← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

والرابع: أخرج الطبري عن الضحاك: " لما نزلت آية الحج، جَمع رسول الله ﷺ أهلَ الأديان كلَّهم فقال: يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجُّوا، فآمنتْ به ملة واحدة، وهي من صدّق النبيّ ﷺ ، وآمن به، وكفرَتْ به خمس ملل، قالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نستقبله. فأنزل الله : ﴿ومن كفر فإنّ الله غني عن العالمين﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، أي: " في المسجد الحرام دلائل واضحات منها: مقام إبراهيم" (٢). قال ابن كثير: " أي: دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله تعالى عَظَّمه وشرفه، قوله تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، يعني: الذي لَمَّا ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وقد كان ملتصقا بجدار البيت، حتى أخّره عُمَر بن الخطاب، ﵁، في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطُّوَّاف، ولا يُشَوِّشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] "" (٣). قال الماوردي: " الآية في مقام إبراهيم أثر قدميه وهو حجر صلد؟ والآية في غير المقام: أمن الخائف، وهيبة البيت وامتناعه من العلو عليه، وتعجيل العقوبة لمن عتا فيه، وما كان في الجاهلية من أصحاب الفيل " (٤). وقرأ ابن عباس: " ﴿فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ﴾، يعني بها: مقام إبراهيم، يراد بها: علامة واحدةٌ" (٥). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، على أقوال: أحدها: أن ﴿مقام إبراهيم﴾، هو الحج كله. وهو قول ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، وعطاء (٨)، والشعبي (٩). الثاني: أنه عرفة والمزدلفة والجمار. وهو قول عطاء بن أبي رياح (١٠)، وروي عن ابن عباس (١١)، مجاهد (١٢)، والشعبي (١٣)، نحو ذلك. الثالث: أنه الحرم كله (١٤). وهو قول مجاهد (١٥)، والنخعي (١٦)، وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح (١٧) عن ابن عباس (١٨).

стр. 2417

الرابع: إن المراد بالمقام إنما هو (الحَجَرُ) الذي كان إبراهيم ﵇، يقوم عليه لبناء الكعبة، وهذا قول ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢). ثم هؤلاء ذكروا وجهين (٣): أحدهما: هو الحجر الذي قام عليه حين رفع بناء البيت (٤)، وهو قول ابن عباس في رواية سعيد ابن جبير عنه (٥)، وروي عن جابر وقتادة وسعيد بن جبير. نحو ذلك (٦). إذ لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل، ﵇، به ليقومَ فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، كلَّما كَمَّل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها هكذا، حتى تم جدارات الكعبة، بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها؛ ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية (٧): ومَوطئُ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيًا غير ناعل وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضا (٨).

стр. 2418

وثانيهما: وقيل: بل هو الذي وضعته زوج إسماعيل لإِبراهيم حيث غسلت رأسه وهو راكب. وهو قول السدي (١)، وحكاه الرازي في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس (٢). وقال ابن جبير ناقداً هذا القول: "ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه" (٣). خامسا: وقال آخرون: بل ﴿مقام إبراهيم﴾، هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام. قاله قتادة (٤)، والربيع (٥)، والسدي (٦). والراجح: أن المقام هو (الحجر) (٧) لما يعضده هذا القول من الأخبار، إذ ثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ وعليه أكثر أهل العلم. وقد ثبت دليله عند مسلم (٨) (٩) من حديث جابر (١٠)، وعند البخاري أيضاً (١١). كما اختلفوا في قوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧]، على وجوه: أحدها: أن الآيات، هي: مقام إبراهيم والمشعر الحرام ونحو ذلك. قاله ابن عباس (١٢)، ومجاهد (١٣). والثاني: أن الآيات البينات، هي: مقام إبراهيم، ومن دخله كانَ آمنا. وهذا قول الحسن (١٤). والثالث: أن الآيات البينات، هي: مقام إبراهيم. وهذا قول السدي (١٥)، ومجاهد (١٦) –في إحدى الروايات عنه- على قراءة التوحيد (١٧). والراجح-والله أعلم- أن الآيات البينات، منهنّ مقام إبراهيم، ومنهن الحجرُ، ومنهن الحطيمُ (١٨).

стр. 2419

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، أي: " ومن يدخله من الناس مستجيرًا به، يكن آمنًا حتى يخرج منه" (١). وهذه آية أخرى. قال ابن كثير: " يعني: حَرَمُ مكة إذا دخله الخائف يأمنُ من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية" (٢). قال الماوردي: " معناه أنه عطَّف عليه قلوب العرب في الجاهلية فكان الجاني إذا دخله أمِنَ" (٣). وأما في "الأمن" ففيه قولان: أحدهما: أنه من النار، وهذا قول يحيى بن جعدة (٤). والثاني: من القتال بحظر الإيجال على داخليه، وأما الحدود فتقام على من جنى فيه. وهو قول قتادة (٥)، ومجاهد (٦)، والحسن (٧)، والسدي (٨)، وعطاء (٩)، وعبيد بن عمير (١٠)، وعامر (١١)، والشعبي (١٢). واختلفوا في الجاني إذ دخله في إقامة الحد عليه فيه قولان (١٣): أحدهما: تقام عليه، وهو مذهب الشافعي. والثاني: لا تقاوم حتى يُلجأ إلى الخروج منه، وهذا قول ابن عباس (١٤)، وابن عمر (١٥)، ومجاهد (١٦)، وهو مذهب أبي حنيفة. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، " أي فرضٌ لازم على المستطيع حج بيت الله العتيق" (١٧). قال الطبري: أي: " وفرضٌ واجبٌ لله على من استطاع من أهل التكليف السبيلَ إلى حجّ بيته الحرام الحج إليه" (١٨). قال ابن كثير: " هذه آية وُجُوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والأول أظهر، وقد وَرَدَت الأحاديثُ المتعددة بأنه أحدُ أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا، وإنما يجب على المكلَّف في العُمْر مَرّة واحدة بالنص والإجماع" (١٩). وفي الاستطاعة إلى الحج أربعة أقاويل: أحدها: أنها بالمال، وهي الزاد والراحلة، قاله عمر بن الخطاب (٢٠)، وابن عباس (٢١)، والحسن (٢٢)، وعمرو بن دينار (٢٣)، وعطاء (٢٤)، والسدي (٢٥)، وسعيد بن جبير (٢٦)، وهو قول الشافعي (٢٧).

стр. 2420

واستندوا على قولهم بما رواه ابن عمر: "قام رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة» " (١). والثاني: أنها بالبدن، وهي الصحة، قاله عكرمة (٢)، وهو قول مالك (٣). والثالث: أنها بالمال والبدن، وهذا معنى قول ابن زيد (٤)، وهو قول أبي حنيفة (٥). والرابع: أن السبيل التي إذا استطاعها المرء كان عليه الحج: الطاقةُ للوصول إليه بغير مانع ولا حائل. وهذا قول ابن الزبير (٦)، والضحاك (٧)، وعطاء (٨)، وعامر (٩)، والحسن (١٠) -في إحدى الروايات عنهم، والراجح-والله أعلم- إنّ أداء الحج على قدر الطاقة، "لأن " السبيل " في كلام العرب: الطريقُ، فمن كان واجدًا طريقًا إلى الحج لا مانعَ له منه من زَمانة، أو عَجز، أو عدوّ، أو قلة ماء في طريقه، أو زاد، أو ضعف عن المشي، فعليه فرضُ الحج، لا يجزيه إلا أداؤه. فإن لم يكن واجدًا سبيلا أعني بذلك: فإن لم يكن مطيقًا الحجَّ، بتعذُّر بعض هذه المعاني التي وصفناها عليه فهو ممن لا يجدُ إليه طريقًا ولا يستطيعه. لأن الاستطاعة إلى ذلك، هو القدرة عليه" (١١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، "أي: من ترك الحج فإن الله مستغنٍ عن عبادته وعن الخلق أجمعين" (١٢). قال الطبري: أي: " ومن جَحد ما ألزمه الله من فرض حَجّ بيته، فأنكره وكفر به، فإن الله غنيّ عنه وعن حجه وعمله، وعن سائر خَلقه من الجن والإنس" (١٣). قال الجزائري: أي: و"من كفر بالله ورسوله وحج بيته بعد ما ذكر من الآيات والدلائل الواضحات فإنه لا يضر إلا نفسه، أما الله تعالى فلا يضره شيء وكيف وهو القاهر فوق عباده والغني عنهم أجمعين" (١٤). قال أبو صالح: " فرض الله الحج على الناس، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين" (١٥). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وجوه: أحدها: يعني: من كفر بزعمه أن الحج ليس بفرض عليه، وهو قول ابن عباس (١٦)، والحسن (١٧)، ومجاهد (١٨)،

стр. 2421

والضحاك (١)، وعطاء (٢)، وعطية العوفي (٣)، وعمران القطان (٤). والثاني: هو لا يرى حَجَّهُ براً ولا تركه مأثماً، وهو أحد قولي ابن عباس (٥)، ومجاهد –في إحدى الروايات (٦)، والحسن (٧)، وسعيد بن جبير (٨)، وزيد بن أسلم (٩). والثالث: أن المعنى: ومن كفر بالله واليوم الآخر. وفي المعنيين قولان: القول الأول: أنهم اليهود، لأنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنهُ﴾، فقالوا نحن مسلمون فأُمِرُوا بالحج فلم يحجوا، فأنزل الله هذه الآية. وهذا معنى قول عكرمة (١٠)، وسعيد بن المسيب (١١). القول الثاني: أنهم الملل الكافرة من أهل الأديان كلها، ممن لم يؤمنوا بالحج ولم يصلوا ولم يستقبلوا البيت، وهذا قول الضحاك (١٢)، وروي عن مجاهد (١٣)، وعامر (١٤)، وابن عباس (١٥)، وعكرمة (١٦) -في إحدى الروايات عنهما، نحو ذلك. والرابع: أن المعنى: ومن كفر بهذه الآيات التي في مقام إبراهيم. وهذا قول ابن زيد (١٧). والخامس: أن المعنى: ومن كفر بالبيت. وهذا قول عطاء بن ابي رباح (١٨)، والضحاك في إحدى الروايات (١٩). والسادس: أن كفره بالبيت: تركه إياه حتى يموت. وهذا قول السدي (٢٠). والراجح أن معنى قوله: ﴿ومن كفر﴾، أي: " ومن جحد فرضَ ذلك وأنكرَ وُجوبه، فإن الله غني عنه وعن حَجه وعن العالمين جميعًا" (٢١). والله أعلم. قال ابن الجوزي: " قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾، قال السدي: «هذا الكلام تضمن وجوب الحج على جميع الخلق الغني والفقير والقادر والعاجز، ثم نسخ في حق عادم الاستطاعة بقوله: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾»، قلت: وهذا قوله قبيح، وإقدام بالرأي الذي لا يستند إلى معرفة اللغة العربية التي نزل بها القرآن على الحكم بنسخ القرآن، وإنما الصحيح ما قاله النحويون كافة في هذه الآية، فإنهم قالوا: (من) بدل من (الناس) وهذا

стр. 2422

بدل البعض (١)، كما يقول: ضربت زيدا برأسه، فيصير تقدير الآية: ولله على من استطاع من الناس الحج أن يحج" (٢). الفوائد: ١ - أن في هذا البيت آيات ظاهرة لكل احد، منها ﴿مقام إبراهيم﴾، ومنها: أن من دخله كان آمنا، ومنها فريضة حجه على جميع الناس، فإنها آيات تدل بأن هذا البيت أشرف البيوت. ٢ - أن الآيات كما تكون شرعية، تكون كذلك حسية كونية. ٣ - التنويه بفضل إبراهيم في قوله: ﴿مقام إبراهيم﴾. ٤ - وجوب تأمين من دخل المسجد الحرام. ٥ - أن حرمة المسلم أعظم من حرمة البيت عند الله، ودليله أن القتال في مكة محرم، لكنهم إذا أرادوا الاعتداء على حرمة المسلم أبيحت دماؤهم، فقال: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]. ٦ - وجوب حج البيت من استطاع إليه سبيلا، وأن الحج لا يجب على غير المستطيع، والاستطاعة تكون بالمال أو البدن أو بهما جميعا. ٧ - بيان غنى الله عن كل احد، وأن العالمين مفتقرون إليه، وليس بهم غنى عن الله. القرآن ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨)﴾ [آل عمران: ٩٨] التفسير: قل -أيها الرسول- لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: لِمَ تجحدون حجج الله التي دلَّتْ على أن دين الله هو الإسلام، وتنكرون ما في كتبهم من دلائل وبراهين على ذلك، وأنتم تعلمون؟ والله شهيد على صنيعكم. وفي ذلك تهديد ووعيد لهم. في سبب نزول [الآيات: ٩٨ - ١٠١]: قال محمد بن إسحاق: "وحدثني الثقة، عن زيد بن أسلم قال: وأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع: ﴿يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله﴾ " (٣).

