← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

أحدها: أن المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ، قاله ابن عباس (١)، وابن مسعود (٢)، وقتادة (٣)، والربيع (٤) والضحاك (٥). والثاني: أن المحكم ما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تشتبه معانيه، قاله مجاهد (٦). والثالث: أن المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً، والمتشابه ما احتمل أوجهاً، قاله الشافعي (٧) ومحمد بن جعفر بن الزبير (٨). والرابع: أن المحكم الذي لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه الذي تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد (٩). والخامس: أن المحكم الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال (١٠). والسادس: أن المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج عيسى ونحوه، وهذا قول جابر بن عبد الله (١١)، واختاره الطبري (١٢). والسابع: أن المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى استدلال (١٣). والثامن: أن المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة، والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة، كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام بشهر رمضان دون شعبان. قاله الماوردي (١٤). وفي قوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَاِب﴾ [آل عمران: ٧] وجهان: أحدهما: أصل الكتاب. قاله سعيد بن جبير (١٥). والثاني: معلوم الكتاب (١٦). وفي سبب تسميته بأم الكتاب قولان: الأول: وإنما سماهن أم الكتاب لأنهن مكتوبات في جميع الكتب. قاله سعيد بن جبير (١٧). والثاني: وإنما قال: هن أم الكتاب، لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن (١٨). وفي المراد بقوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَاِب﴾ [آل عمران: ٧] ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود (الأمر والنهي والحلال)، قاله يحيى بن يعمر (١٩). والثاني: أنه أراد فواتح السُّوَر التي يستخرج منها القرآن، وهو قول أبي فاختة (٢٠). والثالث: أن يريد به أنه معقول المعاني لأنه يتفرع عنه ما شاركه في معناه، فيصير الأصل لفروعه كالأم لحدوثها عنه، فلذلك سماه أم الكتاب (٢١).

стр. 2242

قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧]، أي: "فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق وانحرافٌ عنه" (١). قال الزمخشري: " هم أهل البدع" (٢). وفي تفسيرالـ ﴿ـزيغ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] وجهان من التفسير: أحدهما: أنه ميل عن الهدى. قاله محمد بن إسحاق (٣). والثاني: أن المعنى: شكّ، قاله ابن مسعود (٤)، ومجاهد (٥) والسدي (٦). واختلف فيمن عني بهذه الآية على أقوال: أحدها: أنهم أهل الشك. قاله ابن عباس (٧). والثاني: أنهم المنافقون. قاله ابن جريج (٨). والثالث: أنه يعني: حيي بن أخطب، وأصحابه من اليهود. قاله مقاتل بن حيان (٩). والرابع: أنهم الخوارج. رواه أبو أمامة عن رسول الله – ﷺ (١٠). والخامس: أنه عُني به الوفدُ من نصارى نجران الذين قَدِموا على رسول الله ﷺ ، فحاجُّوه بما حاجُّوه به، وخاصموه بأن قالوا: ألست تزعم أنّ عيسى روح الله وكلمته؟ وتأولوا في ذلك ما يقولون فيه من الكفر. وهذا قول الربيع (١١). قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧]، أي: " فيتبع المتشابه منه ويفسّره على حسب هواه" (١٢). قال ابن كثير: "أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم" (١٣). قال الزمخشري: " فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق" (١٤). وفي قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] ثلاثة تأويلات (١٥): أحدها: أنه الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من الحروف المقطعة من حساب الجُمّل في انقضاء مدة النبي ﷺ . والثاني: أنه معرفة عواقب القرآن في العلم بورود النسخ قبل وقته. والثالث: أن ذلك نزل في وفد نجران لمَّا حاجّوا النبي ﷺ في المسيح، فقالوا: أليس كلمة الله وروحه؟ قال: " بلى " فقالوا: حسبنا، فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وابْتَغَآءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وهو قول الربيع.

стр. 2243

قوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧]، أي: "إرادة الفتنة" (١). قال الزمخشري: " طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم" (٢). قال الصابوني: " أي طلباً لفتنة الناس في دينهم" (٣). قال ابن كثير: " أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد، ورسول من رسل الله" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧] خمسة تأويلات: أحدها: الشرك، قاله السدي (٥)، والربيع (٦). والثاني: اللّبْس. قاله محمد بن إسحاق (٧)، ومحمد بن جعفر (٨). والثالث: ابتغاء الشبهات، قاله مجاهد (٩). الرابع: الشبهات التي حاجّ بها وفد نجران (١٠). الخامس: إفساد ذات البَيْن (١١). قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، "وإِيهاماً للأتباع بأنهم يبتغون تفسير كلام الله" (١٢). قال ابن كثير: "أي: تحريفه على ما يريدون" (١٣). قال الزمخشري: " وطلب أن يأوّلوه التأويل الذي يشتهونه" (١٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] في التأويل وجهان: أحدهما: أنه التفسير. والثاني: أنه العاقبة المنتظرة. قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران: ٧]، " أي لا يعلم تفسير المتشابه ومعناه الحقيقي إِلا الله وحده" (١٥). قال الزمخشري: " أي لا يهتدى (١٦) إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا اللَّه" (١٧).

стр. 2244

وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران: ٧] ثلاثة أقاويل: أحدها: تأويل جميع المتشابه، لأن فيه ما يعلمه الناس، وفيه ما لا يعلمه إلا الله، قاله الحسن (١). والثاني: أن تأويله يوم القيامة لما فيه من الوعد والوعيد، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَومَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] يعني يوم القيامة، قاله ابن عباس (٢). والثالث: تأويله وقت حلوله، قاله بعض المتأخرين (٣). وقرأ عبد اللَّه: "إن تأويله إلا عند اللَّه" (٤). قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، " أي والثابتون المتمكنون من العلم يؤمنون بالمتشابه وأنه من عند الله" (٥). قال الطبري: أي: "صدقنا بما تشابه من آي الكتاب، وأنه حقّ وإن لم نَعلم تأويله" (٦). قال ابن عباس: " يعني: ما نسخ وما لم ينسخ" (٧)، وروي عن عائشة والسدي نحو ذلك (٨). روي عن الضحاك: " ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، قال: المحكم والمتشابه" (٩). وعنه أيضا: " ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه: ولا نعمل به، يعني: بمتشابهه" (١٠). قال قتادة: " آمنوا بمتشابهه وعملوا بمحكمه، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه" (١١). قال الطبري: " العلماء الذين قد أتقنوا علمهم ووَعَوْه فحفظوه حفظًا، لا يدخلهم في معرفتهم وعلمهم بما علموه شَكّ ولا لبس" (١٢). وري عن أبي الدرداء وأبي أمامة قالا سئل رسول الله ﷺ : مَن الراسخ في العلم؟ قال: " من بَرَّت يمينهُ، وصَدقَ لسانه، واستقام به قلبه، وعفّ بطنه، فذلك الراسخُ في العلم" (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] وجهان (١٤): أحدهما: يعني الثابتين فيه، العاملين به. والثاني: يعني المستنبطين للعلم والعاملين، وفيهم وجهان (١٥): أحدهما: أنهم داخلون في الاستثناء، وتقديره: أن الذي يعلم تأويله الله والراسخون في العلم جميعاً. روى ابن أبي نجيح عن ابن عباس أنه قال: "أنا ممن يعلم تأويله" (١٦). الثاني: أنهم خارجون من الاستثناء، ويكون معنى الكلام: ما يعلم تأويله إلا الله وحده، ثم استأنف فقال ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. وقرأ أبىّ: "ويقول الراسخون" (١٧). قوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، "أي كلّ من المتشابه والمحكم حقٌ وصدق لأنه كلام الله" (١٨). قال الزمخشري: " أي كل واحد منه ومن المحكم من عنده، أو بالكتاب كل من متشابهه ومحكمه من عند اللَّه الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف كتابه" (١٩). ويحتمل قوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] جهين (٢٠): أحدهما: علم ذلك عند ربنا. والثاني: ما فصله من المحكم والمتشابه، فنزل من عند ربنا. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، "أي ما يتعظ ويتدبر إِلا أصحاب العقول السليمة المستنيرة" (٢١). قال مقاتل بن حيان: " إلا كل ذي لبّ" (٢٢). قال السعدي: " أي: يتعظ بمواعظ الله ويقبل نصحه وتعليمه إلا أهل العقول الرزينة لب العالم وخلاصة بني آدم يصل التذكير إلى عقولهم، فيتذكرون ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وأما من عداهم فهم القشور الذي لا حاصل له ولا نتيجة تحته، لا ينفعهم الزجر والتذكير لخلوهم من العقول النافعة" (٢٣). الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة أن القرآن كلام الله، لقوله تعالى ﴿هو الذي أنزل عليم الكتاب﴾، وكلام الله ليس مخلوقا بل صفته . ٢ - إثبات علو الله تعالى، لقول: ﴿أنزل﴾، والإنزال لا يكون إلا من أعلى إلى أسفل، فالله فوق كل شيء. ٣ - إن القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه، لقوله تعالى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. ٤ - وحوب الرجوع إلى المحكم لإزالة الشبهة، لقوله: ﴿هنّ أمّ الكتاب﴾، يعني مرجعه، وهذا لايختص بالقرآن، بل حتى في السنة، إذا وحت احاديث متشابهة واحاديث محكمة واضحة، فالواجب رد المتشابه إلى المحكم ليكون الجميع محكما. ٥ - حكمة الله في جعل القرآن ينقسم إلى قسمين: ووجه الحكمة انه بهذا يحصل الابتلاء والامتحان، فلامؤمن لايضل بهذا الانقسام، والذي في قلبه زيغ يضل. ٦ - الابتعاد عن إيراد الآيات المتشابهات دون بيان إشكالها، لأنه يؤدي إلى الحيرة والشك. ٧ - ومن الفوائد: فضيلة الرسوخ في العلم، وهو الثبات فيه والتعمق فيه حتى تصل إلى جذوره، لقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. ٨ - ومنها: أن مقتضى الربوبية أن الله ينزل على عباده كتابا لا كون فيه اختلاف يوقعهم في الشك والاشتباه، لقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وما كان من عند الرب المعتني بعباده بربوبيته، فلن يكون فيه شيء يتناقض ويختلف. ٩ - ومنها: أنه لا يتذكر بهذا القرآن ولا بغيره إلا أصحاب العقول، لقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. ١٠ - ومن الفوائد ان العقل غير الذكاء، لأننا نجد كثيرا من الناس أذكياء، ولكن لايتذكرون بالقرآن، وهؤلاء عقلاء لكن الذي انتفى عنهم العقل هو عقل التصرف والرشد، أما عقل الإدراك فهم يدركون، ولهذا تقوم عليهم الحجة. ١١ - إن من القرآن ما لايعلم تأويله إلا اللهـ لقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ على قراءة الوقف، والفائدة: امتحان العباد بتأدبهم مع الله . القرآن

стр. 2245

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨] التفسير: ويقولون: يا ربنا لا تَصْرِف قلوبنا عن الإيمان بك بعد أن مننت علينا بالهداية لدينك، وامنحنا من فضلك رحمة واسعة، إنك أنت الوهاب: كثير الفضل والعطاء، تعطي مَن تشاء بغير حساب. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، " أي: لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه" (١). قال محمد بن إسحاق: " أي: لا تمل قلوبنا وإن ملنا بأحداثنا" (٢)، "بعد ما بصرتنا من الهدى فيما جاء به أهل البدعة والضلالة" (٣). قال مقاتل: " يعني: لا تحول قلوبنا عن الهدى بعد ما هديتنا كما أزغت اليهود عن الهدى" (٤). قال الزجاج: " أي لا تمِلْها عن الهدى والقَصْد، أي لا تضلَّنَا بعد إذ هديتنا، وقيل أيضاً: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾: لا تَتَعبَّدْنا بما يكون سبباً لزيغ قلوبنا وكلاهما جيد" (٥). قال الزمخشري: " لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا (٦) [بعد إذ] أرشدتنا لدينك، أو لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا" (٧). قال السعدي: " أي: لا تملها عن الحق جهلا وعنادا منا، بل اجعلنا مستقيمين هادين مهتدين، فثبتنا على هدايتك وعافنا مما ابتليت به الزائغين" (٨). قال القاسمي: أي: " ولا تجعلها كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم" (٩). وقرئ: " ﴿لا تزغ قلوبنا﴾، بالتاء والياء ورفع ﴿القلوب﴾ " (١٠). عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يقول: " "يا مُقَلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك" ثم قرأ: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ " (١١). قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨]، أي: امنحنا من فضلك وكرمك رحمةً تثبتنا بها على دينك الحق" (١٢). قال ابن كثير: " أي: من عندك ﴿رَحْمَةً﴾ تثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانًا وإيقانًا" (١٣). قال السعدي: " أي: عظيمة توفقنا بها للخيرات وتعصمنا بها من المنكرات" (١٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، أي: " كثير النعم والإفضال، جزيل العطايا والنوال" (١٥). قال السعدي: " أي: واسع العطايا والهبات، كثير الإحسان الذي عم جودك جميع البريات" (١٦).

