← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

قال الواحدي: "أخبر الله تعالى أن مضارة الكاتب والشاهد فسق، أي: خروج عما أمر الله تعالى به" (١). قال ابن كثير: ": إن خالفتم ما أمرتم به، وفعلتم ما نَهِيتم عنه، فإنه فسق كائن بكم، أي: لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه" (٢). وأختلف أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، على وجهين: أحدهما: "أن تضاروا الكاتب أو الشاهد، أو ما نهيتم عنه فإنه فسوق بكم" (٣)، قاله سعيد بن جبير، وروي عن ابن عباس (٤)، نحو هذا. والثاني: "وإن لم تفعلوا الذي أمركم الله في آية الدين، فإنه إثم ومعصية" (٥). قاله مقاتل بن حيان: ﴿وإن تفعلوا﴾، وروي عن الضحاك (٦)، مثل ذلك. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثلاثة أقوال (٧): أحدها: أن الفسوق المعصية، قاله ابن عباس (٨)، والربيع (٩)، والضحاك (١٠)، ومقاتل (١١)، وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء بن دينار نحو ذلك (١٢). والثاني: أنه الكذب، " ومعنى ذلك: وإن يضارّ كاتبٌ فيكتبَ غير الذي أملَى المملي، ويضارّ شهيدٌ فيحوِّلَ شهادته ويغيرَها، ﴿فإنه فسوق بكم﴾ " (١٣)، قاله ابن زيد. والثالث: أن الفسوق المأثم. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾ [البقرة: ٢٨٢]، "أي "خافوا الله وراقبوه يمنحكم العلم النافع الذي به سعادة الدارين" (١٤). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، " أي اتخذوا وقاية من عذاب الله؛ وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه" (١٥). قال ابن كثير: " أي: خافوه وراقبوه، واتبعوا أمره واتركوا زجره" (١٦). قال الطبري: " وخافوا الله، أيها المتداينون في الكتاب والشهود، أن تضاروهم، وفي غير ذلك من حدود الله أن تُضِيعوه، ويبين [الله] لكم الواجب لكم وعليكم، فاعملوا به" (١٧).

стр. 2172

قال القرطبي: " وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علمه، أي يجعل في قلبه نورا يفهم به ما يلقى إليه، وقد يجعل الله في قلبه ابتداء فرقانا، أي فيصلا يفصل به بين الحق والباطل، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال: ٢٩] ". قال سعيد بن جبير: " ثم خوفهم فقال: ﴿واتقوا الله﴾، ولا تعصوه فيهما" (١). أخرج الطبري عن الضحاك قوله: " ﴿ويعلمكم الله﴾، قال: هذا تعليم علَّمكموه فخذُوا به" (٢). قوله تعالى: ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، "أي عالم بالمصالح والعواقب فلا يخفى عليه شيء من الأشياء" (٣). روي عن: "سعيد بن جبير في قول الله: ﴿والله بكل شيء عليم﴾، يعني: من أعمالكم" (٤). قال ابن كثير: " أي: هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل علمه محيط بجميع الكائنات" (٥). قال الراغب: " فإنما قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ حمل في معان مفترقة: فإن الأول: حث على تقوى الله. والثاني: تذكير بنعمه. والثالث: تعظيم له متضمن لوعد ووعيد شديد وفصد عظيم كل واحد من هذه الأحكام، فأعيد لفظ (الله) فيها" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: العناية بما ذُكر من الأحكام؛ وذلك لتصدير الحكم بالنداء، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين؛ لأنه هذا يدل على العناية بهذه الأحكام، وأنها جديرة بالاهتمام بها. ٢ - ومنها: أن التزام هذه الأحكام من مقتضى الإيمان؛ لأنه لا يوجه الخطاب بوصف إلا لمن كان هذا الوصف سبباً لقبوله ذلك الحكمَ. ٣ - ومنها: أن مخالفة هذه الأحكام نقص في الإيمان كأنه قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ لإيمانكم افعلوا كذا؛ فإن لم تفعلوا فإيمانكم ناقص؛ لأن كل من يدَّعي الإيمان، ثم يخالف ما يقتضيه هذا الإيمان فإن دعواه ناقصة إما نقصاً كلياً، أو نقصاً جزئياً. ٤ - ومنها: بيان أن الدين الإسلامي كما يعتني بالعبادات- التي هي معاملة الخالق - فإنه يعتني بالمعاملات الدائرة بين المخلوقين. ٥ - ومنها: دحر أولئك الذين يقولون: إن الإسلام ما هو إلا أعمال خاصة بعبادة الله ، وبالأحوال الشخصية، كالمواريث، وما أشبهها؛ وأما المعاملات فيجب أن تكون خاضعة للعصر، والحال؛ وعلى هذا فينسلخون من أحكام الإسلام فيما يتعلق بالبيوع، والإجارات وغيرها، إلى الأحكام الوضعية المبنية على الظلم، والجهل. فإن قال قائل: لهم في ذلك شبهة؛ وهو أن الرسول ﷺ حين قدم المدينة، ورآهم يلقحون الثمار قال: «لو لم تفعلوا لصلح» فخرج شيصاً - أي فاسداً -؛ فمر بهم فقال: «ما لنخلكم؛ قالوا: قلت كذا، وكذا؛ قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم» (٧)؛ قالوا: «والمعاملات من أمور الدنيا، وليست من أمور الآخرة».

стр. 2173

فالجواب: أنه لا دليل في هذا الحديث لما ذهبوا إليه؛ لأن الحادثة المذكورة من أمور الصنائع التي من يمارسها فهو أدرى بها، وتدرك بالتجارِب؛ وإلا لكان علينا أن نقول: لا بد أن يعلمنا الإسلام كيف نصنع السيارات والمسجلات، والطوب، وكل شيء! ! ! أما الأحكام - الحلال، والحرام - فهذا مرجعه إلى الشرع؛ وقد وفى بكل ما يحتاج الإنسان إليه. ٦ - ومن فوائد الآية: جواز الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿تداينتم بدين﴾ سواء كان هذا الدَّين ثمن مبيع، أو قرضاً، أو أجرة، أو صداقاً، أو عوض خلع، أو أي دين يكون؛ المهم أن في الآية إثبات الدَّين شرعاً. ٧ - ومنها: أن الدَّين ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مؤجل بأجل مسمى؛ ومؤجل بأجل مجهول؛ وغير مؤجل؛ لقوله تعالى: ﴿بدين إلى أجل مسمى﴾؛ والدَّين إلى غير أجل جائز مثل أن أشتري منك هذه السلعة، ولا أعطيك ثمنها، ولا أعينه لك؛ فهذا دَين غير مؤجل؛ وفي هذه الحال لك أن تطالبني بمجرد ما ينتهي العقد؛ وأما الدَّين إلى أجل غير مسمى فلا يصح؛ وأُخذ هذا القسم من قوله تعالى: ﴿مسمى﴾ - مثل أن أقول لك: «اشتريت منك هذه السلعة إلى قدوم زيد» - وقدومه مجهول؛ لأن فيه غرراً؛ وقد قال النبي ﷺ : «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (١)؛ والدين إلى أجل غير مسمى لا يكتب؛ لأنه عقد فاسد، والدَّين إلى أجل مسمى جائز بنص الآية. ٨ - ومن فوائد الآية: جواز السلم - وهو تعجيل الثمن، وتأخير المثمن، مثل أن أشتري مائة صاع من البر إلى سنة، وأعطيك الدراهم؛ فيسمى هذا سلماً؛ لأن المشتري أسلم الثمن، وقدمه. ٩ - ومنها: وجوب كتابة الدَّين المؤجل؛ لقوله تعالى: ﴿فاكتبوه﴾؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى في آخر الآية: ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾؛ وذهب الجمهور إلى عدم وجوب الكتابة - أعني كتابة الدين المؤجل؛ لقوله تعالى في الآية التي تليها: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ وينبغي على هذا القول أن يستثنى من ذلك ما إذا كان الدائن متصرفاً لغيره، كوليّ اليتيم فإنه يجب عليه أن يكتب الدَّين الذي له لئلا يضيع حقه. ١٠ - ومنها: حضور كل من الدائن، والمدين عند كتابة الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿بينكم﴾؛ ولا تتحقق البينية إلا بحضورهما. ١١ - ومنها: أنه لابد أن يكون الكاتب محسناً للكتابة في أسلوبه، وحروفه؛ لقوله تعالى: ﴿وليكتب بينكم كاتب﴾. ١٢ - ومنها: أنه يجب على الكاتب أن يكتب بالعدل بحيث لا يجحف مع الدائن، ولا مع المدين؛ و «العدل» هو ما طابق الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿وتمت كلمت ربك صدقاً وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]. ويتفرع على ذلك أن يكون الكاتب ذا علم بالحكم الشرعي فيما يكتب. ١٣ - ومنها: أنه لا يشترط تعيين كاتب للناس بشخصه، وأن أيّ كاتب يتصف بإحسان الكتابة والعدل، فكتابته ماضية نافذة؛ لقوله تعالى: ﴿كاتب بالعدل﴾؛ وهي نكرة لا تفيد التعيين. ١٤ - ومنها: تحريم امتناع الكاتب أن يكتب كما علمه الله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾؛ ولهذا أكد هذا النهي بالأمر بالكتابة في قوله تعالى ﴿فليكتب﴾ - هذا ظاهر الآية - ويحتمل أن يقال: إنْ توقف ثبوت الحق على الكتابة كانت الكتابة واجبة على من طلبت منه؛ وإلا لم تجب، كما قلنا بوجوب تحمل الشهادة إذا توقف ثبوت الحق عليها.

стр. 2174

١٥ - ومنها: أنه يجب على الكاتب أن يكتب على حسب علمه من الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾. ١٦ - ومنها: تذكير هؤلاء الكتبة بنعمة الله، وأن مِن شُكر نعمة الله عليهم أن يكتبوا؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمه الله﴾؛ وهذا مبني على أن الكاف هنا للتعليل. فإن قيل: «إنها للتشبيه» صار المعنى: أنه مأمور أن يكتب على الوجه الذي علمه الله من إحسان الخط، وتحرير الكتابة. ١٧ - ومنها: أن الإنسان لا يستقل بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمه الله﴾؛ حتى في الأمور الحسية التي تدرك عن طريق النظر، أو السمع، أو الشم، لا يستطيع الإنسان أن يعلمها إلا بتعليم الله . ١٨ - ومنها: مبادرة الكاتب إلى الكتابة بدون مماطلة؛ لقوله تعالى: ﴿فليكتب﴾. ١٩ - ومنها: أن الرجوع في مقدار الدَّين، أو نوعه، أو كيفيته؛ بل في كل ما يتعلق به إلى المدين الذي عليه الحق - لا إلى الدائن؛ لقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾؛ لأنه لو أملل الذي له الحق فربما يزيد. لكن إذا قال قائل: وإذا أملى الذي عليه الحق فربما ينقص؟ ! فالجواب: أن الله حذره من ذلك في قوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً﴾. ٢٠ - ومنها: أن من عليه الحق لا يكتب؛ وإنما يكتب كاتب بين الطرفين؛ لأن الذي عليه الحق وظيفته الإملال؛ ولكن لو كتب صحت كتابته؛ إلا أن ذلك لا يؤخذ من هذه الآية؛ يؤخذ من أدلة أخرى، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥]؛ وكتابة الإنسان على نفسه إقرار؛ وإقرار الإنسان على نفسه مقبول. ٢١ - ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله على من عليه الحق، وأن يتحرى العدل؛ لقوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه﴾. ٢٢ - ومنها: أنه ينبغي في مقام التحذير أن يُذْكَر كلُّ ما يكون به التحذير؛ لقوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً﴾؛ ففي مقام الألوهية يتخذ التقوى عبادة؛ لأن الألوهية هي توحيد العبادة؛ وفي مقام الخوف من الانتقام يكون مشهده الربوبية؛ لأن الرب خالق مالك مدبر. ٢٣ - ومنها: أنه يحرم على من عليه الدَّين أن يبخس منه شيئاً لا كمية، ولا نوعاً، ولا صفة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يبخس منه شيئاً﴾. ٢٤ - ومنها: أن الوليّ يقوم مقام المولَّى عليه في الإملال؛ لقوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾. ٢٥ - ومنها: أن أسباب القصور ثلاثة: السفه؛ والضعف؛ وعدم الاستطاعة؛ السفه: ألا يحسن التصرف؛ والضعيف يشمل الصغير، والمجنون؛ ومن لا يستطيع يشمل من لا يقدر على الإملال لخرس، أو عييّ، أو نحو ذلك. ٢٦ - ومنها: قبول قول الوليّ فيما يقر به على مولّاه؛ لقوله تعالى: ﴿فليملل وليه﴾. ٢٧ - ومنها: وجوب مراعاة العدل على الوليّ؛ لقوله تعالى: ﴿بالعدل﴾؛ فلا يبخس من له الحق؛ ولا يبخس من عليه الحق ممن هو مولى عليه. ٢٨ - ومنها: طلب الإشهاد على الحق. ٢٩ - ومنها: أن البينة إما رجلان؛ وإما رجل، وامرأتان؛ وجاءت السنة بزيادة بينة ثالثة - وهي الرجل، ويمين المدّعي؛ وأنواع طرق الإثبات مبسوطة في كتب الفقهاء. ٣٠ - ومنها: أنه لابد في الشاهدين من كونهما مرضيين عند المشهود له، والمشهود عليه.

