قال ابن عطية: " الخطاب لعيسى، والمراد الإخبار بالقيامة والحشر فلذلك جاء اللفظ عاما من حيث الأمر في نفسه لا يخص عيسى وحده فكأنه قال له: ثُمَّ إِلَيَّ، أي إلى حكمي وعدلي، يرجع الناس، فخاطبه كما تخاطب الجماعة إذ هو أحدها، وإذ هي مرادة في المعنى، وفي قوله تعالى: فَأَحْكُمُ إلى آخر الآية وعد لعيسى والمؤمنين ووعيد للكافرين" (١).
الفوائد:
١ - في هذه الآية دليل على علو الله تعالى واستوائه على عرشه حقيقة، كما دلت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تلقاها أهل السنة بالقبول والإيمان والتسليم (٢).
٢ - تذكرة احوال الأنبياء السابقين لما فيها من محبتهم والثناء عليهم ومعرفة أحوالهم وإبقاء ذكراهم.
٣ - الرد على من قال: إن كلام الله هو المعنى النفسي القائم بنفسه، لأن ذلك لايسمى قولا، وإن اطلق عليه القول فلابد ان يقيد كما في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]، وأما إذا جاء القول غير مقيد فالمراد به ما يسمع.
٤ - فضيلة عيسى ومنقبته بخطاب الله إياه.
٥ - أن الله تعالى رفع عيسى بجسمه، لقوله: ﴿ورافعك﴾، والخطاب لعيسى المون من بدن وروح فيكون رفعه ببدنه.
٦ - ومنها: إثبات منقبة لرسولنا الكريم- ﷺ إذ رفعه الله في الاسراء والمعراج وهو يقظان، وعيسى لم يرفع إلا وهو نائم، وذلك على قول من قال أن معنى: ﴿متوفيك﴾ أي منيمك.
٧ - أن أتباع عيسى منصورون إلى يوم القيامة، لقوله: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وأتباعه هم امة محمد- ﷺ ، واما من كفر بمحمد-﵇ فهو لم يتبع عيسى.
٨ - ومنها: إثبات يوم القيامة، لقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وأنه يوم الجزاء، فقال: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾.
٩ - إن مرجع الخلائق إلى ربهم غذ تكون النهاية إليه وحده، لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾.
١٠ - إثبات حكم الله تعالى في الدنيا والآخرة، قال: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، هذا في الآخرة، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، فهو تعالى الحكم في الدنيا والآخرة.
١١ - بشارة المؤمنين بأن خلافهم مع الكفار سوف يجري فيه الحكم على يد الواحد القهار الحكم العدل الذي يظلم مثال ذكرة، وقد أخبرنا تعالى ان الخاصم الغالب هم المؤمنون، فقال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
١٢ - إثبات علم الله تعالى، لأنه لا حكم إلا بعد علم.
القرآن
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)﴾ [آل عمران: ٥٦]
التفسير:
فأمَّا الذين كفروا بالمسيح من اليهود أو غَلَوا فيه من النصارى، فأعذبهم عذابًا شديدًا في الدنيا: بالقتل وسلْبِ الأموال وإزالة الملك، وفي الآخرة بالنار، وما لهم مِن ناصر ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله.
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٦]، أي: " فأما الذين جَحدوا نبوّتك يا عيسى وخالفوا ملتك" (٣).
قوله تعالى: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٥٦]، أي: " فإني أعذبهم عذابًا شديدًا، أما في الدنيا فبالقتل والسباء والذلة والمسكنة، وأما في الآخرة فبنار جهنم" (٤).
قال أبو مالك: " فهم أصحاب النار يعذبون فيها" (٥).
стр. 2347
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٦]، " أي ليس لهم ناصر يمنع عنهم عذاب الله" (١).
قال الطبري: " وما لهم من عذاب الله مانعٌ، ولا عن أليم عقابه لهم دافع بقوة ولا شفاعة، لأنه العزيز ذُو الانتقام" (٢).
الفوائد:
١ - إثبات العذاب للكافرين، لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
٢ - ومن الفوائد: أن العذاب في الدنيا قد لايغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، بل لهم الهزيمة والخزي في الدنيا، وهم لاينجون من عذاب النار يوم القيامة.
٣ - إثبات الجزاء، وأن الجزاء من جنس العمل، لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
٤ - أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، فلا تنفعهم الشفاعة في الآخرة. القرآن
القرآن
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)﴾ [آل عمران: ٥٧]
التفسير:
وأما الذين آمنوا بالله ورسله وعملوا الأعمال الصالحة، فيعطيهم الله ثواب أعمالهم كاملا غير منقوص. والله لا يحب الظالمين بالشرك والكفر.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [آل عمران: ٥٧]، أي: وأما "الذين آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به، وعملوا الأعمال الصالحات" (٣).
قال ابن عباس: "يقول: أدوا فرائضي" (٤).
وعنه أيضا: "الأعمال الصالحة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" (٥).
قال زيد بن أسلم: " رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃" (٦).
قال الطبري: أي: " وأما الذين صدّقوك يا عيسى وأقرّوا بنبوتك وبما جئتهم من الحق وعملوا بما فرضت من فرائضي على لسانك" (٧).
قوله تعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [آل عمران: ٥٧]، أي: ": فيعطيهم جزاءَ أعمالهم الصالحة كاملا لا يُبخسون منه شيئًا ولا يُنقصونه" (٨).
قال مقاتل: " يعني فيوفوا أجورهم في الآخرة" (٩).
قال ابن كثير: " أي: في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات" (١٠).
وقرأ الحسن وحفص ويونس: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ بالياء، والباقون بالنون (١١).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]، "أي: والله لا يحبُّ من ظلم غيرَه حقًا له، فكيف يظلم عباده" (١٢).
قال سفيان بن عيينة: " لا يقرب الظالمين" (١٣).
стр. 2348
قال ابن عباس: "قوله: ﴿الظالمين﴾، يقول: الكافرين" (١).
قال أبو عبيدة: " أي: الكافرين" (٢).
قال محمد ابن إسحاق: " ﴿الظالمين﴾: أي المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة وقلوبهم مصرة على المعصية" (٣).
قال السمعاني: " أي: لا يرحم الكافرين، ولا يثني عليهم بالجميل" (٤).
قال ابن أبي زمنين: يعني: المشركين" (٥).
قال الزجاج: " أي لا يرحمهم، ويعذبهم ولا يثني عليهم خيرا، هذا معنى البغض من الله، ومعنى المحبة منه الرحمة والمغفرة والثناء والجميل" (٦).
قال الماتريدي: " لأنه لا يحب الظلم" (٧).
قال السمرقندي: " أي لا يرضى دين الكافرين" (٨).
قال الراغب: " تنبيه أنه لا يظلم خلقه، فمن لا يحب شيئا لا يتعاطاه مع استغنائه عنه" (٩).
الفوائد:
١ - أن وفاء الأجر مرتبط بوصفين، هما: الإيمان والعمل الصالح، عليه فإن الإيمان وحده لا يكفي، بل لابد من عمل صالح ينمي هذا الإيمان ويشهد صحته.
٢ - أن العمل لاينفع إلا إذا كان صالحا، وأن العمل الصالح ما جمع بين وصفين: الإخلاص واتباع الرسول- ﷺ .
٣ - منة الله على عباده إذ جعل هذا الجزا كالاجور اللازم وفاؤها، لقوله: ﴿فيوفيهم أجورهم﴾.
٤ - إثبات المحبة لله تعالى، لقوله: ﴿والله لايحب الظالمين﴾، إذ أن نفي المحبة عن الظالمين دليل على ثبوتها لغيرهم. والله أعلم.
٥ - شؤم الظلم على الانسان وأنه من الذنوب التي تكون سببا لانتفاء محبة الله له، وبالتالي هلاك العبد.
القرآن
﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ [آل عمران: ٥٨]
التفسير:
ذلك الذي نقصُّه عليك في شأن عيسى، من الدلائل الواضحة على صحة رسالتك، وصحة القرآن الحكيم الذي يفصل بين الحق والباطل، فلا شك فيه ولا امتراء.
في سبب نزول الآية: قال الحسن: " أتى رسول الله ﷺ راهبا من نجران فقال أحدهما: من أبو عيسى؟ وكان رسول الله ﷺ لا يعجل حتى يأمره ربه، فنزل عليه: ﴿ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم﴾ إلى قوله: ﴿من الممترين﴾ " (١٠).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٥٨]، "أي هذه الأنباء التي نقصها عليك يا محمد" (١١).
قال محمد ابن إسحاق: " ﴿ذلك نتلوه عليك﴾ يا محمد من الآيات" (١٢).
стр. 2349
قال ابن كثير: " أي: هذا الذي قَصَصْنَاه عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره" (١).
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨]، " أي من آيات القرآن الكريم المحكم" (٢).
قال ابن كثير: أي: " هو مما قاله الله تعالى، وأوحاه إليك ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك" (٣).
قال محمد بن إسحاق: ﴿والذكر الحكيم﴾: القاطع الفاصل الحق الذي لم يخلطه الباطل من الخبر عن عيسى وعن ما اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلن خبرا غيره" (٤).
عن علي-﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: ستكون فتن- قلت: فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله هو الذكر الحكيم والصراط المستقيم" (٥).
الفوائد:
١ - أن الله تعالى تكلّم في القرآن فقال: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، إذ كانت التلاوة لله حقيقة، ونقلها جبريل إلى الرسول- ﷺ .
٢ - أن القرآن الكريم آيات عظيمة لايحصيها البشر، يجدها ويتدبرها من فتح الله قلبه بالإيمان والعمل الصالح.
٣ - أن القرآن ذكر، ذكر يتقرب إلى الله به وذكر يتذكر به الإنسان، فهو شامل لهذا وهذا.
٤ - ومنها: وصف القرآن العظيم بهذا الوصف العظيم وهو الحكمة والذكر الحكيم، والحكيم هنا بمعنى الحاكم والمحكم، لأن القرآن حكم بين الناس، فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، أي إلى كتابه، فهو حكم، وهو أيضا محكم متقن ليس فيه اختلاف ولا اضطراب ولا تناقض.
٥ - فضيلة الرسول- ﷺ ٠ لقوله: ﴿نتلوه عليك﴾، فخصه – ﷺ بالتلاوة لأنه- ﷺ أشرف من يتلقى القرآن، وأقوم الناس عملا به، فكأنه هو المخصوص بالتلاوة عليه.
القرآن
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩]
التفسير:
إنَّ خَلْقَ الله لعيسى من غير أب مثَلُه كمثل خلق الله لآدم من غير أب ولا أم، إذ خلقه من تراب الأرض، ثم قال له: «كن بشرًا» فكان. فدعوى إلهية عيسى لكونه خلق من غير أب دعوى باطلة; فآدم ﵇ خلق من غير أب ولا أم، واتفق الجميع على أنه عَبْد من عباد الله.
سبب النزول:
قال ابن عباس: " وذلك أن رهطًا من أهل نجران قدموا على محمد ﷺ وكان فيهم السيّد والعاقب فقالوا لمحمد: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ فقال: من هو؟ قالوا: عيسَى، تزعم أنه عبدُ الله! فقال محمد: أجل، إنه عبد الله. قالوا له: فهل رأيت مثلَ عيسى، أو أنبئت به؟ ثم خرجوا من عنده، فجاءه جبريل ﷺ بأمر ربِّنا السميع العليم فقال: قل لهم إذا أتوك: ﴿إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾، إلى آخر الآية" (٦).
وروي عن قتادة (٧)، والسدي (٨)، وابن جريج (٩)، وابن زيد (١٠)، والحسن (١١)، والأزرق بن قيس (١٢)، مثل ذلك.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]، " أي: إِن شأن عيسى إِذ خلقه بلا أب - وهو في بابه غريب - كشأن آدم" (١٣).
قوله تعالى: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، أي: خلقه من تراب من غير أب ولا أم، ثم قال له كن فكان" (١٤).
قال محمد بن جعفر بن الزبير: " فإن قالوا: خُلق عيسى من غير ذكر، فقد خلقت آدمَ من تراب بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر، فكان كما كانَ عيسى لحمًا ودمًا وشعرًا وبَشرًا، فليس خلقُ عيسى من غير ذكر بأعجبَ من هذا" (١٥).
قال ابن كثير: " والذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى بكونه مخلوقا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادًا. ولكن الرب، ، أراد أن يظهر قدرته لخلقه، حين خَلَق آدم لا من ذكر ولا من أنثى؛ وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١] " (١٦).
الفوائد:
١ - من الفوائد: بيان إقامة الحجة بمثل ما يحتج به الخصم، لأنه أقام الحجة على النصارى بمثل ما احتجوا به، فقال: إذا قلتم: إن عيسى ابن الله، لأنه خلقة بلا أب، فقولوا: إن آدم ابن الله، وإلا فأنتم متناقضون.
٢ - ومنها: بيان قدرة الله تعالى إذ خلق ىدم من غير أم ولا أب، وخلق عيسى من أم بلا أب.
٣ - إثبات القياس، وذلك في قوله: ﴿كمثل آدم﴾، وكل مثل مضروب في القرآن فإنه دليل على ثبوت القياس، لأنه إلحاق المورد بالمضروب، يعني: أنك ألحقت الممثل بالممثل به.
٤ - إثبات القول للرب ، لقوله: ﴿ثم قال له﴾.
٥ - إثبات صفة الخلق لله، وهي صفة فعلية، وجنس الصفات الفعلية ذاتية، لأن الله لم يزل ولايزل فعّالا.
القرآن
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ [آل عمران: ٦٠]
التفسير:
الحق الذي لا شك فيه في أمر عيسى هو الذي جاءك -أيها الرسول- من ربك، فدم على يقينك، وعلى ما أنت عليه من ترك الافتراء، ولا تكن من الشاكِّين، وفي هذا تثبيت وطمأنة لرسول الله ﷺ .
стр. 2350
قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [آل عمران: ٦٠]، أي: " هذا الذي قصّ عليك هو الحق" (١).
قال محمد بن جعفر بن الزبير: " ما جاءك من الخبر عن عيسى" (٢).
قال مقاتل: "يعني: من هذا الذي قال الله في عيسى " (٣).
قال ابن كثير: " أي: هذا القول هو الحق في عيسى، الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه " (٤).