стр. 2246

قال القاسمي: " وفيه دلالة على أن الهدى والضلال من قبله تعالى" (١). الفوائد: ١ - مشروعي تصدير الدعاء باسم الرب، لقوله: ﴿ربنا﴾. ٢ - الهداية يكون من عند الله وحده. ٣ - ومنها: ان الانسان لا يملك قلبه، فكم من انسان مؤمن زلّ والعياذ بالله. ٤ - الدلالة أن في صلاح القلب صلاح جميع الجسد، لقوله: ﴿ربنا لاتزغ قلوبنا﴾. ٢ - الثناء على الله بهدايته فهو من باب التحدث بنعم الله ، قال تعالى: ﴿بعد إذ هديتنا﴾. ٣ - ان الانسان مضطر إلى ربه في الدفع والرفع. ٣ - الإخلاص، وذلك من خلال طلب الرحمة التي من لدن الله، وأن العطاء يكون على قدر المعطيـ لقوله: ﴿وهب لنا من لدنك رحمة﴾. ٤ - التوسل بأسماء الله تعالى، لقوله ﴿إنك انت الوهاب]، فمن اسماءه تعالى ﴿الوهاب﴾، وهو للمبالغة لكثرة من يهب له فإن الموهوب لهم لا يحصيهم إلا الله . القرآن ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران: ٩] التفسير يا ربنا إنا نُقِرُّ ونشهد بأنك ستجمع الناس في يوم لا شَكَّ فيه، وهو يوم القيامة، إنَّك لا تُخلف ما وعَدْتَ به عبادك. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩]، " ربنا إنك إنك جامع الخلائق في يوم الحساب الذي لاشك فيه" (٢). قال ابن كثير: " أي: يقولون في دعائهم: إنك - يا ربنا - ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلا بعمله، وما كان عليه في الدنيا من خير وشر" (٣). قال القرطبي: " أي باعثهم ومحييهم بعد تفرقهم، وفي هذا إقرار بالبعث ليوم القيامة" (٤). قال الزجاج: " إِقرار بالبعث ودليل أنهم خالفوا من يتبع المتشابه لأن الذين ابتغوا المتشابه هم الذين أنكروا البعث" (٥). عن أم هاني أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد يوم القيامة" (٦). وعن أبي الدرداء قال: "الريب: يعني الشك من الكفر" (٧). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]، أي: " وأنت يا رب لا تخلف الموعد" (٨). قال ابن عباس: " ميعاد من قال لا إله إلا الله" (٩). قال الزمخشري: "معناه أنّ الإلهية تنافى خلف الميعاد كقولك: إن الجواد لا يخيب سائله والميعاد: الموعد" (١٠).

стр. 2247

قال الزجاج: " جائز أن يكون حكاية عن الموحدين، وجائز أن يكون إخباراً عن اللَّه، وجائز فتح ﴿أن اللَّه لا يخلف الميعاد﴾، فيكون المعنى" جامع الناس لأنك لا تخلف الميعاد، أي: قد أعلمتنا ذلك ونحن غير شَاكِّين فيه" (١). قال الواحدي: " ولا يدل هذا على تخليد مرتكبي الكبائر من المسلمين في النار، وإن وعد ذلك بقوله: ﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ [النساء: ١٤]. الآية؛ لأن المراد بالميعاد ههنا يوم القيامة، لأن الآية وردت في ذكره. أو يحمل هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء؛ لأن خلف الوعيد كرم عند العرب، والدليل: أنهم يمدحون بذلك، ومنه قول الشاعر (٢): إذا وعد السراء أنجز وعده ... وإن وعد الضراء فالعفو مانعه قال الأصمعي: جمعنا بين أبي عمرو بن العلاء، وبين محمد بن مسعود الفدكي، فقال أبو عمرو: ما تقول؟ قال: أقول: إن الله وعد وعدا، وأوعد إيعادا، فهو منجز إيعاده، كما هو منجز وعده. فقال أبو عمرو: إنك رجل أعجم، لا أقول: أعجم اللسان، ولكن أعجم القلب. إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما، وعن الإيعاد كرما، وأنشد (٣): وإني وإن أوعدته أو وعدته ... ليكذب إيعادي ويصدق موعدي أو تقول: هذا عام في وعيد الأولياء، ووعيد الكفار، فأما مرتكبو الكبائر، فهم مخصوصون بقوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] " (٤). الفوائد: ١ - أن يوم القيمة آت لاريب فيه؛ لقوله: ﴿ليوم لاريب فيه﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]. ٢ - ومنها: تمام قدرة الله بجمع الناس كلهم في هذا اليوم؛ ومع هذا فإن هذا الجمع لا يحتاج إلى مدة ﴿فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤]. ٣ - ومنها: حكمة الله عزوجل في جمع الناس لهذا اليوم؛ لأن هذا الجمع له ما بعده وهو جزاء كل عامل بما عمل كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٩ - ١ - ]، إذا فهذا الجمع لحكمة وهو: جزاء العامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

стр. 2248

٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب علينا أن نؤمن إيمانا لاشك فيه بهذا اليوم؛ فإن شك أحد أو أنكر فليس بمؤمن فهو كافر؛ والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام وإن شئت فقل: أربعة: مؤمن إيمانا لاريب فيه؛ وشاك؛ وكافر منكر؛ وكافر مجادل؛ يعني مع كونه منكرا يجادل ويخاصم؛ كفار قريش من أي الأنواع؟ من النوع الرابع، المنكر المجادل؛ ومن الناس من هو منكر لا يجادل لكنه في نفسه منكر ما صدق؛ ومن الناس من هو متردد شاك؛ ومن الناس من هو مؤمن إيمانا يقينيا كأنه رأي العين في قلبه. ٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء صفة خلف الوعد عن الله ؛ لقوله: : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]، وانتفاء هذه الصفة يتضمن كماله في شيئين وهما: الصدق والقدرة؛ فلكمال صدق الله عزوجل ولكمال قدرته لا يخلف الميعاد بل لابد أن يقع ما وعد به ٥ - الفرق بين الشك والريب، أن"الريب" شك مع قلق، وأما "الشك": فشك بدون قلق؛ يعني يكون متردد لكن ما يكون معه قلق نفسي؛ لكن هذا لأن الأمر فيه هام يكون فيه قلق للمشك فيه، لكن المؤمنين لا يشكون فيه لا يرتابون فيه. ٦ - أفاد الالتفات في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]، تنبيه المخاطب، كما أن مجيئه بصيغة الغائب أبلغ في التعظيم. القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)﴾ [آل عمران: ١٠] التفسير: إن الذين جحدوا الدين الحق وأنكروه، لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئًا إن وقع بهم في الدنيا، ولن تدفعه عنهم في الآخرة، وهؤلاء هم حطب النار يوم القيامة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٠]، " أي إن الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسالة محمد ﷺ " (١). قال الطبري: " إن الذين جحدوا الحق الذي قد عرفوه من نبوَّة محمد ﷺ من يهود بني إسرائيل ومنافقيهم ومنافقي العرب وكفارهم" (٢). وأصْلُ (الكفر) عند العرب: تَغطيةُ الشيء، ولذلك سمَّوا الليل " كافرًا "، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه، كما قال الشاعر (٣): فَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا، بَعْدَ مَا ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ وقال لبيدُ بن ربيعة (٤): يَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا يعني غَطَّاها، فكذلك الذين جحدوا النبوّة من الأحبار من اليهود غَطَّوا أمر محمد ﷺ وكَتَمُوه الناسَ - مع علمهم بنبوّته، ووُجُودِهم صِفَتَه في كُتُبهم - فقال الله جل ثناؤه فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٥٩] (٥).

стр. 2249

قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠]، " أي لن تفيدهم الأموال والأولاد في الآخرة، من عذاب الله وأليم عقابه " (١). قال الطبري: "، يعني بذلك أنّ أموالهم وأولادهم لن تُنجيهم من عقوبة الله إن أحلَّها بهم - عاجلا في الدنيا على تكذيبهم بالحق بعد تبيُّنهم" (٢). قال الثعلبي: " أي لن ينفع، ولن يدفع وإنما سمى المال غنى لأنه ينفع الناس ويدفع عنهم الفقر والنوائب" (٣). قال أبو السعود: " وتأخيرُ الأولاد عن الأموال مع توسيط حرف النفي بينهما إما لعراقة الأولادِ في كشف الكروب أو لأن الأموال أولُ عُدّة يُفزع إليها عند نزول الخطوب" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ [آل عمران: ١٠]، وجوه من القراءة: أحداها: ﴿لن تغنى﴾ بسكون الياء، قرأ بها قرأ على -رضى اللَّه عنه-"وهذا من الجدّ في استثقال الحركة على حروف اللين" (٥). والثاني: ﴿يغني﴾، بالياء المتقدمة من الفعل ودخول [الحائل] بين الاسم والفعل. قرأ بها السلمي (٦). قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠]، أي أولئك "هم حطب جهنم الذي تُسْجر وتوقد به النار"" (٧). قال الطبري: " يعني بذلك: حَطبُها" (٨). عن أم الفضل أم عبد الله بن عباس قالت: "بينما نحن بمكة، قام رسول الله ﷺ من الليل فنادى: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، ثلاثا، فقام عمر بن الخطاب فقال: نعم، ثم أصبح، فقال رسول الله ﷺ : ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى موطنه، وليخوضن البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرءونه ثم يقولون: قد قرأنا القرآن، وعلمنا فمن هذا الذي هو خير منا، فهل في أولئك من خير؟ قالوا: يا رسول الله: فمن أولئك؟ . قال أولئك منكم (٩)، وأولئك هم وقود النار" (١٠). الفوائد: ١ - من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ينتفعون بأموالهم ولا أولادهم. ٢ - ومن الفوائد أيضا: إن الكفار لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا. ٣ - ومن فوائدها: أن المؤمنين قد ينتفعون بأموالهم وأولادهم وهو كذلك؛ فالمؤمن يتصدق بماله فينتفع، ويدعوا له ولده في حياته وبعد موته فينتفع؛ أما الكافر فلا ينتفع ولو دعا له ولده، كما لا يحل لولده أن يدعوا له، إلا إذا كان حيا فيحل أن يدعوا له بالهداية، وأما أن يدعوا له بعد موته فلا يمكن أن يدعوا له. ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر يملك؛ وجهه قوله: ﴿أموالهم﴾، فأضاف المال إليه وهو دليل على أن الكافر يملك ماله. ٥ - ومن فوائد الآية: تشجيع قلوب المؤمنين على الكافرين؛ وجهه أن أموالهم وأولادهم لا تغني من الله شيئا؛ فإذا انتصرنا بالله فإن ما عندهم من الأسلحة، والذخائر، والأموال، والأولاد لا يغنيهم من الله شيئا، ولهذا لو شاء الله عزوجل أن يبطل جميع ما فعلوه لأبطله. القرآن

стр. 2250

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾ [آل عمران: ١١] التفسير: شأن الكافرين في تكذيبهم وما ينزل بهم، شأن آل فرعون والذين من قبلهم من الكافرين، أنكروا آيات الله الواضحة، فعاجلهم بالعقوبة بسبب تكذيبهم وعنادهم. والله شديد العقاب لمن كفر به وكذَّب رسله. قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: ١١]، "أي حال هؤلاء الكفار وشأنهم كحال وشأن آل فرعون، وصنيعُهم مثلُ صنيعهم" (١). قال الطبري: " كسُنَّة آل فرعون وعادتهم" (٢). قال القاسمي: " أي دأب هؤلاء في الكفر كدأب آل فرعون" (٣). قال الزمخشري: " تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك تريد كظلم أبيك ومثل ما كان يظلمهم " (٤). وفي قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: ١١] وجوه من التفسير (٥): أحدها: أن معناه: كسُنَّتهم. قاله الربيع (٦). والثاني: أن معناه: كصنعهم وعملهم. قاله ابن عباس (٧)، والضحاك (٨)، وابن زيد (٩)، وعكرمة (١٠)، ومجاهد (١١). والثالث: أن المعنى: كشبيه آل فرعون. قاله الربيع (١٢). والرابع: أن معنى ذلك: كتكذيب آل فرعون. وهذا قول السدي (١٣). والخامس: أن الدأب: العادة، أي: كعادة آل فرعون والذين من قبلهم (١٤). فإذا قيل إنه "العادة"، ففيما أشار إليه من عادتهم وجهان (١٥): أحدهما: كعادتهم في التكذيب بالحق. والثاني: كعادتهم من عقابهم على ذنوبهم. والخامس: أن الدأب هنا: الاجتهاد، مأخوذ من قولهم: دأبت في الأمر، إذا اجتهدت فيه (١٦). وإذا قيل إنه الاجتهاد، احتمل ما أشار إليه من اجتهادهم وجهين (١٧): أحدهما: كاجتهادهم في نصرة الكفر على الإِيمان. والثاني: كاجتهادهم في الجحود والبهتان. قال الطبري: " وأصل " الدأب " من: " دأبت في الأمر دأْبًا "، إذا أدمنت العمل والتعب فيه. ثم إن العرب نقلت معناه إلى: الشأن، والأمر، والعادة، كما قال امرؤ القيس بن حجر (١٨): وَإنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَة ... فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ

