← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والسابع: (نعبدْ)، حكاه أبو حيان عن بعض أهل مكة (١). والثامن: (نِعْبُدُ)، بكسر النون، قرأ بها زيد بن علي، ويحيى بن وثاب، وعبيد بن عمير الليثي (٢). والتاسع: (نعبُدو)، بإشباع الضمة، قراءة نافع برواية وَرْش. والعاشر: (نَسْتَعِينُ)، قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي. والحادي عشر: (نِسْتَعِينُ)، بكسر (النون)، قراءة، عبيد بن عمير الليثي، وزر بن حبيش، ويحيى بن وثاب، والنخعي، والأعمش، وهي لغة قيس، وتميم، وأسد، وربيعة (٣). قال القرطبي: " (وإياك نِستعين) عطف ملة على جملة، أي نطلب العون والتأييد والتوفيق، هي لغة تميم وقيس وأسد وربيعة، ليدل على أنه من استعان، فكُسرت النون كما تُكسر ألف الوصل (٤). قال أبو حيان: "إن فتح نون (نستعين) هي لغة الحجاز، وهي الفصحى، وقرأ بكسرها وهي لغة قيس وتميم وأسد وربيعة وكذلك حكم حرف المضارعة في هذا الفعل وما أشبهه (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إخلاص العبادة لله؛ لقوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾؛ وجه الإخلاص: تقديم المعمول. ٢ - ومنها: أن العبادة تطلق في المعنى الشرعي على أمرين، الأمر الأول: بالنظر إلى فعل العبد، والثاني: بالنظر إلى المفعولات والأعمال التي تعبَّد الله الناس بها ٣ - ومن الفوائد: أن العبادة اسمٌ جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فهذا بالاعتبار الثاني أي باعتبار المفعولات والأعمال التي شرعها الله لعباده ليتقربوا بها إليه. وإذا نظرنا إلى العبادة بالاعتبار الأول، أي باعتبار أنها نفس فعل العبد الذي هو صفة من صفاته، نقول: إن العبادة هي الانقياد لله ، بمعنى الإسلام، أي إسلام الوجه لله ﵎ والخضوع له بالطاعة، يعني فعل العبد لا نفس العبادات التي شرعها الله ، لأن العبادة مصدر، تارةً يراد بها المفعول، وتارةً تطلق على نفس الفعل، كما تقول القرآن يطلق على نفس المقروء الذي هو الكتاب الذي بين أيدينا، ويطلق على القراءة، وكذلك الوحي يطلق على هذا القرآن أنه وحي، يعني ما نتج عن الإيحاء وهو هذا الكتاب، وتارةً يطلق على نفس العملية التي هي الإيحاء، فتارةً يطلق على هذا المعنى، وتارةً يطلق على المعنى الآخر، فهما إطلاقان معروفان، "وقدم المفعول وهو إياك، وكرر للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك ولا نتوكل إلا عليك" (٦). قال ابن عاشور: " ... وهو شرائع الإسلام" (٧).

стр. 247

وبنحو ذلك في حديث رسول الله ﷺ فمن ذلك قوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (١). وقد قال ﷺ : "تبسمك في وجه أخيك صدقة" (٢). وقد مر شاب على النبي ﷺ فرأى أصحاب النبي ﷺ جلدة ونشاطة فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : "إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان" (٣). وقال النبي ﷺ : "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا يا رسول الله وإن لنا في هذه البهائم لأجراً فقال: في كل كبد رطبة أجر" (٤). وقال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" (٥). وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "نزع رجل لم يعمل خير قط غصن شوك عن الطريق إما كان في شجرة فقطعه فألقاه وإما كان موضوعاً فأماطه، فشكر الله له بها فأدخله الجنة" (٦). هذا وغيره من الأعمال التي تنبع من نفس تحب الخير وترغب في العطاء، ويبتغي بذلك وجه الله، أي تقدم نفعاً للمجتمع فهو عبادة، لذلك قال العلماء النية تقلب العادة عبادة. ٤ - ومنها أن المفهوم العام للعبادة له آثار إيجابية على سلوك الناس، ومن أبرز هذه الآثار: أن الإنسان العاقل عندما يقدم على عمل ويعتبره عبادة فإنه سيؤديه على أحسن وجه لأنه يرجو ثوابه عند الله على مقدار إخلاصه وصدقه في أدائه، سواء كان يؤدي حرفة أو تعليماً أو أداء وظيفة إدارية، أو يقدم بحثاً علمياً فإنه في عبادة وبالتالي سيبذل أقصى ما يستطيع من جهد، لأن في حسه أنه يؤدي عبادة والله مطلع عليه "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" (٧). ٥ - ومنها ان الإحسان في العبادة "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (٨).

стр. 248

٦ - ومن الفوائد في مفهوم العبادة الشامل، هو أن الإنسان سيتجنب الكثير من الأعمال التي لا تدخل دائرة العبادة. أي الأعمال غير المشروعة أو المحرمة، لأن الأعمال كلها إما أن تكون في دائرة المشروع الجائز، أو في دائرة المنهي عنه فتركه للمنهي عنه أيضاً عبادة يؤجر عليها. قال رسول الله ﷺ : " .. وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" (١). ٧ - ومنها: إخلاص الاستعانة بالله ؛ لقوله تعالى: ﴿وإياك نستعين﴾، حيث قدم المفعول. فإن قال قائل: كيف يقال: إخلاص الاستعانة لله وقد جاء في قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢] إثبات المعونة من غير الله ، وقال النبي ﷺ : "تعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة" (٢)؟ فالجواب: أن الاستعانة نوعان: استعانة تفويض؛ بمعنى أنك تعتمد على الله ، وتتبرأ من حولك، وقوتك؛ وهذا خاص بالله ؛ واستعانة بمعنى المشاركة فيما تريد أن تقوم به: فهذه جائزة إذا كان المستعان به حياً قادراً على الإعانة؛ لأنه ليس عبادة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢]. فيمكن القول بأن والاستعانة نوعان: احدهما: نوع خاص بالله تعالى: لا يُطلب إلا منه ، ولا يُقصد غيره فيه، ويكون ذلك في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه، كالاستعاذة، والمدد، وجلب الخير، ودفع الضر، وإجابة الدعاء، والاستغاثة، وطلب النجاح والشفاء، وطلب الولد والرزق. والثاني: ونوع هو في مقدور الناس: كالاستعانة بشخص في حمل شيء لا يستطيع حمله، أو الاستعانة به في إنهاء معاملة أو مصلحة مشروعة، أو الاستعانة به في أن يشفع له شفاعة حسنة لدى مسئول للتوصل إلى حقه، أو لدفع الضرر عنه، كذلك كل ما يعجز عنه الإنسان في أمور الدنيا ويحتاج إلى مساعدة غيره فيه، ويكون ذلك في الأمور التي تدخل في قدرة الإنسان وتصرفه، فهي استعانة جائزة مشروعة. فإن قال قائل: وهل الاستعانة بالمخلوق جائزة في جميع الأحوال؟ فالجواب: لا؛ الاستعانة بالمخلوق إنما تجوز حيث كان المستعان به قادراً عليها؛ وأما إذا لم يكن قادراً فإنه لا يجوز أن تستعين به: كما لو استعان بصاحب قبر فهذا حرام؛ بل شرك أكبر؛ لأن صاحب القبر لا يغني عن نفسه شيئاً؛ فكيف يعينه! ! ! وكما لو استعان بغائب في أمر لا يقدر عليه، مثل أن يعتقد أن الوليّ الذي في شرق الدنيا يعينه على مهمته في بلده: فهذا أيضاً شرك أكبر؛ لأنه لا يقدر أن يعينه وهو هناك. فإن قال قائل: هل يجوز أن يستعين المخلوقَ فيما تجوز استعانته به؟ فالجواب: الأولى أن لا يستعين بأحد إلا عند الحاجة، أو إذا علم أن صاحبه يُسَر بذلك، فيستعين به من أجل إدخال السرور عليه؛ وينبغي لمن طلبت منه الإعانة على غير الإثم والعدوان أن يستجيب لذلك.

стр. 249

٨ - ومن الفوائد أن كلمة الاستعانة تُشعر بوجوب العمل، والأخذ بالأسباب، لأن الاستعانة طلب العون من الله تعالى على أداء عمل أو إتمامه، وذلك في كل ما للإنسان فيه كسب، كطلب الشفاء من الله تعالى مع بذل سبب العلاج وأخذ الدواء، وطلب الرزق مع بذل السبب، وطلب النصر على العدو مع مجاهدته وإعداد العدة، وطلب النجاح في الامتحان من الله تعالى مع الجد والاجتهاد في تحصيل الدروس، وهكذا. وكل من ترك الأخذ بالأسباب يكون قد جانب الصواب، وكل من اعتمد على الله تعالى دون أن يبذل الأسباب فقد أخطأ الاعتقاد، فإن العبد لا يستغني عن العون الإلهي مهما أوتي من قوة وحصافة، ولابد له من العمل والتوكل، ولا ينفع التوكل بدون عمل، ولا ينفع عمل بدون توكل واستعانة. ٩ - ومن الفوائد اشتمال هذه الآية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، على توحيد الربوبية والاستعانة به ، وهي أفضل الوسائل للإعانة على العبادة، والتعبد يكون باسم الله، واسم الرحمن، واسم الرب، والمسلم يعبد الله تعالى بألوهيته، ويستعين بربوبيته. عن الحسن: أن الله تعالى أنزل مئة وأربعة كتب جمع معانيها في أربعة هن: التوراة، والإنجيل، والقرآن، والزبور، وجمع معانيها في القرآن، وجمع معاني القرآن في الفاتحة، وجمع معاني الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١). وإذا قرأ العبد "الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" وعند التلفظ بـ "وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" تغمره السكينة والطمأنينة، لأنه قد توكل على الله، وألقى إليه مقاليد أموره في الدنيا والآخرة، لعينه سبحانه على الوصول إليها. القرآن ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦] التفسير: دُلَّنا، وأرشدنا، ووفقنا إلى الطريق المستقيم، وثبتنا عليه حتى نلقاك، وهو الإسلام، الذي هو الطريق الواضح الموصل إلى رضوان الله وإلى جنته، الذي دلّ عليه خاتم رسله وأنبيائه محمد ﷺ ، فلا سبيل إلى سعادة العبد إلا بالاستقامة عليه. قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، " أي: دلنا وأرشدنا يا رب إِلى طريقك الحق ودينك المستقيم" (٢). قال ابن أبي زمنين: "اي أرشدنا الطريق" (٣). قال النسفي: " أي ثبتنا على المنهاج الواضح" (٤). قال الزجاج: اي: ثبتنا على المنهاج الواضح" (٥). قال مقاتل: " يعني دين الإسلام، لأن غير دين الإسلام لَيْسَ بمستقيم" (٦).

