← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

والرابع: قال ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "إن رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا، فذكر القصة الآتية في سورة المائدة، وفيها: فحكم عليهما بالرجم، فقال له نعمان بن أبي أوفى وبحري بن عمرو: جرت علينا يا محمد، فقال: بيني وبينكم التوراة، القصة، وفيها ذكر ابن صوريا، وفي آخرها فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٢٣]، "أي: ألم يا محمد إلى الذين أعطوا حظًّا من الكتاب" (٢). قال مقاتل: "يعني: أعطوا حظا من التوراة" (٣). وروي عن السدي مثله (٤). قال الزمخشري: " يريد أحبار اليهود، وأنهم حصلوا نصيبا وافرا من التوراة" (٥). قال الصابوني: " أي ألا تعجب يا محمد من أمر هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب" (٦). وفي الكتاب الذي دعوا إليه قولان: أحدهما: أنه التوراة، دعي إليها اليهود فأبوا، قاله ابن عباس (٧)، ورجّحه الطبري (٨). والثاني: القرآن، لأن ما فيه موافق لما في التوراة من أصول الدين، قاله الحسن وقتادة (٩)، وابن جريج (١٠). قوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣]، أي: "يدعون إلى التوراة ليقضي بينهم فيما تنازعوا فيه" (١١). قال مقاتل: " يعني التوراة ليقضي بينهم " (١٢). قال الزمخشري: " وهو التوراة" (١٣). قال ابن كثير: أي: " وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما، من اتباع محمد ﷺ " (١٤). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣]، أي: " ثم يعرض فريق منهم عن قبول حكم الله، وهم قوم طبيعتهم الإِعراض عن الحق" (١٥). قال سعيد بن جبير: " فريق يعني: طائفة" (١٦). قال الطبري: أي: " ثم يستدبر عن كتاب الله الذي دعا إلى حكمه، معرضًا عنه منصرفًا، وهو بحقيقته وحجته عالم" (١٧). قال ابن كثير: " وهذا في غاية ما يكون من ذمهم، والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد" (١٨). الفوائد:

стр. 2277

١ - من فوائد الآية: أنه ليس كل من اعطى علما يوفق للعمل به، لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. ٢ - أن هؤلاء المعرضون قد قامت عليهم الحجة، لكونهم دعوا، وهذا هو محط الذم، أما لو لم يدعوا، ولم يعلموا الحق، فإنهم لا يذمون على ذلك إذا لم يفرطوا بطلب الحق. ٣ - إن الواجب التحاكم إلى كتاب الله، وأن يكون الحكم فيه كتاب الله في كل شيء، العبادات والمعاملات والأخلاق والاعمال، لأنه لم يخصص منها شيء، لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾. ٤ - إن الذين دعوا الى كتاب الله ممن اوتوا نصيبا من الكتاب لم يتولوا جميعا، والأمر كذلك فإن كثيرا من اليهود والنصارى اسلموا وحسن اسلامهم. ٥ - ذم من يتولى بإعراض، لقوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، فالتولي إذا كان بإعراض وعدم المبالاة كان اشد، والتولي مذموم كله. القرآن ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ [آل عمران: ٢٤] التفسير: ذلك الانصراف عن الحق سببه اعتقاد فاسد لدى أهل الكتاب; بأنهم لن يعذَّبوا إلا أيامًا قليلة، وهذا الاعتقاد أدى إلى جرأتهم على الله واستهانتهم بدينه، واستمرارهم على دينهم الباطل الذي خَدَعوا به أنفسهم. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤]، " أي ذلك التولي والإِعراض بسبب افترائهم على الله وزعمهم أن النار لن تصيبهم إلا مدةً يسيرة" (١). قال ابن كثير: "أي: إنما حملهم وجَرّأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة في الدنيا يوما" (٢). واختلفوا في قوله اليهود ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] على أربعة أقاويل: أحدها: أنها الأيام التي عبدوا فيها العجل وهي أربعون يوماً، قاله قتادة (٣)، والربيع (٤). والثاني: أنها سبعة أيام، وهذا قول الحسن (٥). والثالث: أنهم يعنون الأيام التي خلق فيهم آدم. قاله مجاهد (٦). والرابع: أنها متقطعة لانقضاء العذاب فيها، نسبه الماوردي إلى بعض المتأخرين (٧). قوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤]، " أي غرهم كذبهم على الله" (٨). قال أبو عبيدة: يعني: " يختلقون الكذب" (٩). قال ابن كثير: " أي: ثَبَّتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياما معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه، ولم ينزل الله به سلطانا" (١٠). ويحتمل قوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمرام: ٢٤]، وجهين: أحدهما: حين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. قاله الربيع، وقتادة (١١).

стр. 2278

والثاني: أنهم غرهم قولهم: ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودات﴾. قاله مجاهد (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بطلان الأماني، وأن النفس قد تُمني الإنسان ما لا يكون. ٢ - التحذير من الاتكال على الأماني، لأن هذا من صنع اليهود والنصارى، وكثير من العامة يقعون في المعاصي ويمنون انفسهم بالمغفرة إذا وقعوا في المعصية. ٣ - إن هؤلاء يؤمنون بالبعث، ولكن لم ينفعهم الإيمان، لقوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، ويتفرغ من هذا أنه لا يكفي في الإيمان أن يؤمن الانسان بوجود الله، وباليوم الىخر، دون أن يستلزم هذا الإيمان قبولا وإذعانا، فمجرد التصديق لايعد إيمانا. ٤ - أن الانسان قد يغره ما هو عليه من الدين، لقوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، فقد يغتر الانسان بعباداته، فيقول بأنه لن يعذب، وهذا قصور في النظر، لأنه ليس الشأن أن تصلي وتزكي وتصوم أو تحج، وإنما الشان كل الشأن أن يقبل منك هذا العمل، فكم من عامل ليس له من عمله إلا التعب لوجود مبطل سابق كعدم الإخلاص او مبطل لاحق كالإعجاب مثلا، وقد يبتلى الإنسان بالبدعة، فكم من اناس يحبون الخير ولجهلهم يبتدعون في دين الله ما ليس منه، فيكون عملهم مردودا، لأن من شط قبول العمل أن يكون موافقا لما جاء بع الرسول- ﷺ لقوله: "من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو ردّ" (٢). القرآن ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ [آل عمران: ٢٥] التفسير: فكيف يكون حالهم إذا جمعهم الله ليحاسَبوا في يوم لا شك في وقوعه -وهو يوم القيامة-، وأخذ كل واحد جزاءَ ما اكتسب، وهم لا يظلمون شيئا؟ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥]، " أي كيف يكون حالهم يوم القيامة حين يجمعهم الله للحساب" (٣). قال الثعلبي: " أي فكيف يصنعون ليوم لا ريب فيه: وهو يوم القيامة" (٤). قال الزمخشري: أي: " فكيف يصنعون فكيف تكون حالهم، وهو استعظام لما أعد لهم وتهويل لهم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم في دفعه والمخلص منه، وأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وتطمع بما لا يكون" (٥). قال ابن عثيمين: والاستفهام للتعظيم، أي: ما أعظم ما تكون حالهم في ذلك اليوم، وما اشد حسرتهم" (٦). نقل الثعلبي عن الضحاك عن ابن عباس، قال: "أول راية ترفع لأهل الموقف ذلك اليوم من رايات الكفار راية اليهود، فيقمعهم الله على رؤوس الاشهاد ثم يأمر بهم الى النار" (٧). قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: ٢٥]، " أي نالت كل نفسٍ جزاءها العادل" (٨). قال سعيد بن جبير: يعني: توفى كل نفس أو فاجر ما عملت من خير أو شر" (٩). قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٢٥]، وهم "لا يظلمون بزيادة العذاب أو نقص الثواب" (١٠). قال الثعلبي: أي: " لا ينقصون من حسناتهم ولا يزداد على سيئاتهم" (١١).

стр. 2279

قال سعيد بن جبير: " يعني: من أعمالهم" (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: عظم يوم القيامة، لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ٢ - ومنها: النداء بالنعي على هؤلاء الذين ليس لهم في ذلك اليوم إلا الخيبة والخسران، إذ خسروا الدنيا والآخرة. ٣ - إثبات يوم القيامة، وأن من شكّ فيه فهو كافر، لقوله: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ٤ - أن يوم القيامة هو يوم التوفية الكاملة، لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾، والانسان قد يوفى شيئا من عمله في الدنيا مثل المخرج من الضيق وسعة الرزق، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، فهذا جزاء في الدنيا، واجر الآخرة أعظم. ٥ - انتفاء الظلم عن الله تعالى، لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، ويكون نفي الظلم لكمال العدل، فكل صفة نفاها الله عن نفسه فإنما يراد بها ثبوت كما الضد" (٢). القرآن ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦] التفسير: قل -أيها النبي متوجها إلى ربك بالدعاء-: يا مَن لك الملك كلُّه، أنت الذي تمنح الملك والمال والتمكين في الأرض مَن تشاء مِن خلقك، وتسلب الملك ممن تشاء، وتهب العزة في الدنيا والآخرة مَن تشاء، وتجعل الذلَّة على من تشاء، بيدك الخير، إنك -وحدك- على كل شيء قدير. وفي الآية إثبات لصفة اليد لله تعالى على ما يليق به سبحانه. في تفسير الآية أقوال: أحدها: قال قتادة: " وذكر لنا: أن نبيّ الله ﷺ سأل ربه جل ثناؤه أن يجعل له ملك فارسَ والروم في أمته، فأنزل الله : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ إلى ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ " (٣). وهكذا ذكره مقاتل (٤). الثاني: ونقل الثعلبي عن ابن عباس، وأنس بن مالك: "لما فتح رسول الله ﷺ مكة ووعد أمته ملك فارس والروم. قالت: المنافقين واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس، هم أعز وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم. فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٥). الثالث: وذكر الثعلبي هنا حديث عمرو بن عوف المزني في قصة ضرب الصخرة بالخندق وفي آخره: "فأنزل القرآن: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، وأنزل الله في هذه القصة قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ في ذلك" (٦).

стр. 2280

قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، " أي قل: يا ألله يا مالك كل شيء" (١). قال محمد بن إسحاق: يعني: " ملك النبوة الذي أعز به من اتبعه، وأذل به من خالفه" (٢). ولأهل العلم في تفسير قوله تعالى ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ثلاثة اقوال: أحدها: : يريد به ملك أمر الدنيا والآخرة (٣). والثاني: مالك العباد وما ملكوه، قاله الزجاج (٤)، وروي عن محمد بن إسحاق مثله (٥). والثالث: مالك النبوة، قاله مجاهد وروي عن محمد بن إسحاق مثله (٦). قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، "أي تهب الملك لمن تشاء وتخلع الملك ممن تشاء" (٧). وفي قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وجوه: أحدها: أن المُلك هنا النبوة، قاله ابن عباس (٨) ومجاهد (٩)، والحسن (١٠). والثاني: أنه الإيمان. أفاده الماوردي (١١). والثالث: أنه السلطان، وهو معنى قول قتادة (١٢). ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦] قال ابن عباس: " اسم الله الأعظم: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، إلى قوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ " (١٣).

стр. 2281

قوله تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، "أي تعطي العزة لمن تشاء والذلة لمن تشاء" (١). قوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، " أي: بيدك وحدك خزائن كل خير وأنت كل على كل شيء قدير" (٢). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن محمد بن إسحاق: قوله" ﴿بِيَدِكَ الخير﴾، أي: لا إلى غيرك" (٣)، ﴿إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: " أي: لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك" (٤). الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: تفويض الأمر إلى الله، لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْك﴾، والخطاب الموجه للرسول- ﷺ موجه لأمته إما عن طريق التأسي، وإما لأنه الإمام، والخطاب للإمام خطاب له ولمن اتبعه. ٢ - ومنها: بيان تمام ملك الله وسلطانه، لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْك﴾، ولكونه يعطي الملك من يشاءه، وينزعه بعد ثبوته ممن يشاء، لقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾، ولكون العزة من عنده، لقوله: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾، عليه فإن الإعزاز والإذلال بيد الله وحده، ولا تطلب العزة إلا منه تعالى، ومن ابتغى العزة من غير الله فهو ذليل. ٣ - أنه تعالى يؤتي الملك من يشاء، لقوله ﴿تُؤْتِي الملك من تشاء﴾. ٤ - ومنها: أن ملك المخلوقين ليس ملكا استقلاليا وإنما هو ملك بإعطاء، لقوله: ﴿تُؤْتِي الملك﴾، والملك بإعطاء لاشك بأنه ناقص عن ملك المعطي. ٥ - إثبات المشيئة لله تعالى في قوله ﴿تُؤْتِي الملك﴾، وكل أمر قرنه الله بالمشيئة، فإنه مبني على الحكمة، متى اقتضته شاءه الله، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]. ٦ - ومنها: أن الخير بيد الله، لقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، فلا يطلب الخير إلا منه تعالى. ٧ - ومنها: ان الشر لا يضاف إلى الله، وإن كان تعالى هو الذي خلق كل شيء، لأن أفعاله كلها خير، والشر في المفعولات، ثم ان هذا الشر في المفعولات قد يكون خيرا فكم من مرض صار سببا لصحة الجسم، وكم من آفات في الزروع وغيرها صارت اسبابا للنمو الاقتصادي من جهة اخرى. ٨ - ومنها: عموم قدرة الله، لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وهذا يشمل ما كان من أفعاله وما كان من افعال الخلق، فيكون في ذلك الرد على القدرية الذين يرون بان الله لا يخلق أعمال العباد ولا يريدها، وأن الانسان مستقبل بإرادته وعمله، فإذا كانت بقدرة الله، قلنا: يلزم أن يكون مرادا ومخلوقا لله، لأنه مادام الأمر بقدرته، فلابد أن يكون مخلوقا له، ومرادا له. القرآن ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٧] التفسير: ومن دلائل قدرتك أنك تُدخل الليل في النهار، وتُدخل النهار في الليل، فيطول هذا ويقصر ذاك، وتُخرج الحي من الميت الذي لا حياة فيه، كإخراج الزرع من الحب، والمؤمن من الكافر، وتُخرج الميت من الحي كإخراج البيض من الدجاج، وترزق من تشاء مَن خلقك بغير حساب. قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ٢٧]، أي: " أي تدخل الليل في النهار كما تدخل النهار في الليل، فتزيد في هذا وتنقص في ذاك والعكس" (٥).

