← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

قال السدي: " قال زكريا: رب فإن كان هذا الصوت منك فـ ﴿اجعل لي آية﴾، قال: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، " أي: علامتك عليه أن لا تقدر على كلام الناس إِلا بالإِشارة ثلاثة أيام" (٢). قال الطبري: يعني: "يا زكريا، ﴿آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾، بغير خرس ولا عاهة ولا مرض" (٣). قال ابن كثير: "أي: إشارة لا تستطيع النطق، مع أنك سوي صحيح" (٤). قال عبدالرحمن السلمي: " اعتقل لسانه من غير مرض" (٥). قال السدي: " اعتقل لسانه ثلاثة أيام وثلاث ليال" (٦). قال قتادة: "إنما عوقب بذلك، لأن الملائكة شافهته مشافهة بذلك، فبشَّرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه. فأخِذَ عليه بلسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلا ما أومأ وأشار، فقال الله تعالى ذكره، كما تسمعون: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثةَ أيام إلا رمزًا﴾ " (٧). قال الربيع: ": ذكر لنا، والله أعلم، أنه عوقب، لأن الملائكة شافهته مشافهة، فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعدُ، فأخِذَ بلسانه" (٨). وفي قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، ثلاثة أوجه من التفسير: أحدها: الرمز بالشفتين، وهو قول ابن عباس-في احد قوليه- (٩). وقال مجاهد: "تحريك الشفتين" (١٠)، وفي رواية أخرى له: "كلام بالشفتين"" (١١)، وروي عن عكرمة وخصيف نحو ذلك (١٢). والثاني: الإماءة والإشارة، وهو قول ابن عباس (١٣)، والحسن (١٤)، والسدي (١٥)، وقتادة (١٦)، ومحمد بن إسحاق (١٧)، وابن زيد (١٨)، والضحاك (١٩)، والربيع (٢٠)، وعبدالله بن كثير (٢١)، وأبي عبدالرحمن السلمي (٢٢)، ومحمد بن كعب (٢٣)، وزيد بن أسلم (٢٤).

стр. 2312

والثالث: أنه: "ربَا لسانه في فيه حتى ملأه، ثم أطلقه الله بعد ثلاثٍ". قاله جبير بن نفير (١). قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ٤١]، "أي: وأذكر الله ذكرا كثيرا" (٢). قال الطبري: أي: " فإنك لا تمنع ذكرَه، ولا يحالُ بينك وبين تسبيحه وغير ذلك" (٣). قال الماوردي: " لم يمنع من ذكر الله تعالى، وذلك هي الآية" (٤). قال محمد بن كعب: "لو كان الله رخص لأحد في ترك الذكر، لرخَّص لزكريا حيث قال: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا واذكر ربك كثيرًا﴾، أيضًا" (٥). قال مجاهد: " لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما ومضطجعا" (٦). قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، أي: و"نزّه الله عن صفات النقص بقولك سبحان الله في آخر النهار وأوله" (٧). قال الطبري: أي: " عَظِّم ربك بعبادته بالعشي" (٨). قال مجاهد: " الإبكار أوّل الفجر، والعشيّ مَيْل الشمس حتى تغيب" (٩). واخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد عن في قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ﴾، قال: "صلاة المكتوبة" (١٠). و"العشي": من حين زوال الشمس إلى أن تغيب، ومنه قول حميد بن ثور الهلالي (١١): فَلا الظِّلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعَهُ، ... وَلا الفَيْءَ مِنْ بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ فالفيء، إنما تبتدئ أوْبته عند زوال الشمس، وَيتناهى بمغيبها. وأصل العشي الظلمة، ولذلك كان العشى ضعف البصر، فَسُمَّي ما بعد الزوال عِشاءً لا تصاله بالظلمة (١٢). وأما "الإبكار": فمن حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى، وأصله التعجيل، لأنه تعجيل الضياء، يقال فيه: أبكر فلان، وبكر يَبكُر بُكورًا، فمن "الإبكار"، قول عمر بن أبي ربيعة (١٣): أَمِنْ آلِ نُعَمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ ... غَدَاةَ غَدٍ؟ أمْ رَائحٌ فَمُهَجِّر؟ ومن " البكور"، قول جرير (١٤): أَلا بَكَرَتْ سَلْمَى فَجَدَّ بُكُورُهَا ... وَشَقَّ العَصَا بَعْدَ اجْتِمَاعٍ أَمِيرُهَا ويقال من ذلك: بكر النخلُ يَبْكُر بُكورًا وأبكر يُبكر إبكارًا، والباكور من الفواكه: أوّلها إدراكًا (١٥). الفوائد: ١ - جواز البحث عما يزيد به الإيمان، وإن كان الإيمان موجودا، والانسان مطلوب منه ان يقوي إيمانه بكل وسيلة. ٢ - تمام قدرة الله بخوارق العادات، فإن كون زكريا –﵇ لايكلم الناس إلا رمزا، لكن في باب التسبيح ينطلق لسانه.

стр. 2313

٣ - أن الإشارة تقوم مقام العبارة، لقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾، ولاسيما عند العجز عن التعبير. ٤ - ومنها: أن الانسان ينبغي إذا انقطع عن الناس أن يشغل وقته بذكر الله . ٥ - ومنها: فضيلة التسبيح والذكر في هذين الوقتين: العشي والإبكار. ٦ - الذكر يكون اكثر من التسبيح، والجمع بينهما ايضا فيه فائدة، وهي الجمع بين الثناء على الله وتنزيهه من النقائض. القرآن ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾ [آل عمران: ٤٢] التفسير: واذكر -أيها الرسول- حين قالت الملائكة: يا مريم إن الله اختاركِ لطاعته وطهَّركِ من الأخلاق الرذيلة، واختاركِ على نساء العالمين في زمانك. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢]، "أي اذكر وقت قول الملائكة: يا مريم إِن الله اختارك بين سائر النساء" (١). قال الطبري: " اختارك واجتباك لطاعته وما خصّك به من كرامته" (٢). قال ابن أبي زمنين: "أي: اختارك لدينه" (٣). قال الثعلبي: أي: " بولادة عيسى من غير أب" (٤). قال ابن كثير: " أي: اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها" (٥). وفي قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصطفاك﴾ [آل عمران: ٤٢]، وجهان: أحدهما: اصطفاها على عالمي زمانها، وهذا قول الحسن (٦)، وابن جريج (٧). والثاني: أنه اصطفاها لولادة المسيح، وهو قول مقاتل (٨)، والزجاج (٩). قال الراغب: " وقول الملائكة لها قيل: كان بالإلهام، فإنه ما أوحى الله إلى امرأة وحي النبوة فلذلك قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٣]، وقيل: بل قد أوحي إليهن ولكن لم يبعثن رسلا" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران: ٤٢]، " أي جعلك طاهرة من سائر الأدناس" (١١). قال مجاهد: " جعلك طيبةً إيمانًا" (١٢). قال السدي: " ﴿وطهرك﴾ من الحيض" (١٣). وروي عن عرمة نحو ذلك (١٤). قال مقاتل: " من الفاحشة والألم" (١٥).

стр. 2314

قال ابن أبي زمنين: وطهرك من الكفر" (١). كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] قال الثعلبي: "من مسيس الرجل" (٢). قال الطبري: أي: " وطهَّر دينك من الرّيب والأدناس التي في أديان نساء بني آدم" (٣). قال ابن كثير: " أي: وطهرها من الأكدار والوسواس" (٤). قال أبو السعود: أي مما يُستقذر من الأحوال والأفعال ومما قذفك به اليهودُ بإنطاق الطفلِ" (٥). قوله تعالى: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]، أي: و"اختارك على نساء العالمين في زمانك" (٦). قال مقاتل: " يعنى: واختارك على ﴿نساء العالمين﴾ بالولد من غير بشر" (٧). قال السدي: " على نساء ذلك الزمان الذي هم فيه" (٨). قال ابن جريح: "ذلك للعالمين يومئذ" (٩). قال الزجاج: " أي اختارك لعيسى على نساءِ العالمين كلهم، فلم يجعل مثل عيسى من امرأة من نساءِ العالمين (١٠). قال الثعلبي: " بالتحرير في المسجد" (١١). قال ابن كثير: أي "واصطفاها ثانيًا مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين" (١٢). قال الراغب: " تكرير الاصطفاء قيل لمعنيين: الأول فرغها لعبادته وأغناها عن الكسب، والثاني أن جعلها أما لعيسى وآية له، وقيل الأول الاصطفاء الذي هو الاجتباء. والثاني الاصطفاء الذي هو على سبيل الهداية" (١٣). قال أبو السعود: " بأن وهبَ لك عيسى ﵊ من غير أب ولم يكُنْ ذلكَ لأحدٍ من النساء وجعلكما آيةً للعالمين فعلى هذا ينبغي أنْ يكونَ تقديمُ حكاية هذه المقاولة على حكاية بشارتِها بعيسى ﵊ لما مر مرارا من التَّنبيه على أنَّ كلاً منهما مستحِقٌّ للاستقلال بالتذكير ولو روعيَ الترتيبُ الخارجيُّ لتبادر كونُ الكل شيئاً واحداً وقيل المرادُ بالاصطفاءين واحدٌ والتكريرُ للتأكيد وتبيينِ مَن اصطفاها عليهن فحينئذ لا إشكالَ في ترتيب النظم الكريم إذ يُحمل حينئذ الاصطفاءُ على ما ذُكر أولاً وتُجعل هذه المقاولةُ قبل بشارتها بعيسى ﵊ إيذاناً بكونها قبل ذلك متوفرةً على الطاعات والعبادات حسبما أُمِرت بها مجتهدةً فيها مُقْبِلةً على الله تعالى مُتبتِّلةً إليه تعالى منسلخةً عن أحكام البشرية مستعدةً لفيضان الروح عليها" (١٤). قال محمد بن إسحاق: " كانت مريم حبيسًا في الكنيسة، ومعها في الكنيسة غُلام اسمه يُوسف، وقد كانَ أمه وأبوه جعلاه نذيرًا حبيسًا، فكانا في الكنيسة جميعًا، وكانت مريم، إذا نَفِدَ ماؤها وماء يوسف، أخذا قُلَّتيهما فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماء الذي يستعذِبان منه، فيملآن قلتيهما، ثم يرجعان إلى الكنيسة، والملائكة في

стр. 2315

ذلك مقبلة على مريم: ﴿يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾، فإذا سمع ذلك زكريا قال: إنّ لابنة عمرانَ لشأنًا" (١). عن عبد الله بن جعفر قال: "سمعت عليًّا بالعراق يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خيرُ نسائها مريم بنت عمران، وخيرُ نسائها خديجة" (٢). عن موسى الأشعريّ قال: "قال رسول الله ﷺ : كمل من الرّجال كثيرٌ، ولم يكمل من النساء إلا مريم، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد" (٣). الفوائد: ١ - تعظيم شأن مريم-عليها الصلاة والسلام- إذ أمر الله نبيه بأن يذكر قصتها لهذه الأمة. ٢ - فضيلة مريم-﵍ إذ خاطبتها الملائمة. ٣ - استدل بعض أهل العلم على نبوة مريم بمخاطة الملائكة إياها، ولكن في هذا الاستدلال نظر، لأن مجرد المخاطبة لها لا يثبت نبوتها، لكون النبوة إنما هي لمن أوحي إليه بشرع لا لمن أوحي إليه بثناء أو بتهيئته لما سيكون. ٤ - إن الله يصطفي من الناس من يشاء. ٥ - براءة مريم-﵍ مما ادعاه اليهود من كونها بغيا، لقوله تعالى: ﴿وطهرك﴾. ٦ - إن مريم مفضلة ومصطفاة على نساء العالمين، كما ثبت في الحديث الشريف. ٧ - ومنها: جواز تكرار المناقب، لأن اوصاف الكمال كلما كررت ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلوما من قبل. القرآن ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣] التفسير: يا مريم داومي على الطاعة لربك، وقومي في خشوع وتواضع، واسجدي واركعي مع الراكعين; شكرًا لله على ما أولاكِ من نعمه. قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣]، أي: يا مريم: " إِلزمي عبادة ربك وطاعته" (٤). قال الحسن: يقول: اعبدي لربك" (٥). قال الطبري: أي: " أخلصي الطاعة لربك وحده" (٦). قال الزجاج: " أيْ اعبديه بالقول والعمل" (٧). قال الثعلبي: أي: " أطيعي وأطيلي الصلاة، لربك: كلمت به الملائكة شفاها، قال [الأوزاعي: لما قالت لها الملائكة ذلك، قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالتا دما وقيحا" (٨). قال مجاهد: " كانت تقوم حتى يتورم كعباها" (٩).