стр. 250

قال القاسمي: " أي ألهمنا الطريق الهادي، وأرشدنا إليه، ووفقنا له" (١). قال الخطيب المكي: أي: " نور قلوبنا بهدايتك الربانية لنعرف السبل الموصلة إليك، فأنت وحدك الذي تنعم بالهداية وتوفق من أردت إلى اتباع أوامرك الإلهية" (٢). قال البيضاوي: " بيان للمعونة المطلوبة فكأنه قال: كيف أعينكم فقالوا اهْدِنَا. أو إفراد لما هو المقصود الأعظم" (٣). قال الطبري: " وإنما وصفه الله بالاستقامة، لأنه صواب لا خطأ فيه" (٤). قال ابن عثيمين: " والمراد بـ "الهداية" هداية الإرشاد، وهداية التوفيق؛ فأنت بقولك: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ تسأل الله تعالى علماً نافعاً، وعملاً صالحاً" (٥). قال الراغب: "الهداية: دلالة بلطف" (٦). وفي الصحاح: الهداية بمعنى الارشاد والدلالة (٧)، ويقال: هديتُهُ الطريقَ والبيتَ هداية، أي عَرَّفتُه به (٨). و﴿الصراط﴾: هو الطريق السهل (٩)، والسبيل الواضح (١٠). فـ"الطريق: هو كل ما يطرقه طارقٌ، معتادًا كان أو غير معتادٍ، والسبيل من الطُّرق: ما هو مُعتادُ السلوكِ، والصراط من السبيل: ما لا التِواء فِيه ولا اعوِجاج، بل يكون على سبيلِ القَصْدِ، فهو أخصُّ منها" (١١). وفي قوله تعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، تأويلان (١٢): أحدهما: معناه أرْشُدْنا ودُلَّنَا. قاله علي بن أبي طالب (١٣)، وأبيّ بن كعب (١٤)، والسدي (١٥)، ومقاتل (١٦). والثاني: معناه ألهمنا (وفقنا)، وهذا قول ابن عباس (١٧).

стр. 251

والهداية قد يأتي في كلام العرب: بمعنى التوفيق (١)، فمن ذلك قول الشاعر (٢): لا تَحْرِمَنِّي هَدَاكَ الله مَسْألتِي ... وَلا أكُونَنْ كمن أوْدَى به السَّفَرُ يعنى به: وفَّقك الله لقضاء حاجتي. ومنه قول الآخر (٣): ولا تُعْجِلَنِّي هدَاك المليكُ ... فإنّ لكلِّ مَقامٍ مَقَالا فمعلوم أنه إنما أراد: وفقك الله لإصابة الحق في أمري. ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: " لا يُوفِّقهم، ولا يشرَحُ للحق والإيمان صدورَهم" (٤). وذكر السمين الحلبي وجوها في معنى (الهداية) (٥): أحدها: الإرشاد. والثاني: الدلالة. والثالث: التقدم، ومنه هوادي الخيل لتقدمها قال امرؤ القيس (٦): فألحقه بالهاديات ودونه ... جواحرها في صرة لم تزيل فقوله: الهاديات، أي: أوائل بقر الوحش. والرابع: التبيين نحو: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]. أي بينا لهم. والخامس: الإلهام، نحو: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي ألهمه لمصالحه. والسادس: الدعاء كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، أي: داع. والسابع: وقيل هو الميل، ومنه ﴿إنا هدنآ إليك﴾ [الأعراف: ٥٦]، والمعنى: مل بقلوبنا إليك، قال السمين الحلبي: "وهذا غلط، فإن تيك مادة أخرى من هاد يهود" (٧). قال الحسن بن الفضل: " (الهدى) في القرآن على وجهين: الوجه الأول: هدى دعاء وبيان كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧]، و ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصّلت: ١٧]. الوجه الثاني: هدى توفيق وتسديد كقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] " (٨). وأما ﴿الصراط﴾، ففيه ثلاثة أقوال (٩): أحدها: أنه السبيل المستقيم، ومنه قول جرير (١٠):

стр. 252

أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِراطٍ ... إذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيم يريد على طريق الحق (١). ومنه قول الهُذلي أبي ذُؤَيْب (٢): صَبَحْنَا أَرْضَهُمْ بالخَيْلِ حَتّى ... تركْنَاها أَدَقَّ مِنَ الصِّرَاطِ وقال عامر بن الطفيل (٣): خشونا أرضهم بالخيل حتّى ... تركناهم أذل من الصراط والثاني: أنه الطريق الواضح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُون﴾ [الأعراف: ٨٦]، وقال الشاعر (٤): فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّرَاطِ الْقَاصِدِ والثالث: أن الصراط: الطريق، بلغة الروم. قاله النقاش (٥). قال ابن عطية: " وهذا ضعيف جدا" (٦). قال الماوردي: و ﴿الصراط﴾: " مشتق من مُسْتَرَطِ الطعام، وهو ممره في الحلق" (٧). قال الطبري: "أجمعَت الأمَّةُ من أهل التأويل جميعًا على أنَّ ﴿الصراطَ المستقيمَ﴾، هو: الطريقُ الواضحُ الذي لا اعوجاج فيه، وكذلك ذلك في لغة جميع العرب" (٨). قال ابن القيم ﵀: "و ﴿الصراط﴾: ما جَمَع خمسةَ أوصاف: أنْ يكون طريقًا مستقيمًا، سهلاً، مسلوكًا، واسعًا، موصلاً إلى المقصود، فلا تُسمِّي العربُ الطريقَ المُعْوَجَّ: صراطًا، ولا الصعبَ المشق، ولا المسدود غير الموصل، ومَن تأمَّلَ مواردَ الصراط في لسانهم واستعمالهم، تبيَّن له ذلك ... ولا تكون الطريقُ صراطًا حتى تتضمَّن خمسةَ أمور: الاستقامةَ، والإيصالَ إلى المقصود، والقُرْبَ، وسعتَه للمارِّين عليه، وتعيُّنَه طريقًا للمقصود" (٩). وفي الدعاء بهذه الهداية، ثلاثة تأويلات (١٠): أحدها: أنهم دعوا باستدامة الهداية، وإن كانوا قد هُدُوا. والثاني: معناه زدنا هدايةً. وضعفه الطبري (١١).

стр. 253

قال الزمخشري: " ومعنى طلب الهداية- وهم مهتدون- طلب زيادة الهدى بمنح الإلطاف، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾، ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ " (١). والثالث: أنهم دعوا بها إخلاصاً للرغبة، ورجاءً لثواب الدعاء. واختلفوا في المراد بالصراط المستقيم، على أقوال (٢): أحدها: أنه كتاب الله تعالى، وهو قول علي (٣)، وعبد الله (٤)، ويُرْوَى عن النبي ﷺ (٥). والثاني: أنه دين الله الإسلام، وهو قول جابر بن عبد الله (٦)، ومحمد بن الحنفية (٧)، وزيد بن أسلم (٨)، وابن عباس (٩) في رواية ميمون بن مهران عنه، ورواه نواس بن سمعان الأنصاري عن النبي ﷺ (١٠). والثالث: أنه الطريق الهادي إلى دين الله تعالى، الذي لا عوج فيه، وهو قول ابن عباس (١١)، ومجاهد (١٢). والرابع: هو رسول الله- ﷺ وأخيار أهل بيته وأصحابه، وهو قول الحسن البصري (١٣)، وأبي العالية الرياحي (١٤)، وأبي بريدة (١٥). والخامس: أنه طريق السواد الأعظم. قاله عبدالعزيز بن يحيى (١٦). والسادس: أنه يعني صراطا لا تزيغ به الأهواء يمينا وشمالا. قاله أبو بكر الورّاق (١٧). والسابع: أنه يعني طريق الخوف والرجاء. قاله محمد بن علي النهدي (١٨).

стр. 254

والثامن: أنه طريق العبودية. قاله أبو عثمان الداراني (١). والتاسع: أنه طريق السنّة والجماعة لأن البدعة لا تكون مستقيمة. قاله عبدالله التستري (٢). والعاشر: أنه سؤال الجنة، لقوله تعالى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ [محمد: ٤ - ٥]، وقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ [يونس: ٩] الآية (٣). الحادي عشر: أن المعنى: علمنا العلم الحقيقيّ فذلك سبب الخلاص، وهو المعبّر عنه بالنور في قوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ [النور: ٣٥] (٤). الثاني عشر: أن المراد: زدنا هدى استنجاحا لما وعدت بقولك: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن: ١١]. وقولك: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [محمد: ١٧] (٥). الثالث عشر: أن المراد: احرسنا عن استغواء الغواة واستهواء الشهوات، واعصمنا من الشبهات (٦). الرابع عشر: أنه عنى الهداية العامة، وأمر أن ندعو بذلك- وإن كان هو قد فعله لا محالة- ليزيدنا ثوابا بالدعاء، كما أمرنا أن نقول: اللهم صلّ على محمد (٧). قال ابن كثير: "وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة فإن من اتبع النبي ﷺ واقتدى بالذين من بعده أبي بكر وعمر فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن" (٨). وقال القاسمي: " فهذه الأقاويل اختلفت باختلاف أنظارهم إلى أبعاض الهداية وجزئياتها، والجميع يصح أن يكون مرادا بالآية- إذ لا تنافي بينها- وبالله التوفيق» كلام الراغب. وبه يعلم تحقيق معنى الهداية في سائر مواقعها في التنزيل الكريم، وأن الوجوه المأثورة في آية ما- إذا لم تتناف- صح إرادتها كلها، ومثل هذا يسمى: اختلاف تنوّع لا اختلاف تضادّ" (٩). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، على وجوه (١٠): أحدها: (أرْشدنا)، قرأ بها عبدالله ابن مسعود (١١). والثاني: (الصِّرَاطَ)، قرأ بها نافع، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، الكسائي، قالون، ورش، خلف، خلاد، قنبل. والثالث: (الصّراط): بين الصاد والزاي، قرأ بها حمزة، وأبو عمرو، خلف، خلاد، الدوري، ابن سعدان.