стр. 2282

قال مجاهد: " ما نقص من أحدهما دخل في الآخر" (١). وروي عن عبدالله نحو ذلك (٢). قال السدي: " تولج الليل في النهار حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة، والنهار تسع ساعات. وتولج النهار في الليل حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة، والليل تسع ساعات" (٣). قال مقاتل: " يعني ما تنقص في الليل داخل في النهار حتى يصير الليل تسع ساعات والنهار خمس عشرة ساعة. فذلك قوله- سبحانه- ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥]، و"يكور" يعنى: يسلط النهار على الليل، وهما هكذا إلى أن تقوم الساعة (٤). قال الطبري: أي: " تدخل ما نقصتَ من ساعات الليل في ساعات النهار، فتزيد من نقصان هذا في زيادة هذا، وتدخل ما نقصتَ من ساعات النهار في ساعات الليل، فتزيد في ساعات الليل ما نقصت من ساعات النهار " (٥). قال الزجاج: " المعنى: تدخل أحدهما في الآخر يقال: ولج الشيءُ إذا دخل يلج وُلُوجاً وَوَلْجَة، وَالْوَلْج والوَلْجَةُ شيء يكون بين يدي فناء، فمعنى: ﴿تولج الليل في النهار﴾، أي: تنقص من الليل فتدخل ذلك النقصان زيادة في النهار، وتنقص من النهار فتدخل ذلك النقصان زيادة في الليل" (٦). قال الراغب: " الولوج: الدخول في مضيق، فهو أخص من الدخول" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ٢٧] وجهان من التفسير (٨): أحدهما: معناه تدخل نقصان الليل في زيادة النهار، ونقصان النهار في زيادة الليل، وهو قول جمهور المفسرين. والثاني: أن معناه تجعل الليل بدلاً من النهار، وتجعل النهار بدلاً من الليل، وهو قول بعض المتأخرين. قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [آل عمران: ٢٧]، أي: و"تخرج الإنسان الحيّ والأنعام والبهائم الأحياءَ من النُّطف الميتة" (٩). قال مقاتل: "فهو الناس والدواب والطير خلقهم من نطفة وهي ميتة وخلق الطير من البيضة وهي ميتة" (١٠). قال الزجاج: " أي تخرج الإنسان من النطْفَةِ، والطائِر من البَيضةِ، وتخرج للناس الحب الذي يعيشون به من الأرض الميتة" (١١). قال ابن كثير: " أي: وتخرج الحبَّة من الزرع، والنخلة من النواة، والمؤمن من الكافر، والدجاجة من البيضة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء" (١٢). وفي تفسير إخراج الحي من الميت ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يخرج الحيوان الحي في النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الحيوان الحي، وهذا قول ابن مسعود (١٣)، وابن عباس (١٤)، ومجاهد (١٥)، وسعيد بن جبير (١٦)، والضحاك (١٧)، وقتادة (١٨)، والسدي (١٩)، والنخعي (٢٠)، وابن زيد (٢١).

стр. 2283

والثاني: أنه يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن، وهذا قول سلمان (١)، والحسن (٢)، وقتادة (٣). قال قتادة: " إنما سمي يحيى، لأن الله أحياه بالإيمان" (٤). والثالث: أنه يخرج النخلة من النواة، والنواةَ من النخلة، والسنبل من الحب، والحبّ من السنبل، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض. قاله عكرمة (٥)، وروي عن أبي مالك نجو ذلك (٦). قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران: ٢٧]، أي: " وتخرج النطفة الميتة من الإنسان الحي والأنعام والبهائم الأحياء" (٧). قال مقاتل: " يعني يخرج الله- هذه النطفة من الحي وهم الناس والدواب والطير" (٨). قال ابن كثير: " أي: وتخرج الزرع من الحبة، والنواة من النخلة، والكافر من المؤمن، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء" (٩). قال المراغي: "كالجاهل من العالم، والكافر من المؤمن، والنواة من النخلة، والبيضة من الطائر، وقد أثبت علماء الطب أن في النطفة والبيضة والنواة حياة، ولكن هذه حياة اصطلاحية لأهل هذا الفن، لا في العرف العام الذي جاء به التنزيل" (١٠). وفي قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران: ٢٧]، وجهان من القراءة (١١): أحدهما: ﴿الميّت﴾، بالتشديد، قراءة نافع وحمزة والكسائي. والثاني: ﴿الميت﴾، بالتخفيف، قراءة الباقين. واختلفوا في معنى كلمة "الميت" بالتخفيف والتشديد، على قولين (١٢): أحدهما: أن الميْت بالتخفيف الذي قد مات، وبالتشديد الذي لم يمت بعد. قاله الكوفيون. والثاني: أنهما سواء، حكاه أبو العباس عن البصريين، وأنشد لابن الرعلاء القلابي (١٣): لَيْسَ مَنْ ماتَ فاستراحَ بِمَيْتٍ ... إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ قوله تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧]، " أي: وتعطي من تشاء عطاءً واسعاً بلا عدٍّ ولا تضييق" (١٤).

стр. 2284

قال ميمون بن مهران: أي: "غدقا" (١)، وروي عن الوليد بن قيس نحو هذا (٢). قال الربيع: "يخرج الرزق من عنده بغير حساب، لا يخاف أن ينقُص ما عنده ﵎" (٣). قال محمد ابن إسحاق: " لا يقدر على ذلك غيرك ولا يصنعه إلا أنت، وترزق من تشاء برا وفاجرا حي بغير حساب" (٤). قال مقاتل: " يقول- سبحانه- ليس فوقي ملك يحاسبني، أنا الملك أعطي من شئت بغير حساب، لا أخاف من أحد يحاسبني" (٥). قال الطبري: ": أنه يُعطى من يشاء من خلقه فيجود عليه، بغير محاسبة منه لمن أعطاه، لأنه لا يخاف دخولَ انتقاص في خزائنه، ولا الفناءَ على ما بيده" (٦). قال ابن كثير: " أي: تعطي من شئت من المال ما لا يَعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين، لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل" (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: تمام قدرة الله تعالى وسلطانه في كونه يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، فلا أحد يستطيع أن يزيد دقيقة من الليل في النهار أو بالعكس. ٢ - إثبات حكمة الله، لأن هذا الإيلاج له حكم عظيمة لاتقوم مصالح الخلق إلا بها، لما يترتب على هذا الايلاج اختلاف فصول السنة التي يترتب على اختلافها نمو الاجساد والنبات، فمن النبات ما يكون شتويا ومنه ما يكون صيفيا. ٣ - ومنها ما يترتب على هذا الإيلاج من اختلاف درجة حرارة الجو، فيعرف الإنسان ضعفه وافتقاره الى ربه، إذ هو محتاج إلى ربه في الحالين، لما يتطلب ما يدفئه في البرد، أو مايبرده في حر الصيف. ٤ - ومن حكمته تعالى المترتبة على إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، أن هناك جراثيم مؤذية لا يقتلها إلا شدة البرد، ومنها لا يقتلها إلا شدة الحر. ٥ - تمام قدرة الله وسلطانه بإخراج الحي من المين، وإخراج الميت من الحي، إذ أن إخراج الشيء من ضده دليل على أن قدرته تامة، وسلطانه نافذ . ٦ - ومنها: أن الرزق بيد الله، لقوله: ﴿وترزق من تشاء﴾، عليه فلا ينبغي لعقل أن يطلب الرزق من ايدي الناس. ٧ - ومنها: أن عطاء الله بلا عوض، لقوله: ﴿بغير حساب﴾. ٨ - ومنها: إثبات المشيئة لله ، لقوله: ﴿من يشاء﴾. القرآن ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ [آل عمران: ٢٨] التفسير: ينهى الله المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء بالمحبة والنصرة من دون المؤمنين، ومَن يتولهم فقد برِئ من الله، والله برِيء منه، إلا أن تكونوا ضعافًا خائفين فقد رخَّص الله لكم في مهادنتهم اتقاء لشرهم، حتى تقوى شوكتكم، ويحذركم الله نفسه، فاتقوه وخافوه. وإلى الله وحده رجوع الخلائق للحساب والجزاء. في سبب نزول الآية أقوال:

стр. 2285

أحدها: قال مقاتل: " نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره كانوا يظهرون المودة لكفار مكة فنهاهم الله- عن ذلك" (١). والثاني: قال محمد بن إسحاق: " قال محمد بن أبي محمد وكان الحجاج بن عمرو، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير وسعد ابن خثيمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء النفر من اليهود واحذروا مباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر، فأنزل الله فيهم لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين إلى قوله: والله على كل شيء قدير" (٢). ونقله الثعلبي عن ابن عباس (٣). والثالث: روي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: "نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار، ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم" (٤). والرابع: وروي جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: "نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري، وكان بدريا تقيا، وكان له حلفاء من اليهود، فلمّا خرج النبي ﷺ يوم الأحزاب، قال عبادة: يا نبي الله إنّ معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فاستظهرتهم على العدوّ، فأنزل الله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ﴾ الآية" (٥). قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، أي: " لا تتخذوا، أيها المؤمنون، الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين" (٦). قال السدي: " أما أولياء فيواليهم في دينهم، ويظهرهم على عورة المؤمنين" (٧). قال الزمخشري: " نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر" (٨). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨]، أي: و"من يرتكب نهى الله في هذا فقد برئ من الله" (٩). قال السدي: " ومن يفعل هذا فهو مشرك" (١٠)، "فقد برىء الله منه" (١١). قال الثعلبي: " أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم، وإظهارهم على عدّة المسلمين" (١٢). ويحتمل قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وجهان: أحدهما: أي ليس من دين الله في شيء. أفاده الثعلبي (١٣). والثاني: أن المعنى: ليس من الولاية في شيء، فقد بريء الله منه. قاله الحسن (١٤) والسدي (١٥).

стр. 2286

قوله تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، "أي: إِلا أن تخافوا منهم محذوراً أو تخافوا أذاهم وشرهم، فأظهروا موالاتهم باللسان دون للقلب" (١). قال ابن عباس: " فالتقية باللسان من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله، فيتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإيمان فإن ذلك لا يضره إنما التقية باللسان" (٢). قال مجاهد: " يعني: إلا مصانعة في الدنيا " (٣). قال ابن كثير: "أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته" (٤). قال الثعلبي: " يعني: إلّا أن تخافوا منهم مخافة" (٥)، "وأنكر قوم التقيّة اليوم: فقال معاذ بن جبل عن مجاهد: كانت التقيّة في جدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، فأمّا اليوم فقد أعزّ الله الإسلام، فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتّقوا من عدوهم" (٦). وقال يحيى البكاء: "قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجّاج: إنّ الحسن كان يقول لكم: التقيّة باللسان والقلب مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ. قال سعيد: ليس في الإسلام تقيّة إنّما التقيّة في أهل الحرب" (٧). ولأهل العلم في تفسير "التقية" في قوله تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، وجوها: أحدها: أن التقية باللسان وليست بالعمل. قاله ابن عباس (٨)، وعكرمة (٩)، وأبو العالية (١٠)، وعطاء بن أبي رباح (١١)، والضحاك (١٢) وجابر بن زيد (١٣). والثاني: أن معناه: إلا أن يكون بينك وبينه قرابة فتصله لذلك. قاله قتادة (١٤). الثالث: أن المعنى: إلا مصانعة في الدنيا ومخالقة. وهذا قول مجاهد (١٥). واختلفوا في قراءة قوله تعالى: ﴿تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، على وجوه (١٦): أحدها: ﴿تقية﴾، على وزن "نقية"، قرأ بها أبو العالية عن الحسن، والضحاك وأبو رجاء وجابر بن زيد وحميد بن مجاهد. والثاني: ﴿تقية﴾، بالاحتجاج فكان الياء. قرأ بها حمزة والكسائي وخلف. والثالث: ﴿تُقاةً﴾، بالتضميم. قرأ بها الباقون وأختاره أبو عبيدة. والرابع: ﴿تقاءة﴾، مثل تكأة ويؤده ونحوها، وهي مصدر "أتقى". قرأ بها الأخفش. قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، أي: و"يخوفّكم الله عقابه الصادر منه تعالى" (١٧). قال ابن كثير: " أي: يحذركم نقمته، أي مخالفته وسطوته في عذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه" (١٨).