стр. 2251

كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الْحُوَيْرِث قَبْلَهَا ... وَجَارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَلِ يعني بقوله: " كدأبك "، كشأنك وأمرك وفعلك" (١). وفيمن أشار إليهم أنهم ﴿كدأب آل فرعون﴾ قولان (٢): أحدهما: أنهم مشركو قريش يوم بدر، كانوا في انتقام الله منهم لرسله والمؤمنين، كآل فرعون في انتقامه منهم لموسى وبني إسرائيل، فيكون هذا على القول الأول تذكيراً للرسول والمؤمنين بنعمة سبقت، لأن هذه الآية نزلت بعد بدر استدعاء لشكرهم عليها. وعلى القول الثاني: وعداً بنعمة مستقبلة لأنها نزلت قبل قتل يهود بني قينقاع، فحقق وعده وجعله معجزاً لرسوله. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١]، أي والذين "من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة" (٣). قال الصابوني: " أي من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة كقوم هود وصالح وشعيب" (٤). قوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [آل عمران: ١١]، أي: " حين كذبوا بآياتنا" (٥). قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١]، " أي عاقبهم وأهلكهم بسببها" (٦). قال الثعلبي: " فعاقبهم، بذنوبهم: نظيره قوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] " (٧). قال النسفي: " بسبب ذنوبهم" (٨). قال السعدي: " عدلا منه لا ظلما" (٩). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [آل عمران: ١١]، " أي أليم العذاب شديد البطش" (١٠). قال الطبري: " والله شديد عقابه لمن كفر به وكذّب رسله بعد قيام الحجة عليه" (١١). قال البيضاوي: "تهويل للمؤاخذة وزيادة تخويف الكفرة" (١٢). الفوائد: ١ - فوائدها: أن الكفار المتأخرين كالكفار السابقين؛ لأن سنة الله تعالى بالخلق واحدة؛ لأنه عزوجل ليس بينه وبين الحلق نسب يراعيه ويحابي من يتصل به؛ فالناس عند الله تعالى سواء؛ أكرمهم عند الله أتقاهم؛ لقوله: ﴿كدأب آل فرعون ... ﴾. ٢ - ومنها: أن فرعون وآله قد عذبوا في الدنيا كما سيعذبون في الآخرة؛ لقوله: ﴿فأخذهم الله بذنوبهم﴾. ٣ - ومن فوائدها: الرد على من زعم أن فرعون أسلم فنفعه إسلامه؛ لأن الله تعالى ذكر ذلك على وجه المؤاخذة والمعاقبة؛ ولو كان تائبا توبة تنفعه ما ذكر ذنبه بدون ذكر توبته؛ لأن الله تعالى عدل لا يذكر أحدا بذنب تاب منه إلا أن يبين توبته. ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآية لله وهي العلامات الدالة على الله عزوجل على وجوده وعلى ما تتضمنه هذه الآيات من صفاته؛ فمثلا نزول الرحمة نزول الغيب دليل على الرحمة، آية على رحمة الله على وجوده وعلى رحمته؛ نزول العقوبات دليل على وجود الله وعلى غضبه؛ وهكذا كل آية تدل على وجود الله وعلى ما تقتضيه تلك الآية من الصفات سواء كانت آية رحمة أو آية عذاب.

стр. 2252

٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله لا يظلم الناس شيئا وإنما يؤاخذهم بالذنوب؛ ﴿فأخذهم الله بذنوبهم﴾؛ ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. ٦ - ومنها: الرد على الجبرية الذين لا ينسبون فعل العبد إليه؛ لقوله: ﴿بذنوبهم﴾، فأضاف الذنوب إليهم؛ والفعل لا ينسب إلا لمن قام به حقيقة؛ والجبرية يقولون: إن الفعل لا ينسب إلى الإنسان على وجه الحقيقة. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفة شدة العقاب لله؛ لقوله: ﴿والله شديد العقاب﴾. القرآن ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)﴾ [آل عمران: ١٢] التفسير: قل -أيها الرسول-، للذين كفروا من اليهود وغيرهم والذين استهانوا بنصرك في "بَدْر": إنكم ستُهْزَمون في الدنيا وستموتون على الكفر، وتحشرون إلى نار جهنم; لتكون فراشًا دائمًا لكم، وبئس الفراش في سبب نزول هذه الآية أقوال: أحدها: أنها نزلت في قريش قبل بدر بسنة، فحقق الله قوله، وصدق رسوله، وأنجز وعده بمن قتل منهم يوم بدر، قاله ابن عباس (١)، والضحاك (٢). والثاني: أنها نزلت في بني قينقاع لمَّا هلكت قريش يوم بدر، فدعاهم النبي ﷺ إلى الإسلام، وحذرهم مثل ما نزل بقريش، فأبوا وقالوا: لسنا كقريش الأغمار الذين لا يعرفون الناس، فأنزل الله فيهم هذه الآية، قاله قتادة (٣)، وابن إسحاق (٤). والثالث: أن أبا سفيان في جماعة من قومه جمعوا لرسول الله ﷺ بعد وقعة بدر فنزلت هذه الآية قاله ابن السائب (٥). والرابع: أنها نزلت في عامة الكفار. والخامس: أنه لما شمت اليهود بالمسلمين يوم أحد، قيل لهم ﴿ستغلبون وتحشرون إلى جهنم﴾، يعني على القراءة بالياء المثناة التحتانية فيهما. وهذا قول ابن المظفر (٦). قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢]، " أي قل يا محمد لليهود ولجميع الكفار: ستهزمون في الدنيا" (٧). وفي الغلبة هنا قولان (٨): أحدهما: بالقهر والاستيلاء، إن قيل إنها خاصة. والثاني: بظهور الحجة، إن قيل إنها عامة. واختلفت القراءة في قوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢]، على وجهين (٩): احدهما: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ بالتاء، على وجه الخطاب للذين كفروا بأنهم سيغلبون. قراءة نافع، وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامرـ والثاني: ﴿سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ﴾، على معنى: قل لليهود: سيغلب مشركو العرب ويحشرون إلى جهنم. قرأت ذلك وحمزة والكسائي. قوله تعالى: ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١٢]، "أي تُجمعون وتساقون إِلى جهنم" (١٠).

стр. 2253

قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢]، أي بئس المهاد والفراش الذي تمتهدونه نار جهنم" (١). قال الطبري: أي: "وبئس الفراش جهنم التي تحشرون إليها" (٢). وفي تفسير: قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢]، وجهان: أحدهما: بئس ما مهدوا لأنفسهم، قاله مجاهد (٣). والثاني: معناه بئس القرار، قاله الحسن (٤). وفي ﴿بِئْسَ﴾ وجهان (٥): أحدهما: أنه مأخوذ من البأس، وهو الشدة. والثاني: أنه مأخوذ من البأساء وهو الشر. الفوائد: ١ - أن الله يجمع للكفار بين عقوبتين: عقوبة في الدنيا وأخرى في القيامة. ٢ - إثبات عذاب النار، لقوله: ﴿وتحشرون إلى جهنك﴾. ٣ - إنشاء الذم للنار، لقوله: ﴿وبئس المهاد﴾. القرآن ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾ [آل عمران: ١٣] التفسير: قد كان لكم -أيها اليهود المتكبرون المعاندون- دلالة عظيمة في جماعتين تقابلتا في معركة "بَدْر": جماعة تقاتل من أجل دين الله، وهم محمد ﷺ وأصحابه، وجماعة أخرى كافرة بالله، تقاتل من أجل الباطل، ترى المؤمنين في العدد مثليهم رأي العين، وقد جعل الله ذلك سببًا لنصر المسلمين علبهم. والله يؤيِّد بنصره من يشاء من عباده. إن في هذا الذي حدث لَعِظة عظيمة لأصحاب البصائر الذين يهتدون إلى حكم الله وأفعاله. قوله تعالى: ﴿﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ [آل عمران: ١٣]، أي قد كان لكم يا معشر اليهود عظة وعبرة في طائفتين التقتا للقتال يوم بدر" (٦). قال ابن عباس: " أي أصحاب بدر من أصحاب رسول الله ﷺ " (٧). قال الربيع: " كان ذلك يوم بدر، كان المشركون تسعمائة وخمسين رجلا. وكان أصحاب محمد ﷺ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا" (٨). قال الواحدي: " وأراد بالـ ﴿آية﴾: علامة تدل على صدق النبي ﷺ –" (٩). قال ابن عطية: " والفئة: الجماعة من الناس سميت بذلك لأنها يفاء إليها، أي يرجع في وقت الشدة" (١٠). وقال الزجاج: الفئة الفرقة، مأخوذة من فأوت رأسه بالسيف، ويقال: فأيته إذا فلقته" (١١). قوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٣]، " أي طائفةٌ مؤمنة تقاتل لإِعلاء دين الله " (١٢).

стр. 2254

قال مجاهد: " محمد ﷺ وأصحابه" (١). قال سعيد بن جبير: " ﴿في سبيل الله﴾، يعني: في طاعة الله" (٢). قال القاسمي: " وهم النبيّ وأصحابه وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. معهم فرسان وست أدرع وثمانية سيوف وأكثرهم رجالة" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٣]، وجوه من القراءة (٤): إحداها: ﴿فئة تقاتل﴾، برفع ﴿فئة﴾ على خبر ابتداء، تقديره إحداهما فئة، وهي قراءة الجمهور. والثانية: ﴿فئة﴾، بالخفض على البدل، قرأ بها مجاهد والحسن والزهري وحميد. والثالثة: ﴿فئة﴾، بالنصب، وهي قراءة ابن أبي عبلة. قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣]، " أي: وطائفة أخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت وهم كفار قريش" (٥). قال مجاهد: " مشركي قريش يوم بدر" (٦). قال القاسمي: " وهم مشركو قريش وكانوا قريبا من ألف" (٧). وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿كافرة﴾، بالنصب (٨)، اجازه الزجاج، وقال: "المعنى: التقتا مؤمنة وكافرة، ويجوز نصبها على: أعني فئة تقاتل .. " (٩). قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣]، أي يرى الكافرون المؤمنين أكثر منهم مرتين" (١٠). قال قتادة: " يضعفون عليهم، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين يوم بدر" (١١). قال السدي: " هذا يوم بدر. قال عبد الله بن مسعود: قد نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يُضْعِفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدًا، وذلك قول الله : (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) [سورة الأنفال: ٤٤] " (١٢). قوله تعالى: ﴿رَأْيَ العين﴾ [آل عمران: ١٣]، أي: رؤية حقيقية لا بالخيال" (١٣). قال الزمخشري: " يعنى رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها، معاينة كسائر المعاينات" (١٤). وفي تفسير ﴿مِّثْلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣]، قولان: أحدهما: أنهم مثلان زائدان على العدد المُتَحَقِّق، فيصير العدد ثلاثة أمثال، قاله الفراء (١٥). والثاني: هو المزيد في الرؤية، قاله الزجاج (١٦). واختلفوا في المخاطب بهذه الرؤية على قولين: أحدهما: أنها الفئة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله، بأن أراهم الله مشركي قريش يوم بدر مثلي عدد أنفسهم، لأن عدة المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وعدة المشركين في رواية عليٍّ (١٧) وابن مسعود (١٨) ألف،

стр. 2255

وفي رواية عروة (١)، وقتادة (٢)، والربيع (٣) ما بين تسعمائة إلى ألف، فقلَّلهم الله في أعينهم تقوية لنفوسهم، قاله ابن مسعود (٤)، والحسن (٥)، وابن جريج (٦). والثاني: أن الفئة التي أراها الله ذلك هي الفئة الكافرة، أراهم الله المسلمين مثلي عددهم مكثراً لهم، لتضعف به قلوبهم (٧). قال الماوردي: "والآية في الفئتين هي تقليل الكثير في أعين المسلمين، وتكثير القليل في أعين المشركين، وما تقدم من الوعد بالغلبة، فتحقق، قتلاً، وأسراً، وسبياً " (٨). قوله تعالى: ﴿والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [آل عمران: ١٣]، أي: والله"يقوي بنصره من يشاء" (٩). قال الماوردي: " يعني من أهل طاعته" (١٠). قال ابن عباس: " فأيد الله المؤمنين بنصره قال: كان هذا في التخفيف على المؤمنين" (١١). وفي معنى التأييد في هذا الموضع وجهان (١٢): أحدهما: أنه المعونة. والثاني: القوة. قال ابن عطية: " ﴿يُؤَيِّدُ﴾، معناه: يقوي من الأيد وهو القوة (١٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [آل عمران: ١٣]، أي: " لقد كان لهم في هؤلاء عبرة وتفكر" (١٤). قال الربيع: " لقد كان في هؤلاء عبرة ومتفكر" (١٥). قال النسفي: أي: "في تكثير القليل لعظة " (١٦). قال ابن كثير: " أي: إن في ذلك لمعتبرًا لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكم الله وأفعاله، وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" (١٧). قوله تعالى: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣]، أي: "لذوي العقول السليمة والأفكار المستقيمة" (١٨). قال النسفي: أي: " لذوي البصائر" (١٩). قال الصابوني: " ومغزى الآية أن القوة المادية ليست كل شيء، وأن النصر لا يكون بكثرة العَدد والعتاد، وإِنما يكون بمعونة الله وتأييده كقوله: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠] " (٢٠). الفوائد:

стр. 2256

١ - ضرب الأمثال بالأمور الواقعة، لأن ذلك أبلغ في التصديق والطمأنينة. ٢ - إن النصر ليس بكثرة العدد، ولا بقوة العُدد، ولكنه من الله. ٣ - ومن فوائد الآية: أن القتال لايكون سببا للنصر إلا إذا كان في سبيل الله، إخلاصا، وموافقة للشرع، واجتنابا للمحارم. ٤ - إثبات أفعال الله، لقوله: ﴿والله يؤيد بنصره من يش وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. ٥ - الرد على الجبرية في قوله: ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فأضاف الفعل إليها، والجبرية تقول: لا يضاف الفعل إلى الفاعل إلا على سبيل المجاز، كما تقول: أكلت النار الحطب. ٦ - إثبات المشيئة لله، لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾. ٧ - ومن الفوائد انه لا يعتبر بالأمور إلا أولو الأبصار، لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. ٨ - الثناء على أهل البصيرة، لأن السياق فيهم، ويتضمن القدح في عُمي القلوب. القرآن ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤] التفسير: حُسِّن للناس حبُّ الشهوات من النساء والبنين، والأموال الكثيرة من الذهب والفضة، والخيل الحسان، والأنعام من الإبل والبقر والغنم، والأرض المتَّخَذة للغراس والزراعة. ذلك زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية. والله عنده حسن المرجع والثواب، وهو الجنَّة. قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤]، " أي حُسِّن إِليهم وحُبّب إِلى نفوسهم الميل نحو الشهوات" (١). قال الطبري: " زُيِّن للناس محبة ما يشتهون" (٢). قال الثعلبي: " الشهوات: جمع شهوة وهي نزوع عن النفس إليه" (٣). وفي تفسير الناس في هذه الآية قولان: أحدهما: أن المراد: الناس عامة. وهو قول الجمهور. وهو الصحيح. والثاني: يعني الكفار. قاله مقاتل بن سليمان (٤). وفي المُزّيِّن لحب الشهوات ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الشيطان، لأنه لا أحد أشد ذَمًّا لها من الله تعالى الذي خَلَقَها، قاله الحسن (٥). الثاني: أن الله زيّن ذلك. وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب-﵁ (٦). وتأويله: أن الله زين حب الشهوات لِمَا جعله في الطبائع من المنازعة كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ [الكهف: ٧]، قاله الزجاج (٧). والثالث: أن الله زين من حبها ما حَسُن، وزين الشيطان من حبها ما قَبُح (٨). قال ابن عطية: " وإذا قيل زين الله، فمعناه بالإيجاد والتهيئة لانتفاع وإنشاء الجبلة عن الميل إلى هذه الأشياء، وإذا قيل زين الشيطان فمعناه بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها. والآية تحتمل هذين النوعين من التزيين ولا يختلف مع هذا النظر. وهذه الآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توضيح لمعاصري محمد ﵇ من اليهود وغيرهم، والشَّهَواتِ ذميمة واتباعها مرد وطاعتها مهلكة، وقد

стр. 2257

قال ﵇: "حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره" (١) فحسبك أن النار حفت بها، فمن واقعها خلص إلى النار" (٢). قوله تعالى: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤]، أي: شهوة الجنس. قال النسفي: " والإماء داخلة فيها " (٣). قال الثعلبي: " بدأ بهن [أي النساء] لأنهن حبائل الشيطان وأقرب إلى الفتان" (٤). قال ابن كثير: " فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه، ﵇، قال مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّساء". فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، "وإنَّ خَيْرَ هَذه الأمَّةِ كَانَ أكْثرهَا نسَاءً" (٥) وقوله، ﵇ الدُّنْيَا مَتَاع، وخَيْرُ مَتَاعِهَا المرْأةُ الصَّالحةُ، إنْ نَظَرَ إلَيْها سَرَّتْهُ، وإنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْه، وإنْ غَابَ عَنْها حَفِظْتُه في نَفْسهَا وَمَالِهِ" (٦) وقوله في الحديث الآخر: "حُبِّبَ إلَيَّ النِّسَاءُ والطِّيبُ وجُعلَتْ قُرة عَيْني فِي الصَّلاةِ" (٧) وقالت عائشة، ﵂: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله ﷺ من النساء إلا الخيل، وفي رواية: من الخيل إلا النساء (٨) " (٩). قوله تعالى: ﴿وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤]، أي: ومن البنين. قال النسفي: " جمع "ابن" وقد يقع في غير هذا الموضع على الذكور والإناث، وهنا أريد به الذكور فهم المشتهون في الطباع والمعدون للدفاع" (١٠). قال ابن كثير: "وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل، وتكثير أمة محمد ﷺ ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح، كما ثبت في الحديث: "تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، فَإنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ" (١١) " (١٢). قوله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤]، " أي: الأموال الكثيرة المكدَّسة من الذهب والفضة" (١٣). قال الواحدي: " الذهب: التبر. والقطعة ذهبة، والفضة: الفض في اللغة معناه: التفريق، والكسر، ومنه: لا يفضض الله فاك، فالفضة سميت؛ لأن من شأنها أن تفرق بضرب الدراهم" (١٤). واختلفوا في مقدار القنطار على سبعة أقاويل: أحدها: أنه ألف ومائتا أوقية، وهو قول معاذ بن جبل (١٥)، وأبي هريرة (١٦)، وعاصم بن أبي النجود (١٧)، ورواه زر بن حبيش عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : " القنطار ألف أوقية ومئتا أوقية" (١٨).

стр. 2258

والثاني: أنه ألف ومائتا دينار، وهو قول ابن عباس (١)، والضحاك (٢)، والحسن (٣)، وقد رواه الحسن عن النبي ﷺ (٤). والثالث: أنه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار، وهو قول ابن عباس (٥)، والضحاك (٦)، والحسن (٧). والرابع: أنه ثمانون ألفاً من الدراهم، أو مائة رطل من الذهب، وهو قول سعيد بن المسيب (٨)، وقتادة (٩)، وأبي صالح (١٠)، والسدي (١١). والخامس: أنه سبعون ألفاً، قاله ابن عمر (١٢)، ومجاهد (١٣). والسادس: أنه ملء مسك ثور ذهباً، قاله أبو نضرة (١٤)، والكلبي (١٥). والسابع: أنه المال الكثير، وهو قول الربيع (١٦). والراجح أن القنطار: هو المال الكثير، كما قال الربيع بن أنس، ولا يحدُّ قدرُ وزنه بحدٍّ على تَعسُّف (١٧). وفي تفسير ﴿المُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] ستة أقاويل: أحدها: أنها المضاعفة، وهو قول قتادة (١٨) والضحاك (١٩). والثاني: أنها الكاملة المجتمعة (٢٠). والثالث: هي تسعة قناطير، قاله الفراء (٢١). والرابع: هي المضروبة دراهم أو دنانير، وهو قول السدي (٢٢). والخامس: أنها المجعولة كذلك، كقولهم دراهم مدرهمة (٢٣). والسادس: أن القناطير المذكورة مأخوذة من قنطرة الوادي، إما لأنها بتركها مُعَدَّة كالقناطر المعبورة، وإما لأنها معدة لوقت الحاجة، والقناطير مأخوذة من عقد الشيء وإحكامه كالقنطرة. قاله الماوردي (٢٤).

стр. 2259

قال ابن عطية: " والذي أقول: إنها إشارة إلى حضور المال وكونه عتيدا، فذلك أشهى في أمره وذلك أنك تقول في رجل غني من الحيوان والأملاك: فلان صاحب قناطير مال أي لو قومت أملاكه لاجتمع من ذلك ما يعدل قناطير، وتقول في صاحب المال الحاضر العتيد هو صاحب قناطير مقنطرة أي قد حصلت كذلك بالفعل بها، أي قنطرت فهي مقنطرة، وذلك أشهى للنفوس وأقرب للانتفاع وبلوغ الآمال" (١). قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤]، أي: الأصيلة الحسان" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] أقوال: أحدها: أنها الراعية، قاله سعيد بن جبير (٣)، والربيع (٤)، وعبدالرحمن بن أبزى (٥)، وابن عباس (٦)، والحسن (٧) ومجاهد (٨)، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]﴾ أي ترعون. والثاني: أن المسومة الحسنة، قاله مجاهد (٩)، وعكرمة (١٠)، والسدي (١١). والثالث: أنها المعلَّمة، قاله ابن عباس (١٢)، وقتادة (١٣). والرابع: أنها المعدة للجهاد، قاله ابن زيد (١٤). والخامس: أنها: الغرة والتحجيل. قاله مكحول (١٥). والسادس: أن المسومة: منطقة بحمرة. قاله مطر (١٦). والسابع: أنها من السيما مقصورة وممدود، قاله الحسن (١٧)، ومنه قال الشاعر (١٨): غلامٌ رماه اللهُ بالحُسْن يافعاً ... له سيمياء لا تَشُقُّ على البصر والصواب ان ﴿الخيل المسوّمة﴾، هي "المعلَمة بالشِّيات، الحسان، الرائعة حسنًا من رآها. لأن " التسويم " في كلام العرب: هو الإعلام" (١٩). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ [آل عمران: ١٤]، أي: الإبل والبقر والغنم فمنها المركب والمطعم والزينة" (٢٠). قال السدي: " الأنعام الراعية" (٢١). قوله تعالى: : ﴿والْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤]، " أي الأرض المتخذة للغراس والزراعة" (٢٢). قال الصابوني: " أي: الزرع والغراس لأن فيه تحصيل أقواتهم" (٢٣).

стр. 2260

وفي قوله تعالى: ﴿والْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤]، تفسيران: أحدهما: أنه الزرع. والثاني: أنه أرض الحرث، لأنها أصل، ويكون الحرث بمعنى المحروث. أفاده الماوردي (١). قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [آل عمران: ١٤]، " أي إِنما هذه الشهوات زهرة الحياة الدنيا وزينتُها الفانية الزائلة" (٢). قال البيضاوي: " إشارة إلى ما ذكر" (٣). قال الآلوسي: " أي ما يتمتع به أياما قلائل ثم يزول عن صاحبه" (٤). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]، أي: وعند الله حسن المرجع والثواب" (٥). قال السدي: " يقول: حسن المنقلب، وهي الجنة" (٦). قال البيضاوي: " أي المرجع، وهو تحريض على استبدال ما عنده من اللذات الحقيقية الأبدية بالشهوات المخدجة الفانية (٧). قال الطبري: " وإنما أراد بذلك توبيخ اليهود الذين آثرُوا الدنيا وحبَّ الرياسة فيها، على اتباع محمد ﷺ بعد علمهم بصدقه" (٨). قال السعدي: " فلما زينت لهم هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات، تعلقت بها نفوسهم ومالت إليها قلوبهم، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين: قسم: جعلوها هي المقصود، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي: وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها، فهؤلاء كانت زادا لهم إلى دار الشقاء والعناء والعذاب. والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها وأن الله جعلها ابتلاء وامتحانا لعباده، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلة لهم وطريقا يتزودون منها لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم، وعلموا أنها كما قال الله فيها ﴿ذلك متاع الحياة الدنيا﴾ فجعلوها معبرا إلى الدار الآخرة ومتجرا يرجون بها الفوائد الفاخرة، فهؤلاء صارت لهم زادا إلى ربهم. وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذير للمغترين بها وتزهيد لأهل العقول النيرة بها، وتمام ذلك أن الله تعالى أخبر بعدها عن دار القرار ومصير المتقين الأبرار، وأخبر أنها خير من ذلكم المذكور، ألا وهي الجنات العاليات ذات المنازل الأنيقة والغرف العالية، والأشجار المتنوعة المثمرة بأنواع الثمار، والأنهار الجارية على حسب مرادهم والأزواج المطهرة من كل قذر ودنس وعيب ظاهر وباطن، مع الخلود الدائم الذي به تمام النعيم، مع الرضوان من الله الذي هو أكبر نعيم، فقس هذه الدار الجليلة بتلك الدار الحقيرة، ثم اختر لنفسك أحسنهما واعرض على قلبك المفاضلة بينهما" (٩). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: حكمة الله في ابتلاء الناس بتزيين حب الشهوات لهم في هذه الأمور السبعة، ووجه الحكمة أنه لولا هذه الشهوات التي تنازع الإنسان في اتجاهه إلى ربه لم يكن للاختبار في الدين فائدة. ٢ - ومنها: انه لا يذم من احب هذه الامور على غير هذا الوجه، وهو محبة الشهوة، لأنه إذا زينت له محبة هذه الأمور لا لأجل الشهوة لم يكن ذلك سببا لصده عن دين الله.

