← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

قال ابن إسحاق: " أي: فأطيعوا" (١). قال سعيد بن جبير: " واتقوا الله في أمر الربا فلا تأكلوا" (٢). قال الطبري: أي: " واتقوا الله أيها المؤمنون، في أمر الربا فلا تأكلوه، وفي غيره مما أمركم به أو نهاكم عنه، وأطيعوه فيه" (٣). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]، "أي: لتكونوا من الفائزين" (٤). قال سعيد: " يعني: لكي تفلحون" (٥). قال الطبري: أي: " لتنجحوا فتنجوا من عقابه، وتدركوا ما رغَّبكم فيه من ثوابه والخلود في جنانه" (٦). قال ابن إسحاق: " أي: لعلكم أن تنجوا مما حذركم من عذابه، وتدركوا ما رغبكم فيه من ثوابه" (٧). قال الراغب: " إن قيل: ما اتصال هذه الآية بما قبلها؟ قيل: إنه لما نهى عن الكفر فيما تقدم، وقبح صورته، وحذر منه، وبين قدرته عليهم حث قال: (ولله ما في السماوات) نهى هاهنا عن تعاطي أفعال الكفرة" (٨). الفوائد: ١ - تعظيم شأن الربا وخطره، ووجهه أنه صدر الخطاب في شأنه بالنداء. ٢ - أن اجتناب الربا من مقتضيات الإيمان، وأن أكله منقص للإيمان، لأنه من كبائر الذنوب. ٣ - تحريم أكل الربا، لقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾، والأصل في النهي التحريم. القرآن ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١] التفسير: واجعلوا لأنفسكم وقاية بينكم وبين النار التي هُيِّئت للكافرين. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، "أي احذروا نار جهنم" (٩). قال الطبري: أي: " واتقوا، أيها المؤمنون، النارَ أن تصلوْها بأكلكم الربا بعد نهيي إياكم عنه" (١٠). قوله تعالى: ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، أي: " التي هيئت للكافرين" (١١). قال محمد بن إسحاق: " أي: التي جعلت دارا لمن كفر بي" (١٢). قال السمرقندي: " يعني: خُلقت وهيئت للكافرين" (١٣). قال مقاتل بن حيان: " من أكل الربا فلم ينته فله النار" (١٤). قال الطبري: أي: " التي أعددتها لمن كفر بي، فتدخلوا مَدْخَلَهم بعد إيمانكم بي، بخلافكم أمري، وترككم طاعتي" (١٥).

стр. 2487

قال سعيد بن جبير: " فخوف آكل الربا من المؤمنين بالنار التي أعدت للكافرين" (١). عن معاوية بن قرة: "كان الناس يتأولون هذه الآية: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾: اتقوا أن لا أعذبكم بذنوبكم في النار التي أعددتها للكافرين" (٢). قال الثعلبي: " ثم خوفهم فقال: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾، وفيه دليل على أن النار مخلوقة ردا على الجهمية، لأن المعدوم لا يكون معدا" (٣). قال الراغب: " إعداد الشيء تهيئته قبل الحاجة إليه، وإنما أراد تقديره وإيجاده، فلا حاجة به تعالى إلى الإعداد، وأصله من: العد، وقولك: أعددت كذا لكذا، أي اعتبرت قدره بقدره" (٤). ويجدر القول بأن المعتزلة يرون: أنه "من أتى بالكبيرة ومات عليها فإنه يخلد في النار كالكافر، فإنه وعد لأكل الربا النار كما وعد الكفار. وقال أكثر أهل العلم والتفسير: هذا الوعيد لمن استحل الربا ومن استحل الربا فإنه يكفر ويصير إلى النار. ويقال: معناه اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبوا النار، لأن من الذنوب ما يستوجب به نزع الإيمان ويخاف عليه، فمن ذلك عقوق الوالدين" (٥). وإن قيل: "ما وجه ذكر: ﴿اتقوا النار﴾، بعد قوله: ﴿اتقوا الله﴾؟ قيل: قد تقدم أن قوله: ﴿اتقوا الله﴾ يقال باعتبار ذاته، واتقوا النار باعتبار عقابه، فالأول للأولياء الأصفياء، ولذلك وصله بالفلاح الذي هو أعلى درجة الثواب، والثاني للمذنبين، فلذلك وصله بالرحمة، ولما كانت المنزلة الأولى لا تحصل إلا لمن حصلت له المنزلة الثانية، حث كافة الناس على الاستعانة بتقوى عقوبته، والطاعة له ولرسوله في ترك الربا وغيره من المعاصي؛ ليصلوا إلى الرحمة ذريعة إلى الفلاح" (٦). وإن قيل: "الفلاح لا يخرج من أن يكون رحمة؟ قيل: صحيح، ولكن الرحمة أعم من الفلاح، فكل فلاح رحمة، وليس كل رحمة فلاحا، ومن قال في قوله: ﴿أعدت للكافرين﴾ دلالة أن لا فاسق فيها، فليس باستدلال يوجب الركون إليه، لأن ما يصح أن يشترك فيه أقوام إذا قيل: أعد لفلان. فليس فيه أنه لم يعد لغيره. ثم قد ثبت أن النار دركات، فأكثر ما في ذلك أن النار المعدة للكافر ليست للفاسق" (٧). الفوائد: ١ - وجوب اتخاذ ما يقي من النار، لقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾، والأصل في الأمر الوجوب. ٢ - أن النار موجودة الآن، لقوله: ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ﴾. ٣ - أن أهل النار هم الكافرون، لقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وأما الفساق الذين يعذبون بالنار على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها، فإن النار لم تعدّ لهم، فعذاب النار يخفف ويثقل بحسب عمل الإنسان. القرآن ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢] التفسير: وأطيعوا الله -أيها المؤمنون- فيما أمركم به من الطاعات وفيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره من الأشياء، وأطيعوا الرسول; لترحموا، فلا تعذبوا. قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]، "أي اطيعوا الله ورسوله" (٨). قال سعيد بن جبير: "يعني: في تحريم الربا" (٩).