стр. 2287

قال الثعلبي: " أي يخوّفكم الله على موالاة الكفار وارتكاب المنهي ومخالفة المأمور، ﴿من نفسه﴾: قال المفسرون: من عذاب نفسه وعقوبته وبطشه" (١). قوله قال تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، أي: "إليه المرجع والمنقلب، فيجازي كل عامل بعمله" (٢). قال ابن الجوزي: " قوله تعالى: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾، قد ذهب قوم إلى أن المراد بالآية اتقاء المشركين أن يوقعوا فتنة أو ما يوجب القتل والفرقة ثم نسخ ذلك بآية السيف (٣)، وليس هذا بشيء، وإنما المراد من الآية جواز اتقائهم إذا أكرهوا المؤمن على الكفر بالقول الذي لا يعتقده وهذا الحكم باق غير منسوخ، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ (٤) ... وقد زعم إسماعيل السدي، أن قوله: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ منسوخة بقوله: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾، ومثل هذا ينبغي تنزيه الكتب عن ذكره فضلا عن رده فإنه قول من لا يفهم ما يقول" (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: تحريم اتخاذ الكفار أولياء، لقوله ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾، عليه فإن اتخاذ الكافرين أولياء من الكبائر وينافي اصل الإيمان، او كمال الإيمان، لأن الحكم إذا عُلّق بوصف، فإنه يتبع ذلك الوصف قوة وضعفا، فكلما كمل الإيمان كملت المعاداة وانتفت الموالاة، والعكس صحيح. ٢ - ومنها: اتخاذ المؤمنون اولياء من المؤمنين وهو مقتضى الإيمان، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] ٣ - سهولة الاسلام ويسره إذ رفع الحرج عن الأمة، وذلك بما اباح من اتخاذ التقاة عنج الضرورة، لقوله: : ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾، شريطة ان ينوي اللإنسان أنها وقاية مما يخاف منهم، لا رضى بما فعلوا، او اطمئنانا إليه. ٤ - إن من اعظم الأشياء أن يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين، لقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. ﴿نفسه﴾، أي: ذاته، والتعبير بالنفس اولا من التعبير بالذات وإن كان التعبير بالذات هو المشهور عند العلماء، لكن التعبير بالذات عن النفس ليس من اللغة العربية الفصحى، وإنما هو متلقي من اصطلاح عرفي. ٥ - وجوب رد الأشياء إلى الله تعالى، لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. القرآن ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [آل عمران: ٢٩] قل -أيها النبي- للمؤمنين: إن تكتموا ما استقر في قلوبكم من موالاة الكافرين ونصرتهم أو تظهروا ذلك لا يَخْفَ على الله منه شيء، فإنَّ علمه محيط بكل ما في السماوات وما في الأرض، وله القدرة التامة على كل شيء. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]، أي: قل يا محمد "إِن أخفيتم ما في قلوبكم من موالاة الكفار أو أظهرتموه فإِن الله مطلع عليه لا يخفى عليه خافية" (٦). قال السدي: "أخبرهم أنه يعلم ما أسرّوا من ذلك وما أعلنوا، فقال: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ " (٧). قال الزمخشري: أي: " إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضى الله يعلمه ولم يخف عليه" (٨).

стр. 2288

وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]، وجوه من التفسير: أحدها: أن المراد ما يخفون من مودة الكفار، وموالاتهم. هذا قول أكثر المفسرين (١). والثاني: أنه يعني: تكذيب محمد ﷺ ، يقول: إن أخفيتموه أو أظهرتم تكذيبه، بحربه وقتاله، يعلمه الله. والثالث: أنه يريد: الضمير، وهذا يعم كل ما في قلب الإنسان. قاله عطاء (٢). والراجح أنه لما نهى الله في الآية الأولى عن موالاة الكفار، خوف وحذر في هذه الآية عن إبطان موالاتهم؛ بأنه يعلم الإسرار، كما يعلم الإعلان (٣). قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٢٩]، أي: و"يعلم كل ما هو حادث في السماوات والأرض" (٤). قال الطبري: " يعني: أنه إذ كان لا يخفى عليه شيء هو في سماء أو أرض أو حيث كان، فكيف يخفى عليه - أيها القوم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين - ما في صدوركم من الميْل إليهم بالمودة والمحبة، أو ما تبدونه لهم بالمعونة فعلا وقولا" (٥). قال ابن عباس: " خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، فقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش: اكتب، فقال القلم: وما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم القيامة الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة فذلك يقول للنبي ﷺ : إن الله يعلم ما في السماوات والأرض" (٦). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩]، " أي وهو سبحانه قادر على الانتقام ممن خالف حكمه وعصى أمره" (٧). قال محمد بن إسحاق: " أي إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير" (٨). قال البيضاوي: أي: " فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا عما نهيتم عنه. والآية بيان لقوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وكأنه قال ويحذركم نفسه لأنها متصفة بعلم ذاتي محيط بالمعلومات كلها، وقدرة ذاتية تعم المقدورات بأسرها، فلا تجسروا على عصيانه إذ ما من معصية إلا وهو مطلع عليها قادر على العقاب بها" (٩). قال ابن كثير: " أي: قدرته نافذة في جميع ذلك، وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته، وألا يرتكبوا ما نهى عنه وما يَبْغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإنْ أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر" (١٠). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب إبلاغ الناس بعلم الله تعالى بما في صدورهم، لقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾. ٢ - ومنها: عموم علم الله تعالى بما افاه الإنسان وما أبداه. ٣ - ومنها: أن العقل في القلب، والتدبير في القلب، والإرادة في القلب، لأنه قال: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾، وهي مسالة اختلف فيه اهل الكلام، هل العقل في القلب أو في الدماغ، ولكن تشير آيات القران والحديث الشريف بأن العقل في القلب، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا

стр. 2289

أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وقال الرسول- ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (١). ٤ - ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية الذين يوقولن بان الإنسان مجبر على عمله وليس له فيه إرادة، ووجه الرد عليهم: ان الله اضاف الفعل إلى الإنسان فقال: ﴿إن تخفوا﴾. ٥ - ومنها: ان الله محيط بكل شيء علما، حتى ما بين جوانح الإنسان، لقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، وبالتالي التحذير من أن يسرّ الإنسان في نفسه ما لا يرضى الله. ٦ - ومنها: عموم علم الله، لقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.ومنها: إثبات السماوات، وأنها جمع، وقد صرّح الله تعالى في كتابه بانها سبع سماوات، فقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]، في حين لم تأتي كلمة "الأرض" في القرآن مجموعة، وإنما جاءت في السنة مجموعة، وقد دلّت عليه النص القرآن بانه ايضا سبع طبقات، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. ٧ - ومنها: إثبات قدرة الله تعالى، لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وعموم هذه القدرة لقوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾. ٨ - ومنها: إرشاد الانسان أن يتعلق بربه، لأنه متى ما عرف الانسان بأن ربه على كل شيء قدير فإنه لن يمنعه مانع من ان يلتجئ إليه بسؤال ما يريد. القرآن ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ [آل عمران: ٣٠] التفسير: وفي يوم القيامة يوم الجزاء تجد كل نفس ما عملت من خير ينتظرها موفرًا لتُجزَى به، وما عملت من عمل سيِّئ تجده في انتظارها أيضًا، فتتمنى لو أن بينها وبين هذا العمل زمنًا بعيدًا. فاستعدوا لهذا اليوم، وخافوا بطش الإله الجبار. ومع شدَّة عقابه فإنه سبحانه المتصف بكمال الرحمة بالعباد. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، " أي: يوم القيامة يجد كل إِنسان جزاء عمله حاضراً لا يغيب عنه" (٢). قوله ﴿محضرا﴾، يعني: "موفرا"، قاله قتادة (٣). وقال مطر: يعني: " موفرا مكنزا" (٤). قال ابن كثير: " يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير وشر، كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] " (٥). قوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، " أي وإِن كان عمله سيئاً تمنّى أن لا يرى عمله، وأحبَّ أن يكون بينه وبين عمله القبيح غايةً في نهاية البعد" (٦). قال مقاتل: " يعني أجلا بعيدا بين المشرق والمغرب" (٧). قال الثعلبي: " الأمد: الأجل والغاية التي ينتهي إليها، قال الله: ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ [الجن: ٢٥]، وقال: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦]، قال النابغة (٨):

стр. 2290

ألا لمثلك أو من أنت سابقة ... بسبق الجواد إذا ستويا على الأمد" (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وجوه من التفسير: أحدها: أن المعنى: " يسر أحدهم أن لا يلقى عمله ذلك أبدا يكون ذلك مناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئته يستلذها". قاله الحسن (٢)، وروي عن مجاهد نحو ذلك (٣). والثاني: أن قوله ﴿أمدا بعيدا﴾، معناه: مكانا بعيدا. قاله السدي (٤). والثالث: أن معناه أجلا وغاية بعيدا. قاله مقاتل بن سليمان (٥)، وابن جريج (٦)، وأبو عبيدة (٧). قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠]، أي: والله "يخوفكم عقابه" (٨). قال مقاتل: " يعني: عقوبته في عمل السوء" (٩). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠]، أي: والله رحيم بخلقه" (١٠). قال الحسن: " من رأفته بهم أن حذَّرهم نفسه" (١١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: التحذير والتذكير لهذا اليوم العظيم الذي يجد فيه الانسان جزاء عمله خيره وشره. ٢ - ومنها: ثبوت الجزاء لكل نفس، وانه جزاء شامل وان غير المكلف يكتب له ولا يكتب عليه، ولا شك بأنه ليس على عمومه فيما يتعلق بالبهائم، فإنها لا تجد هذا. ٣ - ومنها: كمال قدرة الله تعالى بإحضار ما عمله الإنسان من قليل وكثير، لقول: ﴿ما﴾ الموصولة التي تفيد العموم. ٤ - ومنها: كمال رقابته ، وانه لا يفوته شيء، فما عمل الإنسان فسوف يجده. ٥ - إثبات يوم الآخر، الذي هو يوم الجزاء. ٦ - ومنها: ان الشر يسوء صاحبه، لقوله: ﴿وما عملت من سوء﴾. ٧ - إثبات الشعور في ذلك اليوم لقوله: ﴿تودّ﴾، لأن المودة خالص المحبة، وهي فرع من الشعور بالشيء. ٨ - ومنها: كراهة المسيء لما عمله في ذلك اليوم، لقوله: ﴿تود لو ان بينها وبينه امدا بعيدا﴾، وأنه يحب ان يكون بينه وبين عمله السيء امدا بعيدا. ٩ - رحمة الله بعباده بتحذيرهم من عقوبته، لقوله: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾. ١٠ - إثبات الرأفة لله ، لقوله ﴿رءوف﴾، والرأفة أسد الرحمة وأرقها. القرآن ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١] التفسير: قل -أيها الرسول-: إن كنتم تحبون الله حقا فاتبعوني وآمنوا بي ظاهرًا وباطنًا، يحببكم الله، ويمحُ ذنوبكم، فإنه غفور لذنوب عباده المؤمنين، رحيم بهم. اختلف في سبب نزول الآية على أقوال: أحدها: قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "إن اليهود لما قالت: نحن أبناء الله وأحباؤه، أنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآية، فلما نزلت عرضها رسول الله ﷺ فأبوا أن يقبلوها" (١٢). وقال مقاتل بن سليمان: "لما دعا النبي ﷺ كعب بن الأشرف وأصحابه إلى الإسلام قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه ولنحن أشد حبا لله مما تدعونا إليه، فقال الله- لنبيه- ﷺ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ " (١٣). والثاني: قال الحسن: " قال قومٌ على عهد النبي ﷺ : يا محمد، إنا نحبّ ربنا! فأنزل الله : " قُل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم "، فجعل اتباع نبيه محمد ﷺ عَلَمًا لحبه، وعذاب من خالفه" (١٤). وروي عن ابن جريج مثل ذلك (١٥). والثالث: وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: "وقف النبي ﷺ على قريش وهم في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشنوف والقرطة، وهم يسجدون لها، فقال: "يا معشر قريش لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام"، فقالت قريش: يا محمد إنما نعبد هذه حبا لله ليقربونا إلى الله زلفى، فأنزل الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله﴾ وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾ "فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم" (١٦). قال ابن حجر: " وهذا من منكرات جويبر فإن آل عمران مدنية، وهذه القصة إنما كانت بمكة قبل الهجرة، ولعل الذي نزل فيهما في أوائل الزمر" (١٧). والرابع: ونقل الواحدي عن محمد بن جعفر بن الزبير: " نزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده حبا لله وتعظيما له، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم (١٨). قوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، أي قل لهم يا محمد إِن كنتم حقاً تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله" (١٩). أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن أبي الدرداء في قوله ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ على البر، والتقوى، والتواضع، وذلة النفس" (٢٠). وقال الحسن: " فكان علامة حبه إياهم اتباع سنة رسوله" (٢١). قال ابن كثير: " أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ" (٢٢). قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣٢]، أي: " ويغفر لكم ما سلف من الذنوب" (٢٣). قال محمد بن إسحاق: " أي: ما مضى من كفركم" (٢٤).