стр. 2261

٣ - ومنها: تقديم الأشد فالأشد، ولهذا قدّم النساء، لكونها اعظم فتنة. ٤ - انه كلما كثرة المال ازدادت الفتنة في شهوته، لقوله: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾، لذلك نرى أن بعض الأغنياء كلما كثر مالهم اشتد بخلهم ومنعهم. ٥ - ومن الفوائد ان هذه الأشياء كلها لاتعدو ان تكون متاع الحياة الديناـ لقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ٦ - التزهيد في التعليق بهذه الأشياء، أن ماعند الله خير من هذه الدنيا، لقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. ٧ - تنقيص هذه الحياة الدنياـ لقوله: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. القرآن ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ [آل عمران: ١٥] التفسير: قل -أيها الرسول-: أأخبركم بخير مما زُيِّن للنَّاس في هذه الحياة الدنيا، لمن راقب الله وخاف عقابه جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، خالدين فيها، ولهم فيها أزواج مطهرات من الحيض والنفاس وسوء الخلق، ولهم أعظم من ذلك: رضوان من الله. والله مطَّلِع على سرائر خلقه، عالم بأحوالهم، وسيجازيهم على ذلك. في سبب نزول الآية أخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن السائب عن أبي بكر بن حفص قال: " لما نزلت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ إلى آخر الآية، قال عمر: الآن يا رب حين زينتها لنا، فنزلت: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾ الآية كلها" (١). قوله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥]، " أي قل يا محمد أأخبركم بخيرٍ ممّا زُيِّن للناس من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها الزائل؟ " (٢). قال ابن كثير: " أي: قل يا محمد للناس: أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها، الذي هو زائل لا محالة" (٣). قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥]، " أي للمتقين يوم القيامة" (٤). قال الطبري: أي: " للذين خافوا الله فأطاعوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه عند ربهم" (٥). قال قتادة: " أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهم زينت لنا الدنيا، وأنبأتنا أن ما بعدها خير منها، فاجعل حظنا في الذي هو خير وأبقى" (٦). قوله تعالى: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٥]، "أي: جناتٌ فسيحات تجري من خلال جوانبها وأرجائها الأنهار" (٧). قال أبو مالك" يعني المساكن تجري أسفلها أنهار" (٨). قال عبدالله: " أنهار الجنة تفجر من جبل مسك" (٩). قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آل عمران: ١٥]، أي: ماكثين فيها أبد الآباد" (١٠). قال ابن عباس: " يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له" (١١).

стр. 2262

قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥]، أي منزهةٌ عن الدنس والخبث، الحسي والمعنوي، لا يتغوَّطن ولا يتبولن ولا يحضن ولا ينفسن، ولا يعتريهن نساء الدنيا" (١). قال ابن عباس: " مطهرة من القذر والأذى" (٢). قال مجاهد: " مطهرة من الحيض، والغائط والبول، والنخام، والبزاق، والمني، والولد" (٣). قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله﴾ [آل عمران: ١٥]، "أي ولهم مع ذلك النعيم رضوانٌ من الله" (٤). قال ابن كثير: " أي: يحل عليهم رضوانه، فلا يَسْخَط عليهم بعده أبدا؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم " (٥). عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله : يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبدا" (٦). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥]، أي والله "عليم بأحوال العباد" (٧). قال عامر: " رأيت رسول الله ﷺ وهو يقرأ هذه الآية: ﴿سميع بصير﴾. يقول: بكل شيء بصير" (٨). قال ابن كثير: " أي: يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء" (٩). الفوائد: ١ - أهمية هذا النبأ وذلك من وجهين: الأول تصديره بالأمر والثاني إتيانه بصيغة الاستفهام التقريري الدال على التشويق. ٢ - العناية الإلهية بخلقه، إذ أنه لما ذكر ما زيّن لهم من الشهوات، أنبأهم بما هو خير من ذلك. ٣ - تكريم المتقين والعناية بهم بان لهم هذا الخير بجوار رب العالمين، لقوله: ﴿عند ربهم جنات﴾. ٤ - ومن الفوائد: أن تمام نعيم المتقين يكون برضوان الله، وهو اكبر نعيم، لقوله: ﴿ورضوان من الله﴾. ٥ - إثبات صفة الرضا لله تعالى، وهو من الصفات الفعلية، لأنه يتعلق بمشيئته، فمتى وجب سبب الرضا وجد الرضا، وكل سبب تكون متعلقة بسبب فغنها من الصفات الفعلية. ٦ - إحاطته جلّ وعلا بالعباد علما ورؤية، لقوله: ﴿والله بصير بالعباد﴾. ٧ - أن عامة الخلق هم عباد الله، المتقي منهم وغير المتقي، لقوله: ﴿والله بصير بالعباد﴾. ٨ - التحذير من مخالفة امره تعالى، لأنه متى علم الانسان أن الله بصير به، فسوف يردع نفسه عن مخالفة ربه. القرآن ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٦] التفسير: هؤلاء العباد المتقون يقولون: إننا آمنا بك، واتبعنا رسولك محمدًا ﷺ ، فامْحُ عنا ما اقترفناه من ذنوب، ونجنا من عذاب النار.

стр. 2263

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٦]، " الذين يقولون: ربنا إننا صدّقنا بك وبنبيك وما جاء به من عندك" (١). قال ابن كثير: " أي: [صدّقنا] بك وبكتابك وبرسولك" (٢). قال الراغب الأصفهاني: " ﴿الَّذِينَ﴾ جرّ صفة للعباد، أو رفع على تقدير: هم الذين، أو نصب على المدح، وقوله: (يَقُولُونَ) ليس يعني أن ذلك منهم بالقول فقط، بل باعتقادهم وفعلهم" (٣). قوله تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٦]، أي: " فاستر علينا ذنوبنا، بعفوك عنها، وتركك عقوبتنا عليها" (٤). قال ابن كثير: " أي: بإيماننا بك وبما شرعته لنا فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك" (٥). قوله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٦]، أي: " ونجنا من عذاب النار" (٦). قال الحاكم: "في الآية دلالة على أنه يجوز للداعي أن يذكر طاعاته وما تقرب به إلى الله، ثم يدعو ويؤيده ما في الصحيحين من حديث أصحاب الغار (٧)، وتوسل كل منهم بصالح عمله، ثم تفريج الباري تعالى عنهم" (٨). قال السعدي: " توسلوا بمنة الله عليهم بتوفيقهم للإيمان أن يغفر لهم ذنوبهم ويقيهم شر آثارها وهو عذاب النار" (٩). الفوائد: ١ - إن من صفات المؤمنين إعلانهم الإيمان بالله، واعترافهم بالعبودية له، والقول هنا باللسان ويكون بالقلب، ويصدقه العمل. ٢ - جواز التوسل بالإيمان، لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فإن الفاء هنا سببية، أي ان مابعدها سبب عما قبلها. ٣ - ومن الفوائد: الشعور بالتقصير وعدم الإعجاب بالنفس، لأن التقوى لاتعصم العبد من الذنوب، بل قد يكون له ذنوب، لكن المتقي يبادر بالتوبة إلى الله تعالى. ٤ - ومن الفوائد: إثبات عذاب النار، لقوله: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. القرآن ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ [آل عمران: ١٧] التفسير: هم الذين اتصفوا بالصبر على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى ما يصيبهم من أقدار الله المؤلمة، وبالصدق في الأقوال والأفعال وبالطاعة التامة، وبالإنفاق سرا وعلانية، وبالاستغفار في آخر الليل; لأنه مَظِنَّة القبول وإجابة الدعاء. قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِين﴾ [آل عمران: ١٧]، أي: الصابرين " في البأساء والضراء وحين البأس" (١٠). قال قتادة: "، قوم صبروا على طاعة الله، وصَبروا عن محارمه" (١١). قال ابن كثير: " أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات" (١٢).

стр. 2264

وفي تفسير ﴿الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٧] أربعة تأويلات (١): أحدها: الصابرين عما نهوا عنه من المعاصي. والثاني: يعني في المصائب. والثالث: الصائمين. الرابع: الصابرين عما زُيِّن للناس من حب الشهوات. أفاده الماوردي (٢). قوله تعالى: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧]، "أي الصادقين في إيمانهم وأقوالهم ونياتهم" (٣). قال قتادة: ": قوم صدَقت أفواههم واستقامت قُلوبهم وألسنتهم، وصَدقوا في السرّ والعلانية" (٤). قال سعيد بن جبير: " يقول: على أمر الله" (٥). قال الطبري: أي: " الذين صدقوا الله في قولهم بتحقيقهم الإقرارَ به وبرسوله وما جاء به من عنده، بالعمل بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه" (٦). قال ابن كثير: "فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة" (٧). وفي قوله: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧] أربعة اوجه: أحدها: في قولهم (٨). والثاني: في إيمانهم. قاله سعيد (٩). والثالث: أنهم العابدون. قاله عباد بن منصور (١٠). والرابع: في القول والفعل والنيَّة، وهذا معنى قول قتادة (١١). قال الماوردي: "والصدق في القول: الإخبار بالحق، والصدق في الفعل: إتمام العمل، والصدق في النية: إمضاء العزم (١٢). قوله تعالى: ﴿وَالقَانِتِينَ﴾ [آل عمران: ١٧]، أي: " المطيعين لله الخاضعين له" (١٣). قال ابن كثير: "والقنوت: الطاعة والخضوع " (١٤). وفي قوله ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ [آل عمران: ١٧] ثلاثة اقوال: أحدها: يعني المطيعين، قاله سعيد بن جبير (١٥)، وروي عن قتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (١٦). والثاني: أنهم المصلون. قاله عطاء (١٧). والثالث: معناه القائمون على بادة الله، قاله الزجاج (١٨). قوله تعالى: ﴿والْمُنفِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧]، "أي الذين يبذلون أموالهم في وجوه الخير" (١٩).

стр. 2265

قال القاسمي: " أموالهم في سبيل الله تعالى من الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات" (١). قال الطبري: " فهم المؤتون زكوات أموالهم، وواضعوها على ما أمرهم الله بإتيانها، والمنفقون أموالهم في الوجوه التي أذن الله لهم جل ثناؤه بإنفاقها فيها" (٢). قال ابن كثر: "أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخَلات، ومواساة ذوي الحاجات" (٣). ويحتمل قوله ﴿والْمُنفِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧] تأويلان (٤): أحدهما: في الجهاد. والثاني: في جميع البِرِّ. قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، أي: والمستغفرين "وقت السحر فبيل طلوع الشمس" (٥). قال الزجاج: " فالله وصف هؤلاء بالتصديق والإنفاق في سبيله والقيام بعبادته، ثم وصفهم بأنهم مع ذلك لشدة خوفهم ووجلهم يستغفرون بالأسحار" (٦). قال الرازيّ: واعلم أن المراد منه من يصلي بالليل ثم يتبعه بالاستغفار والدعاء، لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلّى قبل ذلك، فقوله: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ يدل على أنهم كانوا قد صلوا بالليل" (٧). قال ابن كثير: "دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب، ﵇، لما قال لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] أنه أخرهم إلى وقت السحر" (٨). وذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بالأْسْحَار﴾ [آل عمران: ١٧]، ثلاثة تأويلات: أحدها يعني المصلين بالأسحار، قاله قتادة (٩). والثاني: أنهم المستغفرون قولاً بالأسحار يسألون الله تعالى المغفرة، قاله ابن مسعود (١٠)، وابن عمر (١١)، وأنس بن مالك (١٢)، وجعفر بن محمد (١٣). والثالث: أنهم يشهدون الصبح في جماعة، قاله زيد بن أسلم (١٤). قال الزجاج: " السحر: الوقت الذي قبل طلوع الفجر، العرب تقول جئتك بأعلى السحر تريد في أول السحر، وهو أول إدبار الليل إلى طلوع الفجر الظاهر البين" (١٥). الفوائد: ١ - فضيلة هذه الصفات التي أثنى الله عليها، وهي: الصبر، والصدق، والقنوت، والإنفاق، والاستغفار، في الأسحار، والحث على الاتصاف بها.

стр. 2266

٢ - إن الصبر أفضل هذه الصفات، لأن الانسان إذا حقق الصبر، حقق جميع هذه الصفات، فمن أقسام الصبر: السبر على طاعة الله وعن معصيته. ٣ - ذم الاتصاف بضدّ هذه الصفات، وهي: الجزع، والذب، وقلة الطاعة، والبخل، والشح، والاستكبار عن الاستغفار. القرآن ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨] التفسير: شهد الله أنه المتفرد بالإلهية، وقَرَنَ شهادته بشهادة الملائكة وأهل العلم، على أجلِّ مشهود عليه، وهو توحيده تعالى وقيامه بالعدل، لا إله إلا هو العزيز الذي لا يمتنع عليه شيء أراده، الحكيم في أقواله وأفعاله. في سبب نزول الآية: قال الواحدي: "قال الكلبي: لما ظهر رسول الله ﷺ بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة، قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي ﷺ عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: "نعم"، قالا: وأنت أحمد؟ قال: "نعم"، قالا: إنا نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك، فقال لهما رسول الله ﷺ "سلاني"، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله تعالى على نبيه: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم﴾ فأسلم الرجلان وصدقا برسول الله ﷺ –" (١). وذكره الثعلبي عن الكلبي (٢). قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، "أي بيّن وأعلم تعالى عباده بانفراده بالوحدانية" (٣). قال ابن كثير: " شهد تعالى - وكفى به شهيدا، وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين - ﴿أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي: المتفَرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه، والفقراء إليه، وهو الغني عما سواه كما قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ (٣) شَهِيدًا﴾ الآية [النساء: ١٦٦] " (٤). واختلف القراء في قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، على ثلاثة اوجه (٥): أحدها: ﴿شهد الله﴾، بالرفع والمد على معنى: هم شهداء يعني: الذين مر ذكرهم. قراءة أبي نهيك وأبي الشعثاء. والثاني: ﴿شهد الله﴾، منصوبة على الحال والمدح. رواه المهلب عن محارب بن دثار. والثالث: ﴿شهد الله﴾، على الفعل، أي: بيّن لأن الشهادة تبيين، قراءة الباقين. قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، أي وشهدت الملائكة وأهل العلم بوحدانيته بدلائل خلقه وبديع صنعه" (٦). قال ابن كثير: " وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام" (٧). قوله تعالى: ﴿قائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، " أي مقيماً للعدل في جميع أمورِه" (٨). قال القاسمي: "أي بالعدل في أحكامه" (٩).

