← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

حُلْوٌ وَمُرٌّ كَعَطْفِ القِدْحِ مِرَّتُهُ ... فِي كُلِّ إِنْيٍ حذَاه اللَّيْلُ يَنْتَعِلُ والثاني: جوف الليل، وهو قول ابن عباس (١)، والسدي (٢). واختلف في المراد بالتلاوة في هذا الوقت على قولين: أحدهما: صلاة العَتْمَة، وهو قول عبد الله بن مسعود (٣). والثاني: صلاة المغرب والعشاء، رواه الثوري عن منصور (٤). وفي تفسير قوله: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]، ثلاثة أقوال: أحدها: يعني سجود الصلاة (٥). والثاني: يريد الصلاة، لأن القراءة لا تكون في السجود ولا في الركوع، وهذا قول الزجاج (٦)، والفراء (٧). ونظيره قوله: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، أي: يصلون، وفي القرآن: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠]، أي: صلوا، وقوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] (٨). والثالث: معناه يتلون آيات الله أناء الليل وهم مع ذلك يسجدون (٩). الفوائد: ١ - الثناء على القيام بطاعة الله والثبات عليها. ٢ - الثناء على من يتلون كتاب الله قراءة وعملا. ٣ - فضيلة السجود. القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ [آل عمران: ١١٤] التفسير: يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالخير كله، وينهون عن الشر كلِّه، ويبادرون إلى فعل الخيرات، وأولئك مِن عباد الله الصالحين. قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، أي: "، يصدِّقون بالله وبالبعث بعد الممات" (١٠). قال سعيد بن جبير: " يصدقون بتوحيد الله واليوم الآخر، ويصدقون بالغيب الذي فيه جزاء الأعمال" (١١). قال مقاتل بن سليمان: " يعني: يصدقون بتوحيد الله والبعث الذي فيه جزاء الأعمال" (١٢). قال أبو السعود: " صفة أخرى لأمة مبينة لمباينتهم اليهود من جهة أخرى أي يؤمنون بها على الوجه الذي نطق به الشرع والإطلاق للإيذان بالغنى عن التقييد لظهور أنه الذي يطلق عليه الإيمان بهما لا يذهب الوهم إلى

стр. 2452

غيره وللتعريض بأن إيمان اليهود بهما مع قولهم عزير ابن الله وكفرهم ببعض الكتب والرسل ووصفهم اليوم الآخر بخلاف صفته ليس من الإيمان بهما في شئ أصلا ولو قيد بما ذكر لربما توهم أن المنتفي عنهم هو القيد المذكور مع جواز إطلاق الإيمان على إيمانهم بالأصل وهيهات" (١). قوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٣٠]، أي: " يأمرون الناس بالإيمان بالله ورسوله، وتصديق محمد ﷺ وما جاءهم به، وينهون الناس عن الكفر بالله، وتكذيب محمد وما جاءهم به من عند الله" (٢). قال مقاتل بن سليمان: " يعني: إيمانا بمحمد- ﷺ وينهون عن المنكر، يعني: عن تكذيب بمحمد- ﷺ " (٣). قال الزجاج: "ومعنى: ﴿ويأمرون بالمعروف﴾ ههنا أي يأمرون باتباع النبي ﷺ – ﴿وينهون عن المنكر﴾: عن الإقامة على مشاقته ﷺ –" (٤). قال أبو السعود: " صفتان أخريان لأمة أجريتا عليهم تحقيقا لمخالفتهم اليهود في الفضائل المتعلقة بتكميل الغير إثر بيان مباينتهم لهم في الخصائص المتعلقة بتكميل النفس وتعريضا بمداهنتهم في الاحتساب بل بتعكيسهم في الأمر بإضلال الناس وصدهم عن سبيل الله فإنه أمر بالمنكر ونهي عن بالمعروف" (٥). قوله تعالى: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، أي: " ويبتدرون فعل الخيرات" (٦). قال مقاتل بن سليمان: " يعنى شرائع الإسلام" (٧). قال أبو السعود: " صفة أخرى لأمة جامعة لفنون المحاسن المتعلقة بالنفس وبالغير والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليته والقيام به وآثر الفور على التراخي أي يبادرون مع كمال الرغبة في فعل أصناف الخيرات اللازمة والمتعدية وفيه تعريض بتباطؤ اليهود فيها بل بمبادتهم إلى الشرور وإيثار كلمة فى على ما وقع في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .. الخ، للإيذان بأنهم مستقرون في أصل الخير متقلبون في فنونه المترتبة في طبقات الفضل لا أنهم خارجون عنها منتهون إليها" (٨). قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤]، أي: أولئك" هم من عداد الصالحين" (٩). قال أبو السعود: " أي: من جملة من صلحت أحوالهم عند الله واستحقوا رضاه وثناءه" (١٠). قال الماتريدي: " أي: ومن ذلك فعله - فهو صالح" (١١). قال السمعاني: " وصفهم الله تعالى وشكرهم" (١٢). قال المراغي: " أي وهؤلاء الذين اتصفوا بجليل الصفات من الذين صلحت أحوالهم، وحسنت أعمالهم، فرضيهم ربهم، وفى هذا رد على اليهود الذين قالوا فيمن أسلم منهم: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره.

стр. 2453

والوصف بالصلاح هو غاية المدح، ونهاية الشرف والفضل، فقد مدح الله به أكابر الأنبياء كإسماعيل وإدريس وذى الكفل فقال: ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وقال حكاية عن سليمان: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. ولأنه ضد الفساد، وهو ما لا ينبغى فى العقائد والأفعال، فهو حصول ما ينبغي فى كل منهما، وذلك منتهى الكمال، ورفعة القدر، وعلوّ الشأن" (١). قال الراغب: " وبيّن تعالى في آخر الآية أن فاعل ذلك من الصالحين، والأقرب في ﴿من﴾ أن تكون للتبيين وأنهم هم الصالحون، ولذلك قال في الأول ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ " (٢). ويجدر القول بأن "المسارعة والمبادرة والعجلة تتقارب، لكن السرعة أعمها والمبادرة لا تكاد تستعمل إلا في البدن، والعجلة أكثر ما تستعمل فيما يتحرى عن غير فكر وروية، أو في إمضاء العزيمة قبل استكمال الروية، ولهذا يقال: "العجلة من الشيطان "، وقال تعالى: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه)، فإن قيل: لو كانت مذمومة لما قال موسى: (وعجلت إليك رب لترضى). قيل: موسى ﵇ أورد ذلك على سبيل الاعتذار إبانة أنه قصد فعلا محمودا، وإن تحرى العجلة فيه، ومن قصد فعلا محمودا فقد يعذر في وقوع ما يكره منه، والمسارعة في الخير هي أن يتدرج الإنسان في ازدياد العرفة بفضله، واختياره والسرور بتعاطيه، وتقديمه على الأمور الدنيوية، وأن لا تؤخره عن أول وقت إمكان فعله وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]، ومدح تعالى قوما فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]، أي يسابقون بهممهم وأبدانهم، فلذلك كرره، ولمراعاة المسارعة وكون بعض المسارعين أعلى منزلة من بعض قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣] " (٣). قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: " وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين، ومن الإيمان بالله، لأن إيمانهم به كلا إيمان لإشراكهم به عزيرا، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض. ومن الإيمان باليوم الآخر، لأنهم يصفونه بخلاف صفته. ومن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لأنهم كانوا مداهنين. ومن المسارعة في الخيرات، لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها. والمسارعة في الخير: فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليه والقيام به وآثر الفور على التراخي وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم واستحقوا ثناءه عليهم. ويجوز أن يريد بالصالحين المسلمين فلن يكفروه لما جاء وصف الله عز وعلا بالشكر في قوله: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] في معنى توفيه الثواب نفى عنه نقيض ذلك" (٤). الفوائد: ١ - الثناء على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٢ - الثناء على المسارعة في الخيرات. ٣ - الثناء على من تلك صفته بالصلاح. القرآن ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)﴾ [آل عمران: ١١٥] التفسير: وأيُّ عمل قلَّ أو كَثُر من أعمال الخير تعمله هذه الطائفة المؤمنة فلن يضيع عند الله، بل يُشكر لهم، ويجازون عليه. والله عليم بالمتقين الذين فعلوا الخيرات وابتعدوا عن المحرمات; ابتغاء رضوان الله، وطلبًا لثوابه.

стр. 2454

قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥]، "أي ما عملوا من عمل صالح فلن يضيع عند الله" (١). قال الربيع بن أنس: أي: "لن يضل عنكم" (٢). قال مقاتل: " فلن يضل عنهم بل يشكر ذلك لهم" (٣). قال الماتريدي: " أي: كيف يكفره، وهو الشكور الذي يقبل اليسير، ويعطي الجزيل" (٤). قال المراغي: " أي وما يفعلوا من الطاعات فلن يحرموا ثوابه ولن يستر عنهم كأنه غير موجود" (٥). قال السعدي: أي: " وأنهم مهما فعلوا ﴿من خير﴾ قليلا كان أو كثيرا ﴿فلن يكفروه﴾ أي: لن يحرموه ويفوتوا أجره، بل يثيبهم الله على ذلك أكمل ثواب، ولكن الأعمال ثوابها تبع لما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والتقوى" (٦). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥]، قرئت بالياء والتاء، قال الزجاج" وكلاهما صواب - كما قال الله : (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) - فالخطاب لسائر الخلق، ومن قال (فلن تكفروه) فهو لهؤلاء المذكورين وسائر الخلق داخل معهم في ذلك" (٧). وفي حرف حفصة: " فلن تتركوه ": أي: لن تتركوه دون أن تجزوا عليه (٨). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٥]، أي لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر المتقين" (٩). قال الثعلبي: أي: المؤمنين" (١٠). قال السمرقندي: " أي عليم بثوابهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، ومن كان بمثل حالهم" (١١). عن ابن عباس: " ﴿المتقين﴾، أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه" (١٢). وقال السدي: " ﴿المتقين﴾، هم المؤمنون" (١٣). وقيل لمعاذ بن جبل: "من المتقون؟ قال: " قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة" (١٤). الفوائد: ١ - أن من فعل خيرا أثيب عليه، لأأن المراد هنا تمام الإثبات، أي أنهم يعطون أجرهم كاملا بلا نقص. ٢ - كمال عدل الله لكون العامل إذا عمل عملا أثيب عليه، ولو حوسب على ما أعطاه من النعم لهلك، لكن يثاب وتكون نعم الله عليه مجرد فضل من الله. ٣ - ثبوت الثواب على العمل الخير قليلا أم كثيرا، لقوله: ﴿من خير﴾، وهي في سياق الشرط فتكون عامة. ٤ - إثبات علم الله تعالى. ٥ - الثناء على أهل التقوى.

стр. 2455

القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)﴾ [آل عمران: ١١٦] التفسير: إن الذين كفروا بآيات الله، وكذبوا رسله، لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئًا من عذاب الله في الدنيا ولا في الآخرة، وأولئك أصحاب النار الملازمون لها، لا يخرجون منها. في سبب نزول الآيتان (١١٦ - ١١٧) وجوه: أحدها: قال مقاتل: " ثم ذكر نفقة سفلة اليهود من الطعام والثمار على رءوس اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه يريدون بها الآخرة" (١). والثاني: نقل ابن حجر عن ابن ظفر: "لما تضمن قوله تعالى فيما قبله وصف المؤمنين، ذكر بعدها ما اعتمده الكفار وأهل الكتاب من إنفاق أموالهم في الصد عن سبيل الله وإن ذلك لا يغني عنهم شيئا" (٢). والثالث: أخرج الطبري عن مجاهد، أن المراد: " نفقة الكافر في الدنيا" (٣). والرابع: نقل الثعلبي وتبعه ابن حجر (٤) عن يمان بن المغيرة: أنه" يعني: نفقات أبي سفيان وأصحابه ببدر وأُحُد على عداوة الرسول ﷺ " (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١١٦]، " أي: إن الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسالة محمد ﷺ " (٦). قال الطبري: أي: " الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ وكذبوا به وبما جاءهم به من عند الله" (٧). قال ابن عثيمين: يشمل كل من كفر بالله، فهذا حكمه" (٨). وأصْلُ (الكفر) عند العرب: تَغطيةُ الشيء، ولذلك سمَّوا الليل " كافرًا "، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه، كما قال الشاعر (٩): فَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا، بَعْدَ مَا ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ وقال لبيدُ بن ربيعة (١٠): يَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا يعني غَطَّاها، فكذلك الذين جحدوا النبوّة من الأحبار من اليهود غَطَّوا أمر محمد ﷺ وكَتَمُوه الناسَ - مع علمهم بنبوّته، ووُجُودِهم صِفَتَه في كُتُبهم (١١). قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١١٦]، " أي: لن تفيدهم الأموال والأولاد في الآخرة، من عذاب الله وأليم عقابه " (١٢).

