← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

والرابع: وقيل يعني: ﴿وسعها﴾ في "أداء الفرائض". قاله سفيان الثوري (١). وقد ذكر الماوردي في قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [االبقرة: ٢٨٦]، وجهين (٢). أحدهما: وعدٌ من الله ورسوله وللمؤمنين بالتفصل على عباده ألا يكلف نفساً إلا وسعها. روي والثاني: أنه إخبار من النبي ﷺ ومن المؤمنين عن الله، على وجه الثناء عليه، بأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها. قال الثعلبي: " وقرأ إبراهيم ابن أبي عبلة الشامي: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وَسِعَها﴾، بفتح الواو وكسر لسين على الفعل، يريد: إلّا وسعها أمره، أو أراد إلّا ما وسعها فحذف (ما) " (٣). قال الواحدي: " وتقول القدرية: إن الله تعالى أخبر أنه لا يكلف العبد إلا ما يسعه، وإذا كلفه الإيمان وقضى عليه الكفرَ فقد كَلَّفَهُ ما لا يسعه، فيقال لهم: يلزمكم مثلُ هذا في العِلْم، لأنكم توافقوننا على أن الله تعالى إذا سبق في مَعْلُومه أن فلانًا يموت كافرًا فلا سبيل له إلى تبديل معلومه، فإذا كلفه الإيمان فقد كلفه ما لا يطيق، وهذا معنى قول الشافعي، ﵁: إذا سلمت لنا القدرية العلم خُصموا" (٤) " (٥). قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي لها" ما عملت من خير" (٦). قال قتادة: " أي: من خير" (٧). وروي عن ابن عباس (٨)، والسدي (٩)، ومحمد بن كعب القرظي (١٠)، مثل ذلك. قال الواحدي: " من العمل بالطاعة" (١١). قال الثعلبي: " أي للنفس ما عملت من الخير والعمل الصالح، لها أجره وثوابه" (١٢). قال الزمخشري: " ينفعها ما كسبت من خير .. ولا يثاب غيرها بطاعتها" (١٣). قال ابن عثيمين: " أي ما عملت من خير، لا ينقص منه شيء" (١٤). قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي: وعليها" ما عملت من شر" (١٥). قال قتادة: " أي: من شر - أو قال: من سوء" (١٦). وروي عن ابن عباس (١٧)، والسدي (١٨) مثل ذلك. قال الواحدي: " من العمل بالإثم" (١٩)، " أي: لا يؤاخَذ أحد بذنب غيره" (٢٠).

стр. 2207

قال الثعلبي: " ن الشرّ بالعمل السيء عليها وزره" (١). قال الزمخشري: ويضرها ما اكتسبت من شر .. ولا يؤاخذ بذنبها غيرها" (٢). قال ابن عثيمين: " أي ما اقترفت من إثم لا يحمله عنها أحد" (٣). وقال ابن كثير: " وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف" (٤). وروي" عن عبد الله بن عباس: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾، عمل اليد والرجل واللسان" (٥). وقال الزجاج: " ومعنى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، أي لا يؤَاخذ أحداً - بذنب غيره - كما قال - جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ " (٦). قال الطبري: "لا يكلف الله نفسا إلا ما يسعها فلا يجهدها، ولا يضيق عليها في أمر دينها، فيؤاخذها بهمة إن همت، ولا بوسوسة إن عرضت لها، ولا بخطرة إن خطرت بقلبها" (٧). وفي التفريق بين ﴿كَسَبَتْ﴾، و ﴿اكْتَسَبَتْ﴾، وجهان: أحدهما: أن لفظهما مختلف ومعناهما واحد. قال الواحدي: "والصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد لا فرق بينهما، قال ذو الرمة (٨): ألفى أباهُ بذاك الكسْبِ يكْتسبُ"" (٩). قال الرازي: "والقرآن أيضاً ناطق بذلك، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وقال: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقال: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِا خَطِيائَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾، فدل هذا على إقامة كل واحد من هذين اللفظين مقام الآخر" (١٠). والثاني: ومن الناس من سلم الفرق، ثم فيه قولان: أحدهما: "أن الاكتساب أخص من الكسب، لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره، والاكتساب لا يكون إلا ما يكتسب الإنسان لنفسه خاصة يقال فلان كاسب لأهله، ولا يقال مكتسب لأهله" (١١)، ومنه قول الجطيئة (١٢): أَلْقَيْتَ كَاسِبَهُمْ في قَعْرِ مُظلِمَةٍ ... فاغْفَر هَداكَ مَلِيكُ الناسِ يا عُمَرُ والثاني: أن ﴿كسبت﴾ مستعمل في الخير خاصة، و ﴿اكتسبت﴾ مستعمل في الشر خاصّة.

стр. 2208

قال ابن القيم: "وفيه فرق أحسن من هذا وهو أن الاكتساب يستدعي التعمل والمحاولة والمعاناة فلم يجعل على العبد إلا ما كان من هذا القبيل الحاصل بسعيه ومعاناته وتعمله، وأما الكسب فيحصل بأدنى ملابسة، حتى بالهم بالحسنة ونحو ذلك" (١). وقال الزمخشري: "فإن قلت لم خص الخير بالكسب، والشر بالاكتساب؟ قلت: في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي منجذبة إليه، وأمَّارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجد فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال، أى لا تؤاخذنا بالنسيان أو الخطأ إن فرط منا" (٢). وقال ابن عطية: "والذي يظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما تكتسب دون تكلف، إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة، إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى، ويتخطاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين احترازاً لهذا المعنى" (٣). وقال العكبري: "وقال آخرون: اكتسب: افتعل يدل على شدة الكلفة، وفعل السيئة شديد لما يؤول إليه" (٤). قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي: "لا تعذبنا يا ألله بما يصدر عنا بسبب النسيان" (٥). قال ابن زيد: " إن نسينا شيئا مما افترضته علينا" (٦). قال الواحدي: أي " لا تعاقبنا إن تركنا شيئا من اللازم لنا" (٧). قال ابن كثير: " أي: إن تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك" (٨). قال القرطبي: " يعني: إن جهلنا" (٩). قال الثعلبي: " قال أهل المعاني: وإنّما خرج على لفظ المفاعلة وهو فعل واحد لأنّ المسيء قد أمكر وطرق السبيل إليها وكأنّه أعان عليه من يعاقبه بذنبه ويأخذه به فشاركه في أخذه" (١٠). وروي عن قتادة في قوله: " ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، بلغني أن النبي ﷺ قال: إن الله تجاوز لهذه الأمة عن نسيانها وما حدثت به أنفسها" (١١). وقال الحسنفي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾: "معناه: قولوا: ﴿ربنا﴾، على التعليم للدعاء" (١٢). وقيل: "أي: يقولون: ﴿رَبَّنَا﴾. على الخبر" (١٣). وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فيه تأويلان (١٤): أحدهما: يعني إن تناسينا أمرك. قاله الكلبي (١٥)، وذلك على مَا جاءَ عن النبي ﷺ " «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (١٦) (١٧).

стр. 2209

والثاني: إن تركنا، من النسيان الذي هو الترك والإغفال. قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. قاله قطرب (١). قال الثعلبي: "والأوّل أجود" (٢). قوله تعالى: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي: "لا تعذبنا يا ألله بما يصدر عنا بسبب الخطأ" (٣). قال الواحدي: " أثمنا وتعمدنا الإثم" (٤). قال ابن زيد: " [فأصبنا] شيئا مما حرمته علينا" (٥). قال الزجاج: " أيْ كَسَبْنَا خطيئةً" (٦). قال ابن كثير: " أي: الصوابَ في العمل، جهلا منا بوجهه الشرعي" (٧). قال القرطبي: " يعني: إن تعمدنا، ويقال: إن عملنا بالنسيان والخطأ" (٨). وروي " عن ابن عباس، في قوله: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، قال: لا أؤاخذكم" (٩). وروي عن سعيد (١٠) مثل لك. وروي: "عن أبي هريرة، ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، قال: نعم" (١١). واختلف في الأصل اللغوي لكلمة ﴿أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، على قولين (١٢): أحدهما: من القصد والعمد، يقال: خطيء فلان إذا تعمّد يخطأ خطأ وخطأ، قال الله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً﴾ [الإسراء: ٣١]، وأنشد أمية بن أبي الصلت (١٣): عبادك يخطئون وأنت ربّ ... يكفّيك المنايا والحتوم ومنه قول عبيد بن الأبرص الأسدي (١٤): الناس يلحون الأمير إذا هم ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد يعني: "أخطأوا الصواب وهذا الوجه الذي يرغب العبد إلى ربه في صفح ما كان منه من إثم عنه، إلا ما كان من ذلك كفرا" (١٥).

стр. 2210

والثاني: من الخطأ الذي هو الجهل والسهو. والراجح-والله أعلم- هو القول الثاني "لأن ما كان عمدا من الذنب غير معفو عنه، بل هو في مشيئة الله تعالى ما لم يكن كفرا" (١). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وجهان (٢): أحدهما: ما تأولوه من المعاصي بالشبهات. والثاني: ما عمدوه من المعاصي التي هي خطأ تخالف الصواب. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً﴾ [البقرة: ٢٨٥]، "" أي ولا تكلفنا بالتكاليف الشاقة التي نعجز عنها" (٣). قال الواحدي: " أي: عهدا وميثاقا لا نطيقه ولا نستطيع القيام به" (٤). قال ابن كثير: أي: " لا تكلّفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها" (٥). قال البغوي: " أي عهدا ثقيلا وميثاقا، لا نستطيع القيام به، فتعذبنا بنقضه وتركه" (٦). قال ابن عثيمين: " وكرر النداء تبركاً بهذا الاسم الكريم، وتعطفاً على الله ؛ لأن هذا من أسباب إجابة الدعاء؛ و «الإصر» هو الشيء الثقيل الذي يثقل على الإنسان من التكاليف، أو العقوبات" (٧). قوله تعالى: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أي: "كما كلفت بها من قبلنا من الأمم" (٨). قال ابن عثيمين: " أي اليهود، والنصارى، وغيرهم" (٩). قال مقاتل: " كما حملته على اليهود والنصارى فأهلكتهم" (١٠). قال البغوي: "يعني اليهود، فلم يقوموا به فعذبتهم، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وأخذتم على ذلكم إصري﴾ [آل عمران: ٨١]، أي: عهدي" (١١). قال ابن كثير: أي: " كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثتَ نبيَك محمدًا ﷺ نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به، من الدين الحنيف السهل السمح" (١٢). قال القرطبي: " وهو أنه حرم عليهم الطيبات بظلمهم، وكانوا إذا أذنبوا بالليل وجدوا ذلك مكتوبا على بابهم، وكانت الصلوات عليهم خمسين، فخفف الله عن هذه الأمة وحط عنهم بعد ما فرض خمسين صلاة" (١٣). قال البغوي: و" يدل عليه قوله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ [الأعراف: ١٥٧] " (١٤).