стр. 2291

قال الطبري: أي: " فإنه إن اتبعتموني وصدّقتموني على ما أتيتكم به من عند الله يغفرُ لكم ذنوبكم، فيصفح لكم عن العقوبة عليها، ويعفو لكم عما مضى منها" (١). قال ابن كثير: " أي: باتباعكم للرسول ﷺ يحصل لكم هذا كله ببركة سفارته" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٢]، أي: والله غفور لذنوب عباده المؤمنين، رحيمٌ بهم" (٣). قال محمد ابن إسحاق: " والله ﴿غفور﴾: يغفر الذنب، ﴿رحيم﴾: يرحم العباد على ما فيهم" (٤). قال ابن كثير: " هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عليه أمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ" (٥) " (٦). الفوائد: ١ - إن الله تعالى أمر نبيه محمدا- ﷺ أن يتحدى هؤلاء المدعين لمحبته بهذا الميزان القسط، وهو اتباعهم للرسول-﵊. ٢ - إن محبة الله تعالى غاية لكل الناس حتى من غير المسلمين، لقوله: ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾. ٣ - قد جعل الله اتباع رسوله سببا لمحبة الله للعبد، وكلما قوي اتباع الإنسان للرسول-﵊ كان أقوى برهانا على صدق محبته لله. ٤ - ومن الفوائد: إثبات المحبة بين العبد والرب من الجانبين، لقوله: ﴿تحبون الله﴾، وقوله: ﴿يحببكم الله﴾، وهذه المحبة هي حقيقية خلافا لمن أوّلها، فقال: تحبون الله: أي: تحبون ثوابه، يحببكم الله: أي: يثيبكم الله، فهذا وأيم الله تحريف، وأن محبة الله غير محبة الثواب. ٥ - إن اتباع الرسول-﵊ برهان لصدق دعوى محبة الله، وسبب لمغفرة الله للذنب. ٦ - ومنها: كمال إحسان الله تعالى، لجزائه على العمل أكثر منه، لأن المتبع للرسول يحصل محبة الله ومغفرة الذنوب. ٧ - اثبات هذين الاسمين وما تضمناه من صفة في قوله: ﴿والله غفور رحيم﴾. القرآن ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢] التفسير: قل -أيها الرسول-: أطيعوا الله باتباع كتابه، وأطيعوا الرسول باتباع سنته في حياته وبعد مماته، فإن هم أعرضوا عنك، وأصروا على ما هم عليه مِن كفر وضلال، فليسوا أهلا لمحبة الله; فإن الله لا يحب الكافرين. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: قال الثعلبي: " فلما نزلت هذه الآية (٧) قال عبد الله بن أبي لأصحابه: إنّ محمّدا يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبّه كما أحبت النصارى عيسى ابن مريم، فنزل: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ " (٨). الثاني: وقال مقاتل بن سليمان: يعني: "قل لليهود" (٩). ورجحه ابن حجر (١٠).

стр. 2292

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢]، أي: قل يا محمد: "أطيعوا أمر الله وأمر رسوله" (١). قال محمد ابن إسحاق: "أطيعوا الله والرسول وأنتم تعرفونه وتجدونه في كتابكم" (٢). قال الطبري: أي: " قل، يا محمد، لهؤلاء الوفد من نصارى نجران: أطيعوا الله والرسول محمدًا، فإنكم قد علمتم يقينًا أنه رسولي إلى خلقي، ابتعثتُه بالحق، تجدونه مكتوبًا عندكم في الإنجيل" (٣). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: ٣٢]، أي: فإن" استدبروا عما دعوتهم إليه من ذلك، وأعرضوا عنه" (٤). قال ابن عباس: " يعني: الكفار تولوا عن النبي ﷺ " (٥). قال محمد بن إسحاق: "فإن تولوا على كفرهم" (٦). قال الثعلبي: أي: " أعرضوا عن طاعتهما" (٧). قال ابن كثير: أي فإن" أي: خالفوا عن أمره" (٨). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]، أي: فإن الله "لا يحب من كفر بآياته" (٩). قال الثعلبي: أي: " لا يرضى فعلهم ولا شيء لهم ولا يغفر لهم" (١٠). أخرج ابن أبي حاتم "عن سفيان بن عيينة قوله: ﴿فإن الله لا يحب﴾، قال: لا يقرب" (١١). قال ابن كثير: " فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب لله ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء - بل المرسلون، بل أولو العزم منهم - في زمانه لما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته" (١٢). الفوائد: ١ - عناية الله تعالى بطاعته وطاعة الرسول، وذلك لتصدر الأمر بـ ﴿قل﴾، والقرآن كله قد أمر الرسول- ﷺ أن يقوله. ٢ - من فوائد الآية وجوب طاعة رسوله- ﷺ ، وأن طاعته من طاعة الله. ٣ - إثبات رسالته – ﷺ ، لقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران: ٣٣] التفسير: إن الله اختار آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران، وجعلهم أفضل أهل زمانهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، أي: إن الله "اختار للنبوة صفوة خلقه منهم آدم أبو البشر" (١٣). قال أبو مالك: " ﴿اصطفى﴾، يعني: اختار" (١٤).

стр. 2293

قال الحسن: " فضلهم الله على العالمين بالنبوة على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء والأتقياء المطيعين لربهم" (١). قال مقاتل: " يعني: اختار من الناس لرسالته آدم" (٢). قال ابن كثير: " فاصطفى آدم، ﵇، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها، لما له في ذلك من الحكمة" (٣). قال الزجاج: " معنى اصطفاهم في اللغة: اختارهم أي جعلهم صفوة خلقه، وهذا تمثيل بما يُرى، لأن العرب تمثل المعلوم بالشيءِ المرئي، وإذا سمع السامع ذلك المعلوم كان عنده بمنزلة ما يشاهده عِياناً، فنحن نعين الشيء الصافي أنه النقى من الكدر، فكذلك صفوة اللَّه من خلقه" (٤). وفي معنى الإصطفاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، ثلاثة أوجه: أحدها: اصطفى دينهم أي اختاره على سائر الأديان. والتقدير: إن الله اصطفى دينهم وهو دين الإسلام، فحذف المضاف. وهذا قول الفراء (٥). والثاني: أن المعنى: اختارهم للنبوة على عالمي زمانهم، فاصطفى آدمَ بالرسالة إلَى الملاتكة وإلى ولده، واصطفى نوحاً وإبراهيم وآله بالرِّسالة. أفاده الزجاج (٦). والثالث: أنه اصطفاهم بتفضيلهم في الأمور التي ميزهم بها على أهل زمانهم. أفاده الماوردي (٧). قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣]، أي: واختار نوحا"شيخ المرسلين" (٨). قال ابن كثير: " واصطفى نوحا، ﵇، وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطانا، وانتقم له لما طالت مدته بين ظَهْرَاني قومه، يدعوهم إلى الله ليلا ونهارًا، سرا وجهارًا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارًا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم يَنْجُ منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به" (٩). قوله تعالى: ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، " أي عشيرته وذوي قرباه" (١٠). قال مقاتل: " يعني إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب والأسباط" (١١). قال ابن عباس: " هم المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد ﷺ " (١٢). وقال أيضا: " إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدا بالرؤية " (١٣). قال ابن كثير: " واصطفى آل إبراهيم، ومنهم: سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد ﷺ " (١٤). قال قتادة: " ذكر الله تعالى أهل بيتين صالحين، ففضلهما على العالمين، فكان محمد ﷺ من آل إبراهيم" (١٥).

стр. 2294

قوله تعالى: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، أي: أهل عمران" (١). قال مقاتل: " يعني موسى، وهارون، ذرية آل عمران اختارهم للنبوة والرسالة" (٢). قال ابن كثير: " المراد بعمران هذا: هو والد مريم بنت عمران، أم عيسى ابن مريم، ﵈" (٣). قال الزمخشري: " وآل عمران موسى وهرون ابنا عمران ابن يصهر. وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة" (٤). وفي: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، قولان: أحدهما: أنه موسى وهارون ابنا عمران. قاله مقاتل (٥). وآخرون. والثاني: أنه المسيح، لأن مريم بنت عمران، وهذا قول الحسن (٦). قوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، "أي: على عالمي زمانهم" (٧). قال الحسن: "على الناس كلهم" (٨). قال مقاتل: " يعني عالمي ذلك الزمان" (٩). قال ابن كثير: " يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض " (١٠). الفوائد: ١ - إن الله يختار من خلقه ما يشاء، كما قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]. ٢ - إن التفاضل يكون في الأعمال والأعيان والأشخاص، ولهذا فإن جنس العرب أفضل من غيرهم، ومحمد-﵊ أشرفهم. ٣ - ومنها ما ذكره بعض أهل العلم من أن الصالحين من البشر أفضل من الملائكة، لقوله: ﴿على العالمين﴾، والملائكة عالم. القرآن ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ [آل عمران: ٣٤] التفسير: هؤلاء الأنبياء والرسل سلسلة طُهْر متواصلة في الإخلاص لله وتوحيده والعمل بوحيه. والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم، وسيجازيهم على ذلك. قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤]، "أي: اصطفاهم متجانسين في الدين والتُّقى والصلاح" (١١). قال قتادة: "يقول: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له" (١٢). قال محمد بن إسحاق: " فمن تلك الذرية كان ينسب عيسى إذ لم يكن له أب من غيرهم، فدعي إلى نسبه" (١٣). وقال أبو روق: " بعضها على دين بعض" (١٤).

стр. 2295

قال الطبري: أي: " ذرية دينُ بعضها دينُ بعض، وكلمتهم واحدةٌ، وملتهم واحدة في توحيد الله وطاعته" (١). قال الراغب: " يعني في الموالاة الدينية، لقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] وقوله لنوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] ردا عليه لما قال في الكناية عن هذا العدو" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] وجهان: أحدهما: أنهم صاروا ذرية بالتناصر لا بالنسب، كما قال تعالى: ﴿المُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] يعني في الاجتماع على الضلال، وهذا قول الحسن (٣)، وقتادة (٤). والثاني: أنهم في التناسل والنسب، إذ جميعهم من ذرية آدم، ثم من ذرية نوح، ثم من ذرية إبراهيم، وهذا قول بعض المتأخرين (٥). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٤] أي: والله " سميع لأقوال العباد عليم بضمائرهم" (٦). قال محمد بن إسحاق: " أي: سميع لما يقولون، عليم بما يخفون" (٧). قال مقاتل: ﴿سميع﴾: "لقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه ونحن أشد حبا لله، ﴿عليم﴾ بما قالوا، يعنى اليهود" (٨). قال الطبري: أي: " والله ذُو سمع لقول امرأة عمران، وذو علم بما تضمره في نفسها، إذ نذَرت له ما في بطنها مُحرَّرًا" (٩). الفوائد: ١ - بيان أن البشر جنس بعضه من بعض، لقوله: ﴿ذرية بعضها من بعض﴾. ٢ - الرد على من زعم بأن البشر تطور من جنس لآخر، من القردة إلى الآدميين إلى البشر، والصحيح أن أصل البشر من آدم، الذي خلقه الله من تراب. ٣ - إثبات اسمين من أسماء الله تعالى، وهما: السميع، والعليم، فالسميع يتعلق بالأصوات، والعليم يتعلق بكل شيء بالأصوات والأحوال والأعيان. القرآن ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)﴾ [آل عمران: ٣٥] التفسير: اذكر -أيها الرسول- ما كان من أمر مريم وأمها وابنها عيسى ﵇; لتردَّ بذلك على من ادعوا أُلوهية عيسى أو بنوَّته لله سبحانه، إذ قالت امرأة عمران حين حملت: يا ربِّ إني جعلت لك ما في بطني خالصا لك، لخدمة «بيت المقدس»، فتقبَّل مني; إنك أنت وحدك السميع لدعائي، العليم بنيتي. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٥]، " أي اذكر لهم وقت قول امرأة عمران" (١٠). قال البيضاوي: " وهذه حنة بنت فاقوذ جدة عيسى، وكانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهارون فظن أن المراد زوجته ويرده كفالة زكريا فإنه كان معاصراً لابن ماثان وتزوج بنته ايشاع، وكان يحيى وعيسى ﵉ ابني خالة من الأب روي أنها كانت عاقراً عجوزاً، فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائراً يطعم فرخه فحنت إلى الولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من خدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وكان هذا النذر مشروعاً في عهدهم للغلمان فلعلها بنت الأمر على التقدير أو طلبت ذكراً" (١١). قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ [آل عمران: ٣٥]، أي: ربّي إني "نذرت لعبادتك وطاعتك ما أحمله في بطني" (١٢). قال عكرمة: " أن امرأة عمران كانتْ عجوزًا عاقرًا تسمى حَنَّة، وكانت لا تلد، فجعلت تغبطُ النساء لأولادهن، فقالت: اللهمّ إنّ عليّ نذرًا شكرًا إن رزقتني ولدًا أن أتصدّق به على بيت المقدس، فيكون من سَدَنته وُخدَّامه" (١٣). قال الحسن: " نذرت ما في بطنها، ثم سيَّبَتْها" (١٤). قوله تعالى: ﴿مُحَرَّراً﴾ [آل عمران: ٣٥]، " أي: مخلصاً للعبادة والخدمة" (١٥). قال سعيد بن جبير: "للبيعة والكنيسة" (١٦). قال عكرمة: " قوله: ﴿نذرتُ لك ما في بطني محرّرًا﴾، إنها للحرّة ابنة الحرائر ﴿محررًا﴾ للكنيسة يخدمها" (١٧). قال محمد بن جعفر بن الزبير: "تقول: جعلته عتيقًا لعبادة الله، لا ينتفع به بشيء من أمور الدنيا" (١٨). قال مجاهد: " خالصًا، لا يخالطه شيء من أمر الدنيا" (١٩)، قال قتادة: " كانت امرأة عمران حَرّرت لله ما في بطنها، وكانوا إنما يحرّرُون الذكور، وكان المحرَّر إذا حُرِّر جعل في الكنيسة لا يبرَحها، يقوم عليها ويكنُسها" (٢٠). قال السدي: " وذلك أن امرأة عمران حملت، فظنت أن ما في بطنها غلام، فوهبته لله محرّرًا لا يعمل في الدنيا" (٢١). قال الربيع: " كانت امرأة عمران حرّرَت لله ما في بطنها. قال: وكانوا إنما يحرّرون الذكور، فكان المحرَّر إذا حُرِّر جعل في الكنيسة لا يبرحها، يقوم عليها ويكنسها" (٢٢). قال الضحاك: " جعلت ولدها لله، وللذين يدرُسون الكتاب ويتعلَّمونه" (٢٣). قال التستري: " أي حررته وأعتقته من رق الدنيا من متابعة هواه ومرادات نفسه، وجعلته خادماً لعباد بيت المقدس خالصا لله تعالى" (٢٤). قال البيضاوي: " معتقاً لخدمته لا أشغله بشيء، أو مخلصاً للعبادة" (٢٥). قال الطبري: " يعني بذلك: حبستُه على خدمتك وخدمة قُدْسك في الكنيسة، عتيقةً من خدمة كلّ شيء سواك، مفرّغة لك خاصة" (٢٦). ولأهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿مُحَرَّراً﴾ [آل عمران: ٣٥]، " ثلاثة أقاويل:

стр. 2296

أحدها: أن معناه: فرّغته للعبادة، وهذا قول الشعبي (١). والثاني: أنه: يعني: خادماً للبيعة، وهذا قول مجاهد (٢)، وروي عن الربيع بن أنس وشرحبيل بن سعد نحو ذلك (٣). والثالث: معناه: عتيقاً من الدنيا لطاعة الله، وهذا قول محمد بن جعفر بن الزبير (٤). قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران: ٣٥]، " أي: فتقبل مني ما نذرت لك يا ربّ" (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥]، أي إنك أنت "السميع لدعائي العليم بنيتي" (٦). قال الطبري: " إنك أنتَ يا رب ﴿السميع﴾ لما أقول وأدعو، ﴿العليمُ﴾ لما أنوي في نفسي وأريد، لا يخفى عليك سرّ أمري وعلانيته" (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة جواز النذر في الأمر المجهول. ٢ - جواز تصدق المراة بدون إذن زوجها، ووجهه: انها نذرت تحرير هذا الولد بدون إذن الزوج. ٣ - ومنها: ان الولد يخدم والده من أم أو أب، لأنها قالت: ﴿محررا﴾، يعني محررا من الخدمة بحيث لا أستخدمه ولا أستغل حياته. ٤ - ومن الفوائد ايضا: الافتقار إلى الله، لقولها: ﴿فتقبّل منّي﴾. ٥ - إثبات اسمين من اسماء الله تعالى وهما: السميع، والعليم، والسميع يكون بمعنى استجابة الدعاء وبمعنى إدراك المسموع، والعليم هو: إدراك الشيء على ما هو عليه. القرآن ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ [آل عمران: ٣٦] التفسير: فلما تمَّ حملها ووضعت مولودها قالت: ربِّ إني وضعتها أنثى لا تصلح للخدمة في «بيت المقدس» -والله أعلم بما وضَعَتْ، وسوف يجعل الله لها شأنًا- وقالت: وليس الذكر الذي أردت للخدمة كالأنثى في ذلك; لأن الذكر أقوى على الخدمة وأقْوَم بها، وإني سمَّيتها مريم، وإني حصَّنتها بك هي وذريَّتها من الشيطان المطرود من رحمتك. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ [آل عمران: ٣٦]، "أي: لمَّا ولدتها" (٨). قال الثعلبي: " أي ولدتها وإذا هي جارية" (٩). قال الطبري: أي: "فلما وضعت حَنَّة النذيرةَ" (١٠). قال ابن عباس: "فلما وضعتها أنثى ضنت بها، قالت: ﴿رب إني وضعتها أنثى﴾ " (١١). قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، أي: يا ربي إني "ولدت النذيرة أنثى" (١٢). قال ابن عباس: " وكانت ترجو أن يكون ذكرا" (١٣).

стр. 2297

قال السدي: " فلما وضعت إذا هي جارية، فقالت تعتذر إلى الله: ﴿رب إني وضعتها أنثى﴾ " (١). قال الربيع: " يعني أن المرأة لا تستطيع ذلك" (٢). قال عكرمة: " قالت: ليس في الكنيسة إلا الرجل، فلا ينبغي لإمرأة أن تكون مع الرجال، أمها تقوله، فذلك الذي منعها أن يجعلها في الكنيسة وينفذ نذرها بتحريرها في الكنيسة" (٣). قال البيضاوي: " وإنما قالته تحسراً وتحزناً إلى ربها لأنها كانت ترجو أن تلد ذكراً ولذلك نذرت تحريره" (٤). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]، أي والله أعلم بالشيء الذي وضعت" (٥). قال الطبري: أي: " والله أعلم من كل خلقه بما وضعت" (٦). قال البيضاوي: يعني: " أي بالشيء الذي وضعت. هو استئناف من الله تعالى تعظيماً لموضوعها وتجهيلاً لها بشأنها" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]، قراءتان (٨): إحداهما: ﴿بما وضعتْ﴾، بتسكين التاء، على أنه من قول الله ، قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي، ورواية حفص والمفضل عن عاصم. والثانية: ﴿بما وضعتُ﴾، بضم التاء، على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر. أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن الضحاك فلما وضعتها فرأتها أنثى قالت: إني وضعتها أنثى وأنت أعلم بما وضعت، يعني: برفع التاء" (٩). قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، "أي ليس الذكر الذي طَلَبْته كالأنثى التي وُهبِتها" (١٠). قال عكرمة: "يعني: في المحيض، ولا ينبغي لامرأة أن تكون مع الرجال أمها تقول ذلك" (١١). قال الضحاك: " أي لما جعلها له نذيرة، والنذيرة أن تعبد الله لأن الذكر هو أقوى على ذلك من الأنثى" (١٢). قال ابن كثير: "أي: في القوة والجَلَد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى" (١٣). قال الطبري: " قالت [ذلك] اعتذارًا إلى ربها مما كانت نذرتْ في حملها فحررته لخدمة ربها، لأن الذكر أقوى على الخدمة وأقوم بها، وأن الأنثى لا تصلح في بعض الأحوال لدخول القدْس والقيام بخدمة الكنيسة، لما يعتريها من الحيض والنفاس" (١٤). قال قتادة: " كانت المرأة لا يستطاع أن يصنع بها ذلك يعني أن تحرر للكنيسة، فتجعل فيها، تقوم عليها وتكنسها فلا تبرحها مما يصيبها من الحيض والأذى، فعند ذلك قالت: ﴿ليس الذكر كالأنثى﴾ " (١٥). قال الربيع: "كانت امرأة عمران حرّرت لله ما في بطنها، وكانت على رَجاء أن يهبَ لها غلامًا، لأن المرأة لا تستطيع ذلك يعني القيامَ على الكنيسة لا تَبرحها، وتكنُسها لما يصيبها من الأذى" (١٦).

стр. 2298

قال السدي: " أن امرأة عمران ظنتّ أن ما في بطنها غلامٌ، فوهبته لله. فلما وضعت إذا هي جارية، فقالت تعتذر إلى الله: ﴿رب إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى﴾، تقول: إنما يحرّر الغلمان" (١). قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٣٦]، " أي: وإني "أسميت هذه الأنثى مريم" (٢). قال الثعلبي: " وهي بلغتهم: الخادمة والعبادة، وكانت أجمل النساء في وقتها وأفضلها" (٣). قال ابن كثير: " فيه دلالة على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق؛ لأنه شرع من قبلنا " (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، أي: وإني "أُجيرها بحفظك وأولادها من شر الشيطان الرجيم" (٥). عن أبي مالك قوله: ﴿الرجيم﴾، يعني: ملعون" (٦). قال ابن كثير: " أي: عَوَّذتها بالله، ، من شر الشيطان، وعوذت ذريتها، وهو ولدها عيسى، ﵇" (٧). عن أبي هريرة قال: " قال رسول الله ﷺ ما من نَفْس مولود يُولد إلا والشيطان ينال منه تلك الطعنة، ولها يَستهلّ الصبي، إلا ما كان من مريم ابنة عمران، فإنها لما وضعتها قالت: ﴿رب إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾، فضُرب دُونها حجاب، فطعَن فيه" (٨).وفي رواية أخرى عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله ﷺ : كل مولود يولد من بني آدم يمسُّه الشيطان بإصبعه، إلا مريم وابنها" (٩). وعن ابن عباس، قال: "ما ولد مولود إلا وقد استهلّ، غير المسيح ابن مريم، لم يسلَّط عليه الشيطان ولم يَنْهَزْه" (١٠). وقال وهب بن منبه: "لما وُلد عيسى أتت الشياطينُ إبليس، فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها! فقال: هذا في حادث حدث! وقال: مكانَكم! فطارَ حتى جاء خَافقي الأرض، فلم يجد شيئًا، ثم جاء البحار فلم يجد شيئًا، ثم طار أيضًا فوجد عيسى قد ولد عند مِذْوَد حمار، وإذا الملائكة قد حفَّت حوله، فرجع إليهم فقال: إن نبيًّا قد ولد البارحة، ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها، إلا هذه! فَأيِسوا أن تُعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفَّة والعجَلة" (١١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: ان الأم تتكلف الطفل، لقوله: ﴿وضتها﴾، ومنه قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. ٢ - ومنها: عظم حق الأم على ولدها. ٣ - ومنها: اعتذار الانسان إلى ربه إذا وقع الأمر خلاف ما أراد. ٤ - التوسل إلى الله تعالى بربوبيته. ٥ - أنه من تمام البلاغة الاحتراز عن كل موهم لأمر خطأ، سواء كان في المقال أو في الفعل، لقوله: ﴿والله أعلم بما وضعت﴾ على قراءة الضم.

стр. 2299

٦ - إثبات التفضيل في اوصاف الله من قوله: ﴿أعلم بما وضعت﴾. ٧ - أنه لا يستوي الذكور والإناث في الطبيعة ولا في المعاملة، بل ولا في الأحكام في بعض الأحيان. ٨ - ومن الفوائد: جواز تسمية المولود حين يولد. ٩ - مشروعية إعاذة الانسان أبناءه بالله من الشيطان الذي هو عد الانسان ومن شر الخلق. ١٠ - جواز الدعاء للمعدوم، من قوله: ﴿وذريتها﴾. القرآن ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران: ٣٧] التفسير: فاستجاب الله دعاءها وقبل منها نَذْرها أحسن قَبول، وتولَّى ابنتها مريم بالرعاية فأنبتها نباتًا حسنًا، ويسَّر الله لها زكريا ﵇ كافلا فأسكنها في مكان عبادته، وكان كلَّما دخل عليها هذا المكان وجد عندها رزقًا هنيئًا معدّاً قال: يا مريم من أين لكِ هذا الرزق الطيب؟ قالت: هو رزق من عند الله. إن الله -بفضله- يرزق مَن يشاء مِن خلقه بغير حساب. قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، أي: قبلها الله قبولاً حسناً" (١). قال شرحبيل بن سعد: " وقبل الله أنثاهم أن يجعلوها في البيعة" (٢). قال الماوردي: " معناه أنه رضيها في النذر الذي نذرته بإخلاص العبادة في بيت المقدس" (٣). قال ابن كثير: " يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة" (٤). قال البيضاوي: أي: " فرضي بها في النذر مكان الذكر بوجه حسن يقبل به النذائر، وهو إقامتها مقام الذكر، أو تسلمها عقيب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة" (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، " أي: ربّاها تربية كاملة ونشأها تنشئة صالحة" (٦). قال الماوردي: " يعني: أنشأها إنشاءً حسناً في غذائها وحسن تربيتها" (٧). قال ابن كثير: " أي: جعلها شكلا مليحا ومنظرا بهيجا، ويَسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير والعلم والدين" (٨). قال عباد بن منصور: "سألت الحسن فقال: ﴿تقبلها ربها بقبول حسن، وأنبتها نباتا حسنا﴾، وتقارعها القوم فقرع زكريا" (٩). قوله تعالى: ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، " أي: جعل زكريا كافلاً لها ومتعهداً للقيام بمصالحها" (١٠). قال الربيع: " يقول: ضمها إليه" (١١). قال مجاهد: " ساهمهم بقلمه" (١٢). قال قتادة: "تساهموا على مريم أيهم يكفلها" (١٣).

стр. 2300

قال السدي: " كان زكريا أفضلهم يومئذ، وكان نبيهم، وكانت أخت مريم تحته، فلما أتوا بها اقترعوا عليها، وقال لهم زكريا: أنا أحقكم بها تحتي أختها، فأبوا فخرجوا إلى نهر الأردن، فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، أيهم يقوم قلمه فيكفلها، فجرت الأقلام وقام قلم زكريا على هيئته كأنه في طين، وأخذ الجارية فذلك قوله تعالى: : ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا﴾ " (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، قراءتان (٢): إحداهما: ﴿وكفلها﴾، مفتوحة الفاء خفيفة، و ﴿زكرياء﴾، رفع ممدود، قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر. والثانية: ﴿وكفّلها﴾ مشددة الفاء، و ﴿زكريآء﴾، نصبا، قرأ بها عاصم في رواية أبي بكر، وكان يمد ﴿زكرياء﴾ في كل القرآن. قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧]، "أي كلما دخل عليها زكريا حجرتها ومكان عبادتها" (٣). قال السعدي: "وهو [أي المحراب] محل العبادة، وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها" (٤). قال الطبري: " وأما " المحراب "، فهو مقدم كل مجلس ومصلًّى، وهو سيد المجالس وأشرفُها وأكرمُها، وكذلك هو من المساجد، ومنه قول عديّ بن زيد (٥): كَدُمَى العَاجِ فِي المَحَارِيبِ أَوْ ... كالبَيْضِ فِي الرَّوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ و" المحاريب " جمع " محراب "، وقد يجمع على " محارب " (٦). قوله تعالى: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾ [آل عمران: ٣٧]، أي: "وجد عندها فاكهة وطعاماً" (٧). قال الخطيب: " أي رزقا متجددا، ما يراه اليوم غير ما رآه أمس، وغير ما سيراه غدا" (٨). قال ابن عباس: " وجد عندها عنبا في مكتل في غير حينه" (٩). وقال عكرمة: " فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء" (١٠). وقال مجاهد: " الرمان والعنب في غير حينه" (١١). وروي عن سعيد بن جبير وجابر بن زيد، والضحاك وإبراهيم النخعي، وقتادة والربيع بن أنس والسدي، وعطية العوفي نحو ذلك (١٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾ [آل عمران: ٣٧]، ثلاثة اوجه: أحدهما: أن الرزق الذي أتاها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، وهذا قول ابن عباس (١٣)، ومجاهد (١٤)، والضحاك (١٥)، وقتادة (١٦)، والسدي (١٧)، وسعيد (١٨)، وإبراهيم (١٩)، والربيع (٢٠).