стр. 2316

قال ابن كثير: " أما القنوت: فهو الطاعة في خشوع، كما قال تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] " (١). قال الراغب: " القنوت: إدامة الطاعة صلاة كانت أو غيرها من العبادات، ولهذا قال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩] فجعل من جملة القنوت" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ [آل عمران: ٤٣]، ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني أخلصي لربك، وهو قول سعيد (٣). والثاني: أن معناه: أطيعي ربك، وهو قول السدي (٤)، وقتادة (٥)، والحسن (٦). والثالث: أطيلي القيام في الصلاة، وهو قول مجاهد (٧)، والربيع (٨)، والأوزاعي (٩). قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، أي: و"صلي مع المصلين" (١٠). قال مقاتل: " يعني مع المصلين في بيت المقدس" (١١). قال العز بن عبدالسلام: أي: "افعلي كفعلهم، أو صلي في جماعة" (١٢). قال الزمخشري: أي: " ولتكن صلاتك مع المصلين في الجماعة" (١٣). قال الطبري: أي: " واخشعي لطاعته وعبادته مع من خشع له من خلقه، شكرًا له على ما أكرمك به من الاصطفاء والتَّطهير من الأدناس، والتفضيل على نساء عالم دَهرك" (١٤). قال الأوزاعي: " ركدت في محرابها قائمة وراكعة وساجدة حتى نزل الماء الأصفر في قدميها" (١٥). قال البيضاوي: " أمرت بالصلاة في الجماعة بذكر أركانها مبالغة في المحافظة عليها، وقدم السجود على الركوع إما لكونه كذلك في شريعتهم أو للتنبيه على أن الواو لا توجب الترتيب" (١٦). قال الراغب: " ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع، فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع" (١٧). قال الزجاج: " معنى الركوع قيل: السُّجود، المعنى: اركعي واسجدي، إلا أن الواو إذا ذكرت فمعناها الاجتماع، وليس فيها دليل أن أحد الشَيئين قبل الآخر. لأنها تْؤذن بالاجتماع، والعمل، والحال تدل على تقدم المتقدِّم من الإثنين" (١٨). قال الراغب: " وتقديم السجود على الركوع، قيل: لكونه كذلك في شريعتهم، وقيل: تنبيها أن الواو لا تقتضي الترتيب، وقيل: عنى بالسجود الصلاة، لقوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]، وعنى بالركوع الشكر، لقوله تعالى

стр. 2317

في قصة داود: ﴿رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] أي شاكرا، وهذا تخصيص للركوع بحال مقترنة به، وقيل: نبه بقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي كوني مع العابدين والمصلين" (١). الفوائد: ١ - بيان أنه كلما منّ الله على انسان بشيء كانت مطالبته بالعبادة اكثر، لقوله: ﴿﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. إذ أمرتها بالقنوت والسجود والركوع. ٢ - فضيلة القنوت لله، وهو دوام الطاعة والخشوع، والاشتغال بالطاعة عما سواها. ٣ - فضيلة السجود والركوع، لقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. ٤ - جواز ترك الترتيب لمصلحة، لقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾، إذ نصّ على السجود قبل الركوع، لأن السجود أبلغ في القنوت من الركوع. ٥ - فضيلة صلاة الجماعة، لقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. القرآن ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران: ٤٤] التفسير: ذلك الذي قصصناه عليك -أيها الرسول- من أخبار الغيب التي أوحاها الله إليك، إذ لم تكن معهم حين اختلفوا في كفالة مريم أيُّهم أحق بها وأولى، ووقع بينهم الخصام، فأجْرَوْا القرعة بإلقاء أقلامهم، فأصابت زكريا ﵇، ففاز بكفالتها. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، " أي: ذلك من أخبار الغيب ننزلّه إليك يا محمد" (٢). قال الثعلبي: " ذلك: الذي ذكرت من حديث زكريا ومن حديث ويحيى ومريم وعيسى، من أخبار، الغيب نوحيه إليك" (٣). قال الزمخشري: " ذلك إشارة إلى ما سبق من نبإ زكريا ويحيى ومريم وعيسى ﵈، يعنى أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي" (٤). قال الصابوني: " أي هذا الذي قصصناه عليك من قصة امرأة عمران وابنتها مريم البتول ومن قصة زكريا يحيى إِنما هو من الانبياء المغيبة والأخبار الهامة التي أوحينا بها إِليك يا محمد" (٥). قال الماوردي: " يعني ما كان من البشرى بالمسيح" (٦). قال الزجاج: " أي: الأخبار التي قصصناها عليك في زكريا ويحيى ومريم وعيسى من أنباء الغيب، أي من أخبار ما غاب عنك، وفي هذا دليل على تثبيت نبوة النَبي ﷺ لأنه أنبأ بما لا يعلم إلا من كتاب أو وحي وقد أجمعوا أن النبي ﷺ كان أمياً، فإنباؤه إياهم بالأخبار التي في كتبهم علي حقيقتها من غير قراءَة الكتب دليل على أنه نبى وأن اللَّه أوحى إليه بها" (٧). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن محمد بن إسحاق قوله: ﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك﴾، ثم قد جئتهم به ذليلا علي نبوتك والحجة لك عليهم" (٨).

стр. 2318

وأصل "الوحي": إلقاء المعنى إلى صاحبه، والوحي إلى الرسل الإلقاء بالإنزال، وإلى النحل بالإلهام، ومن بعض إلى بعض بالإشارة، كما قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]. قال العجاج (١): بِإذْنِهِ الأَرْضُ وما تَعَتَّتِ ... وَحَى لَهَا القرارَ فَاسْتَقَرَّتِ بمعنى ألقى إليها ذلك أمرًا (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَم﴾ [آل عمران: ٤٤]، " أي وما كنت حاضرا لديهم حين يضربون بسهامهم القرعة، وينظرون ليعلموا أيهم يكون كافلا لمريم" (٣). قال الصابوني: " أي ما كنت عندهم إِذ يختصمون ويتنافسون على كفالة مريم حين ألقوا سهامهم للقرعة كلٌ يريدها في كنفه ورعايته" (٤). قال الزجاج: " أي هذا أيضاً مما لم تحضره [إذ يلقون أقداحهم] لينظروا أيهم تجب له كفالة مريم، وهو الضمان للقيام بأمرها" (٥). قال ابن كثير: " أي: ما كنت عندهم يا محمد فَتُخْبرهم عنهم معاينة عما جرى، بل أطلعك الله على ذلك كأنك كنت حاضرا وشاهدًا لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها، وذلك لرغبتهم في الأجر" (٦). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن محمد بن إسحاق: " ﴿وما كنت لديهم﴾، يقول: ما حضرت ولا عنيت" (٧). وقال قتادة: " تساهموا على مريم أيهم يكفلها فقرعهم زكريا" (٨). وروي عن مجاهد والضحاك قالا: "استهموا بأقلامهم" (٩). وقال عكرمة: " ألقوا أقلامهم في الماء فذهبت مع الجرية، وصعد قلم زكريا يغلب الجرية فكفلها زكريا" (١٠). وفي تفسير قوله: ﴿أَقْلامَهُمْ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وجوه: أحدها: أن المراد: أقلامهم التي يكتبون بها الوحي. قاله سفيان (١١)، ونقله ابن جريج عن آخرين (١٢). ورجّحه القرطبي فقال: " وهو أجود، لأن الأزلام قد نهى الله عنها فقال" ذلكم فسق" [المائدة: ٣]، إلا أنه يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على غير الجهة التي كانت عليها الجاهلية تفعلها" (١٣). والثاني: أن أقلامهم: عصيّهم. قاله الربيع (١٤). والثالث: أن أقلامهم: قداحهم وسهامهم. قاله عطاء (١٥)، والزجاج (١٦)، وأبو عبيدة (١٧). قال الزجاج: "وإنما قيل للسهم: القلم لأنه يقْلَمَ أي يبْرَى، وكل ما قطعت منه شيئاً بعد شيء فقد قَلَمْتَه، من ذلك القلم الذي يكتب به، إنما سمي لأنه قلم مرة بعد مرة، ومن هذا قلمت أظافري" (١٨).

стр. 2319

والظاهر ان المراد الأقلام حقيقة التي يكتب بها، ولا نعدل عن ظاهر القرآن إلا بدليل. والله أعلم. قال الثعالبي: " وجمهور العلماء على أنه استهام لأخذها والمنافسة فيها، فروي أنهم ألقوا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة في النهر، فروي أن قلم زكريا صاعد الجرية، ومضت أقلام الآخرين، وقيل غير هذا، قلت: ولفظ ابن العربي في «الأحكام» قال النبي ﷺ : «فجرت الأقلام وعلا قلم زكريا» (١) اهـ، وإذا ثبت الحديث، فلا نظر لأحد معه" (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، أي: وما كنت عندهم إذ "يتنازعون فيمن يكفلها منهم" (٣). الفوائد: ١ - إن الوحي من أخبار الأمم السابقة التي لم تكن تعلمها الرسول- ﷺ ولا امته، دليل على أنه- ﷺ رسول الله حقا، وأن الوحي يأتيه من الله تعالى. ٢ - ومن الفوائد: جواز الاقتراع والقرعة، قال ابن عطية: " وفي هذه الآية استعمال القرعة والقرعة سنة، وكان النبي ﷺ إذا سافر أقرع بين نسائه" (٤). ٣ - الإشارة إلى أن الذي أنبئ به كأنما يراه بعينه، وكانه حاضر وهو كذلك، لأن أخبار الله تعالى أشد ثبوتا وحقيقة مما يرى في العين. القرآن ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ [آل عمران: ٤٥] التفسير: وما كنت -يا نبي الله- هناك حين قالت الملائكة: يا مريم إن الله يُبَشِّرْكِ بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي يقول له: «كن»، فيكون، اسمه المسيح عيسى ابن مريم، له الجاه العظيم في الدنيا والآخرة، ومن المقربين عند الله يوم القيامة. ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥]، أي وما كنت، يا محمد، عند القوم حين قالت الملائكة: يا مريم إن الله يبشرك "برسالة منه وخبر من عنده" (٥). قال ابن عباس: " ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾، قال: عيسى، وهو الكلمة من الله " (٦). وقال أبو عبيدة: " ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾، أي: الرسالة هو ما أوحى الله به إلى الملائكة في أن يجعل لمريم ولدا" (٧). قال ابن كثير: " أي: بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي: بقوله له: "كن" فيكون، وهذا تفسير قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] كما ذكره الجمهور" (٨). قال الطبري: " والتبشير: إخبار المرء بما يسره من خبر" (٩).

стр. 2320

قال الزجاج: " سمى الله عيسى المسيح، وسماه عيسى، وسمي ابتداء أمره كلمة منه فهو ﷺ كلمة من الله ألقاها إلى مريم، ثم كون تلك الكلمة بشرا" (١). قوله تعالى: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥]، " أي اسمه عيسى ولقبه المسيح" (٢). قال ابن كثير: "أي يكون مشهورًا بهذا في الدنيا، يعرفه المؤمنون بذلك" (٣). وفي تسميته بالمسيح أقوال: أحدها: أنه سمّي بذلك لكثرة سياحته. حكاه ابن كثير عن بعض السلف (٤). والثاني: لأنه مُسِحَ بالبركة، وهذا قول الحسن (٥) وسعيد (٦). والثالث: أنه مُسِحَ بالتطهر من الذنوب. وأن المسيح: الصدّيق. قاله إبراهيم (٧) وهو اختيار الإمام الطبري (٨). والرابع: وقيل: لأنه كان مسيح القدمين: أي لا أخْمَص لهما (٩). والخامس: وقيل: المسيح بمعنى الماسح، لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى، فيمسح عين الأعمى والأعور فيبصر (١٠). والسادس. ان المسيح: الملك. قاله الكلبي (١١)، وأبو عمرو بن علاء (١٢). والسابع: وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن. قاله أبو سليمان الدمشقي (١٣). والثامن: أن المسيح ضد المسيخ، يقال: مسحه الله أي خلقه خلقا حسنا مباركا، ومسخه أي خلقه خلقا ملعونا قبيحا. قاله أبو الهيثم (١٤). والتاسع: وقيل: أن المسيح أصله بالعبرانية "مشيحا" بالشين، فعرّب كما عرّب: موشى بموسى. قاله أبو عبيدة (١٥). والقول الأول أشهر، وعليه الأكثر، فـ"سمي به، لأنه يسيح في الأرض أي يطوفها ويدخل جميع بلدانها إلا مكة والمدينة وبئت المقدس، فهو فعيل بمعنى فاعل، فالدجال يمسح الأرض محنة، وابن مريم يمسحها منحة، وعلى أنه ممسوح العين فعيل بمعنى مفعول (١٦). ومنه قول الشاعر (١٧): إن المسيح يقتل المسيحا قال الثعلبي: " قرأ أبو السماك وهب بن يزيد العدوي: ﴿بكلمة﴾، مكسورة الكاف مجزومة اللام في جميع القرآن، وهي لغة فصيحة" (١٨).

стр. 2321

قال الماتريدي: " يحتمل: ﴿بكلمة منه﴾: أن قال: " كن " - فكان من غير أب ولا سبب، وسائر البشر لم يكونوا إلا بالآباء والأسباب: من النطفة، ثم من العلقة، ثم من مضغة مخلقة على ما وصف في كتابه، وكان أمر عيسى ﵇ على خلاف ذلك. ويحتمل ﴿بكلمة منه﴾: ما ذكر أنه كلم الناس في المهد: (إني عبد الله آتاني الكتاب) وذلك مما خص به عيسى، وهو بكلمة من الله قال ذلك" (١). قوله تعالى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥]، أي: "ذا جاه وقدر في الدنيا والآخرة" (٢). قال النحاس: " الوجية الذي له القدر والمنزلة الرفيعة يقال لفلان جاه وجاهة وقد وجه يوجه وجاهة" (٣). قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥]، أي: "ومن المقربين عندالله يوم القيامة" (٤). قال الطبري: " أنه ممن يقرِّبه الله يوم القيامة، فيسكنه في جواره ويدنيه منه" (٥). قال قتادة: ": من المقربين عند الله يوم القيامة" (٦). وروي عن الربيع مثله (٧). قال الهرري: أي: " إلى الله في جنة عدن، وهذا الوصف كالتنبيه على أن عيسى سيرفع إلى السماء، وتصاحبه الملائكة" (٨). الفوائد: ١ - البشارة بالأخبار التي تسر. لقوله: ﴿إن الله يبشرك﴾. ٢ - بيان نسبة عيسى-﵇ إلى أمه، لكي لا يقول قائل إنه نسب إلى كافله كان زكريا-﵇. ٣ - من فوائد الآية وجاهة عيسى-﵇ عند الله، لقوله: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. القرآن ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾ [آل عمران: ٤٦] التفسير: ويكلم الناس وهو رضيع قبل أوان الكلام، ويدعوهم إلى الله وهو كبير قد اجتمعت قوته وكمل شبابه بما أوحاه الله إليه. وهذا تكليم النبوَّة والدعوة والإرشاد، وهو معدود من أهل الصلاح والفضل في قوله وعمله. قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا﴾ [آل عمران: ٤٦]، "أي: يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، في حال صغره، معجزة وآية، وفي حال كهوليته حين يوحي الله إليه بذلك" (٩). قال محمد بن إسحاق: " يخبرهم بحالاته التي يتقلب فيها عمره كتقلب بني في آدم أعمارهم صغارا أو كبارا، لأن الله تعالى جده خصه بالكلام في مهده، آية لنبوته، وتعريفا للعباد مواقع قدرته" (١٠). قال الزمخشري: أي: " يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء" (١١). قال الماوردي: " والمهد: مضجع الصبي، مأخوذ من التمهيد" (١٢).