стр. 2456

قال الطبري: " لن تدفع أمواله التي جمعها في الدنيا، وأولاده الذين ربَّاهم فيها، شيئًا من عقوبة الله يوم القيامة إن أخرها لهم إلى يوم القيامة، ولا في الدنيا إنْ عجَّلها لهم فيها" (١). قال السمعاني: " أي: لا تدفع أموالهم بالفدية، ولا أولادهم بالنصرة من عذاب الله؛ وذلك أن الإنسان يدفع عن نفسه بفداء المال، وتارة بالاستعانة بالأولاد" (٢). قال الزجاج: " أي لا تمنعهم أولادهم مما هو نازل بهم، لأنهم مالوا إلى الأموال في معاندتهم النبي ﷺ لأن الرياسة إنما قامت لهم - أعني - رؤساء إليهود - بمعاندتهم النبي ﷺ –" (٣). قال الصابوني: " أي لن تدفع عنهم أموالهم التي تهالكوا على اقتنائها ولا أولادهم الذين تفانوا في حبهم من عذاب الله شيئاً" (٤). قال أبو السعود: " وتأخيرُ الأولاد عن الأموال مع توسيط حرف النفي بينهما إما لعراقة الأولادِ في كشف الكروب أو لأن الأموال أولُ عُدّة يُفزع إليها عند نزول الخطوب" (٥). قال الثعلبي: " وإنما خص الأولاد لأنهم أقرب الأنساب إليه" (٦)، وإنما سمى المال غنى لأنه ينفع الناس ويدفع عنهم الفقر والنوائب" (٧). قال الراغب: " ولما ذكر في الآية الأولى أن ما يفعله الإنسان من الخير لن يكفر، بين أن ما يعدونه خيرا إنما ينفع بعد الإيمان، فأما مع افتقاده فلا نفع، وذكر أجل ما هو عندهم خير، وهو الأموال والأولاد، وأنها لا تغني عنهم، وعلى ذلك ما حكى عن الكفار: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] " (٨). قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٦]، " أي: أولئك الملازمون للنار" (٩) "لا يخرجون منها أبدا" (١٠). قال المراغي: " لأن ظلمة أرواحهم، وفساد عقائدهم، وسوء أعمالهم، اقتضت خلودهم فى تلك الهاوية المظلمة المستعرة التي وقودها الناس والحجارة، قد أعدت لكل من جحد بآيات ربه، وأعرض عن دعوة أنبيائه ورسله، ولم يصغ إلا لداعى الهوى والشهوات" (١١). قال الطبري: " وإنما جعلهم أصحابها، لأنهم أهلها الذين لا يخرجون منها ولا يفارقونها، كصاحب الرجل الذي لا يفارقه، وقرينه الذي لا يزايله، ثم أكد ذلك بإخباره عنهم إنهم " فيها خالدون "، أنّ صحبتهم إياها صحبة لا انقطاع لها، إذْ كان من الأشياء ما يفارق صاحبه في بعض الأحوال، ويزايله في بعض الأوقات، وليس كذلك صحبة الذين كفروا النارَ التي أصْلوها، ولكنها صحبة دائمة لا نهاية لها ولا انقطاع" (١٢). الفوائد: ١ - من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ينتفعون بأموالهم ولا أولادهم. ٢ - ومن الفوائد أيضا: إن الكفار مهما كثرت قوتهم عددا ومددا، فإنها لن تغني عنهم من الله شيئا. ٣ - ومن فوائدها: تمام قدرة الله وسلطته على العباد إذ إن الكفار العتاة لا يستطيعون أن يدفعوا شيئا بأموالهم وأولادهم مما قضاه الله .

стр. 2457

٤ - أن الكفار في النار مخلدون فيها، خلدوا أبديا ليس له غاية. القرآن ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾ [آل عمران: ١١٧] التفسير: مَثَلُ ما ينفق الكافرون في وجوه الخير في هذه الحياة الدنيا وما يؤملونه من ثواب، كمثل ريح فيها برد شديد هَبَّتْ على زرع قوم كانوا يرجون خيره، وبسبب ذنوبهم لم تُبْقِ الريح منه شيئًا. وهؤلاء الكافرون لا يجدون في الآخرة ثوابًا، وما ظلمهم الله بذلك، ولكنهم ظلموا أنفسهم بكفرهم وعصيانهم. في سبب نزولها أقوال: أحدهما: أنها نزلت في أبي سفيان وأصحابه يوم بدر عند تظاهرهم على رسول الله ﷺ . وهذا قول يمان بن المغيرة (١). والثاني: أن المراد نفقات الكفار وصدقاتهم. وهذا معنى قول مجاهد (٢). والثالث: أنه نزلت في نفقة المنافقين مع المؤمنين في حرب المشركين على جهة النفاق (٣). والرابع: وقال مقاتل: يعني نفقة "سفلة اليهود" (٤)، "على علمائهم ورؤسائهم كعب بن الأشرف وأصحابه" (٥). والخامس: وقال الضحاك: "مثل نفقة الكفار من أموالهم في أعيادهم وعلى أضيافهم وما يعطي بعضهم بعضا على الضلالة" (٦). قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧]، " أي: شَبَهُ ما يتصدق به الكافر، كشبه ريح فيها برد شديد" (٧). واختلف أهل التأويل في معنى " النفقة " التي ذكرها في هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها النفقة المعروفة في الناس. قاله مجاهد (٨)، ورجحه الطبري (٩)، وهو الظاهر. والثاني: أن ذلك قوله الذي يقوله بلسانه، مما لا يصدِّقه بقلبه. وهذا قول السدي (١٠). قال الماتريدي: " ضرب مثل نفقة الكفار التي أنفقوها بريح فيها صر أصابت حرث قوم، وذلك - والله أعلم - أنهم كانوا ينفقون ويعملون جميع الأعمال: من عبادة الأصنام والأوثان، ويقولون: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، ظنوا أن تلك الأعمال والنفقات التي أنفقوها في صد الناس - تنفعهم في الآخرة، وتقربهم إلى الله، فأخبر أنها لا تنفع، فكان كالريح التي فيها صر وبرد، ظنوا أن فيها رحمة، وشيئا ينفع زروعهم، وينمو بها، فإذا فيها نار أحرقت حرثهم؛ كما طمعوا من أعمالهم ونفقاتهم التي في الدنيا - بالآخرة؛ قربة وزلفة إليه، فإذا هي مهلكة لأبدانهم؛ كالريح التي فيها صر كانت مهلكة؛ محرقة لزروعهم وحرثهم" (١١). وفي تفسير "الصّرِّ" أقوال: أحدها: هو البرد الشديد، وهو قول ابن عباس (١٢)، والحسن، وقتادة (١٣)، والربيع (١٤)، والسدي (١٥)، وعكرمة (١٦)،

стр. 2458

وابن زيد (١)، والضحاك (٢)، وشرحبيل بن سعد (٣). والثاني: برد وجليد. قاله عطاء (٤). والثالث: أنه نار. وهذا قول ابن عباس (٥) أيضا ومجاهد (٦). قال ابن كثير: " وهو يرجع إلى الأول، فإن البرد الشديد - سيّما الجليد - يحرق الزروع والثمار، كما يحرق الشيء بالنار" (٧). والرابع: أنه صوت لهب النار التي تكون في الريح، وهو قول الزجاج (٨). قال الماوردي: " وأصل الصّر: صوت من الصرير" (٩)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ [الذاريات: ٢٩]. قيل: "هي: الصوت" (١٠). قوله تعالى: ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ [آل عمران: ١١٧]، " أي: أصابت هذه الريح زرع قوم عصوا الله، وتعدَّوا حدوده، فأفسدته وأهلكته" (١١). قال مقاتل: " فلم يبق منه شيئا كما أهلكت الريح الباردة حرث الظلمة فلم ينفعهم حرثهم، فكذلك أهلك الله «نفقات» سفلة اليهود ومنهم كفار مكة التي أرادوا بها الآخرة فلم تنفعهم نفقاتهم" (١٢). قال الزجاج: أي: " فعاقبهم الله بإذهاب زرعهم – فأهلكته، فأعلم أن ضرر نفقتهم عليهم كضرر هذه الريح في هذا الزرع وقيل إنه يعني: به أهل مكة حين تعاونوا وأنفقوا الأموال على التظاهر على النبي ﷺ ، وقال بعضهم: ﴿مثل ما ينفقون﴾، أي: مثل أعمالهم في شركهم كمثل هذه الريح ... وجملته أن ما أنفق في التظاهر على عداوة الدين مضر مهلك أهله في العاجل والأجل" (١٣). قال الماتريدي: " ي: يتأسفون على ما أنفقوا تأسف صاحب الزرع على ما كان أنفق فيه" (١٤). قال ابن كثير: " أي: أحرقته، يعني بذلك السَّفْعة إذا نزلت على حَرْث قد آن جدَادُه أو حَصَاده فدمَّرَتْه وأعدَمَتْ ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته، فعَدمَه صاحبه أحوج ما كان إليه. فكذلك الكفار يمحق الله ثوابَ أعمالهم في هذه الدنيا وثمرتها كما أذهب ثمرةَ هذا الحرث بذنوب صاحبه، وكذلك هؤلاء بَنَوْهَا على غير أصْل وعلى غير أساس" (١٥). قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]، " أي: وما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما يستوجب العقاب" (١٦). أخرج ابن أبي حاتم "عن عباس في قوله: ﴿لكن أنفسهم يظلمون﴾، قال: يضرون" (١٧).

стр. 2459

وقال الحسن: "ينقصون" (١). قال السمرقندي: " يعني أصحاب الزرع هم ظلموا أنفسهم بمنع حق الله تعالى، فكذلك الكفار أبطلوا ثواب أعمالهم بالشرك بالله تعالى" (٢). قال الماتريدي: " والظلم: ما ذكرنا: هو وضع الشيء في غير موضعه، فهو - والله أعلم - قال: هم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها، لا أن وضع الله أنفسهم ذلك الموضع؛ لأنهم عبدوا غير الله، ولم يجعلوا أنفسهم خالصين سالمين لله، فهم الذين ظلموا أنفسهم؛ حيث أسلموها لغير الله، وعبدوا دونه، فذلك وضعها في غير موضعها؛ لأن وضعها موضعها هو أن يجعلوها خالصة لله، سالمة له" (٣). وقيل: ما ضروا الله بعبادتهم غيره وبكفرهم به، إنما ضروا أنفسهم؛ إذ لا حاجة له إلى عبادتهم" (٤). الفوائد: ١ - إثبات القياس، لقوله: ﴿﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ﴾، لأن المثل إلحاق للأصل بالفرع، إلحاق للمشبه بالمشبه به، وهذا هو اصل القياس. ٢ - حسن او تمام بلاغة القرآن، وذلك بقياس الغائب على الشاهد، ووجهه أن الريح التي فيها صرّ وأصابت حرث قوم ظلموا انفسهم كل يعرف أنها مدمرة ومهلكة، فكذلك أعما الكافرين هالكة لاخير فيها، لأن الكفر مدمر لها. ٣ - أن الكافر لن ينتفع بما عمل في الآخرة، لأنه إذا هلك عمله وزال فإنه لن ينفعه، لكن قد ينفعه في الدنيا، فيدفع عنه به من البلاء ما يدفع، أو يحصل من الخير الذي يرجوه ما يحصل بسبب الإنفاق الذي أنفقه من ماله. ٤ - انتفاء الظلم عن الله. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾ [آل عمران: ١١٨] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، تُطْلعونهم على أسراركم، فهؤلاء لا يَفْتُرون عن إفساد حالكم، وهم يفرحون بما يصيبكم من ضرر ومكروه، وقد ظهرت شدة البغض في كلامهم، وما تخفي صدورهم من العداوة لكم أكبر وأعظم. قد بيَّنَّا لكم البراهين والحجج، لتتعظوا وتحذروا، إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه. في سبب نزول الآية وجوه: أحدها: قال ابن عباس: ": كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود، لما كان بينهم من الجوار والحِلْف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم، ينهاهم عن مباطنتهم تخوُّف الفتنة عليهم منهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ إلى قوله: ﴿وتؤمنون بالكتاب كله﴾ " (٥). والثاني: وأخرج الطبري عن مجاهد في قول الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا﴾، في المنافقين من أهل المدينة. نهى الله المؤمنين أن يتولَّوهم" (٦). وري عن ابن عباس (٧) أيضا، والسدي (٨)، وقتادة (٩)، والربيع (١٠)، وابن جريج (١١)، وابن زيد (١٢)، نحو ذلك.

стр. 2460

والثالث: وقال مقاتل: " يعني المنافقين عبد الله بن أبي، ومالك بن دخشم الأنصاري، وأصحابه دعاهم اليهود إلى دينهم منهم إصبغ ورافع ابني حرملة وهما رءوس اليهود فزينوا لهما ترك الإسلام حتى أرادوا أن يظهروا الكفر فأنزل الله- يحذرهما ولاية اليهود ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، أي: " يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به نبيهم من عند ربهم، لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم من دون أهل دينكم وملَّتكم" (٢). قال ابن كثير: يقول ﵎ ناهيًا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة، أي: يُطْلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، قوله: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾، أي: من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل: هم خاصّة أهله الذين يطلعون على داخل أمره" (٣). قال الزجاج: " الدخلاء الذين يستبطنون ويتبسط إليهم، يقال فلان بطانة لفلان أي مداخل له ومؤانس، فالمعنى أن المؤمنين أمروا ألا يداخلوا المنافقين ولا إليهود، وذلك أنهم كانوا لا يبقون غاية في التلبيس على المؤمنين. فأمروا بألا يداخلوهم لئلا يفسدوا عليهم دينهم" (٤). قال الطبري: " وإنما جعل " البطانة " مثلا لخليل الرجل، فشبهه بما ولي بطنه من ثيابه، لحلوله منه - في اطِّلاعه على أسراره وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه - محلَّ ما وَلِيَ جَسده من ثيابه" (٥). قوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]، " أي لا يقصرون لكم في الفساد" (٦). قال ابن كثير: " أي: يَسْعَوْنَ في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة" (٧). قال الزجاج: " أي لا يبقون غاية في إلقائهم فيما يضرهم، وأصل «الخبال» في اللغة: ذهاب الشيء، قال الشاعر (٨): ابني سليمي لستم ليد ... إلايدا مخبولة العضد أي قد ذهبت عضدها" (٩). قال الثعلبي: " أي لا يقصرون ولا يتركون عهدهم وطاقتهم فيما يورثكم فوق الشر والفساد. يقال: ما ألوته خيرا أو شرا أي ما قصرت في فعل ذلك. ومنه قول ابن مسعود في عثمان: ولم تأل عن خير لأخرى باديه، وقال امرؤ القيس (١٠): وما المرء مادامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا آل أي مقصر في الطلب، والخبال: الشر والفساد، قال الله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧] " (١١). قوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، " أي: تمنوا مشقتكم وما يوقعكم في الضرر الشديد" (١٢).

