← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧] التفسير: إن الذين يستبدلون بعهد الله ووصيته التي أوصى بها في الكتب التي أنزلها على أنبيانهم، عوضًا وبدلا خسيسًا من عرض الدنيا وحطامها، أولئك لا نصيب لهم من الثواب في الآخرة، ولا يكلمهم الله بما يسرهم، ولا ينظر إليهم يوم القيامة بعين الرحمة، ولا يطهرهم من دنس الذنوب والكفر، ولهم عذاب موجع. اختلف في سبب نزول الآية على أقوال: أحدها: أنها نزلت في أحبار من اليهود وهم: أبو رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحُييّ بن أخطب. قاله عكرمة (١)، وقال مقاتل: " يعني رءوس اليهود" (٢). والثاني: أنها نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له، إذ روي عن أبي وائل، عن عبد الله قال: "قال رسول الله ﷺ : من حَلف على يمين هو فيها فاجرٌ ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم، لقيَ اللهَ وهو عليه غضبان فقال الأشعث بن قيس: فيّ والله كان ذلك: كان بيني وبين رجل من اليهود أرضٌ فجحدني، فقدّمته إلى النبي ﷺ ، فقال لي رسول الله ﷺ : ألك بيِّنة؟ قلت: لا! فقال لليهودي: " احلفْ. قلت: يا رسول الله، إذًا يحلف فيذهبَ مالي! فأنزل الله : " إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " الآية" (٣). والثالث: وروى بادان عن ابن عباس قال: "نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي استعدى عليه عبدان بن أشرع فقضى رسول الله ﷺ بالحلف، فلمّا همّ أن يحلف نزلت هذه الآية. فامتنع امرئ القيس أن يحلف وأقرّ لعبدان بحقّه ودفعه إليه. فقال رسول الله ﷺ : لك عليها الجنّة" (٤). والرابع: " وقال الثعلبي: " وروى منصور بن أبي وائل قال: قال عبد الله: من حلف على عين يستحقّ بها مالا وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان. فأنزل الله تعالى تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا﴾ الآية" (٥). والخامس: وقال عامر: " أنّ رجلا أقام سِلعته أوّل النهار، فلما كان آخرُه جاء رجل يساومه، فحلفَ لقد منعها أوّل النهار من كذا وكذا، ولولا المساء ما باعها به، فأنزل الله : ﴿إن الذي يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا﴾ " (٦). وروي عن مجاهد (٧) نحوه. والسادس: وقال الثعلبي: "قال الكلبي: إنّ ناسا من علماء اليهود أولي فاقة كانوا ذوي حظ من علم التوراة فأصابهم سنة. فأتوا كعب بن الأشرف يستميرونه فسألهم كعب: هل تعلمون أنّ هذا الرّجل رسول الله في كتابكم؟ فقالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟ قال: لا. قالوا: فإنّا نشهد إنّه عبد الله ورسوله، قال كعب: قد كذبتم عليّ فأنا أريد أن أميركم وأكسوكم فحرمكم الله خيرا كثيرا. قالوا: فإنّه شبّه لنا. فرويدا حتى نلقاه. قال: فانطلقوا فكتبوا صفة سوى صفته، ثم أتوا نبي الله ﷺ فكتموه ثم رجعوا إلى كعب، فقالوا: قد كنّا نرى رسول الله فأتيناه، فإذا هو ليس بالنعت الّذي نعت لنا وأخرجوا الّذي كتبوه. ففرح بذلك كعب، ومكرهم فأنزل الله هذه الآية، نظيرها قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤] الآية" (٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: إن الذين"يستبدلون بالعهد الذي عاهدوا عليه من التصديق بمحمد وبأيمانهم الكاذبة حطام الدنيا وعرضها الخسيس الزائل" (٩).

стр. 2382

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: أولئك" لا حظ لهم في خيرات الآخرة" (١). عن ابن عباس: "يعني قوله: ﴿لا خلاق لهم في الآخرة﴾: يقول: نصيب" (٢). وروي عن مجاهد والسدي نحو ذلك (٣). وقال قتادة: " ليس لهم في الآخرة جهة عند الله" (٤). وقال الحسن: "ليس له دين" (٥). قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: " ولا يكلمهم الله بما يسرُّهم" (٦). قال الثعلبي: أي: " كلاما ينفعهم ويسرّهم، قاله المفسرون، وقال المفضل: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾: بقبول حجّة يحتجّون بها" (٧). قال أبو السعود: " أي بما يسُرّهم أو بشيء أصلاً وإنما يقع ما يقع من السؤال والتوبيخِ والتقريعِ في أثناء الحساب من الملائكةِ ﵈ أولا ينتفعون بكلماتِ الله تعالى وآياتِه والظاهرُ أنه كنايةٌ عن شدة غضبِه وسَخَطِه نعوذ بالله من ذلك" (٨). وذكر الزجاج في قوله تعالى: : ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وجهان (٩): أحدهما: أن يكون إسماع الله أولياءه كلامه بغير سفير، خصوصية يخص الله بها أولياءه كما كلم موسى فكان ذلك خصوصية له دون البشر أجمعين. والثاني: وجائز أن يكون ﴿ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم﴾ تأويله الغضب عليهم، والإعراض عنهم كما تقول: " فلان لا ينظر إلى فلان ولا يكلمه، وتأويله أنه غضبان عليه، وإن كلمه بكلام سوء لم ينقض ذلك. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: " ولا يعطف عليهم بخير، مقتًا من الله لهم" (١٠). قال الأخفش: " فهذا مثل قولك للرجل: ما تنظر إلي، اذا كان لا ينيلك شيئا" (١١). قال الثعلبي: " أي لا يرحمهم ولا يعطف عليهم ولا يحسن إليهم ولا يكلمهم خيرا. يقال نظر فلان لفلان، ونظر إليه إذا رحمه وأحسن إليه" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: " ولا يطهرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم" (١٣). قال الزجاج: أي: " لا يجعلهم طاهرين ولا يثني عليهم خيرا" (١٤). قال ابن عطية: " يحتمل معنيين، أحدهما يطهرهم من الذنوب وأدرانها، والآخر ينمي أعمالهم، فهي تنمية لهم، والوجهان منفيان عنهم في الآخرة" (١٥). قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، أي: " ولهم عذاب موجع" (١٦).

стр. 2383

قال ابن عباس: أي: " نكال موجع" (١). قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: من ادعى مالاً، فأقام عليه شاهداً، أو ادعي عليه مال، فكانت عليه يمين، ئظِرَ في قيمة المال، فإن كان عشرين ديناراً فصاعداً، وكان الحكم بمكة: أحْلِف بين المقام والبيت على ما يَدّعى، ويُدعى عليه، وإن كان بالمدينة حُلف على منبر رسول الله ﷺ ، ومن كان ببلد غير مكة والمدينة، أخلِفَ على عشرين ديناراً، أو على العظيم من الدم والجراح، بعد العصر في مسجد ذلك البلد ويتلى عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية" (٢). عن عباد بن منصور قال: "سألت الحسن عن قوله: ﴿أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾، فقال: هؤلاء أقوام باعوا خلاقهم بالدنيا فقال: أنبأكم الله كيف يصنع بهم" (٣). الفوائد: ١ - تهديد هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، وينصب هذا على العلماء الذين يكتمون ما انزل الله مداهنة أو مراعاة أو من اجل مال، وقد عهد الله إلى العلما أن يبيّنوا العلم، والعلماء ثلاثة أصناف: عالم امة، وعالم دولة، وعالم ملة. فعالم الملة: هو الي لا يشتري بعهد الله ثمنا قليلا، بل يبين للملة ولايبالي. وأمت عالم الدولة فيشتري بآيات الله ثمنا قليلا ليكون له جاه عند الدولة، وربما ليعطي مالا، واما عالم الأمة: فهو ال ١ ي يراعي الامة، فينظر ماذا تشتهي عامة الناس (أي الأمة)، فيفتي به أو يقول به، وما لا تشتهيه الأمة يسكت عنه. ٢ - تحريم اليمين الغموس، وهو من كبائر الذنوب. ٣ - أن من وفى بعهده وحلف على صدق، فإنه لا يحرم نصيبه من خيرات الآخرة. ٤ - إثبات الآخرة. ٥ - ينبغي للإنسان أن تكون الآخرة هي هدفه، ومغزاه، ومراده، فقد يكون للانسان نصيب في الدنيا ولكن لا خير فيه. ٦ - إن من أعظم العقوبات في الآخرة: أن الله لا يكلم هؤلاء عقوبة لهم، ولهذا كان النظر إلى وجه الله من أفضل الثواب واعظمه وأعلاه بل هو غاية الثواب والفضل. ٧ - أن هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا لاينظر اليهم الله يوم القيامة، والمراد به النظر الخاص، اما النظر العام فإن الله لا يحجب عن بصره شيء. ٨ - إثبات العذاب، وقد يكون العذاب في الدنيا وقد يكون في الآخرة، فالكائن في الدنيا قد يكون بفعل الله وقدي يكون بفعل عباد الله. القرآن ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ [آل عمران: ٧٨] التفسير: وإن مِن اليهود لَجماعةً يحرفون الكلام عن مواضعه، ويبدلون كلام الله; ليوهموا غيرهم أن هذا من الكلام المنزل، وهو التوراة، وما هو منها في شيء، ويقولون: هذا من عند الله أوحاه الله إلى نبيه موسى، وما هو من عند الله، وهم لأجل دنياهم يقولون على الله الكذب وهم يعلمون أنهم كاذبون. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: نقل الثعلبي عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: "إنّ الآية نزلت في اليهود والنّصارى جميعا والذين هم حرّفوا التوراة والإنجيل، وضربوا كتاب الله بعضه ببعض وألحقوا به ما ليس منه فأسقطوا منه الدين الحنفي، فبيّن الله تعالى كذبهم للمؤمنين" (٤).

стр. 2384

والثاني: ونقل الثعلبي عن الضحّاك ومقاتل: " ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ يعني عيسى ﵇ ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ﴾ يؤتى الحكمة. نزلت في نصارى أهل نجران" (١). والثاني: وأخرج الطبري عن ابن عباس قال: "قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارَى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرِّبِّيس: أوَ ذاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا! أو كما قال فقال رسول الله ﷺ : معاذَ الله أن نَعبُد غيرَ الله، أو نأمر بعبادة غيره! ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني أو كما قال. فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة﴾، الآية إلى قوله: ﴿بعد إذ أنتم مسلمون﴾ " (٢). والثالث: وقال قتادة: "، هم أعداء الله اليهود، حرَّفوا كتابَ الله، وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله" (٣). وروي عن ابن عباس (٤)، والربيع (٥) نحو ذلك. والرابع: وقال مقاتل: "يعني من اليهود، ﴿لفريقا﴾: يعني طائفة منهم، يعنى: كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وأبو ياسر، جدي ابن أخطب، وشعبة بن عمرو" (٦). والخامس: وقال الحسن: " بلغني أن رجلا قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: "لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله"، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٧). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، أي وإِن من اليهود طائفة يفتلون ألسنتهم في حال قراءة الكتاب لتحريف معانيه وتبديل كلام الله عن المراد" (٨). قال ابن عباس: " وهم اليهود" (٩) / " وروي عن الربيع وقتادة نحو ذلك (١٠). وقال الحسن: "هم أهل التاب كلهم" (١١). قال مقاتل: " يعني باللي التحريف بالألسن في أمر محمد- ﷺ " (١٢). قال ابن كثير: " يخبر تعالى عن اليهود، عَليهم لعائن الله، أن منهم فريقا يُحَرِّفون الكلم عن مواضعه ويُبَدِّلون كلام الله، ويزيلونه عن المراد به" (١٣). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، قولان: أحدهما: أن المعنى زيدون في كتاب الله ما لم ينزل الله. قاله ابن عباس (١٤). والثاني: أن المعنى: يحرفونه. وهذا قول مجاهد (١٥)، وروي عن الشعبي والحسن، وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (١٦).