стр. 2301

والثاني: أنها لم تطعم ثدياً قط حتى تكلمت في المهد، وإنما كان يأتيها رزقها من الجنة، وهذا قول الحسن (١). والثالث: أن المعنى: وجد عندها "عرما أو صحفا فيها علم. قاله مجاهد (٢). واختلف في السبب الذي يأتيها هذا الرزق لأجله على قولين: أحدهما: أنه كان يأتيها بدعوة زكريا لها. والثاني: أنه كان ذلك يأتيها لنبوة المسيح ﵇. قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]، أي: قال يا مريم "من أين لك هذا؟ " (٣). قال الضحاك: " يقول: من أتاك بهذا؟ " (٤). قال أبو مالك قوله: ﴿أنى﴾، يعني: من أين؟ " (٥). قال البيضاوي: أي: " من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه والأبواب مغلقة عليك، وهو دليل جواز الكرامة للأولياء. جعل ذلك معجزة زكريا يدفعه اشتباه الأمر عليه" (٦). قال الزجاج: " وإِنما سأل زكريا عن الرزق لأنه خاف أن يأتيها - من غير جهته فتبين عنده أنه من عند اللَّه، وذلك من آيات مريم، قال اللَّه ﵎: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] فمن آياتها أنها أول امرأة قُبلت في نذر في المتعبد، ومنها أن اللَّه أنشأ فيها عيسى ﵇ من كلمة ألقاها إليها، ومنها أن اللَّه غذاها برزق من عنده لم يجْرِهِ على يد عبد من عبيده، وقد قيل في التفسير أنَّها لم تُلْقَمْ ثدياً قط" (٧). قوله تعالى: ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧]، " أى: قالت له: إن هذا الرزق من عند الله- تعالى-" (٨). قال البغوي"أي: من قطف الجنة" (٩). قال أبو السعود: أي: " فلا تعجبْ ولا تستبعد" (١٠). قال ابن عباس: " فإنه وجد عندها الفاكهة الغضة حين لا توجد الفاكهة عند أحد، وكان زكريا يقول: يا مريم أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب" (١١). وفي قوله تعالى: ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾، وجهان (١٢): أحدهما: أن الله تعالى كان يأتيها بالرزق. والثاني: أن بعض الصالحين من عباده سخره الله تعالى لها لطفاً منه بها حتى يأتيها رزقها. قال الماوردي: "والأول أشبه" (١٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، أي: إن الله يرزق من يشاء "رزقاً واسعاً بغير جهد ولا تعب" (١٤). قال الزجاج: " أي بغير تقتير" (١٥)."

стр. 2302

قال البيضاوي: أي: " بغير تقدير لكثرته، أو بغير استحقاق تفضلاً به. وهو يحتمل أن يكون من كلامهما وأن يكون من كلام الله تعالى" (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى سميع قريب مجيب، لأنها دعت فسمعها، ولأنها دعت فأجابها، وفي القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. ٢ - أن الله تعالى منّ على هذه الطفلة بشيئين: بالقبول الحسن والنبات الحسن، فصار في ذلك تنمية لأخلاقها ولجسمها وبدنها. ٣ - أن الله تعالى هو المسبب وهو المكوّن للإنسان والمنبت له. ٤ - إثبات الحضانة للطفل، لقوله: ﴿وكفّلها زكريا﴾. ٥ - إن الله قد ييسر للإنسان من الرزق ما لايكون في حسبانه. ٦ - أن الأشياء تضاف إلى الله تعالى، وإن كان لها سبب، لقوله: ﴿هو من عند الله﴾. ٧ - أن الانبياء لا يعلوم الغيب، لقوه: ﴿يا مريم أنى لك هذه﴾. ٨ - إثبات أن الله تعالى يرزق بغير مكافأة ولا انتظار لمكافأة، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. القرآن ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾ [آل عمران: ٣٨] التفسير: عندما رأى زكريا ما أكرم الله به مريم مِن رزقه وفضله توجه إلى ربه قائلا: يا ربِّ أعطني من عندك ولدًا صالحًا مباركًا، إنك سميع الدعاء لمن دعاك. قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨]، أي: " في ذلك الوقت دعا زكريا ربه متوسلاً ومتضرعاً" (٢). قال البيضاوي: أي: " في ذلك المكان، أو الوقت إذ يستعار هنا وثم وحيث للزمان، لما رأى كرامة مريم ومنزلتها من الله تعالى ... وقيل لما رأى الفواكه في غير أَوَانِهَا انتبه على جواز ولادة العاقر من الشيخ" (٣). قال ابن كثير: " لما رأى زكريا، ﵇، أن الله تعالى يرزق مريم، ﵍، فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد، وإن كان شيخا كبيرا قد ضعف ووَهَن منه العظم، واشتعل رأسه شيبا، وإن كانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرًا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خَفيا" (٤). قال الزمخشري: أي: " في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت، فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان. لما رأى حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها، رغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على الله، وإن كانت عاقرا عجوزا فقد كانت أختها كذلك. وقيل لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر ذرية ولدا. والذرية يقع على الواحد والجمع" (٥).

стр. 2303

قال المراغي: " أي في هذا المكان الذي خاطبته فيه مريم بما ذكر دعا ربه بهذا الدعاء، فإنه حين رأى حسن حالها ومعرفتها بالله تمنى أن يكون له ولد صالح مثلها هبة وفضلا من عنده فرؤية الأولاد النجباء مما تشوّق نفوس الناظرين إليهم وتجعلهم يتمنون أن يكون لهم مثلهم" (١). قال ابن عباس: " فلما رأى ذلك زكريا - يعني فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف - عند مريم قال: إنّ الذي يأتي بهذا مريمَ في غير زمانه، قادرٌ أن يرزقني ولدًا، قال الله : ﴿هنالك دعا زكريا ربه﴾، قال: فذلك حين دعا" (٢). قال السدي: " فلما رأى زكريا من حالها ذلك يعني: فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف قال: إنّ ربًّا أعطاها هذا في غير حينه، لقادرٌ على أن يرزقني ذرية طيبة! ورغب في الولد، فقام فصلَّى، ثم دعا ربه سرًّا فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [سورة مريم: ٤ - ٦]، وقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ وقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٨٩] " (٣). قال محمد بن إسحاق: " حدثني بعض أهل العلم قال: فدعا زكريا عند ذلك بعد ما أسنّ ولا ولد له، وقد انقرض أهل بيته فقال: " ربّ هب لي من لدنك ذرية طيبه إنك سميع الدعاء "، ثم شكا إلى ربه فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ إلى ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ الآية" (٤). واختلف في سبب دعاء زكريا-عليه السلم- على قولين: أحدهما: أن الله تعالى أذن له في المسألة، لأن سؤال ما خالف العادة يُمْنَع منه إلا عن إذن لتكون الإجابة إعجازاً. أفاده الماوردي (٥). والثاني: أنه لما رآى فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف طمع في رزق الولد من عاقر. وهذا قول ابن عباس (٦)، والسدي (٧). قال الماتريدي: " قيل: فعند ذلك دعا زكريا ربه لما كانت نفسه الخاشية تحدث بالولدان تهب له، لكنه لم يدعو لما رأى نفسه متغيرة عن الحال التي يطمع منها الولد، فرأى أن السؤال في مثل ذلك لا يصلح؛ فلما رأى عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف غير متغيرة عن حالها - علم عند ذلك أن السؤال يصلح، وأنه يجاب للدعاء في غير حينه، فذلك معنى قوله: (هنالك دعا زكريا ربه)، والله أعلم. ويحتمل أنه لما رأى ما أكرمت امرأة عمران في قبول دعوتها وتبليغ ابنتها في الكرامة المبلغ الذي رأى فيها مما لعل أطماع الأنفس لا تبلغ ذلك - دعا الله ﷻ أن يكرمه ممن يبقى له الأثر فيه والذكر، وإن كانت تلك الحال حال لا تطمع الأنفس فيما رغب ﵇ مع ما كان يعلم قدرة الله - تعالى - على ما يشاء من غير أن كان يحس على طلب الإكرام بكل ما يبلغه قدره، حتى رأى ما هو في الأعجوبة قريب مما كانت نفسه تتمنى، والله أعلم بالمعنى الذي سأل" (٨). قال أبو حيان: " أصل: ﴿هنالك﴾، أن يكون إشارة للمكان، وقد يستعمل للزمان وقيل بهما في هذه الآية، أي في ذلك المكان دعا زكريا، أو: في ذلك الوقت لما رأى هذا الخارق العظيم لمريم، وأنها ممن اصطفاها الله، ارتاح

стр. 2304

إلى طلب الولد واحتاج إليه لكبر سنه، ولأن يرث منه ومن آل يعقوب، كما قصه تعالى في سورة مريم، ولم يمنعه من طلب كون امرأته عاقرا، إذ رأى من حال مريم أمرا خارجا عن العادة، فلا يبعد أن يرزقه الله ولدا مع كون امرأته كانت عاقرا، إذ كانت حنة قد رزقت مريم بعد ما أيست من الولد" (١). قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨]، أي: قال: ربي "أعطني من عندك ولداً صالحاً" (٢). قال السدي: " ﴿ذرية طيبة﴾، يقول: مباركة" (٣). قال الطبري: أي: " رب هب لي من عندك ولدًا مباركًا" (٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨]، أي: "إنك مجيب الدعاء" (٥). قال الماوردي: " أي تجيب الدعاء، لأن إجابة الدعاء بعد سماعه" (٦). الفوائد: ١ - أن جميع الخلق حتى الأنبياء مفتقرون إلى الله تعالى، لقوله: ﴿دعا زكريا ربه﴾. ٢ - إثبات القياس، لأن زكريا-﵇ لما هذه الكرامة لمريم، أخذ هذا الموقف عبرة وهو أن يسأل الله امرا وإن كان الأمر مستبعدا. ٣ - أن الصيغة التي يتوسل بها غالبا في الدعاء هي اسم "الرب"، لقوله: ﴿ربّه﴾. ٤ - عدم جواز سؤال مطلق الذرية، لقوله: ﴿ذرية طيبة﴾. أي صالحة. ٥ - الأخذ بالأسباب للحصول على الذرية الطيبة، ومنها الدعاء، بل وهو من اكبر الأسباب. ٦ - التوسل إلى الله تعالى باسمائه المناسبة للحاجة، لقوله: ﴿إنك سميع الدعاء﴾، أي: مجيبه. ٧ - ومن فوائد الآية: إثبات سمع الله وكرم الله وقدرته. القرآن ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ [آل عمران: ٣٩] التفسير: فنادته الملائكة وهو واقف بين يدي الله في مكان صلاته يدعوه: أن الله يخبرك بخبر يسرُّك، وهو أنك سترزق بولد اسمه يحيى، يُصَدِّق بكلمة من الله -وهو عيسى بن مريم ﵇، ويكون يحيى سيدًا في قومه، له المكانة والمنزلة العالية، وحصورًا لا يأتي الذنوب والشهوات الضارة، ويكون نبيّاً من الصالحين الذين بلغوا في الصَّلاح ذروته. قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عرمان: ٣٩]، " أي ناداه جبريل حال كون زكريا قائماً في الصلاة" (٧). قال ابن كثير: " أي: خاطبته الملائكة شفاها خطابًا أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خَلْوَته، ومجلس مناجاته، وصلاته" (٨). قال مقاتل: " فبينما هو يصلي في المحراب حيث يذبح القربان إذا برجل عليه بياض حياله وهو جبريل- ﵇ فقال: أن الله يبشرك بيحيى اشتق يحيى من أسماء الله- " (٩).