стр. 2423

قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٨]، أي: " يا معشر يهود بني إسرائيل وغيرهم، لم تجحدونُ حجج الله التي آتاها محمدًا في كتبكم وغيرها، التي قد ثبتت عليكم بصدقه ونبوَّته وحُجته" (١). قال السدي: " أما ﴿آيات الله﴾، فمحمد ﷺ " (٢). وفي إحدى الروايات عن السدي: " ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، يقول: لما تكفرون بالحج" (٣). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨]، " أي: والله مطلع على جميع أعمالكم فيجازيكم عليها" (٤). قال الحسن: " هم اليهودُ والنصارى" (٥). الفوائد: ١ - أمر النبي- ﷺ أن يوبخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله، فيتفرغ أن كل من يكفر بآيات الله فهو مستحق للتوبيخ. ٢ - إثبات شهادة الله تعالى على كل ما يعمل بنو آدم، لقوله: ﴿والله شهيد على ما تعملون﴾، لأن ﴿ما﴾، اسم موصول يفيد العموم. ٣ - تهديد من يكفر بآيات الله، لأن الله سوف يحصي عمله ثم يجازيه على ذلك. ٤ - إحاطة الله تعالى بكل شيء، وأنه وسع كل شيء، ولا يخفى عليه شيء من اعمال بني آدم. ٥ - ومن الفوائد أن الله لايؤاخذ العبد بحديث النفس، لقوله: ﴿شهيد على ما تعملون﴾، كما صح ذلك عن رسول الله- ﷺ : "إن الله تجاوز عن امتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" (٦). القرآن ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾ [آل عمران: ٩٩] التفسير: قل -أيها الرسول- لليهود والنصارى: لِمَ تمنعون من الإسلام من يريد الدخول فيه تطلبون له زيغًا وميلا عن القصد والاستقامة، وأنتم تعلمون أن ما جئتُ به هو الحق؟ وما الله بغافل عما تعملون، وسوف يجازيكم على ذلك. في سبب تزول الآية: إن هذه الآية من فصل كامل يعالج حدث الإغراء بين الأوس والخزرج يمتد من الآية (٩٨) إلى (١٠٥) من سورة آل عمران. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه مَنْ آمَنَ﴾ [آل عمران: ٩٩] ِ، أي: يا أهل الكتاب" لمَ تصرفون الناس عن دين الله الحق، وتمنعون من أراد الإِيمان به؟ " (٧). قال الطبري: أي: يا أهل الكتاب" لم تضِلُّون عن طريق الله ومحجَّته التي شرَعها لأنبيائه وأوليائه وأهل الإيمان" (٨). قال الربيع: " لم تصدون عن الإسلام وعن نبي الله ﷺ " (٩).

стр. 2424

قال الحسن: "هم اليهود والنصارى" (١). عن ابن عباس: " قوله: ﴿تصدون عن سبيل الله﴾ قال: عن دين الله" (٢). وقرأ الحسن: ﴿تصدون﴾، بضم التاء وكسر الصاد وهما لغتان (٣). قوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩]، " أي: تطلبون أن تكون الطريق المستقيمة معوجّة" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩]، وجهان من التفسير: أحدهما: أنهم (أي اليهود والنصاراى) كانوا إذا سألهم أحد: هل تجدون محمدا؟ قالوا: لا. فصدوا الناس عنه وبغوا محمدا عوجا: هلاكا. قاله السدي (٥). والثاني: أنه يعني: ترجون بمكة غير الإسلام. وهذا قول أبي مالك (٦). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ [آل عمران: ٩٩]، " أي: وأنتم عالمون بأن الإِسلام هو الحق والدين المستقيم" (٧). قال أبو جعفر: " وأنتم شهداء على ذلك فيما تقرأون من كتاب الله أن محمدا رسول الله وأن الإسلام دين الله، تجدون ذلك في التوراة والإنجيل" (٨). قال الطبري: " يعني: شهداء على أنّ الذي تصدّون عنه من السبيل حقٌّ، تعلمونه وتجدونه في كتبكم" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٩]، أي: " وليس الله بغافل عن أعمالكم" (١٠). قال ابن كثير: " أخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، أي: وسيجزيهم على ذلك يوم لا ينفعهم مال ولا بنون" (١١). الفوائد: ١ - امر رسول الله- ﷺ ان يوبخ أهل الكتاب على عداوتهم على الغير، وذلك بالصد عن سبيل الله. ٢ - أن من صدّ عن سبيل الله من المسلمين ففيه شبه من اهل الكتاب (اليهود والنصارى). ٣ - سوء القصد من اهل الكتاب، إذ يبغون أن تكون سبيل الله عوجا، وهم يعلمون بأنهم على باطل وان الحق في خلافهم، لكن الذي يمنعهم هو الاستكبار. ٤ - إثبات إحاطة الله تعالى بكل شيء علما ورقابة. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾ [آل عمران: ١٠٠] يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إن تطيعوا جماعة من اليهود والنصارى ممن آتاهم الله التوراة والإنجيل، يضلوكم، ويلقوا إليكم الشُّبَه في دينكم; لترجعوا جاحدين للحق بعد أن كنتم مؤمنين به، فلا تأمنوهم على دينكم، ولا تقبلوا لهم رأيًا أو مشورة. اختلف في سبب نزول الآية على قولين: أحدهما: قال محمد ابن إسحاق: " حدثني الثقة، عن زيد بن أسلم قال: وأنزل في أويس ابن قيظي وجبار بن صخر، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا مما أدخل عليهم شاس بن قيس من أمر الجاهلية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب﴾ " (١٢). وري عن مجاهد نحو ذلك (١٣). والثاني: وقال السدي: " نزلت في ثعلبة بن عَنمة الأنصاري، كان بينه وبين أناس من الأنصار كلام، فمشى بينهم يهوديٌّ من قَيْنُقاع، فحمَل بعضَهم على بعضٍ، حتى همت الطائفتان من الأوس والخزرج أن يحملوا السلاحَ فيقاتلوا، فأنزل الله : ﴿إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾، يقول: إن حملتم السلاحَ فاقتتلتم، كفرتم" (١٤). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٠٠]، أي: " يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم ﷺ من عند الله" (١٥). قال ابن عباس: " ما في القرآن آية ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا أن عليا شريفها وأميرها وسيدها، وما من أصحاب محمد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب فإنه لم يعاتب في شيء منه" (١٦). وقال الأعمش عن خيثمة: " ما تقرأون من القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإن في التوراة "يا أيها المساكين" (١٧). وروي أن "رجلا أتى عبد الله ابن مسعود فقال: أعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (١٨). قوله تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]، أي: " إن تطيعوا جماعة ممن ينتحل الكتابَ من أهل التوراة والإنجيل، فتقبلوا منهم ما يأمرونكم به" (١٩).

стр. 2425

قال مقاتل بن سليمان: " يعني طائفة من الذين أوتوا الكتاب يعني أعطوا التوراة" (١). قال سعيد بن جبير: " ﴿فريقا﴾: يعني طائفة" (٢). قال الزجاج: " يعني بالفريق الصنف" (٣). قوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]، أي: "يضلّوكم فيردّوكم بعد إيمانكم جاحدين" " (٤). قال السدي: "يقول: إن حملتم السلاح فاقتتلتم كفرتم" (٥). قال الزجاج: " أي: إن قلدتموهم ردوكم كافرين، أي: وإن كنتم على غير دينهم وكنتم في عقدكم ذلك كافرين فكذلك إن أطعتموهم او اتبعتوهم فأنتم كافرون" (٦). قال السمعاني: " يعني: يردونكم إلى اليهودية والنصرانية" (٧). قال الطبري: " فنهاهم جَلّ ثناؤه أن ينتصحوهم، ويقبلوا منهم رأيًا أو مشورةً، ويعلِّمهم تعالى ذكره أنهم لهم منطوُون على غِلٍّ وغِش وحسد وبغض" (٨). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾: قال: " فقد تقدم فيهم كما تسمعون، وقد حذركموهم، وأنبأكم بضلالتكم، فلا تأتمنوهم على دينكم، ولا تنتصحوهم على أنفسكم، فإنهم الأعداء والحسدة والضلال، كيف تأتمنون قوما كفروا بكتابهم وقتلوا رسلهم؟ أولئك هم أهل التهمة والعداوة" (٩). الفوائد: ١ - تحذير المؤمنين من طاعة الكفار. ٢ - أن الكفار ولو كان أهل كتاب يحاولون غاية المحاولة أن يردّوا المؤمنين عن إيمانهم إلى الكفر، فهم لايرضون منا بما دون الكفر، إلا أن يكون وسيلة إلى الكفر، لأن الغاية: قال ﴿يردّوكم بعد إيمانكم كافرين﴾. ومن ابرز وسائلهم في ذلك: فتح باب الشهوات والشبهات. ٣ - أن طاعة الكفار مخالفة للإيمان. ٤ - أنه كلما ازداد المؤمنون تمسكا بالدين ستزداد شراسة الكفار في صدهم عن دينهم. ٥ - أن من أهل الكتاب من لايحاول إضلال المؤمنين عن الدين، وذلك لقوله: ﴿فريقا﴾. القرآن ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠١] وكيف تكفرون بالله -أيها المؤمنون-، وآيات القرآن تتلى عليكم، وفيكم رسول الله محمد ﷺ يبلغها لكم؟ ومَن يتوكل على الله ويستمسك بالقرآن والسنة فقد وُفِّق لطريق واضح، ومنهاج مستقيم. في سبب نزول الآية: قال ابن عباس: " كانت بين الأوس والخزرج حرب في الجاهلية كل شيء، فبينما هم يوما جلوس إذ ذكروا ما بينهم حتى غضبوا، فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح فنزلت: ﴿وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله﴾ الآية كلها" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١]، " أي: كيف يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله لا تزال تتنزّل عليكم والوحي لم ينقطع ورسول الله حيٌ بين أظهركم؟ " (١١). عن قتادة: "قوله: ﴿وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله﴾، قال: علمان بينان: نبي الله وكتاب الله، فأما نبي الله فمضى ﵊، وأما كتاب الله فأبقاه الله بين أظهركم رحمة من الله، ونعمة فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، "أي: من يتمسك بدينه الحق الذي بيَّنه بآياته على لسان رسوله فقد اهتدى إلى أقوم طريق، وهي الطريق الموصلة إلى جنات النعيم" (١٣). قال الربيع بن أنس: " والاعتصام هو: الثقة بالله" (١٤). وقال ابن جريج: " ﴿ومن يعتصم بالله﴾: يؤمن بالله" (١٥). أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع رفع الحديث إلى النبي ﷺ أنه قال: "إن الله قضى على نفسه أنه من آمن به هداه، ومن وثق به أنجاه. قال الربيع: وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ " (١٦). وفي: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، أربعة اقوال: أحدها: أن"الصراط المستقيم: كتاب الله ". رواه علي بن أبي طالب عن رسول الله- ﷺ (١٧). والثاني: أن" الصراط: الإسلام". رواه النواس بن سمعان الأنصاري عن رسول الله- ﷺ (١٨). والثالث: أن "الصراط المستقيم: هو النبي ﷺ وصاحباه بعده ﵄". قاله أبو العالية (١٩). قال الحسن: "صدق أبو العالية ونصح" (٢٠). والرابع: أن الصراط المستقيم: الحق. وهذا قول مجاهد (٢١). الفوائد: ١ - إستبعاد أن يرتد المؤمن كافرا، وهو يتلى عليه كتاب الله وفيهم رسوله- ﷺ ، ورسول الله- ﷺ فينا بسنته. ٢ - أن كتاب الله وسنة رسوله- ﷺ والإقبال عليهما أعظم مانع يمنع من الكفر. ٣ - إثبات أن القرآن الكريم آية من آيات الله، لقوله: ﴿آيات الله﴾. وبذلك لا يمكن أن يأتي احد بمثله. ٤ - الحث على الاعتصام بالله. ٥ - بشارة من وفق للاعتصام بالله بأنه مهدي إلى الطريق القويم. ٦ - أن دين الله دين مستقيم. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]

стр. 2426

التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وعملوا بشرعه، خافوا الله حق خوفه: وذلك بأن يطاع فلا يُعصى، ويُشكَر فلا يكفر، ويُذكَر فلا ينسى، وداوموا على تمسككم بإسلامكم إلى آخر حياتكم; لتلقوا الله وأنتم عليه. في سبب نزول الآية قولان: أحدها: قال عكرمة: " إن هذه الآية نزلت في الأوس والخزرج وكان بينهم قتال يوم بعاث قبيل مخرج النبي ﷺ : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ " (١). والثاني: نقل الثعلبي عن عطاء: " إن رسول الله ﷺ صعد المنبر وقال: «يا معشر المسلمين ما لي أوذى في أهلي». يعني الطعن في قصة الإفك، وقال: «ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت منه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي». فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله وأكفيك أمره وأنصرك عليه، إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكنه احتملته الحمية فقال لسعد ابن معاذ: كذبت لعمر الله. فقال سعد: والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ودعوا بالسلاح، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكنوا، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ " (٢). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٠٢]، أي: " يا معشر من صدّق الله ورسوله" (٣). قال مقاتل بن سليمان: "يعني الأنصار" (٤). قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أي: اتقوا الله تقوى حقة" (٥). قال الطبري: أي: "خافوا الله ورَاقبوه بطاعته واجتناب معاصيه، حقّ خوفه، وهو أن يُطاع فلا يُعصى، ويُشكر فلا يكفر، ويُذكر فلا يُنسى" (٦). قال الزجاج: " أي اتقوه فيما يحق عليكم أن تتقوه فيه" (٧). وفي قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وجوه: أحدها: معناه: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. قاله عبدالله ابن مسعود (٨)، وروي عن "مرة الهمداني والربيع بن خثيم، وعمرو بن ميمون، والحسن، وطاوس، وقتادة، وإبراهيم النخعي وأبي سنان، والسدي" (٩)، ومقاتل بن سليمان (١٠) نحو ذلك. والثاني: المعنى: أن يجاهد في سبيل الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. وهذا قول ابن عباس (١١)، ومجاهد (١٢). والثالث: هو أن يعترفوا بالحق في الأمن والخوف (١٣). والرابع: هو أن يُطَاع، ولا يُتَّقى في ترك طاعته أحدٌ سواه (١٤).

