← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

القرآن ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] التفسير: وإن كان المدين غير قادر على السداد فأمهلوه إلى أن ييسِّر الله له رزقًا فيدفع إليكم مالكم، وإن تتركوا رأس المال كله أو بعضه وتضعوه عن المدين فهو أفضل لكم، إن كنتم تعلمون فَضْلَ ذلك، وأنَّه خير لكم في الدنيا والآخرة. في سبب نزول الآية: قال الكلبي: "قالت بنو عمرو بن عمير لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا ولكن الربا ندعه لكم، فقالت بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة، فأبوا أن يؤخروهم فأنزل الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ الآية" (١). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، "أي إِذا كان المستدين معسراً" (٢). قال ابن عثيمين: أي "إن وجِد صاحب إعسار، لا يستطيع الوفاء (٣). قال الطبري: " وإن كان الغريم ذا عسرة" (٤). قال ابن عاشور: أي "وإن حصل ذو عسرة، أي غريم معسر، وفي الآية حجة على أن (ذو) تضاف لغير ما يفيد شيئا شريفا" (٥). قال ابن عطية: " و «العسرة» ضيق الحال من جهة عدم المال ومنه جيش العسرة" (٦). أخرج ابن ابي حاتم عن " محمد بن إسحاق، أخبرني من لا أتهم عن أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز، أنهما قالا جميعا: من لم يكن له إلا مسكن (فهو والله) معسر، ممن أمر الله بإنظاره" (٧). وقرأ الأعمش «وإن كان معسرا فنظرة»، وحكى المهدوي أن في مصحف عثمان، «فإن كان» بالفاء ذُو عُسْرَةٍ بالواو (٨). قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، " فعليكم أن تمهلوه إِلى وقت اليسر" (٩). قال مجاهد: "يؤخّره، ولا يزدْ عليه. وكان إذا حلّ دين أحدهم فلم يجد ما يعطيه، زاد عليه وأخَّره" (١٠). وري نحو ذلك عن السدي (١١). قال الصابوني: " لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينة: إِمّا أن تَقْضي وإِمّا أن تُرْبي" (١٢). قال الطبري: " فعليكم أن تنظروه إلى ميسرة، كما قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ) [سورة البقرة: ١٩٦] " (١٣).

стр. 2137

قال ابن عطية: " والنظرة: التأخير" (١). وفي قوله تعالى ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ثلاثة أقوال: أحدها: مفعلة من اليسر، وهو أن يوسر (٢)، وهو قول الأكثرين، والمعنى: "فعليكم أن تنظروه حتى يُوسر بالدَّين الذي لكم، فيصيرَ من أهل اليُسر به" (٣)، قاله: ابن عباس (٤)، وشريح (٥)، وإبراهيم (٦)، والربيع (٧)، وقتادة (٨)، ومجاهد (٩)، والضحاك (١٠)، وأبان بن عثمان (١١) وعمر بن عبدالعزيز (١٢). والثاني: إلى الموت، قاله أبو جعفر (١٣)، وإبراهيم النخعي (١٤)، ومحمد بن علي (١٥). والثالث: إلى الغنى. قاله السدي (١٦). قال الطحاوي: "كان الحر يباع في الدين أول الإسلام إذا لم يكن له مال يقضيه عن نفسه حتى نسخ الله ذلك فقال جل وعز: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ " (١٧)، قال القرطبي: "واحتجوا بحديث رواه الدارقطني من حديث مسلم بن خالد الزنجي أخبرنا زيد بن أسلم عن ابن البيلماني عن سرق قال: كان لرجل علي مال - أو قال دين - فذهب بي إلى رسول الله ﷺ فلم يصب لي مالاً فباعني منه، أو باعني له" (١٨). أخرجه البزار بهذا الإسناد أطول منه. ومسلم بن خالد الزنجي وعبدالرحمن بن البيلماني لا يحتج بهما" (١٩).

стр. 2138

قال المهدوي: "وقال بعض العلماء هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر بدين، وحكى مكي: أن النبي ﷺ أمر به في صدر الإسلام" (١)، قال ابن عطية: فإن ثبت فعل النبي ﷺ فهو نسخ، وإلا فليس بنسخ" (٢). وقال ابن عاشور: " وقد قيل: إن ذلك كان حكما في الجاهلية وهو حكم قديم في الأمم كان من حكم المصريين، ففي القرآن الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك [يوسف: ٧٦]. وكان في شريعة الرومان استرقاق المدين، وأحسب أن في شريعة التوراة قريبا من هذا، وروي أنه كان في صدر الإسلام، ولم يثبت" (٣). ويجوز في إعراب قوله تعالى: ﴿نَظِرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وجهان (٤): أحدهما: أن تكون مبتدأ، والخبر محذوف؛ والتقدير: فعليكم نظرة؛ أو فله نظرة. والثاني: بأن تكون خبراً لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: فالواجب عليه نظرة؛ أي إنظار إلى ميسرة؛ أي: إيسار. واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿نَظِرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٠] على وجوه (٥): أحدها: قراءة الجماعة «نَظِرَةٌ» بكسر الظاء. والثاني: وقرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن: «فنظرة» بسكون الظاء، وكذلك قرأ الضحاك، وهي على تسكين الظاء من نظرة، وهي لغة تميمية. والثالث: وقرأ عطاء بن أبي رباح «فناظرة» على وزن فاعلة، وقال الزجّاج: هي من أسماء المصادر، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] وكقوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥]، وكقوله: ﴿يَعْلَمُ خَآاِنَةَ الاعْيُنِ﴾، فيكون قوله ﴿فناظرة﴾، وقال: : قرأ عطاء فناظره: بمعنى: فصاحب الحق ناظره، أي: منتظره، أو: صاحب نظرته، على طريقة النسب، كقولهم: مكان عاشب، وباقل، بمعنى: ذو عشب وذو بقل، وعنه: فناظره، على الأمر بمعنى: فسامحه بالنظرة، وباشره بها" (٦). الرابع: ﴿فناظروه﴾، قرأه عبد الله، أي: فأنتم ناظروه. أي: فأنتم منتظروه (٧). وقوله تعالى: ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فيه ثلاثة قراءات (٨): الأولى: ﴿ميسُرة﴾ بضمها. وهي قراءة نافع. والثانية: ﴿ميسَرة﴾ بفتح السين، وهي قراءة باقي السبعة وجمهور الناس. والثالثة: ﴿ميسره﴾، بضم السين وكسر الراء، وهي قراءة شاذة، قرأءه عطاء بن أبي رياح ومجاهد. وكلّهم قلب الهاء تاء ونوّنها (٩).

стр. 2139

قال أبو عليّ: "القراءة الأولى أولى، لأنّ الكلمة بفتح العين منها أكثر من الضمّ، ومفعلة بناء مبني على التأنيث، ألا ترى أن مفعلا بغير هاء بناء لم يجيء في الآحاد؟ " (١). واختلف أهل العلم: هل هذا الحكم بالنظرة إلى الميسرة: واقف على أهل الربا أو هو منسحب على كل ذي دين حال؟ وفيه قولان (٢): أحدهما: أن الإِنظار بالعسرة واجب في دَيْن الربا خاصّة، وأما الديون وسائر الأمانات فليس فيها نظرة، بل تؤدى إلى أهلها. قاله: ابن عباس (٣)، وشريح (٤)، وإبراهيم (٥) وابن عبيد بن عمير (٦). والثاني: أنه عام يجب إنظاره بالعسرة في كل دَيْن، لظاهر الآية، وهو قول ابن عباس (٧)، وعطاء (٨)، والضحاك (٩). قال الماوردي: وقيل إن الإِنظار بالعسرة في دَيْن الربا بالنص، وفي غيره من الديون بالقياس " (١٠). قال ابن عطية: " وكأن القول [الأول] يترتب إذا لم يكن فقر مدقع وأما مع الفقر والعدم الصريح، فالحكم هي النظرة ضرورة، وقال جمهور العلماء النظرة إلى الميسرة حكم ثابت في المعسر سواء كان الدين ربا أو من تجارة في ذمة أو من أمانة" (١١). قال ابن عاشور: " ومورد الآية على ديون معاملات الربا، لكن الجمهور عمموها في جميع المعاملات ولم يعتبروا خصوص السبب لأنه لما أبطل حكم الربا صار رأس المال دينا بحتا، فما عين له من طلب الإنظار في الآية حكم ثابت للدين كله" (١٢). وقال الطبري: " والصواب من القول في قوله: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾، أنه معنيٌّ به غرماء الذين كانوا أسلموا على عهد رسول الله ﷺ ، ولهم عليهم ديون قد أربَوْا فيها في الجاهلية، فأدركهم الإسلام قبل أن يقبضوها منهم، فأمر الله بوضع ما بقي من الربا بعد ما أسلموا، وبقبض رؤوس أموالهم، ممن كان منهم من غرمائهم موسرا، أو إنظار من كان منهم معسرا برؤوس أموالهم إلى ميسرتهم. فذلك حكم كل من أسلم وله ربا قد أربى على غريم له، فإن الإسلام يبطل عن غريمه ما كان له عليه من قِبْل الربا، ويلزمه أداء رأس ماله - الذي كان أخذ منه، أو لزمه من قبل الإرباء - إليه، إن كان موسرا، وإن كان معسرا، كان منظرا برأس مال صاحبه إلى ميسرته، وكان الفضل على رأس المال مبطلا عنه. غير أن الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا، وإياهم عنى بها، فإن الحكم الذي حكم الله به: من إنظاره المعسر برأس مال المربي بعد بطول الربا عنه، حكم واجب لكل من كان عليه دين لرجل قد حل عليه، وهو بقضائه

стр. 2140

معسر: في أنه منظر إلى ميسرته، لأن دين كل ذي دين، في مال غريمه، وعلى غريمه قضاؤه منه - لا في رقبته. فإذا عدم ماله، فلا سبيل له على رقبته بحبس ولا بيع، وذلك أن مال رب الدين لن يخلو من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون في رقبة غريمه، أو في ذمته يقضيه من ماله، أو في مال له بعينه، فإن يكن في مال له بعينه، فمتى بطل ذلك المال وعدم، فقد بطل دين رب المال، وذلك ما لا يقوله أحد، ويكون في رقبته، فإن يكن كذلك، فمتى عدمت نفسه، فقد بطل دين رب الدين، وإن خلف الغريم وفاء بحقه وأضعاف ذلك، وذلك أيضا لا يقوله أحد، فقد تبين إذا، إذ كان ذلك كذلك، أن دين رب المال في ذمة غريمه يقضيه من ماله، فإذا عدم ماله فلا سبيل له على رقبته، لأنه قد عدم ما كان عليه أن يؤدي منه حق صاحبه لو كان موجودا، وإذا لم يكن على رقبته سبيل، لم يكن إلى حبسه وهو معدوم بحقه، سبيل، لأنه غير مانعه حقا، له إلى قضائه سبيل، فيعاقب بمطله إياه بالحبس" (١). قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، "أي: تُبرءوا المعسر في دينه" (٢) فهو أكرم وأفضل. قال البغوي: " أي تتركوا رءوس أموالكم إلى المعسر" (٣). قال ابن عاشور: " أي أن إسقاط الدين عن المعسر والتنفيس عليه بإغنائه أفضل، وجعله الله صدقة لأن فيه تفريج الكرب وإغاثة الملهوف" (٤). أخرج ابن أبي حاتم " عن إبراهيم: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾، قال: برأس المال" (٥). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن قتادة والسدي والربيع ومقاتل بن حيان، نحو ذلك" (٦). وقال سعيد بن جبير: " من تصدق بدين له على معدم، فهو أعظم لأجره" (٧). وفي رواية أخرى له: " ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾: فهو أعظم لأجره، ومن لم يتصدق عليه لم يأثم، ومن حبس معسرا في السجن، فهو آثم، لقوله: فنظرة إلى ميسرة ومن كان عنده ما يستطيع أن يؤدي عن دينه فلم يفعل، كتب ظالما" (٨). قال الطبري: " وأن تتصدقوا برؤوس أموالكم على هذا المعسر، ﴿خير لكم﴾ أيها القوم من أن تنظروه إلى ميسرته" (٩). قال الآلوسي: " أي وتصدقكم على معسري غرمائكم برؤوس أموالكم كلا أو بعضا، أكثر ثوابا من الإنظار، أو خير مما تأخذونه لنفاد ذلك وبقاء هذا" (١٠). قال ابن عطية: " وندب الله تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيرا من إنظاره" (١١). قال ابن عاشور: " وإن أريد بالعسرة ضيق الحال وإضرار المدين بتعجيل القضاء فالطلب يحتمل الوجوب، وقد قال به بعض الفقهاء، ويحتمل الندب، وهو قول مالك والجمهور، فمن لم يشأ لم ينظره ولو ببيع جميع ماله لأن هذا حق يمكن استيفاؤه، والإنظار معروف والمعروف لا يجب. غير أن المتأخرين بقرطبة