стр. 2488

قال الطبري: أي: " وأطيعوا الله، أيها المؤمنون، فيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره من الأشياء، وفيما أمركم به الرسول. يقول: وأطيعوا الرسول أيضًا كذلك" (١). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]، أي: " لتكونوا من الأبرار الذين تنالهم رحمة الله" (٢). قال سعيد بن جبير: " يعني: لكي ترحمون فلا تعذبون" (٣). قال الطبري: " لترحموا فلا تعذبوا" (٤). وقد أخرج الطبري: عن ابن إسحاق: ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾، معاتبة للذين عصوْا رسوله حين أمرهم بالذي أمرهم به في ذلك اليوم وفي غيره - يعني: في يوم أحُد" (٥). الفوائد: ١ - وجوب طاعة الله ورسوله، لقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، لأن الأصل في الأمر الوجوب. ٢ - جواز اقتران اسم الرسول باسم الله في الأمر الذي يكون مشتركا بينهما، لقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. ٣ - أن طاعة الله ورسوله سبب للرحمة، لقوله: : ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. القرآن ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣] التفسير: وبادروا بطاعتكم لله ورسوله لاغتنام مغفرة عظيمة من ربكم وجنة واسعة، عرضها السموات والأرض، أعدها الله للمتقين. في سبب نزول الآية: أخرج الطبري بسنده عن عطاء بن أبى رباح: "أنهم قالوا: يا نبي الله، بنو إسرائيل أكرم على الله منا! كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه: اجدع أذنك، اجدع أنفك، افعل! فسكت رسول الله ﷺ ، فنزلت: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين﴾، إلى قوله: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾، فقال رسول الله ﷺ : " ألا أخبركم بخير من ذلك "؟ فقرأ هؤلاء الآيات" (٦). ونقله الثعلبي عن عطاء" (٧)، وروي عن ابن مسعود نحو ذلك (٨). قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، " أي: بادروا إِلى ما يوجب المغفرة بطاعة الله وامتثال أوامره" (٩). قال الطبري: أي: " وبادروا وسابقوا إلى ما يستر عليكم ذنوبكم من رحمته، وما يغطيها عليكم من عفوه عن عقوبتكم عليها " (١٠). عن سعيد: " ﴿وسارعوا﴾، يقول: سارعوا بالأعمال الصالحة" (١١)، " ﴿إلى مغفرة من ربكم﴾، قال: لذنوبكم" (١٢).

стр. 2489

قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، " أي: وإِلى جنة واسعة عرضها السماء والأرض" (١). قال سعيد بن جبير: " يعني عرض سبع سموات وسبع أرضين لو لصق بعضهن إلى بعض فالجنة في عرضهن" (٢). قال ابن عباس: " تُقرن السموات السبع والأرضون السبع، كما تُقرن الثياب بعضها إلى بعض، فذاك عرض الجنة" (٣). وفي رواية ابن أبي حاتم عن كريب قال: "أرسلني ابن عباس إلى رجل من أهل الكتاب أسأله عن هذه الآية جنة عرضها السماوات والأرض قال: فأخرج أسفار موسى فجعل ينظر قال: تلفق كما يلفق الثوب، وأما طولها فلا يقدر قدره إلا الله" (٤)، وروي عن يزيد بن أبي مالك نحو ذلك (٥). والله تعالى وصف عرض الجنة بالسموات والأرضين، أي: عرضها بعرض السموات والأرض، تشبيها به في السعة والعظم، كما قيل: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [سورة لقمان: ٢٨]، يعني: إلا كبعث نفس واحدة، وكما قال شقيق بن جزء بن رياح الباهلي (٦): كأَنَّ عَذِيرَهُمْ بِجَنُوب سِلَّى ... نَعَامٌ قَاقَ فِي بَلَدٍ قِفَارِ أي: عذيرُ نعام، وكما قال ذوالخرق الطهوي (٧): حَسِبتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ... وَمَا هي، وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ يريد صوت عناق (٨). عن يعلى بن مرة قال: لقيت التنوخيّ رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص، شيخًا كبيرًا قد فُنِّد. قال: قدمت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلا عن يساره. قال قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية. فإذا كتاب صاحبي: " إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟ " فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله! فأين الليل إذا جاء النهار؟ " (٩). وعن طارق بن شهاب قال: "جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: تقولون: ﴿جنة عرضها السموات والأرض﴾، أين تكون النار؟ فقال له عمر: أرأيت النهار إذا جاء أين يكون الليل؟ أرأيت الليل إذا جاء، أين يكون النهار؟ فقال: إنه لمثلها في التوراة، فقال له صاحبه: لم أخبرته؟ فقال له صاحبه: دعه، إنه بكلٍّ موقنٌ" (١٠). وروي عن ابن عباس نحو ذلك (١١). قال ابن عثيمين: "الآية لا تدل على أن الجنة ملأت السماوات والأرض وصارت في محلها، بل تدل على أن عرضها عرض السماوات والأرض وإن كانت هي فوقهم، ولذلك نقول أن الجنة فوق السماوات والأرض كلها، كما ثبت عن النبي- ﷺ «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقها أو وفوقُها-روي بالوجهين- عرش الرحمن» (١٢)، وهذا يدل أن الجنة فوق السماوات، وأما النار فهي أسفل السافلين، وعلى هذا فلايكون في الآية إشكالا اطلاقا، ويحتمل أن تقول: إن هذا اليهودي أراد أن يلبس