стр. 2322

قال ابن عباس: " ﴿ويكلم الناس في المهد﴾، قال: مضجع الصبي في رَضَاعه" (١). واختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَهْلاً﴾ [آل عمران: ٤٦]، وفيه أقوال: أحدهما: أن المراد بالكهل الحليم، وهذا قول مجاهد (٢)، وعكرمة (٣)، وقال يزيد بن أبي حبيب: "الكهل: منتهى الحلم" (٤). والثاني: أنه أراد الكهل في السنّ، وهو قول ابن عباس (٥). قال الناحس: " يقال اكتهل النبت إذا تم، والكهل ابن الاربعين أو ما قاربها" (٦). والثالث: يعني: إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء. قاله مقاتل (٧). والرابع: أن (كهلا) بعد نزوله من السماء. قاله الحسن بن الفضل (٨). والخامس: المراد: أنه تعالى أخبرهما أنه يبقى حتى يكتهل. قاله ابن كيسان (٩). والسادس: وقيل: يكلم الناس في المهد: صبيا وكهلا نبيا، ولم يتكلم في المهد من الأنبياء، إلا عيسى ﵇، فكلامه في المهد معجزة وفي الكهولة دعوة (١٠). والسابع: ﴿وكهلا﴾: أي عظيما، والعرب تمدح بالكهولة لأنها أعظم؟ على في احتناك السن، واستحكام العقل، وجودة الرأي والتجربة. وهذا احد قولي مجاهد (١١). واختلفوا في تحديد سن الكهل على ثلاثة اقوال: أحدها: أنه بلوغ أربع وثلاثين سنة (١٢). والثاني: أن الكهل ابن أربعين إلى الخمسين سنة. حكاه الهرري عن ثابن بن أبي ثابت (١٣). والثالث: أنه فوق حال الغلام ودون حال الشيخ، مأخوذ من القوة من قولهم اكتهل البيت إذ طال وقوي (١٤). قال الطبري: " وأما قوله: ﴿وكهلا﴾، فإنه: وُمحتَنِكًا فوق الغُلومة، ودُون الشيخوخة، يقال منه: رجل كهل وامرأة كهلة، كما قال الراجز (١٥): وَلا أَعُودُ بَعْدَهَا كَرِيَّا ... أُمَارِسُ الكَهْلَةَ وَالصَّبِيَّا وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: ﴿ويكلم الناسَ في المهد وكهلا﴾، ويكلم الناس طفلا في المهد دلالةً على براءَة أمه مما قَرَفها به المفترون عليها، وحجة له على نبوّته وبالغًا كبيرًا بعد احتناكه، بوحي الله الذي يوحيه إليه، وأمره ونهيه، وما ينزل عليه من كتابه" (١٦). قال الماوردي: "فإن قيل فما المعنى في الإخبار بكلامه كهلاً وذلك لا يستنكر؟ ففيه قولان: أحدها: أنه يكلمهم كهلاً بالوحي الذي يأتيه من الله تعالى. والثاني: انه يتكلم صغيراً في المهد كلام الكهل في السنّ " (١٧).

стр. 2323

قال الماتريدي: "فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ويكلم الناس في المهد وكهلا﴾ والكهل: مما يكلم الناس؟ قيل: لأن كلامه في المهد آية، والآية لا تدوم؛ كقوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ﴾ [النور: ٢٤] الآية، وإنما يكون ذلك مرة لا أنها تشهد وتنطق أبدا، فأخبر أن تكليمه الناس في المهد - وإن كانت آية - فإنه ليس بالذي لا يدوم، ولا يكون إلا مرة. والثاني: أمن من الله لمريم، وبشارة لها عن وفاته إلى وقت كهولته، والله أعلم" (١). والتحقيق في هذا الإخبار من قبل الله تعالى من أمر المسيح "وإن كان الغالب من أمر الناس أنهم يتكلمون كهولا وشيوخًا احتجاجًا به على القائلين فيه من أهل الكفر بالله من النصارى الباطلَ، وأنه كان منذ أنشأه مولودًا طفلا ثم كهلا يتقلب في الأحداث، ويتغير بمرُور الأزمنة عليه والأيام، من صِغر إلى كبر، ومن حال إلى حال وأنه لو كان، كما قال الملحدون فيه، كان ذلك غيرَ جائز عليه. فكذّب بذلك ما قاله الوفدُ من أهل نجران الذين حاجُّوا رسول الله ﷺ فيه، واحتج به عليهم لنبيه محمد ﷺ ، وأعلمهم أنه كان كسائر بني آدم، إلا ما خصه الله به من الكرامة التي أبانه بها منهم" (٢). قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦]، أي: وهو من العباد الصالحين" (٣). قال الصابوني: " أي وهو من الكاملين في التقى والصلاح" (٤). قال ابن كثير: "أي: في قوله وعمله، له علم صحيح وعمل صالح" (٥). قال عطاء: " يريد: مثل: موسى، وإسرائيل (٦)، وإسحاق، وإبراهيم " (٧). قال الهرري: أي: " وحالة كونه كائنًا من العباد ﴿الصَّالِحِينَ﴾ ومعدودًا منهم، الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، الذين تعرف مريم سيرتهم؛ مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى، وغيرهم من الأنبياء" (٨). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: "أنه أعلمهم أن عيسى ﵇ يكلمهم في المهد ويعيش إلى أن يكلمهم كهلا، إذ كانت العادة أن من تكلم في المهد لم يعش" (٩). قاله المهدوي. ٢ - نزول عيسى قبل القيامة، وذلك لقوله: ﴿وكهلا﴾، على تفسير الحسن بن الفضل (١٠). وقد تواترت الأخبار في نزوله ﵇ قبل يوم القيامة، روي عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" (١١). ٣ - ومنها: أنه تعالى" ختم أوصاف عيسى ﵇ بكونه من الصالحين، بعدما وصفه بالأوصاف العظيمة؛ لأن الصلاح من أعظم المراتب وأشرف المقامات؛ لأنه لا يسمى المرء صالحًا حتى يكون مواظبًا على النهج الأصلح والطريق الأكمل في جميع أقواله وأفعاله، فلما وصفه الله تعالى بكونه وجيهًا في الدنيا والآخرة، ومن المقربين، وأنه يكلم الناس في المهد وكهلًا .. أردفه بقوله: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ ليكمل له أعلى الدرجات وأشرف المقامات" (١٢). القرآن

стр. 2324

﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾ [آل عمران: ٤٧] التفسير: قالت مريم متعجبة من هذا الأمر: أنَّى يكون لي ولد وأنا لست بذات زوج ولا بَغِيٍّ؟ قال لها المَلَك: هذا الذي يحدث لكِ ليس بمستبعد على الإله القادر، الذي يوجِد ما يشاء من العدم، فإذا أراد إيجاد شيء فإنما يقول له: «كُن» فيكون. قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧]، " أي قالت: ياربي: كيف يأتيني الولد وأنا لست بذات زوج؟ " (١). قال السدي: "تقول: من أين لي" (٢). قال مقاتل: "يعني الزوج" (٣). قال الطبري: " من أيِّ وجه يكون لي ولد؟ أمِن قبل زوج أتزوجه وبعل أنكحه، أمْ تبتدئ فيَّ خلقه من غير بعل ولا فحل، ومن غير أن يمسَّني بشر" (٤). قال السمرقندي: " وهو كناية عن الجماع" (٥). قال الهرري: " أي قالت: كيف يكون لي ولد وليس لي زوج؟ أي: لم يصبني رجل بالحلال ولا بالحرام؟ ؛ لأن المحررة لا تتزوج أبدًا كالذكر المحرر. وقد يكون مرادها: أيحدث ذلك بزواج أم يحصل بقدرتك؟ وقد يكون قصدها: التعجب من قدرة الله واستعظام شأنه" (٦). قال السمعاني: " قالت ذلك تعجبا؛ إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد ولد بلا أب" (٧). قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٧]، أي: " إن الأمر كذلك، أن الله يخلق ما يشاء" (٨). قال الصابوني: " أي هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شيء يخلق بسببٍ من الوالدين وبغير سبب" (٩). قال محمد بن إسحاق: " أي يضع ما أراد ويخلق ما يشاء من بشر أو غير بشر" (١٠). قال السمعاني: " أي: لا يعسر عليه شيء، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد" (١١). قال الهرري: " أي: كما قلت لكِ من خلق ولد منك بلا أب ﴿اللَّهُ﴾ ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ كيف شاء بسبب، وبلا سبب، مثل هذا الخلق العجيب، والإحداث البديع - وهو خلق الولد بغير أبٍ - يخلق الله ما يشاء، فإن قلت: لِمَ عبَّر هنا بالخلق، وفي قصة يحيى بالفعل [يفعل ما يشاء﴾؟ قلت: لأن ولادة العذراء من غير أن يمسها بشر، أبدع وأغرب من ولادة عجوز عاقر من شيخ كبير، فكأن الخلق المنبىء عن الاختراع أنسب بهذا المقام من مطلق الفعل كما سبق" (١٢). قوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا﴾ [آل عمران: ٤٨]، " أي إِذا أراد شيئاً" (١٣). قال القشيري: أي: إذا" أراد إمضاء حكم" (١٤).

стр. 2325

قال الهرري: " أي: إذا أراد خلق شيء من الكائنات" (١). قال الراغب: " القضاء: الفصل، وذلك إما بالتدبير، وإما بالقول، وإما بالفعل، فالأول لا يصح على الله إلا بمعنى الحكم إذ كان التدبير: التفكر في الشيء وارتياد الصلاح فيه، وذلك لمن كان ناقص العلم، فقوله: قضى، ها هنا إما للقول، وإما للفعل، أو لهما جميعا" (٢). قوله تعالى: ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٨]، أي: " إنما فيقول له كن فيكون من غير تأخر ولا حاجة إلى سبب" (٣). قال محمد بن إسحاق: " مما يشاء وكيف يشاء فيكون كما أراد" (٤). قال الهرري: أي يقول له: " أحدث وأخرج من العدم، فذلك الأمر يوجد بسرعة من غير تباطؤ" (٥). قال التستري: " إذا كان في علمه السابق الأزلي أمر فأراد إظهاره قال له كن فيكون" (٦). الفوائد: ١ - من فوائد الأية: الإشارة إلى أنه تعالى كما يقدر أن يخلق الأشياء مدرجًا بأسباب ومواد .. يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك، وهذا تمثيل لكمال قدرته، ونفوذ مشيئته وتصوير لسرعة حصول ما يريد بلا إبطاء بصورة آمر مطاع لمأمور قادر على العمل مطيع يفعل ما يطلب منه على الفور، وهذا الأمر يسمى أمر تكوين، وهناك أمر آخر هو أمر تكليف، يعرف بوحي الله لأنبيائه، والجاحدون لآيات الله ينكرون الحمل بعيسى من غير أب وقوفًا عند العادة، وذهولًا عن كيفية بدء العالم، ولكن ليس لهم دليل عقلي ينبيء بالاستحالة، وإنا نشاهد كل يوم حدوث شيء في الكون لم يكن معتادًا من قبل، بعضه له أسباب معروفة، فيسمونه: استكشافًا أو اختراعًا، وبعضه ليس بمعروف له سببٌ، ويسمونه: فلتات الطبيعة (٧). ٢ - إن من البشر من خلق بلا أب، كعيسى-﵇، ومنهم من خلق من غير أم ولا أب كآدم-﵇، ومن البشر من خلق بلا أم، كحواء امرأة آدم، وسائر الناس من أب وأم. ٣ - إن الله يخلق ما يشاء كمّا وكيفا ونوعا، وبسبب معتاد وبسبب غير معتاد، لا حجر على الله ، يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء. ٤ - إثبات مشيئة الله تعالى لقوله: ﴿الله يخلق ما يشاء﴾. القرآن ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾ [آل عمران: ٤٨] التفسير: ويعلمه الكتابة، والسداد في القول والفعل، والتوراة التي أوحاها الله إلى موسى ﵇، والإنجيل الذي أنزل الله عليه. قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، أي: ويعلمه "الكتابة" (٨). قال ابن عباس: "الكتاب: الخط بالقلم" (٩). وروي عن يحيى بن أبي كثير، ومقاتل بن حيان، وعثمان بن عطاء مثل ذلك (١٠). وقال الحسن: "الكتاب: القرآن" (١١).

стр. 2326

قال ابن كثير: " الظاهر أن المراد بالكتاب هاهنا الكتابة" (١). قال الطبري: أي: " فيعلمه الكتاب، وهو الخطّ الذي يخطه بيده" (٢). قال البغوي: " أي الكتابة والخط" (٣). وقال القرطبي: " وقيل: هو كتاب غير التوراة والإنجيل علمه الله عيسى ﵇" (٤). قال الماتريدي: " بشارة منه لها -أيضا-: أنه يعلمه الكتاب ... ويحتمل ﴿الكتاب﴾ الكتاب نفسه: التوراة والإنجيل، ويحتمل ﴿الكتاب﴾: كتب النبيين" (٥). والظاهر-والله أعلم- أن ﴿الكتاب﴾: " أي: الكتابة، لأن الكتابة من أعظم نعم الله على عباده ولهذا امتن تعالى على عباده بتعليمهم بالقلم في أول سورة أنزلها فقال ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم﴾ " (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وجهان من القراءة (٧): أحدهما: ﴿وَيُعلِّمُهُ﴾ بالياء، ردًّا على قوله: ﴿كذلك الله يخلق ما يشاء﴾، ﴿ويعلمه الكتاب﴾. قرا بهذا الوجه نافع وعاصم. والثاني: ﴿وَنُعَلِّمُهُ﴾ بالنون، عطفًا به على قوله: ﴿نوحيه إليك﴾، كأنه قال: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، ونعلمه الكتاب. قرأ به ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. قال الطبري: و"قراءتان مختلفتان، غير مختلفتي المعاني، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الصوابَ في ذلك، لاتفاق معنى القراءتين، في أنه خبر عن الله بأنّه يعلم عيسى الكتاب، وما ذكر أنه يعلمه" (٨). قوله تعالى: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، أي: ويعلمه الحكمة. قال ابن عباس: " ﴿والحكمة﴾: الفقه وقضاء النبيين" (٩). قال قتادة: " الحكمة: السنة" (١٠). وروي عن الحسن (١١)، وأبي مالك (١٢)، ومقاتل بن حيان (١٣)، وابن جريج (١٤) مثله. وقال السدي: " ﴿والحكمة﴾، يعني: النبوة" (١٥). وقال زيد بن أسلم: " الحكمة: العقل في الدين" (١٦). قال الطبري: " وهي السنة التي يُوحيها إليه في غير كتاب" (١٧). قال البغوي: أي: " العلم والفقه" (١٨).