стр. 2427

والخامس: أنه لا يتق الله العبد حق تقاته، حتى يخزن من لسانه. وهذا قول أنس (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، "أي: تمسكوا بالإِسلام حتى يدرككم الموت وأنتم على تلك الحالة فتموتون على الإِسلام" (٢). قال طاوس: أي: " على الإسلام، وعلى حُرْمة الإسلام" (٣). وقال المفضل: "المحسنون الظن بالله" (٤). قال الزجاج: أي: " كونوا على الإسلام فإذا ورد عليكم الموت صادفكم على ذلك" (٥). قال ابن كثير: " أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك" (٦). واختلفوا في نسخ الآية على قولين: أحدهما: أنها محكمة، وهو قول ابن عباس (٧)، وطاووس (٨). والثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ [التغابن: ١٦]، وهو قول قتادة (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، وزيد بن أسلم (١١)، وأبي العالية (١٢)، ومقاتل بن حيان (١٣)، والربيع بن أنس (١٤)، والسدي (١٥)، وابن زيد (١٦)، ومقاتل بن سليمان (١٧). قال سعيد بن جبير: " لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تخفيفا على المسلمين: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فنسخت الآية الأولى" (١٨). وروي عن زيد بن أسلم نحو هذا التفسير (١٩). وروي عن أبي العالية وقتادة ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، والسدي: " إنها نسختها ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] " (٢٠). وقال مقاتل: "وليس في آل عمران من المنسوخ إلا هذا" (٢١). الفوائد: ١ - وجوب تقوى الله حق تقاته للأمر بذلك. ٢ - العناية والاهتمام بالتقوى، يؤخذ من تصديره بالنداء.

стр. 2428

٣ - أن ترك التقوى من نواقص الإيمان. ٤ - وجوب البقاء على الاسلام والمبادرة به. ٥ - أن المدار على الخاتمة، لقوله: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، لذلك يجب علينا أن نطهر قلوبنا دائما لكي يختم لنا بحسن الخاتمة، لأنه ليست العبرة بكثرة الصلاة والصوم إذا كان قلبه خربا، لأن الصلاة من أعمال الجوارح فكل انسان يستطيع أن يصلي أحسن صلاة، ولكن الكلام على عمل القلب، فيجب الحرص على اصلاح القلوب. القرآن ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣] التفسير: وتمسَّكوا جميعًا بكتاب ربكم وهدي نبيكم، ولا تفعلوا ما يؤدي إلى فرقتكم. واذكروا نعمة جليلة أنعم الله بها عليكم: إذ كنتم –أيها المؤمنون- قبل الإسلام أعداء، فجمع الله قلوبكم على محبته ومحبة رسوله، وألقى في قلوبكم محبة بعضكم لبعض، فأصبحتم بفضله إخوانا متحابين، وكنتم على حافة نار جهنم، فهداكم الله بالإسلام ونجَّاكم من النار. وكما بيَّن الله لكم معالم الإيمان الصحيح فكذلك يبيِّن لكم كل ما فيه صلاحكم; لتهتدوا إلى سبيل الرشاد، وتسلكوها، فلا تضلوا عنها. قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، "أي: وتمسكوا بدين الله وكتابه جميعاً" (١). قال الطبري: أي: " وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله" (٢). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّهِ جَمِيعاً﴾ [آل عمران: ١٠٣] ستة أقوال: أحدها: الحبل: القرآن، وهو قول ابن مسعود (٣)، وقتادة (٤)، والسدي (٥)، والضحاك (٦). روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: "كِتَابُ اللهِ هُوَ حَبْلُ اللهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إَلى الأرْضِ" (٧). والثاني: أنه دين الله وهو الإسلام، وهذا قول ابن زيد (٨). والثالث: أنه عهد الله، وهو قول مجاهد (٩)، وعطاء (١٠). وهو مروي عن قتادة أيضا (١١). كما قال في الآية بعدها: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أي بعهد وذمة (١٢). والرابع: هو الإخلاص لله والتوحيد، وهو قول أبي العالية (١٣). والخامس: هو الجماعة، وهو مروي عن ابن مسعود (١٤).

стр. 2429

والسادس: أنه طاعة الله. قاله الحسن (١). و"الحبل"، يطلق على السبب الذي يوصَل به إلى البُغية والحاجة، ولذلك سمي الأمان "حبلا"، لأنه سبب يُوصَل به إلى زوال الخوف، والنجاة من الجزَع والذّعر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة (٢): وَإذَا تُجَوِّزُهَا حِبَالُ قَبِيلَةٍ ... أَخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إلَيْكَ حِبَالَها ومنه قول الله : ﴿إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: ١١٢] (٣). قال الماوردي: "وسُمَّي ذلك حبلاً لأن المُمْسِكَ به ينجو مثل المتمسك بالحبل ينجو من بئر أو غيرها" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أي: " ولا تتفرقوا عن دين الله" (٥). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وجهان: أحدهما: عن دين الله الذي أمر فيه بلزوم الجماعة، وهذا قول ابن مسعود (٦)، وقتادة (٧). والثاني: عن رسول الله ﷺ (٨). قال ابن كثير: " أمَرَهُم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة وقد وردت الأحاديثُ المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف كما في صحيح مسلم من حديث سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، يَرْضى لَكُمْ: أنْ تَعْبدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وأنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاهُ اللهُ أمْرَكُمْ؛ وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا: قيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وإِضَاعَةَ الْمَالِ" (٩) " (١٠). عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "افترقت بنوا إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة قالوا: يا رسول الله: ومن هذه الواحدة؟ قال: الجماعة. قال: فقبض يده ثم قال: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" (١١). قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، "أي: اذكروا إنعامه عليكم يا معشر العرب" (١٢). عن ابن عباس قوله: " ﴿نعمت الله﴾، يقول: عافية الله" (١٣). قوله تعالى: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، " أي حين كنتم قبل الإسلام أعداء الداءً فألف بين قلوبكم بالإِسلام وجمعكم على الإِيمان" (١٤). قال السدي: أما: ﴿إذ كنتم أعداء﴾، ففي حرب ابن سُمَير (١٥)، ﴿فألف بين قلوبكم﴾، بالإسلام" (١٦). قال قتادة: "، كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألَّف به بينكم. أما والله الذي لا إله إلا هو، إنّ الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذابٌ" (١٧).

стр. 2430

واختلف فيمن أريد بهذه الآية على قولين: أحدهما: أنهم مشركو العرب لِمَا كان بينهم من الصوائل، وهذا قول الحسن (١). والثاني: أنهم الأوس والخزرج لِمَا كان بينهم من الحروب في الجاهلية حتى تطاولت مائة وعشرين سنة إلى أن ألَّفَ الله بين قلوبهم بالإسلام فتركت تلك الأحقاد، وهذا قول ابن إسحاق (٢). قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أي: ": فأصبحتم بتأليف الله بينكم بالإسلام إخوانا متصادقين" (٣). قال قتادة: " وذكر لنا أن رجلا قال لابن مسعود: كيف أصبحتم؟ قال: أصبحنا بنعمة الله إخوانًا" (٤). قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، " أي: وكنتم مشرفين على الوقوع في نارجهنم فأنقذكم الله منها بالإِسلام" (٥). قال الربيع بن أنس: " يقول: كنتم على الكفر بالله، " فأنقذكم منها "، من ذلك، وهداكم إلى الإسلام" (٦). قال السدي: " يقول: كنتم على طرَف النار، من مات منكم أوبِقَ في النار، فبعث الله محمدا ﷺ فاستنقذكم به من تلك الحفرة" (٧). قال مقاتل بن حيان: " أنقذكم الله من الشرك إلى الإيمان" (٨). قال الحسن: أي: "العصبية" (٩). قال الطبري: أي: " على حرف حُفرةٍ من النار. وإنما ذلك مثَلٌ لكفرهم الذي كانوا عليه قبل أن يهديهم الله للإسلام. يقول تعالى ذكره: وكنتم على طرَف جهنم بكفركم الذي كنتم عليه قبل أن يُنعم الله عليكم بالإسلام، فتصيروا بائتلافكم عليه إخوانًا، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك من كفركم، فتكونوا من الخالدين فيها، فأنقذكم الله منها بالإيمان الذي هداكم له" (١٠). قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، " أي: مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم سائر الآيات" (١١). قال السدي: " ﴿كذلك﴾، يعني: هكذا" (١٢). قال سعيد بن جبير: "يعني ما بيّن في هذه الآية" (١٣). قال الطبري: أي: "كما بيَّن لكم ربكم في هذه الآيات، فكذلك يبين لكم سائر حججه" (١٤). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أي: لأجل أن تهتدوا" (١٥). قال الزجاج: " أي: لتكونوا على رجاء هدايته" (١٦). قال الطبري: أي: " لتهتدوا إلى سبيل الرشاد وتسلكوها، فلا تضِلوا عنها" (١٧).

стр. 2431

قال أبو مالك: "لعلّ: أي: كي" (١). الفوائد: ١ - وجوب الاجتماع على شرع الله، لقوله: ﴿جميعا﴾. ٢ - وجوب التحاكم إلى شرع الله، لأن الاعتصام به يقتضي أن يكون هو المحكّم. ٣ - أن الإجتماع عصمة. ٤ - تحريم التفرق بين القلوب. ٥ - وجوب تذكر نعمة الله، لأن الغفلة عن تذكر النعمة يسلتزم الغفلة عن الشكر، والشكر واجب. ٦ - إن من اكبر نعم الله على الأمة أن يؤلف بين قلوبها، وبالنتيجة يصبح الناس إخوانا، لأن الروابط الدينية أقوى من الروابط النسبية. ٧ - أن التفرقة علامة على الشقاء وسلب النعمة. ٨ - أن الله تعالى خالق لعمل العبد، لقوله: ﴿فأنقذكم﴾، لأن الله أنقذهم بعملهم فأضاق هذا الانقاذ إلى المبني على العمل إلى نفسه، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الله خالق العبد وخالق عمل العبد، فالعبد مخلوق في ذاتع وإرادته وعمله، قال تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٦]. ٩ - إثبات العقوبة بالنار. القرآن ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤] التفسير: ولتكن منكم -أيها المؤمنون- جماعة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف، وهو ما عُرف حسنه شرعًا وعقلا وتنهى عن المنكر، وهو ما عُرف قبحه شرعًا وعقلا وأولئك هم الفائزون بجنات النعيم. قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، أي: " لتكن منكم جماعة" (٢). قال الكلبي: "يعني: جماعة" (٣). وقال مقاتل: " يعني: عصبة" (٤). قال الزجاج: يعني: " ولتكونوا كلكم أمة" (٥). قال الضحاك: " قال " هم أصحاب رسول الله ﷺ خاصة وهم الرواة " (٦). قال مقاتل بن حيان: " ليكن منكم قوم، يعني: واحد أو اثنين أو ثلاث نفر فما فوق ذلك" (٧). وفي رواية أخرى له: " قوله: ﴿أمة﴾، يقول: إماما يقتدى به كما قال لإبراهيم كان أمة قانتا يقول: إماما مطيعا لربه يقتدى به" (٨). قال الأخفش: " و"أمة" في اللفظ واحد وفي المعنى جمع فلذلك قال ﴿يدعون﴾ " (٩). قال أبو عبيدة: " قال " الأمة هاهنا الجماعة، والأمة في أشياء سوى هاهنا: الإمام الذي يؤتم به " وقوله ﴿وادكر بعد أمة﴾ معناه: " بعد قرن" (١٠).

стр. 2432

قال الماتريدي: قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾، " يحتمل أن يكون هذا خبرا في الحقيقة، وإن كان في الظاهر أمرا؛ فإن كان خبرا ففيه دلالة أن جماعة منهم إذا قاموا على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر - سقط ذلك عن الآخرين؛ لأنه ذكر فيه حرف التبعيض، وهو قوله: ﴿منكم أمة. . .﴾ الآية. ويحتمل أن يكون على الأمر في الظاهر والحقيقة جميعا، ويكون قوله: ﴿منكم﴾ - صلة، فإن كان على هذا ففيه أن على كل أحد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وذلك واجب؛ كأنه قال: كونوا أمة ﴿وينهون عن المنكر﴾ الآية؛ لأنه ذكر - جل وعز - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آي كثيرة من كتابه، منها هذا: رولتكن منكم أمة. . .﴾ الآية، ومنها قوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾، وذم من تركهما بقوله: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾. وروي عن عكرمة أن ابن عباس ﵄ قال له: " قد أعياني أن أعلم ما يفعل بمن أمسك عن الوعظ، فقلت: أنا أعلمك ذلك، اقرأ الآية الثانية: ﴿أنجينا الذين ينهون عن السوء. . .﴾، فقال لي: أصبت" (١). فاستدل ابن عباس ﵁ بهذه الآية على أن الله أهلك من عمل السوء، ومن لم ينه عنه من يعمله، فجعل - والله أعلم - الممسكين عن نهي الظالمين مع الظالمين في العذاب" (٢). قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، أي: "يدعون الناس إلى الإسلام وشرائعه" (٣). قال مقاتل بن حيان: " إلى الإسلام" (٤). قال السمرقندي: " ويقال: إلى جميع الخيرات" (٥). قوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، أي: ويأمرون "بكل معروف" (٦). قال المظهري: " اى ما عرف من الشرع حسنه واجبا كان او مندوبا" (٧). قال الكلبي: يعني باتباع محمد ﷺ " (٨). قال مقاتل بن حيان: " يأمرون بطاعة ربهم" (٩). قال أبو العالية: " كل آية يذكرها الله في القرآن، فذكر الأمر بالمعروف، فالأمر بالمعروف أنهم دعوا إلى الله وحده وعبادته لا شريك له، دعاء من الشرك إلى الإسلام" (١٠). قال الراغب: " المعروف: ما يستحسنه العقل ويرد به الشرع" (١١). قال الطبري: أي: " يأمرون الناس باتباع محمد ﷺ ودينه الذي جاء به من عند الله" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] أي: وينهون "عن كل منكر" (١٣). قال المظهري: " يعنى: ما أنكره الشرع من المحرمات والمكروهات" (١٤). وقال ابن أبي زمنين: " يعني: الشرك بالله" (١٥). قال السمرقندي: " يعني: الجبت والطاغوت. ويقال: المنكر، يعني العمل الذي بخلاف الكتاب والسنة. ويقال: ما لا يصلح في العقل" (١٦).