стр. 2461

قال الطبري: أي: " يتمنون لكم العنَت والشر في دينكم وما يسوءكم ولا يسرُّكم" (١). قال الثعلبي: " أي تمنوا ضركم وشركم وإثمكم وهلاككم" (٢). قال الواحدي: أي: " تمنَّوا ضلالكم عن دينكم" (٣). قال ابن كثير: أي: " ويودون ما يُعْنتُ المؤمنين ويخرجهم ويَشُقّ عليهم" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، تأويلان: أحدهما: ودوا إضلالكم عن دينكم، وهو قول السدي (٥). والثاني: ودوا أن تعنتوا في دينكم، أي: تحملون على المشقة فيه، وهو قول ابن جريج (٦). قال الزجاج: " ومعنى العنت: إدخال المشقة على الإنسان، يقال فلان متعنت فلانا، أي يقصد إدخال المشقة والأذى عليه، ويقال قد عنت العظم يعنت عنتا إذا أصابه شيء بعد الجبر، وأصل هذا كله مرق قولهم: (اكمة عنوت) إذا كانت طويلة شاقة المسلك، فتأويل أعنت فلانا، حملته على المشقة" (٧). قوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، " أي: ظهرت أمارات العداوة لكم على ألسنتهم" (٨). قال مقاتل: " قد ظهرت العداوة بألسنتهم" (٩). قال الثعلبي: "أي: " قد ظهرت امارة العداوة من أفواههم بالشتيمة والوقيعة في المسلمين. وقيل: باطلاع المشركين على أسرار المؤمنين. وقيل: هو مثل قوله: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ [محمد: ٣٠] " (١٠). قال الطبري: " والذي بدا لهم منهم بألسنتهم، إقامتهم على كفرهم، وعداوتهم من خالف ما هم عليه مقيمونَ من الضلالة. فذلك من أوكد الأسباب في معاداتهم أهل الإيمان، لأن ذلك عداوة على الدين، والعداوة على الدين العداوة التي لا زوال لها إلا بانتقال أحد المتعاديين إلى ملة الآخر منهما، وذلك انتقال من هدى إلا ضلالة كانت عند المنتقل إليها ضلالة قبل ذلك. فكان في إبدائهم ذلك للمؤمنين، ومقامهم عليه، أبينُ الدلالة لأهل الإيمان على ما هم عليه من البغضاء والعداوة" (١١). وفي قراءة عبد الله: " ﴿قد بدأ البغضاء﴾ " (١٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]، " اي: وما يبطنونه لكم من البغضاء أكثر مما يظهرونه" (١٣). قال قتادة: " وما تخفي صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم" (١٤). وروي عن الربيع مثل ذلك (١٥). قال مقاتل: " يعنى ما تسر قلوبهم من الغش أكبر مما بدت بألسنتهم" (١٦). قوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٨]، أي: " قد بينا لكم الآيات الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه" (١٧).

стр. 2462

قال الصابوني: " أي: وضحنا لكم الآيات الدالة على وجوب الإِخلاص في الدين، وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين" (١). قال مقاتل: " يقول ففي هذا بيان لكم منهم" (٢) قال الواحدي" أَيْ: علامات اليهود في عداوتهم" (٣). قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨]، " أي: إن كنتم عقلاء" (٤). قال الطبري: " إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه، وتعرفون مواقع نفع ذلك منكم، ومبلغ عائدته عليكم" (٥). قال أبو السعود: " أي إن كنتم من أهل العقل أو إن كنتم تعقلون ما بين لكم من الآيات والجواب محذوف لدلالة المذكور عليه" (٦). الفوائد: ١ - تحريم اتخاذ البطانة التي ليست منّا، لأن الأصل في النهي: التحريم، عليه فإن تجنب البطانة السيئة من مقتضيات الإيمان. ٢ - بيان عنياة الله تعالى بعباده المؤمنين إذ حذرهم إى أمور قد تخفى عليهم وذلك باتخاذا لبطانات السيئة. ٣ - أن أعداء الاسلام يودّون لنا ما يشق علينا في الدنيا والدين. ٤ - أن في قلوب أعداء الاسلام من العداوة والبغضاء أكثر مما يبدو. ٥ - منّة الله تعالى علينا ببيان آياته. ٦ - أنه كلما كان الإنسان أشد عقلا أو أقوى عقلا كان أفهم لآيات الله. القرآن ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾ [آل عمران: ١١٩] التفسير: ها هو ذا الدليل على خطئكم في محبتهم، فأنتم تحبونهم وتحسنون إليهم، وهم لا يحبونكم ويحملون لكم العداوة والبغضاء، وأنتم تؤمنون بالكتب المنزلة كلها ومنها كتابهم، وهم لا يؤمنون بكتابكم، فكيف تحبونهم؟ وإذا لقوكم قالوا -نفاقًا-: آمنَّا وصدَّقْنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض بدا عليهم الغم والحزن، فعَضُّوا أطراف أصابعهم من شدة الغضب، لما يرون من ألفة المسلمين واجتماع كلمتهم، وإعزاز الإسلام، وإذلالهم به. قل لهم -أيها الرسول-: موتوا بشدة غضبكم. إن الله مطَّلِع على ما تخفي الصدور، وسيجازي كلا على ما قدَّم مِن خير أو شر. في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أخرج الطبري عن مجاهد: "نزلت هذه الآية في المنافقين" (٧). والثاني: أنها نزلت في الإباضية. وهذا قول أبي الجوزاء (٨).

стр. 2463

والثالث: أنها نزلت في اليهود. . وهذا قول مقاتل بن حيان (١). قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]، "أي: ها أنتم يا معشر المؤمنين خاطئون في موالاتكم إذ تحبونهم ولا يحبونكم" (٢). قال مقاتل بن حيان: " ها أنتم أولاء معشر الأنصار" (٣). قال الطبري: أي: "ها أنتم، أيها المؤمنون، الذين تحبونهم، تحبون هؤلاء الكفار، فتودونهم وتواصلونهم وهم لا يحبونكم بل يبطنون لكم العداوة والغش" (٤). قال ابن قتيبة: "أي: ها أنتم يا هؤلاء تحبونهم" (٥). قال ابن كثير: " أي: أنتم - أيها المؤمنون - تحبون المنافقين مما يظهرون لكم من الإيمان، فتحبونهم على ذلك وهم لا يحبونكم، لا باطنا ولا ظاهرا" (٦). قال ابن أبي زمنين: " يقول للمؤمنين: أنتم تحبون المنافقين؛ لأنهم أظهروا الإيمان، فأحبوهم على ما أظهروا، ولم يعلموا ما في قلوبهم" (٧). قال الزجاج: " خطاب للمؤمنين، أعلموا فيه أن منافقي أهل الكتاب لا يحبونهم وأنهم هم يصحبون هؤلاء المنافقين بالبر والنصيحة التي يفعلها المحب وأن المنافقين على ضد ذلك، فأعلم الله جل وعز المؤمنين ما يسره المنافقون وهذا من آيات النبي ﷺ –" (٨). قال قتادة: " فوالله إن المؤمن ليحب المنافق ويأوى له ويرحمه. ولو أن المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن منه، لأباد خضراءه" (٩). وقال ابن جريج: " المؤمن خير للمنافق من المنافق للمؤمن، يرحمه. ولو يقدر المنافق من المؤمن على مثل ما يقدر المؤمن عليه منه، لأباد خضراءه" (١٠). ولأهل العلم في قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]، ثلاثة اوجه من التفسير: أحدهما: أنهم المنافقون يجامعون المؤمنين بألسنتهم على الإيمان، فيحبونهم المؤمنون على ذلك. قاله الحسن (١١)، وروي عن قتادة (١٢) نحوه. والثاني: انهم الإباضية، وهذا قول أبي الجوزاء (١٣). والثالث: أنهم اليهود، والمعنى: تحبونهم يعني اليهود ولا يحبونكم. وهذا قول مقاتل بن حيان (١٤). قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، أي: وأنتم "تصدقون بكتب الله كلها" (١٥).

стр. 2464

قال مقاتل: " كتاب محمد- ﷺ والكتب كلها التي كانت قبله" (١). قال ابن كثير: " أي: ليس عندكم في شيء منه شك ولا رَيْب، وهم عندهم الشك والرِّيَب والحِيرة" (٢). قال الصابوني: " أي: وأنتم تؤمنون بالكتب المنزلة كلها" (٣). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ [آل عمران: ١١٩]، أي: " إذا لقوا المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ أعطوهم بألسنتهم تقيةً حذرًا على أنفسهم منهم فقالوا لهم: قد آمنا وصدقنا بما جاء به محمد ﷺ " (٤). قال مقاتل بن حيان: " يعني: المنافقين إذا لقوا المؤمنين أظهروا الإيمان فيحبونهم على ما أظهروا لهم، ويرون أنهم صادقون بما يقولون ولا يعلمون بما في قلوبهم من الشك والكفر بالنبي ﷺ " (٥). قال الربيع بن أنس: "قوله: ﴿وإذا لقوكم﴾، يعني: أهل النفاق إذا لقوا المؤمنين قالوا: آمنا ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم" (٦). قال مقاتل بن سليمان: " يعني صدقنا بمحمد- ﷺ وبما جاء به، وهم كذبة يعني اليهود مثلها فى المائدة- ﴿وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر ... ﴾ إلى آخر الآية (٧) " (٨). قال الزجاج: " أي نافقوكم" (٩). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، "أي: وإذا خلت مجالسهم منكم عضواً أطراف الأصابع من شدة الحنق والغضب لما يرون من ائتلافكم" (١٠). قال المراغي: أي: " وإذا هم صاروا فى خلاء حيث لايراهم المؤمنون أظهروا شدة العداوة والغيظ منهم، حتى ليبلغ الأمر إلى عضّ الأنامل كما يفعل أحدنا إذا اشتد غيظه، وعظم حزنه على فوات مطلوبه، وإنما فعلوا ذلك لما رأوا من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم، وصلاح ذات بينهم، ونصر الله إياهم حتى عجز أعداؤهم أن يجدوا سبيلا إلى التشفي منهم، فاضطروا إلى مداراتهم" (١١). قال قتادة: " إذا لقوا المؤمنين قالوا: " آمنا "، ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم، فصانعوهم بذلك " وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ "، يقول: مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه. لو يجدون ريحًا لكانوا على المؤمنين، فهم كما نعت الله " (١٢). قال الطبري: أي: " وإذا هم خلوا فصاروا في خلاء حيث لا يراهم المؤمنون، عضوا - على ما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم - أناملَهم، وهي أطراف أصابعهم، تغيُّظًا مما بهم من الموجدة عليهم، وأسىً على ظهرٍ يسنِدون إليه لمكاشفتهم العداوة ومناجزتهم المحاربة" (١٣). قال أبيّ: " كان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية: ﴿وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ﴾، قال: هم الإباضية" (١٤).

стр. 2465

وفي الأنامل قولان: أحدهما: أنها أطراف الأصابع. قاله قتادة (١)، والربيع (٢)، والزجاج (٣). والثاني: أنها الأصابع. وهذا قول عبدالله (٤)، والسدي (٥)، والضحاك (٦). قال الراغب: " والغيظ هو الغضب والغم، فإن الغضب يقال فيما معه القدرة، على الانتقام، والغم فيما ليس معه قدرة الانتقام، والغيظ فيما ليس معه تمام القدرة على الانتقام، ولذلك يستعمل في صفات الله الغضب دون الغيظ" (٧). قوله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]، " أي: قل يا محمد: أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا" (٨). قال الحجازي: أي: " أخبرهم يا محمد، أنهم لا يدركون ما يؤملون، فإن الموت دون ذلك" (٩). قال الثعلبي: " إن قيل: كيف لا يموتون والله تعالى إذا قال لشيء كن فيكون؟ فالجواب: أن المراد ابقوا بغيضكم إلى الممات فإن مناكم عن الاسعاف محجوبة" (١٠). قال الطبري: " وخرَج هذا الكلام مخرج الأمر، وهو دعاء من الله نبيَّه محمدًا ﷺ بأن يدعو عليهم بأن يهلكهم الله، كمَدًا مما بهم من الغيظ على المؤمنين، قبل أن يروا فيهم ما يتمنون لهم من العنت في دينهم، والضلالة بعد هداهم، فقال لنبيه ﷺ : قل يا محمد: أهلكوا بغيظكم " (١١). قال ابن كثير: " أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله مُتمّ نعمته على عباده المؤمنين ومُكَملٌ دينه، ومُعْلٍ كلمتَه ومظهر دينَه، فموتوا أنتم بغيظكم" (١٢). قال الماتريدي: " إنما كان يغيظهم ما كان للمسلمين من السعة، والنصر، والتكثر، والعز؛ فيكون في ذلك دعاء لهم بتمام ذلك، حتى لا يروا فيهم الغير" (١٣). قال السعدي: " ي: سترون من عز الإسلام وذل الكفر ما يسوؤكم، وتموتون بغيظكم، فلن تدركوا شفاء ذلك بما تقصدون" (١٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، " أي: إن الله علام بما تكنة سرائركم من البغضاء والحسد للمؤمنين" (١٥). قال الطبري: أي: " إن الله ذو علم بالذي في صدور جميع خلقه" (١٦). قال مقاتل: " يعني: يعلم ما في قلوبهم من العداوة والغش للمؤمنين " (١٧). قال الثعلبي: أي: " بما في القلوب من خير وشر" (١٨).