стр. 2327

قال الماتريدي: " ﴿والحكمة﴾: قيل: الحكم بين الخلق، وقيل: الفقه، وقيل: الحلال والحرام، وقيل: السنة، ﴿والحكمة﴾: هي الإصابة " (١). قال ابن عثيمين: " ﴿الحكمة﴾: يعني الشريعة، لأن الشريعة من الله، وكل ما كان من الله فهو متضمن للحكمة، قال تعالى لنبينا محمد- ﷺ : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] " (٢). قال السعدي: " والمراد بالحكمة معرفة أسرار الشرع، ووضع الأشياء مواضعها، فيكون ذلك امتنانا على عيسى ﵇ بتعليمه الكتابة والعلم والحكمة، وهذا هو الكمال للإنسان في نفسه" (٣). قوله تعالى: ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، أي: "ويعلمه التوراة والإنجيل" (٤). قال الزجاج: " أي يعلمه ذلك وحيا وإلهاما" (٥). قال محمد بن إسحاق: " أي: كتاب لم يسمعوا به جاءهم به، وكتاب قد سمعوا به مضى ودرس علمه من بين أظهرهم فرده به عليهم" (٦). قال قتادة: " كان عيسى يقرأ التوراةَ والإنجيل" (٧). قال محمد بن جعفر بن الزبير: " يعني أخبر الله مريم - ما يريد به فقال: ﴿ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة﴾ التي كانت فيهم من عهد موسى ﴿والإنجيل﴾، كتابًا آخر أحدثه إليه لم يكن عندهم علمه، إلا ذِكرُه أنه كائن من الأنبياء قبله" (٨). قال ابن كثير: " فالتوراة: هو الكتاب الذي أنزله الله على موسى بن عمران. والإنجيل: الذي أنزله الله على عيسى ﵉، وقد كان عيسى ﵇، يحفظ هذا وهذا" (٩). الفوائد: ١ - بيان فضيلة العلم، لقوله: ﴿ويعلمه الكتاب﴾.أي علمه الكتابة. ٢ - إن عيسى –﵇ كغيره من البشر لايعلم إلا ما علمه اللهـ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] ٣ - أن الانجيل هو الكتاب الذي أنزله تعالى على عيسى كمكمل للتوراة، كما قال تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [آل عمران: ٥٠]. ٤ - أن السنة هي شرع النبي الذي جاء به من الله، فعلمه الله الحكمة، لقوله: ﴿والحكمة﴾. القرآن ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾ [آل عمران: ٤٩] التفسير: ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل، ويقول لهم: إني قد جئتكم بعلامة من ربكم تدلُّ على أني مرسل من الله، وهي أني أصنع لكم من الطين مثل شكل الطير، فأنفخ فيه فيكون طيرًا حقيقيا بإذن الله، وأَشفي مَن وُلِد أعمى، ومَن به برص، وأُحيي من كان ميتًا بإذن الله، وأخبركم بما تأكلون وتدَّخرون في بيوتكم من طعامكم. إن في هذه

стр. 2328

الأمور العظيمة التي ليست في قدرة البشر لدليلا على أني نبي الله ورسوله، إن كنتم مصدِّقين حجج الله وآياته، مقرِّين بتوحيده. قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، "أي: ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل قائلا لهم: " (١). قال محمد بن إسحاق: " أي: رسول منه إليكم" (٢). قال الزمخشري: " وقرأ اليزيدي: ﴿ورسول﴾: عطفا على كلمة "أني قد جئتكم" أصله: أرسلت بأنى قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل" (٣). قوله تعالى: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]، "أي بأني قد جئتكم بعلامةٍ من ربكم تدل على صدقي" (٤). قال مقاتل: " يعني بعلامة" (٥). قال محمد بن إسحاق: " أي: يُحقق بها نبوّتي، أني رسولٌ منه إليكم" (٦). قال الطبري: "يعني: بعلامة من ربكم تحقق قولي، وتصدق خبري أني رسول من ربكم إليكم" (٧). قوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، أي: إني"أصوّر لكم من الطين مثل صورة الطير" (٨). قال الزمخشري: " أى: أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير" (٩). قال مقاتل: " فخلق الخفاش بإذن الله لأنه أشد الخلق إنما هو لحم وشيء يطير بغير ريش فطار بإذن الله" (١٠). قال ابن جريج: "قوله: ﴿أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير﴾، قال: أيّ الطير أشدّ خلقًا؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم. قال ففعل" (١١). قال ابن إسحاق: "إنّ عيسى صلوات الله عليه جلسَ يومًا مع غلمان من الكُتّاب، فأخذ طينًا، ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائرًا؟ قالوا: وتستطيع ذلك! قال: نعم! بإذن ربي. ثم هيّأه، حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه، ثم قال: " كن طائرًا بإذن الله "، فخرج يطيرُ بين كفيه. فخرج الغلمان بذلك من أمره، فذكروه لمعلّمهم فأفشوه في الناس. وترعرع، فهمَّت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمَيرِّ لها، ثم خرجت به هاربة" (١٢). وعن ابن إسحاق أيضا: " ثم جعل الله على يديه يعني: عيسى أمورا تدل به على قدرته في بعثه، بعث من يريد أن يبعث بعد الموت، وخلقه ما يشاء أن يخلق من شيء، يرى أو لا يرى فجعله ينفخ في الطين فيكون طيرا بإذن الله" (١٣). وقرأ نافع: ﴿أني أخلق﴾، بكسر الألف، على الاستئناف (١٤) قوله تعالى: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، " أي أنفخ في تلك الصورة فتصبح طيراً بإِذن الله" (١٥).

стр. 2329

قال الزمخشري: " وقيل: لم يخلق غير الخفاش" (١). وقرأ عبد الله: ﴿فأنفخها﴾ (٢). وقرأ نافع: ﴿فَيَكُونُ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، على التوحيد (٣)، وهي قراءة مخالفة لخط المصحف استبعدها الطبري (٤). قوله تعالى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، " أي وأشفي الذي ولد أعمى كما أشفي المصاب بالبرص" (٥). قال مقاتل: ﴿الْأَكْمَهَ﴾: " الذي ولدته أمه أعمى الذي لم ير النور قط فيرد الله بصره (٦). قال الثعلبي: " أي أشفيهما وأصححهما ... والأبرص الذي به وضح، وإنمّا خصّ هذين لأنهما عميان وكان الغالب على زمن عيسى الطبّ فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك داعيا لا دواء له" (٧). وقد اختلف أهل التفسير في معنى ﴿الأكمه﴾ على أقوال: أحدها: أنه الذي يُبصر بالنهار، ولايبصر بالليل. قاله مجاهد (٨). والثاني: أنه الأعمى الذي ولدته أمه كذلك ولم يبصر ضوءا قط. قاله ابن عباس (٩)، وقتادة (١٠)، ومقاتل بن سليمان (١١)، وأبو عبيدة (١٢)، والزجاج (١٣). ورجّحه ابن كثير، وقال: " وهو أشبه؛ لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي" (١٤). والثالث: أنه الأعمى على الإطلاق. وهذا قول الحسن (١٥)، والسدي (١٦)، وكذلك روي عن ابن عباس-في أحد قوليه- (١٧)، وقتادة-في أحد قوليه- (١٨)، وعكرمة- في أحد قوليه- (١٩). والرابع: أنه الأعمش. قاله عكرمة (٢٠). والراجح –والله أعلم- هو القول الثاني، أي: الذي يولد أعمى، وعليه الجمهور، كما يقول ابن حجر في فتح الباري؛ لأن إبراء الذي يولد أعمى هو الذي فيه المعجزة، أما من يصيب عينيه مرض عارض، فهذا قد يعالجه الطب البشري (٢١). والمشهور في كلام العرب، أن الأكمه، هو الأعمى، قال سويد بن أبي كاهل (٢٢): كَمَّهَتْ عَيْنَيْهِ حَتَّى ابْيَضّتَا ... فَهْوَ يَلْحَى نَفْسَهُ لَمَّا نزعْ ومنه قول رؤبة (٢٣): هَرَّجْتُ فَارْتَدَّ ارْتِدَادَ الأكْمَهِ ... فِي غَائِلاتِ الحَائِرِ المُتَهْتِهِ قوله تعالى: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، " أي وأحيي بعض الموتى بمشيئة الله وقدرته" (٢٤). قال مقاتل: " ففعل ذلك وهم ينظرون وكان صنيعه هذا آية من الله- بأنه نبي ورسول إلى بني إسرائيل، فأحيا سام بن نوح بن ملك من الموت بإذن الله، فقالوا له: إن هذا سحر فأرنا آية نعلم أنك صادق" (٢٥). روي عن عبدالصمد بن معفل، أنه سمع وهب بن منبه، قال: "لما صار عيسى ابن اثنتي عشرة سنة، أوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر، وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر: أنِ اطْلُعي به إلى الشام. ففعلت الذي أمرت به. فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه قال: وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفًا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله" (٢٦). قال الزمخشري: " وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر بإذن الله دفعا لوهم من توهم فيه اللاهوتية" (٢٧). قال الكلبي: "كان عيسى ﵇ يحيي الأموات بـ: يا حى يا قيوم" (٢٨). قال الثعلبي: " قيل: أحيا أربعة أنفس: عازر، وكان صدّيقا فأرسل أخته إلى عيسى أنّ أخاك عازر يموت فأته وكان بينه وبين داره ثلاثة أيّام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيّام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، فانطلقت معهم إلى قبره وهو في صخرة مطبقة. فقال عيسى: اللهم ربّ السموات السّبع والأرضين السّبع، إنّك أرسلتني إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك وأخبرهم أنّي أحيي الموتى بإذنك فأحيي عازر. قال: فقام عازر وودكه تقطر، فخرج من قبره وبقي وولد له. وابن العجوز مرّ به ميّتا على عيسى ﵇ على سرير يحمل فدعا الله عيسى ﵇ فجلس على سريره ونزّل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له. والبنت العاقر، قيل له: أتحييها وقد ماتت أمس؟ فدعا الله فعاشت فبقيت وولد لها. وسام بن نوح دعا عيسى ﵇ باسم الله الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه. فقال: قد قامت القيامة؟ قال: لا ولكني دعوتك باسم الله الأعظم. قال: ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزّمان. وكان سام قد عاش خمسمائة سنة وهو شاب" (٢٩)، "فكلمه؛ ومات من ساعته، وأما الثلاثة الذين أحياهم عاشوا، وولد لهم" (٣٠). وهذه الأخبار بصرف النظر عن إمكان وقوع ما ورد فيها، فإنها لا تعدو أن تكون من الإسرائيليات، التي وإن لم يكن عندنا ما ينفيها، فليس عندنا ما يصدقها من خبر صحيح عن الصادق المعصوم ﷺ . والاكتفاء بإجمال القرآن في مثل هذه المواطن، أولى من السير وراء تفصيلات أخبار، الله أعلم بصحتها ووقوعها. قال ابن كثير: " قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى، ﵇، السحر وتعظيم السحرة. فبعثه الله بمعجزة بَهَرَت الأبصار وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من الأبرار. وأما عيسى، ﵇، فبُعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه، والأبرص، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد ﷺ بعثه الله في زمن الفصحاء والبلغاء ونحارير

стр. 2330

الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله، ، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبهه كلام الخلق أبدًا" (١). قوله تعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]، أي: و"أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر له في بيته لغده" (٢). قال مجاهد: " يعني: ما أكلتم البارحة، [و] ما خبأتم منه" (٣). قال قتادة: " قال: أنبئكم بما تأكلون من المائدة , وما تدخرون منها , قال: وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا ولا يدخروا , فادخروا وخانوا , فجعلوا خنازير حين ادخروا , فذلك قوله تعالى: ﴿فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين﴾ [المائدة: ١١٥] " (٤). قال سعيد بن جبير: " لما ترعرع عيسى جاءت به أمه إلى الكتاب، فدفعته إليه فقعد مع الصبيان، وكان يخبر الصبيان بما يأكلون، وما تدخر لهم أمهاتهم في بيوتهم" (٥). وفي رواية ابن ابي حاتم عن سعيد بن جبير: " أن عيسى كان يقول للغلام في الكتاب: إن أهلك قد خبأوا لك من الطعام كذا وكذا، فهل تطعمني منه، فهو قوله: ﴿وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم﴾ " (٦). قال مقاتل: " وقال عيسى- ﷺ : أرأيتم إن أنا أخبرتكم وأنبئكم بما تأكلون في بيوتكم من الطعام فيها تقديم وما تدخرون في بيوتكم يعني وما ترفعون في غد تعلمون أني صادق. قالوا: نعم قال عيسى- ﷺ : فلان أكلت كذا وكذا، وشربت كذا وكذا، وأنت يا فلان أكلت كذا وكذا، وأنت يا فلان. فمنهم من آمن ومنهم من كفر" (٧). وقال الكلبي: " فلما أبرأ عيسى الأكمه والأبرص وأحيى الموتى قالوا: هذا سحر، ولكن أخبرنا بما نأكل وما ندخر وكان يخبر الرجل بما أكل من غدائه وبما يأكل في عشائه" (٨). قال الثعلبي: "وقرأ مجاهد وأيوب السختياني: ﴿تذخرون﴾، بالذال المعجمة وسكونها وفتح الخاء من ذخر يذخر ذخرا" (٩). قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]، " أي: في ذلك كله لعلامة على صدْقي فيما جئتكم به" (١٠). قال مقاتل: " يعني لعلامة لكم فيما أخبرتكم به" (١١). قال محمد بن إسحاق: " أي: رسول الله ﷺ من الله إليكم" (١٢). قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، أي: " إِن كنتم مصدّقين بآيات الله" (١٣). قال سعيد بن جبير: "يعني: مصدقين" (١٤). قال مقاتل: " يعني مصدقين بعيسى بأنه رسول" (١٥).