стр. 2490

ويشبّه في القرآن ويتبع ما تشابه، وإن النبي- ﷺ -إذا صحّ الحديث- أجابه على وجه يبهت فيه ولا يتكلم على مقتضى عقله، فقال: «أين الليل إذا جاء النهار» " (١). قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، "أي هيئت للمتقين لله " (٢). قال ابن إسحاق: " أي: دارًا لمن أطاعني وأطاع رسولي" (٣). قال ابن كثير: " أي: كما أعدّت النار للكافرين" (٤). قال الطبري: أي: " أعدها الله للمتقين، الذين اتقوا الله فأطاعوه فيما أمرهم ونهاهم، فلم يتعدوا حدوده، ولم يقصِّروا في واجب حقه عليهم فيضيِّعوه" (٥). قال الزجاج: " أي لمن اتقى المحارم، وروي عن النبي ﷺ «أن بين مصراعي باب الجنة مسيرة أربعين عاما» (٦)، وليأتين عليه يوم يزدحم عليه الناس؛ كما تزدحم الإبل وردت خمصا. ظماء" (٧). قال سعيد بن جبير: " ﴿أعدت للمتقين﴾، يعني: الذين يتقون الشرك" (٨). الفوائد: ١ - الأمر بالمسارع إلى المغفرة والرحمة والجنة. ٢ - أن التخلية قبل التحلية، لأنه قال: ﴿إلى مغفرة من ربكم وجنة﴾، فبالمغفرة الزحزحة عن النار التي أوجبتها الذنوب، وبالجنة دخول الجنة. ٣ - أن المغفرة لاتكون إلا من الله. ٤ - بيان سعة الجنة. ٥ - أن الجنة موجودة الآن، لقوله: ﴿أعدت﴾، والإعداد: التهيئة. القرآن ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤] التفسير: الذين ينفقون أموالهم في اليسر والعسر، والذين يمسكون ما في أنفسهم من الغيظ بالصبر، وإذا قَدَروا عَفَوا عمَّن ظلمهم. وهذا هو الإحسان الذي يحب الله أصحابه. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، "أي: الذين يبذلون أموالهم في اليسر والعسر، وفي الشدة والرخاء" (٩). قال ابن عباس: " يقول: في العسر واليسر" (١٠). وروي عن سعيد بن جبير مثل ذلك (١١).

стр. 2491

قال ابن كثير: " أي: في الشدة والرخاء، والمَنْشَط والمَكْرَه، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤]، والمعنى: أنهم لا يشغلهم أمْر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مَرَاضِيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر" (١). قال الطبري: أي: " أعدت الجنة التي عرضها السموات والأرض للمتقين، وهم المنفقون أموالهم في سبيل الله، إما في صرفه على محتاج، وإما في تقوية مُضعِف على النهوض لجهاده في سبيل الله" (٢). قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، أي: والذين "يمسكون غيظهم مع قدرتهم على الانتقام" (٣). قال مقاتل بن سليمان: " وهو الرجل يغضب في أمر فإذا فعله وقع في معصية، فيكظم الغيظ ويغفر" (٤). قال ابن كثير: " أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه، بمعنى: كتموه فلم يعملوه" (٥). قال الطبري: أي: " والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه يقال منه: كظم فلان غيظه، إذا تجرَّعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرةٌ على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها، وأصل ذلك من: كظم القربة، يقال منه: كظمتُ القربة، إذا ملأتها ماء، وفلان كظيمٌ ومكظومٌ، إذا كان ممتلئًا غمٌّا وحزنًا. ومنه قول الله ، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [سورة يوسف: ٨٤] يعني: ممتلئ من الحزن" (٦). عن أبي هريرة في قوله: ﴿والكاظمين الغيظ﴾: أن النبي ﷺ قال: "من كظم غيظًا وهو يقدر على إنفاذه، ملأه الله أمنًا وإيمانًا" (٧). قال ابن عباس: " فـ ﴿الكاظمين الغيظ﴾، كقوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [سورة الشورى: ٣٧]، يغضبون في الأمر لو وقعوا به كان حرامًا، فيغفرون ويعفون، يلتمسون بذلك وجه الله" (٨). قوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، أي: " والصافحين عن الناس عقوبَةَ ذنوبهم إليهم وهم على الانتقام منهم قادرون" (٩). قال ابن كثير: أي: " وعَفَوْا مع ذلك عمن أساء إليهم ... أي: مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم مَوجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهذا من مقامات الإحسان" (١٠). قال ابن عباس: " و ﴿العافين عن الناس﴾، كقوله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) [سورة النور: ٢٢]، يقول: لا تقسموا على أن لا تعطوهم من النفقة شيئًا واعفوا واصفحوا" (١١). وروي عن الربيع بن أنس (١٢)، وأبي العالية (١٣)، ومكحول (١٤): ﴿والعافين عن الناس﴾، قال: "عن المملوكين". وقال زيد بن أسلم (١٥)، ومقاتل: "عمن ظلمهم وأساء إليهم" (١٦).

стр. 2492

ورد في بعض الآثار: "يقول الله تعالى: ابنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي إذَا غَضِبْتَ، أَذْكُرُكَ إذَا غَضِبْتُ، فلا أمحقك فيمن أمحق" (١). وفي الحديث: "ثلاث أُقْسِمُ عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عِزا، ومن تواضع لله رفعه الله " (٢). وروى الحاكم في مستدركه من حديث موسى بن عُقبة، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة القُرشي، عن عُبَادة بن الصامت، عن أبي بن كعب؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من سره أن يُشْرَف له البنيان، وترفع له الدرجات فَلْيَعْفُ عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويَصِلْ من قطعه" (٣). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، أي: والله" يحب المتصفين بتلك الأوصاف الجليلة وغيرها" (٤). قال ابن إسحاق: " أي: وذلك الإحسان، وأنا أحب من عمل به" (٥). روي عن إسحاق، قال: "وحدثت عن ابن حيان، في قوله : ﴿الذين ينفقون﴾ قرأ حتى ﴿والله يحب المحسنين﴾ قال: يغيظون في الأمر، فيغفرون، ويعفون عن الناس، ومن يفعل ذلك فهو محسن، ﴿والله يحب المحسنين﴾ " (٦). قال الطبري: أي: " فإن الله يحب من عمل بهذه الأمور التي وصف أنه أعدَّ للعاملين بها الجنة التي عرضُها السموات والأرض، والعاملون بها هم احسنون، وإحسانهم، هو عملهم بها" (٧). عن أبي رجاء، عن الحسن قال: "يقال يوم القيامة: ليقم من كان له على الله أجر. فما يقوم إلا إنسان عفا، ثم قرأ هذه الآية: ﴿والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ " (٨). نقل الثعلبي عن السقطي: "الإحسان أن يحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان" (٩). وأخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن مقاتل بن حيان: ﴿والعافين عن الناس﴾، ومن فعل ذلك وهو محسن ﴿والله يحب المحسنين﴾، بلغني أن النبي ﷺ قال عند ذلك: إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصمه الله، وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت" (١٠). وقال مقاتل بن سليمان: " ومن يفعل هذا فقد أحسن فذلك قوله: ﴿والله يحب المحسنين﴾، فقال النبي- ﷺ : إني أرى هؤلاء في أمتي قليلا، وكانوا أكثر في الأمم الخالية" (١١). الفوائد: ١ - فضيلة الإنفاق على كل حال. ٢ - الثناء على من انفق في السراء والضراء، وذلك لأن الإنفاق في السراء ليس بغريب، فكل انسان يهون عليه ان ينفق إذا كان في السراء، لكن الإنفاق في الضراء هو الذي يدل على كون الإنسان ينفق طلبا للأجر لا زهدا في المال. ٣ - أنه ينبغي للإنسان أن يكظم الغيظ، لأن ذلك من صفات أهل الجنة. ٤ - الحث على العفو عن الناس، لكنه مقيد بما إذا كان أصلح.