стр. 2141

كانوا لا يقضون عليه بتعجيل الدفع، ويؤجلونه بالاجتهاد لئلا يدخل عليه مضرة بتعجيل بيع ما به الخلاص" (١). وقوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فيه قراءتان (٢): الأولى: «تصّدقوا» بتشديد الصاد على الإدغام من تتصدقوا. وهي قراءة الجمهور. والثانية: «وأن تصدقوا» بتخفيف الصاد، وهي وقراءة عاصم. والثالثة: «وأن تصدقوا» بفك الإدغام، وذلك في مصحف عبد الله بن مسعود. وقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وجهان: الأول: وأن تصدقوا " برؤوس أموالكم على الغني والفقير منهم " خير لكم. روي نحو ذلك عن قتادة (٣)، وإبراهيم (٤). قال ابن عطية: " وليس في الآية مدخل للغني" (٥). والثاني: أن معنى ذلك: وأن تصدقوا به على المعسر، خير لكم. قاله السدي (٦)، والربيع (٧)، والضحاك (٨)، وابن زيد (٩). قال الطبري: " وأولى التأويلين بالصواب تأويل من قال: معناه: " وأن تصدقوا على المعسر برءوس أموالكم خير لكم " لأنه يلي ذكر حكمه في المعنيين. وإلحاقه بالذي يليه، أحب إلي من إلحاقه بالذي بعد منه" (١٠). قوله تعالى: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة: ٢٨٠]، "أي: إن كنتم تعلمون أنه خير لكم عملتموه" (١١). قال الطبري: " إن كنتم تعلمون " موضع الفضل في الصدقة، وما أوجب الله من الثواب لمن وضع عن غريمه المعسر دينه" (١٢). قال الصابوني: أي: " إن كنتم من ذوي العلم فافعلوا - أي تصدقوا" (١٣). قال الآلوسي: " وفيه تحريض على الفعل" (١٤). قال الصابوني: "إِن كنتم تعلمون ما فيه من الذكر الجميل والأجر العظيم" (١٥). قال ابن عثيمين: "هذه الجملة الشرطية مستقلة يراد بها الحث على العلم؛ «مستقلة» أي أنها لا توصل بما قبلها؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنًى فاسداً: أوهم أن التصدق خير لنا إن كنا نعلم؛ فإن لم نكن نعلم

стр. 2142

فليس خيراً لنا؛ ولا شك أن هذا معنًى فاسد لا يراد بالآية؛ لكن المعنى: إن كنتم من ذوي العلم فافعلوا - أي تصدقوا" (١). وقيل: يحتمل قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] تأويلان (٢): أحدهما: يعني أن من كان مؤمنا فهذا حكمه. والثاني: معناه إذا كنتم مؤمنين. وقد روي عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قال: كان آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن نبي الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها، فدعوا الربا والريبة" (٣). وعن عامر: "أن عمر ﵁ قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " أما بعد، فإنه والله ما أدري لعلنا نأمركم بأمر لا يصلح لكم، وما أدري لعلنا ننهاكم عن أمر يصلح لكم، وإنه كان من آخر القرآن تنزيلا آيات الربا، فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم " (٤). وأخرج الطبري بسنده الصحيح عن ابن عباس أنه قال: "آخر ما أنزل على رسول الله ﷺ آية الربا، وإنا لنأمر بالشيء لا ندري لعل به بأسا، وننهى عن الشيء لعله ليس به بأس" (٥).

стр. 2143

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: ثبوت رحمة الله ؛ وجه ذلك أنه أوجب على الدائن إنظار المدين؛ وهذا رحمة بالمعسر. ٢ - ومنها: حكمة الله بانقسام الناس إلى موسر، ومعسر؛ الموسر في الآية: الدائن؛ والمعسر: المدين؛ وحكمة الله هذه لا يمكن أن تستقيم أمور العباد إلا بها، ولذلك بدأ الشيوعيون - الذين يريدون أن يساووا بين الناس - يتراجعون الآن؛ لأنهم عرفوا أنه لا يمكن أن يصلح العباد إلا هذا الخلاف؛ قال : ﴿أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً﴾ [الزخرف: ٣٢]؛ ولولا هذا الاختلاف لم يمكن أن يسخر لنا أحد ليعمل ما نريد؛ لأن كل واحد ندّ للآخر؛ فلا يمكن إصلاح الخلق إلا بما تقتضيه حكمة الله ، وشرعه من التفاوت بينهم: فهذا موسر؛ وهذا فقير؛ حتى يتبين بذلك حكمة الله ، وتقوم أحوال العباد. ٣ - ومن فوائد الآية: وجوب إنظار المعسر - أي إمهاله حتى يوسر؛ لقوله تعالى: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾؛ فلا تجوز مطالبته بالدَّين؛ ولا طلب الدَّين منه. ٤ - ومنها: أن الحكم يدور مع علته وجوداً، وعدماً؛ لأنه لما كان وجوب الإنظار معللًا بالإعسار صار مستمراً إلى أن تزول العلة - وهي العسرة - حتى تجوز مطالبته. ولو أن الناس مشوا على تقوى الله في هذا الباب لسلمت أحوال الناس من المشاكل؛ لكن نجد الغني يماطل: يأتيه صاحب الحق يقول: اقضني حقي؛ فيقول: غداً؛ ويأتيه غداً فيقول: بعد غد؛ وهكذا؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مطل الغني ظلم» (١)؛ ونجد أولئك القوم الأشحاء ذوي الطمع لا يُنظرون المعسر، ولا يرحمونه؛ يقول له: أعطني؛ وإلا فالحبس؛ ويحبس فعلاً - وإن كان لا يجوز حبسه إذا تيقنا أنه معسر، ولا مطالبته، ولا طلب الدين؛ بل يعزر الدائن إذا ألح عليه في الطلب وهو معسر؛ لأن طلبه مع الإعسار معصية؛ والتعزير عند أهل العلم واجب في كل معصية لا حدّ فيها، ولا كفارة. ٥ - ومن فوائد الآية: فضيلة الإبراء من الدَّين، وأنه صدقة؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾؛ والإبراء سنة؛ والإنظار واجب؛ وهنا السنة أفضل من الواجب بنص القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾؛ ووجه ذلك أن الواجب ينتظم في السنة؛ لأن إبراء المعسر من الدَّين إنظار، وزيادة؛ وعلى هذا فيبطل إلغاز من ألغز بهذه المسألة، وقال: «لنا سنة أفضل من الواجب»، ومثل ذلك قول بعضهم في الوضوء ثلاثاً:

стр. 2144

«إنه أفضل من الوضوء واحدة مع أن الواحدة واجب، والثلاث سنة»؛ فيُلغِز بذلك، ويقول: «هنا سنة أفضل من واجب»؛ فيقال له: هذا إلغاز باطل؛ لأن هذه السنة مشتملة على الواجب؛ فهي واجب، وزيادة؛ وصدق الله، حيث قال في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه» (١)؛ وهذا الحديث يبطل مثل هذه الألغاز التافهة. ٦ - ومن فوائد الآية: تفاضل الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾؛ وتفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل، وأن العاملين بعضهم أفضل من بعض؛ وهذا أمر معلوم بالضرورة الشرعية والعقلية أن العمال يختلفون، كما قال تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ [النساء: ٩٥]، وكما قال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًا وعد الله الحسنى﴾ [الحديد: ١٠]. ويتفرع على تفاضل العمال بتفاضل الأعمال: تفاضل الإيمان، لأن الأعمال من الإيمان عند أهل السنة، والجماعة؛ فإذا تفاضلت لزم من ذلك تفاضل الإيمان؛ ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص. ٧ - ومن فوائد الآية: فضيلة العلم، وأن العلم يهدي صاحبه إلى الخير؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم تعلمون﴾. ٨ - وهل يستفاد من الآية الكريمة: أن إبراء الغريم يجزئ من الزكاة: فلو أن إنساناً أبرأ فقيراً، ثم قال: أبرأته عن زكاتي؛ لأن الله سمى الزكاة صدقة؛ فقال تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين ... ﴾؟ فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يجزئ؛ لأن الله قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ [البقرة: ٢٦٧]؛ وجعْل الدَّين زكاة للعين هذا من تيمم الخبيث لإخراجه عن الطيب؛ والمراد بالخبيث هنا الرديء - وليس الحرام؛ لأن العين مُلك قائم بيد المالك يتصرف فيه كيف يشاء؛ والدَّين الذي على معسر مال تالف؛ لأن الأصل بقاء الإعسار؛ وحينئذٍ يكون هذا الدَّين بمنزلة المال التالف؛ فلا يصح أن يجعل هذا المال التالف زكاة عن العين؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: إن إبراء الغريم المعسر لا يجزئ من الزكاة بلا نزاع؛ ولو قلنا: يجزئ لكان كل إنسان له غرماء لا يستطيعون الوفاء يقول: أبرأتكم ونويتها من الزكاة؛ فتبقى الأموال عنده، والديون التالفة الهالكة التي لا يرجى حصولها تكون هي الزكاة؛ وهذا لا يجوز؛ ولهذا لو خيرت شخصاً، وقلت له: أنا أعطيك عشرة ريالات نقداً، أو أحولك على إنسان فقير معسر عنده العشرة فإنه يختار العشرة نقداً؛ ولا يتردد؛ بل لو خيرته بين عشرة نقداً، وعشرين في ذمة معسر لاختار العشرة؛ فصارت العشرة المنقودة بالنسبة للدَّين من باب الطيب؛ وذاك من باب الرديء؛ وبهذا يتبين أنه لا يجزئ إبراء المدين المعسر عن زكاة مال بيد مالكه؛ لأنه من باب تيمم الخبيث؛ إذاً نقول: لا يجوز إبراء الفقير، واحتساب ذلك من الزكاة؛ نعم لو فرض أنه سيجعلها زكاة عن الدَّين الذي في ذمة المعسر - إذا قلنا بوجوب الزكاة في الدَّين - لكان ذلك مجزئاً؛ لأن هذا صار من جنس المال الذي أديت الزكاة عنه. الخلاصة: تبين مما ذكر من الآيتين أن المعاملة بالدَّين ثلاثة أقسام: الأول: أن يأخذ به رباً؛ وهذا محرم؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: ٢٧٨]. الثاني: أن يكون المدين معسراً؛ فلا تجوز مطالبته، ولا طلب الدّين منه حتى يوسر؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾. الثالث: أن يبرئ المعسر من دينه؛ وهذا أعلى الأقسام؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾.