стр. 2331

الفوائد: ١ - أن عيسى-﵇ قد جاء بالبينة من الله، فكل رسول الى البشر لابد أن يأتي بآية. ٢ - تقييد فعل عيسى بإذن الله، فيدل أن الرسل-عليهم الصلام والسلام- لايملكون شيئا من الربوبية، لأن الربوبية حق الله الخالص الذي لايشركه فيه أحد، وفي ذلك ردّ على النصارى في زعمهم ان عيسى-﵇ له حق في الربوبية، وكذبوا في ذلك فعيسى عبدالله ورسوله. ٣ - إن الإيمان يحمل صاحبه على قبول الآيات التي جاءت بها الرسل، لقوله: : ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. القرآن ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾ [آل عمران: ٥٠] التفسير: وجئتكم مصدقًا بما في التوراة، ولأحلَّ لكم بوحي من الله بعض ما حرَّمه الله عليكم تخفيفًا من الله ورحمة، وجئتكم بحجة من ربكم على صدق ما أقول لكم، فاتقوا الله ولا تخالفوا أمره، وأطيعوني فيما أبلغكم به عن الله. قوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [آل عمران: ٥٠]، "أي وجيئتكم مصدقاً لرسالة موسى، مؤيداً لما جاء به في التوراة" (١). قال محمد بن إسحاق: " أي لما سبقني منها" (٢). قال ابن كثير: "﴾ أي: مقرر لهم ومُثَبّت" (٣). روي عن عبد الصمد بن معقل: "أنه سمع وهب بن منبه يقول: إن عيسى كان على شريعة موسى ﷺ ، وكانَ يسبِت، ويستقبل بيت المقدس، فقال لبني إسرائيل: إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة، إلا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، وأضع عنكم من الآصار" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، "أي ولأحلّ لكم بعض ما كان محرماً عليكم في شريعة موسى" (٥). قال محمد بن جعفر بن الزبير: " أي: أخبركم أنه كان حرامًا عليكم فتركتموه، ثم أحله لكم تخفيفًا عنكم، فتصيبون يُسْرَه، وتخرجون من تِباعَته" (٦). قال مقاتل: " من اللحوم والشحوم وكل ذي ظفر والسمك فهذا البعض الذي أحل لهم غير السبت فإنهم يقومون عليه فوضع عنهم في الإنجيل ذلك" (٧). قال ابن كثير: " فيه دلالة على أن عيسى، ﵇، نسَخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئًا، وإنما أحَلّ لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطؤوا، فكشف لهم عن المغطى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣] " (٨). قال الحسن: ": كان حرّم عليهم أشياء، فجاءهم عيسى ليحلّ لهم الذي حرّم عليهم، يبتغي بذلك شُكْرهم" (٩). قال قتادة: " كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حُرّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبل والثُّروب (١٠)، وأشياء من الطير والحيتان" (١١).

стр. 2332

قال الربيع: " كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى. قال: كان حرم عليهم فيما جاء به موسى من التوراة: لحوم الإبل، والثروب، فأحلها لهم على لسان عيسى، وحرمت عليهم أشياء من الطير مالا صيصة له، في الإنجيل، فكان الذي جاء به عيسى ألين مما جاءهم به موسى" (١). قال ابن جريج: ": لحوم الإبل والشحوم. لما بُعث عيسى أحلَّها لهم، وبُعث إلى اليهود فاختلفوا وتفرّقوا" (٢). قال الزجاج: " قال أبو عبيدة: معنى: ﴿ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾، قال معناه: كل الذي حرم عليكم، وهذا مستحيل في اللغة وفي التفسير" (٣). قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، "أي وجئتكم بعلامة من عند ربكم، شاهدة على صحة رسالتي" (٤). قال ابن كثير: " أي: بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم" (٥). قال مقاتل: أي: " بعلامة من ربكم يعني العجائب التي كان يصنعها الله" (٦). قال مجاهد: " ما بيَّن لهم عيسى من الأشياء كلها، وما أعطاه ربه" (٧). قال الطبري: أي: " وجئتكم بحجة وعبرة من ربكم، تعلمون بها حقيقةَ ما أقول لكم" (٨). قال الزجاج: " أي لم احل لكم شيئا بغير برهان، فهو حق عليكم اتباعي لأني أنبئكم ببرهان، وتحليل طيبات كانت حرمت عليكم" (٩). قال البغوي: " يعني: ما ذكر من الآيات، وإنما وحدها لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على رسالته" (١٠). قال الزمخشري: " وقرأ عبد الله. وجئتكم بآيات من ربكم" (١١). قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [آل عمران: ٥٠]، " أي خافوا الله وأطيعوا أمري" (١٢). قال ابن عطية: " تحذير ودعاء إلى الله تعالى" (١٣). قال مقاتل: "يعني: فوحدوا الله وأطيعون فيما آمركم به من النصيحة فإنه لا شريك له" (١٤). أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿فاتقوا الله﴾، قال: "يعني: المؤمنين، يحذرهم" (١٥). قال الزمخشري: أي: " فاتقوا الله لما جئتكم به من الآيات، وأطيعونى فيما أدعوكم إليه" (١٦). الفوائد: ١ - أن عيسى ابن مريم جاء بما يصدق به التوراة، فشاهد صدق التوراة بأنه حق، كما انه مطابق لما أخبر به عيسى-﵇. ٢ - جواز النسخ في الشرائع، لقوله: : ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾.

стр. 2333

٣ - تكرار الأمور الهامة لقوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. ٤ - إن الطاعة مشترك بين الرسل وبين الله ، وأما التقوى فهي خاصة بالله، لقوله: : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. ٥ - أن التقوى واجبة في كل شريعة ولكن المتقى به قد يختلف باختلاف الشرائع، قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عمران: ٥١] التفسير: إن الله الذي أدعوكم إليه هو وحده ربي وربكم فاعبدوه، فأنا وأنتم سواء في العبودية والخضوع له، وهذا هو الطريق الذي لا اعوجاج فيه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [آل عمران: ٥٠]، أي: إن الله ربي وربكم "فاجعلوا عبادتكم له وحده" (١). قال النسفي: " إقرار بالعبودية ونفي للربوبية عن نفسه بخلاف ما يزعم النصارى" (٢). قال المراغي: " وهذا أمر لهم بالاعتقاد الحق وهو التوحيد، ثم بملازمة الطاعة بالقيام بأداء ما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه" (٣). قال ابن كثير: " أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه" (٤). قال أبو زهرة: " أي أن الله تعالى خلقني وهو الذي يربني ويكلؤني ويحييني، وهو أيضا الذي خلقكم وينميكم ويكلؤكم ويحييكم، وإذا كان كذلك فحق علينا أن نعبده وحده ولا نشرك به أحدا سواه، فإن العبادة تكون شكرا لهذه النعمة، وقياما بحقها، وصلاحا لأمر الناس في هذه الدنيا" (٥). قال الراغب: " لما وصف عيسى نفسه بأفعال إلهية، وأتى على ما ذكر، وكان قد قال: ﴿وأطيعون﴾ خطر له ما فعلته جماعة من النصارى، وهو اتخاذهم إياه معبودهم، فقال: ﴿إن الله ربي وربكم﴾، ولم يقل: ربنا، ليكون أبعد من التأويل فيما ادعوه، وأمر بأن يعبد الله وحده" (٦). وقرئ ﴿أَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾، بفتح الالف، قال الطبري: «إن» بدل من «آية»، في قوله ﴿جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ (٧)، وضعفه ابن عطية (٨). قوله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥٠]، " أي: هذا طريق الدين مستويا" (٩). قال السمعاني: " أي: طريق واضح" (١٠). قال المراغي: " أي هذا الذي أمرتكم به هو الطريق السوىّ الذي أجمع عليه الرسل قاطبة، وهو الموصل إلى خيرى الدنيا والآخرة" (١١). قال الصابوني: " أي فإِن تقوى الله وعبادته، والإِقرار بوحدانيته هو الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه" (١٢).

стр. 2334

قال الراغب: "وقال: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، تنبيها أن العدول عن ذلك ليس بالمستقيم" (١). الفوائد: ١ - عموم ربوبية الله للبشر، لقوله: ﴿ربي وربكم﴾، وربوبية الله ثابتة لكل السماوات والأرض ومن فيهن، قال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦]. ٢ - أن عيسى مربوب وليس ربّا، لقوله: ﴿ربي وربكم﴾. ٣ - الرد على النصارى في دعواهم أن الله ثالث ثلاثة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣]. ٤ - وجوب العبادة لله تعالى وحده، وأن الإقرار بالربوبية مستلزم للإقرار بالعبودية، لقوله: ﴿فاعبدوه﴾. ٥ - أن الصراط المستقيم عبادة الله، لقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، وعبادة الله هي اتباع شرعه المرسل . القرآن ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾ [آل عمران: ٥٢] التفسير: فلما استشعر عيسى منهم التصميم على الكفر نادى في أصحابه الخُلَّص: مَن يكون معي في نصرة دين الله؟ قال أصفياء عيسى: نحن أنصار دين الله والداعون إليه، صدَّقنا بالله واتبعناك، واشهد أنت يا عيسى بأنا مستسلمون لله بالتوحيد والطاعة. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، "أي استشعر عيسى من اليهود التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال" (٢). قال الطبري: أي: ": فلما وَجد عيسى - من بني إسرائيل الذين أرسله الله إليهم - جحودًا لنبوّته، وتكذيبًا لقوله، وصدًّا عما دعاهم إليه من أمر الله " (٣). قال ابن كثير: " أي: استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال" (٤). قال ابن جريج: " كفروا وأرادوا قتله فذلك حين استنصر قومه فذلك حين يقول: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤]﴾ (٥) " (٦). قال الزجاج: " معنى أحس فى اللغة علم ووجد، ويقال هل أحست في معنى هل أحسست ويقال حسيت بالشيء إذا علمته وعرفته" (٧). و"الإحساس"، هو الوجود، ومنه قول الله : ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [سورة مريم: ٩٨]. فأما "الحَسُّ"، بغير"ألف"، فهو الإفناء والقتل، ومنه قوله: ﴿إذ تحسونهم بإذنه﴾ [سورة آل عمران: ١٥٢]. و"الحَسُّ" أيضًا العطف والرقة، ومنه قول الكميت (٨): هَلْ مَنْ بَكَى الدَّارَ رَاجٍ أَنْ تَحِسَّ لَهُ، ... أَوْ يُبْكِيَ الدَّارَ مَاءُ العَبْرَةِ الخَضِلُ؟ يعني بقوله: أن تحس له، أن ترقّ له (٩). قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، "أي: قال: من أنصاري في الدعوة إِلى الله" (١٠).

стр. 2335

وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، أربعة أقوال: أحدها: أنه: يعني من أنصاري مع الله. قاله السدي (١)، وابن جريج (٢)، وسفيان الثوري (٣). قال الزجاج: " و (إلى) ههنا إنما قاربت (مع) معنى بأن صار اللفظ لو عبر عنه بـ " مع " أفاد مثل هذا المعنى، لا أن (إلى) في معنى " مع "" (٤). والثاني: أن المعنى: من أنصاري في السبيل إلى الله. وهذا قول الحسن (٥). والثالث: أن معناه: من يتبعني إلى الله. قاله مجاهد (٦). والرابع: أن معناه: من ينصرني إلى نصر الله. قاله الماوردي (٧). قال ابن كثير: " وقول مجاهد أقربُ، والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي ﷺ يقول في مواسم الحج، قبل أن يهاجر: "مَنْ رَجُل يُؤْوِيني عَلى أن أبلغ كلامَ رَبِّي، فإنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي" (٨)، حتى وجد الأنصار فآووه ونصروه، وهاجر إليهم فآسوه ومنعوه من الأسود والأحمر. وهكذا عيسى ابن مريم، انْتدَبَ له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه" (٩). قوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، "أي قال المؤمنون الأصفياء من أَتباعه نحن أنصار دين الله" (١٠). قال محمد بن إسحاق: " هذا قولهم الذي أصابوا الفضل من ربهم" (١١). قال الماوردي: "وأصل الحواري: الحَوَر وهو شدة البياض، ومنه الحواري من الطعام لشدة بياضه، والحَوَر نقاء بياض العين " (١٢). واخْتُلِف في تسميتهم بالحواريين على أقاويل: أحدها: انهم سُمُّوا بذلك لبياض ثيابهم، وهذا قول ابن عباس (١٣)، وسعيد بن جبير (١٤)، ومسلم البطين (١٥). والثاني: أنهم كانوا قَصَّارين يبيضون الثياب، وهذا قول ابن أبي نجيح (١٦)، والضحاك (١٧) في -أحد قوليه-. والثالث: أنهم خاصة الأنبياء وصفوتهم، سموا بذلك لنقاء قلوبهم، وهذا قول قتادة (١٨) -في أحد قوليه-، والضحاك (١٩)، ورجّحه الزجاج (٢٠). والرابع: ان الحواري: الناصر. قاله سفيان بن عيينة (٢١).

стр. 2336

والخامس: أن الحواري: الوزير. قاله قتادة (١). قال الطبري: " وأشبه الأقوال في معنى "الحواريين"، قولُ من قال: " سموا بذلك لبياض ثيابهم، ولأنهم كانوا غسّالين" (٢). قال ابن كثير: "والصحيح أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما نَدبَ الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدَبَ الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال: "إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَاريًا وَحَوَارِيي الزُّبَيْرُ"" (٣) " (٤). واختلفوا في سبب استنصار المسيح بالحواريين على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه استنصر بهم طلباً للحماية من الكفار الذين أرادوا قتله حين أظهر دعوته. وهذا قول مجاهد (٥). والثاني: أنه استنصر بهم ليتمكن من إقامة الحجة وإظهار الحق. وهذا معنى قول السدي (٦)، والحسن (٧). والثالث: لتمييز المؤمن الموافق من الكافر المخالف. أفاده الماوردي (٨). قوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، أي: " صدقنا بالله، واشهد أنتَ يا عيسى بأننا مسلمون" (٩). قال محمد بن إسحاق: " ﴿واشهد بأنا مسلمون﴾، لا ما يقول هؤلاء الذين يحاجونك فيه" (١٠). الفوائد: ١ - عتو بني إسرائيل، واهم مع هذه الآيات العظيمة التي جاء بها عيسى-﵇ لم يؤمنوا منهم احد. ٢ - فضيلة الإخلاص، والصفوة المخلصين في الدعوة الى الدين. ٣ - ينبغي للانسان أن يعلن اتباعه للرسول بين أئمة الكفر حتى لا يداهن في دين الله، لأن المداهنة في دين الله والتقية نفاق في الواقع. ٤ - من فوائد الآية: أن النصارى مسلمون لقوله: ﴿واشهد بأنا مسلمون﴾، إلا أنهم مسلمون بالمعنى العام، وذلك ان كل انسان متبع لرسول شرعه قائم فهو مسلم، وأما إذا وجد ما ينسخه فلايسمى مسلما إلا إذا اتبع الشرع الجديد. القرآن ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣] التفسير: ربنا صدَّقنا بما أنزلت من الإنجيل، واتبعنا رسولك عيسى ﵇، فاجعلنا ممن شهدوا لك بالوحدانية ولأنبيائك بالرسالة، وهم أمة محمد ﷺ الذين يشهدون للرسل بأنهم بلَّغوا أممهم. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، أي: ربنا صدّقنا بما أنزلت على نبيّك عيسى من كتابك" (١١). قال الماتريدي: " يعني - والله أعلم -: بما أنزلت من الكتب السماوية التي أنزلها على الرسل جميعا، فإن أرادوا بما أنزلت على عيسى ﵇ فالإيمان بواحد من الكتب أو بواحد من الرسل: إيمان بالكتب كلها وبالرسل جميعا" (١٢).