стр. 2493

٥ - إثبات المحبة لله تعالى. ٦ - الحث على الإحسان، لأن الله يحب الإحسان والمحسنين، والشأن كل الشأن ان يحبك الله، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أحبابه. القرآن ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران: ١٣٥] التفسير: والذين إذا ارتكبوا ذنبًا كبيرًا أو ظلموا أنفسهم بارتكاب ما دونه، ذكروا وعد الله ووعيده فلجأوا إلى ربهم تائبين، يطلبون منه أن يغفر لهم ذنوبهم، وهم موقنون أنه لا يغفر الذنوب إلا الله، فهم لذلك لا يقيمون على معصية، وهم يعلمون أنهم إن تابوا تاب الله عليهم. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: نقل الثعلبي عن عطاء: " نزلت هذه الآية في نبهان التمار وكنيته أبو مقبل أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فهل لك فيه؟ قالت: نعم، فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها، فقالت له: اتق الله، فتركها وندم على ذلك فأتى النبي ﷺ وذكر له ذلك فنزلت هذه الآية" (١). والثاني: ونقل الثعلبي أيضا عن مقاتل والكلبي: "آخا رسول الله ﷺ بين رجلين أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله، فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذه منه دخل على أثرها فدخلت المرأة بيتا فتبعها فاتقته بيدها، فقبل يدها ثم ندم وانصرف، فقالت له: والله ما حفظت غيبة أخيك ولا نلت حاجتك، فخرج الأنصاري ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله. فقالت: لا أكثر الله في الاخوان مثله ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائبا مستغفرا، وطلبه الثقفي حتى وجده، فأتى به أبا بكر ﵁ رجاء أن يجدا راحة عنده فخرجا، وقال الأنصاري: هلكت، قال: وما أهلكك؟ فذكر له القصة، فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم، ثم لقى عمر ﵁ فقال: مثل ذلك، فأتيا النبي ﷺ فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾ " (٢). ونقله الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وفي الأخير: " فقال عمر: يا رسول الله ﷺ أخاص هذا به أم للناس عامة؟ قال: «بل للناس عامة في التوبة» " (٣). والثالث: وقال مقاتل: " وذلك أن رجلا خرج غازيا وخلف رجلا في أهله وولده، فعرض له الشيطان في أهله، فهوى المرأة فكان منه ما ندم، فأتى أبا بكر الصديق- ﵁ فقال: هلكت. قال: وما هلاك. قال: ما من شيء يناله الرجل من المرأة إلا وقد نلته غير الجماع فقال أبو بكر- رضى الله عنه-: ويحك أما علمت أن الله- يغار للغازي ما لا يغار للقاعد، ثم لقي عمر- ﵁ فأخبره. فقال له مثل مقالة أبي بكر- ﵁ ثم أتى النبي- ﷺ فقال له، مثل مقالتهما فأنزل الله- فيه ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾ " (٤). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي: والذين إذا ارتكبوا ذنباً قبيحاً كالكبائر" (٥). قال الزمخشري: أي: " فعلة متزايدة القبح" (٦).

стр. 2494

قال ابن كثير: أي: "والذين إذا صدر منهم ذنب" (١). قال الثعلبي: " يعني قبيحة خارجة عما أذن الله فيه، وأصل الفحش: القبيح والخروج عن الحد" (٢). قال المراغي: " أي والذين إذا فعلوا من القبيح ما يتعدى أثره إلى غيره كالغيبة ونحوها" (٣). وفي معنى "الفاحشة" ها هنا أقوال: أحدهما: أنها الزنا، قاله جابر (٤)، والسدي (٥)، ومقاتل (٦). والثاني: الكبائر من المعاصي (٧). والثالث: أنها الظلم. قاله إبراهيم النخعي (٨). والرابع: أنها طوافهم بالبيت عراة. وهذا قول زيد بن اسلم (٩). قال الطبري: " ومعنى الفاحشة، الفعلة القبيحة الخارجة عما أذِن الله فيه. وأصل الفحش: القبح، والخروج عن الحد والمقدار في كل شيء. ومنه قيل للطويل المفرط الطول: إنه لفاحش الطول، يراد به: قبيح الطول، خارج عن المقدار المستحسن. ومنه قيل للكلام القبيح غير القصد: كلام فاحش، وقيل للمتكلم به: أفحش في كلامه، إذا نطق بفُحش" (١٠). روي عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ قال: "أرأيتم الزاني، والسارق، وشارب الخمر ما تقولون فيهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هي فواحش وفيهن عقوبة" (١١). قوله تعالى: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي: " أو ظلموا انفسهم بارتكاب المعاصي وتعريضها للعقاب" (١٢). قال محمد بن إسحاق: "أي: بمعصية" (١٣). قال مقاتل بن حيان: أي: " أصابوا ذنوبا" (١٤). قال مقاتل بن سليمان: " ما كان نال منها دون الزنا" (١٥). قال الأصم: " ﴿فعلوا فاحشة﴾: الكبائر ﴿أو ظلموا أنفسهم﴾: بالصغائر" (١٦). قال الثعلبي: " وقيل: فعلوا فاحشة فعلا وظلموا أنفسهم قولا" (١٧). قال الزمخشري: أي: " أو أذنبوا أى ذنب كان مما يؤاخذون به" (١٨). قال الواحدي: " يعني: ما دون الزِّنا من قُبلةٍ أو لمسةٍ أو نظرٍ" (١٩). قال إبراهيم النخعي: " الظلم من الفاحشة، والفاحشة من الظلم" (٢٠).