قال الزجاج: أي: " الذي أنبأناك به في قصة عيسى ﵇ هو الحق من ربك" (٥).
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠]، أي: "فلا تكن من الشاكين" (٦).
قال ابن عباس: " قال الحسن: يقول: يا محمد فلا تكن في شك مما قالا" (٧).
قال قتادة: "يعني: فلا تكن في شكّ من عيسى أنه كمثل آدم، عبدُ الله ورسوله، وكلمةُ الله ورُوحه" (٨).
قال الربيع: "، يقول: فلا تكن في شكّ مما قصصنا عليك أنّ عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمةٌ منه ورُوحٌ، وأنّ مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تُراب ثم قال له كن فيكون" (٩).
قال محمد بن جعفر بن الزبير: " أي: قد جاءك الحق من ربك فلا تمتَرِ فيه" (١٠).
قال الثعلبي: " الخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته لأنه لم يكن ينهاه في أمر عيسى" (١١).
الفوائد:
١ - أن الله لايصدر عنه إلا الحق.
٢ - فضيلة رسول الله- ﷺ بإضافة الربوبية إليه، وهي ربوبية خاصة تفيد معنى أخص من الربوبية العامة.
٣ - النهي عن الشك فيما اخبر الله به.
٤ - ومنها: أن الممترين كثيرون لقوله ﴿من الممترين﴾، وإن كان يحتمل أن يراد به الجنس فيصدق بواحد، ولكن الظاهر الأول.
٥ - جواز المخاطبة بالتعريض، لأن قوله: ﴿فلا تكن من الممترين﴾، لا يعني أن الرسول يمكن أن يكون منهم، بل هو تعريض بهؤلاء وأنهم ذوو خلق سيء فلا تكن منهم وإن كان هو ليس منهم لا باعتبار الواقع ولا المستقبل.
القرآن
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران: ٦١]
التفسير:
فمَن جادلك -أيها الرسول- في المسيح عيسى ابن مريم من بعد ما جاءك من العلم في أمر عيسى ﵇، فقل لهم: تعالوا نُحْضِر أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نتجه إلى الله بالدعاء أن يُنزل عقوبته ولعنته على الكاذبين في قولهم، المصرِّين على عنادهم.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٦١]، أي: "فمن خاصمك وجادلك في أمر عيسى" (١٢).
قال الربيع: " يقول: من حاجك في عيسى" (١٣).
стр. 2351
قال قتادة: " أي: في عيسى: أنه عبدُ الله ورسوله، من كلمة الله وروحه" (١).
قال الطبري: أي: " فمن جادلك، يا محمد، في المسيح عيسى ابن مريم" (٢).
قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١]، أي: "بعدما وضح لك الحق واستبان" (٣).
قال الطبري: " من بعد ما جاءك من العلم الذي قد بيَّنته لك في عيسى أنه عبد الله" (٤).
قال محمد بن جعفر بن الزبير: " أي: من بعد ما قصصت عليك من خبره، وكيف كان أمره" (٥).
قوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٢]، أي: فقل لهم: هلمّوا نجتمع ويدعو كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إِلى المباهلة" (٦).
قال ابن كثير: "أي: نحضرهم في حال المباهلة" (٧).
قال الربيع: " فقال لهم النبي ﷺ : هلم أداعيكم فأتيا كان الكاذب أصابته اللعنة والعقوبة من الله عاجلا. قالوا: نعم" (٨).
قال الشعبي: "لما نزلت: ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم﴾، أخذ رسول الله ﷺ الحسن والحسين ثم انطلق" (٩).
روي عن الحسن في قوله: " ﴿تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم﴾ قرأها النبي ﷺ عليهما ودعاهما إلى المباهلة وأخذ بيد فاطمة والحسن والحسين وقال أحدهما لصاحبه: اصعد الجبل ولا تباهله فإنك إن باهلته بؤت باللعن قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تعطيه الخراج ولا نباهله" (١٠).
وقال السدي: " فأخذ بيد الحسن والحسين وفاطمة وقال لعلي: اتبعنا، فخرج معهم ولم يخرج يومئذ النصارى قالوا: إنا نخاف أن يكون هذا هو النبي وليس دعوة الأنبياء كغيرهم فتخلفوا، فقال رسول الله ﷺ : لو خرجوا إلا احترقوا، فصالحوه على صلح على أن له عليهم ثمانين ألفا" (١١).
وعن أبي جعفر: ﴿وأنفسنا وأنفسكم﴾، قال: النبي وعلي" (١٢).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦٢]، أي: ثم "نتضرع إلى الله فنقول: اللهم العن الكاذب منا في شأن عيسى" (١٣).
قال ابن عباس: ﴿ثم نبتهل﴾: نجتهد" (١٤).
قال ابن كثير: أي: ثم "نلتعن" (١٥).
قال التستري: " أي يدعو بعضنا على بعض باللعنة" (١٦).
قال ابن زيد: " ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾، قال: منا ومنكم" (١٧).
قال الزجاج: " قيل له هذا بعد أن أوحيت إليه البراهين والحجج القاطعة في تثبيت أمر
стр. 2352
عيسى إنه عبد، فأمر بالمباهلة بعد إقامة الحجة، لأن الحجة قد بلغت النهاية في البيان فأمر الله أن يجتمع هو والنساء والأبناء من المؤمنين، وأن يدعوهم إلى أن يتجمعوا هم وآباؤهم ونساؤهم، ثم يبتهلون ومعنى الابتهال في اللغة المبالغة في الدعاء، وأصله الالتعان ويقال بهله الله أي لعنه الله، ومعنى لعنة الله باعده الله من رحمته، يقال: ناقة باهل وباهلة إذا لم يكن عليها صرار، وقد أبهل الرجل ناقته إذا تركها بغير صرار ورجل باهل إذا لم يكن معه عصا. فتأويل البهل في اللغة المباعدة والمفارقة للشيء" (١).
قال ابن عباس: " لو خرج الذين يباهلون النبي ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا" (٢).
قال ابن جريج: "قال لي ابن كثير: أما الذين دعوا إلى الابتهال فالنصارى" (٣).
أخرج الطبري عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي: أنه سمع النبي ﷺ يقول: " ليتَ بيني وبيني أهل نجرانَ حجابًا فلا أراهم ولا يروني! من شْدّة ما كانوا يمارون النبي ﷺ " (٤).
الفوائد:
١ - إثبات أن ما جاء به الرسول ﷺ حق، لأن الله أمره أن يلتعن مع هؤلاء.
٢ - ومن الفوائد: أنه لاتجوز المباهلة إلا بعلم يقيني.
٣ - جواز طلب المباهلة عند عناد الخصم، لكن بشرطين: أولهما: العلم، والثاني أن تكون في امر هام.
٤ - أن من آداب الالتعان احضار النساء والاولاد، لأنه أشد خوفا للنسا في المباهلة.
٥ - جواز الدعاء بالله على من خالف الحق لكن بالوصف لا بالشخص، لأن الكاذبين وصف، أما الشخص فلايجوز الدعاء عليه حتى لو كان كافرا، لأن النبي- ﷺ لما دعا على أبي جهل وغيره من كبار قريش، نهاه الله عن ذلك.
القرآن
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢)﴾ [آل عمران: ٦٢]
التفسير:
إن هذا الذي أنبأتك به -أيها الرسول- من أمر عيسى لهو النبأ الحق الذي لا شك فيه، وما من معبود يستحق العبادة إلا الله وحده، وإن الله لهو العزيز في ملكه، الحكيم في تدبيره وفعله.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]، " أي: إن هذا الذي أوحينا إليك من هذه البينات والحجج التي آتيناك لهو القصص الحق" (٥).
قال ابن كثير: " أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا مَعْدل عنه ولا محيد" (٦).
قال ابن عباس: " يقول: إن هذا الذي قلنا في عيسى هو الحق" (٧).
قال الطبري: " إن هذا الذي أنبأتك به، يا محمد، من أمر عيسى فقصصته عليك من أنبائه، وأنه عبدي ورسولي وكلمتي ألقيتها إلى مريم وروح منّي، لهو القصَص والنبأ الحق، فاعلم ذلك" (٨).
قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢]، " أي: ولا يوجد إله غير الله" (٩).
قال الطبري: أي: " واعلم أنه ليس للخلق معبودٌ يستوجبُ عليهم العبادةَ بملكه إياهم إلا معبودك الذي تعبُدُه" (١٠).
стр. 2353
قال السعدي: أي: " فهو المألوه المعبود حقا الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولا يستحق غيره مثقال ذرة من العبادة" (١).
قال الزجاج: " «من» دخلت توكيدا. ودليلا على نفي جميع من ادعى المشركون أنهم آلهة، أي إن عيسى ليس بإله، لأنهم زعموا إنه إله، فأعلم الله أن لا إله إلا هو، وأن من آتاه الله آيات يعجز عنها المخلوقون فذلك غير مخرج له من العبودية لله، وتسميته إلها كفر بالله" (٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٢]، أي هو جل شأنه "العزيز في ملكه الحكيم في صنعه" (٣).
قال الطبري: أي "العزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، الحكيم في تدبيره، لا يدخل ما دبره وَهَنٌ، ولا يلحقه خللٌ" (٤).
الفوائد:
١ - تأكيد أن ما اخبر الله به عيسى ابن مريم هو الحق، ويفرغ من هذه القاعدة ان كل ما خالفه مما تكلمت به النصارى في شأن عيسى فهو كذب باطل لايوافق الواقع.
٢ - أنه لا إله في الوجود إلا الله، فهو وحدة المستحق بالعبادة، وفيه رد على إدعاء ألوهية المسيح.
٣ - إثبات تمام العزة لله تعالى، قال: ﴿لهو العزيز﴾، و «أل» هنا تفيد الاستغراق، أي: جميع انواع العزة ثابتة لله .
٤ - إثبات تمام الحكمة لله تعالى، فقال: ﴿الحكيم﴾، فيتفرغ أنه لا حاكم إلا الله.
القرآن
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾ [آل عمران: ٦٣]
التفسير:
فإن أعرضوا عن تصديقك واتباعك فهم المفسدون، والله عليم بهم، وسيجازيهم على ذلك.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: ٦٣]، "أي: فإن أعرضوا عما أتيت به من البيان" (٥).
قال أبو عبيدة: " فإن كفروا، وتركوا أمر الله " (٦).
قال محمد بن إسحاق: " فإن تولوا على كفرهم" (٧).
قال البغوي: أي: " أعرضوا عن الإيمان" (٨).
قال الطبري: أي: "فإن أدبر هؤلاء الذين حاجُّوك في عيسى، عما جاءك من الحق من عند ربك في عيسى وغيره من سائر ما آتاك الله من الهدى والبيان" (٩).
قال الراغب: " أي إن أعرضوا عن الإصغاء إلى الحق والتزامه، وعن الإجابة إلى
المباهلة" (١٠).
قال الصابوني: " أي: إِن أعرضوا عن الإِقرار بالتوحيد" (١١).
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: ٦٣]، أي: " فإن الله يعلم من يفسد من خلقه فيجازيه على إفساده" (١٢).
стр. 2354
قال الطبري: أي: ": فإن الله ذو علم بالذين يعصون ربهم، ويعملون في أرضه وبلاده بما نهاهم عنه، وذلك هو إفسادهم، فهو عالم بهم وبأعمالهم، يحصيها عليهم ويحفظها، حتى يجازيهم عليها جزاءَهم" (١).
قال ابن كثير: " أي: من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد والله عليم به، وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر، الذي لا يفوته شيء" (٢).
قال الراغب: أي" فإن حالهم في كونهم مفسدين ظاهرة، وعقوبتهم واجبة، فهو تعالى معاقبهم" (٣).
قال الصابوني: أي: "فإِنهم مفسدون والله عليم بهم وسيجازيهم على ذلك شر الجزاء" (٤).
قال البغوي: ﴿بالمفسدين﴾: أي: " الذين يعبدون غير الله، ويدعون الناس إلى عبادة غير الله" (٥).
قال البيضاوي: " وعيد لهم ووضع المظهر موضع المضمر ليدل على أن التولي عن الحجج والإعراض عن التوحيد، إفساد للدين والاعتقاد المؤدي إلى فساد النفس بل وإلى فساد العالم" (٦).
الفوائد:
١ - تهديد من تولى عن دين الله تعالى، فقال: ﴿فإن الله عليم بالمفسدين﴾، لأن المقصود من ذكر علمه بهم تهديدهم، وأنه لا يخفى عليه حالهم، وسيعاقبهم بما تفتضيه حالهم.
٢ - أن التولي عن دين الله فساد، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
٣ - أن كل من تولّى عن دين الله فهو مفسد، ولو زعم أنه مصلح، لقوله: ﴿فإن الله عليم بالمفسدين﴾، ولهذا قال أهل التفسير في قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، أي: لا تفسدوها بالمعاصي، فكل عاص مفسد شاء ام أبى، وكل مطيع هو مصلح، لأن بضدها تتبيّن الأشياء.
القرآن
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [آل عمران: ٦٤]
التفسير:
قل -أيها الرسول- لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: تعالَوْا إلى كلمة عدل وحق نلتزم بها جميعًا: وهي أن نَخُص الله وحده بالعبادة، ولا نتخذ أي شريك معه، من وثن أو صنم أو صليب أو طاغوت أو غير ذلك، ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة من دون الله. فإن أعرضوا عن هذه الدعوة الطيبة فقولوا لهم -أيها المؤمنون-: اشهدوا علينا بأنا مسلمون منقادون لربنا بالعبودية والإخلاص. والدعوة إلى كلمة سواء، كما تُوجَّه إلى اليهود والنصارى، توجَّه إلى من جرى مجراهم.
في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها نزلت في الوفد من نصارى نجران. قاله السدي (٧)، وابن زيد (٨)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (٩)، والحسن (١٠).
стр. 2355
والثاني: أنها: نزلت في يهود بني إسرائيل الذين كانوا حَوالى مدينة رسول الله ﷺ . وهذا قول قتادة (١)، والربيع (٢)، وابن جريح (٣).
والثالث: أنها نزلت في قصة وفد نجران مع يهود المدينة وذلك حين اختصموا في إبراهيم.