стр. 2175

٣١ - ومنها: قصر حفظ المرأة وإدراكها عن حفظ الرجل، وهذا باعتبار الجنس؛ فلا يرد على ذلك من نبوغ بعض النساء، وغفلة بعض الرجال. ٣٢ - ومنها: جواز شهادة الإنسان فيما نسيه إذا ذُكِّر به، فذكر؛ لقوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾؛ فإن ذُكِّر ولم يذكر لم يشهد. ٣٣ - ومنها: تحريم امتناع الشاهد إذا دُعي للشهادة؛ وهذا تحته أمران: الأمر الأول: أن يُدعى لتحمل الشهادة؛ وقد قال العلماء في هذا: إنه فرض كفاية؛ وظاهر الآية الكريمة أنه فرض عين على من طلبت منه الشهادة بعينه؛ وهو الحق؛ لأنه قد لا يتسنى لطالب الشهادة أن يشهد له من تُرضى شهادته. الأمر الثاني: أن يُدعى لأداء الشهادة؛ فيجب عليه الاستجابة؛ لهذه الآية، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ٣٤ - ومن فوائد الآية: النهي عن السأَم في كتابة الدَّين سواء كان صغيراً، أو كبيراً؛ والظاهر أن النهي هنا للكراهة. ٣٥ - ومنها: أنه إذا كان الدَّين مؤجلاً فإنه يبيَّن الأجل؛ لقوله تعالى: ﴿إلى أجله﴾. ٣٦ - ومنها: أن ما ذُكر من التوجيهات الإلهية في هذه الآية فيه ثلاثة فوائد: الأولى: أنه أقسط عند الله - أي أعدل عنده لما فيه من حفظ الحق لمن هو له، أو عليه. الثانية: أنه أقوم للشهادة؛ لأنه إذا كتب لم يحصل النسيان. الثالثة: أنه أقرب لعدم الارتياب. ٣٧ - ومن فوائد الآية: العمل بالكتابة، واعتمادها حجةً شرعية إذا كانت من ثقة معروف خطه؛ ويؤيد هذا قوله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (١). ٣٨ - ومنها: أن الشهادات تتفاوت؛ فمنها الأقوم؛ ومنها القيم؛ ومنها ما ليس بقيم؛ فالذي ليس بقيم هو الذي لم تتم فيه شروط القبول؛ والقيم هو الذي صار فيه أدنى الواجب؛ والأقوم ما كان أكمل من ذلك؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وأقوم للشهادة﴾. فإذا قيل: ما مثال القيم؟ فنقول: مثل شاهد، ويمين؛ لكن أقوم منه الشاهدان؛ لأن الشاهدين أقرب إلى الصواب من الشاهد الواحد؛ ولأن الشاهدين لا يحتاج معهما إلى يمين المدعي؛ فكانت شهادة الشاهدين أقوم للشهادة. ٣٩ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يتجنب كل ما يكون له فيه ارتياب، وشك؛ لقوله تعالى: ﴿وأدنى ألا ترتابوا﴾. ويتفرع على هذه الفائدة: أن دين الإسلام يريد من معتنقيه أن يكونوا دائماً على اطمئنان، وسكون. ويتفرع أيضاً منها: أن دين الإسلام يحارب ما يكون فيه القلق الفكري، أو النفسي؛ لأن الارتياب يوجب قلق الإنسان، واضطرابه. ويتفرع عليه أيضاً: أنه ينبغي للإنسان إذا وقع في محلّ قد يستراب منه أن ينفي عن نفسه ذلك؛ وربما يؤيد هذا الأثرُ المشهور: «رحم الله امرئ كفّ الغيبة عن نفسه» (٢)؛ لا تقل: إن الناس يحسنون الظن بي، ولن

стр. 2176

يرتابوا في أمري؛ لا تقل هكذا؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم؛ فربما لا يزال يوسوس في صدور الناس حتى يتهموك بما أنت منه بريء. ٤٠ - ومن فوائد الآية: جواز الاتجار؛ لقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة﴾؛ ولكن هذا الإطلاق مقيد بالشروط التي دلت عليها النصوص؛ فلو اتجر الإنسان بأمر محرم فهذا لا يجوز من نصوص أخرى؛ ولو رابى الإنسان يريد التجارة والربح قلنا: هذا حرام من نصوص أخرى؛ إذاً هذا المطلق الذي هو التجارة مقيد بالنصوص الدالة على أن التجارة لا بد فيها من شروط. ٤١ - ومنها: أن التجارة نوعان: تجارة حاضرة، وتجارة غير حاضرة؛ فأما الحاضرة فهي التي تدار بين الناس بدون أجل؛ وأما غير الحاضرة فهي التي تكون بأجل، أو على مسمى موصوف غير حاضر. ٤٢ - ومنها: أن الأصل في التجارة الدوران؛ لقوله تعالى: ﴿تديرونها بينكم﴾؛ فأما الشيء الراكد الذي لا يدار فهل يسمى تجارة؟ يرى بعض العلماء أنه ليس تجارة؛ ولذلك يقولون: ليس فيه زكاة، وأن الزكاة إنما هي في المال الذي يدار - يعني يتداول؛ ويرى آخرون أنها تجارة؛ ولكنها تجارة راكدة؛ وهذا يقع كثيراً فيما إذا فسدت التجارة، وكسد البيع؛ فربما تبقى السلع عند أصحابها مدة طويلة لا يحركونها؛ لكن هي في حكم المدارة؛ لأن أصحابها ينتظرون أيّ إنسان يأتي، فيبيعون عليه. ٤٣ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجب كتابة التجارة الحاضرة المدارة - ولو كان ثمنها غير منقود؛ بخلاف ما إذا تداين بدين إلى أجل مسمى؛ فإنه تجب كتابة الدَّين على ما سبق من الخلاف في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾. ٤٤ - ومنها: الأمر بالإشهاد عند التبايع؛ وهل الأمر للوجوب؛ أو للاستحباب؛ أو للإرشاد؟ فيه خلاف؛ والراجح أنه ليس للوجوب؛ لأن النبي ﷺ اشترى، ولم يُشهِد (١)؛ والأصل عدم الخصوصية؛ ولأن إيجابه فيه شيء من الحرج، والمشقة؛ لكثرة تداول التجارة؛ اللهم إلا أن يكون التصرف للغير، كالوكيل، والوليّ؛ فربما يقال بوجوب الإشهاد في المبايعات الخطيرة. ٤٥ - ومن فوائد الآية: أن الإشهاد ينبغي أن يكون حين التبايع؛ بمعنى أنه لا يتقدم، ولا يتأخر؛ لقوله تعالى: ﴿إذا تبايعتم﴾؛ لأن العقد لم يتم إذا كان الإشهاد قبله؛ وإذا كان بعده فربما يكون المبيع قد تغير. ٤٦ - ومنها: تحريم مضارة الكاتب، أو الشهيد: سواء وقع الإضرار منهما، أو عليهما. ٤٧ - ومنها: أن المضارة سواء وقعت من الكاتب، أو الشاهد، أو عليهما، فسوق؛ والفسق يترتب عليه زوال الولايات العامة والخاصة إلا ما استثني؛ والفاسق يُهجر إما جوازاً؛ أو استحباباً، أو وجوباً - على حسب الحال - إن كان في الهجر إصلاح له. فإن قال قائل: أفلا يشكل هذا على القاعدة المعروفة أن الفسق لا يتصف به الفاعل إلا إذا تكرر منه، أو كان كبيرة؟ . فالجواب: أن الله حكم على المضارة بأنها فسوق؛ والقرآن يَحكم، ولا يُحكَم عليه. ٤٨ - ومن فوائد الآية: أن هذا الفعل فسوق لا يخرج من الإيمان؛ لأنه لم يصف الفاعل بالكفر؛ بل قال تعالى: ﴿فإنه فسوق بكم﴾؛ ومجرد الفسق لا يخرج من الإيمان؛ ولكن الفسق المطلق يخرج من الإيمان؛ لأن الخروج عن الطاعة خروجاً عاماً يخرج من الإيمان، ويوجب الخلود في النار، كما قال الله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا

стр. 2177

يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠]. ٤٩ - ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله ؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾. ٥٠ - ومنها: امتنان الله على عباده بالتعليم، حيث قال تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾. ٥١ - ومنها: أن الدِّين الإسلامي شامل للأحكام المتعلقة بعبادة الله ، والمتعلقة بمعاملة عباد الله؛ لأنه بعد أن ذكر الله هذه التوجيهات قال تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾؛ فيكون في ذلك إبطال لزعم من زعم أن الدين الاسلامي في إصلاح ما بين العبد وبين ربه؛ ولا علاقة له بالمعاملة بين الناس. ٥٢ - ومنها: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾؛ قال الله : ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾ [النحل: ٧٨]. ٥٣ - ومنها: ثبوت صفة العلم لله ؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾؛ لأن المعلم عالم. ٥٤ - ومنها: أن العلم من منة الله على عباده؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾، وكما قال تعالى: ﴿لقد منّ الله على المؤمنين إذا بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ [آل عمران: ١٦٤]؛ ولا شك أن العلم من أكبر النعم، حيث قال الله : ﴿يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١]؛ والعلماء كذلك ورثة الأنبياء؛ فالعلم أفضل من المال - ولا مقارنة؛ وهو كالجهاد في سبيل الله؛ لأن الدِّين الإسلامي لم ينتشر إلا بالعلم، والسلاح؛ فالسلاح يذلل العدو؛ والعلم ينير له الطريق؛ ولهذا إذا ذلّ العدو للإسلام، وخضع لأحكامه، وبذل الجزية وجب الكف عنه، ولا يقاتَل؛ لكن العلم جهاد يجب أن يكون لكل أحد؛ ثم الجهاد بالسلاح لا يكون إلا للكافر المعلن كفره، ولا يكون للمنافق؛ والجهاد بالعلم يكون لهذا، ولهذا - للمنافق، وللكافر المعلن بكفره؛ والعلم أفضل بكثير من المال؛ والعلم جهاد في سبيل الله - ولا سيما في وقتنا الحاضر؛ فإن الناس قد انفتح بعضهم على بعض، واختلط بعضهم ببعض، وصاروا يأخذون الثقافات من يمين ويسار، واحتاج الناس الآن للعلم الراسخ المبني على الكتاب والسنة حتى لا يقع الناس في ظلمات بعضها فوق بعض؛ لذلك تجد رجلاً يمر به حديث، أو حديثان، ثم يقال: أنا ابن جلا، وطلاع الثنايا! من ينال مرتبتي! أنا الذي أفتي بعشرة مذاهب! ثم مع ذلك يندد بمن خالفه - ولو كان من كبار العلماء؛ وربما يضخم الخطأ الذي يقع منه - ولو كان ممن يشار إليه بالفضل، والعلم، والدِّين؛ وهذه خطيرة جداً؛ لأن العامي وإن كان وثق بشخص لا يهمه هذا الكلام؛ لكن كلما كرر الضرب على الحديد لابد أن يتأثر؛ لذلك نرى أن طلب العلم من أهم الأمور خصوصاً في هذا الوقت. ٥٥ - ومن فوائد الآية: إثبات هذا الاسم من أسماء الله - وهو ﴿عليم﴾؛ وإثبات ما دلّ عليه من الصفة - وهي العلم. ٥٦ - ومنها: إثبات عموم علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾. ٥٧ - ومنها: الرد على القدرية سواء الغلاة منهم، أو غيرهم؛ فإن غلاتهم يقولون: إن الله لا يعلم شيئاً من أفعال العباد حتى يقع؛ يقول شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية: إن هؤلاء قليل - وهذا في عهده؛ ولا ندري الآن هل زادوا، أم نقصوا؛ لكن في الآية ردّ حتى على غير الغالية منهم - وهم الذين يقولون: إن الله يعلم؛ لكنه لم يُرد أفعال الإنسان، وأن الإنسان مستقل بإرادته، وفعله؛ وجه ذلك ما قاله الشافعي ﵀: «ناظروهم بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروه كفروا»؛ وعلى هذا نقول: في هذه الآية الكريمة دليل على أن أفعال العباد مرادة لله ؛ لأنها إن لم تكن مرادة فهي إما أن تقع على وفق علمه، أو على خلافه؛ فإن كان على خلافه فهو إنكار لعلمه؛ وإن كان على وفقه فلا بد أن تكون مرادة له؛ لأنه أراد أن تقع على حسب علمه. القرآن

стр. 2178

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣] التفسير: وإن كنتم مسافرين ولم تجدوا مَن يكتب لكم فادفعوا إلى صاحب الحق شيئًا يكون عنده ضمانًا لحقِّه إلى أن يردَّ المدينُ ما عليه من دين، فإن وثق بعضكم ببعض فلا حرج في ترك الكتابة والإشهاد والرهن، ويبقى الدَّين أمانة في ذمَّة المدين، عليه أداؤه، وعليه أن يراقب الله فلا يخون صاحبه. فإن أنكر المدين ما عليه من دين، وكان هناك مَن حضر وشهد، فعليه أن يظهر شهادته، ومن أخفى هذه الشهادة فهو صاحب قلب غادر فاجر. والله المُطَّلِع على السرائر، المحيط علمه بكل أموركم، سيحاسبكم على ذلك. قال القرطبي: " ذكر الله تعالى الندب إلى الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان، عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرهن، ونص من أحوال العذر على السفر الذي هو غالب الأعذار، لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو، ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر. فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات أشغال الناس وبالليل، وأيضا فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن" (١). قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، " أي: وإن كنتم "مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]، أي: ولم تجدوا من "يكتب لكم" (٣). قال سعيد بن جبير: " يعني: لم تقدروا على كتابة الدين في السفر" (٤). وروي عن ابن عباس، "أنه كان يقرأ ﴿ولم تجدوا كتابا﴾، قال: ربما وجدوا كتابا، ولم يجدوا الدواة والصحيفة" (٥). وروي عن ومجاهد (٦)، وأبي العالية (٧)، نحو ذلك. وقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿كَاتِبًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]، على وجهين (٨): أحدهما: ﴿كَاتِبًا﴾، وهي قراءة الجمهور، بمعنى: "رجل يكتب" (٩). الثاني: ﴿كتابا﴾، بكسر الكاف وتخفيف (التاء) و (ألف) بعدها وهو مصدر، وهي قراءة أبي بن كعب (١٠) وابن عباس (١١) ومجاهد (١٢)، وأبي العالية (١٣)، قال مكي: "وقيل هو جمع كاتب كقائم وقيام" (١٤).