стр. 2385

قوله تعالى: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، "أي: لتظنوا أن هذا المحرّف من كلام الله وما هو إِلا تضليل وبهتان" (١). قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، " أي: وينسبونه إِلى الله وهو كذبٌ على الله، وهم يعلمون أنهم كذبوا وافتروا على الله" (٢). قال الربيع بن أنس: " هم أعداء الله اليهود حرفوا كتاب الله، وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله" (٣). قال وهب بن مُنَبِّه: " إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله لم يغير منهما حرف ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل، وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله فأما كتب الله فإنها محفوظة لا تحول" (٤). قال ابن كثير: " فإن عَنَى وَهْب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص، وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ففيه خطأ كبير، وزيادات كثيرة ونقصان، ووَهْم فاحش. وهو من باب تفسير المعبر المعرب، وفَهْم كثير منهم بل أكثرهم، بل جميعهم فاسد. وأما إن عَنَى كتب الله التي هي كتبه من عنده، فتلك كما قال محفوظة لم يدخلها شيء" (٥). قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]، " أي: يكذبون على الله بادعائهم ذلك وهم يعلمون أنهم كاذبون مفترون" (٦). قال الحسن: " هم أهل الكتاب كلهم قد كذبوا على الله، وحرفوا الكلم عن مواضعه" (٧). قال الزجاج: " أي وهم يعلمون أئهم يكذبون" (٨). قال الطبري: أي: "ويتعمّدون قيل الكذب على الله والشهادة عليه بالباطل، والإلحاقَ بكتاب الله ما ليس منه، طلبًا للرياسة والخسيس من حُطام الدنيا" (٩). قال ابن كثير: " وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله" (١٠). قال المراغي: " أي وهم يعلمون كذبهم في ذلك لأن ما جاء من عند الله فهو في كتابه، والتوراة التي بين أيديهم ليس فيها خيانة الأميين، ولا أكل أموالهم بالباطل، وهم يعلمون ذلك حق العلم، لكنهم لما لم يكتفوا بالكتاب ولجأوا إلى التقليد وعدّوا كلام أحبارهم دينا، وهؤلاء قالوا في الدين بالرأى والهوى، وحرفوا الكلم عن مواضعه ليؤيدوا آراءهم، وجدوا من هذه الأقوال ما يساعدهم على ما يدّعون" (١١). قال السعدي: " وهذا أعظم جرما ممن يقول على الله بلا علم، هؤلاء يقولون على الله الكذب فيجمعون بين نفي المعنى الحق، وإثبات المعنى الباطل، وتنزيل اللفظ الدال على الحق على المعنى الفاسد، مع علمهم بذلك" (١٢). قال الشافعي: " والناس صنفان: أحدهما: أهل الكتاب، بدلّوا من أحكامه، وكفروا بالله، فافتعلوا كذباً صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم، فذكر ﵎ لنبيه من كفرهم فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨

стр. 2386

] الآية، ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]. ثانيهما: وصنف كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن به اللَّه، ونصبوا بأيديهم حجارة وخُشُباً، وصوراً استحسنوها، ونبذوا أسماء افتعلوها، ودعوها آلهة عبدوها، فإذا استحسنوا غير ما عبدوا منها ألفوه ونصبوا بأيديهم غيره فعبدوه: فأولئك العرب. وسلكت طائفة من العجم سبيلهم في هذا، وفي عبادة ما استحسنوا من حوت ودابة ونجم ونار وغيره" (١). الفوائد: ١ - بيان مكر اليهود وتضليلهم وخداعهم لهم باسم الدين والعلم. ٢ - جرأة اليهود على الكذب على الناس وعلى الله مع علمهم بأنهم يكذبون وهو قبح أشد وظلم أعظم. ٣ - التحذير للمسلم من سلوك اليهود في التضليل والقول على الله والرسول لأجل الأغراض الدنيوية الفاسدة. القرآن ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩] التفسير: ما ينبغي لأحد من البشر أن يُنزِّل الله عليه كتابه ويجعله حكمًا بين خلقه ويختاره نبياً، ثم يقول للناس: اعبدوني من دون الله، ولكن يقول: كونوا حكماء فقهاء علماء بما كنتم تُعَلِّمونه غيركم من وحي الله تعالى، وبما تدرسونه منه حفظًا وعلمًا وفقهًا. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: قال ابن عباس: "قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارَى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرِّبِّيس: أوَ ذاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا! أو كما قال فقال رسول الله ﷺ : معاذَ الله أن نَعبُد غيرَ الله، أو نأمر بعبادة غيره! ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني أو كما قال. فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة﴾، الآية إلى قوله: ﴿بعد إذ أنتم مسلمون﴾ " (٢). وروي عن قتادة (٣)، والربيع (٤)، نحوه. والثاني: نقل الثعلبي والواحدي عن الضحاك ومقاتل (٥): " ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾، يعني: عيسى ﵇، ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ﴾، يؤتى الحكمة (٦). نزلت في نصارى أهل نجران" (٧). والثالث: قال ابن جريج: " كان ناس من يهود يتعبَّدون الناسَ من دون ربهم، بتحريفهم كتابَ الله عن موضعه، فقال الله : ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقولَ للناس كونوا عبادًا لي من دون الله﴾، ثم يأمر الناس بغير ما أنزل الله في كتابه" (٨). والرابع: أخرج عبد بن حميد عن روح عن عوف عن الحسن: "بلغني أن رجلًا قال: يا رسول الله: نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: "لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله"، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُون﴾ " (٩).

стр. 2387

قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٩]، " أي: ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحُكْم والنبوة أن يقول للناس: اعبدوني مع الله" (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [آلأ عمران: ٧٩]، وجهان: أحدهما: أن الحكم: العلم. قاله ابن عباس (٢). والثاني: أن الحكم: اللب. قاله مجاهد (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، " أي: ولكن يقول الرسول للناسِ: كونوا رَبَّانيين" (٤). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، على تسعة وجوه: أحدها: فقهاء. قاله مجاهد (٥). والثاني: حكماء علماء. قاله أبو رزين (٦). والثالث: فقهاء علماء , وهو قول ابن عباس (٧)، الحسن (٨)، ومجاهد- في رواية أخرى- (٩)، والضحاك (١٠)، وقتادة (١١)، وسعيد بن جبير -في رواية عنه- (١٢)، وعطاء الخراساني (١٣)، والربيع بن أنس (١٤)، وعطية (١٥)، ويحيى بن عقيل (١٦). والرابع: الفقهاء المعلمون. قاله ابن عباس أيضا (١٧). والخامس: حكماء فقهاء. قاله ابن عباس-في رواية اخرى- (١٨)، والسدي (١٩). والسادس: حكماء أتقياء , وهو قول سعيد بن جبير (٢٠). والسابع: حلماء علماء حكماء. وهذا مروي عن ابن عباس أيضا (٢١). والثامن: أن المراد: كونوا أهل عبادة، وأهل تقوى لله. قاله الحسن –في رواية أخرى- (٢٢).

стр. 2388

والتاسع: أنهم الولاة الذين يربّون أمور الناس , وهذا قول ابن زيد (١). قال الطبري: " وأولى الأقوال عندي بالصواب في «الربانيين»: أنهم جمع: «رباني»، وأن «الرباني» المنسوب إلى «الرَّبَّان»، الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، ويربّها، ويقوم بها" (٢). وفي أصل «الرباني»، قولان: أحدها: أنه الذي يربُّ أمور الناس بتدبيره, يُصْلح أمورهم، ويقوم بها، ومنه قول علقمة بن عبدة (٣): وَكُنْتُ امْرَأً أَفْضَتْ إلَيْكَ رِبَابَتي ... وَقَبْلَكَ رَبَّتْني، فَضِعْتُ، رُبُوبُ فسمي العالم ربّانياً لأنه بالعلم يدبر الأمور، بتعليمه إياهم الخيرَ ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم. ولذلك قال مجاهد: "وهم فوق الأحبار" (٤)، لأن "الأحبارَ" هم العلماء، و"الرباني" الجامعُ إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دُنياهم ودينهم (٥). والثاني: أنه مضاف إلى عالم الرب , وهو علم الدين , فقيل لصاحب العلم الذي أمر به الرب ربّاني (٦). قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، " أي: بتعليمكم الناس الكتاب ودراستكم إيّاه" (٧). قال الطبري: يعني: " بعلمكم الكتابَ ودراستكم إياه وقراءتكم، ودراستهم إياه: تلاوته، وقيل: دراستهم: الفقه" (٨). وقرئ: ﴿تُعَلِّمُون﴾، بالتشديد، من التعليم (٩). الفوائد: ١ - لم يكن من الممكن لمن آتاه الله الكتاب والحكمة وشرفه بالنبوة أن يدعو الناس لعبادة نفسه فضلاً عن عبادة غيره. ٢ - سادات الناس هم الربانيون الذين يربون الناس بالعلم والحكمة فيصلحونهم ويهدونهم. ٣ - عظماء الناس من يعلمون الناس الخير ويهدونهم إليه. ٤ - الرد عى منكري الأسباب، لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾، ولا شك بان الأسباب ثابتة، ولكنها مؤثرة بما اودعه الله فيها من قوة التأثير. ٦ - جواز تسمية المعلم بالرباني، لذلك نجد كثيرا ما يصفون العالم بأنه العالم الرباني. القرآن ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ [آل عمران: ٨٠] التفسير: وما كان لأحد منهم أن يأمركم باتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا تعبدونهم من دون الله. أَيُعْقَلُ -أيها الناس- أن يأمركم بالكفر بالله بعد انقيادكم لأمره؟ في سبب نزول الآية قولان:

стр. 2389

أحدهما: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي نافع القرظي: "حين اجتمعت الأحبار من يهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الإسلام: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ قال: فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له: الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعوا وكما قال. فقال رسول الله ﷺ : معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني وألا أمرني أو كما قال ﵇، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ " (١). والثاني: ونقل ابن حجر عن مقاتل أنها "نزلت ردًا على كردم بن قيس والأصبغ بن زيد" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٨٠]، " أي: وما كان له أن يأمركم بعبادة غير الله - ملائكة أو أنبياء" (٣). قال ابن كثير: " أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مُقَرَّب" (٤). وقرئ: ﴿وَلا يَأْمُرُكُمْ﴾، برفع الراء، على وجه الابتداء من الله بالخبر عن النبي ﷺ أنه لا يأمرك (٥). قوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠]، " أي: أيأمركم نبيكم بالكفر وجحود وحدانية الله، بعد أن أسلمتم ودخلتم في دين الله؟ " (٦). قال الطبري: أي: " أيأمُركم أيها الناس، نبيُّكم، بجحود وحدانية الله بعد إذ أنتم له منقادون بالطاعة، متذللون له بالعبودة، أي أن ذلك غير كائن منه أبدًا" (٧). قال ابن كثير: " أي: لا يَفْعَل ذلك؛ لأنَّ من دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية، [النحل: ٣٦] وقال تعالى ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] وقال تعالى إخبارًا عن الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] " (٨). الفوائد: ١ - إثبات الملائكة، وأن الإيمان بهم احد أركان الإيمان الستة. ٢ - أن الذي منّ الله عليه بالكتاب والحكم والنبوة لايمكن ان يأمر غيره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا، كما انه لايدعو الناس إلى عبادة نفسه. ٣ - أن السجود لله وحده، لما ورد أن الآية نزلت ردا على من أرادوا السجود لرسول الله- ﷺ . القرآن

стр. 2390

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١] التفسير: واذكر -أيها الرسول- إذ أخذ الله سبحانه العهد المؤكد على جميع الأنبياء: لَئِنْ آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول من عندي، مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنَّه. فهل أقررتم واعترفتم بذلك وأخذتم على ذلك عهدي الموثق؟ قالوا: أقررنا بذلك، قال: فليشهدْ بعضكم على بعض، واشهدوا على أممكم بذلك، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم. وفي هذا أن الله أخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن بمحمد ﷺ ، وأخذ الميثاق على أمم الأنبياء بذلك. في سبب نزول الآية قال مقاتل: " ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلَائِكَةَ وَالنَّبِيّينَ أَرْبَابًا﴾ -يعني عيسى والعزيز، ولو أمركم بذلك لكان كافرا فذلك قوله: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْر﴾ يعني بعبادة الملائكة والنبيين: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يعني مخلصين له بالتوحيد. فقال الأصبغ بن زيد وكردم بن قيس: أيأمرنا بالكفر بعد الإيمان فأنزل الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١]، " أي اذكروا يا أهل الكتاب حين أخذ الله العهد المؤكد على النبيّين" (٢). قال الحسن: ": أخذ الله ميثاق النبيين: ليبلِّغن آخرُكم أولكم، ولا تختلفوا" (٣). قال السدي: " لم يبعث الله نبيًّا قطُّ من لدُنْ نوح، إلا أخذ ميثاقه ليؤمننّ بمحمد ولينصرنَّه إن خَرَج وهو حيّ، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به ولينصرُنَّه إن خَرَج وهم أحياء" (٤). ولأهل العلم في تفسير الميثاق قولان: أحدهما: أنه أخذ ميثاق النبيين أن يأخذوا على قومهم بتصديق محمد ﷺ ، وهذا قول علي (٥)، وابن عباس (٦)، وقتادة (٧)، والسدي (٨). والثاني: أنه أخذ ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا. وهذا قول طاووس (٩)، وقتادة (١٠). قوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١]، " أي: لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة" (١١). وقرأ سعيد بن جبير: ﴿لَمَّا﴾ بتشديد الميم، وقرأ يحيى بن رئاب والأعمش وحمزة والكسائي ﴿لِمَا﴾، بجرّ اللام وتخفيف الميم، وأما الباقون: ﴿لما﴾، بفتح اللام وتخفيف الميم وقرئ (١٢). وقرئ: ﴿آتيتكم﴾ على التفريد وهو المختار لموافقة الخط، وقرأه آخرون: ﴿آتينَاكم﴾ على الجمع (١٣). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١]، " أي: ثم جاءكم رسول من عندي بكتاب مصدق لما بين أيديكم" (١٤).