стр. 2495

قال الطبري: " يعني به: فعلوا بأنفسهم غير الذي كان ينبغي لهم أن يفعلوا بها. والذي فعلوا من ذلك، ركوبهم من معصية الله ما أوجبوا لها به عقوبته" (١). قال البيضاوي: " بأن أذنبوا أي ذنب كان وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة، ولعل الفاحشة ما يتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك" (٢). قال المراغي: يعني: " أو فعلوا ذنبا يكون مقصورا عليهم كشرب الخمر ونحوه" (٣). قال الماتريدي: "ظلموا انفسهم، حيث لم يسلموا أنفسهم لله خالصين، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فإذا لم يسلموا له - وضعوا أنفسهم في غير موضعها، لذلك صاروا ظلمة أنفسهم" (٤). قوله تعالى: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي: " ذكروا وعيد الله على ما أتوا من معصيتهم إياه " (٥). قال مقاتل بن حيان: " ذكروا الله عند تلك الذنوب والفاحشة" (٦). قال محمد بن إسحاق: " ذكروا نهي الله عنها وما حرم عليهم منها" (٧). قال الواحدي: " أيْ: ذكروا عقاب الله" (٨). قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي: "طلبوا الغفران لأجل ذنوبهم" (٩). قال الطبري: أي: " فسألوا ربهم أن يستُر عليهم ذنوبهم بصفحه لهم عن العقوبة عليها" (١٠). قال ابن كثير: " أي: تابوا من ذنوبهم، ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقْلِعِين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا عنه" (١١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي: " وأي أحد يغفر الذنوب؛ ما يغفرها إلا الله" (١٢). قال محمد بن إسحاق: "وعرفوا أنه لا يغفر الذنوب إلا هو" (١٣). قال الصابوني: أي: "لا يغفر الذنوب إِلا الله" (١٤). عن الأسود بن سَرِيع؛ "أن النبي ﷺ أتي بأسير فقال: اللهمُ إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال النبي ﷺ : «عَرَفَ الْحقَّ لأهْلِهِ» " (١٥). قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي: " ولم يقيموا على ذنوبهم عامدين للمقام عليها" (١٦). قال مجاهد: " لم يمضوا على المعصية" (١٧). قال مقاتل: لم"يقيموا " (١٨).

стр. 2496

قال الحسن: " إتيان الذنب عمدا إصرار حتى يتوب" (١). وقال السدي: " فيسكتوا ولا يستغفروا" (٢). وقال عطاء: "يغمضوا" (٣). قال محمد بن إسحاق: " أي لم يقيموا على معصيتي، كفعل من أشرك بي فيما عملوا به من كفر بي" (٤) قال الواحدي: " أَيْ: لم يقيموا ولم يدوموا، بل أقرُّوا واستغفروا" (٥). قال الزجاج: " الإصرار الإقامة على الشيء" (٦). قال القرطبي: " الإصرار هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه" (٧). قال الزمخشري: " الإصرار معناه: اعتزام الدوام على الأمر، وترك الإقلاع عنه، ومنه صر الدنانير: أي الربط عليها، ومنه قول أبي السمال قعنب العدوي: «علم الله أنها مني صرى» " (٨). وقال سهل بن عبدالله: " والإصرار هو التسويف، والتسويف أن يقول: أتوب غدا، وهذا دعوى النفس، كيف يتوب غدا وغدا لا يملكه! " (٩). وأصل "الإصرار": " الثبات على الشيء، قال الحطيئة: يصف الخيل (١٠): عوابِسُ بالشُّعْثِ الكُماةِ إذا ابْتَغَوْا ... عُلالَتَها بالمُحْصَداتِ أَصَرَّتِ أي ثبتت على عدوها" (١١). روي عن رسول الله- ﷺ ، أنه قال: " لم يصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة" (١٢). وفي رواية اخرى عن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله ﷺ : «ليس كبيرة بكبيرة مع الاستغفار وليس صغيرة بصغيرة مع الإصرار» " (١٣). وقال قتادة: " إياكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قدما قدما في معاصي الله، لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرمه الله، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموت وهم على ذلك" (١٤). قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي: وهم يعلمون "أن الذي أتوه حرام ومعصية" (١٥). قال مقاتل: " أنها معصية" (١٦). قال السدي: " فيعلمون أنهم قد أذنبوا ثم أقاموا ولم يستغفروا" (١٧). قال عبدالله بن عبيد بن عمير: " وهم يعلمون إن تابوا، تاب الله عليهم" (١٨). قال ابن أبي نجيح: " ﴿وهم يعلمون﴾ أنه يغفر لمن استغفر ويتوب على من تاب" (١٩).