стр. 2211

روي " عن ابن عباس، في قول الله: ﴿ولا تحمل علينا إصرا﴾، قال: ولا أحمل عليكم" (١). وروي عن أبي هريرة (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، مثل ذلك. قال ابن سيرين: "قال أبو هريرة، لابن عباس: ما علينا من حرج أن نزني أو نسرق؟ قال: بلى. ولكن الإصر الذي على بني إسرائيل، وضع عنكم" (٤). وقال الفضيل: " كان الرجل من بني إسرائيل، إذا أذنب، قيل له: توبتك أن تقتل نفسك، فيقتل نفسه فوضعت الآصار عن هذه الأمة" (٥). واختلفت عبارات السلف والمفسرين في المراد بـ (الإصر) في الآية على أقوال: أحدها: أنه الثِقْل والتشديد والأمر الغليظ والعمل الشاق، قاله الربيع (٦) وابن وهب (٧)، ومالك والزجاج وأبو عبيدة وابن قتيبة والزمخشري والرازي وابن كثير والقرطبي والشوكاني وصديق خان، وهذا الأصل في معناه، قال الثعلبي: "والأصل في هذا كله العقد والإحكام، ويقال للشيء الذي تعقد به الأشياء: الإصار" (٨). الثاني: أنه العهد والميثاق، قاله ابن عباس (٩)، ومجاهد (١٠) وقتادة (١١)، والسدي (١٢)، وابن جريج (١٣)، والضحاك (١٤)، والربيع (١٥)، والحسن (١٦)، ومقاتل بن حيان (١٧)، واختاره ابن جرير (١٨) والبغوي (١٩)، وهذا تفسير باللازم. الثالث: أنه الإثم والذنب الذي ليس فيه توبة ولا كفارة، قاله ابن زيد (٢٠). قال البغوي: و" معناه اعصمنا من مثله" (٢١). الرابع: أن المراد بقوله: ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَينَا إصْرً﴾ أي: لا تمسخنا قردة وخنازير، قاله عطاء (٢٢). وهذان الأخيران نتيجة لعدم القيام بالأمر الثقيل الذي واثقوا على القيام به (٢٣).

стр. 2212

وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد، قال النحاس بعد ذكره لأغلبها: "وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد، أي: لا تأخذ عهدنا بما لا نقوم به إلا بثقل، أي: لا تحمل علينا إثم العهد كما قال تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١]، وما أمروا به فهو بمنزلة ما أخذ عهدهم به" (١). وقال ابن عطية بعد ذكره لهذه الأقوال "والآصرة في اللغة: الأمر الرابط من ذمام أو قرابة أو عهد ونحوه، فهذه العبارات كلها تنحو نحوه" (٢). قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، " أي لا تحمّلنا ما لا قدرة لنا عليه من التكاليف والبلاء" (٣). قال ابن كثير: " أي: من التكليف والمصائب والبلاء، لا تبتلينا بما لا قبل لنا به" (٤). قال الطبري: "وقولوا أيضًا: ربنا لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به، لثِقَل حمله علينا" (٥). قال القاسمي: " أي من بليات الدنيا والآخرة" (٦). قال ابن عثيمين: "أي لا قدرة لنا على تحمله من الأمور الشرعية، والكونية" (٧). قال القرطبي: أي" لا تثقلنا من العمل ما لا نطيق فتعذبنا، ويقال: ما تشق علينا، لأنهم لو أمروا بخمسين صلاة لكانوا يطيقون ذلك ولكنه يشق عليهم ولا يطيقون الإدامة عليه" (٨). قال الزجاج: يعني " لا تحمل علينا أمرا يثقل كما حملته على الذين من قبلنا نحو ما مر به بنو إسرائيل من قتل أنفسهم، أي لا تمتحنا بما يثقل. [أيضا] نحو قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣]، والمعنى لا تمتحنا بمحنة تثقل ... فإن قال قائل - فهل يجوز أن يحمل الله أحدا ما لا يطيق؟ قيل له: إد أردت ما ليس في قدرته ألبتة فهذا محال، وإن أردت ما يثقل ويخسف فلله أن يفعل من ذلك ما أحب، لأن الذي كلفه بني إسرائيل من قتل أنفسهم [يثقل]، وهذا كقول القائل: ما أطيق كلام فلان، فليس المعنى ليس في قدرتي أن كلمه ولكن معناه في اللغة أنه يثقل علي" (٩). روي "عن أبي هريرة: ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾، قال: نعم" (١٠). قال ابن أبي حاتم: "وروى ابن عباس والضحاك ومحمد بن كعب والسدي، قال: يقول الله : قد فعلت وقال سعيد بن جبير: لا أحمله عليكم" (١١). وقد تعددت عبارات أهل التفسير في المراد بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، على وجوه: أحدها: أنه يعني: " لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق". قاله الضحاك (١٢)، وروي عن ابن زيد (١٣)، والسدي (١٤)، ومكحول (١٥)، وقتادة (١٦)، نحو ذلك.

стр. 2213

الثاني: وقيل: هو مسخ القردة والخنازير، أي: لا تجعلنا مثلهم قردة وخنازير. قاله مقاتل بن حيان (١)، وابن جريج (٢). الثالث: وقيل: هو "الغُلْمة" (٣). قاله سالم بن شابور (٤). الرابع: وقيل: المراد: هو "الغربة (٥)، والغلملة" (٦). حكي ذلك عن مكحول (٧). والخامس: وقيل: أنه الحب. قاله إبراهيم (٨). والسادس: وقيل أنه العشق. حكاه البغوي عن محمد بن عبد الوهاب (٩). السابع: وقيل: هو شماتة الأعداء (١٠). الثامن: وقيل: "هو الفرقة والقطيعة. نعوذ بالله منها" (١١). قال الرازي: إذا قيل" لم قال في الآية الأولى لا تحمل علينا إصرا وقال في هذه الآية لا تحملنا خص ذلك بالحمل وهذا بالتحميل. فالجواب: أن الشاق يمكن حمله أما ما لا يكون مقدورا لا يمكن حمله، فالحاصل فيما لا يطاق هو التحميل فقط أما الحمل فغير ممكن وأما الشاق فالحمل والتحميل يمكنان فيه، فلهذا السبب خص الآية الأخيرة بالتحميل" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، "أي تجاوز عما قصرنا فيه من الواجبات" (١٣). وقال ابن كثير: " أي: فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا" (١٤). قال البغوي: " أي تجاوز وامْحُ عنا ذنوبنا" (١٥). قال ابن زيد: " اعفُ عنا إن قصرنا عن شيء من أمرك مما أمرتنا به" (١٦). قال الواحدي: " أي: تجاوز عنا" (١٧).

стр. 2214

قال القاسمي: " أي: تجاوز عن ذنوبنا ولا تعاقبنا" (١). وقال مقاتل: "عافنا من ذلك" (٢). وروي" عن ابن عباس، في قول الله تعالى: ﴿واعف عنا﴾ قال: قد عفوت عنكم" (٣). وروي عن أبي هريرة ومحمد بن كعب وسعيد بن جبير، نحو ذلك (٤). قوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، " أي تجاوز عما اقترفناه من السيئات" (٥). قال الواحدي: " أي: استر ذنوبنا" (٦). قال البغوي: أي " استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا" (٧). قال ابن زيد: " ﴿واغفر لنا﴾، إن انتهكنا شيئًا مما نهيتنا عنه" (٨). قال الطبري: " واستر علينا زلَّة إن أتيناها فيما بيننا وبينك، فلا تكشفها ولا تفضحنا بإظهارها" (٩). قال ابن كثير: " أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة" (١٠). قال القاسمي: " أي غطّ على ذنوبنا واعف عنها" (١١). روي"عن ابن عباس، في قول الله: ﴿واغفر لنا﴾، قال: قد غفرت لكم" (١٢). وروي عن أبي هريرة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (١٣). قوله تعالى: ﴿وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، " أي تفضل علينا بالرحمة حتى لا نقع في فعل محظور، أو في تهاون في مأمور" (١٤). قال الواحدي: " أي: تلطف بنا" (١٥). قال القاسمي: " أي: تفضّل علينا بالرحمة مع كوننا مقصّرين مذنبين" (١٦). قال البغوي: " فإننا لا ننال العمل إلا بطاعتك، ولا نترك معصيتك إلا برحمتك" (١٧). قال الطبري: " تغمدنا منك برحمة تنجينا بها من عقابك، فإنه ليس بناج من عقابك أحد إلا برحمتك إياه دُون عمله، وليست أعمالنا منجيتنا إن أنت لم ترحمنا، فوفقنا لما يرضيك عنا" (١٨). وقال ابن زيد قوله: " ﴿وارحمنا﴾، قال يقول: لا ننال العمل بما أمرتنا به، ولا تركَ ما نهيتنا عنه إلا برحمتك. قال: ولم ينج أحدٌ إلا برحمتك" (١٩).

стр. 2215

قال ابن كثير: " أي: فيما يُسْتَقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره" (١). وقال القرطبي: " ويقال: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ من المسخ ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ من الخسف ﴿وَارْحَمْنَا﴾ من القذف، لأن الأمم الماضية بعضهم أصابهم المسخ وبعضهم أصابهم الخسف وبعضهم القذف" (٢). وروي "عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وارحمنا﴾ قال: قد رحمتكم" (٣). وروي عن ابن عباس وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان والسدي، نحو ذلك (٤). قوله تعالى: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي: أنت" ناصرنا وحافظنا وولينا" (٥). قال الواحدي: " أي: ناصرنا والذي يلي علينا أمورنا"" (٦). قال الطبري: " أنت وَليُّنا بنصرك، دون من عَاداك وكفر بك" (٧). قال ابن كثير: " أي: أنت ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التّكلان، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك" (٨). قال القرطبي: " يعني" ولينا وحافظنا" (٩). قال القاسمي: "أي: وليّنا وناصرنا" (١٠). قال ابن عثيمين: " متولي أمورنا" (١١). وروي عن " أبي هريرة: فأنزل الله: ﴿وارحمنا أنت مولانا﴾، قال: نعم" (١٢). قال الرازي: " وفي قوله أنت مولانا فائدة أخرى، وذلك أن هذه الكلمة تدل على نهاية الخضوع والتذلل والاعتراف بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة يصلون إليها، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها فلا جرم أظهروا عند الدعاء أنهم في كونهم متكلمين على فضله وإحسانه بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه، فهو سبحانه قيوم السموات والأرض، والقائم بإصلاح مهمات الكل، وهو المتولي في الحقيقة للكل، على ما قال: نعم المولى ونعم النصير [الأنفال: ٤٠] ونظير هذه الآية الله ولي الذين آمنوا [البقرة: ٢٥٧] أي ناصرهم، وقوله فإن الله هو مولاه [التحريم: ٤] أي ناصره، وقوله ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم [محمد: ١١] " (١٣). قوله تعالى: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، " أي اجعل لنا النصر عليهم" (١٤).