стр. 2145

تتمة: في هذه الآية وجوب الإنظار إلى ميسرة؛ ومن المعلوم أن حصول الميسرة مجهول؛ وهذا لا يضر؛ لأنه ليس من باب المعاوضة؛ ولكن لو اشترى فقير من شخص، وجعل الوفاء مقيداً بالميسرة فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان؛ فأكثر العلماء على عدم الجواز لأن الأجل مجهول؛ فيكون من باب الغرر المنهي عنه؛ والقول الثاني: أن ذلك جائز لحديث عائشة ﵂ أنها قالت للنبي (ص): «قدم لفلان اليهودي بزّ من الشأم لو أرسلت إليه فاشتريت منه ثوبين إلى الميسرة؛ فأرسل إليه فامتنع» (١)؛ ولأن هذا مقتضى العقد إذا علم البائع بإعسار المشتري؛ إذ لا يحلّ له حينئذٍ أن يطلب منه الثمن حتى يوسر؛ وهذا القول هو الراجح. القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] التفسير: واحذروا -أيها الناس- يومًا ترجعون فيه إلى الله، وهو يوم القيامة، حيث تعرضون على الله ليحاسبكم، فيجازي كل واحد منكم بما عمل من خير أو شر دون أن يناله ظلم. وفي الآية إشارة إلى أن اجتناب ما حرم الله من المكاسب الربوية، تكميل للإيمان وحقوقه من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وعمل الصالحات. قال ابن عاشور: " جيء بقوله: واتقوا يوما تذييلا لهاته الأحكام لأنه صالح للترهيب من ارتكاب ما نهي عنه والترغيب في فعل ما أمر به أو ندب إليه، لأن في ترك المنهيات سلامة من آثامها، وفي فعل المطلوبات استكثارا من ثوابها، والكل يرجع إلى اتقاء ذلك اليوم الذي تطلب فيه السلامة وكثرة أسباب النجاح" (٢). قوله تعالى: : ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، " أي احذروا يوماً سترجعون فيه إِلى ربكم" (٣). قال الواحدي: أي: " تأهبوا للقاء هذا اليوم بما تقدمون من العمل الصالح" (٤). وقوله تعالى ﴿يَوْماً﴾: هو يوم القيامة، وتنكيره للتهويل (٥)، " كما أن تعليق الاتقاء به للمبالغة في التحذير عما فيه من الشدائد التي تجعل الولدان شيبا" (٦). وفي قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ مضاف محذوف، تقديره: إلى حكم الله وفصل قضائه (٧). واختلف أهل التفسير في تحديد هذا (اليوم) المحذر منه، على قولين (٨): الأول: قال جمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذر منه هو يوم القيامة والحساب والتوفية. والثاني: وقال قوم: هو يوم الموت. قال ابن عطية: "والأول أصح بحكم الألفاظ في الآية" (٩). وقوله تعالى: ﴿يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، فيه وجهان (١٠):

стр. 2146

أحدهما: يعني إلى جزاء الله. والثاني: إلى ملك الله. واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿تُرْجَعُونَ﴾، على وجوه (١): أحدها: ﴿تَرْجِعُونَ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم، على أنه مبني للفاعل، أي تصيرون إلى الله، وهي قراءة أبي عمرو وحده. والثاني: وقرأ الآخرون ﴿تُرْجَعُونَ﴾، بضم التاء وفتح الجيم، على أنه مبني لما لم يسم فاعله، أي: تردون إلى الله تعالى. والثالث: وقرأ أبي بن كعب: ﴿تردون﴾، بضم التاء، حكاه عنه ابن عطية (٢). والرابع: وقرأ عبد الله: ﴿يردون﴾. حكاه عنه الزمخشري (٣). الخامس: وقرأ أبي: ﴿تصيرون﴾. حكاه عنه الزمخشري (٤). السادس: وقرأ الحسن "يًرجَعون" بالياء، حكاه عنه ابن عطية (٥)، على معنى يرجع جميع الناس، قال ابن جني: "كأن الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة، إذ هي مما ينفطر لها القلوب فقال لهم: ﴿واتقوا يوما﴾ ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رفقا بهم" (٦). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ [البقرة: ٢٨١]، أي: " ثم توفى كل نفسٍ حسابها" (٧). قال سعيد بن جبير: " يعني: ما عملت من خير أو شر" (٨). وقال ابن عباس: " يريد ثواب عملها، خيرا بخير، وشرا بشر" (٩). قال ابن عثيمين: " أي تعطى ثوابها، وأجرها المكتوب لها - إن كان عملها صالحاً؛ أو تعطى العقاب على عملها - إن كان عملها سيئاً .. و (التوفية) بمعنى الاستيفاء؛ وهو أخذ الحق ممن هو عليه" (١٠). وقوله تعالى: ﴿مَّا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨١]، أي "ما حصلت عليه من ثواب الحسنات، وعقوبة السيئات" (١١). وقد ذكروا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨١]، تأويلان (١٢): أحدهما: جزاء ما كسبت من الأعمال. والثاني: ما كسبت من الثواب والعقاب. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]، " أي: لا ينقص ثوابهم، ولا يزاد عقابهم" (١٣). قال ابن عباس: "يريد: وهم لا ينقصون، لا أهل الثواب ولا أهل العقاب، قال: وهذه الآية لجميع الخلق البر والفاجر" (١٤).

стр. 2147

قال المراغي: " أي: لا ينقصون من ثوابهم ولا يزدادون على عقابهم" (١). قال أبو حيان: " أي: لا ينقصون مما يكون جزاء العمل الصالح من الثواب، ولا يزادون على جزاء العمل السيء من العقاب" (٢). قال الطبري: " وكيف يظلم من جوزي بالإساءة مثلها، وبالحسنة عشر أمثالها؟ ! " (٣). أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: " وهم لا يظلمون يعني: من أعمالهم، لا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد على سيئاتهم" (٤). قال ابن عطية: " في هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب الإنسان. وهذا رد على الجبرية" (٥). وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ جملة استئنافية؛ ويحتمل أن تكون جملة حالية من ﴿كل نفس﴾؛ لكن الأول أظهر (٦)، وأعاد الضمير أولا مفردا اعتبارا باللفظ، وقدم اعتبار اللفظ لأنه الأصل ولأن اعتبار المعنى وقع رأس فاصلة فكان تأخيره أحسن، ولك أن تقول: إن الجمع أنسب بما يكون في يومه كما أن الإفراد أولى فيما إذا كان قبله (٧). قال الصابوني: " وقد ختمت هذه الآيات الكريمة بهذه الآية لجامعة المانعة التي كانت آخر ما نزل من القرآن وبنزولها انقطع الوحي، وفيها تذكير العباد بذلك اليوم العصيب الشديد" (٨). وقال السعدي: " وهذه الآية من آخر ما نزل من القرآن، وجعلت خاتمة لهذه الأحكام والأوامر والنواهي، لأن فيها الوعد على الخير، والوعيد على فعل الشر، وأن من علم أنه راجع إلى الله فمجازيه على الصغير والكبير والجلي والخفي، وأن الله لا يظلمه مثقال ذرة، أوجب له الرغبة والرهبة، وبدون حلول العلم في ذلك في القلب لا سبيل إلى ذلك" (٩). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن " سعيد بن جبير، قال: آخر ما نزل من القرآن كله ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ﴾، يعني: ﴿توفى كل نفس﴾، يعني: برا أو فاجرا. وعاش النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول" (١٠). وروي نحوه عن ابن عباس (١١)، وعطية (١٢)، والسدي (١٣)، وسعيد بن المسيب (١٤).

стр. 2148

وقد اختلف العلماء في تعيين آخر ما نزل من القرآن على الإطلاق، واستند كل منهم إلى آثار ليس فيها حديث مرفوع إلى النبي، فكان هذا من دواعي الاشتباه وكثرة الخلاف على أقوال شتى، وقد فصلنا القول في هذا الموضوع في تفسير الآية السابقة (١)، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب اتقاء هذا اليوم الذي هو يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾؛ واتقاؤه يكون بفعل أوامر الله، واجتناب نواهيه. ٢ - ومنها: أن التقوى قد تضاف لغير الله - لكن إذا لم تكن على وجه العبادة؛ فيقال: اتق فلاناً، أو: اتق كذا؛ وهذا في القرآن والسنة كثير؛ قال الله : ﴿واتقوا الله لعلكم تفلحون * واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣٠، ١٣١]؛ لكن فرق بين التقويين؛ التقوى الأولى تقوى عبادة، وتذلل، وخضوع؛ والثانية تقوى وقاية فقط: يأخذ ما يتقي به عذاب هذا اليوم، أو عذاب النار؛ وفي السنة قال النبي ﷺ : «اتق دعوة المظلوم» (٢)؛ فأضاف «التقوى» هنا إلى «دعوة المظلوم»؛ واشتهر بين الناس: اتق شر من أحسنت إليه؛ لكن هذه التقوى المضافة إلى المخلوق ليست تقوى العبادة الخاصة بالله ؛ بل هي بمعنى الحذر. ٣ - ومن فوائد الآية: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: ﴿ترجعون فيه إلى الله﴾. ٤ - ومنها: أن مرجع الخلائق كلها إلى الله حكماً، وتقديراً، وجزاءً؛ فالمرجع كله إلى الله ، كما قال تعالى: ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ [النجم: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إن إلى ربك الرجعى﴾ [العلق: ٨]، أي في كل شيء. ٥ - ومنها: إثبات قدرة الله ؛ وذلك بالبعث؛ فإن الله يبعث الخلائق بعد أن كانوا رميماً، وتراباً. ٦ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً﴾؛ لأن توجيه الأمر إلى العبد إذا كان مجبراً من تكليف ما لا يطاق. ٧ - ومنها: أن الإنسان لا يوفى يوم القيامة إلا عمله؛ لقوله تعالى: ﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت﴾؛ واستدل بعض العلماء على أنه لا يجوز إهداء القرب من الإنسان إلى غيره؛ أي أنك لو عملت عملاً صالحاً لشخص معين؛ فإن ذلك لا ينفعه، ولا يستفيد منه؛ لأن الله قال: ﴿توفى كل نفس ما كسبت﴾؛ لا ما كسب غيرها؛ فما كسبه غيره فهو له؛ واستثني من ذلك ما دلت السنة على الانتفاع به من الغير كالصوم؛ لقول النبي ﷺ : «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (٣)؛ والحج؛ لقول النبي ﷺ للمرأة التي استفتته أن تحج عن أبيها وكان شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة قالت: أفأحج عنه قال: «نعم» (٤)؛ وكذلك المرأة التي استفتته أن تحج عن أمها التي نذرت أن تحج، ولم تحج حتى ماتت قالت: أفأحج عنها قال ﷺ : «نعم» (٥)؛ وكذلك الصدقة؛ لقول النبي ﷺ لمن استفتاه أن

стр. 2149

يتصدق عن أمه: «نعم» (١)؛ وأذن لسعد بن عبادة أن يتصدق بمخرافه عن أمه (٢)؛ وأما الدعاء للغير إذا كان المدعو له مسلماً فإنه ينتفع به بالنص، والإجماع؛ أما النص ففي الكتاب، والسنة؛ أما الكتاب ففي قوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ [الحشر: ١٠]؛ وأما السنة ففي قوله (ص): «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه» (٣)، وكان (ص) إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل» (٤)؛ وأما الإجماع: فإن المسلمين كلهم يصلون على الأموات، ويقولون في الصلاة: «اللهم اغفر له، وارحمه»؛ فهم مجمعون على أنه ينتفع بذلك. والخلاف في انتفاع الميت بالعمل الصالح من غيره فيما عدا ما جاءت به السنة معروف؛ وقد ذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أن أيّ قربة فعلها، وجعل ثوابها لميت مسلم قريب، أو بعيد نفعه ذلك؛ ومع هذا فالدعاء للميت أفضل من إهداء القرب إليه؛ لأنه الذي أرشد إليه النبي ﷺ في قوله: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٥)؛ ولم يذكر العمل مع أن الحديث في سياق العمل. وأما ما استدل به المانعون من إهداء القرب من مثل قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣] فإنه لا يدل على المنع؛ بل على أن سعي الإنسان ثابت له؛ وليس له من سعي غيره شيء إلا أن يجعل ذلك له؛ ونظير هذا أن تقول: «ليس لك إلا مالك»، فإنه لا يمنع أن يقبل ما تبرع به غيره من المال. وأما الاقتصار على ما ورد فيقال: إن ما وردت قضايا أعيان؛ لو كانت أقوالاً من الرسول ﷺ قلنا: نعم، نتقيد بها؛ لكنها قضايا أعيان: جاءوا يسألون قالوا: فعلت كذا، قال: نعم، يجزئ؛ وهذا مما يدل على أن العمل الصالح من الغير يصل إلى من أُهدي له؛ لأننا لا ندري لو جاء رجل وقال: يا رسول الله، صليت ركعتين لأمي، أو لأبي، أو لأخي أفيجزئ ذلك عنه، أو يصل إليه ثوابه لا ندري ماذا يكون الجواب؛ ونتوقع أن يكون الجواب: «نعم»؛ أما لو كانت هذه أقوال بأن قال: «من تصدق لأمه أو لأبيه فإنه ينفعه»، أو ما أشبه ذلك لقلنا: إن هذا قول، ونقتصر عليه. ٨ - ومن فوائد الآية: أن الصغير يكتب له الثواب؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿ثم توفى كل نفس﴾. فإن قال قائل: وهل يعاقب على السيئات؟ فالجواب: «لا»؛ لقول النبي ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة ... »، وذكر منها: «الصغير حتى يحتلم» (٦)؛ ولأنه ليس له قصد تام لعدم رشده؛ فيشبه البالغ إذا أخطأ، أو نسي.