قال الثعلبي: " قال المفسرون: قدم وفد نجران المدينة فالتقوا مع اليهود فاختصموا في إبراهيم فأتاهم النبي ﷺ فقالوا: يا محمد إنّا اختلفنا في إبراهيم ودينه فزعمت النصارى أنّه كان نصرانيا وهم على دينه وأولى النّاس به. وقالت اليهود: بل كان يهوديا وأنّهم على دينه وأولى النّاس به. فقال لهم رسول الله ﷺ : كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان إبراهيم حنيفا وأنا على دينه فأتبعوا دينه الإسلام. فقالت اليهود: يا محمد ما تريد إلا أن نتّخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا. وقالت النصارى: والله يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير. فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ عدل بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾ " (٤).
قال ابن حجر: " أنزلها الله في قصة وفد نجران قبل أن يقع اجتماعهم باليهود، فلما أبوا وبذلوا الجزية واطمأنوا اجتمعوا بيهود المدينة عند النبي ﷺ أو فيما بينهم، فتجادلوا إلى أن ذكروا إبراهيم ونزلت الآيات التي بعدها في إبراهيم" (٥).
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، أي: "قل يا محمد لأهل الكتاب: هلمّوا إلى كلمة عدل بيننا وبينكم" (٦).
قال الربيع: أي" عدل بيننا وبينكم" (٧).
قال مقاتل: يعني: " كلمة العدل وهي الإخلاص" (٨).
قال ابن كثير: " هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن جرى مجراهم" (٩).
وفي تفسير: ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، ثلاثة أقوال:
أحدها: أن كلمة السواء: لا إله إلا الله. قاله أبو العالية (١٠).
والثاني: أنها: الدعوة إلى الإسلام. قاله الحسن (١١).
والثالث: أن الرسول- ﷺ دعاهم إلى النصف وقطع عنهم الحجة. وهذا قول محمد بن إسحاق (١٢)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (١٣).
وفي الذين عناهم الله في الآية الكريمة قولان:
أحدهما: أنهم الوفد من نصارى نجران، وهذا قول الحسن والسدي (١٤)، وابن زيد (١٥)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (١٦).
والثاني: انهم يهود المدينة، وهذا قول قتادة (١٧)، والربيع (١٨)، وابن جريح (١٩).
стр. 2356
والراجح-والله أعلم- " أن يكون كل كتابيّ معنيًّا به. لأن إفرادَ العبادة لله وحدَه، وإخلاصَ التوحيد له، واجبٌ على كل مأمور منهيٍّ من خلق الله" (١).
قوله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤]، " أي: أن نفرد الله وحده بالعبادة ولا نجعل له شريكاً" (٢).
قال الطبري: " والكلمة العدل، هي أن نوحِّد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه، فلا نشرك به شيئًا" (٣).
قال التستري: " وأصل العبادة: التوحيد مع أكل الحلال وكف الأذى، ولا يحصل الأكل الحلال إلاَّ بكف الأذى، ولا كف الأذى إلاَّ بأكل الحلال، وأن تعلموا أكل الحلال وترك أذى الخلق والنية في الأعمال كما تعلموا فاتحة الكتاب، ليصفوا إيمانكم وقلوبكم وجوارحكم، فإنما هي الأصول" (٤).
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]، أي: ولا يعبد بعضنا بعضا من دون الله (٥).
قال ابن جريج: " يقال: إن الربوبية أن يطيع الناس سادتهم وقادتهم في غير عبادة" (٦).
قال عكرمة: " سجود بعضهم لبعض" (٧)، " قوله: ﴿أربابا﴾: يعني الأصنام" (٨).
قال مقاتل: " لأنهم اتخذوا عيسى ربا" (٩).
قال الطبري: أي: " ولا يدين بعضُنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله، ويعظِّمه بالسجود له كما يسجدُ لربه" (١٠).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤] وجهان:
أحدهما: هو طاعة الاتباع لرؤسائهم في أوامرهم بمعاصي الله، وهذا قول ابن جريح (١١).
والثاني: سجود بعضهم لبعض، هذا قول عكرمة (١٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: ٦٤]، أي: " فإن أعرضوا عما دعوتَهم إليه" (١٣).
قال ابن كثير: " أي: فإن تولوا عن هذا النَّصَف" (١٤).
قوله تعالى: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، " أي: فأشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم" (١٥).
قال مقاتل: " يعني فإن أبوا التوحيد فقولوا لهم أنتم: اشهدوا باننا مخلصون بالتوحيد" (١٦).
قال الزجاج: " أي مقرون بالتوحيد مستسلمون لما أتتنا به الأنبياء من قبل الله " (١٧).
стр. 2357
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: التنزّل مع الخصم لالتزامه الحق، لقوله: ﴿سواء بيننا وبينكم﴾، ولاشك بان الحق مع الرسول- ﷺ ، لكن من تنزّل معه من أجل إلزام الخصم وإقامة الحجة عليه.
٢ - وجود استعمال العدل في المناظرة حتى مع العدو.
٣ - إتفاق الرسل على هذه الكلمة: ﴿ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا﴾، لكونها كلمة سواء.
٤ - أن الحكم لله بين الناس، وأنه ليس لأحد أن يشرع من دون الله.
٥ - أن الحكم بين الناس والعبادة مقترنان، لأن عبادة الله تكون في شريعته.
٦ - التزام الحق والبراءة من الخصم، وذلك إذا تولى وأعرض بعد إقامة الحجة عليه.
٧ - الاعتزاز بالدين، لقوله: ﴿فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾.
القرآن
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ [آل عمران: ٦٥]
التفسير:
يا أصحاب الكتب المنزلة من اليهود والنصارى، كيف يجادل كل منكم في أن إبراهيم ﵇ كان على ملَّته، وما أُنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده؟ أفلا تفقهون خطأ قولكم: إن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً، وقد علمتم أن اليهودية والنصرانية حدثت بعد وفاته بحين؟
في سبب نزول الآيات [٦٥ - ٦٧] أقوال:
أحدها: أنها نزلت في اختصام اليهود والنصارى في إبراهيم، وادعاء كل فريق منهم أنه كان منهم. وهذا قول ابن عباس (١)، والسدي (٢)، وقتادة (٣)، والشعبي (٤).
والثاني: أنها نزلت في دعوى اليهود إبراهيم أنه منهم. قاله مجاهد (٥)، وقتادة (٦)، والربيع (٧).
والثالث: وقال مقاتل: "وذلك أن رؤساء اليهود كعب بن الأشرف، وأبا ياسر، وأبا الحقيق وزيد بن التابوه، ونصارى نجران، يقولون: إبراهيم أولى بنا والأنبياء منا كانوا على ديننا، وما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا، وقالت النصارى: ما تريد بأمرك إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت اليهود عزيرا ربا. قال النبي- ﷺ : معاذ الله من ذلك، ولكني أدعوكم إلى أن تعبدوا الله جميعا، ولا تشركوا به شيئا، فأنزل الله- : ﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون﴾ " (٨).
стр. 2358
قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥]، " أي يا معشر اليهود والنصارى لم تجادلون وتنازعون في إِبراهيم وتزعمون أنه على دينكم" (١).
قال مجاهد: يعني: " اليهود والنصارى، برأه الله منهم حين ادعت كل أمة أنه منهم، وألحق به المؤمنين من كان من أهل الكتاب الحنيفية" (٢). وروي عن أبي العالية والسدي نحو ذلك (٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ٦٥]، " أي: والحال أنه ما حدثت هذه الأديان إِلا من بعده" (٤).
قال مقاتل: " أى: بعد موت إبراهيم" (٥).
قال الثعلبي: أي: " بعد مهلك إبراهيم بزمان طويل، وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة" (٦).
قال ابن عباس: " فأخبرهم الله أنّ التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده، وبعده كانت اليهودية والنصرانية" (٧).
قال الحسن: " والله ما أنزلت التوراة والإنجيل إلا على ملة إبراهيم، فلم تحاجون في إبراهيم" (٨).
قال قتادة: " كانت اليهودية بعد التوراة، وكانت النصرانية بعد الإنجيل" (٩).
قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥]، أي: أفلا" تفقَهون خطأ قيلكم" (١٠).
قال ابن زيد: " أفلا تتفكرون" (١١).
قا المراغي: أي: " أن المتقدم على الشيء لا يمكن أن يكون تابعا له" (١٢).
قال السعدي: " أي: فلو عقلتم ما تقولون لم تقولوا ذلك" (١٣).
الفوائد:
١ - توبيخ أهل الكتاب بسبب مجادلتهم في إبراهيم –﵊.
٢ - علو شأن إبراهيم-﵇ بين جميع الطوائف: اليهود والنصارى والمسلمين.
٣ - بيان الاحتجاج بالعقل، ولاينبغي إهمال العقل في الاستدلال.
٤ - إثبات أن التوراة والانجيل منزلة من عندالله.
٥ - إثبات علو الله، لأن النزول لايكون إلا من أعلى.
٦ - النداء على بني إسرائيل بالسفه.
٧ - الإشادة بالعقل، وأنه يحمل صاحبه على السداد والصواب.
القرآن
﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾ [آل عمران: ٦٦]
التفسير:
стр. 2359
ها أنتم يا هؤلاء جادلتم رسول الله محمدًا ﷺ فيما لكم به علم مِن أمر دينكم، مما تعتقدون صحته في كتبكم، فلِمَ تجادلون فيما ليس لكم به علم من أمر إبراهيم؟ والله يعلم الأمور على خفائها، وأنتم لا تعلمون.
قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦]، أي: ها انتم جادلتم وخاصمتم "بما كان في زمانكم وأدركتموه" (١).
قال الثعلبي: " يعني: في أمر محمد، لأنهم كانوا يعلمونه مما يجدون من نعته في كتابهم فحاجوا به بالباطل" (٢).
قال الصابوني: "أي: ها أنتم يا معشر اليهود والنصارى جادلتم وخاصمتم في شأن عيسى وقد عشتم زمانه فزعمتم ما زعمتموه" (٣).
قال قتادة: "يقول: فيما شهدتم ورأيتم وعاينتم" (٤). وروي عن أبي العالية (٥) نحو ذلك.
قال السدي: " أما ﴿الذي لهم به علم﴾، فما حرّم عليهم وما أمروا به" (٦).
قال الحسن: " يعذر من حاج بعلم، ولا يعذر من حاج بالجهل" (٧).
قال ابن كثير: " هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإنَّ اليهود والنصارى تَحَاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علْم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد ﷺ لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لم يعلموا به، فأنكر الله عليهم ذلك، وأمرهم بردّ ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها" (٨).
واختلفت القراءة في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ [آل عمران: ٦٦]، فقرأه أهل المدينة بغير همز ولا مد إلا بقدر خروج الألف الساكنة، وقرأ أهل مكة مهموزا مقصورا على وزن "هعنتم"، وقرأ أهل الكوفة بالمد والهمز، وقرأ الباقون بالمد دون الهمز (٩).
قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦]، أي: "فلم تجادلون وتخاصمون في الذي لا علم لكم به من أمر إبراهيم ودينه" (١٠).
قال الثعلبي: أي: " من حديث إبراهيم فليس في كتابكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا" (١١).
قال البغوي: يقول: " وليس في كتابكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا، وقيل حاججتم فيما لكم به علم يعني في أمر محمد ﷺ لأنهم وجدوا نعته في كتابهم، فجادلوا فيه بالباطل" (١٢).
قال قتادة: يعني: " فيما لم تشاهدوا ولم تروا ولم تعاينوا" (١٣). وروي عن أبي العالية (١٤) نحو ذلك
قال السدي: " وأما ﴿الذي ليس لهم به علم﴾، فشأن إبراهيم" (١٥).
قال الحسن: " لا يعذر من حاج بالجهل" (١٦).
стр. 2360
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦]، أي: " والله يعلم ما حاججتم فيه، وأنتم جاهلون به" (١).
قال الزمخشري: " والله يعلم علم ما حاججتم فيه وأنتم جاهلون به" (٢).
قال الصابوني: "أي: والله يعلم الحقَّ من أمر إِبراهيم وأنتم لا تعلمون ذلك" (٣).
الفوائد:
١ - ذم المحاجة بغير علم.
٢ - إقرار الإنسان على المحاجة بالعلم شريطة القصد الحسن والوصول إلى الحق.
٣ - إثبات العلم لله .
٤ - أن المحاج فيما ليس له به علم، ليس عنده علم، لأن المحاجة فرع من العلم.
٥ - إثبات علم الله في الحاضر والمستقبل دائما، لقوله: ﴿يعلم﴾.
القرآن
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران: ٦٧]
التفسير:
ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، فلم تكن اليهودية ولا النصرانية إلا من بعده، ولكن كان متبعًا لأمر الله وطاعته، مستسلمًا لربه، وما كان من المشركين.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: قال عامر: ": قالت اليهود: إبراهيم على ديننا. وقالت النصارى: هو على ديننا. فأنزل الله : ﴿ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا﴾ الآية، فأكذبهم الله، وأدحض حجتهم - يعني: اليهودَ الذين ادّعوا أن إبراهيم ماتَ يهوديًّا" (٤). وروي عن الربيع (٥) مثله.
والثاني: قال مقاتل: " قال كعب وأصحابه ونفر من النصارى: إن إبراهيم منا وموسى منا والأنبياء منا، فقال الله : ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ " (٦).
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧]، " أي ما كان إِبراهيم على دين اليهودية ولا على دين النصرانية" (٧).
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، أي: ولكن كان"مائلاً عن الأديان كلها إِلى الدين القيم" (٨).
قال ابن كثير: " أي: مُتَحَنفًا عن الشرك قَصْدًا إلى الإيمان" (٩).
قال الطبري: " ﴿حنيفا﴾: يعني: متبعًا أمرَ الله وطاعته، مستقيمًا على محجَّة الهدى التي أمر بلزومها، ﴿مسلما﴾: يعني: خاشعًا لله بقلبه، متذللا له بجوارحه، مذعنًا لما فَرَض عليه وألزمه من أحكامه " (١٠).
وقوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، لأهل اللغة فيه قولان: (١١):
стр. 2361
الأول: أن الحنيف هو المستقيم.
قال الطبري: " (الحنيف)، فإنه المستقيم من كل شيء" (١).
ومنه قيل للأعرج: أحنف، تفاؤلا بالسلامة، كما قالوا للديغ: سليم، والمهلكة: مفازة، قالوا: فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف (٢).