стр. 2267

قال أبو السعود: " بيان لكماله تعالى في أفعاله إثرَ بيانِ كماله في ذاته" (١). قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ [آل عمران: ١٨]، " أي: لا معبود في الوجود بحق إِلا هو (٢). قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، " أي: العزيز في ملكه الحكيم في صنعه" (٣). قال ابن كثير: " ﴿العزيز﴾: الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياء، ﴿الحكيم﴾ في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره" (٤). الفوائد: ١ - بيان فضيلة التوحيد، إذ أخبر الله به عباده بلفظ الشهادة. ٢ - ومن الفوئاد: بيان فضيلة الملائكة، إذ جعلهم الله تعالى في المرتبة الأولى في الشهادة بالتوحيد بعدع . ٣ - فضيلة العلم وأهله، لقوله: ﴿وأولوا العلم﴾. ٤ - وصف الله تعالى بتمام العدل، لقوله: ﴿قائما بالقسط﴾. ٥ - إثبات العزة والحكمة لله، لقوله: ﴿العزيز الحكيم﴾، وأن عزة الله مبنية على الحكمة، وتنزيل الأشياء في منازلها، وهذا مأخوذ من ضم الاسمين الكريمين بعضهما إلى البعض، لأن العزيز من المخلوقين قد تأخذه العزة بالإثم فلا يقول الحق، أما الله تعالى فإنه يقول الحق مع كمال عزته. القرآن ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩] التفسير: إن الدين الذي ارتضاه الله لخلقه وأرسل به رسله، ولا يَقْبَل غيره هو الإسلام، وهو الانقياد لله وحده بالطاعة والاستسلام له بالعبودية، واتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى خُتموا بمحمد ﷺ ، الذي لا يقبل الله مِن أحد بعد بعثته دينًا سوى الإسلام الذي أُرسل به. وما وقع الخلاف بين أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فتفرقوا شيعًا وأحزابًا إلا من بعد ما قامت الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب; بغيًا وحسدًا طلبًا للدنيا. ومن يجحد آيات الله المنزلة وآياته الدالة على ربوبيته وألوهيته، فإن الله سريع الحساب، وسيجزيهم بما كانوا يعملون. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج الطبري من طريق الربيع بن أنس في هذه الآية قال: قال أبو العالية: ﴿بَغْيًا بينهم﴾، يقول: بغيًا على الدنيا، وطلبَ ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضًا على الدنيا، من بعد ما كانوا علماءَ الناس" (٥)، قال الربيع: "إن موسى لما حضره الموتُ دعا سبعين حَبرا من أحبار بني إسرائيل، فاستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء عليه، كلّ حبر جُزءًا منه، واستخلف موسى يوشع بن نون. فلما مضى القرن الأول ومضى الثاني ومضى الثالث، وقعت الفرقة بينهم - وهم الذين أوتوا العلم من أبناء أولئك السبعين – حتى أهَرقوا بينهم الدماء، ووقع الشرّ والاختلاف. وكان ذلك كله من قبل الذين أتوا العلم، بغيًا بينهم على الدنيا، طلبًا لسلطانها وملكها وخزائنها وزخرفها، فسلَّط الله عليهم جبابرتهم، فقال الله: ﴿إن الدّين عند الله الإسلام﴾ إلى قوله: ﴿والله بصير بالعباد﴾ " (٦). والثاني: أخرج الطبري من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر ابن الزبير في هذه الآية، قال: "يعني بذلك النصارى" (٧). والثالث: نقل الثعلبي عن الكلبي قال: " نزلت في يهوديين تركوا اسم الإسلام وتسموا باليهودية والنصرانية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ قال: دين الله هو الإسلام بغيا منهم، فلما وجدا نظيره قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، فقالت اليهود والنصارى: لسنا على ما سميتنا به يا محمد إن اليهودية والنصرانية سب هو الشرك، والدين هو الإسلام ونحن عليه" (٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، أي: إن "الشرع المقبول عند الله هو الإِسلام" (٩). قال البيضاوي: " أي لا دين مرضي عند الله سوى الإسلام، وهو التوحيد والتدرع بالشرع الذي جاء به محمد ﷺ " (١٠). قال أبو الرباب القشيري: "يأمرهم بالإسلام وينهاهم عما سواه" (١١). قال أبو العالية: " الإسلام: الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لها تبع" (١٢). قال الطبري: " ومعنى " الدين "، في هذا الموضع: الطاعة والذّلة، من قول الشاعر (١٣): وَيَوْمُ الحَزْنِ إِذْ حُشِدَتْ مَعَدٌّ ... وَكَانَ النَّاسُ، إِلا نَحْنُ دِينَا يعني بذلك: مطيعين على وجه الذل، ومنه قول القطامي (١٤): كانَتْ نَوَارُ تَدِينُك الأدْيانا يعني: تُذلك، وقول الأعشى ميمون بن قيس (١٥): هُوَ دَانَ الرِّبَابَ إذْ كَرِهُوا الدِّ ... ينَ دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وَصِيَالِ يعني بقوله: " دان " ذلل وبقوله: " كرهوا الدين "، الطاعة" (١٦). وفي أصل "الاسلام"، قولان (١٧): أحدهما: أن أصله مأخوذ من السلام وهو السلامة، لأنه يعود إلى السلامة. والثاني: أن أصله التسليم لأمر الله في العمل بطاعته. قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٩]، " أي: وما اختلف اليهود والنصارى في أمر الإِسلام ونبوة محمد ﵇" (١٨). قال سعيد: يعني: "بنو اسرائيل" (١٩). وفي أهل الكتاب الذين اختلفوا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم أهل التوراة من اليهود، قاله الربيع (٢٠). والثاني: أنهم أهل الإِنجيل من النصارى، قاله محمد بن جعفر بن الزبير (٢١)، ورجحه الطبري (٢٢).

стр. 2268

والثالث: أنهم أهل الكتب كلها، والمراد بالكتاب الجنس من غير تخصيص، وهو قول بعض المتأخرين (١). وفيما اختلفوا فيه ثلاثة أقاويل (٢): أحدها: في أديانهم بعد العلم بصحتها. والثاني: في عيسى وما قالوه فيه من غلو وإسراف. والثالث: في دين الإِسلام. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [آل عمران: ١٩]، " أي: إِلا بعد أن علموا بالحجج النيرّة والآيات الباهرة حقيقة الأمر" (٣). قال أبو العالية: " إلا من بعد ما جاءهم الكتاب" (٤). قوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]، " أي حسداً كائناً بينهم حملهم عليه حب الرئاسة" (٥). قال أبيّ بن كعب: " بغيا على الدنيا، وطلب ملكها وزخرفها وزينتها، أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس، فبغى بعضهم على بعض، وضرب بعضهم رقاب بعضهم" (٦). قال أبو العالية: " بغيا على الدنيا، وطلب ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضا على الدنيا بعد ما كانوا علماء الناس" (٧). وروي عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿بغيا بينهم﴾، قال: "كثرت أموالهم، فتنازعوا فيها" (٨). قال ابن كثير: " أي: بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بُغْض البَعْض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقا" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩]، " أي: [و] من جحد بما أنزل الله في كتابه، فإن الله سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه" (١٠). قال ابن عطية: " توعد الكفار" (١١). قال الصابوني: " أي من يكفر بآياته تعالى فإِنه سيصير إلى الله سريعاً فيجازيه على كفره" (١٢). وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩]، وجهان: أحدهما: أنه يحتمل أن يراد بها سرعة مجيء القيامة والحساب إذ هي متيقنة الوقوع، فكل آت قريب. أفاده ابن عطية (١٣). والثاني: أن المعنى: إحصاؤه عليهم، فيحتمل أن يراد بسرعة الحساب أن الله تعالى بإحاطته بكل شيء علما لا يحتاج إلى عد ولا فكرة، وهذا معنى قول مجاهد (١٤). الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: ان الدين الذي يعتد به ويكون مقبولا عند الله هو الاسلام، وكل دين يخالف الاسلام في اي زمان فليس بمقبول مرضي عند الله.

стр. 2269

٢ - ومنها: أن اختلاف اليهود والنصارى كان عن علم، وأن اختلافهم ليس لقصد الحق، وإنما لقصد البغي والعدوان بعضهم على بعض، حتى ليضل بعضهم بعضا. ٣ - ومنها: الإشارة إلى التحذير مما وقع هؤلاء الكفار الذين أوتوا الكتاب، ومعلوم أن البغي محذر منه، غير مرغوب فيه. ٤ - ومنها: التحذير من الكفر بآيات الله، وبالتالي الحثّ على الايمان بآيات الله، لأن القدح في الشيء مدح لضده. ٥ - بيان قدرة الله بكونه سريع الحساب. ٦ - يستفاد من الآية الرد على الجبرية، ووجه ذلك أن الله تعالى أسند هذه الأفعال إلى فاعليها ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، وما اشبه ذلك، كل ذلك يفيد أن للإنسان إرادة وفعلا اختياريا، خلافا للجبرية الذين قالوا: إن أفعال العباد يجبر عليها الانسان. القرآن ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾ [آل عمران: ٢٠] التفسير: فإن جادلك -أيها الرسول- أهل الكتاب في التوحيد بعد أن أقمت الحجة عليهم فقل لهم: إنني أخلصت لله وحده فلا أشرك به أحدًا، وكذلك من اتبعني من المؤمنين، أخلصوا لله وانقادوا له. وقل لهم ولمشركي العرب وغيرهم: إن أسلمتم فأنتم على الطريق المستقيم والهدى والحق، وإن توليتم فحسابكم على الله، وليس عليَّ إلا البلاغ، وقد أبلغتكم وأقمت عليكم الحجة. والله بصير بالعباد، لا يخفى عليه من أمرهم شيء. في سبب نزول الآية: قال ابن حجر: "قال ابن الكلبي: لما نزلت: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ قالت اليهود والنصارى: لسنا على ما تسمينا به يا محمد إنما اليهودية والنصرانية ليست لنا، والدين هو الإسلام ونحن عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: خاصموك في الدين: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ قال: فقالوا: أسلمنا، فقال لليهود: "أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله، فقالوا: لا فنزلت: ﴿وَإِنْ ١ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، "أي إِن جادلوك يا محمد في شأن الدِّين فقل لهم: أنا عبدٌ لله قد استسلمتُ بكليتي لله، وأخلصت عبادتي له وحده" (٢). قال محمد بن جعفر بن الزبير: "أي: بما يأتونك به من الباطل، من قولهم: " خَلقنا، وفعلنا، وجعلنا، وأمرنا "، فإنما هي شبه باطلة قد عرفوا ما فيها من الحق ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ " (٣). قال الحسن: " إن حاجك اليهود والنصارى فقل: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ " (٤). قال ابن كثير: " أي: جادلوك في التوحيد فقل أخلصت عبادتي لله وحده، لا شريك له ولا ند له، ولا ولد ولا صاحبة له" (٥). قال الزمخشري: "فإن جادلوك في الدين، فقل: أخلصت نفسي وجملتي للَّه وحده لم أجعل فيها لغيره شركا بأن أعبده وأدعوه إلها معه يعنى أن دينى التوحيد وهو الدين القديم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي، وما جئت بشيء بديع حتى تجادلونى فيه. ونحوه (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ [آل عمران: ٦٤]، فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو حق اليقين الذي لا لبس فيه فما معنى المحاجة فيه" (٦).

стр. 2270

قال القاسمي: " ﴿فإن حاجوك﴾ في الدين وجادلوك فيه بعد إقامة تلك الآيات فَقُلْ: انقدت لآيات الله المنزلة، وأخلصت نفسي وعبادتي له، لا أشرك فيها غيره" (١). قال ابن عطية: " الضمير في حَاجُّوكَ لليهود ولنصارى نجران والمعنى: إن جادلوك وتعنتوا بالأقاويل المزورة، والمغالطات فاسند إلى ما كلفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك، [وقل]: جعلت مقصدي لله أو أسلمت شخصي وذاتي وكليتي وجعلت ذلك لله" (٢). قال الطبري: " وإنما خَصّ جل ذكره بأمره بأن يقول: ﴿أسلمت وجهي لله﴾، لأن الوجه أكرمُ جوارح ابن آدم عليه، وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشيء، فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة عليه من جوارح بدنه" (٣). قال أبو السعود: " وإنما عبر عنها بالوجه لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهرُ القُوى والمشاعر ومجمع معظم ما يقع به العبادةُ من السجودِ والقراءة وبه يحصل التوجُّه إلى كل شيء" (٤). قال الماوردي: " فإن قيل: في أمره تعالى عند حِجَاجِهمْ بأن يقول ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ عدول عن جوابهم وتسليم لحِجَاجِهم، فعنه جوابان: أحدهما: ليس يقتضي أمره بهذا القول النهي عن جوابهم والتسليم بحِجَاجِهم، وإنما أمره أن يخبرهم بما يقتضيه معتقده، ثم هو في الجواب لهم والاحْتِجَاج على ما يقتضيه السؤال. والثاني: أنهم ما حاجُّوه طلباً للحق فيلزمه جوابهم، وإنما حاجُّوه إظهاراً للعناد، فجاز له الإِعراض عنهم بما أمره أن يقول لهم " (٥). قوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، " أي: وأسلم من اتبعني أيضًا وجهه لله" (٦). قال ابن كثير: أي: " على ديني، يقول كمقالتي، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] " (٧). أخرج ابن أبي حاتم عن " عباد بن منصور قال: سألت عن قوله: ﴿ومن اتبعن﴾، قال: ليقل من اتبعك مثل ذلك، وبها تخاصم اليهود والنصارى" (٨). قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ [آل عمران: ٢٠]، " وقل "، يا محمد، للذين أوتوا الكتاب " من اليهود والنصارى " والأميين " الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب" (٩). وفي تفسير قوله: ﴿وَالأُمِّيِّينَ﴾ [آل عمران: ٢٠]، وجهان من التفسير: أحدهما: انهم الذين لا كتاب لهم، قاله محمد بن إسحاق (١٠). والثاني: أنهم الذين لايكتبون، وهم مشركو العرب. قاله ابن عباس (١١). قوله تعالى: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠]، أي: " هل أفردتم التوحيد وأخلصتم العبادة والألوهة لرب العالمين" (١٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾ [آل عمران: ٢٠]، " أي فإِن أسلموا كما أسلمتم" (١٣).