стр. 2150

القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢] التفسير: يا من آمنتم بالله واتبعتم رسوله محمدًا ﷺ إذا تعاملتم بدَيْن إلى وقت معلوم فاكتبوه؛ حفظًا للمال ودفعًا للنزاع. ولْيقُم بالكتابة رجل أمين ضابط، ولا يمتنع مَن علَّمه الله الكتابة عن ذلك، ولْيقم المدين بإملاء ما عليه من الدَّيْن، وليراقب ربه، ولا ينقص من دينه شيئا. فإن كان المدين محجورًا عليه لتبذيره وإسرافه، أو كان صغيرًا أو مجنونًا، أو لا يستطيع النطق لخرس به أو عدم قدرة كاملة على الكلام، فليتولَّ الإملاء عن المدين القائم بأمره، واطلبوا شهادة رجلين مسلمَيْن بالِغَيْن عاقلَيْن من أهل العدالة. فإن لم يوجد رجلان، فاطلبوا شهادة رجل وامرأتين ترضون شهادتهم، حتى إذا نَسِيَتْ إحداهما ذكَّرتها الأخرى، وعلى الشهداء أن يجيبوا مَن دعاهم إلى الشهادة، وعليهم أداؤها إذا ما دعوا إليها، ولا تَمَلُّوا من كتابة الدَّين قليلا أو كثيرًا إلى وقته المعلوم. ذلكم أعدل في شرع الله وهديه، وأعظم عونًا على إقامة الشهادة وأدائها، وأقرب إلى نفي الشك في جنس الدَّين وقدره وأجله. لكن إن كانت المسألة مسألة بيع وشراء، بأخذ سلعة ودفع ثمنها في الحال، فلا حاجة إلى الكتابة، ويستحب الإشهاد على ذلك منعًا للنزاع والشقاق، ومن الواجب على الشاهد والكاتب أداء الشهادة على وجهها والكتابة كما أمر الله. ولا يجوز لصاحب الحق ومَن عليه الحق الإضرار بالكُتَّاب والشهود، وكذلك لا يجوز للكُتَّاب والشهود أن يضارُّوا بمن احتاج إلى كتابتهم أو شهادتهم، وإن تفعلوا ما نهيتم عنه فإنه خروج عن طاعة الله، وعاقبة ذلك حالَّة بكم. وخافوا الله في جميع ما أمركم به، ونهاكم عنه، ويعلمكم الله جميع ما يصلح دنياكم وأخراكم. والله بكل شيء عليم، فلا يخفى عليه شيء من أموركم، وسيجازيكم على ذلك. لما ذكر تعالى الربا وبيَّن ما فيه من قباحة وشناعة، لأنه زيادة مقتطعة من عرق المدين ولحمه وهو كسب خبيث يمقته الإِسلام ويحرمه، أعقبه بذكر القرض والحسن بلا فائدة وذكر الأحكام الخاصة بالدين والتجارة والرهن، وكلها طرق شريفة لتنمية المال وزيادته بما فيه صلاح الفرد والمجتمع (١). قال ابن عباس: "لما حرم الله تعالى الربا، أباح السلم، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾ الآية" (٢). قال ابن عطية: "معناه أن سلم أهل المدينة كان بسبب هذه الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعا" (٣).

стр. 2151

وهذه الآية الكريمة أطول آية في كتاب الله؛ وهي في المعاملات بين الخلق؛ وأقصر آية في كتاب الله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١]، لأنها خمسة أحرف؛ وأجمع آية للحروف الهجائية كلها آيتان في القرآن فقط؛ إحداهما: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤] الآية؛ والثانية قوله تعالى: ﴿﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ... ﴾ [الفتح: ٢٩] الآية؛ فقد اشتملت كل واحدة منهما على جميع الحروف الهجائية (١). وري عن سعيد بن المسيب: "أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدَّيْن" (٢). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: " يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله" (٣). وسبق أن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان، قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأرعها سمعك، يعني استمع لها، ؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٤) (٥). قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: " إذا تبايعتم بدين" (٦). قال الصابوني: "إِذا تعاملتم بدينٍ مؤجل" (٧). وفي قوله تعالى ﴿تداينتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، تأويلان (٨): أحدهما: تجازيتم. والثاني: تعاملتم. قال الواحدي: " التداين: تفاعل، من الدين، ومعناه: داين بعضكم بعضا وتبايعتم بدين، قال أهل اللغة: "القرض غير الدين؛ لأن القرض أن يقترض الإنسان دراهم أو دنانير أو حبا وتمرا وما أشبه ذلك ولا يجوز فيه الأجل، والأجل في الدين جائز" (٩) (١٠). ويقال من الدين: ادان: إذا باع سلعته بثمن إلى أجل، ودان بدين: إذا أقرض، ودان استقرض، وأنشد الأحمر (١١): ندين ويقضي الله عنا وقد نرى ... مصارع قوم لا يدينون ضيعا

стр. 2152

فهذا على معنى يستقرض، وادان: إذا كثر عليه الدين، وتدين واستدان: إذا أخذ الدين (١)، قال الشاعر (٢): يعيرني بالدين قومي وإنما ... تدينت في أشياء تكسبهم حمدا قال المفسرون: "كل حق مؤجل فهو داخل تحت قوله: ﴿إذا تداينتم بدين﴾ " (٣). قال ابن الأنباري: "إنما ذكر الدين مع أن ﴿تداينتم﴾ يدل عليه؛ لأن التداين يكون بمعنيين: أحدهما: التداين بالمال. والآخر: التداين بمعنى: المجازاة، من قولهم: كما تدين تدان، والدين: الجزاء، فذكر الله تعالى الدين لتلخيص أحد المعنيين" (٤). قوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: "إلى وقت معلوم وقتموه بينكم" (٥). قال ابن عباس: "إلى أجل معلوم" (٦). قال ابن عطية: " ووصفه الأجل بمسمى دليل على أن المجهلة لا تجوز، فكأن الآية رفضتها، وإذا لم تكن تسمية وحد فليس أجل" (٧). قال الواحدي: " الأجل في اللغة: الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره، وأجل الدين: محله، لانقضاء التأخير فيه، وأصله من التأخير، يقال: أجل الشيء يأجل أجولا: إذا تأخر، والآجل: نقيض العاجل" (٨). قال الطبري: " وقد يدخل في ذلك القرض والسلم، وكل ما جاز [فيه] السلم مسمى أجل بيعه، يصير دينا على بائع ما أسلم إليه فيه، ويحتمل بيع الحاضر الجائز بيعه من الأملاك بالأثمان المؤجلة. كل ذلك من الديون المؤجلة إلى أجل مسمى، إذا كانت آجالها معلومة بحد موقوف عليه" (٩). وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت في السلم خاصة (١٠). قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ] [البقرة: ٢٨٢]، أي: " فاكتبوا الدين الذي تداينتموه إلى أجل مسمى" (١١). قال أبن عباس: " فأمر بالشهادة عند المداينة، لكيلا يدخل في ذلك جحود ولا نسيان، فمن لم يشهد على ذلك فقد عصى" (١٢). قال الصابوني: " وهذا إِرشاد منه تعالى لعباده بكتابة المعاملات المؤجلة ليكون ذلك أحفظ وأوثق لمقدارها وميقاتها" (١٣). قال ابن كثير: "أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة والحفظ" (١٤).

стр. 2153

قال الواحدي: " الكتابة والإشهاد اللذان ذكرا في هذه الآية للتداين، والمبايعة" (١). واختلف أهل العلم في اكتتاب الكتاب بذلك على من هو عليه، هل هو واجب أو هو ندب، وفيه قولان (٢): أحدهما: أنه ندب، وقالوا: كان اكتتاب الكتاب بالدين فرضا، فنسخه قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. وهو قول أبي سعيد الخدري (٣)، والشعبي (٤)، وعامر (٥)، وعطاء (٦)، وابن زيد (٧)، والحسن (٨)، وهو اختيار الفراء (٩)، والأنباري (١٠). والثاني: أنه فرض، قاله الضحاك (١١)، وابن جريج (١٢)، والربيع (١٣)، وكعب (١٤)، وإبراهيم (١٥)، وسعيد بن جبير (١٦)، وروي عن جابر بن زيد ومجاهد وعطاء، نحو ذلك (١٧). قال ابن عطية: "وقال جمهور العلماء: الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب، وإذا كان الغريم تقيا فما يضره الكتاب وإن كان غير ذلك فالكتب ثقاف في دينه وحاجة صاحب الحق، وقال بعضهم: إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة، وهذا هو القول الصحيح، ولا يترتب نسخ في هذا لأن الله تعالى ندب إلى الكتب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس، ثم علم تعالى أنه سيقع الائتمان فقال إن وقع ذلك ﴿فَلْيُؤَدِّ﴾ [البقرة: ٢٨٣] الآية، فهذه وصية للذين عليهم الديون، ولم يجزم تعالى الأمر نصا بأن لا يكتب إذا وقع الائتمان، وأما الطبري ﵀ فذهب إلى أن الأمر بالكتب فرض واجب وطول في الاحتجاج (١٨)، وظاهر قوله أنه يعتقد الأوامر على الوجوب حتى يقوم دليل على غير ذلك" (١٩).

стр. 2154

قوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، "أي وليكتب لكم كاتب عادل مأمون لا يجور على أحد الطرفين" (١). قال مقاتل: " أمر الكاتب أن يكتب بينهما بالعدل " (٢). وقال سعيد بن جبير ": ﴿وليكتب بينكم﴾، بين البائع والمشتري" (٣). قال ابن كثير: " أي: بالقسط والحق، ولا يَجُرْ في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان" (٤). وقوله ﴿بِالْعَدْلِ﴾، أي "بالاستقامة، وهو ضد الجور؛ والمراد به ما طابق الشرع" (٥). روي "عن السدي، في قوله: ﴿بالعدل﴾، يقول: بالحق" (٦). قال قتادة: " اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يدعن منه حقا، ولا يزيدن فيه باطلا" (٧). وقال سعيد بن جبير: " ﴿كاتب بالعدل﴾، يعني: يعدل بينهما في كتابه لا يزد على المطلوب، ولا ينقص من حق الطالب" (٨). قال الشوكاني: " أي يكتب بالسوية لا يزيد ولا ينقص ولا يميل إلى أحد الجانبين وهو أمر للمتداينين باختيار كاتب متصف بهذه الصفة لا يكون في قلبه ولا قلمه هوادة لأحدهما على الآخر بل يتحرى الحق بينهم والمعدلة فيهم" (٩). قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله﴾ [البقرة: ٢٨٢]، "أي ولا يمتنع أحد من الكتابة بالعدل كما علّمه الله" (١٠). قال ابن عثيمين: " أي: لا يمتنع كاتب الكتابة إذا طلب منه ذلك" (١١). قوله تعالى: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، " أي: على الطريقة التي علمه الله من الكتابة أو كما علمه الله بقوله ﴿بالعدل﴾ " (١٢). قال الضحاك: " ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله كما أمره الله" (١٣)، وروي نحوه عن سعيد بن جبير (١٤). قال ابن كثير: " أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سُئِل أن يكتبَ للناس، ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم، فَلْيتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة وليكتب، كما جاء في الحديث:

стр. 2155

"إن من الصدقة أن تعين صانعًا أو تصنع لأخْرَق" (١)، وفي الحديث الآخر: "من كتم علمًا يَعْلَمه ألْجِمَ يوم القيامة بلجام من نار" (٢) " (٣). و(الكاف) في قوله تعالى: ﴿كَمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، تحتمل وجهين (٤): أحدهما: أن تكون للتشبيه؛ فالمعنى حينئذ: أن يكتب كتابة حسب علمه بحيث تكون مستوفية لما ينبغي أن تكون عليه. والثاني: أن تكون الكاف للتعليل؛ فالمعنى: أنه لما علمه الله فليشكر نعمته عليه، ولا يمتنع من الكتابة. وقد اختلف أهل العلم في وجوب الكتاب على الكاتب إذا استكتب ذلك، وذكروا وجوها (٥): أحدها: أنه فرض على الكفاية كالجهاد، قاله مجاهد (٦)، وعطاء (٧)، وعامر (٨)، والربيع (٩). والثاني: أنه واجب عليه في حال فراغه، قاله السدي (١٠)، والشعبي (١١)، وعطاء (١٢)، ومقاتل (١٣). والثالث: أنه ندب، قاله مجاهد (١٤). والرابع: أن ذلك منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾، قاله الضحاك (١٥)، والربيع (١٦)، قال الطبري: " ولا دلالة تدل على أن أمره جل ثناؤه باكتتاب الكتب في ذلك، وأن تقدمه إلى الكاتب أن لا يأبى كتابة ذلك، ندب وإرشاد، فذلك فرض عليهم لا يسعهم تضييعه، ومن ضيعه منهم كان حرجا بتضييعه" (١٧). وقال ابن عطية: وأما إذا أمكن الكتاب فليس يجب الكتب على معين، ولا وجوب الندب، بل له الامتناع إلا إن استأجره، وأما إذا عدم الكاتب فيتوجه وجوب الندب حينئذ على الحاضر، وأما الكتب في الجملة فندب كقوله تعالى: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [الحج: ٧٧] وهو من باب عون الضائع" (١٨). وقال الرازي: "نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد، وذلك إجماع على عدم وجوبهما، ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين، والنبي ﷺ يقول: «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» (١٩) " (٢٠). قوله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، " أي: تلك الكتابة المعلمة" (٢١).