стр. 2391

قال يحيى بن سلام: " أخذ الله على النبيين أن يعلموا أمر محمد، ما خلا محمدا من النبيين فإنه لا نبي بعده، ولكنه قد أخذ عليه أن يصدق بالأنبياء كلهم، ففعل ﷺ " (١). قال طاوس: " هذه الآية لأهل الكتاب , أخذ الله ميثاقهم أن يؤمنوا لمحمد ويصدقوه" (٢). قال السدي: " فيقول اليهود: أخذت ميثاق الناس لمحمد وهو الذي ذكر في الكتاب عندكم" (٣). قال عطاء: " أخذ ميثاق أهل الكتاب لئن جاءهم رسول مصدق بكتبهم التي عندهم التي جاء بها الأنبياء ليؤمنن به ولينصرنه، فأقروا بذلك، وأشهدوا الله على أنفسهم فلما جاءهم محمد ﷺ صدق بكتبهم الأنبياء التي كانت قبله، ﴿فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ " (٤). قوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]، " أي لتصدقنه ولتنصرنه" (٥). قال مقاتل: " يعني لتصدقن به إن بعث ولتنصرنه إذا خرج" (٦). قوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١]، " أي أأقررتم واعترفتم بهذا الميثاق وأخذتم عليه عهدي؟ " (٧). قال محمد بن إسحاق: " أي ثقل ما حملتم من عهدي" (٨). والإصر: العهد. قاله ابن عباس (٩)، ومجاهد (١٠) والربيع بن أنس (١١) والسدي (١٢)، وقتادة (١٣). وقرئ: ﴿أصرى﴾، بالضم (١٤). قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١]، أي: "قالوا: اعترفنا" (١٥). قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]، أي: قال الله لهم: " اشهدوا على أنفسكم وأتباعكم وأنا من الشاهدين عليكم وعليهم" (١٦). قال الزمخشري: " وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض. وقيل: الخطاب للملائكة" (١٧). الفوائد: ١ - بيان سنة الله تعالى في الأنبياء السابقين وهي أن يؤمن بعضهم ببعض وينصر بعضهم بعضاً. ٢ - أن الله منّ على النبيين بالكتاب والحكمة، ويتفرغ على ذلك أن من ورث هذا الكتاب والحكمة فإنه قد أخذ بحظ وافر مما انعم الله به على النبيين. ٣ - فضيلة النبي محمد- ﷺ لكون الله أخذ على جميع الأنبيا الميثاق والعهد ان يؤمنوا به. ٤ - أن رسالة النبي- ﷺ جامعة للتصديق بجميع الرسالات، وكذلك أن هذه الامة هي المصدقة تماما بجميع الرسل، وهذه ميزة ليست لغيرها.

стр. 2392

٥ - تقوية هذا العهد بهذه التقريرات والإشهادات المختومة بقوله: ﴿وأنا معكم من الشاهدين﴾، وما أعظم شهادة الله في امر من الأمور. ٦ - أنه إذا كان واجبا على الأنبياء والأمم السابقين أن يؤمنوا برسول الله- ﷺ ، كان إيماننا نحن ونصرته من باب أولى، لأننا ننتسب إليه ونعتقده إماما- ﷺ . القرآن ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ [آل عمران: ٨٢] التفسير: فمن أعرض عن دعوة الإسلام بعد هذا البيان وهذا العهد الذي أخذه الله على أنبيائه، فأولئك هم الخارجون عن دين الله وطاعة ربهم. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٨٢]، أي: فمن "أعرض ونكث عهده" (١). قال ابن كثير: " أي: عن هذا العهد والميثاق" (٢). قال الطبري: أي: " فمن أعرَض عن الإيمان برسلي الذين أرسلتهم بتصديق ما كان مع أنبيائي من الكتب والحكمة، وعن نصرتهم، فأدبر ولم يؤمن بذلك، ولم ينصر، ونكث عهدَه وميثاقه، بعد العهد والميثاق الذي أخذَه الله عليه" (٣). قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢]، أي: أولئك هم "الخارجون من دين الله وطاعة ربهم" (٤). قال علي بن أبي طالب-كرّم الله وجهه-: "فمن تولى عنك، يا محمد، بعد هذا العهد من جميع الأمم " فأولئك هم الفاسقون "، هم العاصون في الكفر" (٥). الفوائد: ١ - أن الفسق يطلق على الكفر. ٢ - أن من تولى قبل قيام الحجة عليه، لم يحكم عليه بالفسق، وهذا يعني أن الشرائع لا تلزم قبل العلم، وهي مسألة اختلف فيها العلماء. القرآن ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [آل عمران: ٨٣] التفسير: أيريد هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب غير دين الله -وهو الإسلام الذي بعث الله به محمدا ﷺ ، مع أن كل مَن في السموات والأرض استسلم وانقاد وخضع لله طواعية -كالمؤمنين- ورغمًا عنهم عند الشدائد، حين لا ينفعهم ذلك وهم الكفار، كما خضع له سائر الكائنات، وإليه يُرجَعون يوم المعاد، فيجازي كلا بعمله. وهذا تحذير من الله تعالى لخلقه أن يرجع إليه أحد منهم على غير ملة الإسلام. في سبب نزول الآية: نقل الثعلبي عن ابن عباس: "اختصم أهل الكتاب إلى رسول الله ﷺ فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم ﵇ كل فرقة زعمت أنّه أولى بدينه، قال النبي ﷺ : كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم، فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ " (٦).

стр. 2393

قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]، أي: : أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون" (١). وقرئ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾، على وجه الخطاب (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، أي: "ولله أسلم وانقاد وخضع أهل السماوات والأرض طائعين ومكرهين " (٣). قال الطبري: أي: " وله خَشع من في السموات والأرض فخضع له بالعبودة، وأقرّ له بإفراد الربوبية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية" (٤). قال المراغي: أي: " وقد خضع لله تعالى وانقاد لحكمه أهل السموات والأرض، ورضوا طائعين مختارين لما يحل بهم من تصاريف أقداره" (٥). قال أبو السعود: " أي طائعين بالنظر واتباعِ الحجةِ وكارهين بالسيف ومعاينةِ ما يلجىء الى الإسلام كنَتْق الجبلِ وإدراكِ الغرقِ والإشرافِ على الموت أو مختارين كالملائكة والمؤمنين ومسخَّرين كالكفرة فإنهم لايقدرون على الامتناع عما قُضيَ عليهم" (٦). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، ستة أوجه: أحدها: أن المؤمن أسلم طوعاً والكافر أسلم عند الموت كَرْهاً، وهذا قول قتادة (٧). والثاني: أنه الإقرار بالعبودية وإن كان فيه من أشرك في العبادة، وهذا قول مجاهد (٨). والثالث: أنه سجود المؤمن طائعاً وسجود ظل الكافر كرهاً، وهو مروي عن مجاهد أيضاً (٩). والرابع: طوعاً بالرغبة والثواب. وكرهاً بالخوف من السيف، اوهو قول الحسن (١٠)، ومطر (١١). والخامس: أن إسلام الكاره حين أخذ منه الميثاق فأقر به، وهذا قول ابن عباس (١٢). والسادس: معناه أنه أسلم بالانقياد والذلة وإن أنكر ألوهته بلسانه، وهو قول عامر الشعبي (١٣)، والزجاج (١٤). قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] " أي: إليه وحده مرجع الخلائق يوم القيامة، فيجازي كل عاملٍ بعمله" (١٥). قال أبو العالية: " يرجعون إليه بعد الحياة" (١٦). قال السعدي: أي: " وإليه مرجع الخلائق كلها، فيحكم بينهم ويجازيهم بحكمه الدائر بين الفضل والعدل" (١٧). قال المراغي: " أي وإليه يرجع من اتخذ غير الإسلام دينا من اليهود والنصارى وسائر الخلق، وحينئذ يجازون بإساءتهم وترك الدين الحق، وفي هذا وعيد وتهديد لهم" (١٨). وقرئ: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، على وجه الخطاب (١٩).

стр. 2394

الفوائد: ١ - أن من ابتغى غير دين الله، فإنه يستحق هذا التوبيخ العظيم. ٢ - أن من شرط صحة العمل وقبوله أن يكون موافقا لشرع الله، وجهه أن الله انكر على من بغى دينا غير دين الله، ولهذا كان شرط العبادة الإخلاص لله، وموافقة شريعة الله. ٣ - تشريف هذا الدين، لأن الله أضافه إلى نفسه: ﴿دين الله﴾. ٤ - إقامة الحجة على أنه لايليق بالإنسان أن يبتغي دينا غير دين الله وهو مربوب مملوك لله. ٥ - عموم ملك الله وسلطانه. ٦ - إثبات السماوات، وأنها عدد، وقد جاءت الادلة بأنها سبع، والأرضين هي سبع، إذ جا الإفصاح بها في السنة. ٧ - أن المرجع إلى الله، سواء كان في الدنيا وذلك في الاحكام، او في الآخرة وذلك للمحاسبة. ٨ - إثبات البقاء لله، لأنه إذا كان مرجع كل الخلق لزم من ذلك أنه سيبقى ليكون مرجعا لجميع الخلق. القرآن ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)﴾ [آل عمران: ٨٤] التفسير: قل لهم -أيها الرسول-: صدَّقنا بالله وأطعنا، فلا رب لنا غيره، ولا معبود لنا سواه، وآمنَّا بالوحي الذي أنزله الله علينا، والذي أنزله على إبراهيم خليل الله، وابنيه إسماعيل وإسحاق، وابن ابنه يعقوب بن إسحاق، والذي أنزله على الأسباط -وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة مِن ولد يعقوب- وما أوتي موسى وعيسى من التوراة والإنجيل، وما أنزله الله على أنبيائه، نؤمن بذلك كله، ولا نفرق بين أحد منهم، ونحن لله وحده منقادون بالطاعة، مُقِرُّون له بالربوبية والألوهية والعبادة. في سبب نزول الآية قال ابن ظفر: "لما تكلم اليهود بما قالوه، والنصارى بما ليس لهم، أمر الله نبيه أن يقول للمسلمين: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ الآية، فأخبر أنهم يؤمنون بجميع الأنبياء ولا يفرقون بين أحد منهم" (١). والظاهر أنه إعلان للجميع بما في ذلك اليهود والنصارى الذين فرقوا بين أنبياء الله. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [آل عمران: ٨٤]، أي: " قل لهم، يا محمد صدقنا بالله أنه ربنا وإلهنا، وصدَّقنا أيضًا بما أنزل علينا من وَحيه وتنزيله" (٢). قال ابن كثير: " يعني: القرآن" (٣). قال عطاء بن يسار: "كان اليهود يجيئون إلى أصحاب النبي ﷺ ، فيحدثونهم فيسبحون، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله" (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [آل عمران: ٨٤]، أي: " وصدقنا أيضًا بما أنزل على إبراهيم خليل الله، وعلى ابنيه إسماعيل وإسحاق، وابن ابنه يعقوب وبما أنزل على الأسباط، وهم ولد يعقوب الاثنا عشر" (٥). قال ابن كثير: " أي: من الصحف والوحي" (٦). ﴿وَالأسْبَاطِ﴾: "هم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل - هو يعقوب - الاثنى عشر" (٧).

стр. 2395

قال أبو العالية: " ﴿الأسباط﴾: هو يوسف وإخوته بنوا يعقوب اثنا عشر رجلا، ولد كل رجل منهم أمة من الناس فسموا الأسباط" (١). وروي عن قتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك (٢). وقال السدي: " وأما الأسباط فهم بنو يعقوب: يوسف، وبنيامين وروبيل، ويهوذا وشمعون، ولاوي، ودان وقهاث" (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ [آل عمران: ٨٤]، أي: " وصدّقنا أيضًا مع ذلك بالذي أنزل الله على موسى وعيسى من الكتب والوَحْي" (٤). قال ابن كثير: " يعني: بذلك التوراة والإنجيل" (٥). قوله تعالى: ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٤] أي: " وصدقنا أيضا "بما أنزل على النبيين من عنده" (٦). قال ابن كثير: " وهذا يَعُم جميعَ الأنبياء جملة" (٧). قال قتادة: " أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به، ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله" (٨). قال سليمان بن حبيب المحاربي: إنما أمرنا أن نؤمن بالتوراة ولا نعمل بما فيها" (٩). عن معقل بن يسار قال: "قال رسول الله ﷺ : آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل وليسعكم القرآن" (١٠). قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [آل عمران: ٨٤] أي: " لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض" (١١). قال قتادة: " أمر الله المؤمنين أن لا يفرقوا بين أحد منهم" (١٢). قال ابن كثير: " يعني: بل نؤمن بجميعهم" (١٣). قال الطبري: أي: "لا نصدّق بعضهم ونكذّب بعضَهم، ولا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم، كما كفرت اليهود والنصارى ببعض أنبياء الله وصدّقت بعضًا، ولكنا نؤمن بجميعهم، ونصدّقهم" (١٤). قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤]، "أي مخلصون في العبادة مقرّون له بالألوهية والربوبية لا نشرك معه أحداً أبداً" (١٥). قال مقاتل: يعني: مخلصين" (١٦). قال الطبري: أي: " ونحن ندين لله بالإسلام لا ندين غيره، ونحن له منقادون بالطاعة، متذللون بالعبودة، مقرّون لهُ بالألوهة والربوبية، وأنه لا إله غيره" (١٧). قال ابن كثير: " فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك بل هم مُصَدِّقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله" (١٨). الفوائد:

стр. 2396

١ - وجوب الإقرار بالإيمان باللسان، كما هو واجب بالقلب. ٢ - أن الإيمان بالله هو اصل كل شيء، مقدم على كل شيء، لقوله: ﴿آمنا بالله﴾، وجعل ما بعده معطوفا عليه. ٣ - وجوب الإيمان بما انزل علينا، وهو القرآن، لأنه شريعة ومنهاج. ٤ - لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض، كما لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض ما أنزل الله تعالى على رسله ويكفر ببعض. ٥ - ثبوت نبوة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. ٦ - وجوب الإيمان بالأسباط، والراجح أن المراد بهم شعوب بني إسرائيل، أي: ما أنزل عليهم بواسطة رسلهم. ٧ - ثبوت نبوة موس وعيسى. ٨ - وجوب الإيمان بما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم من الآيات الكونية (المعجزات)، ومن الآيات الشرعية التي هي الشريعة التي يمشي عليها هؤلاء. ٩ - الإسلام: هو الانقياد والخضوع لله تعالى، وهو يتنافى مع التخيير بين رسل الله ووحيه إليهم. ١٠ - أن الإسلام ليس فيه العصبية، لقوله: ﴿لا نفرق بين احد منهم﴾، بخلاف ما يسلكه بنو اسرائيل إذ لايؤمنون إلا بما جاء عن انبيائهم فقط. ١١ - وجوب الاستسلام لله وحده. القرآن ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥] التفسير: ومن يطلب دينًا غير دين الإسلام الذي هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والعبودية، ولرسوله النبي الخاتم محمد ﷺ بالإيمان به وبمتابعته ومحبته ظاهرًا وباطنًا، فلن يُقبل منه ذلك، وهو في الآخرة من الخاسرين الذين بخسوا أنفسهم حظوظها. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: قال الثعلبي: "نزلت في اثني عشر رجلا ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة ولحقوا بمكة كفارا منهم: الحرث بن سويد الأنصاري أخو الحلاس بن سويد، وطعمة بن أشرف الأنصاري، ومقيس بن صبابة الليثي، وعبد الله بن أنس بن خطل من بني تميم بن مرة، ووجوج بن الأسلت، وأبو عاصم بن النعمان، فأنزل الله فيهم: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ " (١). والثاني: وقال مقاتل بن سليمان: " نزلت في طعمة بن أبيرق الأنصاري من الأوس من بني صقر، ارتد عن الإسلام ولحق بكفار مكة " (٢). والثالث: أخرج الطبري عن ابن عباس: "قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة البقرة: ٦٢]، فأنزل الله بعد هذا: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾ " (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، أي: " ومن يطلب دينا غيرَ دين الإسلام ليدين به، فلن يقبل الله منه" (٤). قال ابن كثير: " أي: من سلك طريقًا سوى ما شَرَعَه الله فلن يُقْبل منه" (٥). وفي الاسلام في هذه الآية قولان (٦):

стр. 2397

أحدهما: أن الأسلام هاهنا الاستسلام إلى الله، وتفويض الأمر إليه، وذلك أمر مراد من الناس في كل زمان ومن كل أمة وفي كل شريعة. قال الراغب: " الدين في اللغة الطاعة وفي التعارف: وضع إلهي ينساق به الناس إلى النعيم الدائم، فبين تعالى أن من تحرى طاعة وانسياقا إلى النعيم من غير الاستسلام له على ما يأمره به. ويصرفه فيه فلن يقبل منه دنيء من أعماله، وهو في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم" (١). والثاني: أن المراد بالإسلام شريعة محمد ﵊، فبين أن من تحرى بعد بعثته شريعة أو طاعة لله من غير متابعته في شريعته فغير مقبول منه. قال الراغب: " وهذا الوجه داخل في الأول، فمعلوم أن من الاستسلام الانقياد لأوامر من صحت نبوته وظهر صدقه" (٢). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، أي: وهو في الآخرة من "الباخسين أنفسَهم حظوظَها من رحمة الله " (٣). قال السمعاني: " وحق لمن يبتغي غير دين الإسلام أن يصبح غدا من الخاسرين" (٤). قال عكرمة: " قوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا﴾، فقالت الملل: نحن مسلمون، فأنزل الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، فحج المسلمون وقعد الكفار" (٥). الفوائد: ١ - بطلان كل عمل ليس على دين الإسلام، لقوله: ﴿فلن يقبل منه﴾. ٢ - أن جميع الأديان غير دين الإسلام غير مقبولة عند الله ولا نافعة للمتدين بها، لعموم قوله: ﴿غير الإسلام﴾، فيشمل دين المسيحية واليهودية والبوذية والمجوسية، وكل دين، فإن الله لايقبل غير الإسلام. ٣ - الثناء على دين الاسلام، وأنه هو المقبول المحبوب إلى الله. ٤ - إثبات الآخرة، وأن فيها خسارة وربح أعظم من خسارة الدنيا وربحها. القرآن ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)﴾ [آل عمران: ٨٦] التفسير: كيف يوفق الله للإيمان به وبرسوله قومًا جحدوا نبوة محمد ﷺ بعد إيمانهم به، وشهدوا أن محمدًا ﷺ حق وما جاء به هو الحق، وجاءهم الحجج من عند الله والدلائل بصحة ذلك؟ والله لا يوفق للحق والصواب الجماعة الظلمة، وهم الذين عدلوا عن الحق إلى الباطل، فاختاروا الكفر على الإيمان. في سبب نزول الآيات (٨٦ - ٨٩) اقوال: أحدها: أخرج النسائي (٦)، والطبري (٧)، وابن أبي حاتم (٨)، وصححه ابن حبان (٩)، والحاكم (١٠)، من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: "كان رجل (١١) من الأنصار أسلم، ثم ارتد ولحق بالمشركين، ثم

стр. 2398

ندم فأرسل إلى قومه سلوا لي رسول الله ﷺ هل لي من توبة فسألوا فقالوا: إن صاحبنا قد ندم، وإنه قد أمرنا أن نسأل هل له توبة فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ فأرسل إليه فأسلم. وفي رواية الواحدي: " فلما قرئت عليه قال: والله ما كذبني قومي على رسول الله ﷺ ولا كذب رسول الله، والله تعالى أصدق الثلاثة فرجع تائبًا فقبل منه" (١). وأخرجه البزار عن ابن بزيع هذا فقال في أوله: "إن قوما أسلموا ثم ارتدوا ثم أسلموا ثم ارتدوا فأرسلوا إلى قومهم يسألون" فذكره (٢). والثاني: أخرج الطبري (٣)، والواحدي (٤)، وعبدالرزاق (٥)، وابن المنذر (٦)، عن مجاهد: "جاء الحارث بن سُوَيد فأسلم مع النبي ﷺ ، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه القرآن: ﴿كيف يَهدي الله قومًا كفروا بعدَ إيمانهم﴾ إلى ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإنّ الله غفورٌ رحيمٌ﴾، قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك والله ما علمتُ لصَدُوقٌ، وإنّ رسول الله ﷺ لأصدقُ منك، وإنّ الله لأصدق الثلاثة. قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه" (٧). وذكر ابن إسحاق في السيرة الكبرى: "إن الحارث بن سويد بن صامت كان منافقا، فخرج يوم أحد مع المسلمين، فلما التقى الناس غدا على مسلمين فقتلهما، ثم لحق بمكة بقريش، ثم بعث إلى أخيه الجلاس يطلب التوبة، فأنزل الله فيه هذه الآيات" (٨). وذكر إن المقتول هو المجذر بن زياد وقيس بن زيد من بني ضبيعة، وتعقب ابن هشام فذكر أن قيس بن زيد لم يعد في قتلى أحد (٩). والثالث: أخرج الطبري عن مجاهد: " هو رجل من بني عمرو بن عوف، كفر بعد إيمانه، لحق بأرض الرّوم فتنصَّر، ثم كتب إلى قومه: " أرسلوا، هل لي من توبة؟ " قال: فحسبتُ أنه آمن، ثم رَجع" (١٠). والرابع: وأخرج الطبري عن عكرمة: " نزلت في أبي عامر الرّاهب، والحارث بن سويد بن الصامت، ووَحْوَح بن الأسلت في اثني عشر رجلا رَجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى أهلهم: هل لنا من توبة؟ فنزلت: ﴿إلا الذي تابوا من بعد ذلك﴾، الآيات" (١١). والخامس: قال مقاتل: " نزلت في اثني عشر رجلا ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة كهيئة البداة ثم انصرفوا إلى طريق مكة، فلحقوا بكفار مكة منهم طعمة بن أبيرق الأنصاري، ومقيس بن ضبابة الليثي، وعبد الله بن أنس بن خطل من بنى ثيم ابن مرة القرشي. ووجوج بن الأسلت الأنصاري، وأبو عامر بن النعمان الراهب، والحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري من بني عمرو بن عوف، أخو الجلاس بن سويد بن الصامت، ثم أن الحارث ندم فرجع تائبا من ضرار ثم أرسل إلى أخيه الجلاس إني قد رجعت تائبا فسل النبي- ﷺ هل لي من توبة وإلا لحقت بالشام فانطلق الجلاس إلى النبي- ﷺ فأخبره فلم يرد عليه

стр. 2399

شيئا فأنزل الله- في الحارث فاستثنى ﴿إلا الذين تابوا﴾ فلا يعذبون ﴿من بعد ذلك﴾ يعني من بعد الكفر ﴿وأصلحوا﴾ في العمل فيما بقي ﴿فإن الله غفور﴾ لكفره ﴿رحيم﴾ " (١). والسادس: أخرج الطبري عن ابن عباس: " ﴿كيف يهدي الله قومًا كفرُوا بعد إيمانهم﴾، فهم أهلُ الكتاب، عرَفوا محمدًا ﷺ ثم كفروا به" (٢). وروي عن الحسن مثل ذلك (٣). قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦]، "أي: كيف يستحق الهْداية قوم كفروا بعد إِيمانهم" (٤). قال الطبري: أي: " كيف يُرشد الله للصواب ويوفّق للإيمان، قومًا جحدُوا نبوّة محمد ﷺ ، بعد تصديقهم إياه وإقرارهم بما جاءَهم به من عند ربه" (٥). قوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ [آل عمران: ٨٦]، قوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ٨٦]، أي: " وجاءهم الحجج من عند الله والدلائلُ بصحة ذلك" (٦). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦]، أي: " والله لا يوفّق للحق والصّواب الجماعة الظَّلمة" (٧). قال ابن الجوزي: " وقوله: ﴿كيف يهدي الله قوما كفروا﴾ استفهام في معنى الجحد، أي: لا يهديهم الله. وفيه طرف من التوبيخ، كما يقول الرجل لعبده: كيف أحسن إلى من لا يطيعني. أي: لست أفعل ذلك والمعنى: أنه لا يهدي من عاند بعد أن بان له الصواب. وهذا محكم لا وجه لدخول النسخ عليه وقد زعم قوم منهم السدي أن هذه الآيات منسوخات بقوله: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك﴾ " (٨). ثم ذكر ابن الجوزي عن السدي: " ﴿كيف يهدي الله قوما كفروا﴾ قال: نزلت في الحارث ثم أسلم فنسخها الله عزوجل فقال: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا﴾ (٩). قال ابن الجوزي: "وقد بينا فيما تقدم أن الاستثناء ليس بنسخ وإنما هو مبين، أن اللفظ الأول لم يرد به العموم وإنما المراد به من عاند ولم يرجع إلى الحق بعد وضوحه، ويؤكد هذا أن الآيات خبر، والنسخ لا يدخل في الأخبار بحال" (١٠). الفوائد: ١ - أن من أضل الله عن بصيرة فإنه يبعد أن يُهدى-نعوذ بالله-. ٢ - أن من فسق عن بصيرة فإنه يبعد ان يكون من العدول. ٣ - أن الهداية والإضلال بيد الله، فمن كان اهلا للهداية هداه، ومن كان اهلا للضلال أضله الله. ٤ - أن الإنسان قد يعاند ويستكبر بعد أن تبين له الحق. ٥ - أن الكفر بعد الإيمان أغلظ من الكفر الأصلي، لأن الله تعالى استبعد ان يهتدي هؤلاء، في حين ذكر في موضع آخر ان الله تعالى قد يهدي الكافرين، فقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧]. ٦ - أن النبي- ﷺ حق، لأن الله لام هؤلاء على الكفر بعد أن شهدوا أن الرسول حق. ٧ - أن الله لم يدع الخلق هملا، بل أقام لهم الحجج والبينات.