стр. 2179

وقرأ الضحاك: ﴿كتّابا﴾، على جمع الكاتب، في حين قرأ الباقون: ﴿كاتِباً﴾، على الواحد" (١)، قال الثعلبي: " وهو الأنسب مع المصحف" (٢). قال ابن عطية: " ومثله: (صاحب) و (صحاب)، وقرأ بذلك مجاهد (٣) وأبو العالية (٤) وقالوا: "ربّما وجد الكاتب ولم يجد المداد ولا الصحيفة، وقالوا: لم تكن [قبيلة] من العرب إلّا كان فيهم كاتب ولكن كانوا لا يقدرون على القلم والدواة" (٥). وقد أخرج الطبري عن ابن عباس: " ﴿فإن لم تجدوا كتابًا﴾، ، يعني بالكتاب، الكاتبَ والصحيفة والدواة والقلم" (٦). وروي نحوه عن مجاهد (٧)، وأبي العالية (٨). قال ابن عطية: "فالقراءتان حسنتان إلا من جهة خط المصحف، وروي عن ابن عباس أنه قرأ «كتابا» بضم الكاف على جمع كاتب، وهذا يحسن من حيث لكل نازلة كاتب، فقيل للجماعة ولم تجدوا كتابا، وهذا هو الجنس الذي تدل عليه قراءة من قرأ «كاتبا»، وحكى المهدوي عن أبي العالية أنه قرأ «كتبا» وهذا جمع كتاب من حيث النوازل مختلفة، وهذا هو الجنس الذي تدل عليه قراءة من قرأ «كتابا» " (٩). والراجح هو قراءة الجمهور ﴿كَاتِبًا﴾، بمعنى: "من يكتب، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين" (١٠). قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، أي: "فالوثيقة رهان" (١١). قال الثعلبي: أي: "فارتهنوا ممن تداينونه رهونا، ليكون وثيقة لكم بأموالكم" (١٢). قال القاسمي: "أي "فالذي يستوثق به رهان مقبوضة يقبضها صاحب الحق، وثيقة لدينه، هذا إذا لم يأمن البعض البعض بلا وثيقة" (١٣). واتفق الفقهاء على جواز الرهن في السفر (١٤)، واختلفوا في الحضر، فذهب الجمهور إلى جوازه (١٥). قال الواحدي: " أمر الله تعالى عند عدم الكاتب في حال السفر بأخذ الرهون، ليكون وثيقة بالأموال" (١٦). وروي "عن سعيد بن جبير، في قول الله: فرهان مقبوضة يقول: فليرتهن الذي له الحق من المطلوب" (١٧).

стр. 2180

وقال الضحاك: " يعني بذلك: أنه لا يصلح إذا كان بيعا في سفر، إذا وجد كتابا، أن يأخذ رهنا، ولكن ليكتب حقه إلى أجله" (١). وروي " عن عامر، في قوله: ﴿فرهان مقبوضة﴾، قال: هي منسوخة ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾، يعني: نسخه ذلك" (٢). وفي (الرهن) قولان (٣): أحدهما: أن الرُّهُن في الأموال، والرِّهَان في الخيل. قاله أبو عمرو (٤)، ومنه قول قَعْنَب (٥): بَانَتْ سُعادُ وأَمْسَى دُونَهَا عَدَنُ ... وَغَلِقَتْ عِنْدَهَا مِنْ قَلْبِكَ الرُّهُنُ أي وحب لها (٦). والثاني: أن الرِّهَان جمع، والرُهُن جمع الجمع، مثل ثمار وثمر، قاله الكسائي، والفراء (٧). واتفق الفقهاء في الجملة على أن القبض شرط في الرهن، لقوله تعالى ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، واختلفوا في تحديد نوع الشرط: أهو شرط لزوم أو شرط تمام؟ القول الأول: أن قبض الرهن شرط في لزومه، قاله سعيد بن جبير (٨)، والشافعي (٩)، وأبو حنيفة (١٠)، وأهل الظاهر (١١). القول الثاني: أن الرهن يلزم بمجرد العقد ولو لم يقبض المرهون، وهو مذهب مالك (١٢). قال ابن عثيمين: " وقوله تعالى: ﴿مقبوضة﴾ أي يقبضها من يتوثق بها - وهو الطالب - من المطلوب الذي هو الراهن؛ والطالب الذي قبض الرهن يسمى مرتهناً؛ فهنا راهن، ومرتهن، ورهن، ومرهون به؛ فالرهن: العين؛ والراهن: معطي الرهن؛ والمرتهن؛ آخذ الرهن؛ والمرهون به: الدين؛ فأركان الرهن أربعة، ولم يبين كيف القبض؛ فيرجع في ذلك إلى العرف؛ ومعناه: أن يكون الشيء في قبضة الإنسان، وتحت سيطرته" (١٣). وقال الراغب: " واشتراط كونها مقبوضة تنبيه أن الرهن لا يثبت حكمه ما لم يكن مقبوضا لأمرين: أحدهما: أن ذلك معطوف على الشهادة فكما أن الشرط في الشهادة معتبر كذلك هاهنا. والثاني: أن حكم الرهن مأخوذ من هذه الآية وقد أجازه بهذه الصفة، فيجب أن تعتبر الصفة فيه" (١٤).

стр. 2181

قال الثعلبي: " وأجمعوا: إن الرهن لا يصح إلّا بالقبض، وقال مجاهد: "ليس الرهن إلّا في السفر عند عدم الكاتب" (١)، وأجاز غيره في جميع الأحوال، ورهن رسول الله ﷺ درعه عند يهوديّ (٢) " (٣). وقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، على وجوه (٤): أحدها: ﴿فَرِهَانٌ﴾، وهو جمع (الرهن)، وهي قراءة عامة أهل الحجاز والعراق. الثاني: ﴿فَرُهُنٌ﴾، بضم الراء والهاء، على معنى جمع: (رِهان)، و (رُهن) جمع الجمع. وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير، وروي عنهما تخفيف الهاء. الثالث: ﴿فَرُهْنٌ﴾ مخففة الهاء، على معنى جماع (رَهْن)، وهي قراءة عكرمة والمنهال وعبدالوارث (٥). والرهن في اللغة: " يدل على ثبات شيء يمسك بحق أو غيره. من ذلك الرهن: الشيء يرهن، تقول: رهنت الشيء رهناً، ولا يقال: أرهنت". (٦) وتطلق كلمة الرهن في لغة العرب على عدة معان ً منها: أولا: الثبوت والدوام، يقال: نعمة راهنة أي: دائمة، وماء راهن أي: راكد وثابت، وأرهنت لهم الطعام والشراب إرهاناً أي: أدمته، وهو طعام راهن أي: دائم. (٧) ثانيا: الحبس، يقال: رهنته المتاع بالدَّين رهناً حبسته به فهو مرهون، والأصل مرهون بالدَّين فحذف للعلم به (٨)، ورهن الشيء جعل الشيء محبوساً (٩)، وكل ما احتبس به شيء فرهينه ومرتهنه" (١٠)، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. ثالثا: ويطلق الرهن ويراد به العين المرهونة، وهي: ما وضع عند المرتهن مقابل ما أخذه الراهن منه، وهذا من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، ومن ذلك ما ورد في لسان العرب: أن الرهن هو: ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أخذ منه، يقال: رهنت فلاناً داراً رهناً، وارتهنته إذا أخذه رهناً. (١١) ولا يوجد تعارض بين هذه الإطلاقات فكلها متقاربة؛ لأن الحبس فيه لزوم الشيء المحبوس، والدائم والثابت لازم ومحبوس، والإطلاق الأخير للرهن يعرِّف الرهن بمحله وهو المال المرهون. وقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الرهن، نظراً لاختلافهم في أحكامه وشروطه: فعند الحنفية: الرهن: "حبس شيء مالي بحق يمكن استييفاؤه منه ـ كالدَّين ـ حقيقة أو حكماً، كالأعيان المضمونة بالمثل أو القيمة" (١٢) واعترض على هذا التعريف بأنه غير جامع، وذلك لعدم شموله للرهن غير التام أو غير اللازم، وكذا لم يشمل رهن الأعيان المضمونة لقوله (كالدَّين).

стр. 2182

وعند المالكية: "بذل من له البيع ما يباع أو غرراً ولو اشترط في العقد وثيقة بحق" (١) واعترض عليه بأنه غير جامع؛ لأنه يخرج الرهن غير المقبوض، وكذلك فهو غير مانع لدخول الدَّين غير اللازم في التعريف. وعند الشافعية: "جعل عين مال وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر وفائه" (٢) وعند الحنبلية: "جعل عين مالية وثيقة بالدَّين يستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه" (٣) ومن خلال النظر في التعريفات نجد أن أقرب التعريفات هو تعريف الشافعية، والحنابلة، وتعريف الحنابلة؛ فيه زيادة إيضاح، فهو أولى من غيره، لقلة الاعتراضات عليه، وكان ينبغي أن يضاف كلمة (عقد) لأنها تشير إلى أركان المعرف. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [البقرة: ٢٨٣]، " أي فإِن أمن الدائن المدين فاستغنى عن الرهن ثقة بأمانة صاحبه" (٤). قال سعيد بن جبير: " فإن كان الذي عليه الحق أمينا عند صاحب الحق، فلم يرتهن، لثقته، وحسن ظنه" (٥). قال الثعلبي: " يعني: فإن كان الذي عليه لحق أمينا عند صاحب الحق فلم يرتهن منه شيئا لثقته وحسن ظنّه" (٦). قال الزمخشري: " فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به (٧). قال الواحدي: " أي: لم يخف خيانته وجحوده الحق، فلم يشهد عليه" (٨). قال القاسمي: "لحسن ظنه به واستغنى بأمانته عن الارتهان" (٩). قال أبو حيان: " أي: إن وثق رب الدين بأمانة الغريم، فدفع إليه ماله بغير كتاب ولا إشهاد ولا رهن" (١٠). قال الآلوسي: " أي بعض الدائنين بعض المديونين بحسن ظنه سفرا أو حضرا فلم يتوثق بالكتابة والشهود والرهن" (١١). قال ابن عثيمين: " أي اتخذه أميناً؛ بمعنى أنه وثق منه أن لا ينكر، ولا يبخس، ولا يغير" (١٢). قال الراغب: " وقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ يحث من يؤتمن على حفظ الأمانة كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ " (١٣). وروي "عن أبي سعيد الخدري، أنه تلا هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾ حتى بلغ ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾، قال: هذه نسخت ما قبلها" (١٤).

стр. 2183

وقال الشعبي: " لا بأس إذا أمنته، ألا تكتب ولا تشهد، لقوله: فإن أمن بعضكم بعضا" (١). وروي" عن حماد بن أبي سليمان، في قوله: رفإن أمن بعضكم بعضا﴾، قال: أخلاق، دلهم عليها" (٢). وقال الضحاك: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾، فمن لم يجد، فإنها عزمة أن يكتب ويشهد، ولا يأخذ رهنا إذا وجد كاتبا، كما قال في الظهار ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾، وكما قال في جزاء الصيد! ! ﴿فما استيسر من الهدي﴾، فهذا يشبه بعضه بعضا، وآية الدين، حكم حكمه الله وفصله وبينه، فليس لأحد أن يتخير في حكم الله" (٣). وقرأ أبيّ: ﴿فإن أومن﴾، رباعيا مبنياً للمفعول، أي: آمنه الناس، هكذا نقل هذه القراءة عن أبيّ الزمخشري (٤)، وقال السجاوندي: "وقرأ أبيّ: ﴿فإن ائتمن﴾، افتعل من الأمن، أي: وثق بلا وثيقة صك، ولا رهن" (٥). قوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: " فليدفع ذاك المؤتمن الدين الذي عليه" (٦). قال أبو حيان: " فليؤدّ الغريم أمانته، أي ما ائتمنه عليه رب المال" (٧). وقال الشعبي: " صار الأمر إلى الأمانة" (٨). وقال ابن جبير: " ليؤد الحق الذي عليه إلى صاحبه" (٩). قوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، أي: "وليتق الله في رعاية حقوق الأمانة" (١٠). قال أبو حيان: " أي عذاب الله في أداء ما ائتمنه رب المال، وجمع بين قوله: الله ربه، تأكيداً الأمر التقوى في أداء الدين كما جمعهما في قوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ فأمر بالتقوى حين الإقرار بالحق، وحين أداء ما لزمه من الدين، فاكتنفه الأمر بالتقوى حين الأخذ وحين الوفاء" (١١). قال سعيد بن جبير: " خوف الله، الذي عليه الحق، فقال: ﴿وليتق الله ربه﴾ " (١٢). وقال ابن عثيمين: " أردف الاسم الأعظم: ﴿الله﴾ بقوله تعالى: ﴿ربه﴾ تحذيراً من المخالفة؛ لأن «الرب» هو الخالق المالك المدبر؛ فاخشَ هذا الرب الذي هو إلهك أن تخالف تقواه" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، " أي: لا تخفوها وتغلوها ولا تظهروها" (١٤). قال سعيد بن جبير: " يعني: عند الحكام، يقول: من أشهد على حق، فليقمها على وجهها، كيف كانت" (١٥). وقال الربيع: " فلا يحل لأحد أن يكتم شهادة هي عنده، وإن كانت على نفسه أو الوالدين أو الأقربين" (١٦). قال الصابوني: " أي إِذا دعيتم إِلى أداء شهادة فلا تكتموها" (١٧).