стр. 2216

قال الواحدي: " في إقامة الحجة عليهم وفي غلبتنا إياهم، حتى يظهر ديننا على الدين كله كما وعدتنا" (١). قال القاسمي: " فإنّ من حق المولى أن ينصر عبده ومن يتولّى أمره على الأعداء" (٢). وقال الرازي: " أي انصرنا عليهم في محاربتنا معهم، وفي مناظرتنا بالحجة معهم، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم على ما قال: ليظهره على الدين كله [التوبة: ٣٣] " (٣). قال الطبري: " ﴿فانصرنا﴾، لأنا حزْبك " على القوم الكافرين" (٤). قال ابن كثير: أي انصرنا على: " الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك، وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة" (٥). وروي " عن ابن عباس، في قوله: ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾، قال: قد نصرتم على القوم الكافرين" (٦). وروي عن أبي هريرة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والضحاك، نحو ذلك (٧). وروي عن معاذ أن معاذًا، ﵁، كان إذا فرغ من هذه السورة: ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾، قال: آمين" (٨). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بيان رحمة الله بعباده، حيث لا يكلفهم إلا ما استطاعوه؛ ولو شاء أن يكلفهم ما لم يستطيعوا لفعل. فإذا قال قائل: كيف يفعل وهم لا يستطيعون؟ وما الفائدة بأن يأمرهم بشيء لا يستطيعونه؟ فالجواب: أن الفائدة أنه لو كلفهم بما لا يستطيعون، وعجزوا عاقبهم على ذلك؛ وهذه قاعدة عظيمة من أصول الشريعة؛ ولها نظائر في القرآن، وكذلك في السنة. ٢ - ومن فوائد الآية: إثبات القاعدة المشهورة عند أهل العلم؛ وهي: لا واجب مع العجز؛ ولا محرم مع الضرورة؛ لكن إن كان الواجب المعجوز عنه له بدل وجب الانتقال إلى بدله؛ فإن لم يكن له بدل سقط؛ وإن عجز عن بدله سقط؛ مثال ذلك: إذا عجز عن الطهارة بالماء سقط عنه وجوب التطهر بالماء؛ لكن ينتقل إلى التيمم؛ فإن عجز سقط التيمم أيضاً - مثال ذلك: شخص محبوس مكبل لا يستطيع أن يتوضأ، ولا أن يتيمم: فإنه يصلي بلا وضوء، ولا تيمم؛ مثال آخر: رجل قتل نفساً معصومة خطأً: فعليه أن يعتق رقبة؛ فإن لم يجد فعليه أن يصوم شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع سقطت الكفارة؛ مثال ثالث: رجل جامع زوجته في نهار رمضان: فعليه أن يعتق رقبة؛ فإن لم يجد فعليه صيام شهرين؛ فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكيناً؛ فإن لم يجد فلا شيء عليه. ومثال سقوط التحريم مع الضرورة: رجل اضطر إلى أكل الميتة بحيث لا يجد ما يسد رمقه سوى هذه الميتة: فإنه يحل له أكلها؛ وهل له أن يشبع؛ أو يقتصر على ما تبْقى به حياته؟

стр. 2217

والجواب: إن كان يرجو أن يجد حلالاً عن قرب فيجب أن يقتصر على ما يسد رمقه؛ وإن كان لا يرجو ذلك فله أن يشبع، وأن يتزود منها - وأن يحمل معه منها - خشية أن لا يجد حلالاً عن قرب. ومعنى الضرورة أنه لا يمكن الاستغناء عن هذا المحرم؛ وأن ضرورته تندفع به - فإن لم تندفع فلا فائدة؛ مثال ذلك: رجل ظن أنه في ضرورة إلى التداوي بمحرم؛ فأراد أن يتناوله: فإنه لا يحل له ذلك لوجوه: الأول: أن الله حرمه؛ ولا يمكن أن يكون ما حرمه شافياً لعباده، ولا نافعاً لهم. الثاني: أنه ليس به ضرورة إلى هذا الدواء المحرم؛ لأنه قد يكون الشفاء في غيره، أو يشفى بلا دواء. الثالث: أننا لا نعلم أن يحصل الشفاء في تناوله؛ فكم من دواء حلال تداوى به المريض ولم ينتفع به؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الحبة السوداء: «إنها شفاء من كل داء إلا السام - يعني الموت» (١)؛ فهذه مع كونها شفاءً لا تمنع الموت؛ ولذلك لو اضطر إلى شرب خمر لدفع لقمة غص بها جاز له ذلك، لأن الضرورة محققة، واندفاعها بهذا الشرب محقق. الخلاصة الآن: أخذنا من هذه الآية الكريمة: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ قاعدتين متفقاً عليهما؛ وهما: أ - لا واجب مع العجز. ب - ولا محرم مع الضرورة. ٣ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان لا يحمل وزر غيره؛ لقوله تعالى: ﴿وعليها ما اكتسبت﴾. إذا قال قائل: ما تقولون في قول النبي ﷺ : «من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (٢)؟ فالجواب: أن هذا لا يرد؛ لأن الذي فعلها أولاً اقتدى الناس به؛ فكان اقتداؤهم به من آثار فعله؛ ولما كان هو المتسبِّب، وهو الدال على هذا الفعل كان مكتسباً له. ٤ - ومنها: يسر الدين الإسلامي؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسها إلا وسعها﴾. ويتفرع على هذا أن يختلف الناس فيما يلزمون به؛ فالقادر على القيام في الفريضة يلزمه القيام؛ والعاجز عن القيام يصلي قاعداً؛ والعاجز عن القعود يصلي على جنب؛ وكذلك القادر على الجهاد ببدنه يلزمه الجهاد ببدنه إذا كان الجهاد فرضاً؛ والعاجز لا يلزمه؛ وكذلك القادر على الحج ببدنه وماله يلزمه أداء الحج ببدنه، والعاجز عنه ببدنه عجزاً لا يرجى زواله القادر بماله يلزمه أن ينيب من يحج عنه؛ والعاجز بماله وبدنه لا يلزمه الحج. ٥ - ومن فوائد الآية: أن للإنسان طاقة محدودة؛ لقوله تعالى: ﴿إلا وسعها﴾؛ فالإنسان له طاقة محدودة في كل شيء: في العلم، والفهم، والحفظ، فيكلف بحسب طاقته. ٦ - ومنها: أن للإنسان ما كسب دون أن ينقص منه شيء، كما قال تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً﴾ [طه: ١١٢]. ٧ - ومنها: أن الأعمال الصالحة كسب؛ وأن الأعمال السيئة غُرْم؛ وذلك مأخوذ من قوله تعالى: ﴿لها﴾، ومن قوله تعالى: ﴿عليها﴾؛ فإن «على» ظاهرة في أنها غُرم؛ واللام ظاهرة في أنها كسب. ٨ - ومنها: رحمة الله بالخلق، حيث علمهم دعاءً يدعونه به، واستجاب لهم إياه في قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. ٩ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتوسل في الدعاء بالوصف المناسب، مثل الربوبية - التي بها الخلق، والتدبير؛ ولهذا كان أكثر الأدعية في القرآن مصدرة بوصف الربوبية، مثل: «ربنا»، ومثل: «ربِّ».

стр. 2218

١٠ - ومنها: رفع المؤاخذة بالنسيان، والجهل؛ لقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، فقال الله تعالى: «قد فعلت» (١)؛ ولا يلزم من رفع المؤاخذة سقوط الطلب؛ فمن ترك الواجب نسياناً، أو جهلاً، وجب عليه قضاؤه، ولم يسقط الطلب به؛ ولهذا قال النبي - صلوات الله وسلامه عليه: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها» (٢)؛ ولما صلى الرجل الذي لا يطمئن في صلاته قال له: «ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ» (٣)؛ ولم يعذره بالجهل مع أنه لا يحسن غير هذا؛ إذاً فعدم المؤاخذة بالنسيان، والجهل لا يسقط الطلب؛ وهذا في المأمورات ظاهر؛ أما المنهيات فإن من فعلها جاهلاً، أو ناسياً فلا إثم عليه، ولا كفارة؛ مثال ذلك: لو أكل وهو صائم ناسياً فلا إثم عليه؛ لقول النبي ﷺ : «من نسي وهو صائم فأكل، أو شرب، فليتم صومه» (٤)؛ وكذلك لو أكل وهو صائم جاهلاً فإن صومه صحيح سواء كان جاهلاً بالحكم، أو بالوقت؛ لأن أسماء بنت أبي بكر قالت: «أفطرنا على عهد رسول الله (ص) يومَ غيم، ثم طلعت الشمس» (٥)؛ ولم يؤمروا بالقضاء؛ ولكن لو فعل المحرم عالماً بتحريمه جاهلاً بما يترتب عليه لم يسقط عنه الإثم، ولا ما يترتب على فعله؛ مثل أن يجامع الصائم في نهار رمضان وهو يجب عليه الصوم عالماً بالتحريم - لكن لا يعلم أن عليه الكفارة: فإنه آثم، وتجب عليه الكفارة؛ لما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، هلكت قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم» (٦)؛ فألزمه النبي ﷺ بالكفارة (٢)؛ لأنه كان عالماً بالحكم بدليل قوله: «هلكت». فإن قال قائل: «قد ذكرتم أن المأمور لا يسقط بالجهل والنسيان»، فما الفائدة من عذره الجهل؟ فالجواب: أن الفائدة عدم المؤاخذة؛ لأنه لو فعل المأمور على وجه محرم يعلم به لكان آثماً؛ لأنه كالمستهزئ بالله وآياته، حيث يعلم أن هذا محرم، فيتقرب به إلى الله. ١١ - ومن فوائد الآية: أن فعل الإنسان واقع باختياره؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾؛ فيكون فيها رد على الجبرية الذين يقولون: «إنه لا اختيار للعبد فيما فعل»؛ وبيان مذهبهم، والرد عليهم بالتفصيل مذكور في كتب العقائد. ١٢ - ومنها: أن النسيان وارد على البشر؛ والخطأ وارد على البشر؛ وجهه: قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، فقال الله تعالى: «قد فعلت» (٧)؛ وهذا إقرار من الله على وقوع النسيان، والخطأ من البشر. فإذا قال قائل: ما الحكمة من أن الله يجعل البشر ينسى، ويخطئ؟ فالجواب: ليتبين للإنسان ضعفه، وقصوره: ضعفه في الإدراك، وضعفه في الإبقاء، وفي كل حال؛ وليتبين بذلك فضل الله عليه بالعلم، والذاكرة، وما أشبه ذلك؛ وليعرف الإنسان افتقاره إلى الله في دعائه في رفع النسيان، والجهل عنه؛ فيلجأ إلى الله ، فيقول: «رب علمني ما جهلت، وذكرني ما نسيت»، وما أشبه ذلك.