стр. 2400

٨ - أن من أضله الله فإنما ذلك لظلم منه، لقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. القرآن ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)﴾ [آل عمران: ٨٧] التفسير: أولئك الظالمون جزاؤهم أنَّ عليهم لعنة الله والملائكة والناسِ أجمعين، فهم مطرودون من رحمة الله. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ﴾ [آل عمران: ٨٧]، أي: أولئك" جزاؤهم على كفرهم" (١). قوله تعالى: ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: ٨٧]، أي: " اللعنة من الله والملائكة والخلق أجمعين" (٢). قال ابن كثير: "أي: يلعنهم الله ويلعنهم خلقه" (٣). قال الطبري: أي: " أن يحلّ بهم من الله الإقصاء والبعد، ومن الملائكة والناس الدعاءُ بما يسوؤهم من العقاب من جميعهم ... وإنما جعل ذلك جل ثناؤه ثواب عملهم، لأن عملهم كان بالله كفرًا" (٤). قال أبو العالية: " يعني ﴿الناس أجمعين﴾: المؤمنين، إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون" (٥). وقال السدي: " أما: ﴿لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾، فإنه لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: لعن الله الظالم، إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل أحد من الخلق يلعنه" (٦) الفوائد: ١ - إثبات الجزاء، وفيها أن الجزاء من جنس العمل، فإن هؤلاء لما ارتكبوا ثلاث جرائم: كان عليهم لعنة الله والملائكة والناس ثلا بثلاث. ٢ - أن الملائكة ذو عقول يفهمون ويفعلون. ٣ - أن أمثال هؤلاء يلعنهم الناس جميعا. القرآن ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)﴾ [آل عمران: ٨٨] التفسير: ماكثين في النار، لا يُرفع عنهم العذاب قليلا ليستريحوا، ولا يُؤخر عنهم لمعذرة يعتذرون بها. قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آلأ عمران: ٨٨]، أي: ماكثين في عقوبة الله" (٧). قال أبو العالية: " يعني في النار، في اللعنة" (٨). قال مقاتل: " في اللعنة مقيمين فيها" (٩). قال ابن كثير: أي: في اللعنة" (١٠). قوله تعالى: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [آلأ عمران: ٨٨]، " أي: لا يُفتَّر عنهم العذاب ولا يُخَفَّف عنهم" (١١). قال الطبري: " لا ينقصون من العذاب شيئًا في حال من الأحوال، ولا ينفَّسون فيه" (١٢).

стр. 2401

قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [آلأ عمران: ٨٨]، أي: " ولا هم ينظرون لمعذرة يعتذرون" (١). قال مقاتل: " يعني لا يناظر بهم العذاب" (٢). قال الطبري: " وذلك كله عَينُ الخلود في العقوبة في الآخرة" (٣). قال أبو العالية: " هو كقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦] " (٤). الفوائد: ١ - إثبات ان هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا ان الرسول حق، وجاءهم البينات خالدون في لعنة الله، أي في الطرد والإبعاد عن رحمته. ٢ - ومنها: أنهم دائما في عذاب، لا يخفف أبدا ولا ينتظرون الفرج، لا بالتخلص منه، ولا بتخفيفه. القرآن ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ [آل عمران: ٨٩] التفسير: إلا الذين رجعوا إلى ربهم بالتوبة النصوح من بعد كفرهم وظلمهم، وأصلحوا ما أفسدوه بتوبتهم فإن الله يقبلها، فهو غفور لذنوب عباده، رحيم بهم. قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ٌ﴾ [آل عمران: ٨٩]، أي: "إلا الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيمانهم" (٥). قال الطبري: " فراجعوا الإيمان بالله وبرسوله، وصدّقوا بما جاءهم به نبيهم ﷺ من عند ربهم" (٦). قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا ٌ﴾ [آل عمران: ٨٩]، أي: " وأصلح ما أفسد من عمله" (٧). قال مقاتل: " ﴿وأصلحوا﴾ في العمل فيما بقي" (٨). قال الطبري: أي: " وعملوا الصالحات من الأعمال" (٩). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩]، أي: فإن الله" متفضل عليه بالرحمة والغفران" (١٠). قال الطبري: أي: إن الله" ﴿غفور﴾: ساتر عليه ذنبه الذي كان منه من الرّدّة، فتاركٌ عقوبته عليه، وفضيحته به يوم القيامة، غيرُ مؤاخذه به إذا مَات على التوبة منه، ﴿رحيم﴾: متعطِّف عليه بالرحمة" (١١). الفوائد: ١ - أن التوبة تجبّ ما قبلها. ٢ - أنه لابد مع التوبة من الإصلاح. ٣ - إثبات اسمين من أسماء الله تعالى، وهما: الغفور الرحيم، وإثبات ما تضمناه من الصفة وهي المغفرة والرحمة. ٤ - الثناء على المصلحين، ويستلزم الإصلاح أن يكون المصلح صالحا. القرآن

стр. 2402

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)﴾ [آل عمران: ٩٠] التفسير: إن الذين كفروا بعد إيمانهم واستمروا على الكفر إلى الممات لن تُقبل لهم توبة عند حضور الموت، وأولئك هم الذين ضلُّوا السبيل، فأخطَؤُوا منهجه. في سبب نزول الآية اقوال: أحدها: قال الحسن (١) وقتادة (٢) وعطاء الخراساني (٣): نزلت هذه الآية في اليهود، كفروا بعيسى ﵇ والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد ﷺ والقرآن. والثاني: وقال أبو العالية (٤): نزلت في اليهود والنصارى، كفروا بمحمد ﷺ لما رأوه وعرفوه بعد إيمانهم بنعته وصفته في كتبهم، ثم ازدادوا ذنوبا في حال كفرهم. والثالث: وقال مجاهد (٥): نزلت في الكفار كلهم، أشركوا بعد إقرارهم بأن الله خالقهم، ﴿ثم ازدادوا كفرا﴾، أي أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه. والرابع: ونقل ابن حجر عن ابن الكلبي أنها: "نزلت في الأحد عشر رفقة الحارث بن سويد لما رجع الحارث قالوا: نقيم بمكة ما بدا لنا فمتى أردنا رجعنا فنزل فينا ما نزل في الحارث، فلما افتتحت مكة دخل في الإسلام من دخل منهم فقبلت توبته ونزلت فيمن مات منهم كافرا هذه الآية" (٦). ونقل مقاتل نحو ذلك (٧). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]، أي: إن الذين ارتدوا عن الإسلام إلى الكفر" (٨). قال الطبري: أي: "إن الذين كفروا من اليهود بمحمد ﷺ عند مَبعثه، بعد إيمانهم به قبل مبعثه" (٩). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: ٩٠]، " أي: استمروا على الكفر إلى الممات" (١٠). قال ابن أبي زمنين: " أي: ماتوا على كفرهم" (١١). قال السمرقندي: " أي ثبتوا على كفرهم بقولهم: نقيم بمكة ما بدا لنا" (١٢). قال السعدي: أي: " ثم ازداد كفرا إلى كفره بتماديه في الغي والضلال، واستمراره على ترك الرشد والهدى" (١٣). قوله تعالى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]، " أي: لا تقبل منهم توبة ما أقاموا على الكفر" (١٤). قال السعدي: " أي: لا يوفقون لتوبة تقبل بل يمدهم الله في طغيانهم يعمهون، قال تعالى ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ فالسيئات ينتج بعضها بعضا، وخصوصا لمن أقدم على الكفر العظيم وترك الصراط المستقيم، وقد قامت عليه الحجة ووضح الله له الآيات والبراهين، فهذا هو الذي سعى في قطع أسباب رحمة ربه عنه، وهو الذي سد على نفسه باب التوبة" (١٥).

стр. 2403

ولأهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]، وجهان: احدهما: لأنهم: تابوا من بعض ولم يتوبوا من الأصل. وهذا قول أبي العالية (١). والثاني: أنهم ازدادوا كفرا حين حضرهم الموت، فـ ﴿لن تقبل توبتهم﴾ حين حضرهم الموت. وهذا قول قتادة (٢)، وعطاء (٣)، والحسن (٤). قال القاسمي: " وقد أشكل على كثير قوله تعالى لن تقبل توبتهم مع أن التوبة عند الجمهور مقبولة كما في الآية قبلها، وقوله سبحانه: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ [الشورى: ٢٥]، وغير ذلك. فأجابوا: بأن المراد عند حضور الموت. قال الواحدي في (الوجيز): «لن تقبل توبتهم لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، وتلك التوبة لا تقبل» (٥) - انتهى-، أي كما قال تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾ [النساء: ١٨]، الآية. وقيل عدم قبول توبتهم كناية عن عدم توبتهم أي لا يتوبون، كقوله: ﴿أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ [البقرة: ٦]. وإنما كنى بذلك تغليظا في شأنهم وإبرازا لحالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة، وقيل: لأنهم توبتهم لا تكون إلا نفاقا لارتدادهم وازديادهم كفرا. وبقي للمفسرين وجوه أخرى، هي في لتأويل أبعد مما ذكر. ولا أرى هذه الآية إلا كآية النساء: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا﴾ إلخ. وكلاهما مما يدل صراحة على أن من تكررت ردته لا تقبل توبته، وإلى هذا ذهب إسحاق وأحمد كما قدمنا، وذلك لرسوخه في الكفر" (٦). قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠]، أي: وأولئك هم" الخارجون عن منهج الحق إِلى طريق الغي" (٧). قال الطبري: أي: " هم الذين ضلوا سبيل الحقّ فأخطأوا منهجه، وتركوا نِصْف السبيل وهُدَى الدين، حَيرةً منهم، وعَمىً عنه" (٨). وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية على اقوال: أحدها: أن المراد: ﴿إن الذين كفروا﴾ ببعض أنبيائه الذين بعثوا قبل محمد ﷺ ، ﴿بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا﴾ بكفرهم بمحمد، ﴿لن تقبل توبتهم﴾، عند حُضور الموت وحَشرجته بنفسه. وهذا قول الحسن (٩)، وقتادة (١٠). والثاني: أن المعنى: إن الذين كفروا من أهل الكتاب بمحمد، بعد إيمانهم بأنبيائهم، ﴿ثم ازدادوا كفرًا﴾، يعني: ذنوبًا، ﴿لن تقبل توبتهم﴾، من ذنوبهم، وهم على الكفر مقيمون. قاله أبو العالية (١١). والثالث: أن معنى ذلك: إن الذين كفروا بعد إيمانهم بأنبيائهم، ﴿ثم ازدادوا كفرًا﴾، يعني: بزيادتهم الكفر: تمامُهم عليه، حتى هلكوا وهم عليه مقيمون، ﴿لن تقبل توبتهم﴾، لن تنفعهم توبتهم الأولى وإيمانهم، لكفرهم الآخِر وموتهم. وهذا قول عكرمة (١٢). والرابع: أن معنى قوله: ﴿ثم ازدادوا كفرًا﴾، ماتوا كفارًا، فكان ذلك هو زيادتهم من كفرهم. وقالوا: معنى ﴿لن تقبل توبتهم﴾، لن تقبل توبتهم عند موتهم. وهذا قول السدي (١٣).

стр. 2404

والراجح: أنه عنى بها اليهود، لأن الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها، إذ كانت في سياق واحد، ومعنى الآية: "إن الذين كفروا من اليهود بمحمد ﷺ عند مَبعثه، بعد إيمانهم به قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفرًا بما أصَابوا من الذنوب في كفرهم ومُقامهم على ضلالتهم، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم، حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد ﷺ ، ويراجعوا التوبة منه بتصديقه بما جاء به من عند الله" (١). الفوائد: ١ - إن الذي يرتد عن الاسلام فإنه إذا بقي على حاله، فإنه لا تقبل توبته عند الموت. ٢ - أنه كلما مادى الإنسان في الكفر، ولم يتب، فإنه يزداد، لأن كل وقت يمر يزداد وزرا إلى وزره، كما ان المؤمن يزداد لأيضا بزيادة الأيام إيمانا. ٣ - أن من تاب قبل أن يحضر اجله فإن الله يتوب عليه. ٤ - إن من استمر على كفره، فإنه ضال، لأنه اجتنب طريق الحق، قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾ [آل عمران: ٩١] التفسير: إن الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ ، وماتوا على الكفر بالله ورسوله، فلن يُقبل من أحدهم يوم القيامة ملء الأرض ذهبًا، ليفتدي به نفسه من عذاب الله، ولو افتدى به نفسه فِعْلا. أولئك لهم عذاب موجع، وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [آل عمران: ٩١]، أي: إن الذين" كفروا ثم ماتوا على الكفر ولم يتوبوا" (٢). قال الحسن: " هو كل كافر" (٣). قال ابن كثير: " أي: من مات على الكفر" (٤). قال الطبري: "أي: جحدوا نبوة محمد ﷺ ولم يصدقوا به وبما جاء به من عند الله من أهل كل ملة، يهودها ونصاراها ومجوسها وغيرهم، : وماتوا على ذلك من جحود نبوته وجحود ما جاء به " (٥). قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١]، " أي: لن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً" (٦). قال ابن كثير: " أي: من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدًا، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه قُرْبة، كما سئل النبي ﷺ عن عبد الله بن جُدْعان - وكان يُقْرِي الضيفَ، ويَفُكُّ العاني، ويُطعم الطعام -: هل ينفعه ذلك؟ فقال: "لا إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِن الدَّهْرِ: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتِي يوم الدِّينِ" (٧) " (٨). قال الطبري: ": فلن يقبل ممن كان بهذه الصفة في الآخرة جَزَاءٌ ولا رِشْوةٌ على ترك عقوبته على كفره، ولا جُعْلٌ على العفو عنه ولو كان له من الذهب قدرُ ما يملأ الأرضَ من مشرقها إلى مغربها، فرَشَا وَجزَى على ترك عقوبته وفي العفو عنه على كفره عوضًا مما الله مُحلٌّ به من عذابه. لأنّ الرُّشا إنما يقبلها من كان ذَا حاجة