стр. 2156

قال القاسمي: "أمر بها بعد النهي عن إبائها تأكيدا لها" (١). قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، " أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين" (٢). قال ابن كثير: " أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين" (٣). قال الواحدي: " الإملال والإملاء: لغتان، قال الفراء: أمللت: لغة الحجاز وبني أسد، وأمليت: لغة بني تميم وقيس، نزل القرآن باللغتين، قال الله تعالى في اللغة الثانية: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥]. ومعنى الآية: أن الذي عليه الدين يملي، لأنه المشهود عليه، فيقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه" (٤). قال أبو حيان: أي: فليكتب الكاتب، وليملل من وجب عليه الحق، لأنه هو المشهود عليه بأن الدين في ذمّته، والمستوثق منه بالكتابة" (٥). قال القاسمي: "أي: وليكن المملي على الكاتب، المدين وهو الذي عليه الحق، لأنه المقر المشهود عليه" (٦). قال سعيد بن جبير: "وليملل الذي عليه الحق يعني المطلوب. يقول ليمل ما عليه من الحق، على الكاتب، من حق المطلوب" (٧). وروي عن الضحاك (٨)، ومقاتل (٩)، نحو ذلك. قال البغوي: " يعني: المطلوب يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه، والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد، جاء بهما القرآن، فالإملال هاهنا، والإملاء قوله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] " (١٠). وروي عن الشافعي، في قوله: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾، إنما معناه: أن يقر، قط، بالحق، ليس معناه أن يملي" (١١). قوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: "وليخش المملي، اللَّهَ رَبَّهُ" (١٢). قال البغوي: " يعني الممل" (١٣). قال أبو حيان: أي" فيما يمليه ويقربه" (١٤). قال القاسمي: " جمع ما بين الاسم الجليل والنعت الجميل، للمبالغة في التحذير" (١٥). وروي "عن قتادة: ﴿وليتق الله ربه﴾، يتقي الله شاهد في شهادته، لا ينتقص منها حقا، ولا يزيد فيها باطلا، (اتقا) الله كاتب، في (كتابته) لا يدعن منه حقا، ولا يزيدن فيه باطلا" (١٦).

стр. 2157

قوله تعالى: ﴿وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي" ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئا" (١). قال ابن كثير: " أي: لا يكتم منه شيئًا" (٢). قال الواحدي: " أمرَ منْ عليه الحق أن يقر بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص شيئا" (٣). قال القاسمي: " أي لا ينقص شَيْئاً مما عليه من الدين" (٤). قال الربيع: " لا يظلم منه شيئًا" (٥). وروي نحوه عن الحسن (٦)، وقتادة (٧). وقال ابن زيد: " لا ينقص من حقّ هذا الرجل شيئًا إذا أملى" (٨)، وروي نحوه عن سعيد بن جبير (٩)، ومقاتل (١٠) والضحاك (١١). قال ابن عطية: " والبخس: النقص بنوع من المخادعة والمدافعة" (١٢). قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً﴾ [البقرة: ٢٨٢]، " أي إِن كان المدين ناقص العقل مبذراً" (١٣). روي "عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿فإن كان الذي عليه الحق﴾، يعني: المطلوب" (١٤). وقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فيه أربعة تأويلات (١٥): أحدها: أنه الجاهل بالصواب فيما عليه أن يملّه على الكاتب، وهو قول مجاهد (١٦)، وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير نحو ذلك (١٧). والثاني: أنه الطفل الصغير. قاله السدي (١٨)، والضحاك (١٩). والثالث: أنه المبذر لماله (٢٠)، المُفْسِد في دينه، وهو معنى قول الشافعي. والرابع: الذي يجهل قدر المال، ولا يمتنع من تبذيره ولا يرغب في تثميره. قال الطبري: " السفيه في هذا الموضع: الجاهل بالإملاء وموضع صواب ذلك من خطئه "، لما قد بينا قبل من أن معنى " السفه " في كلام العرب: الجهلُ، وقد يدخل في قوله: " فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا "، كل جاهل بصواب ما يُملّ من خطئه، من صغير وكبير، وذكر وأنثى. غير أن الذي هو أولى

стр. 2158

بظاهر الآية أن يكون مرادًا بها: كلُّ جاهل بموضع خطأ ما يملّ وصوابه: من بالغي الرجال الذين لا يُولىَّ عليهم والنساء" (١). وقال ابن عطية: " والسفيه: المهلهل الرأي في المال الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء منها، مشبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج، والسفه الخفة، ومنه قول الشاعر وهو ذو الرمة (٢): مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت ... أعاليها مرّ الرّياح النّواسم وهذه الصفة في الشريعة لا تخلو من حجر أب أو وصي، وذلك هو وليه" (٣). قوله تعالى: ﴿أَوْ ضَعِيفاً﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يعني: " أو كان صبياً أو شيخاً هرماً" (٤). قال سعيد بن جبير: "يعني: عاجزا أو أخرسا، أو رجلا به حمق" (٥). قال ابن عطية: " والضعيف هو المدخول في عقله الناقص الفطرة" (٦). قال ابن كثير: " أي: صغيرًا أو مجنونًا" (٧). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أَوْ ضَعِيفاً﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وجوها (٨): أحدها: أنه الأحمق، قاله مجاهد (٩)، والسدي (١٠)، والشعبي (١١). والثاني: أنه العاجز عن الإِملاء إما بِعيٍّ أو خُرْسٍ، قاله الطبري (١٢). الثالث: أنه الشيخ الكبير (١٣). الرابع: أنه الضعيف العقل لعته أو جنون (١٤). الخامس: أنه الذي يستحق أن يحجر. قاله الشافعي (١٥). قال ابن عطية: " والغائب عن موضع الإشهاد، إما لمرض أو لغير ذلك من العذر، و ﴿وَلِيُّهُ﴾: وكيله، وأما الأخرس فيسوغ أن يكون من الضعفاء، والأولى أنه ممن لا يستطيع، فهذه أصناف تتميز، ونجد من ينفرد بواحد واحد منها، وقد يجتمع منها اثنان في شخص واحد، وربما اجتمعت كلها في شخص، وهذا الترتيب ينتزع من قول مالك وغيره من العلماء الحذاق، وقال بعض الناس: السفيه الصبي الصغير، وهذا خطأ، وقال قوم الضعيف هو الكبير الأحمق، وهذا قول حسن (١٦).

стр. 2159

قوله تعالى: ﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، " أي: لا يستطيع الإِملاء بنفسه لعيٍّ أو خرسٍ أو عُجْمة" (١). روي" عن سعيد بن جبير، في قول الله: أو لا يستطيع يعني: لا يحسن" (٢). وروي عن الضحاك نحو ذلك (٣). وري عن سعيد بن جبير، في قوله ﴿أن يمل هو﴾، قال: "أن يمل ما عليه" (٤). قال ابن كثير: "إما لعي أو جهل بموضع صواب ذلك من خطئه" (٥). وقد ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثلاثة تأويلات (٦): أحدها: أنه العييّ الأخرس، قاله ابن عباس (٧). والثاني: أنه الممنوع عن الإِملاء إما بحبس أو عيبة، أو جهل بما له وعليه. والثالث: أنه المجنون. قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي: "فليملل قيِّمه أو وكيله بالعدل من غير نقصٍ أو زيادة" (٨). قال الزمخشري: " الذي يلي أمره من وصىّ إن كان سفيها أو صبيا، أو وكيل إن كان غير مستطيع، أو ترجمان يمل عنه وهو يصدقه. وقوله تعالى ﴿أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾، فيه أنه غير مستطيع ولكن بغيره، وهو الذي يترجم عنه" (٩). روي "عن سعيد بن جبير، في قول الله: ﴿فليملل﴾: ولي الحق حقه بالعدل" (١٠). وروي عن الضحاك بن مزاحم، نحو ذلك (١١). وقوله تعالى ﴿بِالْعَدْلِ﴾ ـ معناه "بالحق وقصد الصواب" (١٢). قال السمين: " وقراء هنا شاذا: «وليمل» بالإدغام" (١٣). وذكر أهل التفسير في معنى قوله تعالى ﴿وَلِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أربعة أقوال (١٤): أحدها: ولي اليتيم. قاله الحسن (١٥). والثاني: طالب الحق. قاله مقاتل بن حيان (١٦)، والفراء (١٧). والثالث: يعني: الطالب، ولا يزداد شيئا. قاله سعيد بن جبير (١٨)،

стр. 2160

والرابع: ولي المطللوب (السفيه أو الضعيف)، قاله أبو عبيد (١)، وابن جريج (٢) وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، تأويلان (٣): أحدهما: وليّ مَنْ عليه الحق، وهو قول الضحاك (٤)، وابن زيد (٥)، وسعيد بن المسيب (٦). والثاني: وليّ الحق، وهو صاحبه، قاله ابن عباس (٧)، والربيع (٨)، واختاره الطبري (٩). وضعّف ابن عطية القول الثاني، قائلا: " وهذا عندي شيء لا يصح عن ابن عباس، وكيف تشهد على البينة على شيء وتدخل مالا في ذمة السفيه بإملاء الذي له الدين؟ هذا شيء ليس في الشريعة، والقول ضعيف إلا أن يريد قائله أن الذي لا يستطيع أَنْ يُمِلَّ بمرضه إذا كان عاجزا عن الإملاء فليمل صاحب الحق بالعدل ويسمع الذي عجز، فإذا كمل الإملاء أقر به، وهذا معنى لم تعن الآية إليه، ولا يصح هذا إلا فيمن لا يستطيع أن يمل بمرض" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: "واستشهدوا على حقوقكم شاهدين" (١١). قال الصابوني: " أي اطلبوا مع الكتابة أن يشهد لكم شاهدان من المسلمين زيادة في التوثيقة" (١٢). قال ابن كثير: " أمْرٌ بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة" (١٣). قال الزمخشري: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، أي: " من رجال المؤمنين. والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام عند عامة العلماء" (١٤). روي " عن سعيد بن جبير، في قول الله: ﴿واستشهدوا﴾، يعني: على حقكم" (١٥). وروي عن الربيع بن أنس، نحو ذلك (١٦). وقال مجاهد: " إذا باع بالنقد، أشهد ولم يكتب، وإذا باع بالنسيئة، كتب وأشهد" (١٧). قال ابن عطية: " الاستشهاد: طلب الشهادة وعبر ببناء مبالغة في شَهِيدَيْنِ دلالة على من قد شهد وتكرر ذلك منه كأنها إشارة إلى العدالة" (١٨). وذكروا في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وجوها (١٩):

стр. 2161

أحدها: من أهل دينكم (١). والثاني: من أحراركم، قاله مجاهد (٢). والثالث: من أهل دينكم أحرار. قاله سعيد بن جبير (٣). والرابع: ذوي عدل من رجالكم. قاله الضحاك (٤). وقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يعني: فإن لم تكن البينة برجلين، فبرجل وامرأتين" (٥). قال الصابوني: " أي فإن لم يكن الشاهدان رجلين، فليشهد رجلٌ وامرأتان" (٦). قال الربيع: " ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾، وذلك في الدين" (٧). وروي عن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك: "ولا يجوز شهادة أربع نسوة مكان رجلين، في الحقوق، ولا تجوز شهادتهن إلا معهن رجل. ولا يجوز شهادة رجل وامرأة، لأن الله تعالى قال واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء" (٨). قال ابن عطية: " والمعنى في قول الجمهور، فإن لم يكن المستشهد رجلين، أي إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذر ما، وقال قوم: بل المعنى فإن لم يوجد رجلان، ولا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال، وهذا قول ضعيف، ولفظ الآية لا يعطيه بل الظاهر منه قول الجمهور" (٩). قال ابن كثير: وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة، كما قال مسلم في صحيحه .. " "يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكُن أكثر أهل النار"، فقالت امرأة منهن جَزْلة: وما لنا - يا رسول الله - أكثر أهل النار؟ قال: "تُكْثرْنَ اللعن، وتكفُرْنَ العشير، ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لُب منكن". قالت: يا رسول الله، ما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تَعْدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين" (١٠) " (١١). وقوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، مرتفع بأحد ثلاثة أشياء: أحدها: أن تقدر: فليستشهد رجل وامرأتان. والثاني: فليكن رجل وامرأتان. ويصح أن تكون يَكُونا هذه التامة والناقصة، ولكن التامة أشبه، لأنه يقل الإضمار. والثالث: وإما فرجل وامرأتان يشهدون. وعلى كل وجه فالمقدر هو العامل في قوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما وروى حميد بن عبد الرحمن عن بعض أهل مكة أنهم قرؤوا «وامرأتان» بهمز الألف ساكنة (١٢).