стр. 255

والرابع: (الزراط)، قراءة حمزة برواية الأصمعي عن أبي عمرو. والخامس: (السراط)، بالسين، قرأ بها ابن كثير برواية القواس، الكسائي، ابو عمرو، قنبل، ابن مجاهد، ويعقوب، رويس اللؤلوي، وابن محيصن. و(السراط): "من الاتراط بمعنى الابتلاع، كأن الطريق يسترط من يسلكه (١). والسادس: (صراطاً مستقيماً)، بالتنوين من غير لام التعريف، قرأ بها نصر بن علي عن الحسن. قال الثعلبي: " وكلّها لغات فصيحة صحيحة، إلّا إن الاختيار: (الصاد)، لموافقة المصحف لأنها كتبت في جميع المصاحف بالصاد. ولأن آخرتها بالطاء لأنهما موافقتان في الاطباق والاستعلاء" (٢). قال الفراء: "اللغة الجيدة بالصاد، وهي لغة قريش الأول، وعامة العرب يجعلونها سينا، وبعض قيس يشمون الصاد، فيقول: (الصراط) بين الصاد والسين، وكان حمزة يقرأ (الزراط) بالزاي، وهي لغة لعذرة وكلب وبني القيْن" (٣). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: لجوء الإنسان إلى الله بعد استعانته به على العبادة أن يهديه الصراط المستقيم؛ لأنه لا بد في العبادة من إخلاص؛ يدل عليه قوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾؛ ومن استعانة يتقوى بها على العبادة؛ يدل عليه قوله تعالى: ﴿وإياك نستعين﴾؛ ومن اتباع للشريعة؛ يدل عليه قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾؛ لأن ﴿الصراط المستقيم﴾ هو الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ . ٢ - ومن فوائد الآية: بلاغة القرآن، حيث حذف حرف الجر من ﴿اهدنا﴾؛ والفائدة من ذلك: لأجل أن تتضمن طلب الهداية: التي هي هداية العلم، وهداية التوفيق؛ لأن الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية علم، وإرشاد؛ وهداية توفيق، وعمل؛ فالأولى ليس فيها إلا مجرد الدلالة؛ والله قد هدى بهذا المعنى جميع الناس، كما في قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدًى للناس﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ والثانية فيها التوفيق للهدى، واتباع الشريعة، كما في قوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتقين﴾ [البقرة: ٢] وهذه قد يحرمها بعض الناس، كما قال تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]: ﴿فهديناهم﴾ أي بيّنّا لهم الحق، ودَلَلْناهم عليه؛ ولكنهم لم يوفقوا .. ٣ - ومن فوائد الآية: أن الصراط ينقسم إلى قسمين: مستقيم، ومعوج؛ فما كان موافقاً للحق فهو مستقيم، كما قال الله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٣]؛ وما كان مخالفاً له فهو معوج. القرآن ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧] التفسير:

стр. 256

طريق الذين أنعمت عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، فهم أهل الهداية والاستقامة، ولا تجعلنا ممن سلك طريق المغضوب عليهم، الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به، وهم اليهود، ومن كان على شاكلتهم، والضالين، وهم الذين لم يهتدوا، فضلوا الطريق، وهم النصارى، ومن اتبع سنتهم. قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، " أي طريق من تفضّلت عليهم بالجود والإنعام" (١). قال ابن عباس: " يقول: طريق من أنعمت عليهم" (٢). قال الصابوني: أي" من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وَحَسُنَ أولئك رفيقاً" (٣). قال الثعلبي: " يعني: طريق الذين أنعمت عليهم بالتوفيق والرعاية، والتوحيد والهداية، وهم الأنبياء والمؤمنون الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] " (٤). قال الطبري: " وفي هذه الآية دليلٌ واضح على أنّ طاعة الله جَلّ ثناؤه لا ينالها المُطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم، وتوفيقه إياهم لها. أوَ لا يسمعونه يقول: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾، فأضاف كلّ ما كان منهم من اهتداء وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم" (٥). واختلف في المراد بالذين أنعم الله عليهم في الآية، على أقوال (٦): أحدها: أنهم المؤمنون، قاله ابن عباس (٧)، ومجاهد (٨)، واختاره ابن كثير (٩). والثاني: أنهم الأنبياء. قاله ربيع (١٠)، وقتادة (١١). والثالث: أنهم الملائكة. والرابع: أنهم المؤمنون بالكتب السالفة، قبل التحريف والنسخ، قاله ابن عباس (١٢)، وحكاه مكي (١٣). يدل عليه قوله تعالى: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠، ٤٧، ١٢٢]. والخامس: أن "المنعم عليهم محمد ﷺ وأبو بكر وعمر". حكاه مكي عن ابي العالية (١٤). والسادس: أنهم المسلمون. وهو قول وكيع (١٥). والسابع: أنهم النبي- ﷺ ، ومَنْ معه مِنْ أصحابه، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد (١٦). والثامن. أنهم أصحاب الرسول صلّى الله عليه ورضي عنهم وأهل بيته. قاله شهر بن حوشب (١٧). والتاسع: أنه صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين". قاله ابن عباس في رواية الضحاك عنه (١٨)، وهو قول جمهور المفسرين (١٩). قال ابن عطية: " وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً، وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٩]، فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم، وهو المطلوب في آية الحمد" (٢٠). والقول الأول أشبه بالصواب، لكونه أعم وأشمل. والله أعلم. قال البيضاوي: " الإنعام: إيصال النعمة، وهي في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان فأطلقت لما يستلذه من النعمة وهي اللين، ونعم الله وإن كانت لا تحصى كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾، تنحصر في جنسين: دنيوي وأخروي. والأول قسمان: موهبي وكسبي، والموهبي قسمان: روحاني كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوى كالفهم والفكر والنطق، وجسماني: كتخليق البدن والقوى الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء والكسبي تزكية النفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق السنية والملكات الفاضلة، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلى المستحسنة وحصول الجاه والمال. والثاني: أن يغفر له ما فرط منه ويرضى عنه ويبوئه في أعلى عليين مع الملائكة المقربين أبد الآبدين.

стр. 257

والمراد هو القسم الأخير وما يكون وصلة إلى نيله من الآخرة فإن ما عدا ذلك يشترك فيه المؤمن والكافر" (١). وفي تفسير (الإنعام) في قوله ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتح: ٧]، وجوه: أحدها: بالثبات على الإيمان والاستقامة. قاله عكرمة (٢). والثاني: أن المراد: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، بالشكر على السرّاء والصبر على الضرّاء. قاله علي بن الحسين بن داود (٣). والثالث: أنه يعني: أتممت عليهم النعمة. قاله الحسين بن الفضل (٤). والرابع: بخلقهم للسعادة. والخامس: بأن نجاهم من الهلكة. والسادس: بالهداية واتباع الرسول. قال أبو حيان: " ولم يقيد الأنعام ليعم جميع الأنعام" (٥). قال الثعلبي: " وأصل (النعمة): المبالغة والزيادة، يقال: دققت الدواء فأنعمت دقّه أي بالغت في دقه، ومنه قول النبي صلّى الله عليه وآله: " إن أهل الجنة يتراءون الغرفة منها كما يتراءون الكوكب الدرّي الشرقي أو الغربي في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما" (٦)، أي زادا عليه. وقال أبو عمرو: بالغا في الخير" (٧). قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، أي: " غير صراط الذين غضبت عليهم، ولا الضالين عن الهدى" (٨). قال صديق خان: " أي غير صراط الذين غضبت عليهم وهم اليهود، لقوله تعالى فيهم: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المادة: ٦٠]، ولا الضالين عن الهدى، وهم النصارى لقوله : ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [المادة: ٧٧] " (٩). قال مقاتل: " يعني دلنا عَلَى دين غير اليهود الَّذِين غضب اللَّه عليهم، فجعل منهم القردة والخنازير، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، يقول: ولا دين المشركين يعني النصارى" (١٠). قال السعدي: أي: غير صراط " الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم، وغير صراط الذين تركوا الحق على جهل وضلال، كالنصارى ونحوهم" (١١). قال الصابوني: " أي لا تجعلنا يا ألله من زمرة أعدائك الحائدين عن الصراط المستقيم، السالكين غير المنهج القويم، من اليهود المغضوب عليهم أو النصارى الضالين، الذين ضلوا عن شريعتك القدسية، فاستحقوا الغضب واللعنة الأبدية" (١٢).

стр. 258

قال الراغب: " أصل (الغضب): غليان دم القلب إرادة الانتقام، ومبدأ الغضب: انفعال مكروه، بدلالة قوله ﵇: " إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار " وقال ﵇: " اتقوا الغضب، فإنها جمرة توقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه فمن وجد من ذلك شيئاً، فليلزم الأرض " (١) " (٢). قال ابن أبي زمنين: " هذا دعاء أمر الله رسوله أن يدعو به، وجعله سنة له وللمؤمنين" (٣). أخرج الطبري عن عدي بن حاتم، قال: "قال لي رسول الله ﷺ : إنّ ﴿المغضوبَ عليهم﴾ اليهود" (٤)، [و] "إن ﴿الضَّالين﴾: النَّصارى" (٥). وروي عن ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، والربيع (٨)، وابن زيد (٩). وفي غضب الله عليهم، أربعة أقاويل (١٠): أحدها: أنه الغضب المعروف من العباد. قال الطبري: " غير أنه - وإن كان كذلك من جهة الإثبات (١١) - فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم، لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات، ولكنه له صفة، كما العلم له صفة، والقدرة له صفة، على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد، التي هي معارف القلوب، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها" (١٢). والثاني: أنه إرادة الانتقام، لأن أصل الغضب في اللغة هو الغلظة، وهذه الصفة لا تجوز على الله تعالى. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الزخرف: ٥٥]. وكما قال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [سورة المائدة: ٦٠].