стр. 2466

قال ابن كثير: " أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتُكنُّه سَرَائرُكُم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها" (١). وفي حرف حفصة: " ﴿قل موتوا بغيظكم لن تضرونا شيئا﴾ " (٢). الفوائد: ١ - بيان علم الله تعالى بما في القلوب، لأن المحبة والكراهية من أعمال القلوب، ولايطلع عليها إلا الله تعالى، لكن لها آثار تدل عليها. ٢ - التحذير ممن يبدي أنه ناصح لك وقلبه كاره لك، وعليه يجب عدم الاغترار بمن ظاهر حاله النصح، بل يجب القياس على الأفعال، لأن العبرة بالأفعال لا بالأقوال. ٣ - أن هذه الأمة الاسلامية تؤمن بجميع الكتب المنزلة من عند الله. ٤ - إثبات الأسباب، لقوله: ﴿من الغيظ﴾، لأن ﴿من﴾ سببية، أي بسبب الغيظ، فكل مسبب له سبب قطعا. ٥ - ينبغي للمسلم أن يكون قويا أمام أعدائه، لقوله: ﴿قل موتوا بغيظكم﴾. ٦ - إثبات علم الله لما في القلوب على وجه صريح، لقوله: ﴿إن الله عليم بذات الصدور﴾، ودلالة هذه الجملة على علم الله بما في القلوب دلالة مطابقة، ودلالة قوله: ﴿ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم﴾ دلالة التزام. القرآن ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران: ١٢٠] التفسير: ومن عداوة هؤلاء أنكم -أيها المؤمنون- إن نزل بكم أمرٌ حسن مِن نصر وغنيمة ظهرت عليهم الكآبة والحزن، وإن وقع بكم مكروه من هزيمة أو نقص في الأموال والأنفس والثمرات فرحوا بذلك، وإن تصبروا على ما أصابكم، وتتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، لا يضركم أذى مكرهم. والله بجميع ما يعمل هؤلاء الكفار من الفساد محيط، وسيجازيهم على ذلك. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، " أي: إن أصابكم ما يسركم من رخاءٍ وخصبٍ ونصرة وغنيمة ونحو ذلك ساءتهم" (٣). قال قتادة: " فإذا رأوا من أهل الإسلام ألفة وجماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك وساءهم" (٤). قال الربيع: "، قال: هم المنافقون، إذا رأوا من أهل الإسلام جماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك غيظًا شديدًا وساءهم" (٥). قال ابن كثير: " وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب، ونصر وتأييد، وكثروا وعزّ أنصارهم، ساء ذلك المنافقين" (٦). قال الراغب: " الحسنة: عبارة عن كل ما يستحسنه الإنسان مما يسره من نعمة ينالها في بدنه وماله، وجاهه، والسيئة تضادها، والمس والإصابة يستعملان في الخير والشر، إلا أن المصيبة اختصت، بما يسوء" (٧). وقرأ السلمي: ﴿يمسسكم﴾، بالياء (٨). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، "أي: وإن أصابكم ما يضركم من شدةٍ وجدبٍ وهزيمةٍ وأمثال ذلك سرتهم" (٩).

стр. 2467

قال قتادة: " وإذا رأوا من أهل الإسلام فُرقة واختلافًا، أو أصيب طرف من أطراف المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به وابتهجوا به. فهم كلما خرج منهم قَرْنٌ أكذبَ الله أحدوثته، وأوطأ محلَّته، وأبطل حجته، وأظهر عورته، فذاك قضاء الله فيمن مضى منهم وفيمن بقى إلى يوم القيامة" (١). قال الربيع: " وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافًا، أو أصيب طرفٌ من أطراف المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به" (٢). قال ابن كثير: " وإن أصاب المسلمين سيئة إما: جَدْب أو أُديل عليهم الأعداء، لما لله في ذلك من الحكمة، كما جرى يوم أُحُد، فَرح المنافقون بذلك" (٣). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، " أي: وإن صبرتم على أذاهم واتقيتم الله في أقوالكم وأعمالكم لا يضركم مكرهم وكيدهم" (٤). قال ابن كثير: " يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكَيْدِ الفُجّار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه" (٥). قال الزمخشري: أي: " وإن تصبروا على عداوتهم وتتقوا ما نهيتم عنه من موالاتهم. أو وإن تصبروا على تكاليف الدين ومشاقه وتنقوا الله في اجتنابكم محارمه كنتم في كنف الله فلا يضركم كيدهم. ... وهذا تعليم من الله وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى. وقد قال الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلا في نفسك" (٦). قال الطبري: " ويعني بـ ﴿كيدهم﴾، غوائلهم التي يبتغونها للمسلمين، ومكرهم بهم ليصدّوهم عن الهدى وسبيل الحق" (٧). وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ مخففة بكسر الضاد، وقرأ الضحاك بضم الضاد وجزم الراء خفيفة (٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، أي: "إن الله عالم بما يعمل هؤلاء الكفار" (٩). قال الواحدي: يعني: " عالمٌ به فلن تعدموا جزاءه" (١٠). قال الزمخشري: "بمعنى أنه عالم بما يعملون في عداوتكم فمعاقبهم عليه" (١١). وقرأ الأعمش والحسن: ﴿تعملون﴾، بالتاء (١٢)، والمعنى: "إن الله بما تعملون من الصبر والتقوى وغيرهما محيط، ففاعل بكم ما أنتم أهله" (١٣). الفوائد: ١ - أن العدو لا تقبل شهادته على عدوه، لأن العدو إذا اصابت عدوه حسنة ساءته، وإذا أصابته سيئة فرح بها. ٢ - أن العدوّ مهما أظهر لك من الصداقة فإنه كاذب.

стр. 2468

٣ - التحذير من تولية اليهود والنصارى لأمور المسلمين لأنهم لا يألوننا خبالا ويسرون بما يسوؤنا ويساؤون بما يسرنا. ٤ - الاستعانة بالصبر والتقوى أمام كيد أعداء الاسلام، لأن الصبر والتقوى يدفع الأعداء، لقوله: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم﴾. ٥ - إحاطة الله بعمل هؤلاء في كل شيء، في العلم والتدبير وإحباط أعمالهم وتدميرهم، فالله محيط بهم من كل وجه، ولكن قد يتأذى المسلم بكيد هؤلاء ابتلاءا من الله، فيجب الوثوق بوعد الله تعالى وانتظار الفرج منه تعالى. القرآن ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾ [آل عمران: ١٢١] التفسير: واذكر -أيها الرسول- حين خَرَجْتَ من بيتك لابسًا عُدَّة الحرب، تنظم صفوف أصحابك، وتُنْزِل كل واحد في منزله للقاء المشركين في غزوة «أُحُد». والله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم. في سبب نزول الآية: أخرج ابن أبي حاتم عن المسور بن مخرمة قال: "قلت لعبد الرحمن بن عوف: يا خالي أخبرني عن قصتكم يوم أحد فقال: اقرأ بعد العشرين ومائة من آل عمران تجد قصتنا: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ إلى قوله: ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾، قال: هم الذين طلبوا الأمان من المشركين" (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١]، " أي: اذكر يا محمد حين خرجت إلى أحد من عند أهلك" (٢). قال مجاهد: " النبي ﷺ مشى يومئذ على رجليه يبوئ المؤمنين" (٣). قال قتادة: " يوم أحد، غدا نبي الله ﷺ من أهله إلى أحد" (٤). قال الزمخشري: " واذكر إذ غدوت من أهلك بالمدينة وهو غدوه إلى أحد من حجرة عائشة رضى الله عنها" (٥). قوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، أي: " تتخذ للمؤمنين معسكرًا وموضعًا لقتال عدوهم" (٦). قال مقاتل: " يعني: توطن لهم مقاعد للقتال في الخندق قبل أن يستبقوا إليه ويستعدوا للقتال" (٧). قال الزجاج: " روى أن النبي ﷺ رأى في منامه كان عليه درعا حصينة. فأولها المدينة، فأمر ﷺ المسلمين - حين أقبل إليهم المشركون بالإقامة بها إلى أن يوافيهم المشركون فتكون الحرب بها فذلك تبوئة المقاعد للقتال، وقال بعضهم معناه: مواطن للقتال، والمعنى واحد" (٨). قال الماتريدي: " قيل: تهيئ للمؤمنين أمكنة القتال، وقيل: ﴿تبوئ﴾: تنزل المؤمنين، وقيل: ﴿تبوئ المؤمنين﴾: تتخذ للمؤمنين مقاعد لقتال المشركين، وقيل: ﴿تبوئ﴾: توطن، وقيل: تستعد للقتال، كله يرجع إلى واحد" (٩). وفي قراءة عَبْد اللَّه: ﴿تبويء للمؤمنين مقاعد للقتال﴾، قال الفراء: " والعرب تفعل ذلك، فيقولون: ردفك وردف لك" (١٠).

стр. 2469

وقرأ يحيى بن ثاب: ﴿تبوي المؤمنين﴾، خفيفة غير مهموزة، قال الثعلبي: " والتشديد أفصح وأشهر، وتصديقه قوله تعالى: ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق «١»، وقال لنبوئنهم من الجنة غرفا" (١). واختلف في أي حرب كان قوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، وفيه وجوه: أحدها: أنه يوم أحد. قاله ابن عباس (٢)، وهو معنى قول عبدالرحمن بن عوف (٣)، وهو قول الأكثرين (٤). والثاني: أنه يوم الأحزاب. وهذا قول الحسن (٥). والثالث: وقيل: أنه كان يوم الخندق (٦). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١]، " أي: والله سميع لأقوالكم عليمٌ بأحوالكم" (٧). قال محمد بن إسحاق: " أي: سميع لما يقولون، عليم بما يخفون" (٨). قال الماتريدي: " يحتمل. سميع لمقالتكم؛ عليم بسرائركم، ويحتمل: سميع بذكركم الله والدعاء له؛ لأنهم أمروا بالذكر لله، والثبات للعدو بقوله : (فاثبتوا واذكروا الله كثيرا)، وعليم بثوابكم، ويحتمل قوله: ﴿سميع عليم ﴿: البشارة من الله بالنصر لهم، والأمن من ضرر يلحقهم؛ كقوله - تعالى - لموسى وهارون: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (٤٤) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (٤٥)﴾ [طه: ٤٤ - ٤٥]، ثم قال : ﴿قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]، أمنهما من عدوهما بقوله : ﴿أسمع وأرى﴾، فعلى ذلك يحتمل ذا في قوله : ﴿سميع عليم﴾، ويكون سميع: أي: أسمع دعاءكم؛ بمعنى: أجيب، وأعلم ما به نصركم وظفركم" (٩). الفوائد: ١ - حسن تدبير رسول الله- ﷺ في الحرب. ٢ - أنه ينبغي للقائد أن يبوئ أمكنة المقاتلين يعرّف كل واحد منهم مكانه وعمله، لأن للنظام فوائد كبيرة ولاسيما في هذه الأعمال. ٣ - شهادة الله تعالى للذين خرجوا في احد بأنهم مؤمنون، لأن المنافقين رجعوا قبل أن يصلوا إلى مكان القتال في أثناء السير. ٤ - إثبات هذين الإسمين لله، وهما: السميع والعليم، فالسميع يتعلق بالأصوات، والعليم يتعلق بما هو اعم، بما يدرك بالسمع وماما يدرك بالبصر وغير ذلك، فالعليم هو من اوسع الأسماء دلالة. القرآن ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾ [آل عمران: ١٢٢] التفسير: اذكر -أيها الرسول- ما كان من أمر بني سَلِمة وبني حارثة حين حدثتهم أنفسهم بالرجوع مع زعيمهم المنافق عبد الله بن أُبيٍّ; خوفًا من لقاء العدو، ولكن الله عصمهم وحفظهم، فساروا معك متوكلين على الله. وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون. في سبب نزول الآية: أخرج البخاري (١٠) ومسلم (١١) وغيرهما (١٢)، من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دينار: " سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقول الله ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ " (١٣).

стр. 2470

قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]، "أي: حين كادت طائفتان من جيش المسلمين أن تجبنا وتضعفا وهمتا بالرجوع" (١). قال الواحدي: أي: " أَنْ تجبنا، وذلك أنَّ هؤلاء همُّوا بالانصراف عن الحرب فعصمهم الله" (٢). قال الطبري: " همَّا أن يضعفا ويجبنا عن لقاء عدوّهما" (٣). قال ابن عباس: " الفشل: الجبن" (٤). وقال محمد بن إسحاق: " ﴿أن تفشلا﴾: أي أن يتخاذلا" (٥). قال عكرمة: ": نزلت في بني سلِمة من الخزرج، وبني حارثة من الأوس، ورأسهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول" (٦). قال قتادة: " وذلك يوم أحد، والطائفتان: بنو سلِمة وبنو حارثة، حيان من الأنصار، همُّوا بأمر فعصمهم الله من ذلك، وقد ذكر لنا أنه لما أنزلت هذه الآية قالوا: ما يسرُّنا أنَّا لم نَهُمَّ بالذي هممنا به، وقد أخبرنا الله أنه ولينا" (٧). أي: "لفرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وإن تلك الهمة ما أخرجتهم عن ولاية الله تعالى" (٨). وقال السدي: " خرج رسول الله ﷺ إلى أحد في ألف رجل، وقد وعدهم الفتحَ إن صبروا. فلما رجع عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلاثمائة فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعنَّ معنا وقال [الله ]: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "، وهم بنو سلمة وبنو حارثة هموا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبي، فعصمهم الله، وبقى رسول الله ﷺ في سبعمئة" (٩). وقال الحسن: " هما طائفتان من الأنصار همتا أن تفشلا فعصمهما الله، فهزم الله عدوهم" (١٠). أخرج الطبري عن مجاهد في قول الله: " ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾، قال: بنو حارثة، كانوا نحو أحُد، وبنو سلِمة نحو سَلْع، وذلك يوم الخندق" (١١). قال الثعلبي: " ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾: تجبنا وتضعفا وتتخلفا عن رسول الله ﷺ ، وهم بنو أسامة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر، وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد في ألف رجل، وقيل: تسعمائة وتسعين رجلا، وقال الزجاج: كان أصحاب رسول الله ﷺ في أحد وقت القتال ثلاثة آلاف، فخرج رسول الله ﷺ إلى أحد وقد وعد أصحابه الفتح إن صبروا، فلما بلغوا الشوط انخزل عبد الله بن أبي الخزرجي ثلث الناس فرجع في ثلاثمائة، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال: أنشدكم الله في نبيكم وفي أنفسكم. فقال عبد الله بن أبي: لو نعلم قتالا لاتبعناكم. وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبي فعصمهم الله فلم ينصرفوا،