الثاني: أن الحنيف المائل، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها، وتحنف إذا مال، فالمعنى أن إبراهيم ﵇ حنف إلى دين الله، أي مال إليه، فقوله: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفا﴾، أي: مخالفا لليهود والنصارى منحرفا عنهما.
واختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، على أقوال (٣):
أحدها: أن الحنيفية حج البيت، والحنيف هو الحاج. وهذا قول ابن عباس (٤)، والحسن (٥)، ومجاهد (٦)، وعطية (٧)، وكثير بن زياد (٨)، وعبدالله بن قاسم (٩)، والضحاك (١٠)، والسدي (١١).
وقالوا: "إنما سمي دين إبراهيم الإسلام (الحنيفية)، لأنه أول إمام لزم العباد - الذين كانوا في عصره، والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة - اتباعه في مناسك الحج، والائتمام به فيه. قالوا: فكل من حج البيت فنسك مناسك إبراهيم على ملته، فهو (حنيف)، مسلم على دين إبراهيم" (١٢).
والثاني: أنها اتباع الحق، قاله مجاهد (١٣)، والربيع بن أنس (١٤).
والثالث: أنها: اتباع إبراهيم في شرائعه التي هي شرائع الإسلام.
فقالوا: "إنما سمي دين إبراهيم (الحنيفية)، لأنه أول إمام سن للعباد الختان، فاتبعه من بعده عليه. قالوا: فكل من اختثن على سبيل اختتان إبراهيم، فهو على ما كان عليه إبراهيم من الإسلام، فهو " حنيف " على ملة إبراهيم" (١٥).
والرابع: أن "الحنيف": هو المخلص دينه لله وحده (١٦)، قاله السدي (١٧)، ومقاتل بن سليمان (١٨)، وخصيف (١٩).
стр. 2362
والخامس: وقيل: (الحنيفية) الإسلام. فكل من ائتم بإبراهيم في ملته فاستقام عليها، فهو (حنيف).
قال القفال: "وبالجملة فالحنيف لقب لمن دان بالإسلام كسائر ألقاب الديانات، وأصله من إبراهيم ﵇" (١).
والسادس: أن الحنيف: المستقيم. قاله محمد بن كعب (٢)، وروي عن عيسى بن جارية (٣) مثله.
السابع: أن الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. قاله أبو قلابة (٤).
الثامن: أن الحنيف: الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلا. قاله أبو العالية (٥).
التاسع: أن الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله. يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات، والعمات، وما حرم الله ، والختان. وكانت حنيفة في الشرك: كانوا أهل الشرك، وكانوا يحرمون في شركهم الأمهات والبنات والخالات والعمات، وكانوا يحجون البيت، وينسكون المناسك. قاله قتادة (٦).
والصواب: أن (الحنيفية) هو الإستقامة على دين إبراهيم واتباعه على ملته.
قال الثعلبي: "فالحنيف الذي يوحد ويحج ويضحي ويختن ويستقبل القبلة وهو أسهل الأديان وأحبها إلى الله وأهله أكرم الخلق على الله" (٧).
قال الإمام الطبري: "لو كانت الحنيفية حج البيت، لوجب أن يكون الذين كانوا يحجونه في الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء. وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفا بقوله: ﴿ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾ [سورة آل عمران: ٦٧]، فكذلك القول في الختان. لأن " الحنيفية " لو كانت هي الختان، لوجب أن يكون اليهود حُنفاء. وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [سورة آل عمران: ٦٧].
فقد صحّ إذًا أن " الحنيفية " ليست الختانَ وحدَه، ولا حجَّ البيت وحده، ولكنه هو ما وصفنا: من الاستقامة على ملة إبراهيم، واتباعه عليها، والائتمام به فيها. فإن قال قائل: أوَ ما كان مَنْ كان من قبل إبراهيم ﷺ ، من الأنبياء وأتباعهم، مستقيمين على ما أمروا به من طاعة الله استقامةَ إبراهيم وأتباعه؟
قيل: بَلى. فإن قال: فكيف أضيف " الحنيفية " إلى إبراهيم وأتباعه على ملته خاصة، دون سائر الأنبياء قبله وأتباعهم؟ قيل: إنّ كل من كان قبل إبراهيم من الأنبياء كان حنيفًا متّبعًا طاعة الله، ولكن الله تعالى ذكره لم يجعل أحدًا منهم إمامًا لمن بعده من عباده إلى قيام الساعة، كالذي فعل من ذلك بإبراهيم، فجعله إمامًا فيما بيّنه من مناسك الحج والختان، وغير ذلك من شرائع الإسلام، تعبُّدًا به أبدًا إلى قيام الساعة. وجعل ما سنّ من ذلك عَلَمًا مميّزًا بين مؤمني عباده وكفارهم، والمطيعِ منهم له والعاصي. فسمِّي الحنيفُ من الناس " حنيفًا " باتباعه ملته، واستقامته على هديه ومنهاجه، وسُمِّي الضالُّ من ملته بسائر أسماء الملل، فقيل: " يهودي، ونصرانيّ، ومجوسيّ "، وغير ذلك من صنوف الملل" (٨).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]، "أي: كان مسلماً ولم يكن مشركاً" (٩).
قال الطبري: "وهذا تكذيبٌ من الله دعوَى الذين جادلوا في إبراهيم وملته من اليهود والنصارى، وادَّعوا أنه كان على ملتهم وتبرئة لهم منه، وأنهم لدينه مخالفون وقضاءٌ منه لأهل الإسلام ولأمة محمد ﷺ أنهم هم أهل دينه، وعلى منهاجه وشرائعه، دون سائر أهل الملل والأديان غيرهم" (١٠).
الفوائد:
١ - تبرئة إبراهيم-﵊ من دين اليهود والنصارى.
٢ - الثناء على إبراهيم-﵇ لقوله: " ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾، إذ وصفه بالتوحيد الخالص الذي لايشوبه أي نوع من الشرك.
٣ - أنه لابد في التوحيد من شيئين: نفي وإثبات، النفي في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾، والإثبات في قوله: ﴿مُسْلِمًا﴾، لأن الحنيف هو المائل عن الشرك وعن كل دين يخالف الاسلام.
٤ - الثناء على إبراهيم بأنه لم يكن فيه صفة من صفات المشركين، فقال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
القرآن
﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران: ٦٨]
التفسير:
إنَّ أحق الناس بإبراهيم وأخصهم به، الذين آمنوا به وصدقوا برسالته واتبعوه على دينه، وهذا النبي محمد ﷺ والذين آمنوا به. والله وليُّ المؤمنين به المتبعين شرعه.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: نقل الثعلبي (١١) والواحدي عن ابن عباس: "قال رؤساء اليهود: والله يا محمد لقد علمت أنا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وأنه كان يهوديا، وما بك إلا الحسد، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (١٢).
والثاني: نقل السيوطي (١٣) وابن حجر عن عبد بن حميد من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم (١٤): "أنه لما أن خرج أصحاب رسول الله صلة الله عليه وسلم إلى النجاشي انتدب لهم عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط -كذا قال وإنما هو عمارة بن الوليد بن المغيرة (١٥) - أرادوا عنتهم والبغي عليهم، فقدموا على النجاشي فأخبروه أن هؤلاء الرهط الذين قدموا عليك من أهل مكة، إنما يريدون أن يخبلوا عليك ملكك، ويفسدوا عليك أرضك، ويشتموا ربك، فأرسل إليهم، فذكر القصة مطولة، وفيها: إن الذي خاطبهم من المسلمين حمزة وعثمان بن مظعون فقال النجاشي لما سمع كلامهم: لا دهوره -أي: لا خوف- على حزب إبراهيم فقال
стр. 2363
عمرو: من هم حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤوا من عنده، ومن اتبعه، فأنزلت ذلك اليوم يوم خصومتهم على رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيّ﴾ الآية" (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨]، أي: إن "أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه" (٢).
قال ابن عباس: " وهم المؤمنون" (٣).
قال قتادة: " يقول: الذين اتبعوه على ملّته وسنَّته ومنهاجه وفطرته" (٤).
قال الطبري: أي" إنّ أحقّ الناس بإبراهيم ونصرته وولايته، هم: الذين سلكوا طريقَه ومنهاجه، فوحَّدوا الله مخلصين له الدين، وسنُّوا سُنته، وشرَعوا شرائعه، وكانوا لله حنفاء مسلمين غير مشركين به" (٥).
قوله تعالى: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨]، أي: " محمد ﷺ –" (٦).
قال قتادة: " وهو نبي الله محمد" (٧).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٦٨]، أي: "والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومَنْ بعدهم" (٨).
قال الطبري: " يعني: والذين صدّقوا محمدًا، وبما جاءهم به من عند الله" (٩).
قال قتادة: " وهم المؤمنون الذين صدّقوا نبيّ الله واتبعوه. كان محمد رسول الله ﷺ والذين معه من المؤمنين، أولى الناس بإبراهيم" (١٠).
قال الحسن: " كل مؤمن ولي لإبراهيم ممن مضى وممن بقي" (١١).
عن أبي الحويرث سمع الحكم بن ميناء يقول: "إن رسول الله ﷺ قال: يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبي المتقون فكونوا أنتم بسبيل ذلك فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال، وتلقوني بالدنيا تحملونها فأصد عنكم بوجهي، ثم قرأ عليهم هذه الآية: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾ " (١٢).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]، أي: " والله ناصرُ المؤمنين" (١٣).
قال ابن كثير: " أي: ولي جميع المؤمنين برسله" (١٤).
عن عبد الله بن مسعود قال: "قال رسول الله ﷺ : إن لكل نبيّ ولاةً من النبيين، وإن وليِّي منهم أبِي وخليل رَبّي، ثم قرأ: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾ " (١٥).
стр. 2364
وقال قتادة: " لقد أعظم على الله الفرية من قال: يكون مؤمنا فاسقا، ومؤمنا جاهلا، ومؤمنا خائنا قال الله تعالى في كتابه: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾، فالمؤمن ولي الله والمؤمن حبيب الله" (١).
الفوائد:
١ - إن الولاية درجات، وأحق الناس بالولاية لإبراهيم من اتبعوه في عهده، لكونهم متبعين لابراهيم في أصل الدين وفروع الدين.
٢ - شرف النبي- ﷺ ومن آمن معه لكونهم أولى الناس بإبراهيم الذي تتنازعه الأمم.
٣ - بيان كذبة اليهود والنصارى بانهم اولى الناس بإبراهيم.
٤ - تشريف النبي- ﷺ بالإشارة إليه من رب العالمين.
٥ - إثبات نبوة الرسول محمد- ﷺ ، وهذا امر لا شك فيه، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فهو رسول.
٦ - إثبات ولاية الله تعالى للمؤمنين، وهي ولاية خاصة تقتضي عناية تامة.
٧ - كل من كان أكمل إيمانا فولاية الله له أكمل.
٨ - ان الله جعل الإيمان سببا لولايته.
القرآن
﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾ [آل عمران: ٦٩]
التفسير:
تمنَّت جماعة من اليهود والنصارى لو يضلونكم -أيها المسلمون- عن الإسلام، وما يضلون إلا أنفسهم وأتباعهم، وما يدرون ذلك ولا يعلمونه.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: تقدم في قوله تعالى في سورة البقرة ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ البقرة: ١٠٩]. وذلك على النحو الآتي:
أأنها أنزلت في عامة اليهود والمشركين. قاله الطبري (٢).
ب أخرج الواحدي وابن أبي حاتم، عن عبدالله بن كعب بن مالك: "أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا، وكان يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدمها رسول الله ﷺ يؤذون النبي ﷺ وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله تعالى نبيه بالصبر على ذلك والعفو عنهم وفيهم أنزلت: ﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا﴾ " (٣). وروي نحوه عن الزهري (٤) وقتادة (٥).
ت وأخرج الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس: " كان حُيَيّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا، إذ خصهم الله برسوله ﷺ ، وكانا جاهِدَين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله فيهما: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم﴾ الآية" (٦).
стр. 2365
ث وقال الواحدي "قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة بدر ألم تروا إلى ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم" (١).
والثاني: وقال مقاتل بن سليمان: " نزلت في عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان وذلك أن اليهود جادلوهما ودعوهما إلى دينهم. وقالوا: إن ديننا أفضل من دينكم ونحن أهدى منكم سبيلا فنزلت: ﴿ودت طائفة من أهل الكتاب ... ﴾ إلى آخر الآية" (٢).
قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩]، أي: " تمنّت جماعة من اهل الكتاب لو يصدّونكم عن الاسلام" (٣).
قال سفيان: " كل شيء في آل عمران من ذكر أهل الكتاب فهو في النصارى" (٤).
قال الطبري: " و " الإضلال " في هذا الموضع، الإهلاكُ، من قول الله : ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]، يعني: إذا هلكنا، ومنه قول الأخطل في هجاء جرير (٥):
كُنْتَ القَذَى فِي مَوْجِ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ ... قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلّ ضلالا
يعنى: هلك هلاكًا، وقول نابغة بني ذبيان (٦):
فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ... وَغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونَائِلُ
يعني مهلكوه" (٧).
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩]، "أي: وما يهلكون غير أنفسهم" (٨).
قال الطبري: " يعني بـ ﴿أنفسهم﴾: أتباعهم وأشياعَهم على ملَّتِهم وأديانهم، وإنما أهلكوا أنفسَهم وأتباعهم بما حاولوا من ذلك لاستيجابهم من الله بفعلهم ذلك سخَطه، واستحقاقهم به غَضَبه ولعنته، لكفرهم بالله، ونقضِهم الميثاقَ الذي أخذ الله عليهم في كتابهم، في اتباع محمد ﷺ وتصديقه، والإقرار بنبوّته" (٩).
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران: ٦٩]، أي: وما يفطنون لذلك" (١٠).
قال الطبري: " ﴿وما يشعرون﴾، بأنهم لا يضلون إلا أنفسهم، بمحاولتهم إضلالكم أيها المؤمنون" (١١).
الفوائد:
١ - بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين إذ يودون الإضلال.
٢ - التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صد المسلمين عند دينهم.
٣ - أن المعتدي يجازي بمثل عدوانه، ويبتلى ما ابتلى غيره به، لقوله: ﴿وما يضلون إلا أنفسهم﴾.