стр. 259

والثالث: أن غضبه عليهم هو ذَمُّهُ لهم لأفعالهم. والرابع: أنه نوع من العقوبة سُمِّيَ غضباً، كما سُمِّيَتْ نِعَمُهُ رَحْمَةً. قال الطبري: " فكلّ حائدٍ عن قَصْد السبيل، وسالكٍ غيرَ المنهج القويم، فضَالٌّ عند العرب، لإضلاله وَجهَ الطريق. فلذلك سمى الله جل ذكره النصارَى ضُلالا لخطئهم في الحقِّ مَنهجَ السبيل، وأخذهم من الدِّين في غير الطريق المستقيم. فإن قال قائل: أوَ ليس ذلك أيضًا من صفة اليهود؟ قيل: بلى! فإن قال: كيف خَصّ النصارَى بهذه الصفة، وَخصّ اليهودَ بما وصفَهم به من أنهم مغضوب عليهم؟ قيل: كلا الفريقين ضُلال مغضوبٌ عليهم، غيرَ أن الله جلّ ثناؤه وَسم كل فريق منهم من صِفَته لعباده بما يعرفونه به، إذا ذكرهُ لهم أو أخبرهم عنه. ولم يسمِّ واحدًا من الفريقين إلا بما هو له صفةٌ على حقيقته، وإن كان له من صفاتِ الذمّ زياداتٌ عليه" (١). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧]، على وجوه (٢): أحدها: (سراط)، قراءة ابن كثير، وقنبل، وابن محيصن، والشنبوذي. والثاني: (صراط): إشمام الصاد الزاي، قراءة حمزة، والمطوعي، وخلف. والثالث: (صراطَ مَنْ)، قراءة شاذة لابن مسعود، وعمر، وابنالزبير، وزيد بن علي. والرابع: (عليهِمْ)، بكسر الهاء وجزم الميم، قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي، ورش، خلاد، قنبل، خلف. والخامس: (عليْهُمْ)، بضم الهاء وجزم الميم، قرأ بها حمزة، ويعقوب، والطوعي، والشنبوذي، والأعمش. والسادي: (عليْهُمُ)، بضم الهاء والميم من غير إلحاق واو، قرأ بها ابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر. والسابع: (عليْهُمُو)، بكسر الهاء وضم الميم وإلحاق الواو، قراءة ابن كثير، وقالون، والخفاف عن أبي عمرو، وأبو جعفر، وابن أبي إسحاق، الأعرج، وابن محيصن. والثامن: (عليْهِمُو)، قرأ بها الأعرج، وعبدالله بن عطاء الخفاف عن أبي عمرو، والحسن البصري. والتاسع: (عليْهِمِي)، قراءة شاذة للحسن البصري. والعاشر: (غيرِ)، بالجر، قرأ بها نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي. الحادي عشر: (غيرَ)، بالنصب على الحال، قرأ بها أبي بن كعب، وابن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وروى الخليل عن ابن كثير. وهي قراءة شاذة. الثاني عشر: (وغيْرِ)، قرأ بها أبي بن كعب، وعلي بن أبي طالب، وهي قراءة شاذة.

стр. 260

ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها (آمين)، ويقال (أمين) بالقصر أيضاً، ومعناه اللهم استجب (١). والدليل على استحباب التأمين: أولا: عن وائل بن حجر: سمعت النبي ﷺ قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّآلِّينَ﴾ فقال: " آمين " ومد بها صوته (٢). وقال الترمذي هذا حديث حسن، وروي عن علي وابن مسعود وغيرهم (٣). ثانيا: عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ إذا تلا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّآلِّينَ﴾ قال " آمين " حتى يسمع من يليه من الصف الأول" (٤). ثالثا: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه" (٥). رابعا: ولمسلم أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال أحدكم في الصلاة آمين، والملائكة في السماء آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه" (٦). قال ابن كثير: " قيل بمعنى من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الزمان، وقيل في الإجابة، وقيل في صفة الإخلاص" (٧). خامسا: وفي صحيح مسلم عن أبي موسى مرفوعاً: "إذا قال - يعني الإمام - ولا الضالين، فقولوا آمين، يجبكم الله" (٨). قال ابن كثير: " قال أصحابنا وغيرهم ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلي، وسواء كان منفرداً أو إماماً أو مأموماً، وفي جميع الأحوال" (٩).

стр. 261

واختلف في تشديد (الميم) في (آمين)، على قولين: أحدهما: روي عن الحسن وجعفر الصادق: أنهما شددا (الميم) من (آمين)، من (أمّ)، إذا قصد، أي نحن قاصدون نحوك (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. حكاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري (٢). ونسبه الإمام النووي للواحدي، واستغرب التشديد، وقال: "عدّها كثير من أهل اللغة من لحن العوام، وقال جماعة من أصحابنا: من قالها في الصلاة، بطلت صلاته" (٣). والثاني: أن تشديد (الميم) خطأ. قاله الجوهري (٤). واختلف في معنى (آمين)، على أقوال (٥): أحدها: أن معناه: "رب افعل". رواه ابن عباس عن رسول الله- ﷺ (٦). والثاني: أن المعنى: كذلك فليكن. قاله الجوهري (٧)، وحكاه الثعلبي عن ابن عباس وقتادة (٨). والثالث: أن معناه: لا تخيب رجاءنا. قاله الترمذي (٩). والرابع: أن معناه: اللهم استجب لنا. قاله الحسن (١٠)، وأحمد بن يحيى ثعلب (١١)، وهو قول الأكثرين (١٢). والخامس: أن (آمين)، اسم من أسماء الله تعالى. قاله مجاهد (١٣)، وهلال بن يساف (١٤)، وجعفر الصادق (١٥). قال: ابن العربي" ولم يصح" (١٦). والسادس: أن" (آمين)، خاتم رب العالمين، يختم بها دعاء عبده المؤمن". قاله علي بن أبي طالب (١٧). والسابع: أن (آمين)، اسم خاتم يطبع به كتب أهل الجنة التي تؤخذ بالإيمان (١٨).

стр. 262

قال ابن عطية: " ومعنى (آمين) عند أكثر أهل العلم: اللهم استجب، أو أجب يا رب، ونحو هذا" (١). وفي (آمين)، لغتان (٢): إحداهما: (أمين) بقصر الألف، ومنه قول الشاعر (٣): تباعد منّي فطحل إذ سألته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا والثانية: (آمين)، بمد (الألف)، قال الشاعر (٤): يا ربّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَها أبدًا ... ويَرْحَمُ اللهُ مَنْ قال: آمينَا قال الثعلبي: "وهو مبني على الفتح مثل (أين) (٥) ". وقد اتفق العلماء على أنه يسن للمنفرد والمأموم أن يقول: (آمين)، فالمنفرد يؤمِّن بعد قراءته للفاتحة، والمأموم يؤمن بعد قراءة الإمام (٦). واختلف أهل العلم في جهر الإمام: بـ (آمين)، على وجوه: أحدها: أن الإمام يجهر في ذلك. وهذا مذهب الشافعي (٧)، وأحمد (٨)، ومالك في رواية المدنيين (٩)، واختاره القرطبي (١٠). قال الربيع: "سألت الشَّافِعِي عن الإمام إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الآية، هل يرفع صوته بآمين؛ قال: نعم، ويرفع بها من خلفه أصواتهم" (١١). والثاني: أن الإمام لا يجهر بها. وهذا مذهب الحنفية وبعض المدنيين من أصحاب مالك، وهو قول الطبري (١٢)، وبه قال ابن حبيب (١٣)، وابن أبي قاسم (١٤)، والمصريين من أصحاب مالك (١٥). ودليلهم ما رواه مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال " وإذا قال - يعني الإمام - ﴿ولا الضالين﴾، فقولوا آمين" (١٦).

стр. 263

واستأنسوا أيضاً بحديث أبي موسى عند مسلم " وإذا قرأ ﴿وَلا الضَّآلِّينَ﴾، فقالوا: آمين" (١). والثالث: أنه مخير. قاله ابن بكير (٢). قال ابن عطية: " وقد روي عن مالك ﵁: أن الإمام يقولها أسرّ أم جهر" (٣). والصحيح هو القول الأول، وعليه تدل الأحاديث الصحيحة، والآثار الواردة عن الصحابة ﵃ (٤)، كما ويجب التنبه إلى أن هذه السنة من سنن الصلاة لا يجوز أن تكون سببا للشقاق والنزاع بين المسلمين والله أعلم. الفوائد:

стр. 264

١ - من الفوائد: إسناد النعمة إلى الله تعالى وحده في هداية الذين أنعم عليهم؛ لأنها فضل محض من الله. ٢ - ومنها: ذكر التفصيل بعد الإجمال؛ لقوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾: وهذا مجمل؛ ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾: وهذا مفصل؛ لأن الإجمال، ثم التفصيل فيه فائدة: فإن النفس إذا جاء المجمل تترقب، وتتشوف للتفصيل، والبيان؛ فإذا جاء التفصيل ورد على نفس مستعدة لقبوله متشوفة إليه؛ ثم فيه فائدة ثانية هنا: وهو بيان أن الذين أنعم الله عليهم على الصراط المستقيم. ٣ - ومنها: انقسام الناس إلى ثلاثة أقسام: قسم أنعم الله عليهم؛ وقسم مغضوب عليهم؛ وقسم ضالون؛ وقد سبق بيان هذه الأقسام .. وأسباب الخروج عن الصراط المستقيم: إما الجهل؛ أو العناد؛ والذين سببُ خروجهم العناد هم المغضوب عليهم. وعلى رأسهم اليهود؛ والآخرون الذين سبب خروجهم الجهل كل من لا يعلم الحق. وعلى رأسهم النصارى؛ وهذا بالنسبة لحالهم قبل البعثة. أعني النصارى؛ أما بعد البعثة فقد علموا الحق، وخالفوه؛ فصاروا هم، واليهود سواءً. كلهم مغضوب عليهم. ٤ - ومن فوائد الآيتين: بلاغة القرآن، حيث جاء التعبير عن المغضوب عليهم باسم المفعول الدال على أن الغضب عليهم حاصل من الله تعالى، ومن أوليائه. ٥ - ومنها: أنه يقدم الأشد، فالأشد؛ لأنه تعالى قدم المغضوب عليهم على الضالين؛ لأنهم أشد مخالفة للحق من الضالين؛ فإن المخالف عن علم يصعب رجوعه. بخلاف المخالف عن جهل. وهذا الذي سردناه في تفسير السورة، قطرة من بحر؛ ومن أراد التوسع في ذلك فأنصحه بكتاب "مدارج السالكين" لابن القيم ﵀. والله الموفق.

стр. 265

انتهى الجزء الأول من التفسير، ويليه الجزء الثاني بإذن الله، وبدايته تفسير الآية (١) من سورة البقرة.