стр. 2162

قوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: " من العدول المرتضَى دينهُم وصلاحهم" (١). قال الزمخشري: " ممن تعرفون عدالتهم" (٢). قال الصابوني: " ممن يُوثق بدينهم وعدالتهم" (٣). وقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فيه وجهان (٤): أحدهما: أنهم الأحرار المسلمون العدول، قاله الربيع (٥) والضحاك (٦)، ومقاتل (٧)، وإبراهيم (٨)، وابن عباس (٩)، وهو قول الجمهور (١٠). والثاني: أنهم عدول المسلمين وإن كانوا عبيدا، وهو قول شريح (١١)، وإسحاق بن راهويه (١٢)، وأحمد بن حنبل (١٣)، وعثمان البتّي (١٤)، وأبي ثور (١٥). قال ابن عطية: "وقوله تعالى: ﴿مِنْ رِجالِكُمْ﴾، نص في رفض الكفار والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم" (١٦). قال ابن بكير وغيره: "قوله ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾، مخاطبة للحكام" (١٧).قال ابن عطية: "وهذا غير نبيل، إنما الخطاب لجميع الناس، لكن المتلبس بهذه القضية إنما هم الحكام، وهذا كثير في كتاب الله يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض، وفي قوله: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ دليل على أن في الشهود من لا يرضى، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا بمحمولين على العدالة حتى تثبت لهم" (١٨). قوله تعالى: ﴿أنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، "أي: تنسى إحدى المرأتين الشهادة فتذكّرها الأخرى، وهذا علةٌ لوجوب الاثنين لنقص الضبط فيهن" (١٩). قال الزمخشري: " أن لا تهتدى إحداهما للشهادة بأن تنساها، من ضل الطريق إذا لم يهتد له" (٢٠). قال سعيد بن جبير في قول الله: " ﴿فتذكر إحداهما الأخرى﴾، يعني: تذكرها التي حفظت شهادتها" (٢١).

стр. 2163

قال الواحدي: " أي تغيب عن حفظها، أو يغيب حفظها عنها، يعني إحدى المرأتين، فتقول لها: هل تذكرين يوم شهدنا في موضع كذا، وبحضرتنا فلان أو فلانة؟ حتى تذكر الشهادة، والتقدير: فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي احتملتاها" (١). قال ابن عطية: " ولما كانت النفوس مستشرفة إلى معرفة أسباب الحوادث، قدم في هذه العبارة ذكر سبب الأمر المقصود أن يخبر به، وفي ذلك سبق النفوس إلى الإعلام بمرادها، وهذا من أنواع أبرع الفصاحة، إذ لو قال رجل لك: أعددت هذه الخشبة أن أدعم بها الحائط، لقال السامع: ولم تدعم حائطا قائما؟ فيجب ذكر السبب فيقال: إذا مال. فجاء في كلامهم تقديم السبب أخصر من هذه المحاورة" (٢). وذكروا في قوله تعالى: ﴿تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وجهين (٣): أحدهما: لئلا تضل، قاله أهل الكوفة. والثاني: كراهة أن تضل، قاله أهل البصرة. وفي المراد به وجهان (٤): أحدهما: أن تخطاء. والثاني: أن تَنْسَى، قاله الحسن (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، ومقاتل (٧)، وأبو عبيد (٨)، روي عن الربيع بن أنس والسدي والضحاك نحو ذلك (٩). قال ابن عطية: " والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء. ويبقى المرء بين ذلك حيران ضالا، ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال: ضل فيها" (١٠). وقوله تعالى: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فيه تأويلان (١١): أحدهما: أنها تجعلها كَذَكَرٍ من الرجال، قاله سفيان بن عيينة (١٢). والثاني: أنها تذكرها إن نسيت، قاله قتادة، والسدي (١٣)، والضحاك (١٤)، والربيع (١٥)، وابن زيد (١٦). قال ابن كثير: "ومن قال إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذكر فقد أبعد، والصحيح الأول" (١٧). وقال الزمخشري: " ومن بدع التفاسير: فتذكر، فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا، يعنى أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر إِذا ما دُعُوا ليقيموا الشهادة" (١٨).

стр. 2164

واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وفيه وجهان (١): أحدهما: قرأ حمزة وحده: ﴿إِنْ تَضِلُّ﴾، بكسر الألف، ﴿فَتُذَكِّرُ﴾، بالتشديد والرفع وكسر ﴿إن﴾. والثاني: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ﴾ نصبا، قرأها الباقون، غير أنّ ابن كثير وأبا عمرو خفّفا الكاف وشدّدها الباقون. قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، " أي ولا يمتنع الشهداء عن أداء الشهادة أو تحملها إِذا طلب منهم ذلك" (٢). قال ابن عطية: " نهى الله تعالى الكتاب عن الإباية .. وحكى المهدوي عن الربيع والضحاك أن قوله ﴿وَلا يَأْبَ﴾، منسوخ بقوله ﴿لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾، [البقرة: ٢٨٢] " (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فيه ثلاثة تأويلات (٤): أحدها: لتحَمُّلها وإثباتها في الكتاب، قاله عطاء (٥)، وعطية العوفي (٦)، وعامر (٧)، والشعبي (٨)، والحسن (٩)، وروي عن عن مجاهد، في إحدى الروايات وسعيد بن جبير وربيعة وزيد بن أسلم، نحو ذلك (١٠). والثاني: لإِقامتها وأدائها عند الحاكم، قاله مجاهد (١١)، وأبو مجلز (١٢)، وعكرمة (١٣)، وعطاء (١٤)، وإبراهيم (١٥)، وسعيد بن جبير (١٦)، والسدي (١٧)، وقتادة (١٨)، وابن زيد (١٩)، ورجحه الطبري (٢٠). والثالث: أنها للتحمل والأداء جميعاً، قاله الحسن (٢١)، وابن عباس (٢٢). قال ابن عطية: " والآية كما قال الحسن: جمعت أمرين على جهة الندب، فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود وإلا من تعطل الحق فالمدعو مندوب، وله أن يتخلف لأدنى عذر وإن تخلف لغير عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له، وإذا كانت الضرورة وخيف تعطل الحق أدنى خوف

стр. 2165

قوي الندب وقرب من الوجوب، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها، لا سيما إن كانت محصلة، وكان الدعاء إلى أدائها، فإن هذا الظرف آكد لأنها قلادة في العنق وأمانة تقتضي الأداء" (١). وقال ابن كثير: " وقيل - وهو مذهب الجمهور -: المراد بقوله: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ للأداء، لحقيقة قوله: ﴿الشُّهَدَاء﴾ والشاهد حقيقة فيمن تحمَّل، فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية، والله أعلم" (٢). نفهم من الكلام بأن الشهادة "فرضُ ذلك على مَن دعي للإشهاد على الحقوق إذا لم يوجد غيره، فأما إذا وُجد غيره فهو في الإجابة إلى ذلك مخيَّر، إن شاء أجاب، وإن شاء لم يجب" (٣). وهذا قول الشعبي (٤)، وروي عن الربيع (٥) , وابن عباس (٦)، وقتادة (٧) نحو ذلك. كما وتكون الشهادة واجبة: إذا تعينت عليه؛ بأن يعلم أنه إذا لم يؤدها ضاع الحق، قال في تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام: "ولا يحل لأحد الشاهدين أن يمتنع من الأداء، ويحيل المشهود له على يمينه مع الشاهد الآخر؛ لأن في الحلف كلفة، وكثير من الناس من يكره اليمين ولو تحقق صدق حلفه، فإن فعل الشاهد ذلك فهو آثم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ الآية"، (٨) وهل تتعين إذا دعي إليها وقد تحملها غيره؟ قولان: الأول: يؤثم؛ لأنه تعين بدعوته، وهو منهي عن الامتناع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والثاني: لا يأثم؛ لأن غيره يقوم مقامه، والأول أصح (٩). وقوله تعالى: ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، " أي لا تملّوا أن تكتبوا الدين صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً إِلى وقت حلول ميعاده" (١٠). روي " عن مقاتل، في قول الله: ﴿ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله﴾، جمعت الصغير والكبير في الدين، سواء أمر أن يشهد عليه، وأن يكتب" (١١). وروي " عن سعيد بن جبير، في قول الله: ﴿إن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله﴾، يعني: أن تكتبوا قليل الحق وكثيره إلى أجله لأن الكتاب أحصى للأجل والمال" (١٢). قال الواحدي: " لا يمنعكم الضجر والملالة أن تكتبوا ما شهدتم عليه من الحق، صغر أو كبر، قل أو كثر" (١٣).

стр. 2166

قال ابن كثير: " هذا من تمام الإرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيرًا كان أو كبيرًا، فقال: ﴿وَلا تَسْأَمُوا﴾ أي: لا تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة" (١). قال ابن عطية: " وقدم الصغير اهتماما به، وهذا النبي الذي جاء عن السآمة إنما جاء لتردد المداينة عندهم، فخيف عليهم أن يملوا الكتب" (٢). وقوله تعالى ﴿ولا تسأموا﴾، يعني: "لا تملوا" (٣)، يقال منه: سئمتُ فأنا أسأم سَآمة وسَأمةً، ومنه قول لبيد (٤): وَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الحَيَاةِ وَطُولِهَا ... وَسُؤَالِ هذَا النَّاسِ: كَيْفَ لَبيدُ؟ ومنه قول زهير (٥): سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الحَيَاةِ، وَمَنْ يَعِشْ ... ثَمَانِينَ عَامًا، لا أَبَالَكَ، يَسْأَمِ قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: " ما أمرناكم به من كتابة الدين أعدل في حكمه تعالى" (٦). قال ابن كثير: " أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلا هو أعدل" (٧) عند الله. وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وجهين: أحدهما: ذلكم أعدل عند الله. قاله السدي (٨). وري عن سعيد بن جبير وسفيان نحو ذلك (٩). الثاني: ذلكم طاعة الله. قاله الضحاك (١٠). روي عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: " ﴿ذلكم﴾ يعني: الكتاب" (١١). قوله تعالى: ﴿وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: " وأثبت للشهادة لئلا تنسى" (١٢). قال الواحدي: " أي: أبلغ في الاستقامة، لأن الكتاب يذكر الشهود، فتكون شهادتهم أقوم من لو شهدوا على ظن ومخيلة" (١٣). قال ابن كثير: " أي: أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا" (١٤). قال الزمخشري: "أي" وأعون على إقامة الشهادة" (١٥) وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وجهين: أحدهما: " وأصوب للشهادة". قال سعيد بن جبير (١٦)، وقاله الطبري (١٧)، أي: "أصحُّ لها، مأخوذ من الاستقامة" (١٨).