стр. 2497

قال محمد بن إسحاق: " ﴿وهم يعلمون﴾ ما حرمت عليهم من عبادة غيري" (١). قال الصابوني: أي: "وهم عالمون بقبحه" (٢). قال الطبري: أي: " وهم يعلمون أنّ الله قد تقدم بالنهي عنها، وأوعد عليها العقوبةَ من ركبها" (٣). الفوائد: ١ - أن المتقي لايكون محصوما من فعل الفاحشة أو ظلم النفس، عليه فإن فعل الفاحشة لايخدش التقوى إذا استغفر الإنسان وتاب، فليس الشأن في ان لا يفعل الإنسان المعصية، كل إنسان لابد أن يعصى، لكن الشأن في أنه إذا فعل المعصية رجع إلى الله وتاب. ٢ - أن الذنوب على قسمين: فواحش ودونها، أي: الكبائر والصغائر. ٣ - أن المبادرة بالتوبة من صفات المتقين، لأن التوبة واجب، والتسويف في التوبة من الشيطان. ٤ - أن ذكر الله تعالى سبب للتوبة والرجوع إلى الله. ٥ - أنه لا احد يغفر الذنوب إلا الله. ٦ - أن الرجل إذا أذنب فاستغفر، ثم اذنب فاستغفر، ثم اذنب فاستغفر، فإنه يغفر له وإن تكرر الذنب منه، لأن الله قال هنا: : ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، ولم يقل: ولم يعيدوا ما فعلوا، كما يجب أن لايكون استغفاره بلسانه فقط وقلبه منطو على الرجوع، فإن كان كذلك فإن الاستغفار لايفيده. ٧ - توبيخ من أصرّ على الذنب وهو عالم به، ولهذا قال العلماء أن الاصرار على المعصية الصغيرة يجعلها كبيرة، لأن إصراره عليها يل على تهاونه بمن عصاه. القرآن ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٦] التفسير: أولئك الموصوفون بتلك الصفات العظيمة جزاؤهم أن يستر الله ذنوبهم، ولهم جنات تجري من تحت أشجارها وقصورها المياه العذبة، خالدين فيها لا يخرجون منها أبدًا. ونِعْمَ أجر العاملين المغفرة والجنة. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٦]، " أي: الموصوفون بتلك الصفات الحميدة جزاؤهم وثوابهم العفو عما سلف من الذنوب" (٤). قال ميمون بن مهران: " وجبت لهم المغفرة" (٥). قال ابن كثير: " أي: جزاؤهم على هذه الصفات مغفرة من الله" (٦). عن سعيد بن جبير: في قول الله تعالى: ﴿أولئك﴾، يعني: الذين فعلوا ما ذكر الله في هذه الآية" (٧). أخرج ابن أبي حاتم عن عاصم، عن أبي عثمان: " أنه كان إذا تتلى هذه الآية: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم إلى قوله: جزاؤهم مغفرة من ربهم قال: نعم ما جازاك على الذنب" (٨). قوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٣٦]، " أي: ولهم جنات تجري خلال أشجارها الأنهار" (٩). قال مقاتل بن حيان: " جعل جزاؤهم جنات تجري من تحتها الأنهار" (١٠).

стр. 2498

قال الطبري: أي: " تجري خلال أشجارها الأنهار وفي أسافلها، جزاء لهم على صالح أعمالهم" (١). نقل الثعلبي عن شهر بن حوشب: "طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب" (٢). قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آل عمران: ١٣٦]، أي: "ماكثين فيها أبدا" (٣). قال الطبري: أي: " دائمي المقام في هذه الجنات التي وصفها" (٤). قوله تعالى: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦]، "أي: نعمت الجنة جزاءً لمن أطاع الله" (٥). قال ابن إسحاق: " أي: ثواب المطيعين" (٦). قال مقاتل بن حيان: " أجر العاملين بطاعة الله الجنة" (٧). قال الطبري: " يعني: ونعم جزاء العاملين لله، الجنات التي وصفها" (٨). قال ابن كثير: " يمدح تعالى الجنة" (٩). الفوائد: ١ - بيان جزاء المتقين وأنه جزاء لايدركه الإنسان بتصوره، لأنه أعظم مما يتصور. ٢ - أن جزاءهم متضمن لحصول المطلوب ودرء المكروه، يؤخذ من قوله"مغفرة" و"جنة"، فبالمغفرة درء المكروه، وبالجنة حصول المطلوب. ٣ - أن مغفرة الله للمرء من أعظم الثواب. ٤ - بيان حال الجنات التي وعدها المتقون وما يصوره قوله: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾، من النعيم العظيم. ٥ - أن أهل الجنة خالدون فيها، وقد دلّت النصوص أن هذا التخليد أبدي. ٦ - عظم هذا الأجر، والله تعالى هو العظيم جل وعلا وقد أثنى على هذا النعيم. ٧ - بيان فضل الله تعالى على عباده إذ جعل هذا الجزاء أجرا بمنزلة الأجر المحتم الذي لابد من ان يناله العبد. القرآن ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾ [آل عمران: ١٣٧] التفسير: يخاطب الله المؤمنين لمَّا أُصيبوا يوم «أُحد» تعزية لهم بأنه قد مضت من قبلكم أمم، ابتُلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين فكانت العاقبة لهم، فسيروا في الأرض معتبرين بما آل إليه أمر أولئك المكذبين بالله ورسله. قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، أي: "قد مضت من قبلكم وقائع من أنواع المؤاخذات والبلايا للأمم المكذبين" (١٠). عن مجاهد: "قوله: ﴿قد خلت من قبلكم سنن﴾ من الكفار والمؤمنين في الخير والشر" (١١). قال مقاتل: " يعني عذاب الأمم الخالية فخوف هذه الأمم بعذاب الأمم ليعتبروا فيوحدوه" (١٢).