стр. 266

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ المحتويات

стр. 267

الكِفاية في التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية تأليف الفقير إلى رحمة ربه د. عبدالله خضر حمد الجزء الثاني سورة البقرة الآية [١ - ٩٠] الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م

стр. 268

حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم الرقم الدولي (ISBN): ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥ الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م الناشر: دار القلم بيروت - لبنان

стр. 269

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة البقرة وهي السورة الثانية من حيث الترتيب في المصحف الشريف، وعدد آياتها مائتان وست وثمانون آية، وعدد كلماتها ستَّة آلاف كلمة، ومائة وإِحدى وعشرون كلمة، وحروفها خمس وعشرون أَلفاً وخَمْسمائة حرف، وبها أطول آية في القرآن وهي آية الدين رقم (٢٨٢)، مجموع فواصل (نهايات) آياتها (ق م ل ن د ب ر) ويجمعها (قم لندّبر)، وعلى اللاَّم آية واحدة: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ

стр. 270

وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]، وعلى القاف آية واحدة ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاقٍ﴾ آخر الآية المائتين. واتفقوا على أنها مدنية (١)، وأنها أول سورة أنزلت بها (٢)، قالت عائشة (٣) -رضي الله تعالى عنها-: "ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ﷺ " (٤)، ولم يدخل عليها إلا بالمدينة (٥). أسماءها التوقيفية: ١ - البقرة: وقد سميت سورة البقرة بهذا الاسم بسبب ما ورد فيها من قصة موسى ﵇ مع قومه، بشأن القتيل الذي لم يعرف قاتله، فأمر الله موسى أن يأمر قومه أن يذبحوا بقرة أياً كانت، ويبين ذلك القرآن الكريم في قوله تعالي: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (البقرة: ٦٧) ولكنهم كعادتهم في صد الحق شدّدوا في طلب أوصافها فشدّد الله عليهم وهذه القصة مما انفردت بها هذه السورة. ومن السنة جاءت التسمية في أحاديث منها: - حديث أبي مسعود البدر (٦) ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ " الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه" (٧). - وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ" (٨). - وعن أبي أمامة (٩) تعالى قال: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا

стр. 271

غَمَامَتَان (١) أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ (٢) تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ " (٣). - روي في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: " هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة" (٤). ٢ - الزهراء: كما واشتهرت تسمية السورة مع آل عمران بالزهراوين، والزهراوان أي: المضيئتان، واحدتها زهراء (٥)، ووجه تسميتهما بذلك لنورها وهدايتهما وعظيم أجرهما (٦). وقد وردت تسميتها بذلك في حديث النبي ﷺ ، فيما رواه أبو أمامة الباهلي، إذ قال: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ .. الحديث " (٧). وذكر القرطبي في وجه التسمية ثلاثة أقوال (٨): أحدها: إنهما النيرتان، مأخوذ من الزّهْر والزُّهْرة؛ فإما لهدايتهما قارئهما بما يزهر له من أنوارهما، أي من معانيهما. والثاني: وإما لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة. والثالث: سميتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم (٩)؛ كما ذكره أبو داود وغيره عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ قال: "إن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ والتي في آل عمران ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ " (١٠) (١١).

стр. 272

أسماءها الاجتهادية: ١ - سنام القرآن: سنام كل شيء أعلاه، والجمع أسنة (١).وردت تسميتها بـ (سنام القراآن)، لدى بعض العلماء كالألوسي (٢) والسيوطي (٣)، ولعل وجه التسمية تعود إلى كون سورة البقرة أطول سور القرآن، ومن أوله، وهي تشمل على العديد من الأمقاصد والأحكام الشعرعية والمواعظ والعبر والله أعلم، وهو بذلك وصف تشريفي للسورة. واستدلوا بما ورد عن رسول الله ﷺ من أحاديث منها: - عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : " إن لكل شيء سناماً وإن سنام القرآن البقرة وإن من قرأها في بيته ليلة لم يدخله الشيطان ثلاث ليال ومن قرأها في بيته نهاراً لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام" (٤). -عن معقل بن يسار ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: " البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكاً، واستخرجت " اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ " [آل عمران: ٢] من تحت العرش فوصلت بها ـ أو فوصلت بسورة البقرة ـ ويس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرؤوها على موتاكم " (٥). - روى الترمذي من حديث حكيم بن جبير وفيه ضعف عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لكل شيءٍ سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن آية الكرسي" (٦). - عنْ عبدِاللَّهِ بن مسعود: " أنَّهُ قالَ: إنَّ لكلّ شيءٍ سَناماً، وإنَّ سنامَ القرآنِ سورةُ البقرةِ، وإنَّ لكلّ شيءٍ لُباباً، وإنَّ لبابَ القرآنَ المفصَّلُ" (٧). قال ابن منظور: " سنام كل شيء أَعلاه؛ وفي شعر حسَّان (٨): وإِن سَنامَ المَجْدِ من آلِ هاشِمٍ ... بَنُو بِنتِ مَخْزومٍ ووالدُك العَبْدُ أَي: أَعلى المجد، وقوله أَنشده ابن الأَعرابي: "قَضى القُضاة أَنها سَنامُها " فسَّره فقال معناه خِيارُها لأَن السَّنام خِيارُ ما في البعير سَنَّم الشيءَ رَفَعَه " (٩). ٢ - ذروة القرآن: لحديث معقل بن يسار سبق ذكره: " البقرة سنام القرآن وذروته .. " (١٠).

стр. 273

٣ - فسطاط القرآن: الفسطاس- بالضم والكسر- المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاس (١)، وسميت هذه السورة بفسطاس القرآن، وذلك لعظمها وبهائها، ولإحاطتها بأحكام ومواعظ كثيرة لم تذكر في غيرها (٢)، ولهذا قيل بأن " ابن عمر تعلم سورة البقرة في أربع سنين" (٣). وقد ذكر هذا الاسم جماعة من المفسرين مثل: ابن عطية (٤) والقرطبي (٥)، والثعالبي (٦)، والألوسي (٧)، كما ذكره الكرماني (٨) في العجائب، والسيوطي في الإتقان. واستدلوا في قولهم على: - ما رواه الديلمي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: " السورة التي تذ كر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها؛ فإن تعلمها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة" (٩). - وما روى الدارمي عَنْ خالدِ بنِ معدانَ قالَ: "سورةُ البقرةِ تعليمُهَا بركَةٌ وتركُهَا حسرةٌ، وَلا يستطيعُهَا البَطَلَةُ وهِيَ فُسطاطُ القرآنِ" (١٠). و(الفُسْطاط) بالضم والكسر: "المدينة التي فيها مُجْتَمَع الناس. وكل مدينة فُسْطاط، وقال الزمخشري: هو ضَرْب من الابنْيِةَ في السَّفر دون السُّرادِق وبه سُمِّيت المدينه. ويقال لمِصْروالبَصْرة: الفُسْطاط " (١١). ٤ - سيدة سور القرآن: روي عن علي مرفوعا: " سيدُ البشر آدمُ وسيد العربِ محمدٌ ولا فخرٌ وسيدُ الفُرس سلمانُ وسيدُ الرومِ صُهيبٌ وسيدُ الحبشةِ بلالٌ وسيد الجبال الطورُ وسيدُ الأيام يومُ الجمعة وسيدُ القرآنِ سورةُ البقرة وسيدُ البقرةِ آيةُ الكرسي " (١٢).

стр. 274

٥ - كرسي القرآن تفرد بهذا الاسم الفيروزآبادي (١)، وعلل في تسميتها بهذا الاسم لاشتمالها على آية الكرسي وهي أعظم آيات القرآن، دون أن يذكر مستنده في ذلك. نستنتج مما سبق بأن الأسماء التوفيقية للسورة هي (البقرة والزهراء)، أما بقية الأسماء فهي اجتهادية ومستنبطة من الأحاديث التي وردت فيها. ولسورة البقرة فضائل كثيرة وردت في القرآن والسنة الصحيحة منها: ١ - أن فيها أعظم آية في القرآن وهي آية الكرسي قال تعالي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وعن أبي بن كعب (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ ". قال: قلت الله ورسوله أعلم قال: "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ ". قال: قلت ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، قال فضرب في صدري وقال: " والله ليهنك العلم أبا المنذر" (٣). ٢ - وهي حافظة وكافية من شياطين الأنس والجن ودليل ذلك: حديث أبي هريرة ﵁ قال "وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ فقص الحديث فقال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي لن يزال معك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وقال النبي ﷺ صدقك وهو كذوب ذاك شيطان (٤). • وحديث أبي مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" (٥). ٣ - سورة البقرة وآياتها تطرد الشياطين من البيوت عند سماعها لأن وقعها عليهم شديداً ودليل ذلك: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ" (٦). ٤ - أنها تشفع للعبد يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إذ ثبت في السنة الصحيحة أنها تشفع للمسلم يوم القيامة لمن قرأها لبركتها ودليل ذلك: حديث أبي أمامة (٧) تعالى قال: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا

стр. 275

غَمَامَتَان (١) أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ (٢) تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ " (٣). ٥ - المواظبة علي قراءة أية الكرسي بعد الصلوات سبباً لدخول الجنة ، قال النبي ﷺ : "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت" (٤). وتجدر اللإشارة بأن هناك عدة أحاديث منتشرة علي ألسنة العامة وهي ضعيفة لا تصح. وأذكر منها هنا علي سبيل المثال لا الحصر ما يلي: - حديث "آيتان هما قرآن، وهما يشفعان، وهما مما يحبهما الله، الآيتان في آخر سورة البقرة" (٥). - وحديث "من قرأ سورة البقرة، توج بتاج في الجنة (٦). - وحديث "إن لكل شيء سناما، وإن سنام القرآن، سورة البقرة، من قرأها في بيته ليلا لم يدخله الشيطان ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهارا لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام" (٧). أسباب النزول: إن سورة البقرة قد استمر نزولها في العهد المدني، لذا لا يتصور إمكانية حصر أسباب نزولها في سبب واحد لتعدد الأسباب في نزول الآيات، وسوف نذكر أسباب النزول إن وجدت في سياق تفسير الآيات ومرجعيتنا في ذلك، والله المستعان. ووجه مناسبة سورة (البقرة) لسورة (الفاتحة) قبلها، أن الفاتحة مشتملة على بيان وصوف الربوبية أولا، وأحكام العبودية ثانيا، وطلب الهداية في الدنيا والآخرة لسبيل الفالحين وصراط المهتدين ثالثا. وكذلك سورة البقرة مشتملة على بيان معرفة الرب؛ وأدب المعاملة معه سبحانه؛ والأمر بتوحيده والتحذير من الكفر به، وتشتمل على العبادات وتفصيلها وما يتعلق بها، وعلى بيان ما يحتاج العبد إليه في الدنيا والآخرة لهدايته الصراط المستقيم الذي يطلبه المؤمنون في آخر سورة الفاتحة، وفي أول البقرة يومئ السياق القرآني الحكيم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. ولما افتتح سبحانه الفاتحة بالأمر الظاهر المحكم الذي يلتبس " الحمد لله رب العالمين "؛ وكان وراء كل ظاهرٍ في عالم الشهادة غيب وباطنٌ يجب على المتقين الإيمان به. افتتح الله تعالى هذه السورة بما بطن سره وخفي أمره إلا على من شاء الله تعالى فقال سبحانه: " الم " وهى الحروف المقطعة التي يجب الايمان بحكمتها وتفويض معانيها للرب العلى إيمانا بالغيب الذي امتحن الله تعالى المتقين به ومدحهم على الإيمان به وبأمثاله من الغيب .. ولهذا قال الشعبي: " لكل كتاب سر، وسر القرآن: حروف التهجي في فواتح السور " (٨)، وقال أيضا: "سر الله تعالى فلا تطلبوه" (٩).