стр. 2219

١٣ - ومن فوائد الآية: امتنان الله على هذه الأمة برفع الآصار التي حملها مَنْ قبلنا؛ لقوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا﴾، فقال الله تعالى: «قد فعلت» (١). ١٤ - ومنها: أن من كان قبلنا مكلفون بأعظم مما كلفنا به؛ لقوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا﴾؛ مثال ذلك: قيل لبني إسرائيل الذين عبدوا العجل: لن تقبل توبتكم حتى تقتلوا أنفسكم - أي يقتل بعضكم بعضاً؛ قيل: أنهم أمروا أن يكونوا في ظلمة، وأن يأخذ كل واحد منهم سكيناً، أو خنجراً، وأن يطعن من أمامه سواء كان ابنه، أو أباه، أو عمه، أو أخاه، أو غيرهم؛ وهذا لا شك تكليف عظيم، وعبء ثقيل؛ أما نحن فقيل لنا - حتى في الشرك: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهاناً * إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. ١٥ - ومن فوائد الآية: أن ينبغي للإنسان أن يسأل الله العافية، فلا يُحَمِّلُه ما لا طاقة له به؛ ففيه رد على الصوفية الذين قالوا: نحن لا نسأل الله تعالى أن يقينا ما يشق علينا؛ لأننا عبيده؛ وإذا حصل لنا ما يشق فإننا نصبر عليه لنكسب أجراً. ١٦ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان سؤال الله العفو؛ لأن الإنسان لا يخلو من تقصير في المأمورات؛ فيسأل الله العفو عن تقصيره؛ لقوله تعالى: ﴿واعف عنا﴾؛ وسؤالُ الله المغفرة من ذنوبه التي فعلها؛ لقوله تعالى: ﴿واغفر لنا﴾؛ لأن الإنسان إن لم يُغفر له تراكمت عليه الذنوب، ورانت على قلبه، وربما توبقه، وتهلكه. ١٧ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله أن يرحمه في مستقبل أمره؛ فيعفو عما مضى، ويغفر؛ ويرحم في المستقبل؛ لقوله تعالى: ﴿وارحمنا﴾؛ وبه نعرف اختلاف هذه الكلمات الثلاث: طلب العفو عن التفريط في الطاعات؛ والاستغفار عن فعل المحرمات؛ والرحمة فيما يستقبله الإنسان من زمنه - أن الله يرحمه، ويوفقه لما فيه مصلحته. ١٨ - ومنها: أن المؤمن لا وليّ له إلا ربه؛ لقوله تعالى: ﴿أنت مولانا﴾؛ وولاية الله نوعان: خاصة، وعامة؛ فالولاية الخاصة ولاية الله للمؤمنين، كقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله تعالى: ﴿والله ولي المؤمنين﴾، وقوله تعالى: ﴿إن وليّ الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين﴾ [الأعراف: ١٩٦]؛ والعامة: ولايته لكل أحد؛ فالله ولي لكل أحد بمعنى أنه يتولى جميع أمور الخلق؛ مثاله قوله تعالى: ﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [يونس: ٣٠]. ١٩ - ومن فوائد الآية: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بما يقتضي الإجابة؛ لقوله تعالى: ﴿أنت مولانا﴾ بعد أن ذكر الدعاء في قوله تعالى: ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا﴾. ٢٠ - ومنها: أنه يجب على الإنسان اللجوء إلى الله في النصرة على القوم الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾؛ والنصر على الكافرين يكون بأمرين: بالحجة، والبيان؛ وكذلك بالسيف، والسلاح؛ وأما السيف، والسلاح فظاهر؛ وأما الحجة، والبيان فقد يجتمع كافر، ومسلم، ويتناظران في أمر من أمور العقيدة فإن لم ينصر الله المسلم خُذل، وكان في ذلك خُذلان له، وللدين الذي هو عليه؛ وهذا النوع من النصر يتعين في المنافقين؛ لأن المنافق لا يجاهَد بالسيف، والسلاح؛ لأنه يُظهر أنه معك؛ ولهذا لما استؤذن الرسول ﷺ في قتل المنافقين قال: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» (٢).

стр. 2220

وبعد أقول كما قال الرازي: "إلهي وسيدي، كل ما طلبته وكتبته ما أردت به إلا وجهك ومرضاتك، فإن أصبت فبتوفيقك أصبت فاقبله من هذا المكدي بفضلك وإن أخطأت فتجاوز عني بفضلك ورحمتك، يا من لا يبرمه إلحاح الملحين، ولا يشغله سؤال السائلين" (١). وهذا آخر الكلام في تفسير هذه السورة، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وأصحابه وسلم. ------------------------------------------------------ انتهى المجلد الخامس من التفسير بحمد الله تعالى، ويليه المجلد السادس بإذن الله تعالى وبدايته تفسير الآية (١) من سورة آل عمران. فهرست المجلد الخامس الموضوع ... الصفحة ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨] ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩] ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠] ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٣١] ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا

стр. 2221

تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ [البقرة: ٢٣٢] ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ [البقرة: ٢٣٤] ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥] ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦] ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧] ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨] ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ [البقرة: ٢٣٩] ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠] ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١] ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾ [البقرة: ٢٤٢] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣] ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾ [البقرة: ٢٤٤] ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ

стр. 2222

لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ [البقرة: ٢٤٦] ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧] ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾ [البقرة: ٢٤٨] ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩] ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ [البقرة: ٢٥١] ﴿ِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾) [البقرة: ٢٥٢] ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]

стр. 2223

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ [البقرة: ٢٥٨] ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ﴿َإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢] ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة: ٢٦٤] ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ [البقرة: ٢٦٥] ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾ [البقرة: ٢٦٦] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧] ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ [البقرة: ٢٦٨] ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩] ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا

стр. 2224

لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾ [البقرة: ٢٧٠] ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ [البقرة: ٢٧١] ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ [البقرة: ٢٧٢] ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾ [البقرة: ٢٧٣] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤] ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢]

стр. 2225

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣] ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤] ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]

стр. 2226

الكِفاية في التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية تأليف الفقير إلى رحمة ربه د. عبدالله خضر حمد الجزء السادس سورة آل عمران الآية (١ - ٢٠٠) الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م

стр. 2227

حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم الرقم الدولي (ISBN): ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥ الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م الناشر: دار القلم بيروت - لبنان

стр. 2228

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

стр. 2229

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة آل عمران وهي مدنية: مائتا آية، أو إلا آية، ولهذه السورة عدة تسميات (١): أحداها: آل عمران، سميت بذلك لأن اصطفاء آل عمران، وهم عيسى ويحيى ومريم وأمها، نزل فيه منها ما لم ينزل في غيره. إذ هو بضع وثمانون آية، وقد جعل هذا الاصطفاء دليلا على اصطفاء نبينا محمد ﷺ وجعله متبوعا لكل محب لله ومحبوب له. والثاني: الزهراء: وتسمى بذلك، لأنها كشفت عما التبس على أهل الكتابين من شأن عيسى ﵇. والثالث: الأمان، لأن من تمسك بما فيها أمن من الغلط في شأنه. الرابع: الكنز، لتضمنها الأسرار العيسوية. الخامس: المجادلة، لنزول نيّف وثمانين آية منها في مجادلة رسول الله ﷺ نصارى نجران. السادس: سورة الاستغفار، لما فيها من قوله: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [آل عمران: ١٧]. السابع: طيبة، لجمعها من أصناف الطيبين في قوله: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ ... [آل عمران: ١٧]. إلى آخره، والمراد بعمران هو والد مريم، أم عيسى ﵉، كما يأتي التنويه به في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [آل عمران: ٣٣] (٢). سبب النزول: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (٣) عن الربيع: أن "النصارى أتو النبي ﷺ ، فخاصموه في عيسى ابن مريم، وقالوا: من أبوه؟ فقالوا على الله الكذب والبهتان، لا إله إلا الله لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، فقال لهم النبي ﷺ : ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلأه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيء؟ قالوا: لا، قال: أفلستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا بلى: قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيء إلا ما علم؟ قالوا لا: قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف يشاء، ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام، ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا، فأنزل الله: ﴿الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ " (٤). القرآن ﴿الم (١)﴾ [آل عمران: ١] التفسير: الله أعلم بمراده، والأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها دون سند شرعي، واليقين بأن الله أنزلها لحكمة قد لا نعلمها. القرآن

стр. 2230

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ [آل عمران: ٢] التفسير: هو الله، لا معبود بحق إلا هو، المتصف بالحياة الكاملة كما يليق بجلاله، القائم على كل شيء. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ٢]، " أي لا ربَّ سواه ولا معبود بحقٍ غيره" (١). قال أبو السعود: "أي هو المستحقُّ للعبودية لا غير" (٢). قال الطبري: " خبرٌ من الله جل وعز، أخبرَ عبادَه أن الألوهية خاصةٌ به دون ما سواه من الآلهة والأنداد" (٣). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عن جابر بن زيد أنه قال: "اسم الله الأعظم هو الله" (٤). قوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢]، " أي: الباقي الدائم الذي لا يموت، القائم على تدبير شئون عباده" (٥). قال مقاتل بن سليمان: " يعني الحي الَّذِي لا يموت، القيوم يعني القائم عَلَى كُلّ نفس بما كسبت" (٦). قال قتادة: "الحي: الذي لا يموت" (٧). وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك (٨). قال أبو السعود: " معنى "الحى": الباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء، ومعنى "القيوم": الدائمُ القيام بتدبير الخلق وحفظِه، ومن ضرورة اختصاصِ ذينك الوصفين به تعالى اختصاصُ استحقاقِ المعبودية به تعالى لاستحالة تحققِه بدونهما" (٩). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعني: " القائم على كل شيء". قاله مجاهد (١٠). والثاني: القيم على الخلق بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وهذا قول قتادة (١١)، وروي عن الربيع بن أنس (١٢) مثله. الثالث: أن المعنى: " القائم على مكانته الذي لا يزول، وعيسى لحم ودم، وقد قضى عليه بالموت زال عن مكانه الذي يحدث به". وهذا قول محمد بن إسحاق (١٣)، وروي عن الحسن (١٤) نحو ذلك. واختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿الم اللَّهُ﴾ [آل عمران ١ - ٢]، على قولين (١٥): أحدهما: ﴿الم الله﴾ الميم مفتوحة والألف ساقطة. وهو القول المشهور. واختلف النحويون في علة فتح الميم، على قولين (١٦): الأول: أنها فتحت لالتقاء الساكنين. حركت إلى أخف الحركات. وهذا قول البصريين. والثاني: جائِز أن يكون طرحت عليها فتحة الهمزة لأن نيةَ حروف الهجاءِ الوقف، وهذا قول الكوفيين.