стр. 2499

قال محمد بن إسحاق: " أي: قد مضت مني وقائع نقمة، في أهل التكذيب لرسلي والشرك بي، في عاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، فرأوا مثلات قد مضت مني فيهم، ولمن كان على مثل ما هم عليه، مثل ذلك مني، وإن أمليت لهم، أي: لا تظنوا أن نقمتي انقطعت عن عدوكم وعدوي، للدولة التي أدلتهم بها عليكم، لأبتليكم بذلك، لأعلم ما عندكم" (١). قال ابن كثير: " يقول تعالى مخاطبا عباده المؤمنين الذين أُصِيبوا يومَ أُحُد، وقُتِل منهم سبعون: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أي: قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين" (٢). قال الطبري: أي: قد" مضت وسلفت منى فيمن كان قبلكم، يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به، من نحو قوم عاد وثمود وقوم هود وقوم لوط، وغيرهم من سُلاف الأمم قبلكم سنن، يعني: مثُلات سيرَ بها فيهم وفيمن كذَّبوا به من أنبيائهم الذين أرسلوا إليهم، بإمهالي أهلَ التكذيب بهم، واستدراجي إياهم، حتى بلغ الكتاب فيهم أجله الذي أجَّلته لإدالة أنبيائهم وأهل الإيمان بهم عليهم، ثم أحللت بهم عقوبتي، وأنزلتُ بساحتهم نِقَمي، فتركتهم لمن بعدهم أمثالا وعبرًا " (٣). قال الزجاج: " معنى قد خلت قد مضت، ومعنى سنن أهل سنن أي أهل طرائق. والسنة الطريقة، وقول الناس: فلان على السنة معناه على الطريقة، ولم يحتاجوا " أن يقولوا على السنة المستقيمة لأن في الكلام دليلا على ذلك، وهذا كقولنا " مؤمن " معناه مصدق وفي الكلام دليل على أنه مؤمن بأمور الله- التي أمر بالإيمان بها" (٤). قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، " أي: فسيروا في الأرض، فانظروا الحال التي قد انتهى بها الكاذبون " (٥). قال قتادة: " يقول: " بما متعهم في الدنيا قليلا، ثم صيرهم إلى النار" (٦). قال الحسن: " فينظروا كيف عذب الله قوم نوح، وقوم لوط، وقوم صالح، والأمم التي عذب الله" (٧). قال الزجاج: " المعنى: إنكم إذا سرتم في أسفاركم عرفتم أخبار قوم اهلكوا بتكذيبهم" (٨). قال ابن أبي زمنين: " أي: كان عاقبتهم أن دمر الله عليهم، ثم صيرهم إلى النار؛ يحذرهم بذلك" (٩). قال السمرقندي: " أي اقرءوا القرآن فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ لأن من لم يسافر فإنه لا يعرف ذلك، وأما من قرأ القرآن فإنه يعرف ذلك" (١٠). قال الطبري: أي: " فسيروا - أيها الظانّون، أنّ إدالتي مَنْ أدلت من أهل الشرك يوم أحُد على محمد وأصحابه، لغير استدراج مني لمن أشرك بي، وكفرَ برسلي، وخالف أمري - في ديار الأمم الذين كانوا قبلكم، ممن كان على مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي والجاحدون وحدانيتي، فانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبيائي، وما الذي آل إليه غِبُّ خلافهم أمري، وإنكارهم وحدانيتي، فتعلموا عند ذلك أنّ إدالتي من أدلت من المشركين على نبيي محمد وأصحابه بأحد، إنما هي استدراج وإمهال ليبلغ الكتاب أجله الذي أجلت لهم، ثم إما أن يؤول حالهم إلى مثل ما آل إليه حال الأمم الذين سلفوا قبلهم: من تعجيل العقوبة عليهم، أو ينيبوا إلى طاعتي واتباع رسولي" (١١).

стр. 2500

قال المراغي: " أي فسيروا فى الأرض وتأملوا فيما حل بالأمم قبلكم ليحصل لكم العلم الصحيح المبنى على المشاهدة والاختبار، وتسترشدوا بذلك إلى أن المصارعة قد وقعت بين الحق والباطل فى الأمم السالفة، وانتهى أمرها إلى غلبة أهل الحق لأهل الباطل، وانتصارهم عليهم ما تمسكوا بالصبر والتقوى، ويدخل فى ذلك اتباع ما أمر الله به من الاستعداد للحرب وإعداد العدة لقتال العدو كما أمر الله به فى قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، وجرى ذلك على سنن مستقيمة وأسباب مطردة لا تغيير فيها ولا تبديل. والسير فى الأرض والبحث عن أحوال الماضين وتعرف ما حل بهم- نعم العون على معرفة تلك السنن والاعتبار بها، وقد نستفيد هذه الفائدة بالنظر فى كتب التاريخ التي دونها من ساروا فى الأرض، ورأوا آثار الذين خلوا، فتحصل لنا العظة والعبرة، ولكنها تكون دون اعتبار الذين يسيرون فى الأرض بأنفسهم، ويرون الآثار بأعينهم" (١). قال ابن عثيمين: "والمراد بالسير هنا، سير القلوب وسير الأقدام، أما سير القلوب فهو بالتفكر في عاقبة الأمم السابقة زمنا ومكانا" (٢). والأمر في قوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، للإرشاد، للوقوف على ديار الهالكين الغابرين لتعتبروا (٣). قال القاسمي: " والأمر بالسير والنظر. لما أن لمشاهدة آثار المتقدمين أثرا في الاعتبار والروعة، أقوى من أثر السماع" (٤). عن عباد بن منصور قال: "سألت الحسن عن قوله: فسيروا في الأرض قال: ألم تسيروا في الأرض؟ " (٥). الفوائد: ١ - أن الله تعالى قد أهلك أمما قبل الأمة، و ﴿سنن﴾ جمع كثرة لا جمع قلة. ٢ - تسلية هذه الأمة من وجه، وتحذيرها من وجه آخر. ٣ - إثبات القياس، لأن المقصود بقوله: ﴿فسيروا في الأرض﴾، النظر والاعتبار، وأن يقاس ما حضر على ما مضى وسلف. ٤ - أن عاقبة المكذبين بالله ورسله وخيمة. القرآن ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨] التفسير: هذا القرآن بيان وإرشاد إلى طريق الحق، وتذكير تخشع له قلوب المتقين، وهم الذين يخشون الله، وخُصُّوا بذلك; لأنهم هم المنتفعون به دون غيرهم. قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨]، " أي هذا الذي تقدم بيان للناس كافة" (٦). قال عامر الشعبي: " بيان من العمى" (٧). قال محمد بن إسحاق: " هذا تفسير للناس إن قبلوه " (٨). وقال قتادة: " وهو هذا القرآن، جعله الله بيانا للناس عامة، وهدى وموعظة للمتقين خاصة" (٩). قال الجزائري: " أي: ما ذكر في الآيات بيان للناس به يتبينون الهدى من الضلال وما لازمهما من الفلاح، والخسران" (١٠).