стр. 276

يقول ابن عاشور: " وَإِذا كَانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي أَوَّلِ عَهْدٍ بِإِقَامَةِ الدولة الْإِسْلَامِيَّةِ وَاسْتِقْلَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِمَدِينَتِهِمْ كَانَ مِنْ أَوَّلِ أَغْرَاضِ هَذِهِ السُّورَةِ تَصْفِيَةُ هذه الدولة الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْ أَنْ تَخْتَلِطَ بِعَنَاصِرَ مُفْسِدَةٍ فاسدة حاسدة. تفسد مَا أَقَامَ اللَّهُ لَهَا مِنَ الصَّلَاحِ الذي تسعى فيه لِتَكْوِينِ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ النَّقِيَّةِ مِنْ شَوَائِبِ الدَّجَلِ وَالدَّخَلِ" (١)، ولعل هذا يدلك دلالة صريحة على اهمية ومكانة سورة البقرة ما يجعلها السورة الثانية بعد الفاتحة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١)﴾ [البقرة: ١] التفسير: الله أعلم بمراده، والأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها دون سند شرعي، واليقين بأن الله أنزلها لحكمة قد لا نعلمها. وهذه الحروف التي في بداية السور، فيها إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم، فقد تَحَدَّى اللهُ به المشركين، فعجزوا عن مُعارَضَتِه، مع أنه مُرَكَّب من هذه الحروف التي تتكون منها لُغَتُهُم، فدَلَّ عَجْزُ العرب عن الإتيان بمثله - مع أنهم أفصَحُ الناس - على أنّ القرآنَ وَحْيٌ من عند الله. ولقد ذهب المفسرون مذاهب شتى في تفسير الأحرف المقطعة في السور الفواتح ولم يجزموا بوجه من الوجوه، إذا لم يصح في تفسيرها شيء عن رسول الله ( ﷺ ). وتجدر الإشارة بأن هناك محل متفق عليه بين أهل العلم في هذه الحروف، وهو أن أهل الإسلام أجمعوا على أن لهذه الحروف معنى، وأنها ذُكِرت لحكمة. يقرر هذا ويوضحه ثلاثة أمور (٢): الأمر الأول: - أن الله أمرنا بتدبر كتابه وتفهمه دون استثناء، فدخلت الحروف المقطعة في هذا، قال الله - تعالى -: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وقال - تعالى -: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] (٣). الأمر الثاني: أن الله تعالى قد تحدى عباده من الإنس والجن بأن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن، وأقصر سورة ثلاث آيات، وقراء الكوفة يعدون الحروف المقطعة آية في كل سورة، و: ﴿حم (١) عسق﴾ [الشورى: ١، ٢] آيتان (٤). فلو أتوا بآيتين مكونتين من حروف مقطعة، ثم أتوا بآية من كلام آخر لأدوا ما تحداهم الله به، فلو لم يكن لها معنى لقالوا: كيف يتحدانا بكلام لا نفهمه؟ (٥). الأمر الثالث: أن الله تعالى حكيم، وهذا كلامه، فهو كلام حكيم، نزل من حكيم، : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢]، فإذا كان قائل هذا القرآن حكيماً حميداً، كيف يوجد في كلامه ما لا معنى له، ولم يُذْكَر لحكمة؟ ، : ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].

стр. 277

قال العلامة السعدي: " وأما الحروف المقطعة في أوائل السور فالأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي، مع الجزم بأن الله ـ تعالى ـ لم ينزلها عبثاً، بل لحكمة لا نعلمها" (١). وبعد هذا الاتفاق حدث اختلاف في شيء آخر، وهو: هل هذه الحروف المقطعة ـ التي لها معنى ونزلت لحكمة ـ هل يُدْرَك معناها من جميع الوجوه، ونقف على الحكمة منها؟ وينحصر الاختلاف بين أهل العلم في اتجاهين اثنين: - الاتجاه الأول: أن تلك الحروف هي من من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، فنؤمن بها، ونقرأها كما جاءت، وممن قال ذلك: الشعبي (٢)، وسفيان الثوري (٣)، ومن المفسرين كل من: أبو حيان (٤) والآلوسي (٥)، وقاله زكريا الأنصاري في كتابيه فتح الرحمن (٦). يرى أصحاب هذا الإتجاه بأن هذه الحروف لها معنى ونزلت لحكمة، غير أننا لا ندرك هذا المعنى ولا تلك الحكمة، وإنما يقال: هذه الحروف من حروف المعجم، ذكرها الله في أوائل بعض سور كتابه، واختص الله بعلم المراد منها (٧). رُوِي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: في كل كتاب سر، وسر الله في القرآن أوائل السور (٨). وعن علي بن أبي طالب تعالى أنه قال: إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي (٩). وقد اعترض بعض العلماء على هذا الإتجاه وساقوا الأدلة على أنه: لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوماً للخلق، ومنهم الرازي، واحتج عليه بالآيات والأخبار والمعقول. أما الآيات: أحدها: قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّروُنَ القُرآنَ أَمْ عَلى قُلوُب أقْفالها﴾ [محمد: ٢٤]، أمرهم بالتدبر في القرآن، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه.

стр. 278

ثانيها: قوله تعالى: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍ مُبِين﴾ [الشعراء: ٩٥]، يدل على أنه نازل بلغة العرب، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهوماً. وأما الأخبار: فقوله ﵇: "إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن تبعتموهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي" (١) فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم! ما المعقول، فمن وجوه: أحدها: أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا. ثانيها: أن المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهوماً لكانت المخاطبة به عبثاً وسفها، وأنه لا يليق بالحكيم. وثالثها: أن التحدي وقع بالقرآن، وما لا يكون معلوماً لا يجوز وقوع التحدي به (٢). وفي صدد رده على الإتجاه السابق يقول الرازي: إن "الأفعال التي كلفنا بها قسمان: منها ما نعرف وجه الحكمة فيها على الجملة بعقولنا: كالصلاة والزكاة والصوم؛ فإن الصلاة تواضع محض وتضرع للخالق، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، والصوم سعي في كسر الشهوة. ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه: كأفعال الحج، فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات، والسعي بين الصفا والمروة، والاضطباع (٣). ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن الأمر منه بالنوع الثاني، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه، أما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة البتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم. فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز - أيضاً- أن يكون الأمر كذلك في الأقوال؟ وهو أن يأمرنا الله - تعالى -تارة أن نتكلم بما نقف على معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر. بل فيه فائدة أخرى، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب، وإذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه متلفتاً إليه أبداً، ومتفكراً فيه أبداً، ولباب التكليف إشغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه، فلا يبعد أن يعلم الله ـ تعالى ـ أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبداً مصلحة عظيمة له، فيتعبده بذلك تحصيلاً لهذه المصلحة (٤) ": اهـ ثم أوضح ذلك في موضع آخر قائلاً: " وقد ذكرنا الحكمة فيه، وهي أن العبد إذا أتى بما أُمِر به من غير أن يعلم ما فيه من الفائدة لا يكون إلا آتياً بمحض العبادة، بخلاف ما لو علم الفائدة فربما يأتي به للفائدة وإن لم يؤمن، كما لو قال السيد لعبده: انقل هذه الحجارة من ههنا، ولم يعلمه بما في النقل، فنقلها؛ ولو قال: انقلها فإن تحتها كنزاً هو لك ينقلها وإن لم يؤمن.