стр. 2405

إلى ما رُشى. فأما من له الدنيا والآخرة، فكيف يقبل الفدية، وهو خلاق كل فدية افتدَى بها مفتدٍ منْ نفسه أو غيره؟ " (١). روي عن أنس بن مالك: "أن نبي الله ﷺ كان يقول: يُجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيتَ لو كان لك ملءُ الأرض ذهبًا، أكنت مفتديًا به؟ فيقول: نعم! قال فيقال: لقد سُئلت ما هو أيسرُ من ذلك! فذلك قوله: ﴿إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفارٌ فلن يُقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهبًا ولو افتدى به﴾ " (٢). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩١]، أي: هؤلاء لهم عند الله في الآخرة عذابٌ موجع" (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١]، " أي ما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله ولا يجيرهم من أليم عقابه" (٤). قال الطبري: " وما لهم من قريب ولا حميم ولا صديق ينصره، فيستنقذه من الله ومن عذابه كما كانوا ينصرونه في الدنيا على من حاول أذَاه ومكروهه" (٥). قال ابن كثير: " أي: وما لهم من أحد يُنْقِذهم من عذاب الله، ولا يجيرهم من أليم عقابه" (٦). الفوائد: ١ - أن من مات على الكفر فلن يقبل منه شيء يمنعه من عذاب الله. ٢ - أن الأمر يسير على المؤمن لأنه يفتدي من عذاب الله بما هو أقل من ملء الأرض ذهبا، فإنه إذا آمن وقام بالعمل الصالح، وادى الواجبات نجا من هذا العذاب مع أقل بكثير من ملء الأرض ذهبا. ٣ - إثبات العذاب لهؤلاء الكفار، وأن هذا العذاب عذاب شديد مؤلم. ٤ - أن هذا الألم ألم بدني وألم نفسي، لأنهم مع العذاب الشديد العظيم على البدن يعذبون عذابا نفسيا، وذلك بالتوبيخ والإهانة. ٥ - أنه لا ناصر لهؤلاء الكفار، حتى آلهتهم التي يعبدونها من دون الله تلقى في نار جهنم إهانة لها وإذلالا لها وإهانة لعابديها وإذلالا لهم. القرآن ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢] التفسير: لن تدركوا الجنة حتى تتصدقوا مما تحبون، وأي شيء تتصدقوا به مهما كان قليلا أو كثيرًا فإن الله به عليم، وسيجازي كل منفق بحسب عمله. قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، " أي: لن تكونوا من الأبرار ولن تدركوا الجنة حتى تنفقوا من أفضل أموالكم" (٧). قال الطبري: أي: "لن تنالوا –أيها المؤمنون- جنة ربكم، حتّى تتصدقوا مما تحبون من نفيس أموالكم" (٨). قال الحسن: يعني: "من المال" (٩). قال قتادة: " يقول: لن تنالوا برَّ ربكم حتى تنفقوا مما يعجبكم، ومما تهوَوْن من أموالكم" (١٠). وفي تفسير ﴿البرّ﴾ [آل عمران: ٩٢]، أقوال: أحدها: أنه الجنة. قاله ابن عباس (١١)، ومجاهد (١٢)، وعمر بن ميمون (١٣)، والسدّي (١٤).

стр. 2406

والثاني: انه الطاعة. قاله عطاء (١). والثالث: أنه الخير. قاله أبو روق (٢). والرابع: انه التقوى. قاله مقاتل بن سليمان (٣). والخامس: ان المعنى: لن تكونوا أبرارا. قاله الحسن (٤). قال الطبري: " قال كثير من أهل التأويل ﴿البر﴾: الجنة (٥)، لأن بر الربّ بعبده في الآخرة، إكرامه إياه بإدخاله الجنة" (٦). قال مجاهد: " كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أنْ يبتاع له جارية من جَلولاء يوم فُتحت مدائن كسرى في قتال سَعد بن أبي وقاص، فدعا بها عمر بن الخطاب فقال: إن الله يقول: ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾، فأعتقها عمر وهي مثْل قول الله : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [سورة الإنسان: ٨]، و ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [سورة الحشر: ٩] " (٧). وقال أنس بن مالك: "لما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، أو هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [سورة البقرة: ٢٤٥\ الحديد: ١١]، قال أبو طلحة، يا رسول الله، حائطي الذي بكذا وكذا صَدَقة، ولو استطعت أن أجعله سرًّا لم أجعله علانية! فقال رسول الله ﷺ : اجعلها في فقراء أهلك" (٨). وعن عمرو بن دينار قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾، جاء زيدٌ بفرس له يقال له: " سَبَل " إلى النبي ﷺ ، فقال: تصدَّق بهذه يا رسول الله. فأعطاها رسول الله ﷺ ابنه أسامة بن زيد بن حارثة، فقال: يا رسول الله، إنما أردت أن أتصدّق به! فقال رسول الله ﷺ : قد قُبلتْ صَدَقتك" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢]، أي: " ومهما تنفقوا من شيء فتتصدقوا به من أموالكم، فإن الله ذو علم بذلك كله، فيجازي صاحبه عليه في الآخرة" (١٠). قال قتادة: " يقول: محفوظٌ لكم ذلك، اللهُ به عليمٌ شاكرٌ له" (١١). قال مقاتل بن سليمان: " يعنى: عالم به، يعنى: بنياتكم" (١٢). قال الثعلبي: " أي فإنّ الله يجازي عليه لأنّه إذا علمه جازى عليه" (١٣). الفوائد: ١ - الحث على الإنفاق مما يحبه الإنسان. ٢ - إثبات الأسباب، لأن الله أثبت للبر سببا وهو الانفاق مما نحب. ٣ - عموم علم الله ، لقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.

стр. 2407

٤ - إثبات الجزاء، وأن كل انسان سيجازي بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ٥ - جواز إنفاق المرء جميع ماله، بناء على أن ﴿من﴾ للجنس، وهي مسألة اختلف فيه العلماء، والأفضل أن لاتتصدق بجميع المال، لقول النبي- ﷺ : "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من ان تذرهم عالة يتكففون الناس" (١). القرآن ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ [آل عمران: ٩٣] التفسير: كل الأطعمة الطيِّبة كانت حلالا لأبناء يعقوب ﵇ إلا ما حرَّم يعقوب على نفسه لمرض نزل به، وذلك مِن قبل أن تُنَزَّل التوراة. فلما نُزِّلت التوراة حرَّم الله على بني إسرائيل بعض الأطعمة التي كانت حلالا لهم; وذلك لظلمهم وبغيهم. قل لهم -أيها الرسول-: هاتوا التوراة، واقرؤوا ما فيها إن كنتم محقين في دعواكم أن الله أنزل فيها تحريم ما حرَّمه يعقوب على نفسه، حتى تعلموا صدق ما جاء في القرآن من أن الله لم يحرم على بني إسرائيل شيئًا من قبل نزول التوراة، إلا ما حرَّمه يعقوب على نفسه. في سبب نزول الآية أقوال: احدها: قال السدي: " " قالت اليهود: إنما نحرِّم ما حرّم إسرائيل على نفسه، وإنما حرّم إسرائيل العرُوق (٢)، كان يأخذه عِرق النَّسا، كان يأخذه بالليل ويتركه بالنهار، فحلف لئْن الله عافاه منه لا يأكل عِرْقًا أبدًا، فحرّمه الله عليهم ثم قال: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾، ما حرَّم هذا عليكم غيري ببغيكم، فذلك قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٦٠] " (٣). والثاني: وقال الضحاك: " إسرائيل هو يعقوب، أخذه عرق النسا فكان لا يَبيتُ الليل من وجعه، وكان لا يؤذيه بالنهار، فحلف لئن شفاهُ الله لا يأكل عِرْقًا أبدًا، وذلك قبل نزول التوراة على موسى، فسأل نبيُّ الله ﷺ اليهود: ما هذا الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ فقالوا: نزلت التوراة بتحريم الذي حرَّم إسرائيل. فقال الله لمحمد ﷺ : ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾ إلى قوله: ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، وكذبوا وافتروا، لم تنزل التوراة بذلك" (٤). وروي عن ابن عباس نحو ذلك (٥)، ونقل مقاتل نحوه (٦). والثالث: نقل الثعلبي والواحدي (٧) عن أبي روق والكلبي: "كان هذا حين قال النبي ﷺ : «أنا على ملة إبراهيم». فقالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها، فقال النبي ﷺ : «كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحلّه». فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرّمه فإنّه كان محرّما على نوح وإبراهيم هاجرا حتى انتهى إلينا، فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم: ﴿كُلُّ الطَّعامِ المحلل لكم اليوم كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ وهو يعقوب عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ " (٨).

стр. 2408

قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، " أي كل الأطعمة كانت حلالاً لبني إِسرائيل" (١). قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]، أي إلا ما حرّمه يعقوب على نفسه قبل نزول التوراة " (٢). قال الطبري: أي: "إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من غير تحريم الله ذلك عليه، فإنه كان حرامًا عليهم بتحريم أبيهم إسرائيل ذلك عليهم، من غير أن يحرمه الله عليهم في تنزيل ولا وحي" (٣). أخرج عبدالرزاق من طريق الثوري عن ابن عباس: " كان إسرائيل أخذه عرق النسا , فكان يبيت له زقاء , فجعل لله عليه إن شفاه ألا يأكل العروق" فأنزل الله تعالى: ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ [آل عمران: ٩٣]، قال سفيان: «له زقاء» قال: «صياح» " (٤). واختلفوا في تحريم إسرائيل على نفسه هل كان بإذن الله تعالى أم لا - على اختلافهم في اجتهاد الأنبياء- على قولين (٥): أحدهما: لم يكن إلا بإذنه وهو قول من زعم أن ليس لنبي أن يجتهد. والثاني: باجتهاده من غير إذن، وهو قول من زعم أن للنبي أن يجتهد. واختلف أهل التفسير في الذي كان إسرائيل حرَّمه على نفسه على أقوال: أحدها: أن الذي حرّمه إسرائيل على نفسه العُرُوق. قاله ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، وأبي مجلز (٨)، وقتادة (٩). والثاني: أن الذي حرمه لحوم الإبل وألبانُها. وهذا قول الحسن (١٠)، وعبدالله بن كثير (١١)، وعطاء بن ابي رباح (١٢). والثالث: أن الذي حرم: زائدة الكبد والكليتين والشحم إلا ما على الظهور. وهذا قول عكرمة (١٣). قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، " أي: قل لهم يا محمد ائتوني بالتوراة واقرءوها عليَّ إن كنتم صادقين في دعواكم أنها لم تحرم عليكم بسبب بغيكم وظلمكم" (١٤). قال الزمخشري: " أمر بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم مما هو ناطق به من أن تحريم ما حرم عليهم تحريم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم، لا تحريم قديم كما يدعونه، فروى أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة وبهتوا وانقلبوا صاغرين، وفي ذلك الحجة البينة على صدق النبي ﷺ ، وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه" (١٥). واختلفوا في تحريم اليهود ذلك على أنفسهم على أقوال: أحدها: أنهم حرموه على أنفسهم اتباعاً لإسرائيل. وهذا قول الضحاك (١٦).

стр. 2409

والثاني: أن اسرائيل حرّمه على نفسه وولده، وذلك حين اصابه عرق النساء. ولم يكن ذلك محرما عليهم في التوراة. قاله عطية (١). والثالث: أن التوراة نزلت بتحريمها فحرموها بعد نزولها. وهذا معنى قول السدي (٢). والرابع: أن الله لم يحرّمه عليهم في التوراة، وإنّما حرّم عليهم بعد التوراة لظلمهم وكفرهم، وكان بنو إسرائيل كلما أصابوا ذنبا عظيما حرّم الله عليهم طعاما طيبا، أو صبّ عليهم رجزا وهو الموت، وذلك قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ إلى قوله وَإِنَّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦]. قاله الكلبي (٣). قال الماوردي: " الأول أصح" (٤). الفوائد: ١ - أن لله أن يحلّ ما يشاء ويحرّم ما يشاء. ٢ - الرد على اليهود الذين زعموا أنه لا نسخ في الشرائع. ٣ - أن التوراة منزلة كالقرآن، وهذا يدل على علو الله جل وعلا، وأنه فوق كل شيء، وهذا هو عقيدة أهل السنة والجماعة. ٤ - أنه ينبغي للإنسان أن يقابل الخصم بشيء يقطع نزاعه. ٥ - ومن هدي الرسول ﷺ في علاج عرق النسا، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك؛ "أن النبي ﷺ كان يصف من عرق النسا ألية كبش عربي، أسود، ليس بالعظيم، ولا بالصغير، يجزأ ثلاثة أجزاء، فيذاب، فيشرب كل يوم جزءا" (٥). قال أنس: "فوصفته لأكثر من مائة فشفاهم الله" (٦). وقال الثعلبي: " روى شعبة أنّه رأى شيخا في زمن الحجاج بن يوسف يقول لعرق النساء: أقسم عليك بالله الأعلى لئن لم تنته لأكوينّك بنار أو لألحقنك بموسى، قال شعبة: فإنّه يقول ذلك ويمسح على ذلك الموضع فيبرأ بإذن الله" (٧). القرآن ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)﴾ [آل عمران: ٩٤] التفسير: فمَن كذب على الله من بعد قراءة التوراة ووضوح الحقيقة، فأولئك هم الظالمون القائلون على الله بالباطل. قوله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [آل عمران: ٩٤]، أي: " فمن كذَب على الله منا ومنكم" (٨). قال مقاتل: "بأن الله حرمه في التوراة" (٩). قال الزمخشري: أي: " بزعمه أن ذلك كان محرما على بنى إسرائيل قبل إنزال التوراة" (١٠). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٩٤]، أي: " من بعد مجيئكم بالتوراة وتلاوتها إياها" (١١). قال مقاتل: أي: "من بعد ذلك البيان"" (١٢).