стр. 2231

قال البيضاوي: " إنما فتح "الميم" في المشهور وكان حقها أن يوقف عليها لإِلقاء حركة "الهمزة" عليها ليدل على أنها في حكم الثابت، لأنها أسقطت للتخفيف لا للدرج، فإن "الميم" في حكم الوقف كقولهم واحد اثنان بإلقاء حركة "الهمزة" على "الدال" لا لالتقاء الساكنين، فإنه غير محذور في باب الوقف، ولذلك لم تحرك الميم في لام" (١). والثاني: ﴿الم الله﴾ بتسكين الميم وقطع الألف. رواه أبوبكر عن عاصم (٢)، ورويت هذه القراءة عن الحسن، وعمرو بن عبيد، والرؤاسي، والأعمش، والبرجمي، وابن القعقاع (٣). ومن قطع "الألف" فله وجهان (٤): أحدهما: نية الوقف ثم قطع الهمزة للابتداء، كقول الشاعر (٥): لتسمعن وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا والثاني: أن يكون أجراه على لغة من يقطع ألف الوصل. كقول الشاعر (٦): إذا جاوز الاثنين سر ... فإنه بنت وتكثير الوشاة قمين قال الزمخشري: " ومن فصل وقطع فللتفخيم والتعظيم تعالى الله ابتداء وما بعده خبر" (٧). والثالث: ﴿الم الله﴾، بكسر الميم، على توهم التحريك لالتقاء الساكنين (٨)، قرأ بها أبو حيوة، ونسبها ابن عطية إلى الرؤاسي (٩)، ونسبها الزمخشري إلى عمرو بن عبيد (١٠)، وأجازه الأخفش (١١). وضعّفه الزجاج وقال: وهذا غلط ... لأن قبل الميم ياءً مكسوراً ما قبلها، فحقها الفتح لالتقاءِ السَّاكنين، وذلك لثقل الكسرة مع الياءِ" (١٢). والصواب: الفتح قراءة الجمهور. واختاره أبو حيان (١٣). والله أعلم. الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: إثبات ألوهية الله تعالى ، لقوله: ﴿اللَّهُ﴾. ٢ - إنفراده بهذه الألوهية، لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. ٣ - إثبات اسمين من اسماء الله ﴿الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾، وقد ورد أنهما اسم الله الأعظم، لاشتمالهما على كمال الذات والصفات والأفعال. ٤ - إثبات حياته وقيوميته، لأن كل اسم فإنه متضمن للصفة، وقد يتضمن امرا زائدا وهو الحكم الذي يسمى الأثر. ٥ - أن كل شيء مفتقر إلى الله وأن الله غني عما سواه، لأن كمال حياته يستلزم غناه عن كل أحد، وكمال قيوميته يستلزم افتقار كل شيء إليه، وهو كذلك، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]، وقال: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. القرآن ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾ [آل عمران: ٣]

стр. 2232

التفسير: نَزَّل عيك القرآن بالحق الذي لا ريب فيه، مصدِّقًا لما قبله من كتب ورسل، وأنزل التوراة على موسى ﵇، والإنجيل على عيسى ﵇. قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣]، "أي نزّل عليك يا محمد القرآن بالحجج والبراهين القاطعة" (١). قال مقاتل: "لَمْ ينزله باطلا يعني القرآن" (٢). وفي معنى ﴿الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٣]، قولان: أحدهما: أنه خواتيم البقرة من كنز تحت العرش. قاله سعيد بن جبير (٣). والثاني: أنه القرآن. وهذا قول قتادة (٤). وفي قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣]، وجوه: إحداها: بالفصل في الذي ادعوا من الباطل. قاله محمد بن إسحاق (٥). والثاني: بتصدق فيما اختلفوا فيه. عنن محمد بن إسحاق في قوله الآخر (٦). والثالث: بالصدق فيما تضمنه من أخبار القرون الخالية والأمم السالفة. ذكره الماوردي (٧). والرابع: بالصدق فيما تضمنه من الوعد بالثواب على طاعته، والوعيد بالعقاب على معصيته. ذكره الماوردي (٨). الخامس: بالعدل مما استحقه عليك من أثقال النبوة. ذكره الماوردي (٩). والسادس: بالعدل فيما اختصك به من شرف الرسالة. ذكره الماوردي (١٠). قال الزمخشري: " فإن قلت: لم قيل ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾؟ قلت: لأن القرآن نزل منجماً، ونزل الكتابان جملة" (١١). وفي قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣]، قراءتان (١٢): إحداهما: ﴿نَزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، بتخفيف "الزاي"، ونصب "الباء" في ﴿الكتاب﴾، وهي قراءة إبراهيم بن أبي عبلة. والثانية: : ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَاب﴾، بتشديد"الزاي"، ورفع "الباء" في ﴿الكتاب﴾، وهي قراءة الباقون. ووجه هذه القراءة على معنى التكثير، " لأن القرآن كان ينزل نجوما شيئا بعد شيء والتنزيل يكون مرة بعد مرة، وقال: (وأنزل التوراة والإنجيل) لأنهما نزلتا" (١٣). قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣]، أي: مصدقا لما قبله من الكتب المنزلة (١٤). قال مقاتل: " مصدق للكتب التي كَانَتْ قبله" (١٥).

стр. 2233

قال الطبري: " يعني بذلك القرآن، أنه مصدّق لما كان قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ورسله، ومحقق ما جاءت به رُسل الله من عنده، لأن منزل جميع ذلك واحد، فلا يكون فيه اختلاف، ولو كان من عند غيره كان فيه اختلاف كثير" (١). قال السعدي: أي: " من الكتب السابقة، فهو المزكي لها، فما شهد له فهو المقبول، وما رده فهو المردود، وهو المطابق لها في جميع المطالب التي اتفق عليها المرسلون، وهي شاهدة له بالصدق، فأهل الكتاب لا يمكنهم التصديق بكتبهم إن لم يؤمنوا به، فإن كفرهم به ينقض إيمانهم بكتبهم" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣]، وجوه: أحدها: أن المعنى: مصدّقًا لما قبله من كتاب ورسول. وهذا قول مجاهد (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، وجعفر بن الزبير (٦)، وري عن الحسن مثل ذلك (٧)، واختاره الطبري (٨). والثاني: معناه مخبراً بما بين يديه إخبار صدق دل على إعجازه. قاله الماوردي (٩). والثالث: معناه أنه يخبر بصدق الأنبياء فيما أتوا به على خلاف من يؤمن ببعض ويكفر ببعض قاله الماوردي (١٠). والراجح هو القول الأول، لما يسنده من الروايات. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣]، أي: "وأنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى" (١١). قال قتادة: " هما كتابان أنزلهما الله: التوراة والإنجيل" (١٢). قال محمد بن إسحاق: "وأنزل التوراة التي جاء بها موسى، والإنجيل الذي جاء به عيسى عليهما الصلاة والسلام" (١٣). قال الصابوني: "أي: وأنزل الكتابين العظيمين «التوراة» و «الإِنجيل» " (١٤). قال القاسمي: " والتوراة اسم عبرانيّ معناه (الشريعة). والإنجيل لفظة يونانية معناها (البشرى) أي الخبر الحسن. هذا هو الصواب كما نص عليه علماء الكتابين في مصنفاتهم. وقد حاول بعض الأدباء تطبيقهما على أوزان لغة العرب واشتقاقهما منها. وهو خبط. بغير ضبط" (١٥). أخرج ابن أبي حاتم " عن واثلة أن النبي ﷺ قال: "وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشر خلت من رمضان" (١٦). وقرأ الحسن: ﴿الإنجيل﴾، بفتح "الهمزة" (١٧)، قال الزمخشري: " وهو دليل على العجمة، لأن "أفعي"ل - بفتح الهمزة - عديم في أوزان العرب" (١٨).

стр. 2234

الفوائد: ١ - إثبات علو الله، لقوله تعالى: ﴿نزّل﴾، و ﴿أنزل﴾، والنزول لايكون إلا من الأعلى. ٢ - ومنها: أن القرآن الكريم منزل، قال تعالى: ﴿نزّل عليك﴾، ومجرد كونه منزلا لايستلزم ألا يكون مخلوقا، لأن الله قد ينزل المخلوق، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩]، وقال: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الرعد: ١٧]، والماء مخلوق، لكن بالنظر لكون القرآن كلاما يستلزم ألا يكون مخلوقا، لأن الكلام صفة المتكلم، وصفة الخالق غير مخلوقة. نستنتج بأن القرآن غير مخلوق لكونه نزل من عند الله وهو كلام، والكلام صفة المتكلم، والصفة تابعة للموصوف. ٣ - فضل رسول الله – ﷺ وميزته، لقوله تعالى: ﴿نزّل عليك الكتاب بالحق﴾، فأنزل القران الى الرسول مباشرة وبواسطته الينا، إذ بلّغه الينا، ومعلوم أن الأصل أشرف من الفرع. ٤ - أن القرآن مشتمل على الحق، لقوله: ﴿بالحق﴾، فقد جاء بالحق ونزل به، قال تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥]، فالحق في الأخبار الصدق، والحق في الأحكام العدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]. ٥ - فضيلة القرآن لوصفه بالحق نزولا وتضمنا، ولوصفه بالتصديق لما بين يديه. ٦ - جواز التعبير بالمجاز، لقوله تعالى ﴿لما بين يديه﴾، لأن الكلمة دلت على معناها في سياقها. ٧ - أن التوراة النازلة على موسى، والإنجيل النازل على عيسى عليهما الصلاة والسلام حق، لقوله: : ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، والإشارة أنهما نسخا بالقرآن، كما قال في سورة المائدة: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. القرآن ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾ [آل عمران: ٤] التفسير: من قبل نزول القرآن; لإرشاد المتقين إلى الإيمان، وصلاح دينهم ودنياهم، وأنزل ما يفرق بين الحق والباطل. والذين كفروا بآيات الله المنزلة، لهم عذاب عظيم. والله عزيز لا يُغَالَب، ذو انتقام بمن جحد حججه وأدلته، وتفرُّده بالألوهية. قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ [آل عمران: ٤]، أي: "من قبل هذا القرآن" (١). قال الطبري: " من قبل الكتاب الذي نزله عليك" (٢). قال الصابوني: " من قبل إِنزال هذا القرآن " (٣). وقوله ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، والمعنى: وأنزل التوراة والإنجيل من قبل تنزيل القرآن (٤). قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٤]، أي: "هدى للناس من الضلال" (٥). قال الشعبي: " هدى من الضلالة" (٦). قال قتادة: " بيان من الله" (٧). وعن قتادة ايضا: " عصمة لمن أخذ به، وصدق به، وعمل بما فيه" (٨). قال الثعلبي: " هاد لمن تبعه" (٩).