٤ - إحاطة علم الله تعالى في قلوب الخلق، لقوله: ﴿ودت طائفة﴾، فإن الود محله القلب، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله.
القرآن
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)﴾ [آل عمران: ٧٠]
التفسير:
يا أهل التوراة والإنجيل لم تجحدون آيات الله التي أنزلها على رسله في كتبهم، وفيها أن محمدًا ﷺ هو الرسول المنتظر، وأن ما جاءكم به هو الحق، وأنتم تشهدون بذلك؟ ولكنكم تنكرونه.
стр. 2366
قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٠] أي: يا أهل الكتاب "لم تجحدون بالقرآن" (١).
قال السدي: " أما ﴿آيات الله﴾، فمحمد ﷺ " (٢).
وقال مقاتل بن حيان: " ﴿لم تكفرون بآيات الله﴾، يقول: لم تكفرون بالحجج" (٣).
قال مقاتل بن سليمان: ﴿آيات الله﴾، "يعني القرآن" (٤).
قال الثعلبي: ﴿أهل الكتاب﴾: "يعني: اليهود والنصارى، ﴿آيات الله﴾: يعني القرآن وبيان نعت محمد ﷺ " (٥).
قال عباد بن منصور: "سألت الحسن عن قوله: ﴿لم تكفرون﴾، قال: تجحدون" (٦).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠]، أي: "وأنتم تعلمون انه حق" (٧).
قال الحسن: يعني: " تعرفون وتجحدون وتعلمون أنه الحق" (٨).
قال ابن جريج: يعني: " على أن الدين الإسلام ليس لله دين غيره" (٩).
قال السدي: " أما ﴿تشهدون﴾، فتشهدون أنه الحق يجدونه عندهم مكتوبا" (١٠).
قال الربيع بن أنس: " تشهدون أن نعت نبي الله ﷺ في كتابكم، ثم تكفرون به ولا تؤمنون به وأنتم تجدونه عندكم في التوراة والإنجيل: النبي الأمي" (١١). وروي عن قتادة نحو ذلك (١٢).
وعن مقاتل بن حيان: " قوله: ﴿لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون﴾، أن القرآن حق وأن محمدا ﷺ رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل" (١٣).
وقال مقاتل بن سليمان: أي: " أن محمدا رسول الله ونعته معكم فى التوراة" (١٤).
قال الثعلبي: " إن نعته مذكور في التوراة والإنجيل" (١٥).
قال ابن كثير: " أي: تعلمون صدقها وتتحققون حقها" (١٦).
قال السمرقندي: ﴿وأنتم تشهدون﴾ "بأنه نبي، لأنهم كانوا يخبرون بأمره قبل مبعثه ويقال: بآيات الله، يعني بعجائبه ودلائله. ويقال: بآية الرجم" (١٧).
قال ابن أبي زمنين: " يعني به خاصة علمائهم؛ لأنهم يجدون نعت محمد في كتابهم، ثم كفروا به وأنكروه" (١٨).
قال الطبري: " وإنما هذا من الله ، توبيخٌ لأهل الكتابين على كفرهم بمحمد ﷺ وجحودهم نبوّته، وهم يجدونه في كتبهم، مع شَهادتهم أن ما في كتبهم حقٌّ، وأنه من عند الله" (١٩).
стр. 2367
قال الراغب: " لشهادة: الإخبار بالشيء عن مشاهدة: إما ببصر، أو ببصيرة، ثم يعبر بها عن المعرفة القطعية لصحة ما يدعي، وإن كان المدعى عليه منكرا بلسانه كقولك لخصمك: أنت تشهد أن الأمر بخلاف ما تذكره" (١).
الفوائد:
١ - توبيخ اهل الكتاب على كفرهم بآيات الله ، وهم يشهدون صدقها.
٢ - الحكم الصريح على أهل الكتاب ممن لم يؤمنوا بمحمد- ﷺ بالكفر، فقال: ﴿لم تكفرون بآيات الله﴾، والكفر بآيات الله كفر بالله.
٣ - أن هؤلاء الكفار كفروا عن علم وشهادة، لقوله: ﴿وأنتم تشهدون﴾.
القرآن
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ [آل عمران: ٧١]
التفسير:
يا أهل التوراة والإنجيل لِمَ تخلطون الحق في كتبكم بما حرفتموه وكتبتموه من الباطل بأيديكم، وتُخْفون ما فيهما من صفة محمد ﷺ ، وأن دينه هو الحق، وأنتم تعلمون ذلك؟
في سبب نزول الآية قال ابن عباس: " قال عبد الله بن الصيِّف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غُدْوةً ونكفُر به عشيةً، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنعُ، فيرجعوا عن دينهم! فأنزل الله فيهم: ﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون الحقّ بالباطل﴾ إلى قوله: ﴿والله واسع عليم﴾ " (٢).
قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران: ٧١]، أي: " يا أهل التوراة والإنجيل لم تخلطون الحق بالباطل" (٣).
قال قتادة: " يقول: لم تلبسون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أنّ دين الله الذي لا يقبل غيرَه، الإسلام، ولا يجزي إلا به؟ " (٤). وري عن الربيع (٥)، وابن جريج (٦) نحو ذلك.
وقال ابن زيد: " ﴿الحقّ﴾: التوراة التي أنزل الله على موسى، و ﴿الباطل﴾، الذي كتبوه بأيديهم" (٧) ,
قال الطبري: " وكان خلطهم الحقّ بالباطل، إظهارهم بألسنتهم من التصديق بمحمد ﷺ وما جاء به من عند الله، غيرَ الذي في قلوبهم من اليهودية والنصرانية" (٨).
قوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١]، أي: و" تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد ﷺ وأنتم تعلمون ذلك" (٩).
قال الطبري: " و ﴿الحق﴾ الذي كتموه: ما في كتُبهم من نعت محمد ﷺ ومبعثه ونبوّته" (١٠).
قال قتادة: "، كتموا شأنَ محمد، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وَينهاهم عن المنكر" (١١). وروي عن الربيع (١٢) مثل ذلك.
قال مقاتل بن سليمان: " وذلك أن اليهود أقروا ببعض أمر محمد- ﷺ وكتموا بعضا" (١٣).
стр. 2368
وقال ابن جريج: ﴿تكتمون الحق﴾، الإسلام، وأمرَ محمد ﷺ ﴿وأنتم تعلمون﴾ أنّ محمدًا رسولُ الله، وأنّ الدين الإسلامُ" (١).
الفوائد:
١ - أن هؤلاء الكفار من اهل الكتاب كانوا يخادعون ويمكرون بلبس الحق بالباطل.
٢ - الحذر وعدم الاغترار من اهل الباطل إذا لبسوا الحق بالباطل.
٣ - التوبيخ لمن سلك هذ المسلك، فكل من كان على شاكلتهم يستحق هذا التوبيخ.
٤ - وجوب بيان الحق على من علمه، لقوله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
القرآن
﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾ [آل عمران: ٧٢]
التفسير:
وقالت جماعة من أهل الكتاب من اليهود: صدِّقوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا أول النهار واكفروا آخره; لعلهم يتشككون في دينهم، ويرجعون عنه.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: قال السدي: "كان أحبارُ قُرَى عربيةَ اثني عشر حبرًا، فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أول النهار، وقولوا: نشهد أن محمدًا حقّ صادقٌ، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا: إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدَّثونا أن محمدًا كاذب، وأنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم، لعلهم يشكّون، يقولون: هؤلاء كانوا معنا أوّل النهار، فما بالهم؟ فأخبر الله رسوله ﷺ بذلك" (٢). وروي عن ابن عباس (٣)، وأبي مالك الغفاري، والحسن (٤) نحو ذلك (٥).
والثاني: نقل الواحدي عن مجاهد ومقاتل والكلبي: "هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود لمخالفتهم، قال كعب بن الأشرف وأصحابه: آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة، وصلوا إليها أول النهار، ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار، وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة، لعلهم يقولون هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا، فربما يرجعون إلى قبلتنا فحذر الله تعالى نبيه مكر هؤلاء، وأطلعه على سرهم، وأنزل: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب﴾ الآية" (٦).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٢]، أي: وقالت جماعة من اليهود (٧).
قال الزجاج: " الطائفة الجماعة، وهم إليهود" (٨).
وقد اختلف أهل التفسير في صفة المعنى الذي أمرت به هذه الطائفة من الإيمان وجه النهار وكفر آخره، وفيه قولان:
أحدهما: أن ذلك كان أمرًا منهم إياهم بتصديق النبي ﷺ في نبوّته وما جاء به من عند الله، وأنه حق، في الظاهر من غير تصديقه في ذلك بالعزم واعتقاد القلوب على ذلك وبالكفر به وجحود ذلك كله في آخره. وهذا قول قتادة (٩)، وأبي مالك (١٠)، والسدي (١١).
стр. 2369
والثاني: بل الذي أمرَت به من الإيمان: الصلاةُ، وحضورها معهم أول النهار، وتركُ ذلك آخرَه. وهذا قول ابن عباس (١)، ومجاهد (٢).
قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢]، " أي: ادخلوا في دينهم على وجه المكر والكيد أول النهار، فإذا كان آخر النهار فاخرجوا منه" (٣).
قال مجاهد: " قال: صلوا معهم الصبح، ولا تصلّوا معهم آخرَ النهار، لعلكم تستزلُّونهم بذلك" (٤).
قال قتادة: " ﴿وجه النهار﴾: اول النهار" (٥).
قال الربيع: " ﴿وجه النهار﴾: أول النهار، ﴿واكفروا آخره﴾، يقول: آخر النهار" (٦).
وسمَّى أوّل النهار: وجه النهار، لأنه أحسنه، وأوّلُ ما يواجه الناظرَ فيراه منه، كما يقال لأول الثوب: وجهه (٧)، ومن ذلك قول ربيع بن زياد (٨):
مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بمَقْتَلِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]، أي: "لعلهم يرجعون عن دينهم معكم ويَدَعونه" (٩).
قال ابن عباس: " لعلهم ينقلبون عن دينهم" (١٠).
قال السدي: " لعلهم يشكّون" (١١).
قال مجاهد: "لعلهم يرجعون عن دينهم" (١٢).
قتادة: " يقول: لعلهم يدَعون دينهم، ويرجعون إلى الذي أنتم عليه" (١٣).
قال مقاتل بن سليمان: " يعني: لكي يرجعوا عن دينهم إلى دينكم" (١٤).
قال ابن كثير: " هذه مكيدة أرادوها ليلْبسُوا على الضعفاء من الناس أمْر دينهم، وهو أنهم اشْتَوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويُصَلّوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رَدّهم إلى دينهم اطّلاعهُم على نقيصة وعيب في دين المسلمين" (١٥).
الفوائد:
١ - بيان كيد الكافرين للمسلمين، وذلك بسلوك طرق الحيل المتنوعة.
٢ - قد يكون في أهل الكتاب منافقون، لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾، لأن المؤمن حقا لابد أن يستقر الايمان في قلبه ولا يكفر ولايرجع.
٣ - أن المؤمن قد يخدع بمثل هذه الخديعة، فيتظاهر عدوه بانه موافق له ثم يبرأ منه في النهاية.
القرآن
﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣]
التفسير:
стр. 2370
ولا تصدِّقوا تصديقًا صحيحًا إلا لمَن تبع دينكم فكان يهودياً، قل لهم -أيها الرسول-: إن الهدى والتوفيق هدى الله وتوفيقه للإيمان الصحيح. وقالوا: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين فيتعلمون منكم فيساووكم في العلم به، وتكون لهم الأفضلية عليكم، أو أن يتخذوه حجة عند ربكم يغلبونكم بها. قل لهم -أيها الرسول-: إن الفضل والعطاء والأمور كلها بيد الله وتحت تصرفه، يؤتيها من يشاء ممن آمن به وبرسوله. والله واسع عليم، يَسَعُ بعلمه وعطائه جميع مخلوقاته، ممن يستحق فضله ونعمه.
في سبب نزول قولان:
أحدهما: قال السدي: "قال الله لمحمد ﷺ : ﴿قل إنّ الهدى هُدَى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم﴾، يقول، مثل ما أوتيتم يا أمة محمد ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾، تقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة، حتى أنزل علينا المن والسلوى، فإن الذي أعطيتكم أفضلُ، فقولوا: ﴿إن الفضْل بيد الله يؤتيه من يشاء﴾، الآية" (١).
والثاني: قال أبو مالك: " كان اليهود يقول أحبارهم للذين من دونهم لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأنزل الله تعالى: ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾ " (٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي: " لا تصدقوا ولا تظهروا سرّكم وتطمئنوا لأحدٍ إِلا إِذا كان على دينكم" (٣).
قال أبو عبيدة: أي: " لا تقرّوا: لا تصدّقوا" (٤).
قال الفراء: " فإنه يقال: إنها من قول اليهود. يقول: ولا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم" (٥).
قال الطبري: أي: " لا تؤمنوا إلا لمن آمن بدينكم، ومَنْ خالفه فلا تؤمنوا له" (٦).
قال الثعلبي: أي: " ولا تصدقوا إلا من وافق ملتكم وصلى إلى قبلتكم" (٧).
قال الزجاج: " قيل: المعنى: لا تجعلوا تصديقكم النبي في شيء مما جاءكم به إلا لليهود، فإنكم إن قلتم ذلك للمشركين كان عونا لهم على تصديقه، وقال أهل اللغة وغيرهم من أهل التفسير: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، أي لا تصدقوا أن يعطى أحد من علم النبي ﷺ مثل ما أعطيتم " (٨).
وقال الزمخشري: أي: " ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار، إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم" (٩).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وجهان (١٠):
أحدهما: معناه لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم. قاله الكلبي (١١)، وهو قول الجمهور.
والثاني: أن المعنى: لا تعترفوا بالحق إلا لمن تبع دينكم.
واخْتُلِفَ في الذين قالوا ذلك على قولين:
أحدهما: أنهم كافة اليهود , قال ذلك بعضهم لبعض , وهذا قول قتادة (١٢)، والربيع (١٣)، والسدي (١٤) , وابن زيد (١٥).
стр. 2371
والثاني: أنهم يهود خبير قالوا ذلك ليهود المدينة , وهذا قول الحسن (١).
