأن دين كل ذي دين، في مال غريمه، وعلى غريمه قضاؤه منه - لا في رقبته. فإذا عدم ماله، فلا سبيل له على رقبته بحبس ولا بيع، وذلك أن مال رب الدين لن يخلو من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون في رقبة غريمه، أو في ذمته يقضيه من ماله، أو في مال له بعينه، فإن يكن في مال له بعينه، فمتى بطل ذلك المال وعدم، فقد بطل دين رب المال، وذلك ما لا يقوله أحد، ويكون في رقبته، فإن يكن كذلك، فمتى عدمت نفسه، فقد بطل دين رب الدين، وإن خلف الغريم وفاء بحقه وأضعاف ذلك، وذلك أيضا لا يقوله أحد، فقد تبين إذا، إذ كان ذلك كذلك، أن دين رب المال في ذمة غريمه يقضيه من ماله، فإذا عدم ماله فلا سبيل له على رقبته، لأنه قد عدم ما كان عليه أن يؤدي منه حق صاحبه لو كان موجودا، وإذا لم يكن على رقبته سبيل، لم يكن إلى حبسه وهو معدوم بحقه، سبيل، لأنه غير مانعه حقا، له إلى قضائه سبيل، فيعاقب بمطله إياه بالحبس" (١). قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، "أي: تُبرءوا المعسر في دينه" (٢) فهو أكرم وأفضل. قال البغوي: " أي تتركوا رءوس أموالكم إلى المعسر" (٣). قال ابن عاشور: " أي أن إسقاط الدين عن المعسر والتنفيس عليه بإغنائه أفضل، وجعله الله صدقة لأن فيه تفريج الكرب وإغاثة الملهوف" (٤). أخرج ابن أبي حاتم " عن إبراهيم: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾، قال: برأس المال" (٥). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن قتادة والسدي والربيع ومقاتل بن حيان، نحو ذلك" (٦). وقال سعيد بن جبير: " من تصدق بدين له على معدم، فهو أعظم لأجره" (٧). وفي رواية أخرى له: " ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾: فهو أعظم لأجره، ومن لم يتصدق عليه لم يأثم، ومن حبس معسرا في السجن، فهو آثم، لقوله: فنظرة إلى ميسرة ومن كان عنده ما يستطيع أن يؤدي عن دينه فلم يفعل، كتب ظالما" (٨). قال الطبري: " وأن تتصدقوا برؤوس أموالكم على هذا المعسر، ﴿خير لكم﴾ أيها القوم من أن تنظروه إلى ميسرته" (٩). قال الآلوسي: " أي وتصدقكم على معسري غرمائكم برؤوس أموالكم كلا أو بعضا، أكثر ثوابا من الإنظار، أو خير مما تأخذونه لنفاد ذلك وبقاء هذا" (١٠). قال ابن عطية: " وندب الله تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيرا من إنظاره" (١١). قال ابن عاشور: " وإن أريد بالعسرة ضيق الحال وإضرار المدين بتعجيل القضاء فالطلب يحتمل الوجوب، وقد قال به بعض الفقهاء، ويحتمل الندب، وهو قول مالك والجمهور، فمن لم يشأ لم ينظره ولو ببيع جميع ماله لأن هذا حق يمكن استيفاؤه، والإنظار معروف والمعروف لا يجب. غير أن المتأخرين بقرطبة
следующие страницы →