стр. 2235

قال ابن كثير: " أي: في زمانهما" (١). قال الصابوني: أي: " هداية لبني إِسرائيل" (٢). قال الطبري: أي: "بيانًا للناس من الله فيما اختلفوا فيه من توحيد الله وتصديق رسله، ونَعْتِيك يا محمد بأنك نبيّى ورسولى، وفي غير ذلك من شرائع دين الله" (٣). قال ابن عطية: "وقال ابن فورك: التقدير هنا: هدى للناس المتقين، ويرد هذا العام إلى ذلك الخاص، وفي هذا نظر" (٤). قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٥]، أي: وأنزل ما فرق بين الحق والباطل (٥). قال مقاتل: " يعني القرآن بعد التوراة والإنجيل، والفرقان: يعني به المخرج في الدين من الشبهة والضلالة، فيه بيان كل شيء يكون إلى يوم القيامة نظيرها في الأنبياء ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان (٦) يعنى المخرج من الشبهات وفى البقرة" (٧). قال الطبري: " وأنزل الفصْل بين الحق والباطل فيما اختلفت فيه الأحزابُ وأهلُ الملل في أمر عيسى وغيره" (٨). قال النسفي: " أي جنس الكتب لأن الكل يفرق بين الحق والباطل" (٩). قال ابن كثير: "وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات، والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره، ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك" (١٠). قال السعدي: " أي: الحجج والبينات والبراهين القاطعات الدالة على جميع المقاصد والمطالب، وكذلك فصل وفسر ما يحتاج إليه الخلق حتى بقيت الأحكام جلية ظاهرة، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة لمن لم يؤمن به وبآياته" (١١). وفي تفسير ﴿الْفُرْقَانَ﴾ في هذه الآية وجوه: أحدها: أنه القرآن. فرق بين الحق والباطل، قاله الربيع (١٢). وروي عن عطاء ومجاهد ومقسم وقتادة ومقاتل بن حيان ومقاتل بن سليمان (١٣) نحو ذلك (١٤)، وهو قول الجمهور. قال أهل العلم: وإنما كرر ذكر "القرآن" بما هو نعت له، ومدح له، من كونه فارقا بين الحق والباطل، بعد ما ذكره باسم الجنس، تعظيما لشأنه، وإظهارا لفضله" (١٥). وقال الرازيّ: "أو يقال إنه تعالى أعاد ذكره ليبيّن أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل، ليجعله فرقا بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل" (١٦). وعلى هذا التقدير فلا تكرار. والثاني: أنه خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش. قاله سعيد بن جبير (١٧).

стр. 2236

والثالث: أنه التوراة. قاله أبو صالح (١). ورده ابن كثير؛ نظرا لتقدم ذكر التوراة (٢). والرابع: أنه كتاب بحق. قاله الحسن (٣). والخامس: أنه الزبور. كما قال تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُادَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] (٤). والسادس: أن في الآية تقديم وتأخير تقديره: "وأنزل التوراة والانجيل والفرقان فيه هدى للناس". قاله السدي (٥). السابع: يريد به جميع الكتب، لأنه فرّق فيها بين الحق والباطل. قاله ابن باس في رواية عطاء عنه (٦). قال الزمخشري: أنه "جنس الكتب السماوية، لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل" (٧). واختلف في سبب تسمية القرآن بـ ﴿الفرقان﴾ على أقوال (٨): أحدها: أنه سمي بذلك، لأنه فرق بين الحق والباطل في أمر عيسى ﵇، الذي جادل فيه الوفد. قاله محمد بن جعفر (٩)، وأبو سليمان الدمشقي (١٠). الثاني: أنه فرق بين الحق والباطل في أحكام الشرائع، وفي الحلال والحرام ونحوه. قاله قتادة والربيع وغيرهما (١١). الثالث: "أن الْفُرْقانَ هنا كل أمر فرق بين الحق والباطل، فيما قدم وحدث، فيدخل في هذا التأويل طوفان نوح، وفرق البحر لغرق فرعون، ويوم بدر، وسائر أفعال الله تعالى المفرقة بين الحق والباطل، فكأنه تعالى ذكر الكتاب العزيز، ثم التوراة والإنجيل، ثم كل أفعاله ومخلوقاته التي فرقت بين الحق والباطل، كما فعلت هذه الكتب. حكاه ابن عطية عن بعض المفسرين (١٢). قال ابن عطية: " والْفُرْقانَ يعم هذا كله" (١٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ٥]، أي: إن الذين جحدوا بها وأنكروها، وردّوها بالباطل، لهم عذاب شديد يوم القيامة (١٤). قال الربيع بن أنس: " يعني: النصارى" (١٥). قال السدي: " قوله: ﴿بآيات الله﴾، بمحمد ﷺ " (١٦). قال الطبري: " إنّ الذين جحدوا أعلام الله وأدلته على توحيده وألوهته، وأن عيسى عبدٌ له، واتخذوا المسيح إلهًا وربًّا، أو ادَّعوه لله ولدًا، لهم عذاب من الله شديدٌ يوم القيامة" (١٧). قال الصابوني: أي: "جحدوا بها وأنكروها وردّوها بالباطل، لهم عذاب عظيم أليم في الآخرة" (١٨). قال القاسمي: " وهذا الوعيد. جيء به إثر ما تقدم حملا على الإذعان، وزجرا عن العصيان" (١٩).

стр. 2237

وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٤]، وجهان من التفسير (١): أحدهما: بدلائله وحججه. والثاني: بآيات القرآن، قال ابن عباس: "يريد وفد نجران حين قَدِموا على رسول الله ﷺ – لمحاجّته" (٢). والراجح أنه"عام داخل فيه من نزلت الآيات بسببهم، وهم نصارى وفد نجران" (٣). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٥]، " أي غالب على أمره لا يُغلب، منتقم ممن عصاه" (٤). قال الواحدي: " أي: [ينتقم] ممن كفر به، لأن ذكر الكافرين جرى ههنا" (٥). قال القاسمي: " وَاللَّهُ عَزِيزٌ لا يغالب يفعل ما يشاء ذُو انْتِقامٍ أي معاقبة" (٦). قال محمد بن جعفر: " أي: إن الله منتقم ممن كفرَ بآياته بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها" (٧). قال ابن عطية: " والنقمة والانتقام، معاقبة المذنب بمبالغة في ذلك" (٨). قال البيضاوي: " وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب لا يمنع من التعذيب. ذُو انْتِقامٍ لا يقدر على مثله منتقم، والنقمة عقوبة المجرم ... وهو وعيد جيء به بعد تقرير التوحيد والإشارة إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيماً للأمر، وزجراً عن الإعراض عنه" (٩). قال الزمخشري: " انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم" (١٠). وفي قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ [آل عمران: ٤] وجهان (١١): أحدهما: في امتناعه. الثاني: في قدرته. الفوائد: ١ - إثبات الحكمة لله تعالى في احكامه الشرعية كما تثبت في احكامه الكونية، لقوله: ﴿هدى للناس﴾. ٢ - أن هداية القرآن نوعان: عامة بمعنى الدلالة عامة، مثل قوله تعالى: ﴿هدى للناس﴾، وهداية خاصة بمعنى التوفيق والاهتداء، مثل قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. ٣ - أن الكتب كلها فرقان تتضمن الفرق بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب، وبين المرمن والكافر، وبين الضار والنافع، فإن الكتب تفرقه. ٤ - بيان عقوبة الكافر وهي العذاب الشديد، وذكر عقوبة الكافر تستلزم التحذير من الكفر. ٥ - الإشارة إلى أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر له العذاب الشديد، ومؤمن له الثواب الجزيل، لأنه إذا ذكر عقوبة الضد، فإن ضده تثبت له ضد تلك العقوبة. ٦ - إثبات اسم من أسماء الله، وهو ﴿العزيز﴾، أي ذو عزة، وهي ثلاثة أصناف: أ-عزة القدر، بمعنى أن الله ذو قدر شريف عظيم، قال رسول الله- ﷺ "السيد الله" (١٢)، فهذه عزة القدر.