стр. 2433

قال الطبري: ": يعني وينهون عن الكفر بالله والتكذيب بمحمد وبما جاء به من عند الله، بجهادهم بالأيدي والجوارح، حتى ينقادوا لكم بالطاعة" (١). قال مقاتل بن حيان: " وينهون عن معصيته، يعني: معصية ربهم" (٢). قال أبو العالية: " كل آية ذكر الله في القرآن، فذكر النهي عن المنكر، النهي عن عبادة الأوثان والشيطان" (٣). وروي عن سفيان الثوري أنه قال: " إنما يجب النهي عن المنكر إذا فعل فعلاً يخرج عن الاختلاف، أي اختلاف العلماء" (٤). قال بعض أهل العلم: " إنما أمر بعض الناس بقوله، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾، ولم يأمر جميع الناس، لأن كل واحد من الناس لا يحسن الأمر بالمعروف، وإنما يجب على من يعلم. ويقال: إن الأمراء، يجب عليهم الأمر والنهي باليد، والعلماء باللسان، والعوام بالقلب، وهنا كما قال ﵊: «إذا رَأَى أَحَدٌ مُنْكَراً، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلك أَضْعَفُ الإيمانِ» (٥). وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "بحسب امرئ إذا رأى منكراً، لا يستطيع النكير أن يعلم الله من قلبه أنه كاره. " (٦). وروي عن بعض الصحابة أنه قال: "أن الرجل إذا رأى منكراً، لا يستطيع النكير عليه، فليقل ثلاث مرات: اللهم إِنَّ هذا منكر، فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه" (٧). وقال الزمخشري: قوله ﴿ولتكن منكم أمة﴾، "من للتبعيض، لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الكفايات، ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر، وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته وكيف يباشر، فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا، أو على من الإنكار عليه عبث، كالإنكار على أصحاب المآصر (٨) والجلادين وأضرابهم. وقيل «من» للتبيين، بمعنى: وكونوا أمة تأمرون، كقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون﴾ " (٩). قال الراغب: " المنكر: ما يستقبحه العقل ويحظره الشرع، وعلى ذلك يقال للسخاء المعروف في نحو قول الشاعر (١٠): ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل" (١١). وقرأ ابن الزبير: «يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويستعينون بالله على ما أصابهم»، (١٢). ورويت أيضا عن عثمان بن عفان وابن مسعود (١٣). قال ابن الأنباري: "هذه الزيادة تفسير من ابن الزبير، وكلام من كلامه، غلط فيه بعض الناقلين، فألحقه بألفاظ القرآن، يدل على ذلك أن عثمان بن عفان قرأ: "ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله

стр. 2434

على ما أصابهم"، فما يشك عاقل في أن عثمان لا يعتد هذه الزيادة من القرآن؛ إذْ لم يكتبها في مصحفه الذي هو إمام المسلمين" (١). قال ابن عطية: "فهذا [الوجه من القراءة]، وإن كان لم يثبت في المصحف، ففيه إشارة إلى التعرض لما يصيب عقب الأمر والنهي" (٢). قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، أي: أولئك "هم الفائزون" (٣). قال الزجاج: " أي: والذين ذكرناهم المفلحون، والمفلح الفائز بما يغتبط به" (٤). قال ابن عباس: " أي الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا" (٥). قال الطبري: أي: " المنجحون عند الله الباقون في جناته ونعيمه" (٦). قال السعدي: أي: " الفائزون بالمطلوب، الناجون من المرهوب" (٧). الفوائد: ١ - وجوب الدعوة إلى الخير، وأن ذلك على الكفاية. ٢ - الإخلاص في الدعوة، لقوله: ﴿يدعون إلى الخير﴾، لا لأنفسهم. ٣ - وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى وإن كان بالقلب كما ورد في الحديث، عن أبي سهيد الخدري: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من رأى منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " (٨). ٤ - الحث على العلم، لأنه يمكن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا العالم بالخير والمعروف والمنكر. ٥ - فضيلة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لقوله: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾. القرآن ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥] التفسير: ولا تكونوا -أيها المؤمنون- كأهل الكتاب الذين وقعت بينهم العداوة والبغضاء فتفرَّقوا شيعًا وأحزابًا، واختلفوا في أصول دينهم من بعد أن اتضح لهم الحق، وأولئك مستحقون لعذابٍ عظيم موجع. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، "أي: ولا تكونوا كاليهود والنصارى الذين تفرقوا في الدين واختلفوا فيه، من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحات" (٩). قال الحسن: " هم اليهود والنصارى " (١٠). قال الثعلبي: " قال أكثر المفسرين: هم اليهود والنصارى. وقال بعضهم: هم المبتدعة من هذه الأمة" (١١). قال الربيع: " هم أهل الكتاب، نهى الله أهل الإسلام أن يتفرقوا ويختلفوا، كما تفرق واختلف أهل الكتاب" (١٢). قال مقاتل بن حيان: " يقول للمؤمنين: لا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا يعني اليهود " ﴿من بعد ما جاءهم البينات﴾ يقول: " تفرقوا واختلفوا من بعد موسى، فنهى الله المؤمنين أن يتفرقوا بعد نبيهم كفعل اليهود" (١٣). قال ابن عباس: " ونحو هذا في القرآن أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة، فنهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله" (١٤). قال مقاتل بن سليمان: " فوعظ الله المؤمنين لكي لا يتفرقوا، ولا يختلفوا كفعل أهل الكتاب" (١٥). قال الزجاج: " أي لا تكونوا كأهل الكتاب، يعني به إليهود والنصارى وكتابهم جميعا التوراة، وهم مختلفون، كل فرقة منهم - وإن اتفقت في باب النصرانية أو اليهودية - مختلفة أيضا، كالنصارى الذين هم نسطورية ويعقوبية وملكانية، فأمر الله بالاجتماع على كتابه، وأعلم أن التفرق فيه يخرج أهله إلى مثل ما خرج إليه أهل الكتاب في كفرهم" (١٦). قال ابن كثير: " ينهى هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضية في تفرقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم" (١٧). قال الماتريدي: " و ﴿البينات﴾: هي الحجج التي أتى بها، ويحتمل: بيان ما في كتابهم من صفة رسولنا محمد ﷺ ونعته الشريف، ويحتمل: تفرقوا عما نهج لهم الله، وأوضح لهم الرسل؛ فأبدعوا لأنفسهم الأديان بالأهواء، فحذرنا ذلك، وعرفنا أن الخير كله في اتباع من جعله الله حجة له، ودليلا عليه، وداعيا إليه، ولا قوة إلا بالله" (١٨). قال الراغب: " التفرق على ثلاثة أضرب: تفرق بالأبدان، وتفرق بالأقو ال والأفعال، وتفرق بالاعتقادات، وكذلك الاختلاف؛ إلا أن الأظهر في الاختلاف أن يكون بالأقوال والأفعال والاعتقادات، وفي التفرق أن يكون بالأبدان، وذكر تعالى اللفظين، ليبين أن أهل الكتاب تجادلوا بكل ذلك" (١٩). قال الشافعي: " الاختلاف وجهان: أحدهما: فما كان لله فيه نص حكم، أو لرسوله سنة، أو للمسلمين فيه إجماع، لم يسع أحداً علم من هذا واحداً أن يخالفه. والثاني: وما لم يكن فيه من هذا واحد، كان لأهل العلم الاجتهاد فيه بطلب الشبهة بأحد هذه الوجوه الثلاثة، فإذا اجتهد من له أن يجتهد، وسِعهُ أن يقول بما وجد الدلالة عليه، بأن يكون في معنى كتاب، أو سنة، أو إجماع، فإن ورد أمر مشتبه يحتمل حكمين مختلفين، فاجتهد فخالف اجتهاده اجتهاد غيره، وَسِعَه أن يقول بشيء، وغيره بخلافه، وهذا قليل إذا نظر فيه" (٢٠). قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، أي: " وأولئك لهم عذاب عظيم يوم القيامة" (٢١). قال البيضاوي: " وعيد للذين تفرقوا وتهديد على التشبه بهم" (٢٢). الفوائد: ١ - النهي عن التفرق، والمراد تفرق القلوب، لأن تفرق الآراء أمر لابد منه، فالناس يتفاوتون في العلم والحفظ والفهم والإيمان والعمل، وهي أسباب اختلاف الناس، عليه فإن الواجب اتفاق القلوب.

стр. 2435

٢ - إن ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للتفرق، لأنه أعقب الآية السابقة بهذه الآية. ٣ - إن التفرق بعد تبيّن الحق، أشد قبحا من التفرق حين خفاء الحق. ٤ - الوعيد الشديد على الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءه البينات. ٥ - إن العقاب يختلف باختلاف الجرم، لأنه لمات ان جرم هؤلاء عظيما كان عذابهم عظيما. القرآن ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)﴾ [آل عمران: ١٠٦] التفسير: يوم القيامة تَبْيَضُّ وجوه أهل السعادة الذين آمنوا بالله ورسوله، وامتثلوا أمره، وتَسْوَدُّ وجوه أهل الشقاوة ممن كذبوا رسوله، وعصوا أمره. فأما الذين اسودَّت وجوههم، فيقال لهم توبيخًا: أكفرتم بعد إيمانكم، فاخترتم الكفر على الإيمان؟ فذوقوا العذاب بسبب كفركم. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، " أي: يوم القيامة تبيض وجوه المؤمنين بالإِيمان والطاعة، وتسود وجوه الكافرين بالكفر والمعاصي" (١). قال السدي: "بالأعمال والأحداث" (٢). قال ابن عباس: " تبيض وجوه أهل السنة والجماعة" (٣)، "تسود أهل البدع والضلالة" (٤). قال التستري: " يعني: تبيض وجوه المؤمنين بنور إيمانهم" (٥). قال الواحدي: " ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ﴾ أَيْ: وجوه المهاجرين والأنصار ومَنْ آمنَ بمحمدٍ ﵇، ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ اليهود والنَّصارى ومَنْ كفر به " (٦). قال الماوردي: " يعني به يوم القيامة، لأن الناس فيه بين مُثَابٌ بالجنة ومُعاقَبٌ بالنار فوصِف وجه المُثَاب بالبياض لإسفاره بالسرور، ووصف وجه المُعَاقَب بالسواد لإنكسافه بالحزن " (٧). قال السمعاني: " ﴿يوم تبيض وجوه﴾ يعني: بالتوحيد ﴿وتسود وجوه﴾ بالشرك. وقيل: تبيض وجوه بالسنة، وتسود وجوه بالبدعة. وقيل: أراد به: في الدنيا تبيض وجوه بالقناعة، وتسود وجوه بالطمع. والأول أصح، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة﴾ الآية" (٨). قال الطبري: أي: " أولئك لهم عذاب عظيمٌ في يوم تبيضُّ وجوه قوم وتسودُّ وجوه آخرين" (٩). قال الراغب: " ابيضاض الوجه عبارة عن المسرة، واسودادها عن الغم، وعلى ذلك ﴿ظل وجهه مسودا﴾، ثم قال: ﴿من سوء ما بشر به﴾، وعلى ذلك قوله: ﴿ووجوه يومئذ عليها غبرة﴾، وهذا الابيضاض والاسوداد أبلغ من المحسوسين، وقال بعض المتكلمين: يحمل ذلك على المحسوس، لكونه حقيقة فيه، وهذا خطأ، وذلك لأنه لم يعلم أن ذلك حقيقة فيهما جميعا، فليس الاسوداد والابيضاض أكثر من كيفية عارضة في الوجه، قل ذلك أم كثر، ومعلوم أن من ناله غم شديد يعرض لوجهه - لتبرمه وتكدره -اسوداد في وجهه، وليس قلة السواد والبياض مما يخرج اللفظ عن الحقيقة، ثم حمل الآية على هذا أولى، لأن ذلك حاصل لأهل القيامة باتفاق، سواء كانوا في الدنيا سودانا أو بيضانا، وعلى ذلك ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ وقوله: ﴿وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة﴾ " (١٠).