стр. 2184

قال أبو حيان: " هذا نهي تحريم، ألا ترى إلى الوعيد لمن كتمها؟ وموضع النهي حيث يخاف الشاهد ضياع الحق" (١). قال ابن عثيمين: " أي لا تخفوا ما شهدتم به لا في أصله، ولا في وصفه؛ في أصله بأن ينكر الشهادة رأساً؛ وفي وصفه بأن يزيد فيها، أو ينقص" (٢). قال الثعلبي: " وقرأ السلمي: ﴿ولا يكتموا﴾ بالياء ومثله ﴿يعملون﴾ " (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا﴾ [البقرة: ٢٨٣]، "يعني: ومن يكتم شهادته" (٤). قال ابن عباس: " ومن الكبائر، كتمان الشهادة، لأن الله يقول: ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ " (٥). وروي " عن سعيد بن جبير، في قول الله: ﴿ومن يكتمها﴾، يعني الشهادة، لا يشهد بها إذا دعي لها، ﴿فإنه آثم قلبه﴾ " (٦). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، أي: " فإِن كتمانها إثم كبير، يجعل القلب آثماً وصاحبه فاجراً" (٧). قال الثعلبي: " فاجر قلبه" (٨). قال ابن عثيمين: " أي من يخفيها أصلاً، أو وصفاً، فقد وقع قلبه في الإثم" (٩). قال أبو حيان: " كتم الشهادة هو إخفاؤها بالامتناع من أدائها، والكتم من معاصي القلب، لأن الشهادة علم قام بالقلب، فلذلك علق الإثم به" (١٠). وقال المفسرون: ذكر الله تعالى على كتمان الشهادة نوعا من الوعيد لم يذكره في سائر الكبائر، وهو إثم القلب (١١)، ويقال: إثم القلب سبب مسخه، والله تعالى إذا مسخ قلبا جعله منافقا وطبع عليه، نعوذ بالله من ذلك" (١٢). وذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وجهين (١٣): أحدهما: معناه فاجر قلبه، قاله السدي (١٤).

стр. 2185

والثاني: مكتسب لإِثم الشهادة. قاله الربيع (١)، وروي نحوه عن ابن عباس (٢). قال ابن عطية: " وخص الله تعالى ذكر القلب إذ الكتم من أفعاله، وإذ هو المضغة التي بصلاحها يصلح الجسد كما قال ﵇" (٣) (٤). قال الراغب: " أي يأثم بذلك قلبه، ويجوز أن يكون معناه: " إنما يكتم الشهادة ومن يكتم لأنه قد أثم قلبه " قيل فحمله ذلك على ارتكاب المحارم واحتقاب المآثم، وإضافة الإثم إلى القلب مبالغة في الذم، فالقلب مقر البر والإثم، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، وقال بعضهم: " في أية الدين صلاح للدين والدنيا "، فالإنسان بمراعاة ما أرشده الله إليه فيهما يبعد عن جحود الحق الذي هو سبب التنازع، والتنازع سبب كل شر ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، ومن هذه الوجه منع من البيعات المجهولة وجهل المدة وسائر الأشياء المؤدية إلى المنازعة، أوجب الإشهاد من أوجبه، لأن كل ما يؤدي إلى فساد فحسم مادته واجب" (٥). قال ابن عطية: "وقرأ ابن أبي عبلة «فإنه آثم قلبه» بنصب (الباء)، قال مكي: هو على التفسير، ثم ضعفه من أجل أنه معرفة" (٦). ونقل الزمخشري عن ابن أبي عبلة أنه قرأ "أثم قلبه" (٧)، أي: جعله آثما". قال الثعلبي: "على وزن (أفعل)، أي جعل قلبه أثما" (٨). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، "أي لا يخفى عليه شيء من أعمال وأفعال العباد" (٩). وقال سعيد بن جبير: " يعني: من كتمان الشهادة، وإقامتها عليهم" (١٠). قال الثعلبي: " من بيان الشهادة وكتمانها" (١١). قال ابن عطية: فيه" توعد وإن كان لفظها يعم الوعيد والوعد" (١٢). قال ابن عثيمين: " «ما» هذه موصولة تفيد العموم، وتشمل كل ما يعمله الإنسان من خير أو شر في القلب، أو في الجوارح؛ وقَدّم ﴿بما تعملون﴾ على متعلّقها لقوة التحذير، وشدته؛ فكأنه حصر علمه فيما نعمل؛ فيكون هذا أشد في بيان إحاطته بما نعمل؛ فيتضمن قوة التحذير؛ وليس مقتضاه حصر العلم على ما نعمل فقط" (١٣). الفوائد:

стр. 2186

١ - من فوائد الآية: أنه إذا لم يجد كاتباً في السفر فإنه يوثق الحق بالرهن المقبوض. ٢ - ومنها: عناية الله بحفظ أموال عباده؛ يعني أنه ذكر حتى هذه الصورة: أن الإنسان إذا داين غيره، ولم يجد كاتباً فإنه يرتهن رهناً حفظاً لماله، وخوفاً من النزاع، والشقاق في المستقبل. ٣ - ومنها: جواز الرهن؛ لقوله تعالى: ﴿فرهان﴾؛ ولكن ذلك مشروط - حسبما في الآية - بالسفر سواء كان قصيراً، أو طويلًا؛ وبألا نجد كاتباً؛ فهل هذا الشرط معتبر؟ الجواب: دلت السنة على عدم اعتباره: فقد اشترى النبي ﷺ ثلاثين صاعاً من الشعير لأهله، ورهن درعه عند يهودي حتى مات (١)؛ وهذا يدل على جواز الرهن في الحضر حتى مع وجود الكاتب. فإذا قال قائل: إذا كان الأمر هكذا فما الجواب عن الآية؟ فالجواب عن الآية أن الله ذكر صورة إذا تعذر فيها الكاتب فإن صاحب الحق يتوثق لحقه بالرهن المقبوض؛ فذكر هذه الصورة لا على أنها شرط للحكم؛ يعني كأنه قال: إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه؛ وإن كنتم في السفر، وليس عندكم كاتب فرهان مقبوضة. ٤ - ومن فوائد الآية: أن بعض العلماء استدل بهذه الآية على لزوم القبض في الرهن؛ وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: أن قبض الرهن شرط لصحته؛ لأن الله جعل القبض وصفاً في الرهن؛ والوصف لازم للموصوف. والقول الثاني: أن القبض شرط للزوم الرهن - لا لصحته؛ وعلى هذا القول يكون الرهن صحيحاً - وإن لم يُقبَض - لكنه ليس بلازم؛ فللراهن أن يتصرف فيه بما شاء. والقول الثالث: أن القبض - أعني قبض الرهن - ليس بشرط لا للصحة، ولا للزوم؛ وإنما ذكر الله القبض في هذه الحال؛ لأن التوثق التام لا يحصل إلا به لكون المتعاقدين في سفر؛ وليس ثمة كاتب، فلا يحصل تمام التوثقة بالرهن إلا بقبضه؛ وهذا القول هو الراجح؛ وعليه فالرهن لازم صحيح بمجرد عقده - وإن لم يقبض؛ لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]، وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ وعلى هذا القول عمل الناس: فترى الرجل يكون راهناً بيته وهو ساكن فيه، أو راهناً سيارته وهو يستعملها؛ ولا تستقيم حال الناس إلا بذلك. ٥ - ومن فوائد الآية: أنه إذا حصل الائتمان من بعضنا لبعض لم يجب رهن، ولا إشهاد، ولا كتابة؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾؛ ولهذ قال كثير من العلماء: إن هذه ناسخة لما سبق في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾؛ والصحيح أنها ليست ناسخة؛ بل مخصِّصة لما سبق. ٦ - ومنها: وجوب أداء الأمانة على من اؤتمن؛ لقوله تعالى: ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾؛ فإذا وجب أداء الأمانة حرمت الخيانة. ٧ - ومنها: أنه لو تلفت العين بيد الأمين فإنه لا ضمان عليه ما لم يتعد، أو يفرط؛ لقوله تعالى: ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾؛ فسماها الله أمانة؛ والأمين يده غير متعدية؛ فلا يضمن إلا إذا حصل تعدٍّ، أو تفريط؛ ومن التعدي إذا أعطي الإنسانُ أمانة للحفظ تصرف فيها - كما يفعل بعض الناس - ببيع، أو شراء، أو نحو ذلك؛ وهذا حرام لا يجوز؛ وإذا أردت أن تفعل فاستأذِن من صاحبها؛ فإن أذن لك صارت عندك قرضاً.

стр. 2187

٨ - ومن فوائد الآية: أنه يجب على هذا الذي اؤتمن ألا يغتر بثقة الناس به، فيفرط فيما يجب عليه من أداء الأمانة؛ لقوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه﴾؛ فأمره الله بأن يتقي الله: قال تعالى: ﴿وليتق الله﴾، وأردفها بقوله تعالى: ﴿ربه﴾؛ ففيه فائدة - وهي أن الإنسان في هذه المقامات ينظر إلى مقام الربوبية كما ينظر إلى مقام الألوهية؛ فبنظره إلى مقام الألوهية يفعل هذا تعبداً لله ، وتقرباً له؛ وبنظره إلى مقام الربوبية يحذر المخالفة؛ لأن الرب هو الذي له الخلق، والملك، والتدبير؛ فلا بد أن يقرن الإنسان بين مقام الألوهية، ومقام الربوبية. ٩ - ومن فوائد الآية: إثبات ما دلّ عليه هذان الاسمان؛ وهما «الله»، و «الرب»؛ فالأول فيه إثبات الألوهية؛ والثاني فيه إثبات الربوبية؛ لأن المعبود لابد أن يكون أهلاً للعبادة؛ والرب لابد أن يكون أهلاً للربوبية؛ ولا يتحقق ذلك إلا بكمال الصفات؛ ولهذا نقول: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية؛ والتوحيدان يستلزمان كمال الأسماء، والصفات؛ ولهذا قال إبراهيم (ص) لأبيه: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً﴾ [مريم: ٤٢]. ١٠ - ومن فوائد الآية تحريم كتمان الشهادة؛ يعني إخفاءها سواء كان كتمان أصلها، أو وصفها؛ وسواء كان الحامل لها القرابة، والغنى؛ أو البعد، والفقر؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما ... ﴾ [النساء: ١٣٥] الآية. ١١ - ومنها: أن كتْم الشهادة من الكبائر؛ لوجود العقوبة الخاصة بها - وهي قوله تعالى: ﴿فإنه آثم قلبه﴾. ١٢ - ومنها: عظم كتم الشهادة؛ لأنه أضاف الإثم فيها إلى القلب؛ وإذا أثم القلب أثمت الجوارح؛ لقول النبي ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله» (١)؛ وقوله (ص): «التقوى هاهنا» (٢) وأشار إلى صدره؛ فالتقوى في القلب، وليست في اللسان، ولا في الأفعال، ولا في الأحوال؛ فقد يكون الإنسان متقياً بفعله متقياً بقوله غير متقٍ بقلبه: تجده بفعله يتزيّ بزي المسلم الخالص - من إعفاء اللحية، والوقار، والسكينة، وكذلك يقول قول المسلم الخالص: «أستغفر الله»، «اللهم اغفر لي»، ويذكر الله، ويكبر؛ هذه لا شك تقوى في الظاهر؛ والغالب أنها دليل على تقوى الباطن. ١٣ - ومن فوائد الآية: عموم علم الله بكل ما نعمل؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون عليم﴾؛ فإن ﴿ما﴾ اسم موصول؛ والاسم الموصول يفيد العموم، فيشمل كل ما نعمل من أعمال القلب، وأعمال الجوارح. إذا قال قائل: ما فائدة التقديم هنا - إن قيل: لمراعاة الفواصل قلنا: فالنون تأتي في الفواصل كثيراً، مثل قوله تعالى: ﴿إنه خبير بما تفعلون﴾ [النمل: ٨٨]؛ وإن قيل: للحصر قلنا: لا يصح؛ لأن الله يعلم كل شيء؛ لا يختص علمه بما نعمل فقط؛ فلا وجه للحصر؛ إذاً ما الفائدة؟ . فالجواب: الفائدة شدة التحذير، والتنبيه، كأنه يقول: لو لم يعلم شيئاً - وحاشاه من ذلك - لكان عالماً بعملنا؛ فمن قوة التحذير والإنذار جاء الكلام على وجه الحصر الإضافي. ١٤ - إذا قال قائل: هل نستفيد من هذا أن من أسماء الله «العليم»؟ قلنا: ربما نقول ذلك؛ وقد لا نقوله؛ قد نقول: إن الاسم إذا قيد بمتعلِّق فإنه ينقلب إلى وصف، فيكون «عليم بكذا» ليس كقوله تعالى: ﴿وهو السميع العليم﴾ [البقرة: ١٣٧]؛ لأن هذا قُيد: «عليم بـ ... »، فكان وصفاً، وليس اسماً؛ أما لو قال تعالى: ﴿وهو العليم الحكيم﴾ [الزخرف: ٨٤] لكان هذا اسماً بلا شك.

стр. 2188

١٥ - ومن فوائد الآية: التحذير من المخالفة بكون الله عالماً بما نعمل؛ وجه التحذير: تقديم المعمول. ١٦ - ومنها: الرد على غلاة القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم بأفعال العباد إلا إذا وقعت؛ فإن قوله تعالى: ﴿بما تعملون عليم﴾ يتضمن ما قد عملناه بالفعل، وما سنعمله. القرآن ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤] التفسير: لله ملك السماوات والأرض وما فيهما ملكًا وتدبيرًا وإحاطة، لا يخفى عليه شيء. وما تظهروه مما في أنفسكم أو تخفوه فإن الله يعلمه، وسيحاسبكم به، فيعفو عمن يشاء، ويؤاخذ من يشاء. والله قادر على كل شيء، وقد أكرم الله المسلمين بعد ذلك فعفا عن حديث النفس وخطرات القلب ما لم يتبعها كلام أو عمل، كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ . قال ابن كثير: " يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سَيُحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم كما قال: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩]، وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، والآيات في ذلك كثيرة جدا، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم، وهو: المحاسبة على ذلك، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة، ﵃، وخافوا منها، ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم" (١). وفي سبب نزول الآية قولان (٢): أحدهما: أنها نزلت في كتمان الشهادة. فقد أسند الطبري من طريق يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس، "أنه قال في هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: نزلت في كتمان الشهادة" (٣). وروي مثله عن الشعبي (٤)، وعكرمة (٥). والثاني: أنها نزلت فيمن يتولّى الكافرين من المؤمنين. وهو قول مقاتل والواقدي (٦). قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، أي: " ملك كل ما في السموات وما في الأرض" (٧). قال الواحدي: " ملكا، وهو مالك أعيانه يملك تصريفه وتدبيره" (٨). قال ابن عثيمين: " أن كل شيء في السموات أو في الأرض فهو لله خلقاً، وملكاً، وتدبيراً؛ وليس لأحد غيره فيه ملك" (٩).