стр. 2471

ومضوا مع رسول الله ﷺ ، فذكرهم الله عظيم نعمته بعصمته فقال: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما" (١). قال الزمخشري: " وعن ابن عباس رضى الله عنه: «أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا»، والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس، وكما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه، كما قال عمرو بن الأطنابة: أقول لها إذا جشأت وجاشت ... مكانك تحمدى أو تستريحى حتى قال معاوية: عليكم بحفظ الشعر، فقد كدت أضع رجلي في الركاب يوم صفين، فما ثبت منى إلا قول عمرو بن الأطنابة. ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]، أي: "والله ناصرهما ومتولي امرهما" (٣). قال الثعلبي: أي"ناصرهما وحافظهما" (٤). قال البيضاوي: " ي عاصمهما من اتباع تلك الخطرة، ويجوز أن يراد والله ناصرهما فما لهما يفشلان ولا يتوكلان على الله" (٥). قال محمد بن إسحاق: " أي: المدافع عنهما ما همَّتا به من فشلهما، وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما، من غير شك أصابهما في دينهما، فتولى دفع ذلك عنهما برحمته وعائدته حتى سلمتا من وهنهما وضعفهما، ولحقتا بنبِّيهما ﷺ " (٦). وقرأ ابن مسعود: ﴿وَاللهُ وَليُّهُمْ﴾، قال الطبري: "وإنما جاز أن يقرأ ذلك كذلك، لأن الطائفتين، وإن كانتا في لفظ اثنين، فإنهما في معنى جماع، بمنزلة: الخصمين والحزبين (٧). قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، أي: " وعلى الله فليتوكل في أمورهم أهل الإيمان به" (٨). قال مقاتل: " يعني فليثق المؤمنون به " (٩). قال البيضاوي: " أي فليتوكلوا عليه ولا يتوكلوا على غيره لينصرهم كما نصرهم ببدر" (١٠). قال أبو السعود: أي: " في جميع أمورهم فإنه حسبهم وإظهار الاسم الجليل للتبرك والتعليل فإن الألوهية من موجبات التوكل عليه تعالى واللام في المؤمنين للجنس فيدخل فيه الطائفتان دخولا أوليا وفيه إشعار بأن وصف الإيمان من دواعي التوكل وموجباته" (١١). قال محمد بن إسحاق: " أي: من كان به ضعف من المؤمنين أو وهَن، فليتوكل عليّ، وليستعن بي أعنِه على أمره، وأدفع عنه، حتى أبلغ به وأقوّيه على نيته" (١٢). قال ابن عطية: " أمر في ضمنه التغبيط للمؤمنين بمثل ما فعله بنو حارثة وبنو سلمة من المسير مع النبي ﷺ " (١٣). الفوائد: ١ - أن الدعاية ولو كانت باطلة ربما تؤثر على المؤمن.

стр. 2472

٢ - أن الله تعالى قد يلطف بالمؤمن حتى يثبته على الحق. ٣ - منّة الله تعالى على هاتين الطائفتين، إذ إن الله كان وليا لهما، ولهذا فرحت الطائفتان بهذه الولاية. ٤ - وجوب التوكل على الله وأنه من مقتضى الإيمان، وأنه إذا قوي الإيمان قوي التوكل. القرآن ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣] التفسير: ولقد نصركم الله -أيها المؤمنون- بـ «بدر» على أعدائكم المشركين مع قلة عَدَدكم وعُدَدكم، فخافوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه; لعلكم تشكرون له نعمه. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، أي: "ولقد نصركم الله يوم بدر وأنتم يومئذ قليلون" (١). قال ابن إسحاق: " يقول: وأنتم أقل عددًا وأضعف قوة" (٢). قال الحسن: ": يقول: " وأنتم أذلة "، قليل، وهم يومئذ بضعة عشر وثلثمئة" (٣). قال ابن عباس: " عدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر وكان المهاجرون منهم سبعة وسبعين، وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين" (٤). قال ابن كثير: " أي: قليل عددكم ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله، لا بكثرة العَدَد والعُدَد؛ ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧] " (٥). قال الراغب: " وجعلهم أذلة لا على الحقيقة والمصدوقة، - فمن نصره الله فغير ذليل، ولكن على اعتبار العامة لقلتهم وقلة عدتهم، وهذه أيام تابع الله ذكرها وذكر المسلمين بعظم ما أولاهم فيها تثبيتا لقلوبهم، وتذكيرا بنعمه عليهم" (٦). قال الضحاك: " «بدر»، ماء عن يمين طريق مكة، بين مكة والمدينة" (٧). قال قتادة: " وبدر ماء بين مكة والمدينة، التقى عليه نبي الله ﷺ والمشركون، وكان أول قتال قاتله نبي الله ﷺ وذكر لنا أنه قال لأصحابه يومئذ: " أنتم اليوم بعدَّة أصحاب طالوت يوم لقى جالوت ": فكانوا ثلثمئة وبضعة عشر رجلا والمشركون يومئذ ألفٌ، أو راهقوا ذلك" (٨). واختلف في المعنى الذي من أجله سمي بدر " بدرًا " على قولين: أحدهما: أنه سمي بذلك، لأنه كان ماء لرجل يسمى " بدرًا " (٩)، فسمي باسم صاحبه. قاله الشعبي (١٠)، ورجّحه الراغب (١١)، والبيضاوي (١٢) وغيرهما. والثاني: أن ذلك اسم سميت به البقعة، كما سمى سائر البلدان بأسمائها من غير إضافة إلى اسم صاحب. وهذا قول عبدالله بن جعفر (١٣)، ومحمد بن صالح (١٤)، ويحيى بن النعمان الغفاري (١٥).

стр. 2473

قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، أي: " فاتقوا ربكم بطاعته واجتناب محارمه، لتشكروه على ما منَّ به عليكم من النصر" (١). قال ابن إسحاق: " أي: فاتقون، فإنه شكر نعمتي" (٢). قال ابن الجوزي: " أي لتكونوا من الشاكرين." (٣). قال الرغب: " أمرهم بالتقوى المؤدية إلى شكرهم لها" (٤). قال سفيان يعني ابن عيينة: على كل مسلم أن يشكر الله في نصره ببدر، يقول الله: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون﴾ " (٥). قال الثعلبي: " جميع ما غزا رسول الله ﷺ بنفسه ست وعشرون غزوة، فأول غزوة غزاها غزوة ودان، وهي غزوة الأبواء، ثم غزوة بواط إلى ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى بطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر الكبرى التي قتل الله فيها صناديد قريش، ثم غزوة بني سليم حتى بلغ الكدر ماء لبني سليم، ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم غزوة ذي أمر وهي غزوة غطفان إلى نجد، ثم غزوة نجران: موضع بالحجاز فوق الفرع، ثم غزوة أحد ثم غزوة الأسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نجد، ثم غزوة بدر الأخيرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان، ثم غزوة بني قردة، ثم غزوة بني المصطلق من بني خزاعة لقي فيها، ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة الفتح: فتح مكة، ثم غزوة حنين لقي فيها، ثم غزوة الطائف حاصر فيها، ثم غزوة تبوك. قاتل منها في تسع غزوات: غزوة بدر الكبرى، وهو يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة، وأحد في شوال سنة ثلاث، والخندق، وبني قريظة في شوال سنة أربع، وبني المصطلق، وبني لحيان في شعبان سنة خمس، وخيبر سنة ست، والفتح في رمضان سنة ثمان، وحنين في شوال سنة ثمان. فأول غزوة غزاها بنفسه وقاتل فيها بدر وآخرها تبوك" (٦). الفوائد: ١ - امتنان الله على رسول الله- ﷺ وأصحابه بنصرهم في بدر، والنصر لهم للأمة إلى يوم القيامة. ٢ - أنه النصر لايكون بكثرة العدد وقوة العُدد، وإنما يكون من عند الله وحده. ٣ - أنه كلما كان الإنسان أذلّ كان أقرب إلى نصر الله.، والعكس صحيح. ٤ - أنه من منّ الله عليه بنعمة كان ذلك موجبا لتقوى الله، لأن تقوى الله من الشكر لله. القرآن ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)﴾ [آل عمران: ١٢٤] التفسير: اذكر -أيها النبي- ما كان من أمر أصحابك في «بدر» حين شقَّ عليهم أن يأتي مَدَد للمشركين، فأوحينا إليك أن تقول لهم: ألن تكفيكم معونة ربكم بأن يمدكم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنْزَلين من السماء إلى أرض المعركة، يثبتونكم، ويقاتلون معكم؟ في سبب نزول الآية أقوال:

стр. 2474

أحدها: أخرج الطبري عن الشعبي قال: "حُدِّث المسلمون أن كرزَ بن جابر المحاربي يريد أن يمدّ المشركين ببدر، قال: فشق ذلك على المسلمين؛ فأنزل الله : ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم﴾ إلى قوله: ﴿من الملائكة مسومِّين﴾، قال: فبلغته هزيمة المشركين، فلم يمدّ أصحابه، ولم يمدُّوا بالخمسة" (١)، وروي نحو ذلك المعنى عن مالك بن ربيعة (٢)، وابن عباس (٣)، والحسن (٤)، وقتادة (٥)، والربيع (٦)، ومجاهد (٧). والثاني: أن ذلك الإمداد كان يوم الاحزاب. وهذا قول عبد الله بن أبي أوفى (٨). والثالث: أن الآية في سياق معركة أحد، إذ وعدهم الله المدد إن صبروا، فلم يصبروا فلم يمدوا. وهذا قول عكرمة (٩)، والضحاك (١٠)، وابن زيد (١١). والرابع: ونقل الثعلبي وجها آخر، فقال: " وكان هذا يوم أحد حين انصرف أبو سفيان وأصحابه وذلك أن رسول الله ﷺ كان يخاف أن يدخل المشركون المدينة، فبعث علي بن أبي طالب ﵁ فقال: «اخرج على آثار القوم فانظر ما يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد أجبنوا الخيل وركبوا وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، فو الذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم». قال علي ﵁: «فخرجت في آثارهم أنظر ما يصنعون، فإذا هم قد أجبنوا الخيل وامتطوا الإبل وتوجهوا إلى مكة، وقد كان رسول الله ﷺ قال: أي ذلك كان فأخفه حتى تأتيني، فلما رأيتهم قد توجهوا إلى مكة أقبلت أصيح ما أستطيع أن أكتم لما بي من الفرح، وانصرفوا إلى مكة وانصرفنا إلى المدينة، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم﴾، يعني: أن انصرفوا إليكم ودخلوا المدينة" (١٢). قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، أي: " إذ تقول يامحمد للمؤمنين بك من أصحابك" (١٣). قوله تعالى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، أي: " أما يكفيكم أن يعينكم الله بإمداده لكم بثلاثة آلاف من الملائكة" (١٤). قال الماوردي: " والكفاية مقدار سد الخلة، والاكتفاء الاقتصار عليه، والإمداد إعطاء الشيء حالاً بعد حال، والأصل في الإمداد هو الزيادة ومنه مد الماء وهو زيادته " (١٥). وفي الفرق بين أمدّه ويمده، قولان: أحدهما: أن كل ما كان على جهة القوة والإعانة، قيل فيه: أمده يمده إمدادا، وكل ما كان على جهة الزيادة قيل: مده يمده مدا، ومنه قوله: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]. وهذا قول المفضل (١٦). والثاني: وقيل: أن المد في الشر، والإمداد في الخير. يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، وقوله: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩].