стр. 2305

أخرج ابن المنذر عن جعفر، قال: سمعت ثابتا، يقول: " الصلاة خدمة الله في الأرض، ولو علم الله شيئا أفضل من الصلاة ما قال: ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي﴾ " (١). قال أبو عبيدة: "المحراب سيد المجالس وأشرفها، وأكرمها، وكذلك هو من المساجد" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وجهان من القراءة (٣): أحدهما: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾، بالتاء، قرأ به ابن كثير ونافع وعاصم وألو عمرو وابن عامر. والثاني: ﴿فَنَادَاه الْمَلآئِكَةُ﴾، قرأ به حمزة، والكسائي. قال الزجاج: " الوجهان جميعاً جائزان، لأن الجماعة يلحقها اسم التأنيث، لأن معناها معنى جماعة، ويجوز أن يعبر عنها بلفظ التذكير. كما يقال جمع الملائكة" (٤). قال بن مجاهد البغدادي: " وكلهم فتح الراء من ﴿المحراب﴾ إلا ابن عامر فإنه أمالها" (٥). قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: ٣٩]، أي: إن الله يبشرك: "بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى" (٦). قال قتادة: " إن الملائكة شافهته بذلك مشافهة، وبشرته بيحيى" (٧). قال السدي: " لم يسمها أحد قبله" (٨). وقوله ﴿بِيَحْيَى﴾، أي: "أحياه الله بالإيمان". قاله قتادة (٩). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، على وجوه (١٠): أحدها: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾، بضم الياء وفتح الباء والتشديد، قرأ به ابن كثير وأبو عمرو. والثاني: ﴿يبشر﴾، بالتخفيف، قرأ به حمزة والكسائي. وفي قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ [آل عرمان: ٣٩]، قراءتان (١١): إحداهما: ﴿إنّ اللَّهَ﴾، بالكسر، وهي قراءة ابن عامر وحمزة. والثانية: ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾، بالفتح، وهي قراءة الباقين. قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩]، "أي مصدقاً بعيسى مؤمناً برسالته" (١٢). قال ابن عباس: " عيسى ابن مريم ﷺ هو الكلمة" (١٣). قال الضحاك: " وأما قوله جل وعز في يحيى: ﴿مصدقا بكلمة من الله﴾ " مصدق بعيسى، وكان يحيى أو من صدق بعيسى، وشهد أنه كلمة من الله، وكان يحيى بن خالة عيسى، وكان اكبر من عيسى" (١٤). قال قتادة: " مصدقا بعيسى ابن مريم على منهاجه" (١٥). وقال أبو عبيدة: " أي: بكتاب من الله، تقول العرب للرجل: أنشدني كلمة كذا أي قصيدة فلان إن طالت" (١٦). وهو قول أهل البصرة (١٧).

стр. 2306

قال مقاتل: " وكان يحيى أول من صدق بعيسى- ﵉ وهو ابن ثلاث سنين، قوله الأول وهو ابن ستة أشهر (١) فلما شهد يحيى أن عيسى من الله- عجبت بنو إسرائيل لصغره، فلما سمع زكريا شهادته قام إلى عيسى فضمه إليه، وهو في خرقة وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين، يحيى وعيسى ابنا خالة" (٢). قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، "أي: ويسود قومه" (٣). قال مقاتل: " يعني حليما" (٤). قال الزجاج: " السيِّد: الذي يفوق في الخير قومه" (٥). وفي معنى قوله تعالى: ﴿وَسَيِّداً﴾ [آل عمران: ٣٩]، أقاويل: أحدها: أنه الحليم. قاله أبو العالية (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، والربيع بن أنس (٨)، وقتادة (٩)، ومطر (١٠). والثاني: أنه السيد في العبادة والحلم والعلِم والوَرَع. قاله قتادة-في احد قوليه- (١١). والثالث: أنه التقي، وهو قول أبي صالح (١٢)، وقال سعيد بن جبير: السيد التقي (١٣). والرابع: أنه الحليم التقي. قاله ابن عباس (١٤)، وسفيان (١٥)، والضحاك-في أحد قوليه- (١٦). والخامس: أنه الشريف، وهو قول ابن زيد (١٧). والسادس: أنه الفقيه العالم، وهو قول سعيد بن المسيب (١٨). والسابع: أن السيد: الذي لا يغلبه غضبه. قاله عكرمة (١٩). والثامن: أن المعنى: السيد في خلقه ودينه. قاله عطية (٢٠)، وروي عن الضحاك-في أحد قوليه: قال: "حسن الخلق" (٢١). والتاسع: أنه الخليفة، وهو قول قتادة (٢٢). والعاشر: أن السيد: الكريم على الله. حكاه ابن أبي نجيح عن مجاهد (٢٣)، والرقاشي (٢٤). والحادي عشر: أن السيد: ليس له شرك. قاله مجاهد (٢٥). والثاني عشر: سيد المؤمنين، يعني بالرياسة عليهم، وهذا قول بعض المتكلمين (٢٦).

стр. 2307

قوله تعالى: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، "أي: ويحبس نفسه عن الشهوات عفةَ وزهداً " (١). قال مقاتل: " والحصور الذي لا حاجة له في النساء" (٢). قال الطبري: " يعني بذلك: ممتنعًا من جماع النساء" (٣). قال الزجاج: أي لا يأتي النَساءَ، وإنما قيل للذي لا يأتي النَساءَ حصور لأنه حُبِسَ عما يكون من الرجال، كما يقال في الذي لا يتيسر له الكلام قد حُصِرَ في منطقه" (٤). قال الفراء: " يقال: إن الحصور: الذي لا يأتي النساء" (٥). قال الشافعي: " وذكر - اللَّه - عبداً كرمه، فقال: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ الآية، والحصور: الذي لا يأتي النساء، ولم يندبه إلى النكاحْ، فدلَّ ذلك - واللَّه أعلم - على أن المندوب إليه من يحتاج إليه، ممن يكون مُحصناً له عن المحارم والمعاني التي في النكاح" (٦). قال المبرد" الحصور الذي لا يدخل في اللعب والعبث والأباطيل، وأصله من قول العرب الذي لا يدخل في الميسر: حصور" (٧)، ومنه قول الأخطل (٨): وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نَادَمَنِي ... لا بِالَحصُورِ وَلا فِيهَا بِسَوَّارِ ويقال أيضًا للذي لا يخرج سره ويكتمه "حصور"، لأنه يمنع سره أن يظهر، كما قال جرير (٩): وَلَقَدْ تَسَاقَطَنِي الوُشَاةُ، فَصَادَفُوا ... حَصِرًا بِسِرِّكِ يَا أُمَيْمَ ضَنِينَا فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو. قال الزمخشري: " والحصور: الذي لا يقرب النساء حصرا لنفسه أي منعا لها من الشهوات، وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر ... فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو. وقد روى أنه مر وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت" (١٠). قال الزجاج: "والحصير هذا المرمُول الذي يُجلس عليه، إنما سمي حصيراً، لأنه دوخل بعضه في بعض في النسيج أي حبس بعضه على بعض، ويقال للسجْن الحصير لأنَّ الناس يُحصرون فيه، ويقال حصرت الرجلَ إذا حبسته، وأحصره المرض إِذا منعه من السير، (والحصير الملك)، وقول اللَّه - جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، أي حبسا، ويقال أصاب فلاناً حَصَرٌ، إِذا احتبس عليه بطنه، ويقال في البول أصابه أسر إذا احتبس عليه بوله" (١١). وفي قوله: ﴿وَحَصُوراً﴾ [آل عمران: ٣٩] ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الحصور هو الذي لا ينزل الماء، وهو قول ابن عباس (١٢). وقال الضحاك ومقاتل: "الذي لا ماء له" (١٣)، وفي لفظ آخر للضحاك: "الذي لايولد له ولا ماء له" (١٤). وروي عن أبي العالية والربيع قالا: " الذي لايولد له" (١٥).

стр. 2308

والثاني: أنه كان لا يأتي النساء، وهو قول وعبدالله بن مسعود (١)، وابن عباس- في احد قوليه- (٢)، والحسن (٣)، ومجاهد (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦)، وعكرمة (٧)، وعطية (٨)، وجابر بن زيد (٩)، وابن زيد (١٠)، وسعيد بن جبير (١١)، والرقاشي (١٢). والثالث: أنه لم يكن له ما يأتي به النساء، لأنه كان معه مثل الهْدبة، وهو قول سعيد بن المسيب (١٣). قال ابن عطية: " وأجمع من يعتدّ بقوله من المفسرين على أن هذه الصفة ليحيى ﵇ إنما هي الامتناع من وطء النساء" (١٤). قال ابن كثير: " المقصود أنه مدح يحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كأنه قال: ولدًا له ذرية ونسل وعَقِب، والله أعلم ... وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان ﴿حَصُورًا﴾ ليس كما قاله بعضهم: إنه كان هيوبا، أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حُذَّاقُ المفسرين ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب ولا تليق بالأنبياء، ﵈، وإنما معناه: أنه معصوم من الذنوب، أي لا يأتيها كأنه حصر عنها" (١٥). قوله تعالى ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٠]، " أي: ويكون نبياً من الأنبياء الصالحين" (١٦). قال الزجاج: " الصالح الذي يؤَدي إِلى اللَّه ما عليه ويؤَدي إلى الناس حقوقهم" (١٧). قال ابن كثير: " هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى كقوله تعالى لأم موسى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] " (١٨). الفوائد: ١ - إثبات الملائكة، وأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور، خلقهم الله تعالى لما أعدّ لهم، فقاموا به على حسب ما اراد خالقهم . ٢ - إن الملائكة تتكلم بصوت مسموع، لقوله: ﴿فنادته الملائكة﴾. ٣ - جواز تكليم المصلي من قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، لكن المكلَّم لا يخاطب الآخر، وإنما يجيبه بالاشارة، والأفضل تركه إلا لحاجة، لأن ذلك يشوش على المصلي. ٤ - مشروعية تبشير الانسان بما يسره. ٥ - جواز تقديم التسمية على اليوم السابع، في حال كان الاسم مهيئا. ٦ - الثناء على من صدّق المرسلين، لقوله: ﴿مصدقا لكلمة من الله﴾.

стр. 2309

٧ - ومن الفوائد: أن يحيى-﵇ سيكون سيدا ونبيا وممنوعا من مساوئ الأخلاق. ٨ - أن الأنبياء من الصالحين، بل هم في أعلى مراتب الصلاح التي هي أربعة: النبوة، الصديقية، الشهادة، الصلاح. القرآن ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)﴾ [آل عمران: ٤٠] التفسير: قال زكريا فرحًا متعجبًا: ربِّ أنَّى يكون لي غلام مع أن الشيخوخة قد بلغت مني مبلغها، وامرأتي عقيم لا تلد؟ قال: كذلك يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة المخالفة للعادة. قوله تعالى: الكبر ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]، أي: يا ربّي"من أين يكون لي غلام" (١). قال السدي: " يقول: من أين" (٢). وقال الربيع بن انس: " كيف يكون لي" (٣). قال يحيى بن سلام: قال الحسن: " أراد زكرياء أن يعلم كيف ذلك " (٤). قال البيضاوي: " استبعاداً من حيث العادة، أو استعظاماً أو تعجبا أو استفهاماً عن كيفية حدوثه" (٥). قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، أي: وقد "أدركتني الشيخوخة" (٦). قال مقاتل: " وكان زكريا يومئذ ابن خمس وسبعين سنة" (٧). قال البيضاوي: أي وقد" دركني كبر السن وأثر فيّ، وكان له تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون سنة" (٨). قال أبو عبيدة: " أي: بلغت الكبر، والعرب تصنع مثل هذا تقول: هذا القميص لا يقطعني" (٩). قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]، أي: وامرأتي عقيم "لا تلد" (١٠). والعاقر من النساء، هي التي لا تلد، وهو القطع، لأنها ذات عقر من الأولاد، يقال منه: امرأة عاقر، ورجلٌ عاقرٌ (١١)، ومنه قول عامر بن الطفيل (١٢): لَبِئْسَ الفَتَى! إنْ كُنْتُ أَعْوَرَ عَاقِرًا ... جَبَانًا، فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ! ! وقد ذكر أهل العلم في سبب قول زكريا-﵇: ﴿رَبِّ أَنَّى يِكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وجوها: أحدها: أنه راجع ليعلم على أي حال يكون منه الولد، بأن يُرّدّ هو وامرأته إلى حال الشباب، أم على حال الكبر، فقيل له: كذلك الله يفعل ما يشاء، أي على هذه الحال، وهذا قول الحسن (١٣). قال ابن عطية: " وهذا تأويل حسن يليق بزكرياء ﵇ " (١٤).

стр. 2310

والثاني: أنه: "لما سمع النداء - يعني زكريا، لما سمع نداء الملائكة بالبشارة بيحيى - جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله، إنما هو من الشيطان يسخرُ بك! ولو كان من الله أوحاه إليك كما يُوحى إليك في غيره من الأمر! فشكّ مَكانه، وقال: ﴿أنَّي يكون لي غلام﴾، ذكرٌ؟ يقول: من أين؟ ﴿وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر﴾ ". وهذا قول السدي (١)، وروي عن عكرمة مثله (٢). والثالث: أنه قال ذلك استعظاماً لمقدور الله وتعجباً (٣). والرابع: أنه إنما سأل لأنه نسي دعاءه لطول المدة بين الدعاء والبشارة وذلك أربعون سنة. قاله مكي (٤). قال ابن عطية: " وهذا قول ضعيف المعنى" (٥). قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، أي: قال الملك: "هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر" (٦). قال أبو مالك: " قوله: ﴿كذلك﴾، يعني هكذا" (٧). قال البيضاوي: " أي يَفْعَلُ مَا يَشَاء من العجائب مثل ذلك الفعل، وهو إنشاء الولد من شيخ فان وعجوز عاقر، أو كما أنت عليه وزوجك من الكبر والعقر يَفْعَلُ مَا يَشَاء من خلق الولد أو كذلك الله مبتدأ وخبر أي الله على مثل هذه الصفة" (٨). الفوائد: ١ - من فوئاد الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان في طلب ما تطمئن به نفسه، فزكريا-﵇ لم يشكّ في خبر الله، لكن أراد أن يتقدم إليه الفرح والاستبشار بقوة البراهين، وخبر الله لاشك أنه برهان، لكن كلما ازدادت البراهين ازدادت قوة اليقين. ٢ - جواز وصف الانسان بما يكره لغرض البيان لا القدح والعيب، لقوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. ٣ - إثبات فعل الله، لقوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، ومذهب اهل السنة إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة به والمتعدية إلى غيره. ٤ - إثبات المشيئة لله تعالى، لقوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾، وهي مقرونة بالحكمة، لقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]. القرآن ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١] التفسير: قال زكريَّا: رب اجعل لي علامةً أستدلُّ بها على وجود الولد مني; ليحصل لي السرور والاستبشار، قال: علامتك التي طلبتها: ألا تستطيع التحدث إلى الناس ثلاثة أيام إلا بإشارة إليهم، مع أنك سويٌّ صحيح، وفي هذه المدة أكثِرْ من ذكر ربك، وصلِّ له أواخر النهار وأوائله. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [آل عمران: ٤١]، أي: ربّي اجعل لي "علامة على حمل امرأتي" (٩). قال ابن كثير: "أي: علامة أستدل بها على وجود الولد مني" (١٠).