стр. 2410

قال البيضاوي: أي: " ابتدعه على الله بزعمه أنه حرم ذلك قبل نزول التوراة على بني إسرائيل ومن قبلهم" (١). قال الزمخشري: أي: " من بعد ما لزمهم من الحجة القاطعة" (٢). قال الصابوني: أي: " من بعد قيام الحجة ظهور البينة" (٣). وتحتمل الإشارة بـ ﴿ذلك﴾ في الآية الكريمة أن تكون إلى ثلاثة أشياء (٤): أحدها: أن تكون إلى التلاوة إذ مضمنها بيان المذهب وقيام الحجة، أي فمن كذب منا على الله تعالى أو نسب إلى كتب الله ما ليس فيها فهو ظالم واضع الشيء غير موضعه. والثاني: أن تكون الإشارة إلى استقرار التحريم في التوراة، لأن معنى الآية: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]، ثم حرمته التوراة عليهم عقوبة لهم، ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾، وزاد في المحرمات فهو الظالم. والثالث: أن تكون الإشارة إلى الحال بعد تحريم إسرائيل على نفسه، وقبل نزول التوراة، أي من تسنن بيعقوب وشرع ذلك دون إذن من الله، ومن حرم شيئا ونسبه إلى ملة إبراهيم فهو الظالم، ويؤيد هذا الاحتمال الأخير، قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] فنص على أنه كان لهم ظلم في معنى التحليل والتحريم، وكانوا يشددون فشدد الله عليهم، كما فعلوا في أمر البقرة. قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [آل عمران: ٩٤]، أي: فأولئك هم" المعتدون المكابرون بالباطل" (٥). قال الطبري: " يعني: فهم الكافرون، القائلون على الله الباطل" (٦). قال الزمخشري: أي: "المكابرون الذين لا ينصفون من أنفسهم ولا يلتفتون إلى البينات" (٧). قال السعدي: " وأي ظلم أعظم من ظلم من يدعى إلى تحكيم كتابه فيمتنع من ذلك عنادا وتكبرا وتجبرا، وهذا من أعظم الأدلة على صحة نبوة نبينا محمد ﷺ وقيام الآيات البينات المتنوعات على صدقه وصدق من نبأه وأخبره بما أخبره به من الأمور التي لا يعلمها إلا بإخبار ربه له بها" (٨). أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك انه قال في تفسير هذه الآية: "وكذبوا وافتروا ولم ينزل التوراة بذلك" (٩). قال ابن بأبي حاتم: "يعني بتحريم العروق" (١٠). الفوائد: ١ - أنه متى ظهر الحق فحاد الانسان عنه، صار أشد ظلما. ٢ - أنه لا إثم مع الجهل، لقوله: ﴿من بعد ذلك﴾. القرآن ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾ [آل عمران: ٩٥] التفسير: قل لهم -أيها الرسول- صَدَق الله فيما أخبر به وفيما شرعه. فإن كنتم صادقين في محبتكم وانتسابكم لخليل الله إبراهيم ﵇ فاتبعوا ملَّته التي شرعها الله على لسان محمد ﷺ ، فإنها الحق الذي لا شك فيه. وما كان إبراهيم ﵇ من المشركين بالله في توحيده وعبادته أحدًا.

стр. 2411

قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٩٥]، " أي: قل يا محمد: صدق الله فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن" (١). قال الواحدي: " في هذا وفي جميع ما أخبر به" (٢). قال السمعاني: " يعني: فيما أخبر وأنزل" (٣). قال مقاتل: " حين قال الله- سبحانه- ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ (٤) ... إلى آخر الآية، وقالت اليهود والنصارى: كان إبراهيم والأنبياء على ديننا، فقال النبي- ﷺ فقد كان إبراهيم يحج البيت وأنتم تعلمون ذلك فلم تكفرون بآيات الله يعني بالحج، فذلك قوله- سبحانه- ﴿قل صدق الله﴾ " (٥). قال الراغب: " معنى قوله: قل اعتقد وأخبر أن ذلك من قول الله تعالى، وهو صادق، وحقيقة قوله: ﴿صدق الله﴾ إقرار بأن الله قد أخبر، فإنه إذا ثبت كونه من خبره ثبت. كونه صدقا، ونبه أن ما أخبر من قوله: ﴿كل الطعام كان حلا﴾ وسائر ما تقدم صدق، وأنه ملة إبراهيم، وأوجب عليهم اتباعه في تحنفه أي في استقامته" (٦). قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٥]، أي: "فاتبعوا ملة الإسلام التي هي ملة إبراهيم " (٧). قال الطبري: أي: " فاتبعوا ما قد أجمع جميعُكم على تصويبه من ملته الحنيفية، ودعوا ما اختلفتم فيه من سائر الملل غيرها، أيها الأحزاب، فإنها بدَع ابتدعتموها إلى ما قد أجمعتم عليه أنه حق، فإن الذي أجمعتم عليه أنه صوابٌ وحق من ملة إبراهيم، هو الحق الذي ارتضيتُه وابتعثتُ به أنبيائي ورسلي، وسائرُ ذلك هو الباطل الذي لا أقبله من أحد من خلقي جاءَني به يوم القيامة" (٨). قال ابن كثير: " أي: اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله في القرآن على لسان محمد ﷺ ، فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مِرْية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] " (٩). قوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥]، أي: "مائلاً عن الأديان الزائفة كلها" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥]، أي: و"لم يكن إبراهيم يشرك في عبادته أحدًا من خلقه" (١١). قال مقاتل: " يقول: لم يكن يهوديا ولا نصرانيا" (١٢). قال الطبري: " وإنما عنى جل ثناؤه بالمشركين، اليهودَ والنصارَى وسائر الأديان، غير الحنيفية. قال: لم يكن إبراهيم من أهل هذه الأديان المشركة، ولكنه كان حنيفًا مسلمًا" (١٣). قال الراغب: " وفي قوله: ﴿وما كان من المشركين﴾ تعريض بهم، كأنه قيل: أنتم مشركون في اتخاذ بعضكم بعضا أربابا، وإبراهيم لم يكن مشركا، فإذن ليس دينكم دين إبراهيم، وكما نفى في قوله: ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا﴾ أنه منهم نفى في هذه الآية كونه مشركا" (١٤).

стр. 2412

عن عبد الله بن عمرو قال: "أفاض جبريل بإبراهيم صلى الله عليهما، فصلى به بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم غدا من منى إلى عرفة فصلى به الصلاتين: الظهر والعصر، ثم وقف له حتى غابت الشمس، ثم دفع حتى أتى المزدلفة، فنزل بها، فبات وصلى، ثم صلى كأعجل ما يصلي أحد من المسلمين، ثم وقف به كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين، ثم دفع منه إلى منى، فرمى وذبح، ثم أوحى الله تعالى إلى محمد أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين" (١). الفوائد: ١ - وجود تصديق الله في جميع ما اخبر به. ٢ - وجوب الإيمان بما اخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات. ٣ - وجوب إتباع ملة إبراهيم، لكن في أصل الشرائع، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، إذ أن الشرائع تختلف بحسب حاجات الناس ومصالحهم، اما اصلها وهو التوحيد فإن جميع الشرائع تتفق فيه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. ٤ - الثناء على إبراهيم- ﷺ بأنه حنيف وإمام، ولهذا أمرنا باتباعه. ٥ - انتقاء الشرك عن إبراهيم- ﷺ انتقاءا كاملا، لقوله: : ﴿حنيفا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ويؤخذ من هذا ذم الشرك والنهي عن اتباعه. القرآن ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦] التفسير: إن أول بيت بُني لعبادة الله في الأرض لهو بيت الله الحرام الذي في «مكة»، وهذا البيت مبارك تضاعف فيه الحسنات، وتتنزل فيه الرحمات، وفي استقباله في الصلاة، وقصده لأداء الحج والعمرة، صلاح وهداية للناس أجمعين. في سبب نزول الآية وجهان: أحدهما: ذكر الثعلبي وتبعه الواحدي (٢) وابن ظفر (٣) عن مجاهد (٤): "تفاخر المسلمون واليهود، فقال اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنّها مهاجر الأنبياء في الأرض المقدسة، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ " (٥). والثاني: قال مقاتل بن سليمان: " وذلك أن المسلمين واليهود اختصموا في أمر القبلة. فقال المسلمون: القبلة الكعبة. وقالت اليهود: القبلة بيت المقدس. فأنزل الله- أن الكعبة أول مسجد كان في الأرض، والبيت قبلة لأهل المسجد الحرام، والحرم كله قبلة الأرض" (٦). قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦] "أي إن أول مسجد بني في الأرض لعبادة الله: المسجد الحرام الذي هو بمكة" (٧). قال القاسمي: أي لنسكهم وعباداتهم، للبيت الذي في البكة، وفي ترك الموصوف من التفخيم ما لايخفى" (٨). قال ابن كثير: " يُخْبر تعالى أن أول بيت وُضع للناس، أي: لعموم الناس، لعبادتهم ونُسُكهم، يَطُوفون به ويُصلُّون إليه ويَعتكِفُون عنده، ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ﵇-الذي يَزْعم كل

стр. 2413

من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجِه، ولا يَحجُّون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه" (١). قال البيضاوي: " والواضع هو الله عزوجل ومعنى وضع الله بيتاً للناس أنه جعله متعبداً لهم فكأنه قال إن أول متعبد للناس الكعبة" (٢). واختلف في قوله تعالى: : ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آلأ عمران: ٩٦]، على أقوال: أحدها: أنه أول بيت ظهر على وجه الماء عندما خلق الله السماء والأرض فخلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الأرض فدحيت الأرض من تحتها، هذا قول عبد الله بن عمرو ومجاهد وقتادة والسدي (٣). والثاني: أنه أوّل بيت وضع: بني في الأرض. قاله علي بن الحسين (٤). والثالث: أنه أول بيت بناه آدم في الأرض، قاله ابن عباس (٥). والرابع: أنه أول بيت مبارك، أي: وضع فيه البركة. قاله علي (٦)، والضحاك (٧). والخامس: انه اول بيت وضع للناس يحج إليه لله. قاله ابن عباس أيضا (٨). والسادس: أنه أول بيت جعل قبلة للناس (٩). والسابع: أن معناه: إن أول مسجد ومتعبد وضع للناس يعبد الله فيه، يدل عليه قوله: ﴿أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ [يونس: ٨٧]، يعني: مساجدهم وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، وقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] يعني: المساجد. وهذا قول علي (١٠)، والحسن، والكلبي والفراء (١١)، ورجحه ابن كثير (١٢). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿بَكَّة﴾ [آل عمران: ٩٦]، أربعة أقاويل: أحدها: أن بكة البيت والمسجد، ومكة: الحرم كله، وهذا قول ابن شهاب (١٣)، وضمرة بن ربيعة (١٤)، وإبراهيم (١٥). والثاني: أن بكة هي مكة، وهو الضحاك (١٦)، وأبي عبيدة (١٧). والثالث: أن بكة موضع البيت والمطاف، ومكة غيره في الموضع، يريد القرية، قاله أبو مالك (١٨)، وروي عن عطية وإبراهيم النخعي، وأبي صالح، ومقاتل بن حيان نحو ذلك (١٩). والرابع: أن مكة من الفج إلى التنعيم، وبكة من البيت إلى البطحاء. قاله ابن عباس (٢٠). والخامس: أن البيت وما حوله بكة، وما وراء ذلك مكة. وهذا قول عكرمة (٢١)، وميمون بن مهران (٢٢).