стр. 2475

وقال في الخير ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [الأنفال: ٩]، وقال: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، وقال: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٦] (١). وفي قراءة أبي: " ﴿ألا يكفيكم أن يمدكم ربكم﴾، أي: يعطيكم ويعينكم" (٢). قوله تعالى: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، أي: " منزلين لنصرتكم" (٣). قال ابن عباس: " لم تُقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عَددًا ومَددًا لا يضربون" (٤). وأخرج الطبري عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرًا، قال: "إني لأتبعُ رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن قد قتله غيري" (٥). أخرج الطبري عن عن محمد بن إسحاق قال: "حدثني عبد الله بن أبي بكر: أنه حُدِّث عن ابن عباس: أن ابن عباس قال: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عمّ لي حتى أصعدنا في جبل يُشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة، على من تكون الدَّبْرة فننتهِبُ مع من ينتهب. قال: فبينا نحن في الجبل، إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم (٦). قال: فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت" (٧). وأخرج الطبري بسنده عن عكرمة مولى ابن عباس قال: "قال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ : كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهلَ البيت، فأسلم العباس وأسلمتْ أم الفضل وأسلمتُ. وكان العباس يهاب قومه ويكرَهُ أن يخالفهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه. وكان أبو لهب عدوّ الله قد تخلَّف عن بدر وبعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة. وكذلك صنعوا، لم يتخلَّف رجل إلا بعث مكانه رجلا. فلما جاء الخبرُ عن مُصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعِزًّا. قال: وكنت رجلا ضعيفًا، وكنت أعمل القِداح أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرَّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجرُّ رجليه بشرٍّ حتى جلس على طُنُب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري. فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم! قال: قال أبو لهب: هلُمّ إليّ يا ابن أخي، فعندك الخبر! قال: فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني، كيف كان أمرُ الناس؟ قال: لا شيء والله، إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاؤوا! وايم الله، مع ذلك ما لمتُ الناس، لقينا رجالا بيضًا على خيل بلق ما بين السماء والأرض ما تلِيق شيئًا، ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك الملائكة! " (٨). وعن ابن عباس قال: "كان الذي أسر العباس أبا اليَسَر كعب بن عمرو أخو بني سلِمة، وكان أبو اليسر رَجلا مجموعًا، وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول الله ﷺ لأبي اليسر: " كيف أسرت العباس أبا اليسر؟ ! قال: يا رسول الله، لقد أعانني عليه رجلٌ ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا! قال رسول الله ﷺ : " لقد أعانك عليه ملك كريم " (٩). واختلف المفسرون في هذا الوعد: هل كان يوم بَدْر أو يوم أُحُد؟ على أقوال:

стр. 2476

أحدها: إن الله كان وعد المؤمنين يوم بدر أن يمدَّهم بملائكته، إن أتاهم العدو من فورهم، فلم يأتوهم، ولم يُمَدُّوا. وهذا عامر الشعبي (١). والثاني: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر، فصبر المؤمنون واتقوا الله، فأمدهم بملائكته على ما وعدهم. وهذا قول مالك بن ربيعة (٢)، وابن عباس (٣)، والحسن (٤)، وقتادة (٥)، والربيع (٦)، ومجاهد (٧). والثالث: أن ذلك الإمداد كان يوم الاحزاب، وإنما وعدهم يوم بدر أن يمدَّهم إن صبروا عند طاعته وجهاد أعدائه، واتقوه باجتناب محارمه، أن يمدهم في حروبهم كلها، فلم يصبروا ولم يتقوا إلا في يوم الأحزاب، فأمدَّهم حين حاصروا قريظة. وهذا قول عبد الله بن أبي أوفى (٨). والرابع: وقال آخرون بنحو معنى القول الثالث، غير أنهم قالوا: لم يصبر القوم ولم يتقوا ولم يُمدوا بشيء في أحُد. وهذا قول عكرمة (٩)، والضحاك (١٠)، وابن زيد (١١). قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبرَ عن نبيه محمد ﷺ أنه قال للمؤمنين: ألن يكفيَكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة؟ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددًا لهم، ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف، خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله. ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآف، ولا بالخمسة آلاف، ولا على أنهم لم يمدوا بهم، وقد يجوز أن يكون الله أمدهم، على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم وقد يجوز أن يكون لم يمدهم على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك، ولا خبر عندنا صحَّ من الوجه الذي يثبت أنهم أمِدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف. وغير جائز أن يقال في ذلك قولٌ إلا بخبر تقوم الحجة به. ولا خبر به كذلك، فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أنّ في القرآن دلالةً على أنهم قد أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة، وذلك قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [سورة الأنفال: ٩] فأما في يوم أحُد، فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبينُ منها في أنهم أمدوا. وذلك أنهم لو أمدوا لم يهزموا، ويُنالَ منهم ما نيل منهم، فالصواب فيه من القول أن يقال كما قال تعالى ذكره" (١٢). وفي قوله تعالى: ﴿مُنْزلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤] قراءتان (١٣): إحداهما: ﴿مُنْزلِينَ﴾: بكسر الزاي، مخففا، يعني منزلين النصر. وهي قراءة أبو حيوة. والثانية: ﴿مُنْزَلِينَ﴾، مشددة مفتوحة الزاي على التكثير، وتصديقه قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١]. وهي قراءة الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف وعمر ابن ميمون وابن عامر. الفوائد: ١ - إدخال الأمل في قلوب الناس عند اشتداد الازمات. ٢ - إثبات الربوبية الخاصة، لقوله: ﴿أن يمدكم ربكم﴾، والربوبية نوعان: خاص، مثل هذه الآية الكريمة، وعام: مثل قوله: ﴿الحمد لله ربا عالمين﴾ [الفاتحة: ٢]. ٣ - أن الملائكة اجسام يحصون بالعدد. ٤ - أن موطن الملائكة هو السماء، هذا هو الأصلـ لقوله: ﴿منزلين﴾. القرآن

стр. 2477

﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: ١٢٥] التفسير: بلى يكفيكم هذا المَدَد. وبشارة أخرى لكم: إن تصبروا على لقاء العدو وتتقوا الله بفِعْل ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه، ويأت كفار «مكة» على الفور مسرعين لقتالكم، يظنون أنهم يستأصلونكم، فإن الله يمدكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين أي: قد أعلموا أنفسهم وخيولهم بعلامات واضحات. قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥]، " أي: بلى يمدكم بالملائكة إن صبرتم في المعركة واتقيتم الله وأطعتم أمره" (١). قوله تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٢٥]، " أي: يأتيكم المشركون من ساعتهم هذه" (٢). وفي قوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٢٥]، وجهان: أحدهما: يعني: من وجههم هذا، وهو قول ابن عباس (٣)، والحسن (٤)، وقتادة (٥)، وعكرمة (٦)، والربيع (٧)، والسدي (٨)، وابن زيد (٩). والثاني: أن المعنى: من غضبهم هذا، وهو قول مجاهد (١٠)، والضحاك (١١)، وأبي صالح (١٢)، وعكرمة في إحدى الروايات عنه (١٣). قال الماوردي: " وأصل الفور فور القِدْر، وهو غليانها عند شدة الحمى، ومنه فَوْرُ الغضب لأنه كَفَوْرِ القِدْر" (١٤). قوله تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، " أي: يزدكم الله مدداً من الملائكة" (١٥). قوله تعالى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، أي: " معلَّمين على السلاح ومدربين على القتال" (١٦). عن السدي: " ﴿مسومين﴾: معلمين" (١٧). قال مقاتل: " يعني معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الخيل، وأذنابها عليها البياض معتمين بالبياض وقد أرخوا أطراف العمائم بين أكتافهم" (١٨). قال ابن كثير: " أي: معلمين بالسِّيما" (١٩).

стр. 2478

قال الماتريدي: " وقوله: ﴿مسومين﴾ قيل: ﴿منزلين﴾؛ و ﴿مسومين﴾ سواء، وهو من الإرسال؛ ومن التسويم، وقيل: معلمين بعلامة، وذلك - وألله أعلم - ليعلم المؤمنين حاجتهم إلى العلامة، لا أن الملائكة يحتاجون إلى العلامة" (١). قال الثعلبي: " والسومة: العلامة التي يعلم بها الفارس نفسه في الحرب" (٢). أخرج الطبري بسنده عن الزبير بن المنذر، عن جده أبي أسيد - وكان بدريًا - فكان يقول: "لو أن بصري فُرِّج منه، ثم ذهبتم معي إلى أحد، لأخبرتكم بالشِّعب الذي خرجت منه الملائكة في عمائم صُفر قد طرحوها بين أكتافهم" (٣). وقال علي-كرّم الله وجهه-: " كان سيما الملائكة أهل بدر الصوف الأبيض، وكان سيما الملائكة أيضا في نواصي خيولهم" (٤). وعن أبي هريرة في هذه الآية: " ﴿مسومين﴾، قال: بالعهن الأحمر" (٥). واختلفوا في التسويم على قولين: أحدهما: أنه كان بالصوف في نواصي الخيل وآذانها، وهو قول علي-كرّم الله وجهه- (٦)، وابن عباس (٧)، والحسن (٨)، وقتادة (٩)، ومجاهد (١٠)، والضحاك (١١). الثاني: أن الملائكة نزلت يوم بدر على خيل بلق وعليهم عمائم صفر، وهو قول هشام بن عروة (١٢)، وعبدالله بن الزبير (١٣)، والربيع (١٤). قال الزجاج: " ومعنى ﴿مسومين﴾: أخذ من السومة، وهي العلامة، كانوا يعلمون بصوفة أو بعمامة أو ما أشبه ذلك، و ﴿مسومين﴾: معلمين. وجائز أن يكون مسومين: قد سوموا خيلهم وجعلوها سائمة" (١٥). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، على وجهين (١٦): أحدهما: ﴿مسومين﴾ بكسر الواو، في قرأءة ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، بمعنى أن الملائكة سوَّمتْ لنفسها. والثاني: وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿مسومين﴾ مفتوحة، بمعنى أن الله سوَّمها. الفوائد: ١ - أن الصبر والتقوى من اسباب النصر. ٢ - أن الله زادهم على ما بشّرهم به الرسول- ﷺ ألفين إذا صبروا واتقوا. ٣ - أن من نعمة الله على العبد أن يكون الذي يولاه الملاة، لأن الملائكة تثبت على الخير، بخلاف الشياطين فإنها تثبت على الشر.

стр. 2479

القرآن ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦] التفسير: وما جعل الله هذا الإمداد بالملائكة إلا بشرى لكم يبشركم بها ولتطمئن قلوبكم، وتطيب بوعد الله لكم. وما النصر إلا من عند الله العزيز الذي لا يغالَب، الحكيم في تدبيره وفعله. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، "﴾ أي: وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالها إلا بشارةً لكم" (١). قال مجاهد: " إنما جعلهم الله ليستبشروا بهم" (٢). قال مقاتل: " يعني مدد الملائكة" (٣). قال الزجاج: " وما جعل ذكر المدد إلا بشرى لكم ولتمكنوا في حربكم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، أي: " وتطييبا لقلوبكم وتطمينا" (٥). قال مقاتل: " يعني لتسكن إليه قلوبكم" (٦). قال الزمخشري: أي: " وتطمئن به قلوبكم وتروا حفاية الله بكم، وإلا فالكثرة لا تغني شيئا إلا أن ينصر الله" (٧). قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، أي: وما النصر في الحقيقة إلا بعون الله وحده" (٨). قال محمد بن إسحاق: " الأمر عندي إلا بسلطاني وقدرتي، وذلك أن العز والحكم إلي، لا إلى أحد من خلقي" (٩). قال مقاتل: " وليس النصر بقلة العدد ولا بكثرته، ولكن النصر من عند الله" (١٠). قال ابن كثير: أي: "وإلا فإنما النصر من عند الله، الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ.﴾ [محمد: ٤ - ٦] " (١١). قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، " أي: الغالب الذي لا يغلب في أمره الحكيم الذي يفعل ما تقتضيه حكمته الباهرة" (١٢). قال مقاتل: " ﴿عزيز﴾، يعني: منيع، ﴿حكيم﴾ في أمره حكم النصر" (١٣). قال ابن كثير: "أي: هو ذو العزة التي لا تُرام، والحكمة في قَدره والإحكام" (١٤). الفوائد:

стр. 2480

١ - أن إمداد الشخص بما يعينه سبب لسروره وبشارته. ٢ - أنه مهما عظمت الأسباب إذا لم يؤيد الله الإنسان بنصر فإنه لن ينتصر. ٣ - يجب على المرء مع أخذ الأسباب أن يعتمد على ربه، وأن يؤمل النصر منه . ٤ - أن النصر من مقتضى اسمه: العزيز الحكيم. ٥ - أن الله لن ينصر إلا من اقتضت الحكمة نصره. القرآن ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)﴾ [آل عمران: ١٢٧] التفسير: وكان نصر الله لكم بـ «بدْر» ليهلك فريقًا من الكفار بالقتل، ومن نجا منهم من القتل رجع حزينًا قد ضاقت عليه نفسه، يَظْهر عليه الخزي والعار. قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٢٧]، " أي: ذلك التدبير الإِلهي ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر" (١). قال ابن قتيبة: يعني: " بأسْر وقتل" (٢). قال الثعلبي: " أي: ليهلك طائفة من الذين كفروا، نظيره قوله: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا﴾ [الأنعام: ٤٥]، أي: أهلك، وفي الأنفال: ﴿ويقطع دابر الكافرين﴾ [الأنفال: ٧]، وفي الحجر: ﴿أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين﴾ [الحجر: ٦٦] " (٣). قال السدي: " معناه: ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر، فقتل من سادتهم وقادتهم يوم بدر سبعين، وأسر منهم سبعين" (٤). قال الماوردي: " ولم يقل وسطاً لأن الطرف أقرب للمؤمنين من الوسط، فاختص القطع بما هو إليهم أقرب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّار﴾ [التوبة: ١٢٣] " (٥). قال الحسن: " هذا يوم بدر، قطع الله طائفة منهم وبقيت طائفة" (٦). قال محمد بن إسحاق: ": ليقطع طرفًا من المشركين بقتل ينتقم به منهم" (٧). قال قتادة: "فقطع الله يوم بدر طرفًا من الكفار، وقتل صناديدهم ورؤساءهم، وقادتهم في الشر" (٨). وقال السدي: " أنه كان يوم أحد، كان الذي قتل منهم ثمانية عشر رجلاً" (٩). قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٧]، أي: " أو يخزيهم بالخيبة مما رجوا من الظفر بكم" (١٠). قال قتادة: "يخزيهم" (١١). قال السدي: "يلعنهم" (١٢) قال الزجاج: "أي: يهزمهم" (١٣). وقال الخليل: " الكبت: الصرع على الوجه" (١٤).