стр. 2436

قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، أي: " وأما أهل النار الذين اسودت وجوههم فيقال لهم: أجحتّم بعد إيمانكم" (١). قال التستري: " الكافرين بظلم كفرهم" (٢). قال الواحدي: " لأنَّهم شهدوا لمحمدٍ ﵇ بالنُّبوَّة فلمَّا قدم عليهم كذَّبوه وكفروا به" (٣). وفي هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم أقاويل: الأول: أنهم المنافقون، كفروا بعد إظهار الإيمان بالنفاق، وهو قول الحسن (٤). والثاني: أنهم الذين كفروا بالارتداد بعد إسلامهم، وهو قول مجاهد، والسدي (٥)، وقتادة (٦). والثالث: هم الذين كفروا من أهل الكتاب بالنبي ﷺ بعد إيمانهم بِنَعْتِهِ ووصفه، وهو قول الزجاج. والرابع: أنهم اليهود. قاله الضحاك (٧). والخامس: هم جميع الكفار لإعراضهم عما يوجبه الإقرار بالتوحيد حين أَشْهَدَهُم الله تعالى على أنفسهم: ﴿أَلسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وهو قول أبي بن كعب (٨)، وابن جريج (٩)، ورجّحه الطري (١٠). والسادس: انهم الخوارج. قاله أبو أمامة (١١). قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، " أي: فذوقوا العذاب الشديد بسبب كفركم" (١٢). الفوائد: ١ - وجوب التذكير بهذا اليوم العظيم الذي ينقسم فيه الناس إلى قسمين: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾، فقسم مبيضة وجوههم: وهم اهل الإيمان والطاعة، وقسم مسودة وجوههم: وهم أهل الكفر والعصيان. ٢ - إثبات البعث والجزاء، وهو احد أركان الإيمان. ٣ - أنه يجمع لهؤلاء الكافرين بين العذاب البدني والنفسي، وذلك بتوبيخهم: ﴿أكفرتم﴾، وقوله: ﴿فذوقوا العذاب﴾. ٤ - إثبات الأسباب، من قوله: ﴿بما كنتم تعملون﴾، لأن الباء سببية. القرآن ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٧] التفسير: وأما الذين ابيضَّتْ وجوهم بنضرة النعيم، وما بُشِّروا به من الخير، فهم في جنة الله ونعيمها، وهم باقون فيها، لا يخرجون منها أبدًا. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، "أي: وأما السعداء الأبرار الذين ابيضت وجوههم " (١٣). قال قتادة: " هؤلاء أهل طاعة الله، والوفاء بعهد الله" (١٤).

стр. 2437

قال أبي بن كعب: " الذين استقاموا على إيمانهم ذلك وأخصلوا له الدين فبيض وجوههم وأدخلهم في رضوانه وجنته" (١). قال الطبري: أي: " ممن ثبتَ على عهد الله وميثاقه، فلم يبدِّل دينه، ولم ينقلب على عَقِبيه بعد الإقرار بالتوحيد، والشهادة لربه بالألوهة، وأنه لا إله غيره" (٢). قوله تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، "أي فهم في الجنة مخلدون لا يخرجون منها أبداً" (٣). قال الطبري: أي: "فهم في رحمة الله، يعني: في جنته ونعيمها باقون فيها أبدًا بغير نهاية ولا غاية" (٤). قال ابن عباس: " ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: خالدا أبدا يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له" (٥). قال سعيد بن جبير: " ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، يعني: لا يموتون" (٦). الفوائد: ١ - أن الذين ابيضت وجوهه في الجنة. ٢ - أن الرحمة تطلق على غير صفة الله بل على مخلوقاته، والمراد بالرحمة هنا: الجنة. ٣ - أن أهل الجنة مخلدون فيها، والخلود فيها أبدي لأنه جاء بالصيغة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار. القرآن ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)﴾ [آل عمران: ١٠٨] التفسير: هذه آيات الله وبراهينه الساطعة، نتلوها ونقصُّها عليك -أيها الرسول- بالصدق واليقين. وما الله بظالم أحدًا من خلقه، ولا بمنقص شيئًا من أعمالهم; لأنه الحاكم العدل الذي لا يجور. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، أي: " هذه مواعظ الله وعبره وحججه نقرؤها عليك-يا محمد-، بالصدق واليقين" (٧). قال الزمخشري: أي: " تلك آيات الله الواردة في الوعد والوعيد نتلوها عليك ملتبسة بالحق والعدل من جزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه" (٨). قال الواحدي: أي: "القرآن نبيّنها بالصدق" (٩). قال قتادة: " ﴿آيات الله﴾: القرآن" (١٠). قال محمد بن إسحاق: " ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾: يقول: بالفضل" (١١). قال الطبري: " يعني بقوله: ﴿تلك آيات الله: هذه الآيات التي ذكر فيها أمورَ المؤمنين من أنصار رسول الله ﷺ وأمور يهود بني إسرائيل وأهل الكتاب، وما هو فاعل بأهل الوفاء بعهده، وبالمبدِّلين دينه، والناقضين عهدَه بعد الإقرار به. ثم أخبر نبيه محمدًا ﷺ أنه يتلو ذلك عليه بالحق، وأعلمه أن من عاقبَ من خلقه بما أخبر أنه معاقبه به: من تسويد وجهه، وتخليده في أليم عذابه وعظيم عقابه

стр. 2438

ومن جازاه منهم بما جازاه: من تبييض وجهه وتكريمه وتشريف منزلته لديه، بتخليده في دائم نعيمه، فبغير ظلم منه لفريق منهم، بل بحق استوجبوه، وأعمال لهم سلفت، جازاهم عليها" (١). قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، " أي: وما كان الله ليظلم أحداً من العالمين" (٢). قال الزجاج: " أي: من أعلم الله أنه يعذبه فباستحقاق يعذبه" (٣). قال السمرقندي: " يعني لا يعذبهم بغير ذنب" (٤). قال الماتريدي: " أي: لا يريد أن يظلمهم، وإن شئت قلت: قلت الإرادة صفة لكل فاعل في الحقيقة؛ فكأنه قال: لا يظلمهم، وكيف يظلم؟ ! وإنما يظلم بنفع تسره إليه النفس، أو ضرر يدفع به، فالغني بذاته متعال عن ذلك" (٥). قال ابن كثير: " أي: ليس بظالم لهم بل هو الحَكَم العدل الذي لا يجور؛ لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدا من خلقه" (٦). قال الزمخشري: " ونكر ظلما وقال للعالمين على معنى ما يريد شيئا من الظلم لأحد من خلقه" (٧). قال أبو السعود: " تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه فإن تنكيرَ الظلم وتوجيهَ النفي إلى إرادته بصيغة المضارعِ دون نفسِه وتعليقَ الحكمِ بآحاد الجمع المعرف والالتفاتُ إلى الإسم الجليل إشعارا بعلة الحكم بيان لكمال نزاهتة عن الظلم بما لا مزيدَ عليهِ أي ما يريد فرداً من أفراد الظلم لفرد من أفراد العالمين في وقتٍ من الأوقاتِ فضلاً عن أن يظلِمَهم فإن المضارعَ كما يفيد الاستمرارَ في الإثبات يفيده في النَّفي بحسبِ المقامِ كما أن الجملةَ الاسمية تدل بمعونة المقام على دوام الثبوتِ وعند دخولِ حرفِ النفي تدل على دوام الانتفاءِ لا على انتفاء الدوامِ وفي سبك الجملةِ نوعُ إيماءٍ إلى التعريض بأن الكفرَةَ هم الظالمون ظلُموا أنفسَهم بتعريضِها للعذابِ الخالد كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ الله لا يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ " (٨). الفوائد: ١ - إن القرآن كلام الله تعالى، لأنه تعالى أضافه إلى نفسه، فقال: ﴿آيات الله﴾. ٢ - أن من كان وكيلا عن الغير، فله حكم ذلك الذي وكله، لأن الله أضاف التلاوة إليه مع ان التالي رسوله. ٣ - أن كتاب الله تعالى كله حق ليس فيه باطل، فجميع أحكامه حق، وجميع اخباره حق، وليس فيه تناقض ولا اختلاف. ٤ - إثبات رسالة النبي- ﷺ إ ١ قال: ﴿نتلوها عليك﴾، فيكون المتلو عليه هذه الآيات قطعا رسولا لله رب العالمين. ٥ - إثبات إرادة الله، لقوله: ﴿وما الله يريد ظلما للعالمين﴾، وهو نفي لإرادة الظلم، إذن فغير الظلم يريده. ٦ - أنه إذا انتفت إرادة الظلم انتفى الظلم. القرآن ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾ [آل عمران: ١٠٩] التفسير: ولله ما في السموات وما في الأرض، ملكٌ له وحده خلقًا وتدبيرًا، ومصير جميع الخلائق إليه وحده، فيجازي كلا على قدر استحقاقه. في سبب نزول الآية:

стр. 2439

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٠٩]، أي: ولله تعالى وحده "ملك السموات والأرض خلقاً وتصرفاً وتدبيراً" (١). قال أبو السعود: " أي: له تعالى وحده من غير شركة أصلا ما فيهما من المخلوقات الفائنة للحصر ملكا وخلقا إحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا وإيراد كلمة ما إما لتغليب غير العقلاء على العقلاء وإما لتنزيلهم منزلة غيرهم إظهارا لحقارتهم في مقام بيان عظمته تعالى" (٢). قال القاسمي: " أي له تعالى وحده، من غير شركة، ما فيهما من المخلوقات ملكا وخلقا إحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا" (٣). قال ابن عباس: " ثم قال يا محمد لله الخلق كله السموات كلهن ومن فيهن، والأرضون كلهن، ومن فيهن وما بينهن مما يعلم ومما لا يعلم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [آل عمران: ١٠٩]، أي: "إلى الله مصير أمر جميع خلقه فيجازي كلا على قدر استحقاقهم منه" (٥). قال السمرقندي: " يقول: تصير أمور العباد إلى الله في الآخرة" (٦). قال أبو السعود: " أي إلى حكمه وقضائه لا إلى غيره شركة أو استقلالا ترجع أمور الخلق، فيجازي كلا منهم بما وعد له وأوعده من غير دخل في ذلك لأحد قط فالجملة مقررة لمضمون ما ورد في جزاء الفريقين وقيل هي معطوفة على ما قبلها مقررة لمضمونه فإن كون العالمين عبيده تعالى ومخلوقه ومرزوقه يستدعي إرادة الخير بهم" (٧). الفوائد: ١ - عموم ملك الله تعالى، لقوله: ﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾، و ﴿ما﴾، موصولة تفيد العموم. ٢ - انفراد ملك الله تعالى بلك، أي أن الله وحده هو المالك لها، وهذا يؤخذ من تقديم الخبر الذي أفاد الحصر. ٣ - إثبات السماوات والأرض، وبيان عظمة الله تعالى بخلق هذه المخلوقات العزيمة. ٤ - أن مرجع الأمور إلى الله وحده. ٥ - بيان سعة الله تعالى إذ كانت جميع الامور ترجع إليه الدقيقة والجليلة. القرآن ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠] التفسير: أنتم - يا أمة محمد - خير الأمم وأنفع الناس للناس، تأمرون بالمعروف، وهو ما عُرف حسنه شرعًا وعقلا وتنهون عن المنكر، وهو ما عُرف قبحه شرعًا وعقلا وتصدقون بالله تصديقًا جازمًا يؤيده العمل. ولو آمن أهل الكتاب من اليهود والنصارى بمحمد ﷺ وما جاءهم به من عند الله كما آمنتم، لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة، منهم المؤمنون المصدقون برسالة محمد ﷺ العاملون بها، وهم قليل، وأكثرهم الخارجون عن دين الله وطاعته. في سبب نزول الآية:

стр. 2440

نقل الثعلبي عن عكرمة ومقاتل: "نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ وسالم مولى أبي حذيفة، وذلك أن ابن الصيف ووهب بن يهود اليهوديين قالا لهم: إن ديننا خير مما تدعوننا إليه ونحن خير وأفضل منكم. فأنزل الله تعالى هذه الآية" (١). ونقله الطبري عن عكرمة (٢). قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أي: "أنتم يا أمة محمد خير الأمم أخرجت لأجل الناس" (٣). قال مجاهد: " أنتم خير الناس للناس" (٤). قال مقاتل بن سليمان: "يعني خير الناس للناس في زمانكم كما فضل بني اسرائيل في زمانهم" (٥). قال الشافعي: " ففضيلتهم بكينونتهم من أمته دون أمم الأنبياء قبله" (٦). وفيمن أريد بهذه الآية، أقوال: أحدها: أنهم أهل بدر (٧). والثاني: أنهم المهاجرون. قاله ابن عباس (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، وقتادة (١٠)، والسدي (١١)، عكرمة (١٢)، والضحاك (١٣). والثالث: أنهم الصحابة. قاله الضحاك (١٤)، وهو معنى قول عمر بن الخطاب (١٥). والرابع: أنهم خير أهل بيت النبي ﷺ . قاله أبو جعفر (١٦). والخامس: أنهم جمع المؤمنين من هذه الأمة (١٧). قال أبو السعود: " وظاهر أن المراد بكل أمة أوائلهم وأواخرهم لاأوائلهم فقط فلا بد أن تكون أعقاب هذه الأمة أيضا داخلة في الحكم" (١٨). قال ابن كثير: " والصحيح أن هذه الآية عامةٌ في جميع الأمة، كل قَرْن بحسبه، وخير قرونهم الذين بُعثَ فيهم رسول الله ﷺ ، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: خيارا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ الآية، وفي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجة، ومستدرك الحاكم، من رواية حكيم بن مُعَاوية بن حَيْدَة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أنْتُمْ خَيْرُهَا، وأنْتُمْ أكْرَمُ عَلَى اللهِ » (١٩) " (٢٠). وفي قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠]، ، قولان:

стр. 2441

أحدهما: أنها على أصلها، والمراد بها الماضي، ثم فيه ثلاثة أقوال: الأول: أن معناه: كنتم في اللوح المحفوظ. والثاني: أن معناه: خلقتم وجدتم. ذكرهما الطبري (١) وغيره (٢). والثالث: أن المعنى: كنتم مذ كنتم، ذكره ابن الأنباري (٣). والثاني: أن معنى كنتم: أنتم، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]. وهذا قول الكلبي (٤)، وذكره الفراء (٥)، والزجاج (٦)، والثعلبي (٧). قال ابن قتيبة: وقد "يأتي الفعل على بنية الماضي وهو دائم، أو مستقبل: كقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أي أنتم خير أمّة، وقوله: ﴿وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: وإذ يقول الله يوم القيامة، يدلك على ذلك قوله سبحانه: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]، وقوله: ﴿أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، يريد يوم القيامة. أي سيأتي قريبا فلا تستعجلوه، وقوله: ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]، أي من هو صبيّ في المهد، وكذلك قوله: ﴿وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء: ١٣٤]، وكذلك قوله: ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ [الأحزاب: ٢٧]، إنما هو: الله سميع بصير، والله على كل شيء قدير، وقوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩]، أي فنسوقه" (٨). وفي قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، قولان: أحدهما: أن معناه: كنتم خير الناس للناس. قاله أبو هريرة (٩)، وابن عباس (١٠)، وعكرمة (١١)، ومجاهد (١٢)، والربيع بن أنس (١٣)، وعطاء (١٤)، وعطية (١٥). والثاني: أن معناه: كنتم خير الأمم التي أخرجت (١٦). قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أي: " تأمرون بالإيمان بالله ورسوله، والعمل بشرائعه " (١٧). قال ابن عباس: " تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والا قرار بما أنزل الله ويقاتلونهم عليه، ولا إله إلا لله أعظم المعروف" (١٨). وروي عن أبي العالية قال: "التوحيد" (١٩). قوله تعالى: ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أي: " وتنهون عن الشرك بالله وتكذيب رسوله، وعن العمل بما نهى عنه" (٢٠).

стр. 2442

قال ابن عباس: " هو التكذيب وهو أنكر المنكر" (١). وفي قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، قولان: أحدهما: أنه شرط في الخيرية، وهذا المعنى مروي عن عمر بن الخطاب، ومجاهد، والزجاج. والثاني: أنه ثناء من الله عليهم، قاله الربيع بن أنس (٢). قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أي: "وتصدّقون بالله، فتخلصون له التوحيد والعبادة" (٣). قال سعيد بن جبير: " يعني: تصدقون توحيد الله" (٤). قال المراغي: " وهذا الوصف يصدق على الذين خوطبوا به أوّلا، وهم النبي ﷺ وأصحابه الذين كانوا معه وقت التنزيل، فهم الذين كانوا أعداء، فألف بين قلوبهم، واعتصموا بحبل الله جميعا، وكانوا يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ولا يخاف ضعيفهم قويّهم، ولا يهاب صغيرهم كبيرهم، وملك الإيمان قلوبهم ومشاعرهم، فكانوا مسخرين لأغراضه فى جميع أحوالهم، وهذا الإيمان هو الذي قال الله فى أهله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ وقال فيهم أيضا ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وما فتئت هذه الأمة خير الأمم حتى تركت الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وما تركتهما إلا باستبداد الملوك والأمراء من بنى أمية ومن حذا حذوهم، وأول من اجترأ منهم على إعلان هذه المعصية عبد الملك بن مروان حين قال على المنبر: من قال لى اتق الله ضربت عنقه وما زال الشر يزداد، والأمر يتفاقم حتى سلبت هذه الأمة أفضل مالها من مزية فى دينها ودنياها بعد الإيمان، وهى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" (٥). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠]، "أي: ولو آمن أهل الكتاب بما أنزل على محمد وصدّقوا بما جاء به، لكان ذلك خيراً لهم في الدنيا والآخرة" (٦). قال النيسابوري: " يعني علماء السوء" (٧). قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، " أي: منهم فئة قليلة مؤمنة" (٨). قال ابن الجوزي: " ﴿منهم المؤمنون﴾: من أسلم، كعبد الله بن سلام وأصحابه" (٩). قال قتادة: " استثنى الله منهم ثلاثة كانوا على الهدى والحق" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أي: والكثرة الكثيرة منهم خارجة عن طاعة الله" (١١). قال ابن الجوزي: " يعني: الكافرين، وهم الذين لم يسلموا" (١٢). قال قتادة: " ذم الله أكثر الناس" (١٣). قال سعيد بن جبير: " الفاسقون يعني هم العاصون" (١٤). قال مقاتل بن سليمان: " يعني العاصين يعني اليهود" (١٥).

стр. 2443

قال الزجاج: " والفاسق الذي خرج عن أمر الله" (١). الفوائد: ١ - أن هذه الأمة خير الأمم، لقوله ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾، فـ"الناس" عامة تشمل جميع الأمم. ٢ - أن هذه الأمة فضلت غيرها بالخيرية لوصف ليس في غيرها، وهي أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ٣ - أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن ترتب الخيرية عليه. ٤ - التنديد بأهل الكتاب إذ كفروا بالرسول- ﷺ مع أنهم يدّعون أنهم يريدون الخير. ٥ - أن من أهل الكتاب من هو مؤمن ومنهم من هو فاسق، وهم الاكثرون"أل" في قوله ﴿الممنون﴾ للعهد الذهني، يعني الإيمان المعروف عندكم، وهو الإيمان بمحمد- ﷺ . القرآن ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾ [آل عمران: ١١١] التفسير: لن يضركم هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب إلا ما يؤذي أسماعكم من ألفاظ الشرك والكفر وغير ذلك، وإن يقاتلوكم يُهْزَموا، ويهربوا مولِّين الأدبار، ثم لا ينصرون عليكم بأي حال. في سبب نزول الآية: قال مقاتل بن سليمان: " وذلك أن رؤساء اليهود كعب بن مالك، وشعبة، وبحري، ونعمان، وأبا ياسر، وأبا نافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وابن صوريا. عمدوا إلى مؤمنيهم فآذوهم لإسلامهم وهم عبد الله بن سلام وأصحابه. فأنزل الله- ﴿لن يضروكم﴾ " (٢). قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١]، أي: " لن يضركم أيها المؤمنون هؤلاء اليهود إلا أذى باللسان" (٣). قال الثعلبي: " يعني وعيدا وطعنا. وقيل: دعاء إلى الضلالة. وقيل: كلمة الكفر إن يسمعوها منهم يتأذوا بها" (٤). قال السمرقندي: " يعني باللسان بالسب وغيره، وليس لهم قوة القتال" (٥). قال قتادة: " لن يضروكم إلا أذى تسمعونه منهم" (٦). قال ابن جريج: " إشراكهم في عُزير وعيسى والصَّليب" (٧). قال الحسن: " تسمعون منهم كذبًا على الله، يدعونكم إلى الضلالة" (٨). قال الزجاج: " أي يؤذونكم بالبهت والتحريف، فأما العاقبة فتكون للمؤمنين" (٩). قال الطبري: أي: ": لن يضركم، يا أهل الإيمان بالله ورسوله، هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب بكفرهم وتكذيبهم نبيَّكم محمدًا ﷺ شيئا، ولكنهم يؤذونكم بشركهم، وإسماعكم كفرهم، وقولهم في عيسى وأمه وعزير، ودعائهم إياكم إلى الضلالة، ولن يضروكم بذلك" (١٠).

стр. 2444

قال الماتريدي: " فيه بشارة لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، بالأمن لهم عن أذى المشركين وضررهم، إلا أذى باللسان" (١). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [آل عمران: ١١١]، أي: " وإن يقاتلكم أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى يهزَموا عنكم، فيولوكم أدبارهم" (٢). قال الزجاج: " يعني به أهل الكتاب؛ وأعلمهم في هذه الآية أنهم إن قاتلوهم ولوهم الأدبار وسلبوا النصر وكذلك كان أمر إليهود" (٣). قال السمرقندي: " يعني إن أعانوكم في القتال، فلا منفعة لكم منهم لأنهم ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ﴾ وينهزمون، ويقال: إن خرجوا إلى قتالكم، وأرادوا قتالكم يولون الأدبار، أي ينهزمون منكم" (٤). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١]، أي: " ثم لا ينصرهم الله" (٥). قال البيضاوي: أي: " ثم لا يكون أحد ينصرهم عليكم أو يدفع بأسكم عنهم، نفي إضرارهم سوى ما يكون بقول وقرر ذلك بأنهم لو قاموا إلى القتال كانت الدبرة عليهم، ثم أخبر بأنه تكون عاقبتهم العجز والخذلان" (٦). قال السمرقنديأي: : " لا يُمْنَعون من الهزيمة، فكأنه يحكي ضعفهم عن القتال، يقول: لو كانوا عليكم لا يضرونكم، ولو كانوا معكم لا ينفعونكم، وهذا حالهم إلى يوم القيامة وَهُمْ اليهود ليس لهم شوكة، ولا قوة القتال في موضع من المواضع" (٧). وقرئ: ﴿لا ينصروا﴾، عطفا على يولوا على أن ثم للتراخي في الرتبة، فيكون عدم النصر مقيدا بقتالهم (٨). قال ابن الجوزي: " قال جمهور المفسرين: معنى الكلام: لن يضروكم ضرا باقيا في جسد أو مال، إنما هو شيء يسير سريع الزوال، وتثابون عليه. وهذا لا ينافي الأمر بقتالهم فالآية محكمة على هذا، ويؤكده أنها خبر، والأخبار لا تنسخ. وقال السدي: الإشارة إلى أهل الكتاب وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم فنسخت بقوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ (٩)، والأول أصح" (١٠). الفوائد: ١ - أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يضروا المسلمين، وهذا الضمان الإلهي لما كان المؤمنون على الإيمان حقا. ٢ - أن هؤلاء لاينصرهم الله على المؤمنين، وهو أيضا مشروط بأن نتمسك بديننا عقيدة وقولا وعملا. القرآن ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾ [آل عمران: ١١٢] التفسير:

стр. 2445

جعل الله الهوان والصغار أمرًا لازمًا لا يفارق اليهود، فهم أذلاء محتقرون أينما وُجِدوا، إلا بعهد من الله وعهد من الناس يأمنون به على أنفسهم وأموالهم، وذلك هو عقد الذمة لهم وإلزامهم أحكام الإسلام، ورجعوا بغضب من الله مستحقين له، وضُربت عليهم الذلَّة والمسكنة، فلا ترى اليهوديَّ إلا وعليه الخوف والرعب من أهل الإيمان; ذلك الذي جعله الله عليهم بسبب كفرهم بالله، وتجاوزهم حدوده، وقَتْلهم الأنبياء ظلمًا واعتداء، وما جرَّأهم على هذا إلا ارتكابهم للمعاصي، وتجاوزهم حدود الله. قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [آل عمران: ١١٢]، "أي: ألزمهم الله الذلة والصَّغَار أينما كانوا، فلا يأمنون" (١). قال الطبري: أي: " ألزِم اليهود المكذبون بمحمد ﷺ الذلة أينما كانوا من الأرض، وبأي مكان كانوا من بقاعها، من بلاد المسلمين والمشركين" (٢). قال الحسن: " أذلهم الله فلا مَنْعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين" (٣). وعن الحسن أيضا: " أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية" (٤). قال ابن عباس: " هم أصحاب القبالات كفروا بالله العظيم" (٥). قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]، " أي: إِلا إذا اعتصموا بذمة الله وذمة المسلمين" (٦). قال ابن كثير: " أي: إلا بذمة من الله، وهو عَقْد الذمة لهم وضَرْب الجزية عليهم، وإلزامهم أحكام الملة، و ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾: أي: أمان منهم ولهم، كما في المُهَادَن والمعاهَد والأسير إذا أمَّنَه واحد من المسلمين ولو امرأة، وكذَا عَبْد، على أحد قولي العلماء" (٧). قال قتادة: " إلا بعهد من الله وعهد من الناس" (٨). وروي عن ابن عباس (٩)، ومجاهد (١٠)، والسدي (١١)، والضحاك (١٢)، وعكرمة (١٣)، وابن زيد (١٤)، مثل ذلك. قال الطبري: " وأما ﴿الحبل﴾ الذي ذكره الله في هذا الموضع، فإنه السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم، من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يُثْقَفوا في بلاد الإسلام" (١٥). قال الزجاج: " والحبل العهد، فأعلم الله أنهم بعد عز كانوا فيه يبلغون في الذلة ما لا يبلغه أهل مكة، وكانوا ذوي منعة ويسار، فأعلم الله أنهم يذلون أبدا إلا أن يعزوا بالذمة التي يعطونها في الإسلام. وما بعد الاستثناء، ليس من الأول أنهم أذلاء إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه" (١٦). أخرج الطبري عن ابن زيد: " في قوله: ﴿أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾، قال: إلا بعهد، وهم يهود. قال: والحبل العهد. قال: وذلك قول أبي الهيثم بن التَّيَّهان لرسول الله ﷺ حين أتته الأنصار في العقبة: أيها الرجل، إنا قاطعون فيك حبالا بيننا وبين الناس، يقول: عهودًا، قال: واليهود لا يأمنون