стр. 2414

وفي المأخوذ منه بكة أقوال (١): أحدها: أنه مأخوذ من الزحمة، يقال تَبَاّك القوم بعضهم بعضاً إذا ازدحموا، فبكة مُزْدَحَمُ الناس للطواف. وهذا معنى قول عطاء (٢)، وأبو جعفر (٣). والثاني: أنها سميت بكة، لأنها تَبُكُّ الظلمة، وأعناق الجبابرة، إذ ألحدوا فيها بظلم لم يمهلوا. وهذا قول عبدالرحمن بن الزبير (٤)، ومحمد بن زيد بن مهاجر (٥). والثالث: أن بكة بكت بكا، الذكر فيها كالأنثى. رواه عتبة بن قيس عن ابن عمر (٦). والرابع: إنما سميت بكة لأن الناس يجيئون من كل جانب حجاجا. قاله عبدالله بن الزبير (٧)، ومقاتل بن حيان (٨). والخامس: إن الله بك به الناس جميعا، فيصلي النساء أمام الرجال، ولا يفعل ذلك ببلد غيره. وهذا قول قتادة (٩)، وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعمرو بن شعيب، ومقاتل بن حيان نحو ذلك (١٠). وقرأ ابن السميقع: " ﴿وَضَعَ﴾، بفتح الواو والضاد، يعني: وضعه الله" (١١). قوله تعالى: ﴿مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، " أي: وضع ذلك البيت ذا بركة وهدى للعالمين" (١٢). قال مقاتل بن حيان: " قوله: ﴿مباركا﴾، جعلناه آمنا وجعل فيه الخير والبركة" (١٣)، "يعني بالهدى: قبلتهم" (١٤). قال البيضاوي: " ﴿مباركا﴾: كثير الخير لما يحصل للحجاج والمعتمرين من الثواب وتكفير السيآت ﴿وهدى للعالمين﴾ لأنه قبلتهم ومتعبدهم" (١٥). قال المراغي: " تطلق البركة على معنيين: أحدهما النموّ والزيادة، وثانيهما البقاء والدوام كما يقال تبارك الله، والبركة والهداية من فضائله الحسية والمعنوية. أما الأولى: فهى أنه قد أفيض عليه من بركات الأرض وثمرات كل شىء مع كونه بواد غير ذى زرع كما قال الله تعالى: ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فترى الأقوات والثمار في مكة كثيرة جيدة، وأقل ثمنا من كثير من البلاد ذوات الخيرات الوفيرة كمصر والشام. وأما الثانية: فلأن القلوب تهوى إليه، فتأتى الناس مشاة وركبانا من كل فج عميق لأداء المناسك الدينية من الحج والعمرة، ويولّون وجوههم شطره في صلاتهم وربما لا تمضى ساعة من ليل أو نهار إلا وهناك ناس يتوجهون إليه، ولا شك أن هذه الهداية من أشرف أنواع الهدايات. وكل هذا ببركة دعوة إبراهيم صلوات الله عليه ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ " (١٦).

стр. 2415

قال السعدي: " ﴿مباركا﴾ أي: فيه البركة الكثيرة في المنافع الدينية والدنيوية كما قال تعالى ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ ﴿وهدى للعالمين﴾ والهدى نوعان: هدى في المعرفة، وهدى في العمل، فالهدى في العمل ظاهر، وهو ما جعل الله فيه من أنواع التعبدات المختصة به، وأما هدى العلم فبما يحصل لهم بسببه من العلم بالحق بسبب الآيات البينات التي ذكر الله تعالى في قوله ﴿فيه آيات بينات﴾ " (١). وفي تفسير العالمين قولان: أحدهما: أن الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم، أو أربعة عشر ألف عالم من الملائكة على الأرض، والأرض أربع زوايا في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم وخمسمائة عالم خلقهم لعبادته. قاله أبو العالية (٢). والثاني: أن العالمين ألف أمة ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر. وهذا قول تبيع (٣). الفوائد: ١ - ان أول بيت وضع للعبادة هو الكعبة التي في مكة، فيكون سابقا على بيت المقدس، وآخر بيت وضع للعبادة: المسجد النبوي، وهذه هي المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال كما ورد في الحديث (٤). ٢ - أن تقدم المكان في العبادة له أثر في تفضيله، لذلك قال أهل العلم أن المسجد القديم لإقامة الجماعة أفضل من المسجد الحديث. ٣ - فضيلة هذا البيت لكونه اول بيت وضع للناس للعبادة. ٤ - أن هذا البيت مبار قدرا وشرعا، وأنه هدى ومنار للعالمين، يهتدون به ويهتدون إليه، ويؤمونه في عباداتهم. القرآن ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧] التفسير: في هذا البيت دلالات ظاهرات أنه من بناء إبراهيم، وأن الله عظَّمه وشرَّفه، منها: مقام إبراهيم ﵇، وهو الحَجَر الذي كان يقف عليه حين كان يرفع القواعد من البيت هو وابنه إسماعيل، ومن دخل هذا البيت أَمِنَ على نفسه فلا يناله أحد بسوء. وقد أوجب الله على المستطيع من الناس في أي مكان قَصْدَ هذا البيت لأداء مناسك الحج. ومن جحد فريضة الحج فقد كفر، والله غني عنه وعن حجِّه وعمله، وعن سائر خَلْقه. في سبب نزول الآية وجوه: أحدها: أخرج الطبري عن عكرمة: " ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾، قالت اليهود: فنحن المسلمون! فأنزلَ الله لنبيه ﷺ يحُجُّهم أنْ: ﴿لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ " (٥). والثاني: ونقل ابن حجر من طريق ليث بن اسلم عن مجاهد: "آية فرقت بين المسلمين وأهل الكتاب لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قالت اليهود: [قد أسلمنا] (٦) فنزلت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية فقالوا: لا نحجه أبدًا" (٧). والثالث: ونقل ابن حجر عن سعيد بن المسيب: "نزلت في اليهود حيث قالوا: الحج إلى مكة غير واجب فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ " (٨).

стр. 2416

والرابع: أخرج الطبري عن الضحاك: " لما نزلت آية الحج، جَمع رسول الله ﷺ أهلَ الأديان كلَّهم فقال: يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجُّوا، فآمنتْ به ملة واحدة، وهي من صدّق النبيّ ﷺ ، وآمن به، وكفرَتْ به خمس ملل، قالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نستقبله. فأنزل الله : ﴿ومن كفر فإنّ الله غني عن العالمين﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، أي: " في المسجد الحرام دلائل واضحات منها: مقام إبراهيم" (٢). قال ابن كثير: " أي: دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله تعالى عَظَّمه وشرفه، قوله تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، يعني: الذي لَمَّا ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وقد كان ملتصقا بجدار البيت، حتى أخّره عُمَر بن الخطاب، ﵁، في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطُّوَّاف، ولا يُشَوِّشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] "" (٣). قال الماوردي: " الآية في مقام إبراهيم أثر قدميه وهو حجر صلد؟ والآية في غير المقام: أمن الخائف، وهيبة البيت وامتناعه من العلو عليه، وتعجيل العقوبة لمن عتا فيه، وما كان في الجاهلية من أصحاب الفيل " (٤). وقرأ ابن عباس: " ﴿فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ﴾، يعني بها: مقام إبراهيم، يراد بها: علامة واحدةٌ" (٥). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، على أقوال: أحدها: أن ﴿مقام إبراهيم﴾، هو الحج كله. وهو قول ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، وعطاء (٨)، والشعبي (٩). الثاني: أنه عرفة والمزدلفة والجمار. وهو قول عطاء بن أبي رياح (١٠)، وروي عن ابن عباس (١١)، مجاهد (١٢)، والشعبي (١٣)، نحو ذلك. الثالث: أنه الحرم كله (١٤). وهو قول مجاهد (١٥)، والنخعي (١٦)، وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح (١٧) عن ابن عباس (١٨).

стр. 2417

الرابع: إن المراد بالمقام إنما هو (الحَجَرُ) الذي كان إبراهيم ﵇، يقوم عليه لبناء الكعبة، وهذا قول ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢). ثم هؤلاء ذكروا وجهين (٣): أحدهما: هو الحجر الذي قام عليه حين رفع بناء البيت (٤)، وهو قول ابن عباس في رواية سعيد ابن جبير عنه (٥)، وروي عن جابر وقتادة وسعيد بن جبير. نحو ذلك (٦). إذ لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل، ﵇، به ليقومَ فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، كلَّما كَمَّل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها هكذا، حتى تم جدارات الكعبة، بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها؛ ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية (٧): ومَوطئُ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيًا غير ناعل وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضا (٨).

стр. 2418

وثانيهما: وقيل: بل هو الذي وضعته زوج إسماعيل لإِبراهيم حيث غسلت رأسه وهو راكب. وهو قول السدي (١)، وحكاه الرازي في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس (٢). وقال ابن جبير ناقداً هذا القول: "ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه" (٣). خامسا: وقال آخرون: بل ﴿مقام إبراهيم﴾، هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام. قاله قتادة (٤)، والربيع (٥)، والسدي (٦). والراجح: أن المقام هو (الحجر) (٧) لما يعضده هذا القول من الأخبار، إذ ثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ وعليه أكثر أهل العلم. وقد ثبت دليله عند مسلم (٨) (٩) من حديث جابر (١٠)، وعند البخاري أيضاً (١١). كما اختلفوا في قوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧]، على وجوه: أحدها: أن الآيات، هي: مقام إبراهيم والمشعر الحرام ونحو ذلك. قاله ابن عباس (١٢)، ومجاهد (١٣). والثاني: أن الآيات البينات، هي: مقام إبراهيم، ومن دخله كانَ آمنا. وهذا قول الحسن (١٤). والثالث: أن الآيات البينات، هي: مقام إبراهيم. وهذا قول السدي (١٥)، ومجاهد (١٦) –في إحدى الروايات عنه- على قراءة التوحيد (١٧). والراجح-والله أعلم- أن الآيات البينات، منهنّ مقام إبراهيم، ومنهن الحجرُ، ومنهن الحطيمُ (١٨).

стр. 2419

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، أي: " ومن يدخله من الناس مستجيرًا به، يكن آمنًا حتى يخرج منه" (١). وهذه آية أخرى. قال ابن كثير: " يعني: حَرَمُ مكة إذا دخله الخائف يأمنُ من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية" (٢). قال الماوردي: " معناه أنه عطَّف عليه قلوب العرب في الجاهلية فكان الجاني إذا دخله أمِنَ" (٣). وأما في "الأمن" ففيه قولان: أحدهما: أنه من النار، وهذا قول يحيى بن جعدة (٤). والثاني: من القتال بحظر الإيجال على داخليه، وأما الحدود فتقام على من جنى فيه. وهو قول قتادة (٥)، ومجاهد (٦)، والحسن (٧)، والسدي (٨)، وعطاء (٩)، وعبيد بن عمير (١٠)، وعامر (١١)، والشعبي (١٢). واختلفوا في الجاني إذ دخله في إقامة الحد عليه فيه قولان (١٣): أحدهما: تقام عليه، وهو مذهب الشافعي. والثاني: لا تقاوم حتى يُلجأ إلى الخروج منه، وهذا قول ابن عباس (١٤)، وابن عمر (١٥)، ومجاهد (١٦)، وهو مذهب أبي حنيفة. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، " أي فرضٌ لازم على المستطيع حج بيت الله العتيق" (١٧). قال الطبري: أي: " وفرضٌ واجبٌ لله على من استطاع من أهل التكليف السبيلَ إلى حجّ بيته الحرام الحج إليه" (١٨). قال ابن كثير: " هذه آية وُجُوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والأول أظهر، وقد وَرَدَت الأحاديثُ المتعددة بأنه أحدُ أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا، وإنما يجب على المكلَّف في العُمْر مَرّة واحدة بالنص والإجماع" (١٩). وفي الاستطاعة إلى الحج أربعة أقاويل: أحدها: أنها بالمال، وهي الزاد والراحلة، قاله عمر بن الخطاب (٢٠)، وابن عباس (٢١)، والحسن (٢٢)، وعمرو بن دينار (٢٣)، وعطاء (٢٤)، والسدي (٢٥)، وسعيد بن جبير (٢٦)، وهو قول الشافعي (٢٧).

стр. 2420

واستندوا على قولهم بما رواه ابن عمر: "قام رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة» " (١). والثاني: أنها بالبدن، وهي الصحة، قاله عكرمة (٢)، وهو قول مالك (٣). والثالث: أنها بالمال والبدن، وهذا معنى قول ابن زيد (٤)، وهو قول أبي حنيفة (٥). والرابع: أن السبيل التي إذا استطاعها المرء كان عليه الحج: الطاقةُ للوصول إليه بغير مانع ولا حائل. وهذا قول ابن الزبير (٦)، والضحاك (٧)، وعطاء (٨)، وعامر (٩)، والحسن (١٠) -في إحدى الروايات عنهم، والراجح-والله أعلم- إنّ أداء الحج على قدر الطاقة، "لأن " السبيل " في كلام العرب: الطريقُ، فمن كان واجدًا طريقًا إلى الحج لا مانعَ له منه من زَمانة، أو عَجز، أو عدوّ، أو قلة ماء في طريقه، أو زاد، أو ضعف عن المشي، فعليه فرضُ الحج، لا يجزيه إلا أداؤه. فإن لم يكن واجدًا سبيلا أعني بذلك: فإن لم يكن مطيقًا الحجَّ، بتعذُّر بعض هذه المعاني التي وصفناها عليه فهو ممن لا يجدُ إليه طريقًا ولا يستطيعه. لأن الاستطاعة إلى ذلك، هو القدرة عليه" (١١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، "أي: من ترك الحج فإن الله مستغنٍ عن عبادته وعن الخلق أجمعين" (١٢). قال الطبري: أي: " ومن جَحد ما ألزمه الله من فرض حَجّ بيته، فأنكره وكفر به، فإن الله غنيّ عنه وعن حجه وعمله، وعن سائر خَلقه من الجن والإنس" (١٣). قال الجزائري: أي: و"من كفر بالله ورسوله وحج بيته بعد ما ذكر من الآيات والدلائل الواضحات فإنه لا يضر إلا نفسه، أما الله تعالى فلا يضره شيء وكيف وهو القاهر فوق عباده والغني عنهم أجمعين" (١٤). قال أبو صالح: " فرض الله الحج على الناس، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين" (١٥). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وجوه: أحدها: يعني: من كفر بزعمه أن الحج ليس بفرض عليه، وهو قول ابن عباس (١٦)، والحسن (١٧)، ومجاهد (١٨)،
следующие страницы →