стр. 2337

قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، : أي: "صرنا أتباع عيسى على دينك الذي ابتعثته به" (١). قال مجمد بن إسحاق: " أي هكذا كان قولهم وإيمانهم" (٢). قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، " أي: فاكتبنا مع الذين شهدوا للأنبياء بالتصديق" (٣). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس: " ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: أمة محمد ﷺ " (٤). وفي رواية ابن المنذر عن ابن عباس: " مع محمد وأمته إنهم شهدوا له أنه بلغ، وشهدوا للرسل أنهم بلغوا " (٥). ونقل الكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس: " ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: مع أصحاب محمد ﷺ " (٦). قال الطبري: أي: " فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق، وأقرُّوا لك بالتوحيد، وصدّقوا رسلك، واتبعوا أمرك ونهيك، فاجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به من كرامتك، وأحِلَّنا محلهم، ولا تجعلنا ممن كفر بك، وصدَّ عن سبيلك، وخالف أمرك ونهيك" (٧). قال الزجاج: " وحقيقة الشاهد أنه الذي يبين تصحيح دعوى المدعي، فالمعنى صدقنا بالله واعترفنا بصحة ما جاء به النبي ﷺ وثبتنا، فاكتبنا مع من فعل فعلنا" (٨). الفوائد: ١ - فضيلة الحواريين في لجوئهم إلى الله تعالى، إذ قالوا: ﴿ربنا آمنا بما انزلت﴾. ٢ - التوسل الى الله تعالى بربوبيته، لأن الربوبية تدور على ثلاثة اشياء، وهي: الخلق، والملك، والتدبير، وإجابة الدعاء داخل في هذه الثلاثة. ٣ - شمولية الإيمان لكل ما انزل الله، لقوله: ﴿ربنا آمنا بما انزلت﴾. ٤ - الإشارة الى تحريف التوراة، يتبيّن ذلك من احتراز الحواريين في قولهم: ﴿بما أنزلت﴾، إذ لم يطلقوا الإيمان مثلا بالتوراة، وذلك لتحريفها بيد اليهود. ٥ - ان الإيمان لابدّ له من اتباع، لقوله: ﴿واتبعنا الرسول﴾، ولذلك يقرن الله تعالى بين الإيمان والعمل الصالح في آيات كثيرة في القران الكريم. ٦ - فضيلة صحبة الأخيار لقوله، ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾، لذلك يجب على الانسان أن يختار من الجلساء أصلهم، لأن الجليس الصالح كله خير، والجليس السوء كله شر. القرآن ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤] التفسير: ومكر الذين كفروا من بني إسرائيل بعيسى ﵇، بأن وكَّلوا به من يقتله غِيْلة، فألقى الله شَبَه عيسى على رجل دلَّهم عليه فأمسكوا به، وقتلوه وصلبوه ظناً منهم أنه عيسى ﵇، والله خير الماكرين. وفي هذا إثبات صفة المكر لله -تعالى- على ما يليق بجلاله وكماله; لأنه مكر بحق، وفي مقابلة مكر الماكرين. قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٤]، أي: " ومكر الذين كفروا من بني إسرائيل" (٩). قال ابن أبي زمنين: أي: " مكروا بقتل عيسى" (١٠).

стр. 2338

قال الطبري: " وكان مكرهم الذي وصفهم الله به، مُواطأة بعضهم بعضًا على الفتك بعيسى وقَتْله" (١). قال ابن عباس: " يريد: أن عامة بني إسرائيل كفروا به، وهموا بقتله، وتواطئوا على الفتك به، فذلك مكرهم به" (٢). قال الماتريدي: أي: " مكروا بنبي الله عيسى ﵇ حيث كذبوه وهموا بقتله" (٣). قال الواحدي: " أصل "المكر" في اللغة: السعي في الفساد في خفية، ومداجاة" (٤). قال الزجاج: يقال: "مكر الليل، وأمكر": إذا أظلم" (٥). قوله تعالى: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، أي: " ومكر الله بهم فأهلكهم، ورفع عيسى إليه" (٦). قال أبو عبيدة: يعني"أهلكهم الله" (٧). قال السمرقندي: " أي جازاهم جزاء المكر" (٨). قال الزمخشري: وذلك" أن رفع عيسى إلى السماء وألفى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل" (٩). قال عبدالقاهر الجرجاني: أي: " صونه عيسى عن بأسهم وصرفه الشرّ إليهم في الدنيا والآخرة من حيث لا يشعرون، وإنما قيل: ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ لأن إيصال الشر ما يمدح وذلك إذا كان مع العدو من غير غدر وخيانة، فالله متصف به خير الماكرين" (١٠). قال مقاتل: " وذلك أن كفار بني إسرائيل عمدوا إلى رجل فجعلوه رقيبا على عيسى ليقتلوه فجعل الله شبه عيسى على الرقيب فأخذوا الرقيب فقتلوه وصلبوه، وظنوا أنه عيسى، ورفع الله- عيسى إلى سماء الدنيا من بيت المقدس، ليلة القدر في رمضان، فذلك قوله- سبحانه-: ﴿ومكروا﴾ بعيسى ليقتلوه يعني اليهود ﴿ومكر الله﴾ بهم حين قتل رقيبهم وصاحبهم" (١١). قال السدي: " ثم إن بني إسرائيل حَصروا عيسى وتسعةَ عشر رجلا من الحواريِّين في بيت، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة؟ فأخذها رجل منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماء، فذلك قوله: ﴿ومكرُوا ومكر الله والله خير الماكرين﴾، فلما خرج الحواريون أبصرُوهم تسعةَ عشر، فأخبروهم أن عيسى قد صُعد به إلى السماء، فجعلوا يعدّون القوم فيجدُونهم ينقصون رجلا من العِدّة، ويرون صورةَ عيسى فيهم، فشكُّوا فيه. وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يُرَوْن أنه عيسى وصَلبوه، فذلك قول الله : ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٥٧] " (١٢). ونقل الثعلبي عن ابن عباس: "إنّ ملك بني إسرائيل أراد قتل عيسى، وقصده أعوانه. فدخل خوخة فيها كوّة، فرفعه جبرئيل من الكوّة إلى السماء. فقال الملك: لرجل منهم خبيث أدخل عليه فاقتله فدخل الخوخة فألقى الله عليه شبه عيسى فخرج إلى النّاس فخبرّهم أنّه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه وظنّوا أنّه عيسى" (١٣).

стр. 2339

وفي المعنى نفسه نقل الواحدي عن ابن عباس: " وذلك أن أحد الإنجيلية ممن آمن به، نافق، فدل عليه، فجعله الله تعالى في سورة عيسى، فأخذ فصلب" (١). قال أهل التواريخ: "حملت مريم بعيسى ولها ثلاثة عشر سنة ودارت بعيسى بيت اللحم من أرض أورشليم لمضي خمسة وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل، ولإحدى وخمسين سنة مضت من ملك الكلدانيين وأوحى الله لأمّه على رأس ثلاثين سنة، ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاثين سنة وكانت نبوّته ثلاث سنين، وعاشت أمّه مريم بعد رفعه ستّ سنين" (٢). قال ابن الجوزي: " قال سعيد بن المسيب: رفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقال مقاتل: رفع من بيت المقدس ليلة القدر في رمضان. وقيل: عاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين. ويقال: ماتت قبل رفعه" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ثلاثة أقوال: أحدهما: أنهم مكروا بالمسيح ﵇ بالحيلة عليه في قتله، ومكر الله في ردهم بالخيبة لإلقاء شبه المسيح على غيره، وهو معنى قول السدي (٤)، ومحمد بن إسحاق (٥). والثاني: مكروا بإضمار الكفر، ومكر الله بمجازاتهم بالعقوبة. وهذا معنى قول الفراء (٦). والثالث: أن مكره بهم أن سلط عليهم فارس، فقتلوهم، وسبوا ذراريهم، لقوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا﴾ [الإسراء: ٥]. قاله الأصم (٧). قال الزجاج: " المكر من الخلائق خب وخداع، والمكر من الله المجازاة على ذلك فسمي باسم ذلك لأنه مجازاة عليه كما قال : ﴿الله يستهزئ بهم﴾، فجعل مجازاتهم على الاستهزاء بالعذاب، لفظه لفظ الاستهزاء، وكما قال جل وعز: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فالأولى سيئة والمجازاة عليها سميت باسمها، وليست في الحقيقة سيئة. وجائز أن يكون مكر الله استدراجهم من حيث لا يعلمون لأن الله سلط عليهم فارس فغلبتهم وقتلتهم، والدليل على ذلك قوله : ﴿الم (١) غلبت الروم (٢) في أدنى الأرض (٣)﴾ [الروم: ١ - ٣]. وقيل في التفسير أيضا إن مكر الله بهم كان في أمر عيسى أنه ﷺ كان في بيت فيه كوة فدخل رجل ليقتله، ورفع عيسى من البيت وخرج الرجل في شبهه يخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه. وجملة المكر من الله مجازاتهم على ما فعلوا" (٨). قال الواحدي: " قال أهل المعاني: المكر من المخلوقين: خب وخداع، وهو من الله: استدراجه العباد، قال الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] و [القلم: ٤٤]، قال ابن عباس في تفسيره: كلما أحدثوا خطيئة، جددنا لهم نعمة، وليس المراد بـ ﴿مكر الله﴾ في هذه الآية، هذا الوجه. ووجه ﴿مكر الله﴾ بهم في هذه القصة، ما قال الزجاج" (٩). قال الماوردي: وإنما جاز قوله: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ على مزواجة الكلام وإن خرج عن حكمه، نحو قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وليس الثاني اعتداءً، وأصل المكر: الالتفاف، ولذلك سمي الشجر الملتف مكراً، والمكر هو الاحتيال على الإنسان لالتفاف المكروه به، والفرق بين

стр. 2340

المكر والحيلة أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من غير قصد إلى الإضرار، والمكر: التوصل إلى إيقاع المكروه به" (١). قال الراغب: " المكر في الأصل: حيلة يجلب بها الإنسان إلى مفسدة. وحيلة قد تقال فيما يجلب به إلى مصلحة، وقد يقال في ذلك المكر والخديعة اعتبارا بظاهر الفعل دون المقصد، والحكيم قد يفعل ما صورته صورة المكر، ولكن قصده المصلحة لا المفسدة هذا سئل بعض المحققين عن مكر الله فأنشد (٢): وَيُقَبِّحُ مِنْ سِوَاك الْفِعْل عِنْدِي ... وَتَفْعَلُهُ فَيُحْسِنُ مِنْك ذاكا فإذن مكر الله قد يكون تارة فعلا يقصد به مصلحة، ويكون تارة جزاء المكر، ويكون تارة بأن لا يقبح مكرهم في عينهم، وذاك بانقطاع التوفيق عنهم وتزيين ذلك في أعينهم، حتى كأنه زينه في أعينهم ومكر بهم، ويكون تارة بإعطائهم ما يريدون من دنياهم. فإذا أعطاهم واستعملوه على غير ما يحب، فكأنه مكر بهم، واستدرجهم من حيث لا يعلمون" (٣). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]، أي: والله: " أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب" (٤). قال مقاتل: " يعني: أفضل مكرا منهم" (٥). قال الثعلبي: " أي أفضل المعاقبين" (٦). قال الواحدي: " أي: أفضل المجازين بالسيئة العقوبة" (٧). قال ابن عثيمين: أي: " ما من أحد يمكر إلا ومكر الله فوقه وخير منه" (٨). قال الماتريدي: " أي: خير الجازين أهل الجور بالعدل، وأهل الخير بالفضل .. والمكر: هو الأخذ بالغفلة، والله يأخذهم بالحق من حيث لا يعلمون؛ فسمي مكرا لذلك؛ كما يقال: امتحنه الله وهو الاستظهار، ولكن لا يراد به هذا في حق الله" (٩). الفوائد: ١ - كيد ومكر أعداء الرسل للرسل وأتباعهم، لقوله: ﴿ومكروا﴾. ٢ - لايوصف الله بالمكر على سبيل الاطلاق، بل يقال: إن الله يمكر بمن يمكر به، ليعود المكر صفة كمال، لأن المكر إذا ذكر مطلقا صار محتملا للنقص، فإذا ذكر مقيدا بأن قيل: إن الله يمكر بمن يمكر به وبأوليائه، صار صفة كمال تدل على قوة الله وإحاطة علمه، وأن علمه ادق من علم هؤلاء الماكرين على عباد الله بالأسباب الخفية والطرق الملتوية. القرآن ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾ [آل عمران: ٥٥] التفسير: ومكر الله بهم حين قال الله لعيسى: إني قابضك من الأرض من غير أن ينالك سوء، ورافعك إليَّ ببدنك وروحك، ومخلصك من الذين كفروا بك، وجاعل الذين اتبعوك -أي على دينك وما جئت به عن الله من الدين