стр. 2189

قال الصابوني: " أي الجميع ملكٌ له وعبيد" (١). قال الطبري: " وإليه تدبير جميعه، وبيده صرفه وتقليبه، لا يخفى عليه منه شيء، لأنه مدبره ومالكه ومصرّفه" (٢). قال السعدي: " هذا إخبار من الله أنه له ما في السماوات وما في الأرض، الجميع خلقهم ورزقهم ودبرهم لمصالحهم الدينية والدنيوية، فكانوا ملكا له وعبيدا، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وهو ربهم ومالكهم الذي يتصرف فيهم بحكمته وعدله وإحسانه" (٣). وقال ابن عطية: " المعنى جميع ما في السموات وما في الأرض ملك الله وطاعة، لأنه الموجد المخترع لا رب غيره، وعبر ب ما وإن كان ثم من يعقل لأن الغالب إنما هو جماد، ويقل من يعقل من حيث قلت أجناسه، إذ هي ثلاثة: ملائكة، وإنس، وجن، وأجناس الغير كثيرة" (٤). وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، اختلف في إضافة ذلك إلى الله تعالى قولان (٥): أحدهما: أنه إضافة تمليك تقديره: الله يملك ما في السماوات وما في الأرض. والثاني: معناه تدبير ما في السماوات وما في الأرض. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، " أي: وإن تظهروا ما في قلوبكم" (٦). قال الصابوني: " أي إِن أظهرتم ما في أنفسكم من السوء" (٧). قال الماوردي: إبداءُ ما في النفس هو العمل بما أضمروه، وهو مُؤَاخَذ به ومُحَاسَب عليه، وأما إخفاؤه فهو ما أضمره وحدّث به نفسه ولم يعمل به" (٨). قوله تعالى: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، أي: " أو أسررتموه" (٩). قال ابن عثيمين: " يعني تسرُّوه، فلا يطلع عليه أحد" (١٠). وقد تعددت عبارات أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، على أقوال: أحدها: وإن تسروا ما في أنفسكم: من اليقين والشك. قاله مجاهد (١١). الثاني: وقيل: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، يعني الإسلام ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾، يعني الإيمان. وهو قول جعفر بن محمد (١٢). الثالث: وقال بعضهم: " ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، يعني ما في قلوبكم ممّا عرفتم وعقدتم عليه ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾، فلا تبدوه وأنتم مجمعون وعازمون عليه، ﴿يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، فأمّا ما حدّثتم به أنفسكم ممّا لم تعزموا

стр. 2190

عليه فإن ذلك ممّا ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها﴾، ولا يؤاخذ به. ودليل هذا التأويل قوله: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] " (١). الرابع: وقال جماعة: " ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ في الشهادة. قاله ابن عباس (٢)، وروي عن الشعبي (٣) وعكرمة (٤) ومقسم (٥)، مثل ذلك. الخامس: وقيل: "من الاحتيال للربا" (٦). قوله تعالى: ﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، أي: " فإِن الله يعلمه ويحاسبكم عليه" (٧). قال ابن عثيمين: " أي يُطْلِعكم عليه على وجه المحاسبة؛ ولا يلزم من المحاسبة العقوبة" (٨). قال الثعلبي: " ولم يقل: يؤاخذكم، والمحاسبة غير المعاقبة، والحساب ثابت والعقاب ساقط" (٩). روي " عن ابن عباس: ﴿يحاسبكم به الله﴾، يقول: يخبركم" (١٠). وروي "عن عبد بن المبارك قال: قلت لسفيان: ليؤاخذ العبد بالهمّة، قال: إذا كان عزما أخذ بها" (١١). قال ابن عطية: " معناه أن الأمر سواء، لا تنفع فيه المواراة والكتم، بل يعلمه ويحاسب عليه، وقوله: فِي أَنْفُسِكُمْ تقتضي قوة اللفظ أنه ما تقرر في النفس واعتقد واستصحبت الفكرة فيه، وأما الخواطر التي لا يمكن دفعها فليست في النفس إلا على تجوز" (١٢). وقال الزحيلي: " والواقع أن هذه الآيةك ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، ليس المراد بها الحساب على الوساوس والخواطر، وإنما المقصود بها أن الله تعالى يعلم ويحاسب على ما استقر في النفوس من الخلق الراسخ الثابت كالحب والبغض، وكتمان الشهادة، وقصد الخير والسوء، مما هو مقدور للإنسان، وتكون آية: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها﴾، ليست ناسخة لهذه الآية، وإنما هي موضحة" (١٣). وظاهر قول الله- : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] أن الله يجازي العباد بما أظهرته نفوسهم وما أضمرته، هذا معنى الآية على مقتضى اللغة، وقد اختلف أهل العلم فيها على أقوال: أحدها: أنها محكمة مخصوصة، وأنها في الشهادة؛ لأنها جاءت بعد النهي عن كتمانها والوعيد عليه، ومعناها: إن تبدو أيها الشهود ما في نفوسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله (١٤)، قاله ابن عباس (١٥)، وداود (١٦)، وعكرمة (١٧)، والشعبي (١٨).

стр. 2191

والثاني: أنها محكمة مخصوصة بما يطرأ على النفوس من الأمور التي هي بين الشك واليقين، قاله مجاهد (١). والثالث: أنها محكمة عامة، ولكن العذاب على ما في النفس يختص بالكفار والمنافقين. قاله ابن عباس (٢)، والربيع (٣)، ومجاهد (٤). وعلى هذا القول: "يكون: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾، محمولاً على المسلمين، ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾، محمولاً على الكافرين والمنافقين" (٥). والرابع: ، وقال آخرون: إن العذاب الذي يكون جزاء لما خطر في النفوس لا يكون في الآخرة وإنما بمصائب الدنيا وآلامها وسائر مكارهها. وهذا قول عائشة (٦) ﵂. قال الثعلبي: " يدلّ عليه قوله ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، يعني في الدنيا" (٧). وهذه الأقوال محل نظر؛ لأن التخصيص فيها بلا مخصص، والله أعلم. والرابع: أن قوله- : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ منسوخ بقوله- : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٨)، لأن الآية الأولى قررت أن العباد محاسبون بما أبدوه وأخفوه ويدخل في ذلك حديث النفس، والآية الثانية قررت أن التكليف لا يتجاوز الوسع والطاقة، وحديث النفس وخطراتها متجاوز لذلك. روي هذا القول عن ابن مسعود (٩)، وعائشة (١٠)، وابن عباس (١١)، والزهري (١٢)، وسعيد بن جبير (١٣)،

стр. 2192

وعامر (١)، والشعبي (٢)، والضحاك (٣)، ومجاهد (٤)، وعكرمة (٥)، والحسن (٦)، وقتادة (٧)، وابن زيد (٨)، والسدي (٩). والخامس: أنها محكمة عامة، وأن الله- -يحاسب العباد على ما أخفته نفوسهم أو أبدته، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، قال الثعلبي: " يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾ [الإسراء: ٣٦﴾ " (١٠). وهذا القول مروي عن، عبدالله ابن عمر (١١)، والحسن (١٢)، والربيع (١٣)، وقيس بن أبي حازم (١٤)، ورواية الضحاك عن ابن عباس (١٥)، وقال به: أبو سليمان الدمشقي والقاضي أبو يعلى (١٦). والراجح-والله أعلم-أن لا نسخ في الآية كما هو قول الأكثر، وأنها محكمة مخصوصة بالآية الأخرى، والمعنى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه مما هو في وسعكم وتحت كسبكم يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وقول من قال بالنسخ من السلف محمول على ذلك. وقد ذهب إلى عدم النسخ سوى من ذكر: الجصاص والنحاس والطبري (١٧) وابن الأنباري وابن عطية (١٨) والواحدي والرازي وابن تيمية وأبو حيان ومصطفى زيد وغيرهم (١٩).

стр. 2193

قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، " أي: فيعفو عمن يشاء" (١). قال السعدي: " وهو لمن أتى بأسباب المغفرة" (٢). قال الزحيلي: " والله تعالى يغفر لمن يشاء ذنبه، بتوفيقه إلى التوبة والعمل الصالح الذي يمحو السيئة" (٣). وقال النقاش: " ﴿يغفر لمن يشاء﴾، أي: لمن ينزع عنه" (٤). وقال الزمخشري: " لمن استوجب المغفرة بالتوبة مما أظهر منه" (٥). قال أبو حينان: " وهذه نزعة إعتزالية، وأهل السنة يقولون: إن الغفران قد يكون من الله تعالى لمن مات مصرّاً على المعصية ولم يتب، فهو في المشيئة، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِا وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ " (٦). أخرج ابن المنذر عن " سفيان في قوله: " ﴿فيغفر لمن يشاء﴾، قال: يغفر لمن يشاء بالكبير" (٧). وروي عن مجاهد مثل ذلك (٨). وروي " عن ابن عباس، قوله: ﴿فيغفر لمن يشاء﴾، قال: فأما المؤمنون، فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم" (٩). قال ابن عثيمين: " و «المغفرة» ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ لأن مادة «غفر» مأخوذة من المغفر - وهو ما يلبسه المقاتل على رأسه ليتقي بها السهام؛ وهو جامع بين ستر الرأس، والوقاية" (١٠). واختلفت القراءة في قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، على وجوه (١١): أحدها: ﴿فَيَغْفِرُ﴾ و ﴿يُعَذِّبُ﴾ بالرفع، قرأه ابن عامر وعاصم، ووجه أنه قطعه من الأول على أحد وجهين: إما أن يجعل الفعل خبراً لمبتدإ محذوف فيرتفع الفعل لوقوعه موقع خبر المبتدأ، وإمّا أن يعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدمها (١٢).

стр. 2194

والثاني: ﴿فَيَغْفِرْ﴾ و ﴿يُعَذِّبْ﴾، بالجزم، قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي، ووجه "أنه أتبعه ما قبله ولم يقطعه، أي: عطفا على ما قبله، على معنى جواب الشرط، وهو قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، "وهكذا تحسن المشاكلة في كلامهم" (١). والثالث: ﴿فَيَغْفِرَ﴾ و ﴿يُعَذِّبَ﴾، بالنصب، وهي قرءة ابن عباس والأعرج وأبي حيوة، على إضمار «أن»، وهو معطوف على المعنى كما في قوله: فَيُضاعِفَهُ [الحديد ١١]. والرابع: وقرأ الجعفي وخلاد وطلحة بن مصرف ﴿يغفر﴾ بغير الـ (فاء)، وروي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود، قال ابن جني: " هي على البدل من يحاسبكم فهي تفسير المحاسبة، وهذا كقول الشاعر (٢): رويدا بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غدا خيلي على سفوان تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى ... إذا ما غدت في المأزق المتدان فهذا على البدل، وكرر الشاعر الفعل لأن الفائدة فيما يليه من القول" (٣). قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، أي: " ويعاقب من يشاء" (٤). قال ابن عطية: " يعني من العصاة الذين ينفذ عليهم الوعيد" (٥). قال الزحيلي: " لأنه لم يعمل خيرا يكفر عنه سيئاته، ولم يتب إلى الله" (٦). قال الزمخشري: "ممن استوجب العقوبة بالإصرار" (٧). وهذه نزعة اعتزالية. سبق أن ردّ عليه أبو حيان (٨). وروي " عن ابن عباس، قوله: ﴿ويعذب من يشاء﴾، قال: وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب" (٩). وروي " عن مجاهد، في قوله: ﴿ويعذب من يشاء﴾، قال: يعذب من يشاء على الصغير" (١٠). وروي عن سفيان الثوري مثله (١١). وقيل: "تعلق بهذه قوم ممن قال بجواز تكليف ما لا يطاق، وقال إن الله قد كلفهم أمر الخواطر، وذلك مما لا يطاق" (١٢). قال ابن عطية: "وهذا غير بين، وإنما كان أمر الخواطر تأويلا تأوله أصحاب النبي ﷺ ، ولم يثبت تكليفا إلا على الوجه الذي ذكرنا من تقدير النبي ﷺ إياهم على ذلك" (١٣).