واختلف في سبب نهيهم أن يؤمنوا إلا لِمَنْ تَبعَ دينهم على قولين (٢):
أحدهما: أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلاً يكون طريقاً لعبدة الأوثان إلى تصديقه, وهذا قول الزجاج (٣).
والثاني: أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلاَّ يعترفوا به فيلزمهم العمل بدينه لإقرارهم بصحته.
وقد ذكر الماتريدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وجوها (٤):
أحدها: يحتمل أن يكون في السر، أي لاتصدقوهم في السرّ، وإن أعطيتم لهم الظاهر.
والثاني: أن يكون بعد ما أظهرتم، اكفروا آخره.
والثالث: أن المعنى: لا تؤمنوا بما جاء به، إلا لأجل من تبع دينكم؛ فيكون عندهم قدوة، يتقرر عندهم -بالذي فعلتم- أنكم أهل الحق؛ فيتبعكم كيفما تصيرون إليه.
والرابع: ويحتمل: ﴿لا تؤمنوا﴾: لا تصدقوا فيما يخبركم عن أوائلكم، ﴿إلا لمن تبع دينكم﴾ على المنع عن تصديق الرسول فيما يخبرهم من التحريف والتبديل.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وجهان (٥):
أحدهما: البيان هو ما بين الله؛ إذ هو الحق، وكل ما فيه الصرف عنه فهو تلبيس وتمويه.
والثاني: ويحتمل: أن يكون الدين هو الذي دعا إليه بما أوضحه وأنار برهانه، لا الدين الذي دعا إليه أولئك المنحرفون.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي: " قل لهم يا محمد: الهدى ليس بأيديكم وإِنما الهدى هدى الله، يهدي من يشاء إِلى الإِيمان ويثبته عليه" (٦).
قال الكلبي: "يقول: دين الله هو الإسلام" (٧).
قال الزمخشري: " معناه أن الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم، أو يزيد ثباته على الإسلام، كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين" (٨).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن جريج: " قوله: ﴿إن الهدى هدى الله﴾، قال: هذا الأمر الذي أنتم عليه" (٩).
قوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي: " خشية أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم" (١٠).
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم (١١)، عن أبي مالك، وسعيد بن جبير: ﴿أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم﴾ قالا: " أمة محمد" (١٢).
وعن السدي: " يقول: ما أوتي أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد" (١٣).
قال مجاهد: " حسدا من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وأرادو أن يتابعوا على دينهم " (١٤).
стр. 2372
وقال قتادة: " يقول: " لما أنزل الله كتابا مثل كتابكم، وبعث نبيا كنبيكم حسدتموهم على ذلك" (١). وروي عن الربيع بن انس مثل ذلك (٢).
قال الأخفش: أي: " لا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم" (٣).
قال السمرقندي: أي: " لن يعطى أحد مثل ما أوتيتم من دين الإسلام، والقرآن الذي فيه الحلال والحرام" (٤).
قال ابن أي زمنين: أي: " فإنه لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم" (٥).
قال الزجاج: " قيل في المعنى: ﴿قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم﴾، أي: الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم" (٦).
قال الزمخشري: " يعنى أن ما بكم من الحسد والبغي- أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب- دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، والدليل عليه قراءة ابن كثير: ﴿أأن يؤتى أحد﴾، بزيادة همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ، بمعنى: إلا أن يؤتى أحد" (٧).
قال الفراء: أي: " لا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أوقعت ﴿تؤمنوا﴾، على ﴿أن يؤتى﴾، كأنه قال: ولا تؤمنوا أن يعطى أحد مثل ما أعطيتم، فهذا وجه.
ويقال: قد انقطع كلام اليهود عند قوله ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾، ثم صار الكلام من قوله: قل يا محمد إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتى أهل الإسلام، وجاءت ﴿أن﴾، لأن في قوله: ﴿قل إن الهدى﴾ مثل قوله: إن البيان بيان الله، فقد بين أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتى أهل الإسلام" (٨).
قال الماتريدي: " أي: لن يؤتى - والله أعلم - من الكتاب والحجج، ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿إن الهدى هدى الله﴾، وهو دينه، أو ما دعا إليه، ثم يقول: ﴿أن يؤتى﴾ بمعنى: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أهل الإسلام من الحجج والبينات، التي توضح أن الحق في أيديكم" (٩).
قال النّحّاس: " هذه الآية من أشكل ما في السورة وقد ذكرناه، والإعراب يبيّنها. فيها أقوال:
فمن قال: إنّ في الكلام تقديما وتأخيرا فإنّ المعنى: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلّا من اتّبع دينكم وجعل اللام زائدة فهو عنده استثناء ليس من الأول وإلّا لم يجز التقديم.
ومن قال: المعنى على غير تقديم ولا تأخير جعل اللام أيضا زائدة أو متعلقة بمصدر، أي: لا تجعلوا تصديقكم إلّا لمن اتّبع دينكم بأن يؤتى أحد من العلم برسالة النبي ﷺ مثل ما أوتيتم.
وتقدير ثالث: أي: كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم" (١٠).
فنستنتج أن في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ [آل عمران: ٧٣]، وجهان (١١):
أحدهما: أن يتصل بقو له: ﴿ولا تؤمنو﴾، تقديره: ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد، لكن حذف الجار لكثرة حذفه مع "أن".
والثاني: أن يتصل بقوله: ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾، ويكون كلام اليهود قد انقطع عند قوله: ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾.
قوله تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي: " أو خشية أن يحاجوكم به عند ربكم" (١٢).
стр. 2373
قال ابن جريج: "قال بعضهم لبعض: لا تخبرونهم بما بين الله لكم في كتابه، فيخاصموكم عند ربكم، فتكون لهم حجة عليكم " (١).
قال الزجاج: " ومعنى: ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾: أي: ليس يكون لأحد حجة عند الله في الإيمان به لعلم من عنده. إلا من كان مثلكم" (٢).
قال الأخفش: أي: " ولا تؤمنوا أن يحاجوكم [﴿عند ربكم﴾] " (٣).
قال ابن أبي زمنين: أي: " ولن يحاجكم بمثل دينكم أحد عند ربكم" (٤).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن السدي: " ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾، يقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة حتى أنزل علينا المن والسلوى" (٥).
قال الماتريدي: " قوله: ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾: راجع إلى قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، فـ ﴿يحاجوكم عند ربكم﴾ أنهم قد آمنوا به مرة وأقروا له؛ وهو كقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]: أنهم كانوا يظهرون لهم الإسلام والإيمان، ثم إذا خلوا قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]؛ فقال بعضهم لبعض: لا تظهروا لهم الإسلام؛ فيحاجوكم عند ربكم في الآخرة؟ ! " (٦).
نستنتج بأن في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وجهان (٧):
أحدهما: أن في الكلام حذفاً , وتقديره: قل إن الهدى هدى الله ألاَّ يُؤْتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم أُّيها المسلمون , ثم حذف (لا) من الكلام لدليل الخطاب عليها مثل قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أي لا تضلوا , وهذا معنى قول السدى (٨) , وابن جريج (٩).
والثاني: أن معنى الكلام: قل إن الهدى هدى الله فلا تجحدوا أن يُؤْتى أحد مثل ما أوتيتم.
وقرأ ابن كثير: «أان يؤتى» بهمزتين: الأولى مخففة، والثانية ملينة على الاستفهام، مثل: أانتم أعلم، أي لا يعطى أحد مثل ما أعطيتم وهو متصل بقوله ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾ ﴿أن يؤتى أحد﴾ ويكون قوله ﴿إن الهدى هدى الله﴾ خبرا اعترض في وسط الكلام ولم يغير من المعنى شيئا وإذا حمل الكلام على هذا كان قوله أن يؤتى بعد من الحكاية عن اليهود يقول لا تصدقوا أن يعطى أحد مثل ما أعطيتم.
وقرأ الباقون: ﴿أن يؤتى﴾، بلا استفهام، وتأويله ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وقد بينا في كتاب التفسير (١٠).
وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ يُحَآجُّوكُم عِندَ رَبِّكُم﴾﴾ [آل عمران: ٧٣]، وجهان:
أحدهما: يعني ولا تؤمنوا أن يُحَاجّوكم عند ربكم، لأنه لا حجة لهم , وهذا قول الحسن (١١) , وقتادة (١٢).
والثاني: إن معناه حتى يُحَاجُّوكم عند ربكم , على طريق التبعيد , كما يقال: لا تلقاه أو تقوم الساعة , وهذا قول الكسائي (١٣) , والفراء (١٤).
стр. 2374
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي: " قل لهم -أيها الرسول-: إن الفضل والعطاء والأمور كلها بيد الله وتحت تصرفه" (١).
قال ابن جريج: " ﴿قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء﴾، يعني: "الإسلام " (٢).
قال مقاتل: " قل يا محمد: ﴿إن الفضل﴾ يعني: الإسلام والنبوة" (٣).
قال الزجاج: " أي نبوته وهداه يؤتيه من يشاء" (٤).
قال السمرقندي: " يعني النبوة، والكتاب والهدى، بتوفيق الله، يوفق من يشآء" (٥).
قال ابن أبي زمنين: " وفضل الله: الإسلام" (٦).
قال الزمخشري: " يريد الهداية والتوفيق" (٧).
قال السدي: " قال: يا أمة محمد فإن الذي أعطيتكم أفضل، فقولوا: ﴿إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء﴾ " (٨).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي: والله " كثير العطاء واسع الإِنعام يعلم من هو أهل له" (٩).
قال التستري: " أي كثير العطاء يقدر بقدرته الأزلية أن يعطى جميع ما يسأل، وهو المحيط بكل شيء، كما قال: وسع كل شيء علما [طه: ٩٨] " (١٠).
قال مقاتل: أي: ﴿عليم﴾ "بمن يؤتيه الفضل" (١١).
قال السمرقندي: أي: والله" واسع الفضل، عليم بمن يؤتيه الفضل" (١٢).
الفوائد:
١ - تعصب أهل الكتاب لدينهم على ضلالهم.
٢ - أن المسلم يرد كيد هؤلاء بإعلان أن الهدى هدى الله، ومن ثم الاعتماد على الرب في طلب الهدى، دون الاعتماد على النفس.
٣ - أن الحسد كان سبب صنيعتهم لهذه الخديعة، لقوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾.
٤ - أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والحساب، لقوله: ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾، ولكن ليس كل من آمن بالبعث يعمل له، وذلك كاليهود والنثارى إذ لو عملوا لهذا البعث لآمنوا بالرسول- ﷺ .
٥ - إثبات أن العطاء عطاء الله، وأنه إذا منّ على أحدا من خلقه فلن يستطيع أحد منعه.
٦ - إثبات المشيئة لله، لقوله: ﴿من يشاء﴾.
٧ - قال الماتريدي: " هذه الآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الفضل ليس بيد الله؛ وكذلك الاختصاص؛ إنما ذلك بيد الخلق؛ لأن من قولهم: إنه ليس على الله أن يفعل بالخلق إلا ما هو أصلح لهم في الدين، ليس له أن يؤتى أحدا فضلا، ولا له أن يختص أحدا برسالة، إلا من هو مستحق لذلك مستوجب له؛ فذلك الفضل والاختصاص إنما استوجبوا بأنفسهم لا بالله، على قولهم، ففي الحقيقة الفضل عندهم كان بيدهم لا بيد الله، فأكذبهم الله بذلك؛ إذ الفضل عند الخلق هو فعل ما ليس عليه لا ما عليه؛ فنعوذ بالله من السرف في القول، والزيغ عن الرشد" (١٣).
القرآن
стр. 2375
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٤]
التفسير:
إن الله يختص مِن خلقه مَن يشاء بالنبوة والهداية إلى أكمل الشرائع، والله ذو الإحسان والعطاء الكثير الواسع.
في سبب نزول الآية: قال السدي: "قال الله لمحمد ﷺ : ﴿قل إنّ الهدى هُدَى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم﴾، يقول، مثل ما أوتيتم يا أمة محمد ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾، تقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة، حتى أنزل علينا المن والسلوى فإن الذي أعطيتكم أفضلُ فقولوا: ﴿إن الفضْل بيد الله يؤتيه من يشاء﴾، الآية" (١).
قوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤]، أي: "يخص بالرحمة من يشاء" (٢).
قال الحسن: " رحمته الإسلام يختص بها من يشاء" (٣).
وقال مجاهد: "النبوّة، يخصُّ بها من يشاء" (٤). وروي عن الربيع (٥)، وابن جريج (٦) مثل ذلك.
قال الطنطاوي: " أى يختص بالنبوة وما يترتب عليها من الهداية والنعم من يشاء من عباده" (٧).
قال السمرقندي: " يعني: بدينه يعطيه من يشاء من عباده" (٨).
قال ابن أبي زمنين: " أي: بدينه؛ وهو الإسلام، ﴿من يشاء﴾ يعني: المؤمنين" (٩).
قال المراغي: " أي إن فضله الواسع ورحمته العامة يعطيهما بحسب مشيئته، لا كما يزعم أهل الكتاب من قصرها على الشعب المختار من بنى إسرائيل، فهو يبعث من يشاء نبيا ويبعثه رسولا" (١٠).
قال ابن كثير: "أي: اختصكم - أيها المؤمنون - من الفضل بما لا يُحَد ولا يُوصَف، بما شرف به نبيكم محمدًا ﷺ على سائر الأنبياء وهداكم به لأحمد الشرائع" (١١).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤]، أي: والله صاحب الفضل الواسع الكثير" (١٢).
قال السمرقندي: " أي ذو المن العظيم، لمن اختصه بالإسلام" (١٣).
قال سعيد بن جبير: " العظيم يعني: وافر" (١٤).
الفوائد:
١ - أن الله قد يرحم بعض العباد رحمة خاصة، وقد بيّن في آية أخرى أن الله يرحم من يستحق ذلك، وهو الذي تعرض لأسباب الرحمة، فقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
٢ - أنه لا اعتراض على الله في كونه يختص برحمته من يشاء من الناس، لأن الامر إليه وهو فضل إن شاء منعه وإن شاء أعطاه.
٣ - جواز وصف غير الله بالعظين، لقوله: ﴿ذو الفضل العظيم﴾.