стр. 279

إذا عُلِم هذا فكذلك في العبادات اللسانية الذكرية وجب أن يكون منها ما لا يفهم معناه حتى إذا تكلم به العبد علم منه أنه لا يقصد غير الانقياد لأمر المعبود الآمر الناهي، فإذا قال: ﴿حم﴾ [غافر: ١]، ﴿يس﴾ [يس: ١]، ﴿الم﴾ [البقرة: ١]، ﴿طس﴾ [النمل: ١]. علم أنه لم يذكر ذلك لمعنى يفهمه أو لا يفهمه فهو يتلفظ به إقامة لما أُمِر به (١) ": اهـ ومن ثم يُعْلَم أن في إيراد هذه الفواتح التي استأثر الله بعلمها امتحاناً واختباراً من الله لعباده، وقصاً لجناح العقل، وكبحاً لجماح غروره، ورداً لدعواه استكناه كل شئ: " فهذا يوضح أن حروفاً من القرآن سُتِرَت معانيها عن جميع العالم اختباراً من الله ، وامتحاناً، فمن آمن بها أُثِيب وسعد، ومن كفر وشك أثم وبعد (٢) ". يقول الزرقاني: "يقولون بهذا الرأي أنها من الأسرار التي استأثر االله بعلمها ولم يطلع عليها أحداً من خلقه وذلك لحكمة من حكمه تعالى السامية، وهي ابتلاؤه سبحانه وتمحيصه لعباده حتى يميز الخبيث من الطيب، وصادق الإيمان من المنافق، بعد أن أقام لهم أعلام بيانه، ودلائل هدايته، وشواهد رحمته في غير تلك الفواتح من كتابه بين آيات وسور كثيرة، لا تعتبر تلك الفواتح في جانبها إلا قطرة من بحر أو غيضاً من فيض" (٣). ويقول مكي بن أبي طالب: "وهذا يوضح أن حروفاً من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم اختباراً من االله وامتحاناً فمن آمن بها أثيب وسعد، ومن كفر وشك أثم وبعد" (٤). وممن ذهب هذا مذهب الإتجاه الأول الشوكاني حيث نصر هذا المذهب بشدة، وجعل هذه الأحرف متشابه المتشابه، وغلظ القول على من قال فيها برأيه فقال: "إن من تكلم في بيان معاني هذه الحروف جازماً بأن ذلك هو ما أراده االله ، فقد غلط أقبح الغلط، وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط .. ثم قال: فقد ثبت النهي عن طلب فهم المتشابه ومحاولة الوقوف على علمه مع كونه ألفاظاً عربية وتراكيب مفهومة، وقد جعل االله تتبع ذلك صنيع الذين في قلوبهم زيغ، فكيف بما نحن بصدده، فإنه ينبغي أن يقال فيه انه متشابه المتشابه على فرض أن للفهم إليه سبيلاً ولكلام العرب فيه مدخلاً فكيف وهو خارج عن ذلك على كل تقدير" (٥). الاتجاه الثاني: أن هذه الحروف لها معنى ولها حكمة، وتلك الحكمة وهذا المعنى ندركهما عن طريق الاستنباط والاجتهاد، فتكلموا في معاني هذه الحروف واستنبطوا لها وجوهاً من التأويل. وقد تعددت أقوال المفسرين في تفسير هذه الحروف المفتتح بها أوائل السور حتى وصل بها الحافظ ابن حجر ﵀ إلى ثلاثين قولاً (٦). وفيما يأتي نذكر أشهر تلك الأقوال مشفوعة بتوجيهها، والتدليل عليها: القول الأول: أنها لبيان أعجاز القرآن ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الحروف ذكرت في أوائل السور التي وردت فيها لبيان إعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته مع أنه مركب من هذه الحروف التي يتخاطبون بها ويؤلفون منها كلامهم. فهم يرون بأنها حروف وردت بأسمائها مسرودة على نمط التعديد كالإيقاظ وقرع العصا لمن تُحِدِّى بالقرآن، وتنبيهاً على أن هذا المتلو عليهم - وقد عجزوا عنه عن آخرهم - كلام منظوم من عين ما ينظمون

стр. 280

منه كلامهم، ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا أنه لم تتساقط مقدرتهم دونه ولم يظهر عجزهم عن أن يأتوا بمثله - وهم أرباب الفصاحة وأمراء البيان - إلا لأنه ليس من كلام البشر، وأنه كلام خالق القوى والقُدَر (١). وممن قال بذلك: الباقلاني (٢) والزمخشري (٣) والرازي (٤) وابن كثير (٥) وسيد قطب (٦). وقد رد بعضهم أمثال الشيخ محمد شلتوت هذا القول ولم يعد الفواتح من باب التحدي أو الإعجاز فقال: "إن القول بأنه للتنبيه على أن هذا القرآن من مادة الكلام الذي ألفوه وقد عجزوا مع ذلك عنه قول يعتمد على قضيتين يقصدهما القائلون به من الواقع التاريخي لموقف العرب من القرآن، ومن طبيعة هذه الحروف: ١ - إحداهما: أن هذه من حروف التهجي المعروفة عند العرب التي يتركب منها كلامهم، وأن القرآن مؤلف منها. ٢ - والأخرى: انهم مع ذلك قد عجزوا عن الإتيان بمثله. وما كان للعرب أن يجهلوا أو يغفلوا عن أن القرآن الذي يتلوه عليهم محمد صلى االله عليه وسلم هو من هذه الحروف، أما عجزهم عن الإتيان بمثله فهو أمر يعرفونه من أنفسهم، ويعرفه التاريخ عنهم وقد سجله القرآن عليهم بالعبارة الواضحة البينة، فليس الأمر في القضيتين بمحتاج إلى استخدام رمز كهذا الرمز البعيد الذي لا يستند إلى نقل صحيح ولا فهم واضح" (٧). وقيل أن هذا القول من القوة والخلافة بالقبول بمنزل ولا محذور فيه، وذلك من عدة وجوه منها (٨): الوجه الأول: استقراء القرآن الكريم يدل على أن هذه الحروف المقطعة ذُكِرَت للإشارة إلى إعجاز القرآن، وأنه من كلام الرحمن، وليس من كلام أحد من بني الإنسان. فقد ذهب بعض العلماء إلى أن المقصود من هذه الأحرف بيان نبوة محمد صلى االله عليه وسلم وذلك من ناحية انه ينطق بأسامي الحروف مع أنه أمي لم يقرأ ولم يكتب، والمعروف أن النطق بأسامي الحروف من شأن القارئ وحده، لا سبيل للأمي إلى معرفتها ولا النطق بها، فإتيانه بها وترديده لها دليل مادي أمامهم على أنه لا يأتي بهذا القرآن من تلقاء نفسه، إنما يتلقاه من لدن حكيم عليم. فالسور التي افتتحت بتلك الحروف المقطعة تسع وعشرون سورة، ذُكِر الانتصار للقرآن في خمس وعشرين منها، ففي سورة البقرة - مثلاً - يقول الله - تعالى -: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١، ٢]، فذلك الكتاب الذي ليس فيه ريب، وفيه هدى للمتقين مؤلف من الألف واللام والميم؛ وفي سورة يونس يقول تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، وفي سورة طه يقول - تعالى -: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١، ٢]، وفي سورة الشعراء يقول تعالى: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء: ١، ٢]، وفي سورة ص يقول - تعالى -: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ١، ٢]، وفي سورة: ق يقول - تعالى -: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]. وكون هذه الأحرف ذُكِرَت في السور المكية - إلا سورتي البقرة وآل عمران - مما يقرر أن المراد الإشارة إلى إعجاز القرآن، لأن المشركين كانوا يكثرون اللغط حول القرآن، فذُكِرَت هذه الأحرف في بداية

стр. 281

السور للصراخ عليهم بعجزهم عن أن يأتوا بمثله، مع أنه لم يأت إلا من تلك الحروف التي تتكون منها لغتهم التي ملكوا ناصيتها (١). وقد ذهب بعضهم إلى رد هذا القول، لأن الأمي لا يصعب عليه أن يأتي بمثل هذه الحروف، إذ لا دلالة بها على تعلم الأمي، وانتقاله من الأمية إلى العلم، قال ابن عاشور: "وهذا بين البطلان لأن الأمي لا يتعسر عليه النطق بالحروف" (٢). الوجه الثاني: واقع هذه الأحرف يقرر هذه القضية، فهي قد ذُكِرَت على خمس صور، فجاءت على حرف واحد مثل: (ص) و (ق)، وجاءت على حرفين مثل: (طس) و (حم)، وجاءت على ثلاثة أحرف مثل: (الم)، وجاءت على أربعة أحرف مثل: (المص)، ثم هي قد جاءت على خمسة أحرف مثل: (كهيعص). وكذلك كلام العرب لا يخرج عن هذه الأحوال الخمسة، فهو إما حرف أو اسم أو فعل. فالحرف يأتي على حرفين مثل: (مِنْ)، أو ثلاثة مثل: (على). والاسم إما ثلاثة أحرف مثل: (حسن) وإما أربعة مثل: (حسين) وإما خمسة مثل: (حسناء)، وما عدى هذا فهو مزيد ليس بأصلي. وأفعال العرب إما ثلاثة أحرف مثل: (كتب) وإما أربعة مثل: (أكرم)، وما عدى هذا فهو مزيد ليس بأصلي. فما خرجت الحروف المقطعة في جميع صورها عن استعمالات العرب، وكأن الله يقول: هذه الأحرف كُرِّرت على حسب استعمالاتكم في لغتكم، فإن قلتم: هذه الأحرف قد سبقنا محمد إليها فاستعمل حروفنا؛ قلنا لكم: قد استعملنا نصفها في أوائل السور وتركنا لكم النصف الآخر فافتروا منها قرآناً كما افترى محمد بزعمكم ـ حاشاه ـ (٣). القول الثاني: أنها أسماء لله تعالى ذهب بعض العلماء أن هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور أسماء لله تعالى، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا: ابن عباس (٤) وابن مسعود (٥) وسالم بن عبدالله (٦)، والشعبي (٧)، وروي نحوه عن اسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير ونحوه عن عكرمة (٨). قال عبد الله بن عباس ﵄: فواتح السور أسماء من أسماء الله (٩). وعن ابن عباس واين مسعود في قوله: " (ألم)، و (المص)، و (الر)، و (المر)، و (كهيعص)، و (طه)، و (طسم)، و (طس)، و (يس)، و (ص)، و (حم)، و (ق)، و (ن)، قال: هو قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله" (١٠). وعن فاطمة ابنة علي بن أبي طالب، قالت: "كان علي يقول في دعائه: يا كهيعص اغفر لي" (١١).