стр. 2271

قال أبو السعود: " أي كما أسلمتم وإنما لم يصرح به كما في قوله تعالى ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم بِهِ﴾ حسماً لباب إطلاق اسم الإسلام على شئ آخر بالكلية " (١). قوله تعالى: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران: ٢٠]، أي: " فقد نفعوا أنفسهم بخروجهم من الضلال إِلى الهدى ومن الظلمة إِلى النور" (٢). قال الربيع: " من تكلم بهذا صدقا من قلبه، يعني: الإيمان، فقد اهتدى" (٣). قال البيضاوي: أي: " فقد نفعوا أنفسهم بأن أخرجوها من الضلال" (٤). قال أبو السعود: " أي فازوا بالحظ الأوفر ونجَوْا عن مهاوي الضلال" (٥). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: ٢٠]، أي: وإن "أعرضوا عن الاتباع وقَبول الإسلام" (٦). قال محمد ابن إسحاق: "وإن تولوا على كفرهم" (٧). وعن الربيع بن أنس قوله: " ﴿وإن تولوا﴾ عنه يعني: عن الإيمان" (٨). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠]، أي: "فلم يضرّوك شيئاً إذْ ما عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغُ" (٩). قال ابن كثير: " أي: والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وله الحكمة في ذلك، والحجة البالغة" (١٠). قال البيضاوي: " أي فلم يضروك إذ ما عليك إلا أن تبلغ وقد بلغت" (١١). قال ابن عطية: " ذكر بعض الناس أنها آية موادعة وأنها مما نسخته آية السيف، وهذا يحتاج أن يقترن به معرفة تاريخ نزولها، وأما على ظاهر نزول هذه الآية في وقت وفد نجران فإنما المعنى فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ بما فيه قتال وغيره" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، " أي عالم بجميع أحوالهم فيجازيهم عليها" (١٣). قال ابن عطية: " وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين" (١٤). قال ابن كثير: " أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] وما ذاك إلا لحكمته ورحمته، وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته، صَلوات الله وسلامه عليه، إلى جميع الخلق" (١٥). قال ابن الجوزي في قوله: ﴿وإن تولوا فإنما عليك البلاغ﴾: " قد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الكلام اقتضى الاقتصار على التبليغ دون القتال ثم نسخ بآية السيف (١٦)، وقال بعضهم لما كان ﷺ

стр. 2272

حريصا على إيمانهم مزعجا نفسه في الاجتهاد في ذلك سكن جأشه بقوله: ﴿إنما أنت نذير﴾ (١) و ﴿فإنما عليك البلاغ﴾ والمعنى: لا تقدر على سوق قلوبهم إلى الصلاح فعلى هذا لا نسخ" (٢). الفوائد: ١ - التسليم لله وتفويض الأمر إليه. ٢ - أن الوجه أشرف الأعضاء، وهو الذي يكون به الانقياد وعدمه، ولهذا اقرب مايكون العبد من ربه إذا كان ساجدا، لأنه يضع اشرف الأعضاء على موطئ الأقدام. ٢ - أن النبي- ﷺ متبع لا تابع، لقوله: ﴿ومن اتبعن﴾، عليه الواجب على من تبين له الحق ان يأخذ به. ٣ - لا يون قول أحد أهل العلم حجة على الىخرين، لأن الكل تابعون لا متبوعون. ٤ - بيان عظيم منة الله تعالى على العرب ببعثة الرسول- ﷺ ، ووجه ذلك أنه قال: ﴿للذين اوتوا الكتاب والأميين﴾، وفرق بين الوصفين، بين من اوتي الكتاب وبين الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، لكنهم ببعثة الرسول- ﷺ كانوا هم اهل الكتاب حقا. ٥ - وجوب الاسلام والاستسلام لله تعالى، وأن أهل الهدى هم المسلمون، قال تعالى: ﴿فإن أسلموا فقد اهتدوا﴾. ٦ - إن من لم يسلم فهو ضال، وإن كان علم الحق فكان من الضالين المغضوب عليهم، لأن كل من علم الحق ولم يتبعه فهو مغضوب عليه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾ [آل عمران: ٢٠] ٧ - ومن الفوائد: أنه لايجب على الداعية إلا البلاغة، أما الهداية فإلى الله، لقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. ٨ - ومن الفوائد أيضا: أن الانسان لايسأل عن عمل غيره، فيقوم بما يجب عليه، وأما غيره فامره إلى الله تعالى، لقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. ٩ - ومنها: عموم علم الله تعالى، لقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، أي: بجميع أحوالهم، ويتضمن التحذير من مخالفة الله. القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)﴾ [آل عمران: ٢١] التفسير: إن الذين يجحدون بالدلائل الواضحة وما جاء به المرسلون، ويقتلون أنبياء الله ظلمًا بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالعدل واتباع طريق الأنبياء، فبشِّرهم بعذاب موجع. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢١]، " أي يكذبون بما أنزل الله" (٣). قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ٢١]، " أي يقتلون أنبياء الله بغير سبب ولا جريمة" (٤). قال الزمخشري: " وهم أهل الكتاب. قتل أولوهم الأنبياء وقتلوا أتباعهم وهم راضون بما فعلوا، وكانوا حول قتل رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين لولا عصمة اللَّه" (٥). أخرج ابن المنذر عن عبد الله، " إن بني إسرائيل كانوا يقتلون في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم تقوم سوقهم من آخر النهار " (٦). أخرج الطبري عن أبي عبيدة بن الجراح قال: "قلت: يا رسول الله، أىّ الناس أشدّ عذابًا يوم القيامة؟ قال: " رجل قتل نبيًّا، أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف. ثم قرأ رسول الله ﷺ : " إنّ الذين

стр. 2273

يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس " إلى أن انتهى إلى " وما لهم من ناصرين "، ثم قال رسول الله ﷺ : يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًّا من أول النهار في ساعة واحدة! فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عُبَّاد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعًا من آخر النهار في ذلك اليوم، وهم الذين ذكر الله " (١). واختلفت القراءة في قوله تعالى ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ٢١]، على وجوه (٢): أحدها: ﴿يقتلون النبيين﴾، قراءة الحسن. والثاني: ﴿ويقاتلون الذين يأمرون﴾. قراءة حمزة. والثالث: ﴿وقاتلوا﴾، قراءة عبدالله. والرابع: ﴿يقتلون النبيين والذين يأمرون﴾، قرأ بها أبىّ. قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١]، أي: " ويقتلون أيضا الذين يأمرون الناس بالعدل، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٣). قال مقاتل: " يعني بالعدل بين الناس من مؤمني بني إسرائيل من بعد موسى" (٤). أخرج ابن المنذر عن معقل بن أبي مسكين، قال " كان الوحي يأتي بني إسرائيل، فيذكرون قومهم فيقتلون فيهم الذين يأمرون بالقسط من الناس" (٥). وأخرج ابن المنذرأيضا عن سعيد، قال: " أقحط الناس في زمان ملك من ملوك بني إسرائيل سنين، فقال الملك: ليرسلن علينا السماء أو لنؤذينه، فقال له جلساؤه: كيف تقدر على أن تؤذيه أو تغيظه، وهو في السماء، قال: أقتل أولياءه من أهل الأرض، فيكون ذلك إيذاء له، قال: فأرسل الله عليهم السماء " (٦). واختلف في الذين أمروا بالقسط من الناس، على أقوال: احدها: أن" هؤلاء أهل الكتاب، كان أتباع الأنبياء ينهونهم ويذكرونهم بالله، فيقتلونهم". قاله قتادة (٧)، وري عن مجاهد نحو ذلك (٨). والثاني: أن الذين أمروا بالقسط من الناس: هم خلفاء الأنبياء. وهذا قول سفيان (٩). والثالث: أنهم النبيون الذين يأمرون بالقسط من الناس. قاله الحسن (١٠). قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ [آل عمران: ٢١]، "، فأخبرهم يا محمد وأعلمهم: أنّ لهم عند الله عذابًا موجعا" (١١). قال الربيع بن أنس: " الأليم الموجع" (١٢)، وروي عن أبي مالك نحو ذلك" (١٣). قال مقاتل: "فبشرهم يا محمد بعذاب وجيع، يعني اليهود لأن هؤلاء على دين أوائلهم الذين قتلوا الأنبياء والآمرين بالقسط" (١٤).

стр. 2274

قال السعدي: " فاستحقوا بهذه الجنايات المنكرات أشد العقوبات، وهو العذاب المؤلم البالغ في الشدة إلى غاية لا يمكن وصفها، ولا يقدر قدرها المؤلم للأبدان والقلوب والأرواح" (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب الإيمان بآيات الله الشرعية والكونية، لأن الله تعالى توعد هؤلاء الكافرين بالعذاب الأليم. ٢ - تحريم قتل النبيين، وأنه بغير حق وهو من جملة الكفر، لكن نصّ عليه لشدة شناعته. ٣ - شناعة كل من يقتل أو يقاتل من يامر بالقسط من الناس. ٤ - ثبوت العذاب على هؤلاء المتصفين بهذه الصفات، لقوله: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾، وأن هذا العذاب ليس هينا وإنما هو عذاب موجع. القرآن ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾ [آل عمران: ٢٢] التفسير: أولئك الذين بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة، فلا يُقبل لهم عمل، وما لهم من ناصرٍ ينصرهم من عذاب الله. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٢٢]، أي: أولئك "بطلت أعمالهم التي عملوها من البر والحسنات، ولم يبق لها أثر في الدارين" (٢). قال أبو مالك: " يعني: بطلت أعمالهم" (٣). قال أبو السعود: " أي أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة أو المبتلون بأسوأ الحال الذين بطلت أعمالُهم التي عمِلوها من البر والحسنات ولم يبق لها أثر في الدارين بل بقي لهم اللعنة والخزيُ في الدنيا وعذاب أليم في الآخرة" (٤). قال الثعلبي: " حبطت: ذهبت وبطلت، وأصله من «الحبط» وهو أن ترعى الماشية [بلا دليل ورديع] «٤» فتنتفخ من ذلك بطونها، وربما ماتت منه، ثم جعل كل شيء يهلك حبطا، ومنه قول النبي ﷺ : «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا إذ يلم» (٥) " (٦). قال القرطبي: " الحبط: هو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها الكلأ فتنتفخ أجوافها وربما تموت من ذلك" (٧). قال الراغب: "يعني بقوله ﴿أُولَئِكَ﴾: هم الذين يكفرون ويقتلون، بطلت في الدنيا والآخرة أعمالهم، أما في الدنيا فلأنهم لم يحصِّلوا منها محمدةَ، وأما في الآخرة فلم يحصِّلوا منها مثوبة، وذلك، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] " (٨). قال ابن عطية: " و ﴿حَبِطَتْ﴾ معناه: بطلت وسقط حكمها، وحبطها في الدنيا بقاء الذم واللعنة عليهم، وحبطها في الآخرة كونها هباء منبثا وتعذيبهم عليها" (٩). وقرأ ابن عباس وأبو السمال العدوي: " ﴿حبطت﴾ بفتح "الباء"، وهي لغة" (١٠).