стр. 2238

ب-عزة القهر: بمعنى أنه القاهر لكل شيء، لا يغلب، بل هو الغالب، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٦١]. ت-عزة الامتناع: أنه يمتنع أن يناله سوء أو نقص، ومن هذا قولهم: هذا ارض عزاز، أي: صلب قوية لاتؤثر فيها المعاول. ٧ - إن صفة الامنتقام لله تعالى ليست على سبيل الإطلاق، بل هو منتقم ممن يستحق ذلك، وهم المجرمون كما قال تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]. القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ [آل عمران: ٥] التفسير: إن الله محيط علمه بالخلائق، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، قلَّ أو كثر. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]، " إن الله لا يخفى عليه شيء هو في الأرض ولا شيء هو في السماء" (١). قال الزمخشري: عيّر عن [العالم] بالسماء والأرض، فهو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن وهو مجازيهم عليه" (٢). قال محمد بن جعفر بن الزبير: " أي: قد علم ما يريدون وما يَكيدون وما يُضَاهون بقولهم في عيسى، إذ جعلوه ربًّا وإلهًا، وعندهم من علمه غيرُ ذلك، غِرّةً بالله وكفرًا به" (٣). قال ابن كثير: " يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماوات والأرض، ولا يخفى عليه شيء من ذلك" (٤). قال ابن عطية: " هذه الآية خبر عن علم الله تعالى بالأشياء على التفصيل، وهذه صفة لم تكن لعيسى ولا لأحد من المخلوقين" (٥). قال القاسمي: " أي هو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه" (٦). قال البيضاوي: " وإنما قدم الأرض ترقياً من الأدنى إلى الأعلى، ولأن المقصود بالذكر ما اقترف فيها. وهو كالدليل على كونه حياً" (٧). الفوائد: ١ - التحذير من مخالفة الله، لأن الله يعلم بمخالفتك إياه. ٢ - الرد على غلاة القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم الشيء الذي يفعله العبد إلا بعد وقوعه. ٣ - إن الله عالم بالكليات والجزئيات، لقوله تعالى: ﴿شيء﴾، لأن النكرة في سياق النفي تعم كل شيء. ٤ - إن صفات الله إما مثبتة أو منفية، فالمثبتة يسمونها: ثبوتية، والمنفية يسمونها سلبية، والسلبية متضمنة لثبوت كمال الضد، فلكمال علمه لايخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. القرآن ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ [آل عمران: ٦] التفسير: هو وحده الذي يخلقكم في أرحام أمهاتكم كما يشاء، من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد، لا معبود بحق سواه، العزيز الذي لا يُغالَب، الحكيم في أمره وتدبيره.

стр. 2239

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]، أي: " الله الذي يصوّركم فيجعلكم صورًا أشباحًا في أرحام أمهاتكم كيف شاء وأحب" (١). قال ابن كثير: "أي: يخلقكم كما يشاء في الأرحام من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد" (٢). قال محمد بن جعفر: "أي: قد كان عيسى ممن صُوّر في الأرحام، لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صُوّر غيره من بني آدم، فكيفَ يكون إلهًا وقد كان بذلك المنزل؟ " (٣). وروي عن الربيع نحو ذلك (٤). وأخرج ابن أبي حاتم والطبري عن السدي في قوله: ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾ قال: "إذا وقعت النطفة في الرحم [طارت في الجسد أربعون يوما] (٥) ثم تكون علقة أربعين يوما، ثم تكون مضغة أربعون يوما، فإذا بلغ أن يخلق، بعث الله ملكا يصورها، فيأتي الملك بتراب بين أصبعيه فيخلط في المضخة، ثم يعجنه بها، ثم يصورها كما يؤمر فيقول: أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ وما رزقه؟ وما عمره؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟ فيقول الله تعالى، ويكتب الملك، فإذا مات ذلك الجسد، دفن حيث أخذ ذلك التراب" (٦). وعن قتادة قوله: ﴿كيف يشاء﴾، قال: من ذكر أو أنثى، وأحمر وأسود وتام وغير تام الخلق" (٧). قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]، "أي: لا ربّ سواه، متفردٌ بالوحدانية والألوهية، العزيز في ملكه الحكيم في صنعه" (٨). عن ابن عباس قوله: ﴿لا إله إلا هو﴾، قال: توحيد" (٩). وعن محمد بن إسحاق، قوله: ﴿العزيز﴾: في نصرته مم كفر به إذا شاء" (١٠)، [و] "قوله: ﴿الحكيم﴾: في عذره وحجته إلى عباده" (١١). وعن أبي العالية قوله تعالى: ﴿العزيز﴾، يقول: عزيز في نعمته إذا انتقم" (١٢)، [وقوله] " ﴿الحكيم﴾، قال: حكيم في أمره" (١٣). قال الطبري: " وهذا القول تنزيه من الله تعالى ذكره نفسَه أن يكون له في ربوبيته ندّ أو مِثل، أو أن تَجوز الألوهة لغيره وتكذيبٌ منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا، من وفد نجران الذين قدموا على رسول الله ﷺ ، وسائر من كان على مثل الذي كانوا عليه من قولهم في عيسى، ولجميع من ادّعى مع الله معبودًا، أو أقرّ بربوبية غيره" (١٤). قال ابن كثير: " وهذه الآية فيها تعريض بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر؛ لأن الله تعالى صوره في الرحم وخلقه، كما يشاء، فكيف يكون إلها كما زعمته النصارى - عليهم لعائن الله - وقد تقلب في الأحشاء، وتنقل من حال إلى حال، كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] " (١٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية بيان قدرة الله إذ يصور المخلوقات في الأرحام.

стр. 2240

٢ - يكون تصوير المخلوقات في الأرحام بأمر الله وإذنه كيف يشاء. ٣ - بيان رحمة الله تعالى إذ يتولى شؤون الجنين ويصوره، ويستفاد منها ان هذا التصوير لا يرجع إلى فعل العبد وإنما يرجع لمشيئة الله تعالى. ٤ - إثبات المشيئة لله تعالى، لقوله: ﴿كيف يشاء﴾، والمشيئة إذا اطلقت فهي مقرونة بالحكمة، فما من شيء يشاؤه الله إلا لحكمة. ٥ - إثبات انفراد الله بالألوهية، لقوله: ﴿لا إله إلا هو﴾. ٦ - إثبات الاسمين الكريمين: "العزيز الحكيم"، وما تضمناه من صفة، وكل اسم من أسماء الله دال على الذات وعلى الوصف المشتق منهـ فإن كان متعديا ففيه دلالة ثالثة وعي الأثر المترتب على ذلك. القرآن ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧] التفسير: هو وحده الذي أنزل عليك القرآن: منه آيات واضحات الدلالة، هن أصل الكتاب الذي يُرجع إليه عند الاشتباه، ويُرَدُّ ما خالفه إليه، ومنه آيات أخر متشابهات تحتمل بعض المعاني، لا يتعيَّن المراد منها إلا بضمها إلى المحكم، فأصحاب القلوب المريضة الزائغة، لسوء قصدهم يتبعون هذه الآيات المتشابهات وحدها; ليثيروا الشبهات عند الناس، كي يضلوهم، ولتأويلهم لها على مذاهبهم الباطلة. ولا يعلم حقيقة معاني هذه الآيات إلا الله. والمتمكنون في العلم يقولون: آمنا بهذا القرآن، كله قد جاءنا من عند ربنا على لسان رسوله محمد ﷺ ، ويردُّون متشابهه إلى محكمه، وإنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها الصحيح أولو العقول السليمة. قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧]، أي: الله الذي أنزل عليك يا محمد القرآن (١). قال سعيد بن جبير: " يعني: القرآن" (٢). قوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، " أي فيه آيات بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها ولا غموض كآيات الحلال والحرام، هنَّ أصل الكتاب وأساسه" (٣). قال القاسمي: أي: "واضحات الدلالة هُنَّ أصل الكتاب المعتمد عليه في الأحكام" (٤). قال الطبري: "وإنما سماهن ﴿أمّ الكتاب﴾، لأنهن معظم الكتاب، وموضع مَفزَع أهله عند الحاجة إليه، وكذلك تفعل العرب، تسمي الجامعَ معظم الشيء " أمًّا " له، فتسمى راية القوم التي تجمعهم في العساكر: " أمّهم "، والمدبر معظم أمر القرية والبلدة: " أمها"" (٥). قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، أي: " وآيات أخر محتمِلاتٌ لمعانٍ متشابهة" (٦). قال الطبري: " فإن معناه: متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعنى، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [سورة البقرة: ٢٥]، يعني في المنظر، مختلفًا في المطعم، وكما قال مخبرًا عمن أخبر عنه من بني إسرائيل أنه قال: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [سورة البقرة: ٧٠]، يعنون بذلك: تشابه علينا في الصفة، وإن اختلفت أنواعه" (٧). واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿مِنْهُءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] على أقاويل (٨):

стр. 2241

أحدها: أن المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ، قاله ابن عباس (١)، وابن مسعود (٢)، وقتادة (٣)، والربيع (٤) والضحاك (٥). والثاني: أن المحكم ما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تشتبه معانيه، قاله مجاهد (٦). والثالث: أن المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً، والمتشابه ما احتمل أوجهاً، قاله الشافعي (٧) ومحمد بن جعفر بن الزبير (٨). والرابع: أن المحكم الذي لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه الذي تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد (٩). والخامس: أن المحكم الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال (١٠). والسادس: أن المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج عيسى ونحوه، وهذا قول جابر بن عبد الله (١١)، واختاره الطبري (١٢). والسابع: أن المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى استدلال (١٣). والثامن: أن المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة، والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة، كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام بشهر رمضان دون شعبان. قاله الماوردي (١٤). وفي قوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَاِب﴾ [آل عمران: ٧] وجهان: أحدهما: أصل الكتاب. قاله سعيد بن جبير (١٥). والثاني: معلوم الكتاب (١٦). وفي سبب تسميته بأم الكتاب قولان: الأول: وإنما سماهن أم الكتاب لأنهن مكتوبات في جميع الكتب. قاله سعيد بن جبير (١٧). والثاني: وإنما قال: هن أم الكتاب، لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن (١٨). وفي المراد بقوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَاِب﴾ [آل عمران: ٧] ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود (الأمر والنهي والحلال)، قاله يحيى بن يعمر (١٩). والثاني: أنه أراد فواتح السُّوَر التي يستخرج منها القرآن، وهو قول أبي فاختة (٢٠). والثالث: أن يريد به أنه معقول المعاني لأنه يتفرع عنه ما شاركه في معناه، فيصير الأصل لفروعه كالأم لحدوثها عنه، فلذلك سماه أم الكتاب (٢١).