стр. 282

وهذا يدل على أن علياً ﵁-تعالى كان يميل إلى هذا القول، ويبعد أن يكون ذلك إلا بتوقيف من النبي ﷺ . وعن أشهب (١) قال: "سالت مالك بن انس: أينبغي لأحد أن يتسمى بـ (يس)؟ فقال: ما أراه ينبغي لقوله: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١، ٢]، يقول هذا اسمي تسميت به" (٢). وقد نقل القرطبي - بعد إيراد هذا الأثر - تعقيب أبي بكر بن العربي عليه حيث قال: "هذا كلام بديع، وذلك أن العبد يجوز له أن يتسمى باسم الرب إذا كان فيه معنى منه كقوله: عالم، وقادر، ومريد، ومتكلم، وإنما منع مالك من التسمية بـ (يس) لأنه أسم من أسماء الله لا يُدْرَى معناه، فربما كان معناه ينفرد به الرب، فلا يجوز أن يُقْدِم عليه العبد، فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] (٣)، قلنا: ذلك مكتوب بهجاء فتجوز التسمية به، وهذا الذي ليس بمتهجي هو الذي تكلم مالك عليه، لما فيه من الإشكال، والله أعلم" (٤). ويفهم من كلام الآلوسي أنه يميل إلى هذا القول، فقد قال: "وعندي فيما نحن فيه لطائف، وسبحان من لا تتناهى أسرار كلامه، فقد أشار - سبحانه - بمفتتح الفاتحة حيث أتى به واضحاً إلى اسمه الظاهر، وبمبدأ سورة البقرة إلى اسمه الباطن فهو الأول والآخر والظاهر والباطن" (٥). وهذا قول فيه نظر، وذلك لأن أسماء الله توقيفية لا تؤخذ إلا بنص من الكتاب العزيز أو الرواية الصحيحة عن المعصوم ﵇ وما سبق ذكره لا يعتمد عليه في إثبات أسماء االله تعالى. وقد قال محيي الدين شيخ زاده مبيناً بطلان هذا القول "أن أسماء االله تعالى لا تخلو من أن تدل على تعظيم أو تنزيه أو على ما يرجع إليهما والفواتح ليست كذلك" (٦). القول الثالث: أنها فواتح لأسماء الله تعالى: ويري البعض أن هذه الحروف المقطعة في أوائل السور فواتح لأسماء الله ﵎، فكل حرف منها هو فاتحة لاسم محذوف من أسماء الله، جاء ذلك الحرف ليدل على ذلك الاسم المحذوف، فالألف من قوله تعالى: ﴿الم﴾ مثلاً ابتداء اسمه الله، واللام ابتداء اسمه لطيف، والميم ابتداء اسمه مجيد (٧). عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله : " ﴿كهيعص﴾ قال: كاف من كريم، وها من هاد، ويا من حكيم، وعين من عليم، وصاد من صادق" (٨). وفي رواية أخرى عن بن عباس ﵄ في قوله : " ﴿كهيعص﴾ قال: كاف هاد أمين عزيز صادق" (٩).

стр. 283

ويدخل في هذا القول ما روي عن عبد الله بن عباس أيضاً وكذلك عبد الله بن مسعود أن هذه الأحرف هي اسم الله الأعظم (١). ويقرر ذلك ابن عطية بأنه إذا أمكن تأليفه منها، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها (٢). أو أن هذه الحروف أبعاض أسماء لله - تعالى -، بعضها يُعْلَم كيفية تركيبه منها، وبعضها لا يُعْلَم، فعن ابن عباس أنه قال: " (الر) و (حم) و (ن): الرحمن مُفَرَّقة" (٣). كما نقل الفخر الرازي وأبو حيان عن سعيد بن جبير تعالى أنه قال: قوله (آلر، حم، ن) مجموعها هو اسم الرحمن، ولكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في البواقي (٤). أو هي حروف يدل بعضها على أسماء الذات، وبعضها على أسماء الصفات والأفعال، على نحو ما رُوِي عن ابن عباس ﵄ في تفسير: (الم) من قوله: أنا الله أعلم، وقوله في: (الر): أنا الله أرى، وفي: (المص): أن الله أفصل (٥). أو هي حروف يدل بعضها على أسماء الله ـ تعالى ـ وبعضها على أسماء غيره سبحانه، فعن ابن عباس في قوله تعالى: " (الم) يقول: ألف الله، لام جبريل، ميم محمد" (٦)، أي: أنزل الله هذا الكتاب الذي لا ريب فيه على لسان جبريل إلى محمد ﷺ (٧). وهذا القول له وجه، لأن العرب قد تُطْلِقُ الْحَرْفَ الواحد من الكلمة، وَتُرِيدُ به جميع الكلمة، كقول الراجز (٨): قلنا لها قفي فقالت: قاف ... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف. فقوله: "قاف"، أي: وقفتُ (٩)، فدلت بإظهار القاف من «وقفت» على مرادها من تمام الكلمة التي هي «وقفت». فصرفوا قوله: (الم) وما أشبه ذلك إلى نحو هذا المعنى. وكقول القائل (١٠): بالخير خيرات وإن شراً فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا يعني: وإن شراً فشر، ولا أريد الشرّ إلا أن تشاء، وبذلك اكتفى بالتاء والفاء عن بقية الكلمتين جميعاً عن سائر حروفهما (١١). وقد ورد في السنة ما يشير إلى هذا، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله مكتوب بين ـ عينيه: آيس من رحمة الله (١٢). وعن بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة: آيس من رحمة الله (١٣).

стр. 284

وعن بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرك في دم حرام بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله" (١). قال سفيان بن عيينة: "هو أن يقول: أق، يعني: لا يتم كلمة (اقتل) " (٢). فإن ثبت أن العرب كانت تأتي في كلامها بحرف وتريد به معنى كان في هذا القول قوة ووجاهة (٣). القول الرابع: أن هذه الأحرف أسماء للسور التي جاءت فيها (٤) وذهب بعضهم إلى أن فاتحة كل سورة اسم للسورة التي افتتحت بها، وذلك أن الأسماء وضعت للتمييز، فكذا هذه الحروف وضعت لتمييز هذه السور عن غيرها. من الذين قالوا بذلك: الزمخشري (٥)، والرازي (٦) واختاره سيبويه (٧). فعن أُبَي بن كعب تعالى أنه قال لماسُئِل عن هذه الحروف: إنما هي أسماء السور (٨). وقد نسب الزمخشري والبيضاوي هذا الوجه إلى أكثر العلماء (٩)، كما عزاه الفخر الرازي إلى أكثر المتكلمين والمحققين (١٠). وإن أشكل ذلك على أحد فقال: كيف يكون ذلك كذلك وقد افتتحت سور كثيرة بـ ﴿الم﴾ ﴿حم﴾ والمقصود رفع الاشتباه، لأن الأسماء إنما تكون أمارات إذا كانت مميزة بين الأشخاص، فأما إذا كانت غير مميزة فليست أمارات؟ . فالجواب: أن بعض الأسماء ـ وإن كانت مشتركة ـ إلا أنها تميز ببعض النعوت الأخرى، فيقول المخبر عن نفسه: قرأت ﴿الم﴾ البقرة، أو قرأت ﴿الم﴾ آل عمران؛ كما لو أراد الخبر عن رجلين اسم كل واحد منهما عمرو غير أن أحدهما عراقي والآخر مصري لزمه أن يقول: لقيت عمراً العراقي، أو عمراً المصري (١١). وقد استدل القائلون بهذا القول بأدلة منها: أولاً: ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم * تنزيل، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] (١٢). ثانياً: أن ذلك أمر فاش في العرب الذين نزل القرآن بلغتهم وعلى لسانهم، فقد سَمَّت العرب بهذه الحروف أشياء وأشخاص، فسموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس: صاد، وللنقد عين، وللسحاب غين، وقالوا: جبل قاف، وسموا الحوت نوناً (١٣). ويعضد ذلك كون هذه الحروف واقعة في أوائل السور، فتكون هذه الحروف قد جعلت أسماءً بالعلامة على تلك السورة وسميت بها كما تقول الكراسة (ب) والرزمة (ج) (١٤). ولقد اعترض بعضهم على هذا القول، وقالوا: إن هذه الألفاظ ليست أسماءً للسور وساقوا أدلة على ذلك وإليك أدلتهم:

стр. 285

أولاً: لو كانت هذه الألفاظ أسماءً للسور لوجب أن يعلم ذلك بالتواتر، لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب، والأمور العجيبة تتوافر الدواعي على نقلها لا سيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو رهبة، ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلوماً بالتواتر، وارتفع الخلاف فيه فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنها ليست من أسماء السور (١). ثانياً: ويرده اتحاد هذه الحروف في عدة سور مثل (الم) و (الر) و (حم) والمقصود ممن الاسم إزالة الاشتباه، والاشتباه حاصل. ثالثاً: ويرده اشتهار السور بأسماء أخرى غير هذه الحروف، كسورة البقرة وسورة ال عمران وسورة الأعراف وسورة مريم وما إليها، ولو كانت أسماءً لاشتهرت بها. قلت: أن هذه الحروف لا تعد أسماءً للسور وذلك لأن أسماء السور توفيقية (٢)، ولا يجوز أن يطلق اسم على مسمى من غير أن يعرف المسمى به، وأما ما ورد في الحديث الشريف فإن جاز عدها اسماً للسورة فتكون أسماءً للسور التي نصت الروايات عليها دون غيرها. القول الخامس: أن هذه الفواتح أسماء للقرآن الكريم (٣) قال ابن كثير: " ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم، من أسماء السور، فإن كل سورة يُطْلَق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون: ﴿المص﴾ اسماً للقرآن كله، لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت ﴿المص﴾ إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف، لا لمجموع القرآن، والله أعلم (٤) ": اهـ وحمل ابن جرير الطبري هذا القول على ظاهره فقال: "هي أسماء لكل القرآن، لا للسورة التي هي قطعة من القرآن، فـ ﴿﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١، ٢] على معنى القسم، كأنه قال: والقرآن هذا الكتاب لا ريب فيه" (٥). القول السادس: أنها نزلت ليستغربها المشركون فيسمعون القرآن ذهب بعض العلماء إلى أن الحروف المقطعة نزلت لاستدراج نفوس المشركين ليستغربوها فيفتحوا لها أسماعهم فيسمعوا القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة، أي: أنها حروف لا معنى لها في الوضع، قُدِّمت على الكلام المقصود لحكمة تفريغ البال، ولفت الانتباه، وجذب الأذهان للإصغاء والسماع، ليحصل التدبر والفهم والاتعاظ بما بعد ذلك (٦). ممن قال بذلك: الرازي (٧) والزرقاني (٨). وهذا التنبيه يكون للنبي ﷺ ، وللمؤمنين، وللمشركين: أما للنبي ﷺ : "فكان من الجائز أن يكون الله قد علم في بعض الأوقات كونه ﷺ في عالم البشر مشغولاً، فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله: (الم) و (الر) و (حم)، ليسمع النبي صوت جبريل فيقبل عليه ويصغي إليه. وإنما لم تُسْتَعْمَل الكلمات المشهورة في التنبيه كـ (ألا) و (أما) لأنها من الألفاظ التي يتعارفها الناس في كلامهم، والقرآن كلام لا يشبه الكلام، فناسب أن يُؤْتَى فيه بألفاظ تنبيه لم تُعْهَد لتكون أبلغ في قرع سمعه (٩) ": وهي تنبيه للمؤمنين أيضاً لئلا يستمعوا هذا القرآن وهم في غفلة ولهو. أما المشركون فقد حكى الله تعالى تنفير بعضهم لبعض عن القرآن في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]، فكان إذا تكلم رسول الله ﷺ
следующие страницы →