стр. 2195

قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، أي: "وهو القادر على كل شيء الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون (١). قال الزحيلي: " والله على كل شيء أراده قدير" (٢). قال السعدي: " لا يعجزه شيء، بل كل الخلق طوع قهره ومشيئته وتقديره وجزائه" (٣). قال ابن عثيمين: " أي يوجد المعدوم، ويعدم الموجود بدون عجز؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً﴾ [فاطر: ٤٤] " (٤). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: عموم ملك الله ؛ لقوله تعالى: ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾؛ وليس معلوماً لنا سوى السموات والأرض؛ ويدخل في السموات الكرسي، والعرش، والملائكة، وأرواح بني آدم التي تكون في السماء، كأرواح المؤمنين في الجنة؛ لأن المراد بذلك كل ما علا؛ بل ويشمل ما بين السماء والأرض من الأفلاك، والنجوم، وغير ذلك؛ لأنها داخلة في السموات؛ لأنها في جهتها؛ ويدخل في الأرض العاقل، وغير العاقل؛ فيشمل بني آدم، والجن، ويشمل الحيوانات الأخرى، ويشمل الأشجار، والبحار، والأنهار، وغير ذلك. ٢ - ومن فوائد الآية: أن الله هو القائم على هذه السموات والأرض يدبرها كما يشاء؛ لأنها ملكه. ٣ - ومنها: أن الله لا شريك له في ذلك الملك؛ يستفاد ذلك من تقديم الخبر الذي حقه التأخير؛ وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر؛ و «الحصر» إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما سواه. ٤ - ومنها: وجوب إفراد الله بالألوهية؛ لأن الإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية - ولابد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ [البقرة: ٢١]؛ فجعل الربوبية موجباً لعبادته؛ وفي سورة النمل قال تعالى: ﴿أمن خلق السموات والأرض ... ﴾ [النمل: ٦٠] إلى آخر الآيات التي فيها تختم كل آية بقوله تعالى: ﴿أإله مع الله﴾ [النمل: ٦٠] يعني: فإذا كان هو المنفرد بما ذُكِر فإنه المنفرد بالألوهية. ٥ - ومن فوائد الآية: إثبات صفات الكمال لله ؛ لأننا إذا تأملنا في هذا الملك الواسع العظيم، وأنه يدبَّر بانتظام لا مثيل له علمنا بأن الذي يدبره كامل الصفات؛ فيؤخذ منه كل صفة كمال لله، كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والعزة، والحكمة، وغير ذلك من صفاته ؛ لأنه لا يمكن أن يقوم بملك هذه الأشياء العظيمة إلا من هو متصف بصفات الكمال. ٦ - ومنها: إثبات أن السموات أكثر من واحدة؛ وهي سبع بنص القرآن، والسنة، والإجماع؛ أما القرآن فمثل قوله تعالى: ﴿قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم﴾ [المؤمنون: ٨٦]، وقوله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن﴾ [الطلاق: ١٢]؛ وأما السنة فمثل قوله (ص): «اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الرياح وما ذرين ... » (٥) الحديث؛ وأما الأرض فإنها جاءت بلفظ الإفراد في القرآن، وجاءت في السنة بلفظ الجمع؛ وعددها سبع: جاء ذلك في صريح السنة، وفي ظاهر القرآن؛ ففي ظاهر القرآن: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض

стр. 2196

مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]؛ لأن المماثلة في الوصف متعذرة؛ فلم يبق إلا العدد؛ وأما في السنة لمثل قوله (ص): «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين» (١). ٧ - ومن فوائد الآية: عموم علم الله وسعته؛ لقوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾؛ ولا محاسبة إلا من بعد علم. ٨ - ومنها: تحذير العبد من أن يخفي في قلبه ما لا يرضاه الله ؛ لأن الإنسان إذا علم بأن الله عالم بما يبدي وبما يخفي فسوف يراقب الله خوفاً من أن يحاسَب على ما أخفاه كما يحاسَب على ما أبداه. ٩ - ومنها: إثبات أن العبد يحاسب على ما في نفسه؛ وظاهره العموم؛ لقوله تعالى: ﴿ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾؛ ولكن جاءت النصوص الأخرى بالتفصيل في ذلك على النحو التالي: الأول: أن يكون ما يطرأ على النفس وساوس لا قرار لها، ولا ركون إليها؛ فهذه لا تضر؛ بل هي دليل على كمال الإيمان؛ لأن الشيطان إذا رأى من قلب الإنسان إيماناً ويقيناً حاول أن يفسد ذلك عليه؛ ولهذا لما شكا الصحابة إلى رسول الله (ص) ما يجدونه في أنفسهم من هذا قال ﷺ : «وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم؛ قال: ذاك صريح الإيمان» (٢)؛ وفي حديث آخر: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» (٣). الثاني: أن يهمّ بالشيء المحرم، أو يعزم عليه، ثم يتركه؛ وهذا أنواع: النوع الأول: أن يتركه لله؛ فيثاب على ذلك، كما جاءت به السنة فيمن همّ بسيئة فلم يعملها أنها تكتب حسنةً كاملة؛ قال الله تعالى: «لأنه تركها من جرّائي» (٤)، أي من أجلي. النوع الثاني: أن يهمّ بها، ثم يتركها عزوفاً عنها؛ فهذا لا له، ولا عليه؛ لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات؛ وإنما لكل امرئ ما نوى» (٥). النوع الثالث: أن يتمناها، ويحرص عليها؛ ولكن لا يعمل الأسباب التي يحصِّلها بها؛ فهذا يعاقب على نيته دون العقاب الكامل، كما جاء في الحديث في فقير تمنى أن يكون له مثل مال غني كان ينفقه في غير مرضاة الله؛ فقال النبي ﷺ : «فهو بنيته؛ فهما في الوزر سواء» (٦). النوع الرابع: أن يعزم على فعل المعصية، ويعمل الأسباب التي توصل إليها؛ ولكن يعجز عنها؛ فعليه إثم فاعلها؛ لقول النبي ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه» (٧). ١٠ - ومن فوائد الآية: إثبات محاسبة العبد؛ لقوله تعالى: ﴿يحاسبكم به الله﴾؛ ولهذا يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا» (٨)؛ فينبغي للإنسان أن يكون كيساً يحاسب

стр. 2197

نفسه قبل أن يحاسَب؛ وإني لأعجب أن كثيراً من الناس إذا كان له تجارة دنيوية فإنه لا ينام حتى ينظر في الدفاتر: ما الذي خرج؟ وما الذي دخل؟ وما الذي بقي في ذمم الناس؟ وما الذي بيع؟ وما الذي اشتري؟ إما بنفسه؛ وإما بمن يجعلهم على هذا؛ ولكننا في أعمالنا الأخروية عندنا تفريط - يعني يندر يوماً من الأيام أن تقول: ماذا عملت اليوم؟ وتستغفر مما أسأت فيه، أو فرطت؛ وتحمد الله على ما قمت به من طاعته. ١١ - ومن فوائد الآية: أن الله لم يصرح بالمعاقبة؛ ولا يلزم من المحاسبة المؤاخذة؛ لقوله تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾؛ ويؤيده ما ثبت في الصحيح أن الله يخلو بعبده المؤمن، فيقرره بذنوبه، ويقول: «عملت كذا في يوم كذا» حتى يقر؛ فإذا رأى أنه قد هلك يقول الله : «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (١). ١٢ - ومنها: سعة علم الله ، وكان من أسمائه: «الواسع» أي ذو السعة في جميع صفاته. ١٣ - ومنها: إثبات المشيئة لله ؛ لقوله تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾؛ ومشيئته تعالى مقرونة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً﴾ [الإنسان: ٣٠]؛ كل شيء أضافه الله إلى مشيئته فاعلم أنه مقرون بحكمة؛ لا يشاء شيئاً إلا لحكمة - أياً كان هذا الشيء. ١٤ - ومنها: أنه بعد المحاسبة إما أن يغفر للإنسان؛ وإما أن يعذبه؛ لقوله تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ فإن كان كافراً عذب؛ وإن كان مسلماً كان تحت المشيئة، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]. ١٥ - ومنها: إثبات القدرة لله، وعمومها في كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾؛ فلا أحد يقدر على كل شيء إلا الله ؛ وأما المخلوق فقدرته محدودة. فإن قيل: لماذا ختم الآية بالقدرة من بعد قوله تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾؛ ولم يختمها بالرحمة، ولا بالعقوبة؟ فالجواب: أن المحاسبة تكون بعد البعث؛ والبعث يدل على القدرة؛ كما قال تعالى: ﴿أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير﴾ [الأحقاف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير﴾ [فصلت: ٣٩]. وجه آخر: لو ختمت الآية بما يقتضي الرحمة وفيها التعذيب لم يكن هناك تناسب؛ ولو ختمت بما يقتضي التعذيب وفيها مغفرة لم يكن هناك تناسب؛ والقدرة تناسب الأمرين: تناسب المغفرة، وتناسب التعذيب؛ لأن المغفرة، والتعذيب كلٌّ لا يكون إلا بقدرة الله . القرآن ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥] التفسير: صدَّق وأيقن رسول الله محمد ﷺ بما أوحي إليه من ربه وحُقَّ له أن يُوقن، والمؤمنون كذلك صدقوا وعملوا بالقرآن العظيم، كل منهم صدَّق بالله رباً وإلهًا متصفًا بصفات الجلال والكمال، وأن لله ملائكة كرامًا، وأنه أنزل كتبًا، وأرسل إلى خلقه رسلا لا نؤمن -نحن المؤمنين- ببعضهم وننكر بعضهم، بل

стр. 2198

نؤمن بهم جميعًا. وقال الرسول والمؤمنون: سمعنا يا ربنا ما أوحيت به، وأطعنا في كل ذلك، نرجو أن تغفر -بفضلك- ذنوبنا، فأنت الذي ربَّيتنا بما أنعمت به علينا، وإليك -وحدك- مرجعنا ومصيرنا. روي عن حكيم ابن جابر، أنه قال: "لما أنزل على النبي ﷺ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى قومك. فسل. تعط. فسأل الله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها إلى آخر الآية" (١). وعن قتادة، قوله: " ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾، ذكر لنا أنه لما نزلت هذه الآية، قال: ويحق له أن يؤمن" (٢). وعن سعيد بن جبير، في قوله: " ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾، إلى قوله: ﴿وإليك المصير﴾، قال: كان ما قيل لهم، قولوا: آمنا" (٣). قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أي: " صدق الرسول بما أوحي إليه من ربه من الكتاب" (٤). قال القاسمي: " أي صدقه بقبوله والتخلق به كما قالت عائشة: "كان خلقه القرآن" (٥)، والترقي بمعانيه والتحقق" (٦). قال الثعلبي: " وحّد الفعل على لفظ كلّ، المعنى: كلّ واحد منهم آمن، فلو قال: آمنوا، لجاز لأن (كلّ) قد تجيء في الجمع والتوحيد، فالتوحيد قوله : ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]، والجمع قوله كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣]، ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٨] " (٧). واختلف السادة أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وذكروا فيه وجهين: أحدهما: أن "الذي أنزل هو القرآن". قاله القرطبي (٨). وهو قول الجمهور. والثاني: وقيل هو: القرآن والسنة. قاله العلّامة ابن عثيمين (٩). وعلى القول الثاني: أن "الرسول آمن بأن القرآن من عند الله أنزله إليه ليبلغه إلى الناس، وآمن بأن ما أوحي إليه من السنة هو من الله ؛ أوحي به ليبلغه إلى الناس؛ ثم هو أيضاً آمن بما يقتضيه هذا المنزل من قبول، وإذعان؛ ولهذا كان الرسول ﷺ أشد الناس تصديقاً بما أنزل إليه، وأقواهم إيماناً بلا شك، وكان أيضاً أعظمهم تعبداً لله حتى إنه كان يقوم في الليل حتى تتورم قدماه مع أنه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر (١٠)؛ وقام معه ابن مسعود ﵁ ذات ليلة يقول: فقام فأطال حتى هممت بأمر سوء؛ قالوا: بم هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: «هممت أن أجلس، وأدعه» (١١)؛ لأن الرسول كان يقوم قياماً طويلاً - صلوات الله وسلامه عليه؛ إذاً فهو أقوى الناس إيماناً، وأشدهم رغبة في الخير، وأكثرهم عبادة" (١٢). وقوله تعالى: ﴿آمن﴾؛ هو إقرار المستلزم للقبول، والإذعان - لقبول الخبر، والإذعان للحكم، أو لما يقتضيه؛ أما مجرد التصديق، والإقرار فلا ينفع؛ ولهذا كان أبو طالب مقراً ببعثة الرسول ﷺ ، وأنه على حق؛ لكن لما لم يكن منه قبول وإذعان لم ينفعه هذا الإقرار؛ فالإيمان شرعاً هو الإقرار المستلزم للقبول، والإذعان (١٣). وقيل: " قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾، على معنى الشكر، أي صدق الرسول ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ (١٤). و«الرسول» - كما قال العلماء - هو من أوحي إليه بشرع، وأُمِر بتبليغه؛ هذا الذي عليه أكثر أهل العلم؛ و «النبي» هو الذي لم يؤمر بتبليغه ما لم يدل الدليل على أن المراد به الرسول؛ ففي القرآن الكريم كل من وصف بالنبوة فهو رسول؛ لقوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ... ﴾ [النساء: ١٦٣] إلى قوله تعالى: ﴿رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء: ١٦٥]؛ ولقوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله﴾ [غافر: ٧٨] (١٥). قال الثعلبي: " وفي قراءة عليّ وعبد الله: ﴿وآمن المؤمنون كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ " (١٦). قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، " أي كذلك آمنوا" (١٧). روي " عن مقاتل ابن حيان، قوله: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾، فهذا قول، قاله الله، وقول النبي ﷺ ، وقول المؤمنين. فأثنى الله عليهم لما علم من إيمانهم بالله وملائكته وكتبه ورسله" (١٨). قوله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أي: الجميع" صدق بالله وملائكته وكتبه" (١٩). قال القاسمي: " أي الجميع من النبي والأتباع صدَّق بوحدانية الله، وآمن بملائكته وكتبه ورسله" (٢٠). قال الزجاج: "لما ذكر الله في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والطلاق والإيلاء والجهاد، ختم السورة بذكر تصديق نبيه ﷺ والمؤمنين بجميع ذلك، وهو قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٥] " (٢١). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، على وجهين: أحدهما: ﴿وَكِتابَهُ﴾، على الواحد بالألف، قرأه ابن عباس وعكرمة ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف، وفي هذه القراءة وجهان (٢٢):

стр. 2199

الوجه الأول: إنّهم أرادوا القرآن خاصّة. والوجه الثاني: إنّهم أرادوا جميع الكتب، يقول العرب: كثر اللبن وكثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يريدون الألبان والدراهم والدنانير. يدلّ عليه قوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. والثاني: ﴿كُتُبِهِ﴾، بالجمع قرأه الباقون، وهو ظاهر كقوله: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، "قرأ الحسن وابن سلمة بسكون السين لكثرة الحركات، وكذلك روى العباس عن ابن عمرو، وروى عن نافع وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. مخفّفين، الباقون بالإشباع فيها على الأصل" (١). قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، " أي: لا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعل اليهود والنصارى، بل نؤمن بجميع رسل الله دون تفريق" (٢). قال مقاتل بن حيان: " لا نكفر بما جاءت به الرسل، ولا نفرق بين أحد منهم، ولا نكذب" (٣). وروي " عن يحيى بن يعمر، أنه كان يقرأ ﴿كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾، يقول: كل آمن، وكل لا يفرق" (٤). قال الزجاج: " أي لا نفعل كما فعل أهل الكتاب قبلنا. الذين آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، نحو كفْر إليهود بعيسى، وكفْر النصارى بغيره فأخبر عن المؤمنين أنهم يقولون ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ " (٥). قال القاسمي: " أي بردّ بعض وقبول بعض، ولا نشك في كونهم على الحق وبالحق" (٦). قال ابن زيد: " كما صنع القوم - يعني بني إسرائيل - قالوا: فلان نبي، وفلان ليس نبيا، وفلان نؤمن به، وفلان لا نؤمن به" (٧). قال الواحدي: "معناه: لا نفعل كما فعل أهل الكتاب، حيث آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، بل نجمع بين الرسل كلهم في الإيمان بهم" (٨). وإنّما قال ﴿بين أحد﴾، ولم يقل (آحاد)، لأن الآحاد يكون للواحد والجميع، قال الله ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]. وقال النبيّ ﷺ : «ما أحلّت الغنائم لأحد سود الرؤوس غيركم» (٩)، قال رؤبة (١٠): ماذا [أمور] الناس ديكت دوكا ... لا يرهبون أحدا رواكا (١١) واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ على ثلاثة وجوه (١٢): أحدها: ﴿لا نفرّقن﴾، كما في مصحف عبد الله.