стр. 2311

قال السدي: " قال زكريا: رب فإن كان هذا الصوت منك فـ ﴿اجعل لي آية﴾، قال: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، " أي: علامتك عليه أن لا تقدر على كلام الناس إِلا بالإِشارة ثلاثة أيام" (٢). قال الطبري: يعني: "يا زكريا، ﴿آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾، بغير خرس ولا عاهة ولا مرض" (٣). قال ابن كثير: "أي: إشارة لا تستطيع النطق، مع أنك سوي صحيح" (٤). قال عبدالرحمن السلمي: " اعتقل لسانه من غير مرض" (٥). قال السدي: " اعتقل لسانه ثلاثة أيام وثلاث ليال" (٦). قال قتادة: "إنما عوقب بذلك، لأن الملائكة شافهته مشافهة بذلك، فبشَّرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه. فأخِذَ عليه بلسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلا ما أومأ وأشار، فقال الله تعالى ذكره، كما تسمعون: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثةَ أيام إلا رمزًا﴾ " (٧). قال الربيع: ": ذكر لنا، والله أعلم، أنه عوقب، لأن الملائكة شافهته مشافهة، فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعدُ، فأخِذَ بلسانه" (٨). وفي قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، ثلاثة أوجه من التفسير: أحدها: الرمز بالشفتين، وهو قول ابن عباس-في احد قوليه- (٩). وقال مجاهد: "تحريك الشفتين" (١٠)، وفي رواية أخرى له: "كلام بالشفتين"" (١١)، وروي عن عكرمة وخصيف نحو ذلك (١٢). والثاني: الإماءة والإشارة، وهو قول ابن عباس (١٣)، والحسن (١٤)، والسدي (١٥)، وقتادة (١٦)، ومحمد بن إسحاق (١٧)، وابن زيد (١٨)، والضحاك (١٩)، والربيع (٢٠)، وعبدالله بن كثير (٢١)، وأبي عبدالرحمن السلمي (٢٢)، ومحمد بن كعب (٢٣)، وزيد بن أسلم (٢٤).

стр. 2312

والثالث: أنه: "ربَا لسانه في فيه حتى ملأه، ثم أطلقه الله بعد ثلاثٍ". قاله جبير بن نفير (١). قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ٤١]، "أي: وأذكر الله ذكرا كثيرا" (٢). قال الطبري: أي: " فإنك لا تمنع ذكرَه، ولا يحالُ بينك وبين تسبيحه وغير ذلك" (٣). قال الماوردي: " لم يمنع من ذكر الله تعالى، وذلك هي الآية" (٤). قال محمد بن كعب: "لو كان الله رخص لأحد في ترك الذكر، لرخَّص لزكريا حيث قال: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا واذكر ربك كثيرًا﴾، أيضًا" (٥). قال مجاهد: " لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما ومضطجعا" (٦). قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، أي: و"نزّه الله عن صفات النقص بقولك سبحان الله في آخر النهار وأوله" (٧). قال الطبري: أي: " عَظِّم ربك بعبادته بالعشي" (٨). قال مجاهد: " الإبكار أوّل الفجر، والعشيّ مَيْل الشمس حتى تغيب" (٩). واخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد عن في قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ﴾، قال: "صلاة المكتوبة" (١٠). و"العشي": من حين زوال الشمس إلى أن تغيب، ومنه قول حميد بن ثور الهلالي (١١): فَلا الظِّلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعَهُ، ... وَلا الفَيْءَ مِنْ بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ فالفيء، إنما تبتدئ أوْبته عند زوال الشمس، وَيتناهى بمغيبها. وأصل العشي الظلمة، ولذلك كان العشى ضعف البصر، فَسُمَّي ما بعد الزوال عِشاءً لا تصاله بالظلمة (١٢). وأما "الإبكار": فمن حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى، وأصله التعجيل، لأنه تعجيل الضياء، يقال فيه: أبكر فلان، وبكر يَبكُر بُكورًا، فمن "الإبكار"، قول عمر بن أبي ربيعة (١٣): أَمِنْ آلِ نُعَمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ ... غَدَاةَ غَدٍ؟ أمْ رَائحٌ فَمُهَجِّر؟ ومن " البكور"، قول جرير (١٤): أَلا بَكَرَتْ سَلْمَى فَجَدَّ بُكُورُهَا ... وَشَقَّ العَصَا بَعْدَ اجْتِمَاعٍ أَمِيرُهَا ويقال من ذلك: بكر النخلُ يَبْكُر بُكورًا وأبكر يُبكر إبكارًا، والباكور من الفواكه: أوّلها إدراكًا (١٥). الفوائد: ١ - جواز البحث عما يزيد به الإيمان، وإن كان الإيمان موجودا، والانسان مطلوب منه ان يقوي إيمانه بكل وسيلة. ٢ - تمام قدرة الله بخوارق العادات، فإن كون زكريا –﵇ لايكلم الناس إلا رمزا، لكن في باب التسبيح ينطلق لسانه.

стр. 2313

٣ - أن الإشارة تقوم مقام العبارة، لقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾، ولاسيما عند العجز عن التعبير. ٤ - ومنها: أن الانسان ينبغي إذا انقطع عن الناس أن يشغل وقته بذكر الله . ٥ - ومنها: فضيلة التسبيح والذكر في هذين الوقتين: العشي والإبكار. ٦ - الذكر يكون اكثر من التسبيح، والجمع بينهما ايضا فيه فائدة، وهي الجمع بين الثناء على الله وتنزيهه من النقائض. القرآن ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾ [آل عمران: ٤٢] التفسير: واذكر -أيها الرسول- حين قالت الملائكة: يا مريم إن الله اختاركِ لطاعته وطهَّركِ من الأخلاق الرذيلة، واختاركِ على نساء العالمين في زمانك. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢]، "أي اذكر وقت قول الملائكة: يا مريم إِن الله اختارك بين سائر النساء" (١). قال الطبري: " اختارك واجتباك لطاعته وما خصّك به من كرامته" (٢). قال ابن أبي زمنين: "أي: اختارك لدينه" (٣). قال الثعلبي: أي: " بولادة عيسى من غير أب" (٤). قال ابن كثير: " أي: اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها" (٥). وفي قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصطفاك﴾ [آل عمران: ٤٢]، وجهان: أحدهما: اصطفاها على عالمي زمانها، وهذا قول الحسن (٦)، وابن جريج (٧). والثاني: أنه اصطفاها لولادة المسيح، وهو قول مقاتل (٨)، والزجاج (٩). قال الراغب: " وقول الملائكة لها قيل: كان بالإلهام، فإنه ما أوحى الله إلى امرأة وحي النبوة فلذلك قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٣]، وقيل: بل قد أوحي إليهن ولكن لم يبعثن رسلا" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران: ٤٢]، " أي جعلك طاهرة من سائر الأدناس" (١١). قال مجاهد: " جعلك طيبةً إيمانًا" (١٢). قال السدي: " ﴿وطهرك﴾ من الحيض" (١٣). وروي عن عرمة نحو ذلك (١٤). قال مقاتل: " من الفاحشة والألم" (١٥).

стр. 2314

قال ابن أبي زمنين: وطهرك من الكفر" (١). كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] قال الثعلبي: "من مسيس الرجل" (٢). قال الطبري: أي: " وطهَّر دينك من الرّيب والأدناس التي في أديان نساء بني آدم" (٣). قال ابن كثير: " أي: وطهرها من الأكدار والوسواس" (٤). قال أبو السعود: أي مما يُستقذر من الأحوال والأفعال ومما قذفك به اليهودُ بإنطاق الطفلِ" (٥). قوله تعالى: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]، أي: و"اختارك على نساء العالمين في زمانك" (٦). قال مقاتل: " يعنى: واختارك على ﴿نساء العالمين﴾ بالولد من غير بشر" (٧). قال السدي: " على نساء ذلك الزمان الذي هم فيه" (٨). قال ابن جريح: "ذلك للعالمين يومئذ" (٩). قال الزجاج: " أي اختارك لعيسى على نساءِ العالمين كلهم، فلم يجعل مثل عيسى من امرأة من نساءِ العالمين (١٠). قال الثعلبي: " بالتحرير في المسجد" (١١). قال ابن كثير: أي "واصطفاها ثانيًا مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين" (١٢). قال الراغب: " تكرير الاصطفاء قيل لمعنيين: الأول فرغها لعبادته وأغناها عن الكسب، والثاني أن جعلها أما لعيسى وآية له، وقيل الأول الاصطفاء الذي هو الاجتباء. والثاني الاصطفاء الذي هو على سبيل الهداية" (١٣). قال أبو السعود: " بأن وهبَ لك عيسى ﵊ من غير أب ولم يكُنْ ذلكَ لأحدٍ من النساء وجعلكما آيةً للعالمين فعلى هذا ينبغي أنْ يكونَ تقديمُ حكاية هذه المقاولة على حكاية بشارتِها بعيسى ﵊ لما مر مرارا من التَّنبيه على أنَّ كلاً منهما مستحِقٌّ للاستقلال بالتذكير ولو روعيَ الترتيبُ الخارجيُّ لتبادر كونُ الكل شيئاً واحداً وقيل المرادُ بالاصطفاءين واحدٌ والتكريرُ للتأكيد وتبيينِ مَن اصطفاها عليهن فحينئذ لا إشكالَ في ترتيب النظم الكريم إذ يُحمل حينئذ الاصطفاءُ على ما ذُكر أولاً وتُجعل هذه المقاولةُ قبل بشارتها بعيسى ﵊ إيذاناً بكونها قبل ذلك متوفرةً على الطاعات والعبادات حسبما أُمِرت بها مجتهدةً فيها مُقْبِلةً على الله تعالى مُتبتِّلةً إليه تعالى منسلخةً عن أحكام البشرية مستعدةً لفيضان الروح عليها" (١٤). قال محمد بن إسحاق: " كانت مريم حبيسًا في الكنيسة، ومعها في الكنيسة غُلام اسمه يُوسف، وقد كانَ أمه وأبوه جعلاه نذيرًا حبيسًا، فكانا في الكنيسة جميعًا، وكانت مريم، إذا نَفِدَ ماؤها وماء يوسف، أخذا قُلَّتيهما فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماء الذي يستعذِبان منه، فيملآن قلتيهما، ثم يرجعان إلى الكنيسة، والملائكة في

стр. 2315

ذلك مقبلة على مريم: ﴿يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾، فإذا سمع ذلك زكريا قال: إنّ لابنة عمرانَ لشأنًا" (١). عن عبد الله بن جعفر قال: "سمعت عليًّا بالعراق يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خيرُ نسائها مريم بنت عمران، وخيرُ نسائها خديجة" (٢). عن موسى الأشعريّ قال: "قال رسول الله ﷺ : كمل من الرّجال كثيرٌ، ولم يكمل من النساء إلا مريم، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد" (٣). الفوائد: ١ - تعظيم شأن مريم-عليها الصلاة والسلام- إذ أمر الله نبيه بأن يذكر قصتها لهذه الأمة. ٢ - فضيلة مريم-﵍ إذ خاطبتها الملائمة. ٣ - استدل بعض أهل العلم على نبوة مريم بمخاطة الملائكة إياها، ولكن في هذا الاستدلال نظر، لأن مجرد المخاطبة لها لا يثبت نبوتها، لكون النبوة إنما هي لمن أوحي إليه بشرع لا لمن أوحي إليه بثناء أو بتهيئته لما سيكون. ٤ - إن الله يصطفي من الناس من يشاء. ٥ - براءة مريم-﵍ مما ادعاه اليهود من كونها بغيا، لقوله تعالى: ﴿وطهرك﴾. ٦ - إن مريم مفضلة ومصطفاة على نساء العالمين، كما ثبت في الحديث الشريف. ٧ - ومنها: جواز تكرار المناقب، لأن اوصاف الكمال كلما كررت ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلوما من قبل. القرآن ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣] التفسير: يا مريم داومي على الطاعة لربك، وقومي في خشوع وتواضع، واسجدي واركعي مع الراكعين; شكرًا لله على ما أولاكِ من نعمه. قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣]، أي: يا مريم: " إِلزمي عبادة ربك وطاعته" (٤). قال الحسن: يقول: اعبدي لربك" (٥). قال الطبري: أي: " أخلصي الطاعة لربك وحده" (٦). قال الزجاج: " أيْ اعبديه بالقول والعمل" (٧). قال الثعلبي: أي: " أطيعي وأطيلي الصلاة، لربك: كلمت به الملائكة شفاها، قال [الأوزاعي: لما قالت لها الملائكة ذلك، قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالتا دما وقيحا" (٨). قال مجاهد: " كانت تقوم حتى يتورم كعباها" (٩).
следующие страницы →