стр. 2446

في أرضٍ من أرض الله إلا بهذا الحبل الذي قال الله . وقرأ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة آل عمران: ٥٥]، قال: فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق يهود في شرق ولا غرب، هم في البلدان كلها مستذَلُّون، قال الله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُم فِي الأرْضِ أُمَمًا﴾ [سورة الأعراف: ١٦٨]، يهود" (١). قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٢]، " أي: رجعوا مستوجبين للغضب الشديد من الله" (٢). قال الربيع بن أنس: " فحدث عليهم من الله غضب" (٣). قال الطبري: أي: " وتحمَّلوا غضب الله فانصرفوا به مستحقِّيه" (٤). قال السمرقندي: " استوجبوا الغضب من الله تعالى. ويقال: رجعوا بغضب من الله" (٥). قال ابن كثير: " أي: أُلزموا فالتزَمُوا بغضب من الله، وهم يستحقونه" (٦). قال الثعلبي: " ذمه لهم وتوعده إياهم في الدنيا، وإنزال العقوبة عليهم في العقبى، وكذلك بغضه وسخطه" (٧). وفي تفسير: ﴿بَاءُوا﴾ [آل عمران: ١١٢]، ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: "استوجبوا". قاله سعيد بن جبير (٨). وروي عن الضحاك نحو ذلك (٩). والثاني: أي: رجعوا". وهذا قول الكسائي (١٠). والثالث: أن المعنى: أنهم احتملوا وأقروا به، ومنه الدعاء المأثور: "أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". وهذا قول أبي عبيدة (١١). قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران: ١١٢]، " أي: لزمتهم الفاقة والخشوع فهي محيطة بهم من جميع جوانبهم" (١٢). قال ابن كثير: "أي: أُلزِموا المسكنة قَدرًا وشَرْعًا" (١٣). قال الطبري: " ومعنى ﴿المسكنة﴾: ذل الفاقة والفقر وخُشوعهما" (١٤). قال الثعلبي: أي: " جعلت عليهم وألزموا الذلة الذل والهوان، و ﴿المسكنة﴾: يعني ذي فقر، ومنه سمي الفقير مسكينا لسكونه وقلة حركاته. يقال: ما في بني فلان أسكن من فلان، أي أفقر" (١٥). وفي تفسير: ﴿الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران: ١١٢]، قولان: أحدهما: أنها الفاقة. قاله أبو العالية (١٦)، وروي عن السدي والربيع بن أنس نحو ذلك (١٧). والثاني: انها الخراج (الجزية). وهذا قول عطية (١٨)، والضحاك (١٩). ويدل عليه قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].

стр. 2447

قال الكلبي: " قال الكلبي: فترى الرجل منهم غنياً، وعليه من البؤس والفقر والمسكنة" (١). قال السمرقندي: "ويقال: إنهم يظهرون من أنفسهم الفقر، لكيلا تضاعف عليهم الجزية" (٢). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢]، " أي: ذلك الذل والصغار، بسبب جحودهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء ظلماً وطغياناً" (٣). قال ابن كثير: " أي: وإنما حملهم على ذلك الكبْر والبَغْي وَالْحسَد، فأعْقَبَهم ذلك الذِّلة والصَّغَار والمسكنة أبدا، متصلا بذلة الآخرة" (٤). قال الطبري: أي: " بدلا مما كانوا يجحدون بآيات الله وأدلته وحججه، ويقتلون أنبياءه بغير حق ظلمًا واعتداء" (٥). قال الزجاج: أي: " أمرهم ذلك وحقهم ذلك بكفرهم، فأعلم الله أنهم جعلت عقوبتهم هذه العقوبة الغليظة في الدنيا والآخرة لتغليظ ما ركبوه" (٦). قال الثعلبي: " ﴿يكفرون بآيات الله﴾، يعني: بصفة محمد ﷺ وإنه الرحيم في التوراة والإنجيل والفرقان" (٧). قال ابن مسعود: " كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي ثم تقوم بقلهم من آخر النهار" (٨). قال الثعلبي: "ومعنى: ﴿ويقتلون الأنبياء بعير الحق﴾: مثل أشعيا وزكريا ويحيى وسائر من قتل اليهود من الأنبياء، وفي الخبر: إن اليهود قتلوا سبعين نبيا من أول النهار [في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم" (٩). وقال السمرقندي: المعنى: " ذلِكَ الذي يصيبهم بسبب كفرهم بمحمد- ﷺ وبالقرآن، ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، يعني: رضوا بما فعل آباؤهم، فكأنهم قتلوهم " (١٠). وقوله: ﴿ويقتلون﴾، قراءة العامة بالتخفيف من "القتل"، وقرأ السلمي بالتشديد من التقتيل (١١). وقوله: ﴿النبيين﴾، القراءة المشهورة بالتشديد من غيرهم، وتفرد نافع بهمز النبيئين، [ومده] فمن همز معناه: المخبر، من قول العرب: أنبأ النبي إنباءا، ونبأ ينبئ تنبئة بمعنى واحد، فقال الله : ﴿فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا﴾ [التحريم: ٣] (١٢). ومن حذف الهمز فله وجهان (١٣): أحدهما: إنه أراد الهمز فحذفه طلبا للخفة لكثرة استعمالها. والوجه الآخر: أن يكون بمعنى الرفيع مأخوذ من النبؤة وهي المكان المرتفع، يقال: نبيء الشيء عن المكان، أي ارتفع (١٤).

стр. 2448

قال الشاعر (١): إن جنبي عن الفراش لناب ... كتجافي الأسر فوق الظراب وفيه وجه آخر: قال الكسائي: النبي بغير همز: الطريق، فسمي الرسول نبيا، وإنما دقائق الحصا لأنه طريق إلى الهدى (٢)، ومنه قول الشاعر (٣): لأصبح رتما دقاق الحصى ... مكان النبي من الكاثب قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢]، أي: إنما حَمَلهم على الكفر بآيات الله وقَتْل رُسُل الله" بسبب تمردهم وعصيانهم أوامر الله تعالى" (٤). قال الطبري: أي: " فعلنا بهم ذلك بكفرهم، وقتلهم الأنبياء، ومعصيتهم ربَّهم، واعتدائهم أمرَ ربهم" (٥). قال السمرقندي: استحقوا ذلك"الغضب، بأفعالهم، كلما ذكر الله عقوبة قوم في كتابه بيّن المعنى الذي يعاقبهم لذلك، لكيلا يظن أحد أنه عذَّبهم بغير جُرْم" (٦). قال ابن كثير: " أي: إنما حَمَلهم على الكفر بآيات الله وقَتْل رُسُل الله وقُيِّضوا لذلك أنّهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر الله، ، والغشيان لمعاصي الله، والاعتداء في شرع الله" (٧). قال قتادة: " اجتنبوا المعصية والعدوان فإن بهما هلك من هلك قبلك من الناس" (٨). الفوائد: ١ - أن هؤلاء الذين ينتسبون للكتاب ولاسيما اليهود منهم، قد ضربت عليهم الذلة، فهم أرذل الناس. ٢ - أن هؤلاء قد يكون لهم عزة بحبل من الله وحبل من الناس، وهو إما الاسلام او الذمة، وإن كان هو الاسلام فإن الاستثناء منقطع، لأنهم إذا أسلموا لم يكونوا من أهل الكتاب، بل صاروا من المسلمين، وعلى معنى الذمة، فإن الاستثاء متصل. ٣ - أن الناس قد ينصر بعضهم بعضا بالباطل، يتضح من قوله: ﴿وحبل من الناس﴾. ٤ - إثبات الغضب لله تعالى، ومذهب أهل السنة والجماعة في مثل هذه الصفة إثباتها على الوجه اللائق. ٥ - إثبات العلة، أي أن أفعال الله تعالى معللة، أي مقرونة بالحكمة، لقوله: ﴿ذلك بأنهم﴾. ٦ - أن الكفر بآيات الله سبب للعقوبات. ٧ - عتو بني اسرائيل بالكفر وقتل الأنبياء والمعصية والعدوان. القرآن ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران: ١١٣] ليس أهل الكتاب متساوين: فمنهم جماعة مستقيمة على أمر الله مؤمنة برسوله محمد ﷺ ، يقومون الليل مرتلين آيات القرآن الكريم، مقبلين على مناجاة الله في صلواتهم. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج الطبري عن ابن عباس: " لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سَعْية، وأسَيْد بن سعية، وأسد بن عُبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدَّقوا ورغبوا في الإسلام، ورسخوا فيه، قالت: أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا أشرارنا! ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا

стр. 2449

إلى غيره، فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله﴾ إلى قوله: ﴿وأولئك من الصالحين﴾ " (١). والثاني: وقال مقاتل بن سليمان: " وذلك أن اليهود قالوا لابن سلام وأصحابه: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دينا غيره وقد عاهدتم الله بعهد ألا تدينوا إلا بدينكم، فقال الله- : ﴿ليسوا سواء﴾ " (٢). والثالث: أخرج الطبري عن عبد الله بن مسعود قال: احتبس علينا رسول الله ﷺ ذات ليلة، كان عند بعض أهله ونسائه: فلم يأتنا لصلاة العشاء حتى ذهب ليلٌ، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فبشَّرنا وقال: إنه لا يصلي هذه الصلاة أحدٌ من أهل الكتاب! فأنزل الله: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون﴾ " (٣). والرابع: وأخرج الطبري عن منصور، قال: "، بلغني أنها نزلت: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون﴾، فيما بين المغرب والعشاء" (٤). والخامس: نقل الثعلبي: " عن عطاء في قوله: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة﴾. الآية. تزيد أربعين رجلا من أهل نجران من العرب، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى ﵇ وصدقوا بمحمد ﷺ وكان من الأنصار منهم عدة قبل قدوم النبي ﷺ ، منهم أسعد ابن زرارة والبراء بن معرور ومحمد بن مسلمة وأبو قيس هرمة بن أنس، وكانوا موحدين يغتسلون من الجنابة ويقرون بما عرفوا من شرائع الحنيفية حتى جاءهم الله بالنبي ﷺ فصدقوه ونصروه" (٥). قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: ١١٣]، " أي: ليس أهل الكتاب مستوين في المساوئ" (٦). قال مقاتل: " يقول ليس كفار اليهود، والذين في الضلالة بمنزلة ابن سلام وأصحابه الذين هم على دين الله" (٧). قال ابن كثير: " أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب وهؤلاء الذين أسلموا" (٨). قال الماتريدي: " أي: لا سواء بين من آمن منهم -يعني: من أهل الكتاب- ومن لم يؤمن منهم؛ لأن منهم من قد آمن" (٩). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: ١١٣]، وجهان: أحدهما: أن المعنى: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد ﷺ ". قاله ابن مسعود (١٠)، السدي (١١). والثاني: أن المعنى: أن أهل الكتاب ليسوا متساوين في الصلاح والفاسد والخير والشر، وهذا معنى قول ابن عباس (١٢)، وقتادة (١٣)، وابن جريج (١٤). قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]، " أي: منهم طائفة مستقيمة على دين الله" (١٥).

стр. 2450

قال ابن كثير: " أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشَرْعه مُتَّبِعة نبيَّ الله، فهي: ﴿قَائِمَةٌ﴾ يعني مستقيمة" (١). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أمةٌ قَائِمَةٌ﴾﴾ [آل عمران: ١١٣]، أقاويل: أحدها: أنها أمة مستقيمة عادلة، من قولك: أقمت العود فقام، بمعنى استقام، وهو معنى قول الحسن (٢)، ومجاهد (٣)، وابن جريج (٤)، ومقاتل بن سليمان (٥). والثاني: أن المعنى: أنها أمة مطيعة، قائمة بطاعة الله، وهو قول السدي (٦). والثالث: أنها قائمة على كتاب الله وما أمر به فيه، وهو قول ابن عباس (٧)، وقتادة (٨)، والربيع (٩). والرابع: أنها قائمة في الصلاة، وعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل كقوله تعالى: ﴿والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما﴾ [الفرقان: ٦٤]. وقوله: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل﴾ [المزمل: ٢٠]. وقوله: ﴿قم الليل﴾ [المزمل: ٢]. وقوله: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] (١٠). والخامس: أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق، ملازمة له، غير مضطربة في التمسك به، كقوله: ﴿إلا ما دمت عليه قائما﴾ [آل عمران: ٧٥] أي ملازما للاقتضاء، ثابتا على المطالبة. ومنه قوله تعالى: ﴿قائما بالقسط﴾ [آل عمران: ١٨] (١١). والظاهر هو القول الأخير، وإن كانت الأقوال الأخرى متقاربة المعنى مع ما قاله ابن عباس وقتادة، " مستقيمة على الهدى وكتاب الله وفرائضه وشرائع دينه، والعدلُ والطاعةُ وغير ذلك من أسباب الخير، من صفة أهل الاستقامة على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . ونظير ذلك، الخبرُ الذي رواه النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ أنه قال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم ركبوا سفينة " (١٢)، ثم ضرب لهم مثلا، فالقائم على حدود الله: هو الثابت على التمسك بما أمره الله به، واجتناب ما نهاهُ الله عنه" (١٣). قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]، " أي: يتهجدون في الليل بتلاوة آيات الله حال الصلاة" (١٤). قال ابن كثير: " أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم" (١٥). قال الطبري: أي: " يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون فيها" (١٦). وفي قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَءَايَاتِ اللهِءَانآءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ١١٣]، قولان: أحدهما: ساعات الليل، وهو قول الحسن (١٧)، وقتادة (١٨)، والربيع (١٩)، وابن جريج (٢٠)، وأبي عبيدة (٢١)، ومنه قول المتنخل الهذلي (٢٢):