٤ - قال الماتريدي: " وقوله: ﴿يختص برحمته من يشاء﴾، ينقض على المعتزلة قولهم بوجهين:
стр. 2376
أحدهما: أنهم لا يرون لله أن يختص أحدا -بشيء فيه صلاح- غيره صرفه عن ذلك الغير، بل إن فعل ذلك كان محابيا عندهم بخيلا، بل في الابتداء لم يكن له ذلك؛ وإنما يعطى بالاستحقاق، وذلك حق يلزمه، وقد ذكر بحرف الامتنان.
وعندهم -أيضا-: ليس له ألا يشاء أو لا يعطى؛ فلا معنى لذكره الذي ذكر مع ما صار ذلك، بيد غيره إذ يلزم ذلك، والله أعلم.
والثاني: أن الذي يحق عليه - أن يبذل كلا الأصلح في الدين، وأنه إن قصر أحدا عن ذلك كان جائزا، ثم الأفضل للعبد شيء مما أعطى حتى يعطيه فيما أمره؛ فيكون الفضل في الحقيقة في يد العبد: يؤتى نفسه إن شاء ويمنع إن شاء" (١).
القرآن
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥]
التفسير:
ومن أهل الكتاب من اليهود مَن إنْ تأمنه على كثير من المال يؤدِّه إليك من غير خيانة، ومنهم مَن إنْ تأمنه على دينار واحد لا يؤدِّه اليك، إلا إذا بذلت غاية الجهد في مطالبته. وسبب ذلك عقيدة فاسدة تجعلهم يستحلُّون أموال العرب بالباطل، ويقولون: ليس علينا في أكل أموالهم إثم ولا حرج; لأن الله أحلَّها لنا. وهذا كذب على الله، يقولونه بألسنتهم، وهم يعلمون أنهم كاذبون.
في سبب نزول الآية أقوال:
أ- اختلف أهل العلم في سبب نزول قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [الآية: ٧٥]، على وجوه:
أحدها: قال مقاتل بن سليمان: " يعني عبد الله بن سلام وأصحابه ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك
يعني كفار اليهود يعني كعب بن الأشرف وأصحابه، يقول منهم من يؤدي الأمانة ولو كثرت، ومنهم من لا يؤديها ولو ائتمنته على دينار لا يؤده إليك" (٢).
والثاني: نقل ابن حجر عن ابن عباس: أن "الأول عبد الله بن سلام أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداه إليه فمدحه الله، والثاني فنحاص بن عازورا أودعه رجل من قريش دينارا فخانه فيه" (٣).
والثالث: قال الثعلبي: " قال أكثر المفسّرين: نزلت هذه الآية في اليهود كلّهم، أخبر الله تعالى إنّ فيهم أمانة وخيانة، والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدينار عبارة عن المال القليل" (٤).
والرابع: قال السيوطي: " أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْك﴾ قال: هذا من النصارى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْك﴾ قال: هذا من اليهود: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ قال: إلا ما طلبته واتبعته" (٥).
ب-كما اختلف أهل العلم في سبب نزول قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ٧٥]، على وجهين:
أحدهما: قال ابن عباس: " ﴿ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل﴾، وذلك أن أهل الكتاب كانوا يقولون: ليس علينا جناح فيما أصبنا من هؤلاء، لأنهم أمِّيُّون. فذلك قوله: ﴿ليس علينا في الأميين سبيل﴾، إلى آخر الآية" (٦).
стр. 2377
والثاني: قال ابن جريج: " ﴿ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل﴾، قال: بايع اليهودَ رجالٌ من المسلمين في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم ثمنَ بُيوعهم، فقالوا: ليس لكم علينا أمانةٌ، ولا قضاءَ لكم عندنا، لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه! قال: وادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم، فقال الله : ﴿ويقولون على الله الكذبَ وهم يعلمون﴾ " (١). وروي عن قتادة (٢)، والسدي (٣) ومقاتل (٤) نحو ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي: " ومن أهل الكتاب الذي إنْ تأمنه، يا محمد، على عظيم من المال كثير، يؤدِّه إليك ولا يخنْك فيه" (٥).
واختلفوا في مقدار القنطار على سبعة أقاويل:
أحدها: أنه ألف ومائتا أوقية، وهو قول معاذ بن جبل (٦)، وأبي هريرة (٧)، وعاصم بن أبي النجود (٨)، ورواه زر بن حبيش عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : " القنطار ألف أوقية ومئتا أوقية" (٩).
والثاني: أنه ألف ومائتا دينار، وهو قول ابن عباس (١٠)، والضحاك (١١)، والحسن (١٢)، وقد رواه الحسن عن النبي ﷺ (١٣).
والثالث: أنه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار، وهو قول ابن عباس (١٤)، والضحاك (١٥)، والحسن (١٦).
والرابع: أنه ثمانون ألفاً من الدراهم، أو مائة رطل من الذهب، وهو قول سعيد بن المسيب (١٧)، وقتادة (١٨)، وأبي صالح (١٩)، والسدي (٢٠).
والخامس: أنه سبعون ألفاً، قاله ابن عمر (٢١)، ومجاهد (٢٢).
والسادس: أنه ملء مسك ثور ذهباً، قاله أبو نضرة (٢٣)، والكلبي (٢٤).
والسابع: أنه المال الكثير، وهو قول الربيع (٢٥).
والراجح أن القنطار: هو المال الكثير، كما قال الربيع بن أنس، ولا يحدُّ قدرُ وزنه بحدٍّ على تَعسُّف (٢٦).
стр. 2378
وقرأ أبو عمرو وحمزة: ﴿يُؤَدِّهْ﴾، بجزم الهاء، وهي لغة لبعض العرب، واللغة المعروفة هي بإظهار الكسرة (١).
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي: " ومنهم الذي إن تأمنه على دينار يخنْك فيه فلا يؤدِّه إليك" (٢).
قال مالك بن دينار قال: "إنما سمي الدينار لأنه دين ونار، معناه: إن من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار" (٣).
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي: " إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة" (٤).
قال ابن كثير: " أي: بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى ألا يؤديه ... يخبر تعالى عن اليهود بأن فيهم الخونة، ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم" (٥).
وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وجوه:
أحدها: أن المعنى: إلا ما دمت عليه قائماً بالمطالبة والإقتضاء، وهذا قول مجاهد (٦)، وعطاء (٧)، وقتادة (٨)، والربيع بن أنس (٩).
والثاني: بالبينة. قاله نمير بن اوس (١٠).
والثالث: قائماً على رأسه، وهو قول السدي (١١).
الرابع: بالملازمة. أفاده الماوردي (١٢).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، " أي إِنما حملهم على الخيانة زعمهم أن الله أباح لهم أموال الأميين-يعني العرب" (١٣).
قال الطبري: " من أجل أنه يقول: لا حرَج علينا فيما أصبنا من أموال العرب" (١٤).
قال ابن كثير: "أي: إنَّمَا حَمَلهم على جُحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حَرَج في أكل أموال الأمييّن، وهم العرب؛ فإن الله قد أحلها لنا" (١٥).
قال سعيد بن جبير: " لما قال أهل الكتاب: ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل قال نبي الله: كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر" (١٦).
ولأهل التفسير في سبب استباحتهم له قولان:
أحدهما: لأنهم مشركون من غير أهل الكتاب، وهو قول قتادة (١٧)، والسدي (١٨).
والثاني: لأنهم تحولوا عن دينهم الذي عاملناهم عليه، وهذا قول الحسن (١٩) وابن جريج (٢٠).
стр. 2379
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، " أي: يكذبون على الله بادعائهم ذلك وهم يعلمون أنهم كاذبون مفترون " (١).
قال ابن جريج: " يعني: ادّعاءهم أنهم وجدُوا في كتابهم قولهم: ﴿ليس علينا في الأميين سبيل﴾ " (٢).
قال السدي: " فيقول على الله الكذب وهو يعلم يعني الذي يقول منهم - إذا قيل له: ما لك لا تؤدي أمانتك؟ -: ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلها الله لنا! " (٣).
قال ابن كثير: " أي: وقد اختلقوا هذه المقالة، وائتفكوا بهذه الضلالة، فَإن الله حَرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها، وإنما هم قوم بُهْت" (٤).
الفوائد:
١ - بيان انقسام أهل الكتاب إلى قسمين: أمين وخائن، كما انقسموا إلى قسمين: مؤمن وكافر، وبالتالي يجب الحذر منهم عند التعامل.
٢ - جواز الاقتصار على المثال ليقاس عليه ما يشبهه، لأنه قال قنطار ودينار على سبيل التمثيل.
٣ - اعجاب أهل الكتاب بأنفسهم واحتقارهم لغيرهم، لقولهم: ﴿ليس علينا في الأميين سبيل﴾.
٤ - قولهم على الله الكذب وذلك بنسبتهم الظلم والعدوان إلى شريعة الله.
٥ - إن من افترى على الله الكذب وهو يعلم، أشد إثما وعدوانا ممن لايعلم، وإن كان كل منهم على خطأ.
٦ - إن الجهل المركب أقبح من الجهل البسيط، لأن الذي يكذب وهو يعلم أقبح من الذي يرى أن هذا هو العلم.
القرآن
﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾ [آل عمران: ٧٦]
التفسير:
ليس الأمر كما زعم هؤلاء الكاذبون، فإن المتقي حقاً هو من أوفى بما عاهد الله عليه من أداء الأمانة والإيمان به وبرسله والتزم هديه وشرعه، وخاف الله فامتثل أمره وانتهى عما نهى عنه. والله يحب المتقين الذين يتقون الشرك والمعاصي.
قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ [آل عمران: ٧٦]، " أي ليس كما زعموا بل عليهم فيه إِثم لكنْ من أدّى الأمانة منهم وآمن بمحمد ﷺ َ واتقى الله واجتنب محارمه" (٥).
قال الحسن: " أمروا أن يؤدوا إلى كل مسلم عهده" (٦).
قال ابن كثير: " أي: لكن من أوفى بعهده منكم يا أهل الكتاب الذي عاهدكم الله عليه، من الإيمان بمحمد ﷺ إذا بعث، كما أخذ العهد والميثاق على الأنبياء وأممهم بذلك، واتقى محارم الله تعالى واتبع طاعته وشريعته التي بعث بها خاتم رسله وسيد البشر" (٧).
قال الزمخشري: " والضمير في ﴿بعهده﴾، راجع إلى ﴿من أوفى﴾، على أن كل من أوفى بما عاهد عليه واتقى الله في ترك الخيانة والغدر، فإن الله يحبه.
فإن قلت، فهذا عام يخيل أنه لو وفي أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة لكسبوا محبة الله.
стр. 2380
قلت: أجل، لأنهم إذا وفوا بالعهود وفوا أول شيء بالعهد الأعظم، وهو ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان برسول مصدق لما معهم، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على الله وتحريف كلمه.
ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى، على أن كل من وفى بعهد الله واتقاه فإن الله يحبه، ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من الصالحات وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء" (١).
قال المراغي: " أي: بلى عليكم في الأميين سبيل، وعليكم الوفاء بعقودكم المؤجلة والأمانات، فمن أقرضك مالا إلى أجل، أو باعك بثمن مؤجل أو ائتمنك على شىء وجب عليك الوفاء به، وأداء الحق له فى حينه دون حاجة إلى الإلحاف في الطلب أو إلى التقاضي، وبذلك قضت الفطرة وحتّمت الشريعة.
وفي هذا إيماء إلى أن اليهود لم يجعلوا الوفاء بالعهد حقا واجبا لذاته، بل العبرة عندهم بالمعاهد، فإن كان إسرائيليا وجب الوفاء له، ولا يجب الوفاء لغيره، والعهد ضربان:
أحدهما: عهد المرء لأخيه في العقود والأمانات كما تقدم.
والثاني: عهد الله تعالى، وهو ما يلتزم به المؤمن لربه من اتباع دينه والعمل بما شرعه على لسان رسوله.
واليهود لم يفوا بشىء منهما، إذ لو وفّوا بعهد الله لآمنوا بالنبي ﷺ واتبعوا النور الذي أنزل معه، كما وصاهم بذلك كتابهم على لسان رسولهم موسى صلوات الله عليه" (٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]، أي: "فإن الله يحب الذين يتقونه فيخافون عقابه ويحذرون عذابه " (٣).
قال أبو حيان: " وأتى بلفظ: المتقين، عاما تشريفا للتقوى دحضا عليها" (٤).
قال البيضاوي: "أشْعَرَ بأن التقوى ملاك الأمر وهو يعم الوفاء وغيره من أداء الواجبات والاجتناب عن المناهي " (٥).
قال المراغي: " وقد جعل الله جزاء الموفين بالعهد المتقين الإخلاف والغدر- محبته تعالى ورحمته لهم في الدنيا والآخرة، وفي هذا إيماء إلى أن الوفاء بالعهود، واتقاء الإخلاف فيها وفي سائر المعاصي والخطايا هو الذي يقرب العبد من ربه، ويجعله أهلا لمحبته. أما الانتساب إلى شعب بعينه فلا قيمة له عند الله، وفي هذا تعريض بأن أصحاب هذا الرأى من اليهود ليسوا على حظ من التقوى، وهى الدعامة الأساسية في كل دين قويم" (٦).
قال رسول الله- ﷺ : "لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس" (٧).
وعن ميمون أبي حمزة قال: كنت جالسا عند أبي وائل، فدخل رجل يقال له أبو عفيف من أصحاب معاذ، فقال له شقيق بن سلمة: ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة" (٨).
الفوائد:
١ - الثناء على الموفين بالعهد.
٢ - أن الوفاء بالعهد من اسباب محبة الله.
٣ - الحث على التقوى، وأن التقوى عموما سبب لمحبته.
٤ - الرد على أهل التعطيل الذي انكروا محبة الله، لقوله: ﴿والله يحب المتقين﴾.
القرآن
стр. 2381
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧]
التفسير:
إن الذين يستبدلون بعهد الله ووصيته التي أوصى بها في الكتب التي أنزلها على أنبيانهم، عوضًا وبدلا خسيسًا من عرض الدنيا وحطامها، أولئك لا نصيب لهم من الثواب في الآخرة، ولا يكلمهم الله بما يسرهم، ولا ينظر إليهم يوم القيامة بعين الرحمة، ولا يطهرهم من دنس الذنوب والكفر، ولهم عذاب موجع.