стр. 2481

قال النضر بن شميل: "يغيظهم" (١) قال المبرد: "يظفر عليهم" (٢) وقال أبو عبيدة: "الكَبْت: الإهلاك، تقول العرب: كبته الله لوجهه، أي صرعه الله" (٣). وقيل: معنى ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾: " هو أن يغيظهم ويحزنهم، وكذلك قال في قوله في سورة المجادلة: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥] ويقال: كبت الله عدوّك، وهو بما قال أبو عبيدة أشبه. واعتبارُها قوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، لأن أهل النظر يرون أن "التاء" فيه منقلبة عن "دال"، كأن الأصل فيه: يَكْبدُهُم أي يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ وشدة العداوة. ومنه يقال: فلان قد أحرق الحزن كبدَه. وأحرقت العداوة كبده. والعرب تقول للعدو: أسود الكبد. قال الأعْشَى (٤): فما أُجْشِمْتُ من إتيان قَوْمٍ ... هُمُ الأعداءُ والأكبادُ سُودُ كأن الأكباد لما احترقت بشدة العداوة اسودت. ومنه يقال للعدو: كاشح؛ لأنه يخبأ العداوة في كَشْحِه. والكَشْحُ: الخاصرةُ وإنما يريدون الكبد لأن الكبد هناك" (٥). قوله تعالى: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧]، أي: ": فيرجعوا عنكم خائبين، لم يصيبوا منكم شيئًا مما رجوا أن ينالوه منكم" (٦). قال محمد بن إسحاق: " أي ويرجع من بقى منهم فلا خائبين لم ينالوا شيئا مما كانوا يأملون" (٧). قال الزجاج: " الخائب الذي لم ينل ما أمل" (٨). قال الماوردي: " والفرق بين الخائب والآيس أن الخيبة لا تكون إلا بعد أمل، واليأس قد يكون قبل أمل " (٩). الفوائد: ١ - إثبات الحكمة لله تعالى في أفعاله وتشريعاته، وذلك لأن اللام للتعليل والتعليل هو الحكمة. ٢ - أن الله يسلط المؤمنين على الكفار ليقطع طرفا من الذين كفروا، وليس كل الذين كفروا، لأن حكمة الله أن يبقى الإيمان والكفر متصارعين دائما حتى يتبين المؤمن الخالص من غيره. ٣ - أن مآل الكفار واحد من هذه الأمور: إهلاكهم أو خذلانهم. القرآن ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨] التفسير: ليس لك -أيها الرسول- من أمر العباد شيء، بل الأمر كله لله تعالى وحده لا شريك له، ولعل بعض هؤلاء الذين قاتلوك تنشرح صدورهم للإسلام فيسلموا، فيتوب الله عليهم. ومن بقي على كفره يعذبه الله في الدنيا والآخرة بسبب ظلمه وبغيه. اختلف في سبب نزول الآية على أقوال: أحدها: ذكر أن الله إنما أنزل هذه الآية على نبيه محمد ﷺ ، لأنه لما أصابه بأحُد ما أصابه من المشركين، قال، كالآيس لهم من الهدى أو من الإنابة إلى الحق: " كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا

стр. 2482

بنبيهم! ! وهذا قول ابن عباس (١)، وأنس بن مالك (٢)، والحسن (٣)، وقتادة (٤)، وأبو جعفر (٥)، ومقسم (٦).، والربيع (٧)، والكلبي (٨). والثاني: أنها نزلت على النبي ﷺ ، لأنه دعا على قوم، فأنزل الله : ليس الأمر إليك فيهم. وهذا قول أبي هريرة (٩)، وابن عمر (١٠)، والحارث بن هشام (١١)، وعكرمة (١٢)، وقتادة (١٣). والثالث: نقل الثعلبي عن عبد الله بن مسعود: "أراد النبي ﷺ أن يدعوا على المدبرين عنه من أصحابه يوم أحد، وكان عثمان منهم، فنهاه الله عن ذلك وتاب عليهم، فأنزل هذه الآية" (١٤). والرابع: ونقل الثعلبي عن عبد الله بن الحسن، قال: " قال حمزة (١٥): اللهم إن لقينا هؤلاء غدا فإني أسألك أن يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني، فتقول لي يوم القيامة: فيم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك. فلما كان يوم أحد قتل فبقر بطنه وجدعت أذنه وأنفه، فقال رجل سمعه: أما هذا فقد أعطي في نفسه ما سأل في الدنيا، والله يعطيه ما سأل في الآخرة، قالوا: فلما رأى رسول الله ﷺ والمسلمون ما بأصحابهم من جدع الآذان والأنوف وقطع المذاكير، قالوا: لئن أدالنا الله عليهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا، ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (١٦). والخامس: ونقل الثعلبي عن مقاتل: "نزلت هذه الآية في بئر معونة وهم سبعون رجلا من قراء أصحاب رسول الله ﷺ أميرهم المنذر بن عمرو، وبعثهم رسول الله ﷺ إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد، ليعلموا الناس القرآن والعلم، فقتلهم جميعا، عامر بن الطفيل، وكان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق فلما قتل رفع بين السماء والأرض، فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وجدا شديدا وحزن عليهم شهرا فنزلت ليس لك من الأمر شيء" (١٧). قال ابن حجر: "الجمهور على أنها نزلت في الدعاء على المشركين" (١٨). قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، " أي ليس لك يا محمد من أمر تدبير العباد شيء وإنما أمرهم إلى الله" (١٩). قال محمد بن إسحاق: " أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي، إلا ما أمرتك به فيهم" (٢٠). قال الطبري: " ليس إليك، يا محمد، من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري، وتنتهيَ فيهم إلى طاعتي، وإنما أمرهم إليّ والقضاء فيهم بيدي دون غيري، أقضى فيهم وأحكمُ بالذي أشاء" (٢١).

стр. 2483

قال ابن كثير: " أي: بل الأمر كلّه إلي، كما قال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقال ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وقال ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] " (١). قال الماتريدي: أي: " إنما أنت عبد مأمور؛ فليس لك من الأمر؛ إنما ذلك إلى الواحد القهار، الذي لا شريك له ولا ند؛ كقوله: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] " (٢). قال المراغي: " أي ليس إليك أيها الرسول من أمر خلقى إلا أن تنفذ فيهم أمرى، وتنتهى فيهم إلى طاعتى، ثم أمرهم بعد ذلك، والقضاء فيهم بيدي دون غيرى، أقضى فيهم وأحكم بالذي أشاء من التوبة، أو عاجل العذاب بالقتل والنقم، أو آجله بما أعددت لأهل الكفر بي من العذاب فى الآخرة" (٣). قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] أي: " أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصرّوا على الكفر فإنهم ظالمون يستحقون العذاب" (٤). قال محمد بن إسحاق: " أو أتوب عليهم برحمتي، فإن شئتُ فعلتُ، أو أعذبهم بذنوبهم ﴿فإنهم ظالمون﴾، أي قد استحقوا ذلك بمعصيتهم إياي" (٥). قال العز بن عبدالسلام: أي: "بل إلى الله - تعالى - التوبة عليهم، أو الانتقام منهم" (٦). قال الثعلبي: " وقال بعضهم: (أو) بمعنى (حتى) يعني: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم أو يعذبهم" (٧). أخرج البخاري (٨) والنسائي (٩) "من طريق معمر عن الزهري حدثني سالم -هو ابن عبد الله- ابن عمر عن أبيه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر: "اللهم العن فلانا وفلانا" بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد"، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية" ﷺ " (١٠). وقال أحمد: " حدثنا هشيم نا حميد عن أنس: أن النبي ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ " فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ " (١١). وعن أنس بن مالك قال: "قال رسول الله ﷺ حين شُجَّ في جبهته وكسِرت رباعيته: لا يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم! فأوحى الله إليه: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ " (١٢). وعن الحسن: أن النبي ﷺ قال يوم أحُد: كيف يفلح قوم دمَّوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله ! ! فنزلت: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ " (١٣). وقال قتادة: " ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ يوم أُحد، وقد جُرح نبي الله ﷺ في وجهه وأصيبَ بعضُ رباعيته، فقال وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم! فأنزل الله : " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون " (١٤). الفوائد: ١ - أن النبي- ﷺ لايملك شيئا من الأمر الكوني. ٢ - أن النبي- ﷺ مكلف يأمره الله تعالى وينهاه. ٣ - أن الله تعالى قد يتوب على أعتى الناس وأشدهم كفرا لعموم قوله: ﴿أو يتوب عليهم﴾. ٤ - أنه تعالى قد يعذب الكافرين عذابا ليس للمسلمين فيه يد، بل هو من عند الله وحده. ٥ - انه تعالى لايعذب إلا بذنب، لقوله: ﴿فإنهم ظالمون﴾، والظالم مستحق العذاب لأنه ينكل بالله، والله لايحب الظلم. القرآن ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران: ١٢٩] التفسير: ولله وحده ما في السموات وما في الأرض، يغفر لمن يشاء من عباده برحمته، ويعذب من يشاء بعدله. والله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٢٩]، أي: ولله " ملك السماوات والأرض" (١٥). قال السمرقندي: أي: " إن جميع الخلق في ملكه وعبيده" (١٦). قال البيضاوي: يعني: " خلقا وملكا فله الأمر كله لا لك" (١٧). قال ابن كثير: " أي: الجميع ملك له، وأهلهما عبيد بين يديه" (١٨). قال الطبري: أي: " ليس لك يا محمد، من الأمر شيء، ولله جميع ما بين أقطار السموات والأرض من مشرق الشمس إلى مغربها، دونك ودونهم، يحكم فيهم بما يشاء، ويقضي فيهم ما أحب" (١٩). قال ابن عباس: " قال جبريل ﵇: يا محمد لله الخلق كله، والسموات كلهن ومن فيهن، والأرضون كلهن ومن فيهن، ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم" (٢٠). قوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩]، " فيتوب على من أحب من خلقه العاصين، ثم يغفر له" (٢١). قال مجاهد: " يغفر لمن يشاء الكثير من الذنوب" (٢٢). وقال الضحاك: " يغفر لمن يشاء الذنب العظيم" (٢٣). قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩]، أي: " ويعاقب من شاء منهم على جرمه فينتقم منه" (٢٤)

стр. 2484

روي عن مجاهد: " قوله: ﴿ويعذب من يشاء﴾ على الصغيرة" (١). وروي عن الضحاك: " ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾، على الذنب الصغير إذا أصرَّ على ذلك" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢٩]، أي: " والله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم" (٣). قال البيضاوي: يعني: " لعباده فلا تبادر إلى الدعاء عليهم" (٤). قال ابن إسحاق: " أي يغفر الذنوب، ويرحم العباد، على ما فيهم" (٥). قال الطبري: أي: " وهو الغفور الذي يستر ذنوب من أحب أن يستر عليه ذنوبه من خلقه بفضله عليهم بالعفو والصفح، والرحيم بهم في تركه عقوبتهم عاجلا على عظيم ما يأتون من المآثم" (٦). قال الراغب: " بين بهذه الآية تحقيق ما قدمه بأنه هو المالك للكل، وله المشيئة في غفران من شاء وتعذيب من شاء" (٧). الفوائد: ١ - بيان عموم ملك الله ، لقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، لأن ﴿ما﴾ من صيغ العموم. ٢ - أفاد تقديم الخبر في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، انفراد الله تعالى بملك السماوات والأرض. ٣ - إثبات تعدد السماوات، بأنها سبع سماوات، وأما الأرض فقد ذكر بصيغة الافراد والمراد الجنس فيشمل جميع الأرضين، وقد بينت السنة انها سبع. ٤ - إثبات المغفرة لله، وإثبات التعذيب، ويتفرغ من ذلك إثبات تمام سلطانه في ملكه، وأن الأمر له في التعذيب والمغفرة. ٥ - إثبات المشيئة، وهي مقرونة بالحكمة الإلهية في المغفرة والتعذيب. ٦ - إثبات الاسمين الكريمين من اسماء الله تعالى: الغفور الرحيم، وإثبات ما تضمناه من صفة وهي المغفرة والرحمة. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠] التفسير: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه احذروا الربا بجميع أنواعه، ولا تأخذوا في القرض زيادة على رؤوس أموالكم وإن قلَّت، فكيف إذا كانت هذه الزيادة تتضاعف كلما حان موعد سداد الدين؟ واتقوا الله بالتزام شرعه; لتفوزوا في الدنيا والآخرة. في سبب نزول الآية: أخرج الطبري عن عطاء: " كانت ثقيف تدَّاين في بني المغيرة في الجاهلية، فإذا حلّ الأجل قالوا: نزيدكم وتؤخِّرون؟ فنزلت: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة﴾ " (٨). وروي عن مجاهد نحو ذلك (٩). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٠]، أي: " يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله" (١٠).

стр. 2485

قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، أي: "، لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم" (١). قال ابن إسحاق: " أي: لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم الله له، ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره، مما لا يحل لكم في دينكم" (٢). قال الطبري: " وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم: أنّ الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخِّر عنى ديْنك وأزيدك على مالك. فيفعلان ذلك. فذلك هو " الربا أضعافًا مضاعفة "، فنهاهم الله في إسلامهم عنه" (٣). قال سعيد بن جبير: " وذلك أن الرجل كان يكون له على الرجل مال فإذا حل لأجل طلبه من صاحبه، فيقول المطلوب أخر عني وأزيدك في مالك، فيفعلان ذلك فذلك الربا أضعافا مضاعفة، فوعظهم الله تعالى" (٤). وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (٥). قال ابن وهب: " سمعت ابن زيد يقول في قوله: " لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة "، قال: كان أبي يقول: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن. يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوَّله إلى السن التي فوق ذلك إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حِقَّة، ثم جَذَعة، ثم رباعيًا، ثم هكذا إلى فوق وفي العين يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مئة فيجعلها إلى قابل مئتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمئة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه. قال: فهذا قوله: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة﴾ " (٦). أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس: " نهى الله تعالى عن الربا كأشد النهي، فاتقوا الربا والريبة، وكان يقول: الربا من الكبائر" (٧). وقال قتادة: " إياكم وما خالط هذه البيوع من الربا فإن الله قد أوسع الحلال وأكثره وأطابه، ولا يلجئنكم إلى المعصية فاقة" (٨). وقرأ أبو جعفر وشيبة: ﴿مضعفة﴾ (٩). قال الراغب: " إن قيل: لم قال: (أضعافا مضاعفة) فجمع بين اللفظتين؟ قيل: قال بعضهم ذلك للتأكيد. وقيل مضاعفة من الضعف لا من الضعف، ومعناه ما تعدونه ضعفا هو ضعف، أي نقص، كقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو﴾ [الروم: ٣٩]، وقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]، ومن هذا أخذ بعض المحدثين (١٠): زيادة شيب وهي نقص زيادتي ... وقوة جسم وهي من قوتي ضعف" (١١). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]، " أي: اتقوا عذابه بترك ما نهى عنه" (١٢).