стр. 2167

والثاني: "أثبت للشهادة". قاله سفيان (١). أي: "أحفظ لها، مأخوذ من القيام، بمعنى الحفظ" (٢). قوله تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلاَّ ترتابوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: " وأقرب أن لا تشكّوا في قدر الدَّيْن والأجل" (٣). قال الواحدي: " أي: أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق والأجل" (٤). قال ابن كثير: أي: " وأقرب إلى عدم الريبة، بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه، فيفصل بينكم بلا ريبة" (٥). وقوله تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يحتمل ثلاثة وجوه: أحدها: " أن لا تشكوا في الشهادة". قاله السدي (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وسفيان (٨). أي: "ألاّ ترتابوا بالشاهد أن يضل" (٩). والثاني: وقيل: أي: ألا ترتابوا بِمَنْ عليه حق أن ينكره " (١٠). والثالث: وقال الضحاك: ﴿أدنى ألا ترتابوا﴾، يقول: "أجدر ألا تنسوا" (١١). قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، "أي: إِلا إِذا كان البيع حاضراً يداً بيد والثمن مقبوضاً" (١٢). قال الواحدي: " أي: إلا أن تقع تجارة حاضرة، فلا جناح في ترك الإشهاد والكتابة فيه، لأن ما يخاف في النساء والتأجيل يؤمن في البيع يدا بيد" (١٣). قال ابن كثير: " أي: إذا كان البيع بالحاضر يدا بيد، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها" (١٤). قال ابن عطية: "لما علم الله تعالى مشقة الكتاب عليهم نص على ترك ذلك ورفع الجناح فيه في كل مبايعة بنقد، وذلك في الأغلب إنما هو في قليل كالمطعوم ونحوه لا في كثير كالأملاك ونحوها، وقوله تعالى: ﴿تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ﴾، يقتضي التقابض والبينونة بالمقبوض، ولما كانت الرباع والأرض وكثير من الحيوان لا تقوى البينونة به ولا يعاب عليه حسن الكتب فيها ولحقت في ذلك بمبايعة الدين " (١٥). وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وجهين:

стр. 2168

أحدهما: أن تكون التجارة يدا بيد. قاله الضحاك (١)، وسعيد بن جبير (٢). والثاني: أن تكون التجارة معكم بالبلد. قاله السدي (٣). وقوله تعالى: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يحتمل وجهين: أحدهما: ليس فيها أجل. قاله سعيد بن جبير (٤). وروي عن مقاتل بن حيان، نحو ذلك .. والثاني: أنها ما يحوزه المشتري من العروض المنقولة (٥). وقوله تعالى: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يحتمل وجهين (٦): أحدهما: تتناقلونها من يد إلى يد. والثاني: تكثرون تبايعها في كل وقت. واختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿تِجارَةً حاضِرَةً﴾ [البقرة: ٢٨٢]، على وجهين (٧): أحدهما: ﴿تِجارَةً﴾ بالنصب، وهي قراءة عاصم وحده. والثاني: ﴿تِجارَةٌ﴾، بالرفع، وهي قراءة الباقون. قال أبو بكر: "وأشكّ في ابن عامر" (٨). والقراءة الثانية شاذة، ولا يعترض بالشاذ على الحجة، ومما جاء نصبا قول الشاعر (٩): أَعَيْنيَ هَلا تَبْكِيَانِ عِفَاقَا ... إذَا كانَ طَعْنًا بَيْنَهُمْ وعِنَاقَا وقول الآخر (١٠): وَلِلهِ قَومِي: أَيُّ قَوْمٍ لِحُرَّةٍ ... إذَا كَانَ يَوْمًا ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا! ! وإنما تفعل العرب ذلك في النكرات، من إتباع أخبار النكرات أسماءَها (١١). قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، "أي: فلا بأس بعدم كتابتها لانتفاء المحذور" (١٢). قال سعيد بن جبير: "ليس عليكم جناح يعني: حرج" (١٣)، "ألا تكتبوها يعني: التجارة الحاضرة" (١٤). قوله تعالى: ﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، " أي أشهدوا على حقكم مطلقاً سواءً كان البيع ناجزاً أو بالدين لأنه أبعد عن النزاع والاختلاف" (١٥).

стр. 2169

قال ابن كثير: " يعني: أشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل أو لم يكن، فأشهدوا على حقكم على كل حال" (١). قال القاسمي: " أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا ناجزا أو كالئا لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الإختلاف. ويجوز أن يراد: وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع. يعني التجارة الحاضرة. على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة" (٢). قال سعيد بن جبير: " يعني: أشهدوا على حقكم، إذا كان فيه أجل، أو لم يكن، فأشهدوا على حقكم على كل حال" (٣). وروي عن جابر بن زيد ومجاهد وعطاء والضحاك، نحو ذلك" (٤). قال الطبري: " وأشهدوا على صغير ما تبايعتم وكبيره من حقوقكم، عاجل ذلك وآجله، ونقده ونَسَائه" (٥). وقوله تعالى: ﴿وَأَشَهِدُوآ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، اختلفوا فيه على قولين (٦): أحدهما: أنه فرض، وهو قول الضحاك (٧)، وابن عمرو (٨)، وعطاء (٩)، وداود بن علي (١٠). ورجح ذلك الطبري (١١). والثاني: أنه ندب، وهو قول الحسن (١٢)، والشعبي (١٣)، ومالك (١٤)، والشافعي (١٥)، والواحدي (١٦). قال ابن عطية: " والوجوب في ذلك قلق أما في الدقائق فصعب شاق وأما ما كثر فربما يقصد التاجر الاستيلاف بترك الإشهاد، وقد يكون عادة في بعض البلاد، وقد يستحيي من العالم والرجل الكبير الموقر فلا يشهد عليه، فيدخل ذلك كله في الائتمان، ويبقى الأمر بالإشهاد ندبا لما فيه من المصلحة في الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا" (١٧). قوله تعالى: ﴿وَلا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ، أي "لا يضرب صاحبُ الحق الكُتَّاب والشهود" (١٨). قال الواحدي: " نهى الله الكاتب والشهيد عن المضارة، وهو أن يزيد الكاتب، أو ينقص منه، أو يحرف، وأن يشهد الشاهد بما لا يستشهد عليه، أو يمتنع عن إقامة الشهادة" (١٩).

стр. 2170

وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أربعة تأويلات (١): أحدها: أن المضارة هو أن يكتب الكاتب ما لم يُمْل عليه، ويشهد الشاهد بما لم يُستشهد، قاله طاووس (٢)، والحسن (٣)، وقتادة (٤)، وابن زيد (٥)، وروي عن زيد بن أسلم (٦)، نحو ذلك. والثاني: أن المضارّة أن يمنع الكاتب أن يكتب، ويمنع الشاهد أن يشهد، قاله ابن عباس (٧)، ومجاهد (٨)، وعطاء (٩). والثالث: أن المضارّة أن يدعى الكاتب والشاهد وهما مشغولان معذوران، قاله عكرمة (١٠)، والضحاك (١١)، ومجاهد (١٢)، وابن عباس (١٣)، والسدي (١٤)، والربيع (١٥)، وطاوس (١٦)، وروي عن سعيد بن جبير وعطية ومقاتل نجو ذلك (١٧). قال ابن عطية: ولفظ المضارة إذ هو من اثنين يقتضي هذه المعاني كلها" (١٨). رابعاً: وقال عطاء: وكان السلطان القاضي لا يترك رجلا يشتم رجلا ولا يشتم شهيدا، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ " (١٩). قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: " ولا يضار كاتب ولا شهيد "، بمعنى: ولا يضارهما من استكتَبَ هذا أو استشهدَ هذا، بأن يأبى على هذا إلا أن يكتبَ له وهو مشغول بأمر نفسه، ويأبى على هذا إلا أن يجيبه إلى الشهادة وهو غير فارغ على ما قاله قائلو ذلك من القول الذي ذكرنا قبل" (٢٠). قال الزمخشري: " وقرأ الحسن: ولا يضار، بالكسر" (٢١). قوله تعالى: ﴿وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، " أي إِن فعلتم ما نهيتم عنه فقد فسقتم بخروجكم عن طاعة الله" (٢٢). قال الطبري: " وإن تضارّوا الكاتب أو الشاهدَ، وما نُهيتم عنه من ذلك فإنه إثم بكم ومعصيةٌ" (٢٣).

стр. 2171

قال الواحدي: "أخبر الله تعالى أن مضارة الكاتب والشاهد فسق، أي: خروج عما أمر الله تعالى به" (١). قال ابن كثير: ": إن خالفتم ما أمرتم به، وفعلتم ما نَهِيتم عنه، فإنه فسق كائن بكم، أي: لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه" (٢). وأختلف أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، على وجهين: أحدهما: "أن تضاروا الكاتب أو الشاهد، أو ما نهيتم عنه فإنه فسوق بكم" (٣)، قاله سعيد بن جبير، وروي عن ابن عباس (٤)، نحو هذا. والثاني: "وإن لم تفعلوا الذي أمركم الله في آية الدين، فإنه إثم ومعصية" (٥). قاله مقاتل بن حيان: ﴿وإن تفعلوا﴾، وروي عن الضحاك (٦)، مثل ذلك. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثلاثة أقوال (٧): أحدها: أن الفسوق المعصية، قاله ابن عباس (٨)، والربيع (٩)، والضحاك (١٠)، ومقاتل (١١)، وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء بن دينار نحو ذلك (١٢). والثاني: أنه الكذب، " ومعنى ذلك: وإن يضارّ كاتبٌ فيكتبَ غير الذي أملَى المملي، ويضارّ شهيدٌ فيحوِّلَ شهادته ويغيرَها، ﴿فإنه فسوق بكم﴾ " (١٣)، قاله ابن زيد. والثالث: أن الفسوق المأثم. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾ [البقرة: ٢٨٢]، "أي "خافوا الله وراقبوه يمنحكم العلم النافع الذي به سعادة الدارين" (١٤). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، " أي اتخذوا وقاية من عذاب الله؛ وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه" (١٥). قال ابن كثير: " أي: خافوه وراقبوه، واتبعوا أمره واتركوا زجره" (١٦). قال الطبري: " وخافوا الله، أيها المتداينون في الكتاب والشهود، أن تضاروهم، وفي غير ذلك من حدود الله أن تُضِيعوه، ويبين [الله] لكم الواجب لكم وعليكم، فاعملوا به" (١٧).

стр. 2172

قال القرطبي: " وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علمه، أي يجعل في قلبه نورا يفهم به ما يلقى إليه، وقد يجعل الله في قلبه ابتداء فرقانا، أي فيصلا يفصل به بين الحق والباطل، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال: ٢٩] ". قال سعيد بن جبير: " ثم خوفهم فقال: ﴿واتقوا الله﴾، ولا تعصوه فيهما" (١). أخرج الطبري عن الضحاك قوله: " ﴿ويعلمكم الله﴾، قال: هذا تعليم علَّمكموه فخذُوا به" (٢). قوله تعالى: ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، "أي عالم بالمصالح والعواقب فلا يخفى عليه شيء من الأشياء" (٣). روي عن: "سعيد بن جبير في قول الله: ﴿والله بكل شيء عليم﴾، يعني: من أعمالكم" (٤). قال ابن كثير: " أي: هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل علمه محيط بجميع الكائنات" (٥). قال الراغب: " فإنما قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ حمل في معان مفترقة: فإن الأول: حث على تقوى الله. والثاني: تذكير بنعمه. والثالث: تعظيم له متضمن لوعد ووعيد شديد وفصد عظيم كل واحد من هذه الأحكام، فأعيد لفظ (الله) فيها" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: العناية بما ذُكر من الأحكام؛ وذلك لتصدير الحكم بالنداء، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين؛ لأنه هذا يدل على العناية بهذه الأحكام، وأنها جديرة بالاهتمام بها. ٢ - ومنها: أن التزام هذه الأحكام من مقتضى الإيمان؛ لأنه لا يوجه الخطاب بوصف إلا لمن كان هذا الوصف سبباً لقبوله ذلك الحكمَ. ٣ - ومنها: أن مخالفة هذه الأحكام نقص في الإيمان كأنه قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ لإيمانكم افعلوا كذا؛ فإن لم تفعلوا فإيمانكم ناقص؛ لأن كل من يدَّعي الإيمان، ثم يخالف ما يقتضيه هذا الإيمان فإن دعواه ناقصة إما نقصاً كلياً، أو نقصاً جزئياً. ٤ - ومنها: بيان أن الدين الإسلامي كما يعتني بالعبادات- التي هي معاملة الخالق - فإنه يعتني بالمعاملات الدائرة بين المخلوقين. ٥ - ومنها: دحر أولئك الذين يقولون: إن الإسلام ما هو إلا أعمال خاصة بعبادة الله ، وبالأحوال الشخصية، كالمواريث، وما أشبهها؛ وأما المعاملات فيجب أن تكون خاضعة للعصر، والحال؛ وعلى هذا فينسلخون من أحكام الإسلام فيما يتعلق بالبيوع، والإجارات وغيرها، إلى الأحكام الوضعية المبنية على الظلم، والجهل. فإن قال قائل: لهم في ذلك شبهة؛ وهو أن الرسول ﷺ حين قدم المدينة، ورآهم يلقحون الثمار قال: «لو لم تفعلوا لصلح» فخرج شيصاً - أي فاسداً -؛ فمر بهم فقال: «ما لنخلكم؛ قالوا: قلت كذا، وكذا؛ قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم» (٧)؛ قالوا: «والمعاملات من أمور الدنيا، وليست من أمور الآخرة».