اختلف في سبب نزول الآية على أقوال:
أحدها: أنها نزلت في أحبار من اليهود وهم: أبو رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحُييّ بن أخطب. قاله عكرمة (١)، وقال مقاتل: " يعني رءوس اليهود" (٢).
والثاني: أنها نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له، إذ روي عن أبي وائل، عن عبد الله قال: "قال رسول الله ﷺ : من حَلف على يمين هو فيها فاجرٌ ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم، لقيَ اللهَ وهو عليه غضبان فقال الأشعث بن قيس: فيّ والله كان ذلك: كان بيني وبين رجل من اليهود أرضٌ فجحدني، فقدّمته إلى النبي ﷺ ، فقال لي رسول الله ﷺ : ألك بيِّنة؟ قلت: لا! فقال لليهودي: " احلفْ. قلت: يا رسول الله، إذًا يحلف فيذهبَ مالي! فأنزل الله : " إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " الآية" (٣).
والثالث: وروى بادان عن ابن عباس قال: "نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي استعدى عليه عبدان بن أشرع فقضى رسول الله ﷺ بالحلف، فلمّا همّ أن يحلف نزلت هذه الآية. فامتنع امرئ القيس أن يحلف وأقرّ لعبدان بحقّه ودفعه إليه. فقال رسول الله ﷺ : لك عليها الجنّة" (٤).
والرابع: " وقال الثعلبي: " وروى منصور بن أبي وائل قال: قال عبد الله: من حلف على عين يستحقّ بها مالا وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان. فأنزل الله تعالى تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا﴾ الآية" (٥).
والخامس: وقال عامر: " أنّ رجلا أقام سِلعته أوّل النهار، فلما كان آخرُه جاء رجل يساومه، فحلفَ لقد منعها أوّل النهار من كذا وكذا، ولولا المساء ما باعها به، فأنزل الله : ﴿إن الذي يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا﴾ " (٦). وروي عن مجاهد (٧) نحوه.
والسادس: وقال الثعلبي: "قال الكلبي: إنّ ناسا من علماء اليهود أولي فاقة كانوا ذوي حظ من علم التوراة فأصابهم سنة. فأتوا كعب بن الأشرف يستميرونه فسألهم كعب: هل تعلمون أنّ هذا الرّجل رسول الله في كتابكم؟ فقالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟ قال: لا. قالوا: فإنّا نشهد إنّه عبد الله ورسوله، قال كعب: قد كذبتم عليّ فأنا أريد أن أميركم وأكسوكم فحرمكم الله خيرا كثيرا. قالوا: فإنّه شبّه لنا. فرويدا حتى نلقاه. قال: فانطلقوا فكتبوا صفة سوى صفته، ثم أتوا نبي الله ﷺ فكتموه ثم رجعوا إلى كعب، فقالوا: قد كنّا نرى رسول الله فأتيناه، فإذا هو ليس بالنعت الّذي نعت لنا وأخرجوا الّذي كتبوه. ففرح بذلك كعب، ومكرهم فأنزل الله هذه الآية، نظيرها قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤] الآية" (٨).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: إن الذين"يستبدلون بالعهد الذي عاهدوا عليه من التصديق بمحمد وبأيمانهم الكاذبة حطام الدنيا وعرضها الخسيس الزائل" (٩).
стр. 2382
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: أولئك" لا حظ لهم في خيرات الآخرة" (١).
عن ابن عباس: "يعني قوله: ﴿لا خلاق لهم في الآخرة﴾: يقول: نصيب" (٢). وروي عن مجاهد والسدي نحو ذلك (٣).
وقال قتادة: " ليس لهم في الآخرة جهة عند الله" (٤).
وقال الحسن: "ليس له دين" (٥).
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: " ولا يكلمهم الله بما يسرُّهم" (٦).
قال الثعلبي: أي: " كلاما ينفعهم ويسرّهم، قاله المفسرون، وقال المفضل: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾: بقبول حجّة يحتجّون بها" (٧).
قال أبو السعود: " أي بما يسُرّهم أو بشيء أصلاً وإنما يقع ما يقع من السؤال والتوبيخِ والتقريعِ في أثناء الحساب من الملائكةِ ﵈ أولا ينتفعون بكلماتِ الله تعالى وآياتِه والظاهرُ أنه كنايةٌ عن شدة غضبِه وسَخَطِه نعوذ بالله من ذلك" (٨).
وذكر الزجاج في قوله تعالى: : ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وجهان (٩):
أحدهما: أن يكون إسماع الله أولياءه كلامه بغير سفير، خصوصية يخص الله بها أولياءه كما كلم موسى فكان ذلك خصوصية له دون البشر أجمعين.
والثاني: وجائز أن يكون ﴿ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم﴾ تأويله الغضب عليهم، والإعراض عنهم كما تقول: " فلان لا ينظر إلى فلان ولا يكلمه، وتأويله أنه غضبان عليه، وإن كلمه بكلام سوء لم ينقض ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: " ولا يعطف عليهم بخير، مقتًا من الله لهم" (١٠).
قال الأخفش: " فهذا مثل قولك للرجل: ما تنظر إلي، اذا كان لا ينيلك شيئا" (١١).
قال الثعلبي: " أي لا يرحمهم ولا يعطف عليهم ولا يحسن إليهم ولا يكلمهم خيرا. يقال نظر فلان لفلان، ونظر إليه إذا رحمه وأحسن إليه" (١٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: " ولا يطهرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم" (١٣).
قال الزجاج: أي: " لا يجعلهم طاهرين ولا يثني عليهم خيرا" (١٤).
قال ابن عطية: " يحتمل معنيين، أحدهما يطهرهم من الذنوب وأدرانها، والآخر ينمي أعمالهم، فهي تنمية لهم، والوجهان منفيان عنهم في الآخرة" (١٥).
قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: " ولهم عذاب موجع" (١٦).
стр. 2383
قال ابن عباس: أي: " نكال موجع" (١).
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: من ادعى مالاً، فأقام عليه شاهداً، أو ادعي عليه مال، فكانت عليه يمين، ئظِرَ في قيمة المال، فإن كان عشرين ديناراً فصاعداً، وكان الحكم بمكة: أحْلِف بين المقام والبيت على ما يَدّعى، ويُدعى عليه، وإن كان بالمدينة حُلف على منبر رسول الله ﷺ ، ومن كان ببلد غير مكة والمدينة، أخلِفَ على عشرين ديناراً، أو على العظيم من الدم والجراح، بعد العصر في مسجد ذلك البلد ويتلى عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية" (٢).
عن عباد بن منصور قال: "سألت الحسن عن قوله: ﴿أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾، فقال: هؤلاء أقوام باعوا خلاقهم بالدنيا فقال: أنبأكم الله كيف يصنع بهم" (٣).
الفوائد:
١ - تهديد هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، وينصب هذا على العلماء الذين يكتمون ما انزل الله مداهنة أو مراعاة أو من اجل مال، وقد عهد الله إلى العلما أن يبيّنوا العلم، والعلماء ثلاثة أصناف: عالم امة، وعالم دولة، وعالم ملة. فعالم الملة: هو الي لا يشتري بعهد الله ثمنا قليلا، بل يبين للملة ولايبالي. وأمت عالم الدولة فيشتري بآيات الله ثمنا قليلا ليكون له جاه عند الدولة، وربما ليعطي مالا، واما عالم الأمة: فهو ال ١ ي يراعي الامة، فينظر ماذا تشتهي عامة الناس (أي الأمة)، فيفتي به أو يقول به، وما لا تشتهيه الأمة يسكت عنه.
٢ - تحريم اليمين الغموس، وهو من كبائر الذنوب.
٣ - أن من وفى بعهده وحلف على صدق، فإنه لا يحرم نصيبه من خيرات الآخرة.
٤ - إثبات الآخرة.
٥ - ينبغي للإنسان أن تكون الآخرة هي هدفه، ومغزاه، ومراده، فقد يكون للانسان نصيب في الدنيا ولكن لا خير فيه.
٦ - إن من أعظم العقوبات في الآخرة: أن الله لا يكلم هؤلاء عقوبة لهم، ولهذا كان النظر إلى وجه الله من أفضل الثواب واعظمه وأعلاه بل هو غاية الثواب والفضل.
٧ - أن هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا لاينظر اليهم الله يوم القيامة، والمراد به النظر الخاص، اما النظر العام فإن الله لا يحجب عن بصره شيء.
٨ - إثبات العذاب، وقد يكون العذاب في الدنيا وقد يكون في الآخرة، فالكائن في الدنيا قد يكون بفعل الله وقدي يكون بفعل عباد الله.
القرآن
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ [آل عمران: ٧٨]
التفسير:
وإن مِن اليهود لَجماعةً يحرفون الكلام عن مواضعه، ويبدلون كلام الله; ليوهموا غيرهم أن هذا من الكلام المنزل، وهو التوراة، وما هو منها في شيء، ويقولون: هذا من عند الله أوحاه الله إلى نبيه موسى، وما هو من عند الله، وهم لأجل دنياهم يقولون على الله الكذب وهم يعلمون أنهم كاذبون.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: نقل الثعلبي عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: "إنّ الآية نزلت في اليهود والنّصارى جميعا والذين هم حرّفوا التوراة والإنجيل، وضربوا كتاب الله بعضه ببعض وألحقوا به ما ليس منه فأسقطوا منه الدين الحنفي، فبيّن الله تعالى كذبهم للمؤمنين" (٤).
стр. 2384
والثاني: ونقل الثعلبي عن الضحّاك ومقاتل: " ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ يعني عيسى ﵇ ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ﴾ يؤتى الحكمة. نزلت في نصارى أهل نجران" (١).
والثاني: وأخرج الطبري عن ابن عباس قال: "قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارَى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرِّبِّيس: أوَ ذاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا! أو كما قال فقال رسول الله ﷺ : معاذَ الله أن نَعبُد غيرَ الله، أو نأمر بعبادة غيره! ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني أو كما قال. فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة﴾، الآية إلى قوله: ﴿بعد إذ أنتم مسلمون﴾ " (٢).
والثالث: وقال قتادة: "، هم أعداء الله اليهود، حرَّفوا كتابَ الله، وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله" (٣). وروي عن ابن عباس (٤)، والربيع (٥) نحو ذلك.
والرابع: وقال مقاتل: "يعني من اليهود، ﴿لفريقا﴾: يعني طائفة منهم، يعنى: كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وأبو ياسر، جدي ابن أخطب، وشعبة بن عمرو" (٦).
والخامس: وقال الحسن: " بلغني أن رجلا قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: "لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله"، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٧).
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، أي وإِن من اليهود طائفة يفتلون ألسنتهم في حال قراءة الكتاب لتحريف معانيه وتبديل كلام الله عن المراد" (٨).
قال ابن عباس: " وهم اليهود" (٩) / " وروي عن الربيع وقتادة نحو ذلك (١٠).
وقال الحسن: "هم أهل التاب كلهم" (١١).
قال مقاتل: " يعني باللي التحريف بالألسن في أمر محمد- ﷺ " (١٢).
قال ابن كثير: " يخبر تعالى عن اليهود، عَليهم لعائن الله، أن منهم فريقا يُحَرِّفون الكلم عن مواضعه ويُبَدِّلون كلام الله، ويزيلونه عن المراد به" (١٣).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، قولان:
أحدهما: أن المعنى زيدون في كتاب الله ما لم ينزل الله. قاله ابن عباس (١٤).
والثاني: أن المعنى: يحرفونه. وهذا قول مجاهد (١٥)، وروي عن الشعبي والحسن، وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (١٦).
стр. 2385
قوله تعالى: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، "أي: لتظنوا أن هذا المحرّف من كلام الله وما هو إِلا تضليل وبهتان" (١).
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، " أي: وينسبونه إِلى الله وهو كذبٌ على الله، وهم يعلمون أنهم كذبوا وافتروا على الله" (٢).
قال الربيع بن أنس: " هم أعداء الله اليهود حرفوا كتاب الله، وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله" (٣).
قال وهب بن مُنَبِّه: " إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله لم يغير منهما حرف ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل، وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله فأما كتب الله فإنها محفوظة لا تحول" (٤).
قال ابن كثير: " فإن عَنَى وَهْب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص، وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ففيه خطأ كبير، وزيادات كثيرة ونقصان، ووَهْم فاحش. وهو من باب تفسير المعبر المعرب، وفَهْم كثير منهم بل أكثرهم، بل جميعهم فاسد. وأما إن عَنَى كتب الله التي هي كتبه من عنده، فتلك كما قال محفوظة لم يدخلها شيء" (٥).
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]، " أي: يكذبون على الله بادعائهم ذلك وهم يعلمون أنهم كاذبون مفترون" (٦).
قال الحسن: " هم أهل الكتاب كلهم قد كذبوا على الله، وحرفوا الكلم عن مواضعه" (٧).
قال الزجاج: " أي وهم يعلمون أئهم يكذبون" (٨).
قال الطبري: أي: "ويتعمّدون قيل الكذب على الله والشهادة عليه بالباطل، والإلحاقَ بكتاب الله ما ليس منه، طلبًا للرياسة والخسيس من حُطام الدنيا" (٩).
قال ابن كثير: " وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله" (١٠).
قال المراغي: " أي وهم يعلمون كذبهم في ذلك لأن ما جاء من عند الله فهو في كتابه، والتوراة التي بين أيديهم ليس فيها خيانة الأميين، ولا أكل أموالهم بالباطل، وهم يعلمون ذلك حق العلم، لكنهم لما لم يكتفوا بالكتاب ولجأوا إلى التقليد وعدّوا كلام أحبارهم دينا، وهؤلاء قالوا في الدين بالرأى والهوى، وحرفوا الكلم عن مواضعه ليؤيدوا آراءهم، وجدوا من هذه الأقوال ما يساعدهم على ما يدّعون" (١١).
قال السعدي: " وهذا أعظم جرما ممن يقول على الله بلا علم، هؤلاء يقولون على الله الكذب فيجمعون بين نفي المعنى الحق، وإثبات المعنى الباطل، وتنزيل اللفظ الدال على الحق على المعنى الفاسد، مع علمهم بذلك" (١٢).
قال الشافعي: " والناس صنفان:
أحدهما: أهل الكتاب، بدلّوا من أحكامه، وكفروا بالله، فافتعلوا كذباً صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم، فذكر ﵎ لنبيه من كفرهم فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