стр. 2486

قال ابن إسحاق: " أي: فأطيعوا" (١). قال سعيد بن جبير: " واتقوا الله في أمر الربا فلا تأكلوا" (٢). قال الطبري: أي: " واتقوا الله أيها المؤمنون، في أمر الربا فلا تأكلوه، وفي غيره مما أمركم به أو نهاكم عنه، وأطيعوه فيه" (٣). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]، "أي: لتكونوا من الفائزين" (٤). قال سعيد: " يعني: لكي تفلحون" (٥). قال الطبري: أي: " لتنجحوا فتنجوا من عقابه، وتدركوا ما رغَّبكم فيه من ثوابه والخلود في جنانه" (٦). قال ابن إسحاق: " أي: لعلكم أن تنجوا مما حذركم من عذابه، وتدركوا ما رغبكم فيه من ثوابه" (٧). قال الراغب: " إن قيل: ما اتصال هذه الآية بما قبلها؟ قيل: إنه لما نهى عن الكفر فيما تقدم، وقبح صورته، وحذر منه، وبين قدرته عليهم حث قال: (ولله ما في السماوات) نهى هاهنا عن تعاطي أفعال الكفرة" (٨). الفوائد: ١ - تعظيم شأن الربا وخطره، ووجهه أنه صدر الخطاب في شأنه بالنداء. ٢ - أن اجتناب الربا من مقتضيات الإيمان، وأن أكله منقص للإيمان، لأنه من كبائر الذنوب. ٣ - تحريم أكل الربا، لقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾، والأصل في النهي التحريم. القرآن ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١] التفسير: واجعلوا لأنفسكم وقاية بينكم وبين النار التي هُيِّئت للكافرين. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، "أي احذروا نار جهنم" (٩). قال الطبري: أي: " واتقوا، أيها المؤمنون، النارَ أن تصلوْها بأكلكم الربا بعد نهيي إياكم عنه" (١٠). قوله تعالى: ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، أي: " التي هيئت للكافرين" (١١). قال محمد بن إسحاق: " أي: التي جعلت دارا لمن كفر بي" (١٢). قال السمرقندي: " يعني: خُلقت وهيئت للكافرين" (١٣). قال مقاتل بن حيان: " من أكل الربا فلم ينته فله النار" (١٤). قال الطبري: أي: " التي أعددتها لمن كفر بي، فتدخلوا مَدْخَلَهم بعد إيمانكم بي، بخلافكم أمري، وترككم طاعتي" (١٥).

стр. 2487

قال سعيد بن جبير: " فخوف آكل الربا من المؤمنين بالنار التي أعدت للكافرين" (١). عن معاوية بن قرة: "كان الناس يتأولون هذه الآية: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾: اتقوا أن لا أعذبكم بذنوبكم في النار التي أعددتها للكافرين" (٢). قال الثعلبي: " ثم خوفهم فقال: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾، وفيه دليل على أن النار مخلوقة ردا على الجهمية، لأن المعدوم لا يكون معدا" (٣). قال الراغب: " إعداد الشيء تهيئته قبل الحاجة إليه، وإنما أراد تقديره وإيجاده، فلا حاجة به تعالى إلى الإعداد، وأصله من: العد، وقولك: أعددت كذا لكذا، أي اعتبرت قدره بقدره" (٤). ويجدر القول بأن المعتزلة يرون: أنه "من أتى بالكبيرة ومات عليها فإنه يخلد في النار كالكافر، فإنه وعد لأكل الربا النار كما وعد الكفار. وقال أكثر أهل العلم والتفسير: هذا الوعيد لمن استحل الربا ومن استحل الربا فإنه يكفر ويصير إلى النار. ويقال: معناه اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبوا النار، لأن من الذنوب ما يستوجب به نزع الإيمان ويخاف عليه، فمن ذلك عقوق الوالدين" (٥). وإن قيل: "ما وجه ذكر: ﴿اتقوا النار﴾، بعد قوله: ﴿اتقوا الله﴾؟ قيل: قد تقدم أن قوله: ﴿اتقوا الله﴾ يقال باعتبار ذاته، واتقوا النار باعتبار عقابه، فالأول للأولياء الأصفياء، ولذلك وصله بالفلاح الذي هو أعلى درجة الثواب، والثاني للمذنبين، فلذلك وصله بالرحمة، ولما كانت المنزلة الأولى لا تحصل إلا لمن حصلت له المنزلة الثانية، حث كافة الناس على الاستعانة بتقوى عقوبته، والطاعة له ولرسوله في ترك الربا وغيره من المعاصي؛ ليصلوا إلى الرحمة ذريعة إلى الفلاح" (٦). وإن قيل: "الفلاح لا يخرج من أن يكون رحمة؟ قيل: صحيح، ولكن الرحمة أعم من الفلاح، فكل فلاح رحمة، وليس كل رحمة فلاحا، ومن قال في قوله: ﴿أعدت للكافرين﴾ دلالة أن لا فاسق فيها، فليس باستدلال يوجب الركون إليه، لأن ما يصح أن يشترك فيه أقوام إذا قيل: أعد لفلان. فليس فيه أنه لم يعد لغيره. ثم قد ثبت أن النار دركات، فأكثر ما في ذلك أن النار المعدة للكافر ليست للفاسق" (٧). الفوائد: ١ - وجوب اتخاذ ما يقي من النار، لقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾، والأصل في الأمر الوجوب. ٢ - أن النار موجودة الآن، لقوله: ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ﴾. ٣ - أن أهل النار هم الكافرون، لقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وأما الفساق الذين يعذبون بالنار على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها، فإن النار لم تعدّ لهم، فعذاب النار يخفف ويثقل بحسب عمل الإنسان. القرآن ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢] التفسير: وأطيعوا الله -أيها المؤمنون- فيما أمركم به من الطاعات وفيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره من الأشياء، وأطيعوا الرسول; لترحموا، فلا تعذبوا. قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]، "أي اطيعوا الله ورسوله" (٨). قال سعيد بن جبير: "يعني: في تحريم الربا" (٩).

стр. 2488

قال الطبري: أي: " وأطيعوا الله، أيها المؤمنون، فيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره من الأشياء، وفيما أمركم به الرسول. يقول: وأطيعوا الرسول أيضًا كذلك" (١). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]، أي: " لتكونوا من الأبرار الذين تنالهم رحمة الله" (٢). قال سعيد بن جبير: " يعني: لكي ترحمون فلا تعذبون" (٣). قال الطبري: " لترحموا فلا تعذبوا" (٤). وقد أخرج الطبري: عن ابن إسحاق: ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾، معاتبة للذين عصوْا رسوله حين أمرهم بالذي أمرهم به في ذلك اليوم وفي غيره - يعني: في يوم أحُد" (٥). الفوائد: ١ - وجوب طاعة الله ورسوله، لقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، لأن الأصل في الأمر الوجوب. ٢ - جواز اقتران اسم الرسول باسم الله في الأمر الذي يكون مشتركا بينهما، لقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. ٣ - أن طاعة الله ورسوله سبب للرحمة، لقوله: : ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. القرآن ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣] التفسير: وبادروا بطاعتكم لله ورسوله لاغتنام مغفرة عظيمة من ربكم وجنة واسعة، عرضها السموات والأرض، أعدها الله للمتقين. في سبب نزول الآية: أخرج الطبري بسنده عن عطاء بن أبى رباح: "أنهم قالوا: يا نبي الله، بنو إسرائيل أكرم على الله منا! كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه: اجدع أذنك، اجدع أنفك، افعل! فسكت رسول الله ﷺ ، فنزلت: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين﴾، إلى قوله: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾، فقال رسول الله ﷺ : " ألا أخبركم بخير من ذلك "؟ فقرأ هؤلاء الآيات" (٦). ونقله الثعلبي عن عطاء" (٧)، وروي عن ابن مسعود نحو ذلك (٨). قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، " أي: بادروا إِلى ما يوجب المغفرة بطاعة الله وامتثال أوامره" (٩). قال الطبري: أي: " وبادروا وسابقوا إلى ما يستر عليكم ذنوبكم من رحمته، وما يغطيها عليكم من عفوه عن عقوبتكم عليها " (١٠). عن سعيد: " ﴿وسارعوا﴾، يقول: سارعوا بالأعمال الصالحة" (١١)، " ﴿إلى مغفرة من ربكم﴾، قال: لذنوبكم" (١٢).

стр. 2489

قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، " أي: وإِلى جنة واسعة عرضها السماء والأرض" (١). قال سعيد بن جبير: " يعني عرض سبع سموات وسبع أرضين لو لصق بعضهن إلى بعض فالجنة في عرضهن" (٢). قال ابن عباس: " تُقرن السموات السبع والأرضون السبع، كما تُقرن الثياب بعضها إلى بعض، فذاك عرض الجنة" (٣). وفي رواية ابن أبي حاتم عن كريب قال: "أرسلني ابن عباس إلى رجل من أهل الكتاب أسأله عن هذه الآية جنة عرضها السماوات والأرض قال: فأخرج أسفار موسى فجعل ينظر قال: تلفق كما يلفق الثوب، وأما طولها فلا يقدر قدره إلا الله" (٤)، وروي عن يزيد بن أبي مالك نحو ذلك (٥). والله تعالى وصف عرض الجنة بالسموات والأرضين، أي: عرضها بعرض السموات والأرض، تشبيها به في السعة والعظم، كما قيل: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [سورة لقمان: ٢٨]، يعني: إلا كبعث نفس واحدة، وكما قال شقيق بن جزء بن رياح الباهلي (٦): كأَنَّ عَذِيرَهُمْ بِجَنُوب سِلَّى ... نَعَامٌ قَاقَ فِي بَلَدٍ قِفَارِ أي: عذيرُ نعام، وكما قال ذوالخرق الطهوي (٧): حَسِبتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ... وَمَا هي، وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ يريد صوت عناق (٨). عن يعلى بن مرة قال: لقيت التنوخيّ رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص، شيخًا كبيرًا قد فُنِّد. قال: قدمت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلا عن يساره. قال قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية. فإذا كتاب صاحبي: " إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟ " فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله! فأين الليل إذا جاء النهار؟ " (٩). وعن طارق بن شهاب قال: "جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: تقولون: ﴿جنة عرضها السموات والأرض﴾، أين تكون النار؟ فقال له عمر: أرأيت النهار إذا جاء أين يكون الليل؟ أرأيت الليل إذا جاء، أين يكون النهار؟ فقال: إنه لمثلها في التوراة، فقال له صاحبه: لم أخبرته؟ فقال له صاحبه: دعه، إنه بكلٍّ موقنٌ" (١٠). وروي عن ابن عباس نحو ذلك (١١). قال ابن عثيمين: "الآية لا تدل على أن الجنة ملأت السماوات والأرض وصارت في محلها، بل تدل على أن عرضها عرض السماوات والأرض وإن كانت هي فوقهم، ولذلك نقول أن الجنة فوق السماوات والأرض كلها، كما ثبت عن النبي- ﷺ «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقها أو وفوقُها-روي بالوجهين- عرش الرحمن» (١٢)، وهذا يدل أن الجنة فوق السماوات، وأما النار فهي أسفل السافلين، وعلى هذا فلايكون في الآية إشكالا اطلاقا، ويحتمل أن تقول: إن هذا اليهودي أراد أن يلبس

стр. 2490

ويشبّه في القرآن ويتبع ما تشابه، وإن النبي- ﷺ -إذا صحّ الحديث- أجابه على وجه يبهت فيه ولا يتكلم على مقتضى عقله، فقال: «أين الليل إذا جاء النهار» " (١). قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، "أي هيئت للمتقين لله " (٢). قال ابن إسحاق: " أي: دارًا لمن أطاعني وأطاع رسولي" (٣). قال ابن كثير: " أي: كما أعدّت النار للكافرين" (٤). قال الطبري: أي: " أعدها الله للمتقين، الذين اتقوا الله فأطاعوه فيما أمرهم ونهاهم، فلم يتعدوا حدوده، ولم يقصِّروا في واجب حقه عليهم فيضيِّعوه" (٥). قال الزجاج: " أي لمن اتقى المحارم، وروي عن النبي ﷺ «أن بين مصراعي باب الجنة مسيرة أربعين عاما» (٦)، وليأتين عليه يوم يزدحم عليه الناس؛ كما تزدحم الإبل وردت خمصا. ظماء" (٧). قال سعيد بن جبير: " ﴿أعدت للمتقين﴾، يعني: الذين يتقون الشرك" (٨). الفوائد: ١ - الأمر بالمسارع إلى المغفرة والرحمة والجنة. ٢ - أن التخلية قبل التحلية، لأنه قال: ﴿إلى مغفرة من ربكم وجنة﴾، فبالمغفرة الزحزحة عن النار التي أوجبتها الذنوب، وبالجنة دخول الجنة. ٣ - أن المغفرة لاتكون إلا من الله. ٤ - بيان سعة الجنة. ٥ - أن الجنة موجودة الآن، لقوله: ﴿أعدت﴾، والإعداد: التهيئة. القرآن ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤] التفسير: الذين ينفقون أموالهم في اليسر والعسر، والذين يمسكون ما في أنفسهم من الغيظ بالصبر، وإذا قَدَروا عَفَوا عمَّن ظلمهم. وهذا هو الإحسان الذي يحب الله أصحابه. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، "أي: الذين يبذلون أموالهم في اليسر والعسر، وفي الشدة والرخاء" (٩). قال ابن عباس: " يقول: في العسر واليسر" (١٠). وروي عن سعيد بن جبير مثل ذلك (١١).
следующие страницы →