стр. 2341

والبشارة بمحمد ﷺ وآمَنوا بمحمد ﷺ ، بعد بعثته، والتزموا شريعته- ظاهرين على الذين جحدوا نبوتك إلى يوم القيامة، ثم إليّ مصيركم جميعًا يوم الحساب، فأفصِل بينكم فيما كنتم فيه تختلفون من أمر عيسى ﵇. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، أي: " إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ" (١). قال الحسن: " رفعه إليه وهو عنده في السماء" (٢). وقد اختلف المفسرون في معنى "التوفي" في قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]، على أقوال: أحدها: أن معناه: إني قابضك برفعك إلى السماء من غير وفاة بموت، وهذا قول الحسن (٣)، وابن جريج (٤)، وابن زيد (٥)، والكلبي (٦)، ومطر الورّاق (٧)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (٨). قال الثعلبي: " يدل عليه قوله فلما ﴿تَوَفَّيْتَنِي﴾ [المائدة: ١١٧]، أي: قبضتني إلى السماء وأنا حي، لأن قومه إنما تنصروا بعد رفعه لا بعد موته. وعلى هذا القول للتوفي تأويلان: أحدهما: إني رافعك إلي وافيا لن ينالوا منك. من قولهم: توفيت كذا واستوفيته أي أخذته تاما (٩). والآخر: إني مسلمك، من قولهم: توفيت منه كذا أي سلمته" (١٠). والثاني: متوفيك وفاة نوم للرفع إلى السماء، وهذا قول الربيع (١١). والمعنى: " ورافعك وأنت نائم، حتى لا يلحقك خوف، وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب" (١٢). ورجّحه ابن كثير، فقال: " وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] وكان رسول الله ﷺ يقول - إذا قام من النوم -: "الْحَمْدُ لله الَّذِي أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا وإلَيْهِ النُّشُورُ" (١٣)، وقال الله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا. وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٦ - ١٥٩] والضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عائد على عيسى، ﵇، أي: وإن من أهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، على ما سيأتي بيانه، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلّهم؛ لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام" (١٤). قال الثعلبي: " يدل عليه قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، أي: ينيمكم، لأن النوم أخو الموت، وقوله الله: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] " (١٥). والثالث: متوفيك وفاة بموت، وهذا قول ابن عباس (١٦)، ووهب بن منبه (١٧)، وضعّفه الطبري (١٨)، والواحدي (١٩). ومعنى الآية على هذا الوجه: " قال الله لعيسى: إني متوفيك حين يأتي أجلك. ولن أسلطهم عليك ليقتلوك. وقد حقق الله وعده إذ ألقى شبهه على يهوذا فقتلوه، وأنجى عيسى ورفعه إليه. وسيبقى إلى آخر الزمان ليبلغ شريعة محمد ﷺ للناس. ثم يتوفاه بعد ذلك ... فالآية على هذا كناية عن عصمته من الأعداء، مشفوعة بالبشارة برفعته" (٢٠). قال الثعلبي: " يدل عليه: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، وقوله: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ [يونس: ٤٦]، وله على هذا القول تأويلان: أحدهما: ما قال وهب: «توفى الله عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه» (٢١) (٢٢). والآخر: ما قاله الضحاك وجماعة من أهل المعاني: إن في الكلام تقديما وتأخيرا، معناه إني رافعك إلي ... ومطهرك من الذين كفروا: ومتوفيك بعد إنزالك من السماء كقوله : ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩]. وقال الشاعر (٢٣): ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام أي عليك السلام ورحمة الله. وقال آخر (٢٤): جمعت وعيبا نخوة ونميمة ... ثلاث خصال لسن من ترعوي أي جمعت نخوة ونميمة وعيبا. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «الأنبياء إخوة لعلات شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه عامل على أمتي وخليفتي عليهم، إذا رأيتموه فاعرفوه

стр. 2342

فإنه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الشعر كأن شعره ممطر وإن لم يصبه بلل، بين ممصرتين يدق الصليب ويقتل الخنزير ويفيض المال، وليسلكن الروحاء حاجا أو معتمرا أو كلتيهما جميعا، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملك كلها ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذاب الدجال، ويقع في الأرض الأمنة حتى يرتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الأغنام، ويلعب الصبيان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا، ويلبث في الأرض أربعين سنة» (١). وفي رواية كعب: «أربعا وعشرين سنة، ثم يتزوج ويولد، ثم يتوفى ويصلي المسلمون عليه ويدفنونه في حجرة النبي ﷺ » (٢). وقيل للحسن بن الفضل: «هل تجد نزول عيسى ﵇ في القرآن. فقال: نعم. قوله: ﴿وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦]، وهو لم يكتهل في الدنيا، وإنما معناه: وكهلا بعد نزوله من السماء» (٣). وعن محمد بن إبراهيم أن أمير المؤمنين أبا جعفر حدثه عن الآية عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها والمهدي من أهل بيتي في أوسطها» (٤) " (٥). والرابع: أنه من المقدم والمؤخر، بمعنى: رافعك ومتوفيك بعده، وهذا قول الفراء (٦). والخامس: وقيل: أن معناه: إني متوفيك عن شهواتك وحظوظ نفسك، قاله أبو بكر محمد بن موسى الواسطي (٧). قال البيضاوي: " أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت" (٨). وحسّنه الثعلبي قائلا: "ولقد أحسن فيما قال، لأن عيسى لما رفع إلى السماء صار حاله كحال الملائكة" (٩). والسادس. وقيل: أجعلك كالمتوفى، لأنه بالرفع يشبهه (١٠). والسابع: وقيل: آخذك وافيا بروحك وبدنك (١١). والثامن: وقيل: متوفيك: متقبل عملك (١٢). قال أبو حيان: "ويضعف هذا من جهة اللفظ" (١٣). والتاسع: وقيل: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾: " معناه: رافعك إلى كرامتي" (١٤). قال الثعلبي: " وقيل: معناه رافعك بالدرجة في الجنة ومقربك إلى الإكرام" (١٥).

стр. 2343

والراجح-والله أعلم- ان المعنى: "إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ، لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال، ثم يمكث في الأرض مدة ذكَرها، اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه" (١). قال ابن عطية: وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من: "أن عيسى في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويفيض العدل، وتظهر به الملة، ملة محمد ﷺ ، ويحج البيت، ويعتمر، ويبقى في الأرض أربعا وعشرين سنة، وقيل: أربعين سنة ثم يميته الله تعالى" (٢). قال البشالي والشيباني: كان عيسى على [ .... ] (٣) فهبت ريح فهرول عيسى ﵇ فرفعه الله في هرولته، وعليه مدرعة من الشعر" (٤). قال ابن عباس: "ما لبس موسى إلا الصوف وما لبس عيسى إلا الشعر حتى رفع" (٥). قوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]، أي: "ومخلّصك من الذين جحدوا بما جئتهم به من الحق" (٦). قال الحسن: ": طهَّره من اليهود والنصارى والمجوس ومن كفار قومه" (٧). قال الثعلبي: " أي مخرجك من بينهم ومنجيك منهم" (٨). قال ابن كثير: " أي: برفعي إياك إلى السماء" (٩). قال البيضاوي: أي: " من سوء جوارهم أو قصدهم" (١٠). قال سعيد حوى: " أي: من سوء جوارهم، وخبث صحبتهم؛ برفعي إياك إلى السماء" (١١). وقيل: " أن تطهيره منهم هو منعهم من قتله" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥]، أي: " وجاعل الذين اتبعوك على منهاجِك وملَّتك من الإسلام وفطرته، فوق الذين جحدوا نبوّتك وخالفوا سبيلهم" (١٣) إلى يوم القيامة. قال النسفي: " أي المسلمين، لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى" (١٤). قال قتادة: " هم أهلُ الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسُنته، فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة" (١٥). قال ابن جريج: ": ناصرُ من اتبعك على الإسلام، على الذين كفروا إلى يوم القيامة" (١٦). قال السدي: " أما ﴿الذين اتبعوك﴾، فيقال: هم المؤمنون، ويقال: بل هم الرّوم" (١٧).

стр. 2344

قال الحسن: " جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. قال: المسلمون من فوقهم، وجعلهم أعلى ممن ترك الإسلام إلى يوم القيامة" (١). وفي رواية أخرى عن الحسن: " هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته، لا يزالون ظاهرين على أهل الشرك إلى يوم القيامة" (٢). قال الربيع: هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته، وملته، وسنته لا يزالون ظاهرين على أهل الشرك إلى يوم القيامة" (٣). وقال ابن زيد في قول الله: ﴿ومطهرك من الذين كفروا﴾: قال: الذين كفروا من بني إسرائيل، ﴿وجاعل الذين اتبعوك﴾: قال: الذين آمنوا به من بني إسرائيل وغيرهم، ﴿فوق الذين كفروا﴾: النصارى فوقَ اليهود إلى يوم القيامة. قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ من النصارى، إلا وهم فوق يهودَ، في شرقٍ ولا غرب، هم في البلدان كلِّها مستذلون" (٤). قال ابن كثير: " وهكذا وقع؛ فإن المسيح، ﵇، لما رفعه الله إلى السماء تَفَرَّقت أصحابه شيَعًا بعده؛ فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورَد على كل فريق، فاستمروا كذلك قريبا من ثلاثمائة سنة، ثم نَبَع لهم ملك من ملوك اليونان، يقال له: قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفا، وقيل: جهلا منه، إلا أنه بَدل لهم دين المسيح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبيرة - التي هي الخيانة الحقيرة - وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصَلّوا له إلى المشرق وصوروا له الكنائس، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه، فيما يزعمون. وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارت ما يزيد على اثنى عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه الطائفة المَلْكِيَّة منهم. وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيَّدهم الله عليهم لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفار، عليهم لعائن الله فلما بعث الله محمدًا ﷺ ، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق - كانوا هم أتباع كُل نبي على وجه الأرض - إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي، خاتم الرسل، وسيد ولد آدم، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أمته، الذين يزعمون أنهم على ملّته وطريقته، مع ما قد حَرّفوا وبدلوا " (٥). وذكر أهل العلم في معنى "الفوقية" في قوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥]، ثلاثة أوجه من التفسير (٦): أحدها: أنهم فوقهم بالبرهان والحجة. رجّحه الراغب (٧). والثاني: أنهم فوقهم في اليد والبسطة والعز والغلبة. قاله ابن زيد (٨). والثالث: أنهم فوقهم يوم القيامة في الجنة، إذ هم في الغرفات آمنون، والذين كفروا في أسفل السافلين! (٩) قال النسفي: " يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف" (١٠). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥] وجوه:

стр. 2345

أحدها: أنهم المسلمون من أمة محمد ﵇، لأنهم صدقوا بنبوته، وأنه روح الله وكلمته، فو الله ما اتبعه من دعاه ربا (١)، ومعنى الآية: أن الذين آمنوا به فوق الذين كذّبوه وكذَبوا عليه، وهذا قول السدي (٢)، الحسن (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، وابن جريج (٦)، والشعبي (٧)، ومقاتل (٨)، والكلبي (٩)، ورجّحه الزجاج (١٠). والثاني: أنهم النصارى فوق اليهود، لأن النصارى أعز واليهود أذل. وهذا معنى قول ابن زيد (١١). قال الماوردي: " وفي هذا دليل على أنه لا يكون مملكة إلى يوم القيامة بخلاف الروم " (١٢). والثالث: أنهم الحواريون فوق الذين كفروا. قاله الضحاك (١٣) ومحمد بن ابان (١٤). والرابع: وقيل: هم الروم. حكاه السدي (١٥). وعلى القول بأنهم: النصارى أو الحواريون، "يكون معنى الاتباع الادعاء والمحبة لا اتباع الدين والملة" (١٦). والراجح أن متبعوه " هم المسلمون، لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع، دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى" (١٧). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٥]، : أي "ثم مصيركم إليّ يوم البعث" (١٨). قال أبو العالية: " يرجعون إليه بعد الحياة" (١٩). قال السمرقندي: " يعني الذين اتبعوك، والذين كفروا كلهم مرجعهم إليّ " (٢٠). قوله تعالى: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥]، أي: " فأقضي حينئذ بين جميعكم بالحق فيما كنتم تختلفون فيه من أمر عيسى" (٢١). قال الثعلبي: يعني: "من الدين وأمر عيسى ﵇" (٢٢). قال السمرقندي: أي: " بين المؤمنين والكفار من الدين" (٢٣). قال أبو حيان: " هذا إخبار بالحشر والبعث، والمعنى ثم إلى حكمي، وهذا عندي من الالتفات" (٢٤). قال المراغي: " وهذا شامل للمسيح والمختلفين معه، وشامل للاختلاف بين أتباعه والكافرين به" (٢٥).

стр. 2346

قال ابن عطية: " الخطاب لعيسى، والمراد الإخبار بالقيامة والحشر فلذلك جاء اللفظ عاما من حيث الأمر في نفسه لا يخص عيسى وحده فكأنه قال له: ثُمَّ إِلَيَّ، أي إلى حكمي وعدلي، يرجع الناس، فخاطبه كما تخاطب الجماعة إذ هو أحدها، وإذ هي مرادة في المعنى، وفي قوله تعالى: فَأَحْكُمُ إلى آخر الآية وعد لعيسى والمؤمنين ووعيد للكافرين" (١). الفوائد: ١ - في هذه الآية دليل على علو الله تعالى واستوائه على عرشه حقيقة، كما دلت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تلقاها أهل السنة بالقبول والإيمان والتسليم (٢). ٢ - تذكرة احوال الأنبياء السابقين لما فيها من محبتهم والثناء عليهم ومعرفة أحوالهم وإبقاء ذكراهم. ٣ - الرد على من قال: إن كلام الله هو المعنى النفسي القائم بنفسه، لأن ذلك لايسمى قولا، وإن اطلق عليه القول فلابد ان يقيد كما في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]، وأما إذا جاء القول غير مقيد فالمراد به ما يسمع. ٤ - فضيلة عيسى ومنقبته بخطاب الله إياه. ٥ - أن الله تعالى رفع عيسى بجسمه، لقوله: ﴿ورافعك﴾، والخطاب لعيسى المون من بدن وروح فيكون رفعه ببدنه. ٦ - ومنها: إثبات منقبة لرسولنا الكريم- ﷺ إذ رفعه الله في الاسراء والمعراج وهو يقظان، وعيسى لم يرفع إلا وهو نائم، وذلك على قول من قال أن معنى: ﴿متوفيك﴾ أي منيمك. ٧ - أن أتباع عيسى منصورون إلى يوم القيامة، لقوله: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وأتباعه هم امة محمد- ﷺ ، واما من كفر بمحمد-﵇ فهو لم يتبع عيسى. ٨ - ومنها: إثبات يوم القيامة، لقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وأنه يوم الجزاء، فقال: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾. ٩ - إن مرجع الخلائق إلى ربهم غذ تكون النهاية إليه وحده، لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. ١٠ - إثبات حكم الله تعالى في الدنيا والآخرة، قال: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، هذا في الآخرة، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، فهو تعالى الحكم في الدنيا والآخرة. ١١ - بشارة المؤمنين بأن خلافهم مع الكفار سوف يجري فيه الحكم على يد الواحد القهار الحكم العدل الذي يظلم مثال ذكرة، وقد أخبرنا تعالى ان الخاصم الغالب هم المؤمنون، فقال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. ١٢ - إثبات علم الله تعالى، لأنه لا حكم إلا بعد علم. القرآن ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)﴾ [آل عمران: ٥٦] التفسير: فأمَّا الذين كفروا بالمسيح من اليهود أو غَلَوا فيه من النصارى، فأعذبهم عذابًا شديدًا في الدنيا: بالقتل وسلْبِ الأموال وإزالة الملك، وفي الآخرة بالنار، وما لهم مِن ناصر ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٦]، أي: " فأما الذين جَحدوا نبوّتك يا عيسى وخالفوا ملتك" (٣). قوله تعالى: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٥٦]، أي: " فإني أعذبهم عذابًا شديدًا، أما في الدنيا فبالقتل والسباء والذلة والمسكنة، وأما في الآخرة فبنار جهنم" (٤). قال أبو مالك: " فهم أصحاب النار يعذبون فيها" (٥).