стр. 2242

قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧]، أي: "فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق وانحرافٌ عنه" (١). قال الزمخشري: " هم أهل البدع" (٢). وفي تفسيرالـ ﴿ـزيغ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] وجهان من التفسير: أحدهما: أنه ميل عن الهدى. قاله محمد بن إسحاق (٣). والثاني: أن المعنى: شكّ، قاله ابن مسعود (٤)، ومجاهد (٥) والسدي (٦). واختلف فيمن عني بهذه الآية على أقوال: أحدها: أنهم أهل الشك. قاله ابن عباس (٧). والثاني: أنهم المنافقون. قاله ابن جريج (٨). والثالث: أنه يعني: حيي بن أخطب، وأصحابه من اليهود. قاله مقاتل بن حيان (٩). والرابع: أنهم الخوارج. رواه أبو أمامة عن رسول الله – ﷺ (١٠). والخامس: أنه عُني به الوفدُ من نصارى نجران الذين قَدِموا على رسول الله ﷺ ، فحاجُّوه بما حاجُّوه به، وخاصموه بأن قالوا: ألست تزعم أنّ عيسى روح الله وكلمته؟ وتأولوا في ذلك ما يقولون فيه من الكفر. وهذا قول الربيع (١١). قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧]، أي: " فيتبع المتشابه منه ويفسّره على حسب هواه" (١٢). قال ابن كثير: "أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم" (١٣). قال الزمخشري: " فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق" (١٤). وفي قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] ثلاثة تأويلات (١٥): أحدها: أنه الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من الحروف المقطعة من حساب الجُمّل في انقضاء مدة النبي ﷺ . والثاني: أنه معرفة عواقب القرآن في العلم بورود النسخ قبل وقته. والثالث: أن ذلك نزل في وفد نجران لمَّا حاجّوا النبي ﷺ في المسيح، فقالوا: أليس كلمة الله وروحه؟ قال: " بلى " فقالوا: حسبنا، فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وابْتَغَآءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وهو قول الربيع.

стр. 2243

قوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧]، أي: "إرادة الفتنة" (١). قال الزمخشري: " طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم" (٢). قال الصابوني: " أي طلباً لفتنة الناس في دينهم" (٣). قال ابن كثير: " أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد، ورسول من رسل الله" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧] خمسة تأويلات: أحدها: الشرك، قاله السدي (٥)، والربيع (٦). والثاني: اللّبْس. قاله محمد بن إسحاق (٧)، ومحمد بن جعفر (٨). والثالث: ابتغاء الشبهات، قاله مجاهد (٩). الرابع: الشبهات التي حاجّ بها وفد نجران (١٠). الخامس: إفساد ذات البَيْن (١١). قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، "وإِيهاماً للأتباع بأنهم يبتغون تفسير كلام الله" (١٢). قال ابن كثير: "أي: تحريفه على ما يريدون" (١٣). قال الزمخشري: " وطلب أن يأوّلوه التأويل الذي يشتهونه" (١٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] في التأويل وجهان: أحدهما: أنه التفسير. والثاني: أنه العاقبة المنتظرة. قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران: ٧]، " أي لا يعلم تفسير المتشابه ومعناه الحقيقي إِلا الله وحده" (١٥). قال الزمخشري: " أي لا يهتدى (١٦) إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا اللَّه" (١٧).

стр. 2244

وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران: ٧] ثلاثة أقاويل: أحدها: تأويل جميع المتشابه، لأن فيه ما يعلمه الناس، وفيه ما لا يعلمه إلا الله، قاله الحسن (١). والثاني: أن تأويله يوم القيامة لما فيه من الوعد والوعيد، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَومَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] يعني يوم القيامة، قاله ابن عباس (٢). والثالث: تأويله وقت حلوله، قاله بعض المتأخرين (٣). وقرأ عبد اللَّه: "إن تأويله إلا عند اللَّه" (٤). قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، " أي والثابتون المتمكنون من العلم يؤمنون بالمتشابه وأنه من عند الله" (٥). قال الطبري: أي: "صدقنا بما تشابه من آي الكتاب، وأنه حقّ وإن لم نَعلم تأويله" (٦). قال ابن عباس: " يعني: ما نسخ وما لم ينسخ" (٧)، وروي عن عائشة والسدي نحو ذلك (٨). روي عن الضحاك: " ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، قال: المحكم والمتشابه" (٩). وعنه أيضا: " ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه: ولا نعمل به، يعني: بمتشابهه" (١٠). قال قتادة: " آمنوا بمتشابهه وعملوا بمحكمه، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه" (١١). قال الطبري: " العلماء الذين قد أتقنوا علمهم ووَعَوْه فحفظوه حفظًا، لا يدخلهم في معرفتهم وعلمهم بما علموه شَكّ ولا لبس" (١٢). وري عن أبي الدرداء وأبي أمامة قالا سئل رسول الله ﷺ : مَن الراسخ في العلم؟ قال: " من بَرَّت يمينهُ، وصَدقَ لسانه، واستقام به قلبه، وعفّ بطنه، فذلك الراسخُ في العلم" (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] وجهان (١٤): أحدهما: يعني الثابتين فيه، العاملين به. والثاني: يعني المستنبطين للعلم والعاملين، وفيهم وجهان (١٥): أحدهما: أنهم داخلون في الاستثناء، وتقديره: أن الذي يعلم تأويله الله والراسخون في العلم جميعاً. روى ابن أبي نجيح عن ابن عباس أنه قال: "أنا ممن يعلم تأويله" (١٦). الثاني: أنهم خارجون من الاستثناء، ويكون معنى الكلام: ما يعلم تأويله إلا الله وحده، ثم استأنف فقال ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. وقرأ أبىّ: "ويقول الراسخون" (١٧). قوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، "أي كلّ من المتشابه والمحكم حقٌ وصدق لأنه كلام الله" (١٨). قال الزمخشري: " أي كل واحد منه ومن المحكم من عنده، أو بالكتاب كل من متشابهه ومحكمه من عند اللَّه الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف كتابه" (١٩). ويحتمل قوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] جهين (٢٠): أحدهما: علم ذلك عند ربنا. والثاني: ما فصله من المحكم والمتشابه، فنزل من عند ربنا. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، "أي ما يتعظ ويتدبر إِلا أصحاب العقول السليمة المستنيرة" (٢١). قال مقاتل بن حيان: " إلا كل ذي لبّ" (٢٢). قال السعدي: " أي: يتعظ بمواعظ الله ويقبل نصحه وتعليمه إلا أهل العقول الرزينة لب العالم وخلاصة بني آدم يصل التذكير إلى عقولهم، فيتذكرون ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وأما من عداهم فهم القشور الذي لا حاصل له ولا نتيجة تحته، لا ينفعهم الزجر والتذكير لخلوهم من العقول النافعة" (٢٣). الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة أن القرآن كلام الله، لقوله تعالى ﴿هو الذي أنزل عليم الكتاب﴾، وكلام الله ليس مخلوقا بل صفته . ٢ - إثبات علو الله تعالى، لقول: ﴿أنزل﴾، والإنزال لا يكون إلا من أعلى إلى أسفل، فالله فوق كل شيء. ٣ - إن القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه، لقوله تعالى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. ٤ - وحوب الرجوع إلى المحكم لإزالة الشبهة، لقوله: ﴿هنّ أمّ الكتاب﴾، يعني مرجعه، وهذا لايختص بالقرآن، بل حتى في السنة، إذا وحت احاديث متشابهة واحاديث محكمة واضحة، فالواجب رد المتشابه إلى المحكم ليكون الجميع محكما. ٥ - حكمة الله في جعل القرآن ينقسم إلى قسمين: ووجه الحكمة انه بهذا يحصل الابتلاء والامتحان، فلامؤمن لايضل بهذا الانقسام، والذي في قلبه زيغ يضل. ٦ - الابتعاد عن إيراد الآيات المتشابهات دون بيان إشكالها، لأنه يؤدي إلى الحيرة والشك. ٧ - ومن الفوائد: فضيلة الرسوخ في العلم، وهو الثبات فيه والتعمق فيه حتى تصل إلى جذوره، لقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. ٨ - ومنها: أن مقتضى الربوبية أن الله ينزل على عباده كتابا لا كون فيه اختلاف يوقعهم في الشك والاشتباه، لقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وما كان من عند الرب المعتني بعباده بربوبيته، فلن يكون فيه شيء يتناقض ويختلف. ٩ - ومنها: أنه لا يتذكر بهذا القرآن ولا بغيره إلا أصحاب العقول، لقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. ١٠ - ومن الفوائد ان العقل غير الذكاء، لأننا نجد كثيرا من الناس أذكياء، ولكن لايتذكرون بالقرآن، وهؤلاء عقلاء لكن الذي انتفى عنهم العقل هو عقل التصرف والرشد، أما عقل الإدراك فهم يدركون، ولهذا تقوم عليهم الحجة. ١١ - إن من القرآن ما لايعلم تأويله إلا اللهـ لقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ على قراءة الوقف، والفائدة: امتحان العباد بتأدبهم مع الله . القرآن

стр. 2245

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨] التفسير: ويقولون: يا ربنا لا تَصْرِف قلوبنا عن الإيمان بك بعد أن مننت علينا بالهداية لدينك، وامنحنا من فضلك رحمة واسعة، إنك أنت الوهاب: كثير الفضل والعطاء، تعطي مَن تشاء بغير حساب. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، " أي: لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه" (١). قال محمد بن إسحاق: " أي: لا تمل قلوبنا وإن ملنا بأحداثنا" (٢)، "بعد ما بصرتنا من الهدى فيما جاء به أهل البدعة والضلالة" (٣). قال مقاتل: " يعني: لا تحول قلوبنا عن الهدى بعد ما هديتنا كما أزغت اليهود عن الهدى" (٤). قال الزجاج: " أي لا تمِلْها عن الهدى والقَصْد، أي لا تضلَّنَا بعد إذ هديتنا، وقيل أيضاً: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾: لا تَتَعبَّدْنا بما يكون سبباً لزيغ قلوبنا وكلاهما جيد" (٥). قال الزمخشري: " لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا (٦) [بعد إذ] أرشدتنا لدينك، أو لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا" (٧). قال السعدي: " أي: لا تملها عن الحق جهلا وعنادا منا، بل اجعلنا مستقيمين هادين مهتدين، فثبتنا على هدايتك وعافنا مما ابتليت به الزائغين" (٨). قال القاسمي: أي: " ولا تجعلها كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم" (٩). وقرئ: " ﴿لا تزغ قلوبنا﴾، بالتاء والياء ورفع ﴿القلوب﴾ " (١٠). عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يقول: " "يا مُقَلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك" ثم قرأ: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ " (١١). قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨]، أي: امنحنا من فضلك وكرمك رحمةً تثبتنا بها على دينك الحق" (١٢). قال ابن كثير: " أي: من عندك ﴿رَحْمَةً﴾ تثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانًا وإيقانًا" (١٣). قال السعدي: " أي: عظيمة توفقنا بها للخيرات وتعصمنا بها من المنكرات" (١٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، أي: " كثير النعم والإفضال، جزيل العطايا والنوال" (١٥). قال السعدي: " أي: واسع العطايا والهبات، كثير الإحسان الذي عم جودك جميع البريات" (١٦).
следующие страницы →