стр. 2200

والثاني: ﴿لا يفرّق﴾ بالياء، على معنى لا نفرّق الكلّ، فيجوز أن يكون خبرا عن الرسول. قرأ بذلك جرير بن عبد الله وسعيد بن جبير وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ويحيى بن يعمر والجحدري وابن أبي إسحاق ويعقوب. والثالث: : ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾، بالنون على إضمار القول تقديره: "وقالوا لا نفرّق كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣]، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [البقرة: آل عمران: ١٠٦]، يعني فيقال لهم: أكفرتم. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢]، أي يقولون: ربّنا. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣]، أي: يقولون: ما نعبدهم" (١). قلت: والقراءة بالنون ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾، هي التي قامت حجتها بالنقل المستفيض. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أي سمعنا "قولك وفهمناه" (٢). قال مقاتل: " سمعنا للقرآن الذي جاء من الله" (٣). قال الواحدي: أي: "سمعنا قوله" (٤). قال الزجاج: " أي " سَمعْنَا " سَمْع قابِلينَ" (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، "أي امتثلنا أمرك وقمنا به واستقمنا عليه" (٦). قال مقاتل: " أقروا بأن يطيعوه في أمره ونهيه" (٧). قال الواحدي: أي: "وأطعنا أمره" (٨). قال الزجاج: أي " قِبِلْنَا ما سَمِعْنَا، لأن مَن سمع فلم يعْمل قيل له أصم - كما قال جلَّ وعزَّ: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)، ليس لأنهم لَا يسْمعون ولكنهم صاروا - في ترك القبول بمنزلة من لا يسمع قال الشاعر (٩): أصَمُّ عمَّا سَاءَهُ سَمِيع" (١٠). قوله تعالى: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، " أي: اغفر غفرانك" (١١). روي "عن مقاتل بن حيان، في قول الله: ﴿غفرانك ربنا وإليك المصير﴾، تعليم من الله، فهذا دعاء دعا به النبي ﷺ فاستجاب له" (١٢). وروي: " عن ابن عباس، في قول الله تعالى ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه إلى قوله: ﴿غفرانك ربنا﴾، قال: قد غفرت لكم" (١٣).

стр. 2201

قال القاسمي: " وتقديم ذكر السمع والطاعة على طلب الغفران لما أن تقديم الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول" (١). وانتصب قوله تعالى ﴿غُفْرَانَكَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، لكونه مصدر وقع في موضع أمر، ومثله: الصلاة الصلاة (٢)، "وكذلك تفعل العرب بالمصادر والأسماء إذا حلت محل الأمر، وأدت عن معنى الأمر نصبتها" (٣)، كما قال الشاعر (٤): إن قوما منهم عمير وأشبا ... هـ عمير ومنهم السفاح لجديرون بالوفاء إذا قا ... ل أخو النجدة: السلاح السلاح! ! قال الفراء: "ومثله أن تقول: يا هؤلاء الليل فبادروا، أنت تريد: هذا الليل فبادروا. ومن نصب الليل أعمل فيه فعلا مضمرا قبله. ولو قيل: غفرانك ربنا لجاز" (٥). قال الزجاج: " أي أغفر غُفْرانَك، و (فُعْلان)، من أسْمَاءِ الْمَصَادِر نحو السُّلوان والكُفْران" (٦). قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أي: " وإليك يا ربنا مرجعنا ومعادنا" (٧). قال القاسمي: " أي الرجوع بالموت والبعث لا إلى غيرك، وهو تذييل لما قبله مقرر للحاجة إلى المغفرة، لما أن الرجوع للحساب والجزاء" (٨). قال ابن كثير: " أي: إليك المرجع والمآب يوم يقوم الحساب" (٩). قال الزجاج: " أي نحن مقرون بالبعْثِ" (١٠). قال الواحدي: " هذا إقرار منهم بالبعث" (١١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن محمداً (ص) مكلف بالإيمان بما أنزل إليه؛ ولهذا قال ﷺ : «أشهد أني رسول الله» (١٢)، في قصة دين جابر ﵁ كما في صحيح البخاري. ٢ - ومنها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾؛ والمنزل هو الوحي؛ والكلام وصف لا يقوم إلا بمتكلم؛ لا يمكن أن يقوم بنفسه؛ وعلى هذا يكون في الآية دليل على أن القرآن كلام الله - الوحي الذي أنزل على محمد ﷺ . ٣ - ومنها: إثبات علوّ الله ؛ لأن النزول لا يكون إلا من أعلى؛ لقوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه﴾. ٤ - ومنها: إثبات رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿الرسول﴾، وقوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾.

стр. 2202

٥ - ومنها: عظم ربوبية الله، وأخصيتها بالنسبة إلى الرسول ﷺ ، حيث قال تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾. ويتفرع على ذلك أن الله سينصره؛ لأن الربوبية الخاصة تقتضي ذلك - لا سيما وأنه سوف يبلِّغ ما أنزل إليه من ربه. ٦ - ومن فوائد الآية: أن المؤمنين تبع للرسول (ص)؛ لقوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾؛ وجه التبعية أنه ذكر ما آمن به قبل أن يذكر التابع - يعني ما قال: «آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه»، وهذا يدل على أنهم أتباع للرسول (ص) لا يستقلون بشريعة دونه. ٧ - ومنها: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيماناً بالرسول ﷺ كان أشد اتباعاً له؛ وجهه أنه تعالى قال: ﴿بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ يعني: والمؤمنون آمنوا بما أنزل على محمد ﷺ من ربه؛ وعليه فكل من كان أقوى إيماناً كان أشد اتباعاً. ٨ - ومنها: أن إيمان الرسول ﷺ والمؤمنين شامل لكل أصول الدين؛ لقوله تعالى: ﴿كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾؛ ويبقى عندنا إشكال؛ وهو أنه ليس في الآية ذكر الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر؟ والجواب من أحد وجهين: أحدهما: أن يقال: إن هذا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾. والوجه الثاني: أن يقال: إن الإيمان بالكتب، والرسل متضمن للإيمان باليوم الآخر، والقدر. ٩ - ومن فوائد الآية: إثبات الملائكة. ١٠ - ومنها: أن الإيمان بالرسل ليس فيه تفريق؛ لا تقول مثلاً: نؤمن بمحمد ﷺ ، ولا نؤمن بعيسى لأن عيسى من بني إسرائيل؛ نحن لا نفرق بين الرسل؛ وقد سبق لنا معنى قوله تعالى: ﴿لا نفرق﴾. ١١ - ومن فوائد الآية: أن من صفات المؤمنين السمع، والطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿وقالوا سمعنا وأطعنا﴾؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون * ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾ [النور: ٥١، ٥٢]، وكقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ [الأحزاب: ٣٦]؛ والناس في هذا الباب على ثلاثة أقسام: القسم الأول: من لا يسمع، ولا يطيع؛ بل هو معرض؛ لم يرفع لأمر الله، ورسوله رأساً. القسم الثاني: من يسمع، ولا يطيع؛ بل هو مستكبر؛ اتخذ آيات الله هزواً، كقوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً فبشره بعذاب أليم﴾ [لقمان: ٧]، وكقوله تعالى: ﴿وقالوا سمعنا وعصينا﴾ [البقرة: ٩٣]؛ وهذا أعظم جرماً من الأول. القسم الثالث: من يسمع، ويطيع؛ وهؤلاء هم المؤمنون الذين قالوا سمعنا وأطعنا، وقال الله فيهم: ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ [الأحزاب: ٧١]. ١٢ - ومن فوائد الآية: أن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله؛ لقوله تعالى: ﴿غفرانك﴾؛ فكل إنسان محتاج إلى مغفرة - حتى النبي ﷺ محتاج إلى مغفرة؛ ولهذا لما قال ﷺ : «لن يُدخل الجنة أحداً عملُه قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة» (١)؛ وقال الله : ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ١، ٢]، وقال تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: ١٩]؛ واعلم أن الإنسان قد يكون بعد

стр. 2203

الذنب أعلى مقاماً منه قبل الذنب؛ لأنه قبل الذنب قد يكون مستمرئاً للحال التي كان عليها، وماشياً على ما هو عليه معتقداً أنه كامل، وأن ليس عليه ذنوب؛ فإذا أذنب، وأحس بذنبه رجع إلى الله، وأناب إليه، وأخبت إليه، فيزداد إيماناً، ويزداد مقاماً - يرتفع مقامه عند الله ؛ ولهذا قال الله تعالى في آدم: ﴿وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]- فجعل الاجتباء بعد هذه المعصية - ﴿فتاب عليه وهدى﴾ [طه: ١٢٢]؛ وهذا كثيراً ما يقع: إذا أذنب الإنسان عرف قدر نفسه، وأنه محتاج إلى الله، ورجع إلى الله، وأحس بالخطيئة، وأكثر من الاستغفار، وصار مقامه بعد الذنب أعلى من مقامه قبل الذنب. ١٣ - ومن فوائد الآية: تواضع المؤمنين، حيث قالوا: ﴿سمعنا وأطعنا﴾، ثم سألوا المغفرة خشية التقصير. ١٤ - ومنها: إثبات أن المصير إلى الله في كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وإليك المصير﴾؛ وقد سبق في التفسير أن المراد بذلك المصير إلى الله في الآخرة، والمصير إلى الله في الدنيا أيضاً؛ فهو الذي يحكم بين الناس في الدنيا والآخرة - كما قال تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: ١٠]: هذا في الدنيا؛ والآخرة: كما قال تعالى: ﴿لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم﴾ [الممتحنة: ٣]، وقال تعالى: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة﴾ [النساء: ١٤١]. القرآن ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] التفسير: دين الله يسر لا مشقة فيه، فلا يطلب الله مِن عباده ما لا يطيقونه، فمن فعل خيرًا نال خيرًا، ومن فعل شرّاً نال شرّاً. ربنا لا تعاقبنا إن نسينا شيئًا مما افترضته علينا، أو أخطأنا في فِعْل شيء نهيتنا عن فعله، ربَّنا ولا تكلفنا من الأعمال الشاقة ما كلفته مَن قبلنا من العصاة عقوبة لهم، ربنا ولا تُحَمِّلْنَا ما لا نستطيعه من التكاليف والمصائب، وامح ذنوبنا، واستر عيوبنا، وأحسن إلينا، أنت مالك أمرنا ومدبره، فانصرنا على مَن جحدوا دينك وأنكروا وحدانيتك، وكذَّبوا نبيك محمدًا ﷺ ، واجعل العاقبة لنا عليهم في الدنيا والآخرة. وردت في هذه الآية، والتي قبلها نصوص تدل على الفضل العظيم؛ منها (١): ١ - أنها من كنز تحت العرش (٢). ٢ - أنها فتحت لها أبواب السماء عند نزولها (٣). ٣ - أنها لم يعطها أحد من الأنبياء قبل رسول الله ﷺ (٤). ٤ - أن من قرأهما في ليلة كفتاه (٥).

стр. 2204

قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [االبقرة: ٢٨٦]، "أي: لا يحملها إلا ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه" (١). قال الزجاج: " أي إلا قدرَ طَاقَتها، لا يكلفها فَرضاً من فُروضهِ من صَوْم أوصَلاةٍ أو صَدقَةٍ أو غير ذلك إلا بمقدار طاقتها" (٢). قال الواحدي: أي: " لا يكلفها إلا يسرها لا عسرها" (٣). قال الطبري: " لا يكلف الله نفسا فيتعبدها إلا بما يسعها، فلا يضيق عليها ولا يجهدها" (٤). قال ابن كثير: " أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة، في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه﴾ أي: هو وإن حاسب وسأل لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يمكن دفعه من وسوسة النفس وحديثها، فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان" (٥). وقال الزمخشري: "أى لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود. وهذا إخبار عن عدله ورحمته كقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾، لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلى أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة" (٦). قال أبو حيان: " ظاهره أنه استئناف، خبر من الله تعالى أخبر به أنه لا يكلف العباد من أفعال القلوب والجوارح إلاّ ما هو في وسع المكلف، ومقتضى إدراكه وبنيته، وانجلى بهذا أمر الخواطر الذي تأوله المسلمون في قوله: ﴿إِن تُبْدُوا﴾ الآية، وظهر تأويل من يقول: إنه لا يصح تكليف ما لا يطاق، وهذه الآية نظير. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ " (٧). قال عبد الجبّار بن العلاء العطّار: "سئل سفيان بن عيينة عن قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها﴾، فقال: إلّا يسرها لا عسرها، ولم يكلّفها طاقتها ولو كلّفها طاقتها لبلغ المجهود منها" (٨). قال الثعلبي: "وهذا قول حسن لأنّ الوسع ما دون الطاقة، فقال بعض أهل الكلام: يعني إلّا ما يسعها ويحل لها، كقول القائل: ما يسعك هذا الأمر؟ أي ما يحلّ الله لك؟ فبيّن الله تعالى أن ما كلّف عباده فقد وسعه لهم والله أعلم" (٩). والتكليف لغة": "مصدر كلّف، يقال: كلفه تكليفاً أي أمره بما يشق عليه" (١٠)، وفي الاصطلاح: "خطاب الله تعالى، المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع" (١١).