стр. 2347

قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٦]، " أي ليس لهم ناصر يمنع عنهم عذاب الله" (١). قال الطبري: " وما لهم من عذاب الله مانعٌ، ولا عن أليم عقابه لهم دافع بقوة ولا شفاعة، لأنه العزيز ذُو الانتقام" (٢). الفوائد: ١ - إثبات العذاب للكافرين، لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. ٢ - ومن الفوائد: أن العذاب في الدنيا قد لايغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، بل لهم الهزيمة والخزي في الدنيا، وهم لاينجون من عذاب النار يوم القيامة. ٣ - إثبات الجزاء، وأن الجزاء من جنس العمل، لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. ٤ - أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، فلا تنفعهم الشفاعة في الآخرة. القرآن القرآن ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)﴾ [آل عمران: ٥٧] التفسير: وأما الذين آمنوا بالله ورسله وعملوا الأعمال الصالحة، فيعطيهم الله ثواب أعمالهم كاملا غير منقوص. والله لا يحب الظالمين بالشرك والكفر. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [آل عمران: ٥٧]، أي: وأما "الذين آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به، وعملوا الأعمال الصالحات" (٣). قال ابن عباس: "يقول: أدوا فرائضي" (٤). وعنه أيضا: "الأعمال الصالحة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" (٥). قال زيد بن أسلم: " رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃" (٦). قال الطبري: أي: " وأما الذين صدّقوك يا عيسى وأقرّوا بنبوتك وبما جئتهم من الحق وعملوا بما فرضت من فرائضي على لسانك" (٧). قوله تعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [آل عمران: ٥٧]، أي: ": فيعطيهم جزاءَ أعمالهم الصالحة كاملا لا يُبخسون منه شيئًا ولا يُنقصونه" (٨). قال مقاتل: " يعني فيوفوا أجورهم في الآخرة" (٩). قال ابن كثير: " أي: في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات" (١٠). وقرأ الحسن وحفص ويونس: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ بالياء، والباقون بالنون (١١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]، "أي: والله لا يحبُّ من ظلم غيرَه حقًا له، فكيف يظلم عباده" (١٢). قال سفيان بن عيينة: " لا يقرب الظالمين" (١٣).

стр. 2348

قال ابن عباس: "قوله: ﴿الظالمين﴾، يقول: الكافرين" (١). قال أبو عبيدة: " أي: الكافرين" (٢). قال محمد ابن إسحاق: " ﴿الظالمين﴾: أي المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة وقلوبهم مصرة على المعصية" (٣). قال السمعاني: " أي: لا يرحم الكافرين، ولا يثني عليهم بالجميل" (٤). قال ابن أبي زمنين: يعني: المشركين" (٥). قال الزجاج: " أي لا يرحمهم، ويعذبهم ولا يثني عليهم خيرا، هذا معنى البغض من الله، ومعنى المحبة منه الرحمة والمغفرة والثناء والجميل" (٦). قال الماتريدي: " لأنه لا يحب الظلم" (٧). قال السمرقندي: " أي لا يرضى دين الكافرين" (٨). قال الراغب: " تنبيه أنه لا يظلم خلقه، فمن لا يحب شيئا لا يتعاطاه مع استغنائه عنه" (٩). الفوائد: ١ - أن وفاء الأجر مرتبط بوصفين، هما: الإيمان والعمل الصالح، عليه فإن الإيمان وحده لا يكفي، بل لابد من عمل صالح ينمي هذا الإيمان ويشهد صحته. ٢ - أن العمل لاينفع إلا إذا كان صالحا، وأن العمل الصالح ما جمع بين وصفين: الإخلاص واتباع الرسول- ﷺ . ٣ - منة الله على عباده إذ جعل هذا الجزا كالاجور اللازم وفاؤها، لقوله: ﴿فيوفيهم أجورهم﴾. ٤ - إثبات المحبة لله تعالى، لقوله: ﴿والله لايحب الظالمين﴾، إذ أن نفي المحبة عن الظالمين دليل على ثبوتها لغيرهم. والله أعلم. ٥ - شؤم الظلم على الانسان وأنه من الذنوب التي تكون سببا لانتفاء محبة الله له، وبالتالي هلاك العبد. القرآن ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ [آل عمران: ٥٨] التفسير: ذلك الذي نقصُّه عليك في شأن عيسى، من الدلائل الواضحة على صحة رسالتك، وصحة القرآن الحكيم الذي يفصل بين الحق والباطل، فلا شك فيه ولا امتراء. في سبب نزول الآية: قال الحسن: " أتى رسول الله ﷺ راهبا من نجران فقال أحدهما: من أبو عيسى؟ وكان رسول الله ﷺ لا يعجل حتى يأمره ربه، فنزل عليه: ﴿ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم﴾ إلى قوله: ﴿من الممترين﴾ " (١٠). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٥٨]، "أي هذه الأنباء التي نقصها عليك يا محمد" (١١). قال محمد ابن إسحاق: " ﴿ذلك نتلوه عليك﴾ يا محمد من الآيات" (١٢).

стр. 2349

قال ابن كثير: " أي: هذا الذي قَصَصْنَاه عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره" (١). قوله تعالى: ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨]، " أي من آيات القرآن الكريم المحكم" (٢). قال ابن كثير: أي: " هو مما قاله الله تعالى، وأوحاه إليك ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك" (٣). قال محمد بن إسحاق: ﴿والذكر الحكيم﴾: القاطع الفاصل الحق الذي لم يخلطه الباطل من الخبر عن عيسى وعن ما اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلن خبرا غيره" (٤). عن علي-﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: ستكون فتن- قلت: فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله هو الذكر الحكيم والصراط المستقيم" (٥). الفوائد: ١ - أن الله تعالى تكلّم في القرآن فقال: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، إذ كانت التلاوة لله حقيقة، ونقلها جبريل إلى الرسول- ﷺ . ٢ - أن القرآن الكريم آيات عظيمة لايحصيها البشر، يجدها ويتدبرها من فتح الله قلبه بالإيمان والعمل الصالح. ٣ - أن القرآن ذكر، ذكر يتقرب إلى الله به وذكر يتذكر به الإنسان، فهو شامل لهذا وهذا. ٤ - ومنها: وصف القرآن العظيم بهذا الوصف العظيم وهو الحكمة والذكر الحكيم، والحكيم هنا بمعنى الحاكم والمحكم، لأن القرآن حكم بين الناس، فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، أي إلى كتابه، فهو حكم، وهو أيضا محكم متقن ليس فيه اختلاف ولا اضطراب ولا تناقض. ٥ - فضيلة الرسول- ﷺ ٠ لقوله: ﴿نتلوه عليك﴾، فخصه – ﷺ بالتلاوة لأنه- ﷺ أشرف من يتلقى القرآن، وأقوم الناس عملا به، فكأنه هو المخصوص بالتلاوة عليه. القرآن ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩] التفسير: إنَّ خَلْقَ الله لعيسى من غير أب مثَلُه كمثل خلق الله لآدم من غير أب ولا أم، إذ خلقه من تراب الأرض، ثم قال له: «كن بشرًا» فكان. فدعوى إلهية عيسى لكونه خلق من غير أب دعوى باطلة; فآدم ﵇ خلق من غير أب ولا أم، واتفق الجميع على أنه عَبْد من عباد الله. سبب النزول: قال ابن عباس: " وذلك أن رهطًا من أهل نجران قدموا على محمد ﷺ وكان فيهم السيّد والعاقب فقالوا لمحمد: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ فقال: من هو؟ قالوا: عيسَى، تزعم أنه عبدُ الله! فقال محمد: أجل، إنه عبد الله. قالوا له: فهل رأيت مثلَ عيسى، أو أنبئت به؟ ثم خرجوا من عنده، فجاءه جبريل ﷺ بأمر ربِّنا السميع العليم فقال: قل لهم إذا أتوك: ﴿إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾، إلى آخر الآية" (٦). وروي عن قتادة (٧)، والسدي (٨)، وابن جريج (٩)، وابن زيد (١٠)، والحسن (١١)، والأزرق بن قيس (١٢)، مثل ذلك. قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]، " أي: إِن شأن عيسى إِذ خلقه بلا أب - وهو في بابه غريب - كشأن آدم" (١٣). قوله تعالى: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، أي: خلقه من تراب من غير أب ولا أم، ثم قال له كن فكان" (١٤). قال محمد بن جعفر بن الزبير: " فإن قالوا: خُلق عيسى من غير ذكر، فقد خلقت آدمَ من تراب بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر، فكان كما كانَ عيسى لحمًا ودمًا وشعرًا وبَشرًا، فليس خلقُ عيسى من غير ذكر بأعجبَ من هذا" (١٥). قال ابن كثير: " والذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى بكونه مخلوقا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادًا. ولكن الرب، ، أراد أن يظهر قدرته لخلقه، حين خَلَق آدم لا من ذكر ولا من أنثى؛ وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١] " (١٦). الفوائد: ١ - من الفوائد: بيان إقامة الحجة بمثل ما يحتج به الخصم، لأنه أقام الحجة على النصارى بمثل ما احتجوا به، فقال: إذا قلتم: إن عيسى ابن الله، لأنه خلقة بلا أب، فقولوا: إن آدم ابن الله، وإلا فأنتم متناقضون. ٢ - ومنها: بيان قدرة الله تعالى إذ خلق ىدم من غير أم ولا أب، وخلق عيسى من أم بلا أب. ٣ - إثبات القياس، وذلك في قوله: ﴿كمثل آدم﴾، وكل مثل مضروب في القرآن فإنه دليل على ثبوت القياس، لأنه إلحاق المورد بالمضروب، يعني: أنك ألحقت الممثل بالممثل به. ٤ - إثبات القول للرب ، لقوله: ﴿ثم قال له﴾. ٥ - إثبات صفة الخلق لله، وهي صفة فعلية، وجنس الصفات الفعلية ذاتية، لأن الله لم يزل ولايزل فعّالا. القرآن ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ [آل عمران: ٦٠] التفسير: الحق الذي لا شك فيه في أمر عيسى هو الذي جاءك -أيها الرسول- من ربك، فدم على يقينك، وعلى ما أنت عليه من ترك الافتراء، ولا تكن من الشاكِّين، وفي هذا تثبيت وطمأنة لرسول الله ﷺ .

стр. 2350

قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [آل عمران: ٦٠]، أي: " هذا الذي قصّ عليك هو الحق" (١). قال محمد بن جعفر بن الزبير: " ما جاءك من الخبر عن عيسى" (٢). قال مقاتل: "يعني: من هذا الذي قال الله في عيسى " (٣). قال ابن كثير: " أي: هذا القول هو الحق في عيسى، الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه " (٤). قال الزجاج: أي: " الذي أنبأناك به في قصة عيسى ﵇ هو الحق من ربك" (٥). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠]، أي: "فلا تكن من الشاكين" (٦). قال ابن عباس: " قال الحسن: يقول: يا محمد فلا تكن في شك مما قالا" (٧). قال قتادة: "يعني: فلا تكن في شكّ من عيسى أنه كمثل آدم، عبدُ الله ورسوله، وكلمةُ الله ورُوحه" (٨). قال الربيع: "، يقول: فلا تكن في شكّ مما قصصنا عليك أنّ عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمةٌ منه ورُوحٌ، وأنّ مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تُراب ثم قال له كن فيكون" (٩). قال محمد بن جعفر بن الزبير: " أي: قد جاءك الحق من ربك فلا تمتَرِ فيه" (١٠). قال الثعلبي: " الخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته لأنه لم يكن ينهاه في أمر عيسى" (١١). الفوائد: ١ - أن الله لايصدر عنه إلا الحق. ٢ - فضيلة رسول الله- ﷺ بإضافة الربوبية إليه، وهي ربوبية خاصة تفيد معنى أخص من الربوبية العامة. ٣ - النهي عن الشك فيما اخبر الله به. ٤ - ومنها: أن الممترين كثيرون لقوله ﴿من الممترين﴾، وإن كان يحتمل أن يراد به الجنس فيصدق بواحد، ولكن الظاهر الأول. ٥ - جواز المخاطبة بالتعريض، لأن قوله: ﴿فلا تكن من الممترين﴾، لا يعني أن الرسول يمكن أن يكون منهم، بل هو تعريض بهؤلاء وأنهم ذوو خلق سيء فلا تكن منهم وإن كان هو ليس منهم لا باعتبار الواقع ولا المستقبل. القرآن ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران: ٦١] التفسير: فمَن جادلك -أيها الرسول- في المسيح عيسى ابن مريم من بعد ما جاءك من العلم في أمر عيسى ﵇، فقل لهم: تعالوا نُحْضِر أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نتجه إلى الله بالدعاء أن يُنزل عقوبته ولعنته على الكاذبين في قولهم، المصرِّين على عنادهم. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٦١]، أي: "فمن خاصمك وجادلك في أمر عيسى" (١٢). قال الربيع: " يقول: من حاجك في عيسى" (١٣).
следующие страницы →