стр. 2173

فالجواب: أنه لا دليل في هذا الحديث لما ذهبوا إليه؛ لأن الحادثة المذكورة من أمور الصنائع التي من يمارسها فهو أدرى بها، وتدرك بالتجارِب؛ وإلا لكان علينا أن نقول: لا بد أن يعلمنا الإسلام كيف نصنع السيارات والمسجلات، والطوب، وكل شيء! ! ! أما الأحكام - الحلال، والحرام - فهذا مرجعه إلى الشرع؛ وقد وفى بكل ما يحتاج الإنسان إليه. ٦ - ومن فوائد الآية: جواز الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿تداينتم بدين﴾ سواء كان هذا الدَّين ثمن مبيع، أو قرضاً، أو أجرة، أو صداقاً، أو عوض خلع، أو أي دين يكون؛ المهم أن في الآية إثبات الدَّين شرعاً. ٧ - ومنها: أن الدَّين ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مؤجل بأجل مسمى؛ ومؤجل بأجل مجهول؛ وغير مؤجل؛ لقوله تعالى: ﴿بدين إلى أجل مسمى﴾؛ والدَّين إلى غير أجل جائز مثل أن أشتري منك هذه السلعة، ولا أعطيك ثمنها، ولا أعينه لك؛ فهذا دَين غير مؤجل؛ وفي هذه الحال لك أن تطالبني بمجرد ما ينتهي العقد؛ وأما الدَّين إلى أجل غير مسمى فلا يصح؛ وأُخذ هذا القسم من قوله تعالى: ﴿مسمى﴾ - مثل أن أقول لك: «اشتريت منك هذه السلعة إلى قدوم زيد» - وقدومه مجهول؛ لأن فيه غرراً؛ وقد قال النبي ﷺ : «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (١)؛ والدين إلى أجل غير مسمى لا يكتب؛ لأنه عقد فاسد، والدَّين إلى أجل مسمى جائز بنص الآية. ٨ - ومن فوائد الآية: جواز السلم - وهو تعجيل الثمن، وتأخير المثمن، مثل أن أشتري مائة صاع من البر إلى سنة، وأعطيك الدراهم؛ فيسمى هذا سلماً؛ لأن المشتري أسلم الثمن، وقدمه. ٩ - ومنها: وجوب كتابة الدَّين المؤجل؛ لقوله تعالى: ﴿فاكتبوه﴾؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى في آخر الآية: ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾؛ وذهب الجمهور إلى عدم وجوب الكتابة - أعني كتابة الدين المؤجل؛ لقوله تعالى في الآية التي تليها: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ وينبغي على هذا القول أن يستثنى من ذلك ما إذا كان الدائن متصرفاً لغيره، كوليّ اليتيم فإنه يجب عليه أن يكتب الدَّين الذي له لئلا يضيع حقه. ١٠ - ومنها: حضور كل من الدائن، والمدين عند كتابة الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿بينكم﴾؛ ولا تتحقق البينية إلا بحضورهما. ١١ - ومنها: أنه لابد أن يكون الكاتب محسناً للكتابة في أسلوبه، وحروفه؛ لقوله تعالى: ﴿وليكتب بينكم كاتب﴾. ١٢ - ومنها: أنه يجب على الكاتب أن يكتب بالعدل بحيث لا يجحف مع الدائن، ولا مع المدين؛ و «العدل» هو ما طابق الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿وتمت كلمت ربك صدقاً وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]. ويتفرع على ذلك أن يكون الكاتب ذا علم بالحكم الشرعي فيما يكتب. ١٣ - ومنها: أنه لا يشترط تعيين كاتب للناس بشخصه، وأن أيّ كاتب يتصف بإحسان الكتابة والعدل، فكتابته ماضية نافذة؛ لقوله تعالى: ﴿كاتب بالعدل﴾؛ وهي نكرة لا تفيد التعيين. ١٤ - ومنها: تحريم امتناع الكاتب أن يكتب كما علمه الله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾؛ ولهذا أكد هذا النهي بالأمر بالكتابة في قوله تعالى ﴿فليكتب﴾ - هذا ظاهر الآية - ويحتمل أن يقال: إنْ توقف ثبوت الحق على الكتابة كانت الكتابة واجبة على من طلبت منه؛ وإلا لم تجب، كما قلنا بوجوب تحمل الشهادة إذا توقف ثبوت الحق عليها.

стр. 2174

١٥ - ومنها: أنه يجب على الكاتب أن يكتب على حسب علمه من الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾. ١٦ - ومنها: تذكير هؤلاء الكتبة بنعمة الله، وأن مِن شُكر نعمة الله عليهم أن يكتبوا؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمه الله﴾؛ وهذا مبني على أن الكاف هنا للتعليل. فإن قيل: «إنها للتشبيه» صار المعنى: أنه مأمور أن يكتب على الوجه الذي علمه الله من إحسان الخط، وتحرير الكتابة. ١٧ - ومنها: أن الإنسان لا يستقل بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمه الله﴾؛ حتى في الأمور الحسية التي تدرك عن طريق النظر، أو السمع، أو الشم، لا يستطيع الإنسان أن يعلمها إلا بتعليم الله . ١٨ - ومنها: مبادرة الكاتب إلى الكتابة بدون مماطلة؛ لقوله تعالى: ﴿فليكتب﴾. ١٩ - ومنها: أن الرجوع في مقدار الدَّين، أو نوعه، أو كيفيته؛ بل في كل ما يتعلق به إلى المدين الذي عليه الحق - لا إلى الدائن؛ لقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾؛ لأنه لو أملل الذي له الحق فربما يزيد. لكن إذا قال قائل: وإذا أملى الذي عليه الحق فربما ينقص؟ ! فالجواب: أن الله حذره من ذلك في قوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً﴾. ٢٠ - ومنها: أن من عليه الحق لا يكتب؛ وإنما يكتب كاتب بين الطرفين؛ لأن الذي عليه الحق وظيفته الإملال؛ ولكن لو كتب صحت كتابته؛ إلا أن ذلك لا يؤخذ من هذه الآية؛ يؤخذ من أدلة أخرى، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥]؛ وكتابة الإنسان على نفسه إقرار؛ وإقرار الإنسان على نفسه مقبول. ٢١ - ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله على من عليه الحق، وأن يتحرى العدل؛ لقوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه﴾. ٢٢ - ومنها: أنه ينبغي في مقام التحذير أن يُذْكَر كلُّ ما يكون به التحذير؛ لقوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً﴾؛ ففي مقام الألوهية يتخذ التقوى عبادة؛ لأن الألوهية هي توحيد العبادة؛ وفي مقام الخوف من الانتقام يكون مشهده الربوبية؛ لأن الرب خالق مالك مدبر. ٢٣ - ومنها: أنه يحرم على من عليه الدَّين أن يبخس منه شيئاً لا كمية، ولا نوعاً، ولا صفة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يبخس منه شيئاً﴾. ٢٤ - ومنها: أن الوليّ يقوم مقام المولَّى عليه في الإملال؛ لقوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾. ٢٥ - ومنها: أن أسباب القصور ثلاثة: السفه؛ والضعف؛ وعدم الاستطاعة؛ السفه: ألا يحسن التصرف؛ والضعيف يشمل الصغير، والمجنون؛ ومن لا يستطيع يشمل من لا يقدر على الإملال لخرس، أو عييّ، أو نحو ذلك. ٢٦ - ومنها: قبول قول الوليّ فيما يقر به على مولّاه؛ لقوله تعالى: ﴿فليملل وليه﴾. ٢٧ - ومنها: وجوب مراعاة العدل على الوليّ؛ لقوله تعالى: ﴿بالعدل﴾؛ فلا يبخس من له الحق؛ ولا يبخس من عليه الحق ممن هو مولى عليه. ٢٨ - ومنها: طلب الإشهاد على الحق. ٢٩ - ومنها: أن البينة إما رجلان؛ وإما رجل، وامرأتان؛ وجاءت السنة بزيادة بينة ثالثة - وهي الرجل، ويمين المدّعي؛ وأنواع طرق الإثبات مبسوطة في كتب الفقهاء. ٣٠ - ومنها: أنه لابد في الشاهدين من كونهما مرضيين عند المشهود له، والمشهود عليه.

стр. 2175

٣١ - ومنها: قصر حفظ المرأة وإدراكها عن حفظ الرجل، وهذا باعتبار الجنس؛ فلا يرد على ذلك من نبوغ بعض النساء، وغفلة بعض الرجال. ٣٢ - ومنها: جواز شهادة الإنسان فيما نسيه إذا ذُكِّر به، فذكر؛ لقوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾؛ فإن ذُكِّر ولم يذكر لم يشهد. ٣٣ - ومنها: تحريم امتناع الشاهد إذا دُعي للشهادة؛ وهذا تحته أمران: الأمر الأول: أن يُدعى لتحمل الشهادة؛ وقد قال العلماء في هذا: إنه فرض كفاية؛ وظاهر الآية الكريمة أنه فرض عين على من طلبت منه الشهادة بعينه؛ وهو الحق؛ لأنه قد لا يتسنى لطالب الشهادة أن يشهد له من تُرضى شهادته. الأمر الثاني: أن يُدعى لأداء الشهادة؛ فيجب عليه الاستجابة؛ لهذه الآية، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ٣٤ - ومن فوائد الآية: النهي عن السأَم في كتابة الدَّين سواء كان صغيراً، أو كبيراً؛ والظاهر أن النهي هنا للكراهة. ٣٥ - ومنها: أنه إذا كان الدَّين مؤجلاً فإنه يبيَّن الأجل؛ لقوله تعالى: ﴿إلى أجله﴾. ٣٦ - ومنها: أن ما ذُكر من التوجيهات الإلهية في هذه الآية فيه ثلاثة فوائد: الأولى: أنه أقسط عند الله - أي أعدل عنده لما فيه من حفظ الحق لمن هو له، أو عليه. الثانية: أنه أقوم للشهادة؛ لأنه إذا كتب لم يحصل النسيان. الثالثة: أنه أقرب لعدم الارتياب. ٣٧ - ومن فوائد الآية: العمل بالكتابة، واعتمادها حجةً شرعية إذا كانت من ثقة معروف خطه؛ ويؤيد هذا قوله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (١). ٣٨ - ومنها: أن الشهادات تتفاوت؛ فمنها الأقوم؛ ومنها القيم؛ ومنها ما ليس بقيم؛ فالذي ليس بقيم هو الذي لم تتم فيه شروط القبول؛ والقيم هو الذي صار فيه أدنى الواجب؛ والأقوم ما كان أكمل من ذلك؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وأقوم للشهادة﴾. فإذا قيل: ما مثال القيم؟ فنقول: مثل شاهد، ويمين؛ لكن أقوم منه الشاهدان؛ لأن الشاهدين أقرب إلى الصواب من الشاهد الواحد؛ ولأن الشاهدين لا يحتاج معهما إلى يمين المدعي؛ فكانت شهادة الشاهدين أقوم للشهادة. ٣٩ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يتجنب كل ما يكون له فيه ارتياب، وشك؛ لقوله تعالى: ﴿وأدنى ألا ترتابوا﴾. ويتفرع على هذه الفائدة: أن دين الإسلام يريد من معتنقيه أن يكونوا دائماً على اطمئنان، وسكون. ويتفرع أيضاً منها: أن دين الإسلام يحارب ما يكون فيه القلق الفكري، أو النفسي؛ لأن الارتياب يوجب قلق الإنسان، واضطرابه. ويتفرع عليه أيضاً: أنه ينبغي للإنسان إذا وقع في محلّ قد يستراب منه أن ينفي عن نفسه ذلك؛ وربما يؤيد هذا الأثرُ المشهور: «رحم الله امرئ كفّ الغيبة عن نفسه» (٢)؛ لا تقل: إن الناس يحسنون الظن بي، ولن
следующие страницы →