стр. 2205

والوسع: "اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق عنه" (١). قال الفراء: (والوسع): "اسم في مثل معنى الوجد والجهد. ومن قال في مثل الوجد: الوجد، وفي مثل الجهد: الجهد قال في مثله من الكلام: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، ولو قيل: (وَسِعَها) لكان جائزا، ولم نسمعه" (٢). وقد تعددت أقوال السادة أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، على وجوه: أحدها: ما أخرجه الطبري: " عن ابن عباس قوله: " ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، قال: هم المؤمنون، وسع الله عليهم أمر دينهم، فقال الله جل ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦] " (٣). وروي عن الحسن (٤) مثل ذلك. قال الواحدي: " وهذا أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية، وذلك أن الوُسع دون الطاقة، والله تعالى كلفنا دون طاقتنا تفضلًا منه" (٥). والثاني: وقيل: "وسعها، طاقتها، وكان حديث النفس مما لم يطيقوا". قاله السدي (٦). والثالث: ما أخرجه ابن أبي حاتم: "عن سفيان: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، قال: في شأن النفقة إلا ما استطاعت" (٧). قلت: وتلك المعاني متقاربة، تدور حول تفضله على عباده ألا يكلف نفساً إلا وسعها. كما وذكر أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [االبقرة: ٢٨٦]، وجوها: أحدها: ﴿إلا وسعها﴾: أي: "إلا ما عملت لها". قاله الشعبي (٨). والثاني: يعني: "لم يكلفوا من العمل ما لم يطيقوا". قاله كعب القرظي (٩)، وروي عن ابن حيان وأبي مالك والسدي وقتادة وزيد بن أسلم، نحو ذلك (١٠). والثالث: وقيل يعني: في نفقة الرجل على أهله، ليس لها إلا ما وجد. روي نحوه عن عمر بن عبدالعزيز (١١).

стр. 2206

والرابع: وقيل يعني: ﴿وسعها﴾ في "أداء الفرائض". قاله سفيان الثوري (١). وقد ذكر الماوردي في قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [االبقرة: ٢٨٦]، وجهين (٢). أحدهما: وعدٌ من الله ورسوله وللمؤمنين بالتفصل على عباده ألا يكلف نفساً إلا وسعها. روي والثاني: أنه إخبار من النبي ﷺ ومن المؤمنين عن الله، على وجه الثناء عليه، بأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها. قال الثعلبي: " وقرأ إبراهيم ابن أبي عبلة الشامي: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وَسِعَها﴾، بفتح الواو وكسر لسين على الفعل، يريد: إلّا وسعها أمره، أو أراد إلّا ما وسعها فحذف (ما) " (٣). قال الواحدي: " وتقول القدرية: إن الله تعالى أخبر أنه لا يكلف العبد إلا ما يسعه، وإذا كلفه الإيمان وقضى عليه الكفرَ فقد كَلَّفَهُ ما لا يسعه، فيقال لهم: يلزمكم مثلُ هذا في العِلْم، لأنكم توافقوننا على أن الله تعالى إذا سبق في مَعْلُومه أن فلانًا يموت كافرًا فلا سبيل له إلى تبديل معلومه، فإذا كلفه الإيمان فقد كلفه ما لا يطيق، وهذا معنى قول الشافعي، ﵁: إذا سلمت لنا القدرية العلم خُصموا" (٤) " (٥). قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي لها" ما عملت من خير" (٦). قال قتادة: " أي: من خير" (٧). وروي عن ابن عباس (٨)، والسدي (٩)، ومحمد بن كعب القرظي (١٠)، مثل ذلك. قال الواحدي: " من العمل بالطاعة" (١١). قال الثعلبي: " أي للنفس ما عملت من الخير والعمل الصالح، لها أجره وثوابه" (١٢). قال الزمخشري: " ينفعها ما كسبت من خير .. ولا يثاب غيرها بطاعتها" (١٣). قال ابن عثيمين: " أي ما عملت من خير، لا ينقص منه شيء" (١٤). قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي: وعليها" ما عملت من شر" (١٥). قال قتادة: " أي: من شر - أو قال: من سوء" (١٦). وروي عن ابن عباس (١٧)، والسدي (١٨) مثل ذلك. قال الواحدي: " من العمل بالإثم" (١٩)، " أي: لا يؤاخَذ أحد بذنب غيره" (٢٠).

стр. 2207

قال الثعلبي: " ن الشرّ بالعمل السيء عليها وزره" (١). قال الزمخشري: ويضرها ما اكتسبت من شر .. ولا يؤاخذ بذنبها غيرها" (٢). قال ابن عثيمين: " أي ما اقترفت من إثم لا يحمله عنها أحد" (٣). وقال ابن كثير: " وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف" (٤). وروي" عن عبد الله بن عباس: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾، عمل اليد والرجل واللسان" (٥). وقال الزجاج: " ومعنى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، أي لا يؤَاخذ أحداً - بذنب غيره - كما قال - جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ " (٦). قال الطبري: "لا يكلف الله نفسا إلا ما يسعها فلا يجهدها، ولا يضيق عليها في أمر دينها، فيؤاخذها بهمة إن همت، ولا بوسوسة إن عرضت لها، ولا بخطرة إن خطرت بقلبها" (٧). وفي التفريق بين ﴿كَسَبَتْ﴾، و ﴿اكْتَسَبَتْ﴾، وجهان: أحدهما: أن لفظهما مختلف ومعناهما واحد. قال الواحدي: "والصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد لا فرق بينهما، قال ذو الرمة (٨): ألفى أباهُ بذاك الكسْبِ يكْتسبُ"" (٩). قال الرازي: "والقرآن أيضاً ناطق بذلك، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وقال: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقال: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِا خَطِيائَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾، فدل هذا على إقامة كل واحد من هذين اللفظين مقام الآخر" (١٠). والثاني: ومن الناس من سلم الفرق، ثم فيه قولان: أحدهما: "أن الاكتساب أخص من الكسب، لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره، والاكتساب لا يكون إلا ما يكتسب الإنسان لنفسه خاصة يقال فلان كاسب لأهله، ولا يقال مكتسب لأهله" (١١)، ومنه قول الجطيئة (١٢): أَلْقَيْتَ كَاسِبَهُمْ في قَعْرِ مُظلِمَةٍ ... فاغْفَر هَداكَ مَلِيكُ الناسِ يا عُمَرُ والثاني: أن ﴿كسبت﴾ مستعمل في الخير خاصة، و ﴿اكتسبت﴾ مستعمل في الشر خاصّة.

стр. 2208

قال ابن القيم: "وفيه فرق أحسن من هذا وهو أن الاكتساب يستدعي التعمل والمحاولة والمعاناة فلم يجعل على العبد إلا ما كان من هذا القبيل الحاصل بسعيه ومعاناته وتعمله، وأما الكسب فيحصل بأدنى ملابسة، حتى بالهم بالحسنة ونحو ذلك" (١). وقال الزمخشري: "فإن قلت لم خص الخير بالكسب، والشر بالاكتساب؟ قلت: في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي منجذبة إليه، وأمَّارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجد فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال، أى لا تؤاخذنا بالنسيان أو الخطأ إن فرط منا" (٢). وقال ابن عطية: "والذي يظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما تكتسب دون تكلف، إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة، إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى، ويتخطاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين احترازاً لهذا المعنى" (٣). وقال العكبري: "وقال آخرون: اكتسب: افتعل يدل على شدة الكلفة، وفعل السيئة شديد لما يؤول إليه" (٤). قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي: "لا تعذبنا يا ألله بما يصدر عنا بسبب النسيان" (٥). قال ابن زيد: " إن نسينا شيئا مما افترضته علينا" (٦). قال الواحدي: أي " لا تعاقبنا إن تركنا شيئا من اللازم لنا" (٧). قال ابن كثير: " أي: إن تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك" (٨). قال القرطبي: " يعني: إن جهلنا" (٩). قال الثعلبي: " قال أهل المعاني: وإنّما خرج على لفظ المفاعلة وهو فعل واحد لأنّ المسيء قد أمكر وطرق السبيل إليها وكأنّه أعان عليه من يعاقبه بذنبه ويأخذه به فشاركه في أخذه" (١٠). وروي عن قتادة في قوله: " ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، بلغني أن النبي ﷺ قال: إن الله تجاوز لهذه الأمة عن نسيانها وما حدثت به أنفسها" (١١). وقال الحسنفي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾: "معناه: قولوا: ﴿ربنا﴾، على التعليم للدعاء" (١٢). وقيل: "أي: يقولون: ﴿رَبَّنَا﴾. على الخبر" (١٣). وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فيه تأويلان (١٤): أحدهما: يعني إن تناسينا أمرك. قاله الكلبي (١٥)، وذلك على مَا جاءَ عن النبي ﷺ " «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (١٦) (١٧).

стр. 2209

والثاني: إن تركنا، من النسيان الذي هو الترك والإغفال. قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. قاله قطرب (١). قال الثعلبي: "والأوّل أجود" (٢). قوله تعالى: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي: "لا تعذبنا يا ألله بما يصدر عنا بسبب الخطأ" (٣). قال الواحدي: " أثمنا وتعمدنا الإثم" (٤). قال ابن زيد: " [فأصبنا] شيئا مما حرمته علينا" (٥). قال الزجاج: " أيْ كَسَبْنَا خطيئةً" (٦). قال ابن كثير: " أي: الصوابَ في العمل، جهلا منا بوجهه الشرعي" (٧). قال القرطبي: " يعني: إن تعمدنا، ويقال: إن عملنا بالنسيان والخطأ" (٨). وروي " عن ابن عباس، في قوله: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، قال: لا أؤاخذكم" (٩). وروي عن سعيد (١٠) مثل لك. وروي: "عن أبي هريرة، ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، قال: نعم" (١١). واختلف في الأصل اللغوي لكلمة ﴿أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، على قولين (١٢): أحدهما: من القصد والعمد، يقال: خطيء فلان إذا تعمّد يخطأ خطأ وخطأ، قال الله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً﴾ [الإسراء: ٣١]، وأنشد أمية بن أبي الصلت (١٣): عبادك يخطئون وأنت ربّ ... يكفّيك المنايا والحتوم ومنه قول عبيد بن الأبرص الأسدي (١٤): الناس يلحون الأمير إذا هم ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد يعني: "أخطأوا الصواب وهذا الوجه الذي يرغب العبد إلى ربه في صفح ما كان منه من إثم عنه، إلا ما كان من ذلك كفرا" (١٥).

стр. 2210

والثاني: من الخطأ الذي هو الجهل والسهو. والراجح-والله أعلم- هو القول الثاني "لأن ما كان عمدا من الذنب غير معفو عنه، بل هو في مشيئة الله تعالى ما لم يكن كفرا" (١). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وجهان (٢): أحدهما: ما تأولوه من المعاصي بالشبهات. والثاني: ما عمدوه من المعاصي التي هي خطأ تخالف الصواب. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً﴾ [البقرة: ٢٨٥]، "" أي ولا تكلفنا بالتكاليف الشاقة التي نعجز عنها" (٣). قال الواحدي: " أي: عهدا وميثاقا لا نطيقه ولا نستطيع القيام به" (٤). قال ابن كثير: أي: " لا تكلّفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها" (٥). قال البغوي: " أي عهدا ثقيلا وميثاقا، لا نستطيع القيام به، فتعذبنا بنقضه وتركه" (٦). قال ابن عثيمين: " وكرر النداء تبركاً بهذا الاسم الكريم، وتعطفاً على الله ؛ لأن هذا من أسباب إجابة الدعاء؛ و «الإصر» هو الشيء الثقيل الذي يثقل على الإنسان من التكاليف، أو العقوبات" (٧). قوله تعالى: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أي: "كما كلفت بها من قبلنا من الأمم" (٨). قال ابن عثيمين: " أي اليهود، والنصارى، وغيرهم" (٩). قال مقاتل: " كما حملته على اليهود والنصارى فأهلكتهم" (١٠). قال البغوي: "يعني اليهود، فلم يقوموا به فعذبتهم، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وأخذتم على ذلكم إصري﴾ [آل عمران: ٨١]، أي: عهدي" (١١). قال ابن كثير: أي: " كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثتَ نبيَك محمدًا ﷺ نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به، من الدين الحنيف السهل السمح" (١٢). قال القرطبي: " وهو أنه حرم عليهم الطيبات بظلمهم، وكانوا إذا أذنبوا بالليل وجدوا ذلك مكتوبا على بابهم، وكانت الصلوات عليهم خمسين، فخفف الله عن هذه الأمة وحط عنهم بعد ما فرض خمسين صلاة" (١٣). قال البغوي: و" يدل عليه قوله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ [الأعراف: ١٥٧] " (١٤).
следующие страницы →