стр. 2275

قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٢]، " أي ليس لهم من ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه" (١). قال ابن عطية: " نفى النصر عنهم في كلا الحالين" (٢). قال أبو السعود: ﴿من ناصرين﴾، "ينصرونهم من بأس الله وعذابِه في إحدى الدارين وصيغةُ الجميع لرعاية ما وقع في مقابلته لا لنفي تعددِ الأنصار من كل واحدٍ منهم كما في قوله تعالى ﴿وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] " (٣). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: حبوط عمل هؤلاء الذين كفروا بآيات الله وقتلوا انبياءه، وقتلوا الآمرين بالقسط من الناس. ٢ - ومنها ان الكفر محبط للأعمال، لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. ٣ - أن هؤلاء الكفار ليس لهم ناصر في الآخرة، اما في الدنيا فقد ينصرهم من كان على شاكلتهم، ولكن هم ومن نصرهم مآلهم إلى الذل والخذلان، لأن الله تعالى يقول: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]. القرآن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [آل عمران: ٢٣] التفسير: أرأيت -أيها الرسول- أعجب من حال هؤلاء اليهود الذين أتاهم الله حظا من الكتاب فعلموا أن ما جئت به هو الحق، يُدْعون إلى ما جاء في كتاب الله -وهو القرآن- ليفصل بينهم فيما اختلفوا فيه، فإن لم يوافق أهواءهم يَأْبَ كثير منهم حكم الله; لأن من عادتهم الإعراض عن الحق؟ في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: قال مقاتل: نزل في"اليهود: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك ابن الضيف، ويحيى بن عمرو، ونعمان بن أوفى، وأبو ياسر بن أخطب، وأبو نافع بن قيس، وذلك أن النبي- ﷺ قال لهم: أسلموا تهتدوا ولا تكفروا. فقال للنبي- ﷺ : نحن أهدى وأحق بالهدى منكم، ما أرسل الله نبيا بعد موسى. فقال النبي- ﷺ : لم تكذبون، وأنتم تعلمون أن الذي أقول حق، فأخرجوا التوراة نتبع نحن، وأنتم ما فيها، وهي بينكم فإني مكتوب فيها أني نبي ورسول. فأبوا ذلك فأنزل الله- فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾ " (٤). والثاني: قال ابن عباس: " دخل رسول الله ﷺ بيت المِدْرَاس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو، والحارث ابن زيد: على أيّ دين أنت يا محمد؟ فقال: " على ملة إبراهيم ودينه. فقالا فإنّ إبراهيم كان يهوديًّا! فقال لهما رسول الله ﷺ : فهلمُّوا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم! فأبيا عليه، فأنزل الله : ﴿ألم تَر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يُدْعونَ إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يَتولى فريق منهم وهم معرضون﴾ إلى قوله: ﴿ما كانوا يفترون﴾ " (٥). والثالث: نقل الواحدي عن السدي: "دعا النبي ﷺ اليهود إلى الإسلام فقال له النعمان ابن أوفى: هلم يا محمد نخاصمك إلى الأحبار، فقال رسول الله ﷺ "بل إلى كتاب الله"، فقال: بل إلى الأحبار، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٦).

стр. 2276

والرابع: قال ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "إن رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا، فذكر القصة الآتية في سورة المائدة، وفيها: فحكم عليهما بالرجم، فقال له نعمان بن أبي أوفى وبحري بن عمرو: جرت علينا يا محمد، فقال: بيني وبينكم التوراة، القصة، وفيها ذكر ابن صوريا، وفي آخرها فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٢٣]، "أي: ألم يا محمد إلى الذين أعطوا حظًّا من الكتاب" (٢). قال مقاتل: "يعني: أعطوا حظا من التوراة" (٣). وروي عن السدي مثله (٤). قال الزمخشري: " يريد أحبار اليهود، وأنهم حصلوا نصيبا وافرا من التوراة" (٥). قال الصابوني: " أي ألا تعجب يا محمد من أمر هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب" (٦). وفي الكتاب الذي دعوا إليه قولان: أحدهما: أنه التوراة، دعي إليها اليهود فأبوا، قاله ابن عباس (٧)، ورجّحه الطبري (٨). والثاني: القرآن، لأن ما فيه موافق لما في التوراة من أصول الدين، قاله الحسن وقتادة (٩)، وابن جريج (١٠). قوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣]، أي: "يدعون إلى التوراة ليقضي بينهم فيما تنازعوا فيه" (١١). قال مقاتل: " يعني التوراة ليقضي بينهم " (١٢). قال الزمخشري: " وهو التوراة" (١٣). قال ابن كثير: أي: " وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما، من اتباع محمد ﷺ " (١٤). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣]، أي: " ثم يعرض فريق منهم عن قبول حكم الله، وهم قوم طبيعتهم الإِعراض عن الحق" (١٥). قال سعيد بن جبير: " فريق يعني: طائفة" (١٦). قال الطبري: أي: " ثم يستدبر عن كتاب الله الذي دعا إلى حكمه، معرضًا عنه منصرفًا، وهو بحقيقته وحجته عالم" (١٧). قال ابن كثير: " وهذا في غاية ما يكون من ذمهم، والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد" (١٨). الفوائد:

стр. 2277

١ - من فوائد الآية: أنه ليس كل من اعطى علما يوفق للعمل به، لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. ٢ - أن هؤلاء المعرضون قد قامت عليهم الحجة، لكونهم دعوا، وهذا هو محط الذم، أما لو لم يدعوا، ولم يعلموا الحق، فإنهم لا يذمون على ذلك إذا لم يفرطوا بطلب الحق. ٣ - إن الواجب التحاكم إلى كتاب الله، وأن يكون الحكم فيه كتاب الله في كل شيء، العبادات والمعاملات والأخلاق والاعمال، لأنه لم يخصص منها شيء، لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾. ٤ - إن الذين دعوا الى كتاب الله ممن اوتوا نصيبا من الكتاب لم يتولوا جميعا، والأمر كذلك فإن كثيرا من اليهود والنصارى اسلموا وحسن اسلامهم. ٥ - ذم من يتولى بإعراض، لقوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، فالتولي إذا كان بإعراض وعدم المبالاة كان اشد، والتولي مذموم كله. القرآن ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ [آل عمران: ٢٤] التفسير: ذلك الانصراف عن الحق سببه اعتقاد فاسد لدى أهل الكتاب; بأنهم لن يعذَّبوا إلا أيامًا قليلة، وهذا الاعتقاد أدى إلى جرأتهم على الله واستهانتهم بدينه، واستمرارهم على دينهم الباطل الذي خَدَعوا به أنفسهم. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤]، " أي ذلك التولي والإِعراض بسبب افترائهم على الله وزعمهم أن النار لن تصيبهم إلا مدةً يسيرة" (١). قال ابن كثير: "أي: إنما حملهم وجَرّأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة في الدنيا يوما" (٢). واختلفوا في قوله اليهود ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] على أربعة أقاويل: أحدها: أنها الأيام التي عبدوا فيها العجل وهي أربعون يوماً، قاله قتادة (٣)، والربيع (٤). والثاني: أنها سبعة أيام، وهذا قول الحسن (٥). والثالث: أنهم يعنون الأيام التي خلق فيهم آدم. قاله مجاهد (٦). والرابع: أنها متقطعة لانقضاء العذاب فيها، نسبه الماوردي إلى بعض المتأخرين (٧). قوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤]، " أي غرهم كذبهم على الله" (٨). قال أبو عبيدة: يعني: " يختلقون الكذب" (٩). قال ابن كثير: " أي: ثَبَّتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياما معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه، ولم ينزل الله به سلطانا" (١٠). ويحتمل قوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمرام: ٢٤]، وجهين: أحدهما: حين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. قاله الربيع، وقتادة (١١).

стр. 2278

والثاني: أنهم غرهم قولهم: ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودات﴾. قاله مجاهد (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بطلان الأماني، وأن النفس قد تُمني الإنسان ما لا يكون. ٢ - التحذير من الاتكال على الأماني، لأن هذا من صنع اليهود والنصارى، وكثير من العامة يقعون في المعاصي ويمنون انفسهم بالمغفرة إذا وقعوا في المعصية. ٣ - إن هؤلاء يؤمنون بالبعث، ولكن لم ينفعهم الإيمان، لقوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، ويتفرغ من هذا أنه لا يكفي في الإيمان أن يؤمن الانسان بوجود الله، وباليوم الىخر، دون أن يستلزم هذا الإيمان قبولا وإذعانا، فمجرد التصديق لايعد إيمانا. ٤ - أن الانسان قد يغره ما هو عليه من الدين، لقوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، فقد يغتر الانسان بعباداته، فيقول بأنه لن يعذب، وهذا قصور في النظر، لأنه ليس الشأن أن تصلي وتزكي وتصوم أو تحج، وإنما الشان كل الشأن أن يقبل منك هذا العمل، فكم من عامل ليس له من عمله إلا التعب لوجود مبطل سابق كعدم الإخلاص او مبطل لاحق كالإعجاب مثلا، وقد يبتلى الإنسان بالبدعة، فكم من اناس يحبون الخير ولجهلهم يبتدعون في دين الله ما ليس منه، فيكون عملهم مردودا، لأن من شط قبول العمل أن يكون موافقا لما جاء بع الرسول- ﷺ لقوله: "من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو ردّ" (٢). القرآن ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ [آل عمران: ٢٥] التفسير: فكيف يكون حالهم إذا جمعهم الله ليحاسَبوا في يوم لا شك في وقوعه -وهو يوم القيامة-، وأخذ كل واحد جزاءَ ما اكتسب، وهم لا يظلمون شيئا؟ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥]، " أي كيف يكون حالهم يوم القيامة حين يجمعهم الله للحساب" (٣). قال الثعلبي: " أي فكيف يصنعون ليوم لا ريب فيه: وهو يوم القيامة" (٤). قال الزمخشري: أي: " فكيف يصنعون فكيف تكون حالهم، وهو استعظام لما أعد لهم وتهويل لهم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم في دفعه والمخلص منه، وأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وتطمع بما لا يكون" (٥). قال ابن عثيمين: والاستفهام للتعظيم، أي: ما أعظم ما تكون حالهم في ذلك اليوم، وما اشد حسرتهم" (٦). نقل الثعلبي عن الضحاك عن ابن عباس، قال: "أول راية ترفع لأهل الموقف ذلك اليوم من رايات الكفار راية اليهود، فيقمعهم الله على رؤوس الاشهاد ثم يأمر بهم الى النار" (٧). قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: ٢٥]، " أي نالت كل نفسٍ جزاءها العادل" (٨). قال سعيد بن جبير: يعني: توفى كل نفس أو فاجر ما عملت من خير أو شر" (٩). قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٢٥]، وهم "لا يظلمون بزيادة العذاب أو نقص الثواب" (١٠). قال الثعلبي: أي: " لا ينقصون من حسناتهم ولا يزداد على سيئاتهم" (١١).

стр. 2279

قال سعيد بن جبير: " يعني: من أعمالهم" (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: عظم يوم القيامة، لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ٢ - ومنها: النداء بالنعي على هؤلاء الذين ليس لهم في ذلك اليوم إلا الخيبة والخسران، إذ خسروا الدنيا والآخرة. ٣ - إثبات يوم القيامة، وأن من شكّ فيه فهو كافر، لقوله: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ٤ - أن يوم القيامة هو يوم التوفية الكاملة، لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾، والانسان قد يوفى شيئا من عمله في الدنيا مثل المخرج من الضيق وسعة الرزق، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، فهذا جزاء في الدنيا، واجر الآخرة أعظم. ٥ - انتفاء الظلم عن الله تعالى، لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، ويكون نفي الظلم لكمال العدل، فكل صفة نفاها الله عن نفسه فإنما يراد بها ثبوت كما الضد" (٢). القرآن ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦] التفسير: قل -أيها النبي متوجها إلى ربك بالدعاء-: يا مَن لك الملك كلُّه، أنت الذي تمنح الملك والمال والتمكين في الأرض مَن تشاء مِن خلقك، وتسلب الملك ممن تشاء، وتهب العزة في الدنيا والآخرة مَن تشاء، وتجعل الذلَّة على من تشاء، بيدك الخير، إنك -وحدك- على كل شيء قدير. وفي الآية إثبات لصفة اليد لله تعالى على ما يليق به سبحانه. في تفسير الآية أقوال: أحدها: قال قتادة: " وذكر لنا: أن نبيّ الله ﷺ سأل ربه جل ثناؤه أن يجعل له ملك فارسَ والروم في أمته، فأنزل الله : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ إلى ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ " (٣). وهكذا ذكره مقاتل (٤). الثاني: ونقل الثعلبي عن ابن عباس، وأنس بن مالك: "لما فتح رسول الله ﷺ مكة ووعد أمته ملك فارس والروم. قالت: المنافقين واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس، هم أعز وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم. فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٥). الثالث: وذكر الثعلبي هنا حديث عمرو بن عوف المزني في قصة ضرب الصخرة بالخندق وفي آخره: "فأنزل القرآن: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، وأنزل الله في هذه القصة قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ في ذلك" (٦).

стр. 2280

قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، " أي قل: يا ألله يا مالك كل شيء" (١). قال محمد بن إسحاق: يعني: " ملك النبوة الذي أعز به من اتبعه، وأذل به من خالفه" (٢). ولأهل العلم في تفسير قوله تعالى ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ثلاثة اقوال: أحدها: : يريد به ملك أمر الدنيا والآخرة (٣). والثاني: مالك العباد وما ملكوه، قاله الزجاج (٤)، وروي عن محمد بن إسحاق مثله (٥). والثالث: مالك النبوة، قاله مجاهد وروي عن محمد بن إسحاق مثله (٦). قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، "أي تهب الملك لمن تشاء وتخلع الملك ممن تشاء" (٧). وفي قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وجوه: أحدها: أن المُلك هنا النبوة، قاله ابن عباس (٨) ومجاهد (٩)، والحسن (١٠). والثاني: أنه الإيمان. أفاده الماوردي (١١). والثالث: أنه السلطان، وهو معنى قول قتادة (١٢). ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦] قال ابن عباس: " اسم الله الأعظم: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، إلى قوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ " (١٣).
следующие страницы →