стр. 2451

حُلْوٌ وَمُرٌّ كَعَطْفِ القِدْحِ مِرَّتُهُ ... فِي كُلِّ إِنْيٍ حذَاه اللَّيْلُ يَنْتَعِلُ والثاني: جوف الليل، وهو قول ابن عباس (١)، والسدي (٢). واختلف في المراد بالتلاوة في هذا الوقت على قولين: أحدهما: صلاة العَتْمَة، وهو قول عبد الله بن مسعود (٣). والثاني: صلاة المغرب والعشاء، رواه الثوري عن منصور (٤). وفي تفسير قوله: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]، ثلاثة أقوال: أحدها: يعني سجود الصلاة (٥). والثاني: يريد الصلاة، لأن القراءة لا تكون في السجود ولا في الركوع، وهذا قول الزجاج (٦)، والفراء (٧). ونظيره قوله: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، أي: يصلون، وفي القرآن: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠]، أي: صلوا، وقوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] (٨). والثالث: معناه يتلون آيات الله أناء الليل وهم مع ذلك يسجدون (٩). الفوائد: ١ - الثناء على القيام بطاعة الله والثبات عليها. ٢ - الثناء على من يتلون كتاب الله قراءة وعملا. ٣ - فضيلة السجود. القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ [آل عمران: ١١٤] التفسير: يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالخير كله، وينهون عن الشر كلِّه، ويبادرون إلى فعل الخيرات، وأولئك مِن عباد الله الصالحين. قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، أي: "، يصدِّقون بالله وبالبعث بعد الممات" (١٠). قال سعيد بن جبير: " يصدقون بتوحيد الله واليوم الآخر، ويصدقون بالغيب الذي فيه جزاء الأعمال" (١١). قال مقاتل بن سليمان: " يعني: يصدقون بتوحيد الله والبعث الذي فيه جزاء الأعمال" (١٢). قال أبو السعود: " صفة أخرى لأمة مبينة لمباينتهم اليهود من جهة أخرى أي يؤمنون بها على الوجه الذي نطق به الشرع والإطلاق للإيذان بالغنى عن التقييد لظهور أنه الذي يطلق عليه الإيمان بهما لا يذهب الوهم إلى

стр. 2452

غيره وللتعريض بأن إيمان اليهود بهما مع قولهم عزير ابن الله وكفرهم ببعض الكتب والرسل ووصفهم اليوم الآخر بخلاف صفته ليس من الإيمان بهما في شئ أصلا ولو قيد بما ذكر لربما توهم أن المنتفي عنهم هو القيد المذكور مع جواز إطلاق الإيمان على إيمانهم بالأصل وهيهات" (١). قوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٣٠]، أي: " يأمرون الناس بالإيمان بالله ورسوله، وتصديق محمد ﷺ وما جاءهم به، وينهون الناس عن الكفر بالله، وتكذيب محمد وما جاءهم به من عند الله" (٢). قال مقاتل بن سليمان: " يعني: إيمانا بمحمد- ﷺ وينهون عن المنكر، يعني: عن تكذيب بمحمد- ﷺ " (٣). قال الزجاج: "ومعنى: ﴿ويأمرون بالمعروف﴾ ههنا أي يأمرون باتباع النبي ﷺ – ﴿وينهون عن المنكر﴾: عن الإقامة على مشاقته ﷺ –" (٤). قال أبو السعود: " صفتان أخريان لأمة أجريتا عليهم تحقيقا لمخالفتهم اليهود في الفضائل المتعلقة بتكميل الغير إثر بيان مباينتهم لهم في الخصائص المتعلقة بتكميل النفس وتعريضا بمداهنتهم في الاحتساب بل بتعكيسهم في الأمر بإضلال الناس وصدهم عن سبيل الله فإنه أمر بالمنكر ونهي عن بالمعروف" (٥). قوله تعالى: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، أي: " ويبتدرون فعل الخيرات" (٦). قال مقاتل بن سليمان: " يعنى شرائع الإسلام" (٧). قال أبو السعود: " صفة أخرى لأمة جامعة لفنون المحاسن المتعلقة بالنفس وبالغير والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليته والقيام به وآثر الفور على التراخي أي يبادرون مع كمال الرغبة في فعل أصناف الخيرات اللازمة والمتعدية وفيه تعريض بتباطؤ اليهود فيها بل بمبادتهم إلى الشرور وإيثار كلمة فى على ما وقع في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .. الخ، للإيذان بأنهم مستقرون في أصل الخير متقلبون في فنونه المترتبة في طبقات الفضل لا أنهم خارجون عنها منتهون إليها" (٨). قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤]، أي: أولئك" هم من عداد الصالحين" (٩). قال أبو السعود: " أي: من جملة من صلحت أحوالهم عند الله واستحقوا رضاه وثناءه" (١٠). قال الماتريدي: " أي: ومن ذلك فعله - فهو صالح" (١١). قال السمعاني: " وصفهم الله تعالى وشكرهم" (١٢). قال المراغي: " أي وهؤلاء الذين اتصفوا بجليل الصفات من الذين صلحت أحوالهم، وحسنت أعمالهم، فرضيهم ربهم، وفى هذا رد على اليهود الذين قالوا فيمن أسلم منهم: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره.

стр. 2453

والوصف بالصلاح هو غاية المدح، ونهاية الشرف والفضل، فقد مدح الله به أكابر الأنبياء كإسماعيل وإدريس وذى الكفل فقال: ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وقال حكاية عن سليمان: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. ولأنه ضد الفساد، وهو ما لا ينبغى فى العقائد والأفعال، فهو حصول ما ينبغي فى كل منهما، وذلك منتهى الكمال، ورفعة القدر، وعلوّ الشأن" (١). قال الراغب: " وبيّن تعالى في آخر الآية أن فاعل ذلك من الصالحين، والأقرب في ﴿من﴾ أن تكون للتبيين وأنهم هم الصالحون، ولذلك قال في الأول ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ " (٢). ويجدر القول بأن "المسارعة والمبادرة والعجلة تتقارب، لكن السرعة أعمها والمبادرة لا تكاد تستعمل إلا في البدن، والعجلة أكثر ما تستعمل فيما يتحرى عن غير فكر وروية، أو في إمضاء العزيمة قبل استكمال الروية، ولهذا يقال: "العجلة من الشيطان "، وقال تعالى: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه)، فإن قيل: لو كانت مذمومة لما قال موسى: (وعجلت إليك رب لترضى). قيل: موسى ﵇ أورد ذلك على سبيل الاعتذار إبانة أنه قصد فعلا محمودا، وإن تحرى العجلة فيه، ومن قصد فعلا محمودا فقد يعذر في وقوع ما يكره منه، والمسارعة في الخير هي أن يتدرج الإنسان في ازدياد العرفة بفضله، واختياره والسرور بتعاطيه، وتقديمه على الأمور الدنيوية، وأن لا تؤخره عن أول وقت إمكان فعله وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]، ومدح تعالى قوما فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]، أي يسابقون بهممهم وأبدانهم، فلذلك كرره، ولمراعاة المسارعة وكون بعض المسارعين أعلى منزلة من بعض قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣] " (٣). قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: " وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين، ومن الإيمان بالله، لأن إيمانهم به كلا إيمان لإشراكهم به عزيرا، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض. ومن الإيمان باليوم الآخر، لأنهم يصفونه بخلاف صفته. ومن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لأنهم كانوا مداهنين. ومن المسارعة في الخيرات، لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها. والمسارعة في الخير: فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليه والقيام به وآثر الفور على التراخي وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم واستحقوا ثناءه عليهم. ويجوز أن يريد بالصالحين المسلمين فلن يكفروه لما جاء وصف الله عز وعلا بالشكر في قوله: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] في معنى توفيه الثواب نفى عنه نقيض ذلك" (٤). الفوائد: ١ - الثناء على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٢ - الثناء على المسارعة في الخيرات. ٣ - الثناء على من تلك صفته بالصلاح. القرآن ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)﴾ [آل عمران: ١١٥] التفسير: وأيُّ عمل قلَّ أو كَثُر من أعمال الخير تعمله هذه الطائفة المؤمنة فلن يضيع عند الله، بل يُشكر لهم، ويجازون عليه. والله عليم بالمتقين الذين فعلوا الخيرات وابتعدوا عن المحرمات; ابتغاء رضوان الله، وطلبًا لثوابه.

стр. 2454

قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥]، "أي ما عملوا من عمل صالح فلن يضيع عند الله" (١). قال الربيع بن أنس: أي: "لن يضل عنكم" (٢). قال مقاتل: " فلن يضل عنهم بل يشكر ذلك لهم" (٣). قال الماتريدي: " أي: كيف يكفره، وهو الشكور الذي يقبل اليسير، ويعطي الجزيل" (٤). قال المراغي: " أي وما يفعلوا من الطاعات فلن يحرموا ثوابه ولن يستر عنهم كأنه غير موجود" (٥). قال السعدي: أي: " وأنهم مهما فعلوا ﴿من خير﴾ قليلا كان أو كثيرا ﴿فلن يكفروه﴾ أي: لن يحرموه ويفوتوا أجره، بل يثيبهم الله على ذلك أكمل ثواب، ولكن الأعمال ثوابها تبع لما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والتقوى" (٦). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥]، قرئت بالياء والتاء، قال الزجاج" وكلاهما صواب - كما قال الله : (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) - فالخطاب لسائر الخلق، ومن قال (فلن تكفروه) فهو لهؤلاء المذكورين وسائر الخلق داخل معهم في ذلك" (٧). وفي حرف حفصة: " فلن تتركوه ": أي: لن تتركوه دون أن تجزوا عليه (٨). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٥]، أي لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر المتقين" (٩). قال الثعلبي: أي: المؤمنين" (١٠). قال السمرقندي: " أي عليم بثوابهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، ومن كان بمثل حالهم" (١١). عن ابن عباس: " ﴿المتقين﴾، أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه" (١٢). وقال السدي: " ﴿المتقين﴾، هم المؤمنون" (١٣). وقيل لمعاذ بن جبل: "من المتقون؟ قال: " قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة" (١٤). الفوائد: ١ - أن من فعل خيرا أثيب عليه، لأأن المراد هنا تمام الإثبات، أي أنهم يعطون أجرهم كاملا بلا نقص. ٢ - كمال عدل الله لكون العامل إذا عمل عملا أثيب عليه، ولو حوسب على ما أعطاه من النعم لهلك، لكن يثاب وتكون نعم الله عليه مجرد فضل من الله. ٣ - ثبوت الثواب على العمل الخير قليلا أم كثيرا، لقوله: ﴿من خير﴾، وهي في سياق الشرط فتكون عامة. ٤ - إثبات علم الله تعالى. ٥ - الثناء على أهل التقوى.

стр. 2455

القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)﴾ [آل عمران: ١١٦] التفسير: إن الذين كفروا بآيات الله، وكذبوا رسله، لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئًا من عذاب الله في الدنيا ولا في الآخرة، وأولئك أصحاب النار الملازمون لها، لا يخرجون منها. في سبب نزول الآيتان (١١٦ - ١١٧) وجوه: أحدها: قال مقاتل: " ثم ذكر نفقة سفلة اليهود من الطعام والثمار على رءوس اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه يريدون بها الآخرة" (١). والثاني: نقل ابن حجر عن ابن ظفر: "لما تضمن قوله تعالى فيما قبله وصف المؤمنين، ذكر بعدها ما اعتمده الكفار وأهل الكتاب من إنفاق أموالهم في الصد عن سبيل الله وإن ذلك لا يغني عنهم شيئا" (٢). والثالث: أخرج الطبري عن مجاهد، أن المراد: " نفقة الكافر في الدنيا" (٣). والرابع: نقل الثعلبي وتبعه ابن حجر (٤) عن يمان بن المغيرة: أنه" يعني: نفقات أبي سفيان وأصحابه ببدر وأُحُد على عداوة الرسول ﷺ " (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١١٦]، " أي: إن الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسالة محمد ﷺ " (٦). قال الطبري: أي: " الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ وكذبوا به وبما جاءهم به من عند الله" (٧). قال ابن عثيمين: يشمل كل من كفر بالله، فهذا حكمه" (٨). وأصْلُ (الكفر) عند العرب: تَغطيةُ الشيء، ولذلك سمَّوا الليل " كافرًا "، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه، كما قال الشاعر (٩): فَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا، بَعْدَ مَا ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ وقال لبيدُ بن ربيعة (١٠): يَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا يعني غَطَّاها، فكذلك الذين جحدوا النبوّة من الأحبار من اليهود غَطَّوا أمر محمد ﷺ وكَتَمُوه الناسَ - مع علمهم بنبوّته، ووُجُودِهم صِفَتَه في كُتُبهم (١١). قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١١٦]، " أي: لن تفيدهم الأموال والأولاد في الآخرة، من عذاب الله وأليم عقابه " (١٢).
следующие страницы →