стр. 2501

قال السعدي: " أي: دلالة ظاهرة، تبين للناس الحق من الباطل، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، وهو الإشارة إلى ما أوقع الله بالمكذبين" (١). قال المراغي: " وذلك يدحض ما وقع للمشركين والمنافقين من الشبهة بنحو قولهم لو كان محمد رسولا حقا لما غلب فى وقعة أحد، فهذا الهدى والبيان يرشد إلى أن سنن الله حاكمة على الأنبياء والرسل كما هى حاكمة على سائر خلقه، فما من قائد يخالفه جنده، ويتركون حماية الثّغر الذي يؤتون من قبله، ويخلون بين عدوهم وبين ظهورهم، والعدو مشرف عليهم، إلا كان جيشه عرضة للانكسار إذا كر العدو عليه- قطع خط الرجعة- ولا سيما إذا كان بعد فشل وتنازع، ومن ثم كان هذا البيان لجميع الناس، كلّ على قدر استعداده للفهم وقبول الحجة" (٢). قوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]، أي: " وهدى وموعظة للمتقين منهم خاصة" (٣). قال الصابوني: " أي وهداية لطريق الرشاد وموعظة وذكرى للمتقين خاصة، وإِنما خصّ المتقين بالذكر لأنهم هم المنتفعون به دون سائر الناس" (٤). قال عامر الشعبي: " هدى من الضلالة، وموعظة من الجهل " (٥). قال محمد بن إسحاق: " أي " نور وأدب للمتقين "، ﴿للمتقين﴾ " لمن أطاعني، وعرف أمري" (٦). عن عباد بن منصور قال: "سألت الحسن عن قوله: ﴿وهدى﴾، قال: هو القرآن" (٧). وعن السدي: " قوله: ﴿هدى﴾، قال: نور" (٨). وعن سعيد بن جبير: ﴿وهدى﴾، يعني: تبيان" (٩). وعن ابن عباس: ﴿وموعظة للمتقين﴾، الذين من بعدهم إلى يوم القيامة" (١٠). وقال أبو العالية وقتادة: " موعظة للمتقين خاصة" (١١). وعن الحسن: ﴿وموعظة للمتقين﴾، يعدهم فيتقوا نعمة الله ويحذونها" (١٢). وروي عن عطية والسدي قالا: "لأمة محمد ﷺ (١٣). قال المراغي: " وأما كونه هدى وموعظة للمتقين خاصة، فلأنهم هم الذين يهتدون بمثل هذه الحقائق، ويتعظون بما ينطبق عليها من الوقائع، فيستقيمون ويسيرون على النهج السوىّ، ويتجنبون نتائج الإهمال التي تظهر لهم مضرة عاقبتها، فالمؤمن حقا هو الذي يهتدى بهدى الكتاب ويسترشد بمواعظه كما قال: «ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» فالقرآن يهدينا فى مسائل الحرب والتنازع مع غيرنا إلى أن نروز أنفسنا ونعرف كنه استعدادنا لنكون على بصيرة من حقنا فنسير على سنن الله فى طلبه وفى حفظه، وأن نعرف كذلك حال خصمنا ونضع الميزان بيننا وبينه، وإلا كنا غير مهتدين ولا متعظين" (١٤). الفوائد: ١ - أن القرآن بيان للناس في كل شيء، فهو عام من حيث التبيين وعام من حيث المبيّن له. ٢ - أن القرآن صالح لهداية المؤمن والكافر، لقوله: ﴿للناس﴾.

стр. 2502

٣ - أنه علم للمتقين، يعني لا ينتفع به إلا المتقون. ٤ - أن من لم يتعظ بالقرآن فليتهم نفسه، لقوله: ﴿وموعظة للمتقين﴾. ٥ - فضيلة التقوى، وأنها سبب للاهتداء والاتعاظ بالقرآن، وكلما ازداد الإنسان تقوى ازداد هدى وموعظة. القرآن ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩] التفسير: ولا تضْعُفوا -أيها المؤمنون- عن قتال عدوكم، ولا تحزنوا لما أصابكم في «أُحد»، وأنتم الغالبون والعاقبة لكم، إن كنتم مصدقين بالله ورسوله متَّبعين شرعه. في سبب نزول الآية وجهان: أحدهما: أخرج الطبري عن الزهري قال: كثر في أصحاب محمد ﷺ القتلُ والجراح، حتى خلص إلى كل امرئ منهم البأسُ، فأنزل الله القرآن، فآسَى فيه المؤمنين بأحسن ما آسى به قومًا من المسلمين كانوا قبلهم من الأمم الماضية، فقال: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنم مؤمنين﴾ إلى قوله: ﴿لبرز الذين كُتب عليهم القتلُ إلى مضاجعهم﴾ (١) " (٢). والثاني: أخرج الطبري عن ابن جريج: ": انهزم أصحاب رسول الله ﷺ في الشِّعب، فقالوا: ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؟ فنعى بعضهم بعضًا، وتحدَّثوا أن رسول الله ﷺ قد قتل، فكانوا في همّ وحزَن. فبينما هم كذلك، إذ علا خالد بن الوليد الجبلَ بخيل المشركين فوقهم، وهم أسفلُ في الشِّعب. فلما رأوا النبيّ ﷺ فرحوا، وقال النبي ﷺ : اللهم لا قوة لنا إلا بك، وليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر! . قال: وثاب نفرٌ من المسلمين رُماة، فصعدوا فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله، وعلا المسلمون الجبلَ. فذلك قوله: ﴿وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ " (٣). والثالث: أخرج الطبري عن ابن عباس قال: "أقبل خالد بن الوليد يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي ﷺ : اللهم لا يعلُون علينا. فأنزل الله : ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ " (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩]، أي: " ولا تضعفوا بالذي نالكم من عدوكم بأحد، من القتل والقروح" (٥). قال مجاهد (٦)، والربيع بن أنس (٧)، ومحمد بن إسحاق (٨)، ومقاتل بن حيان (٩): " ولا تضعفوا" (١٠). قال ابن جريج: " ولا تضعفوا في أمر عدوكم" (١١). قال الحسن: " يأمر محمدًا، يقول: ولا تهنوا، أن تمضوا في سبيل الله" (١٢). قال ابن كثير: " ثم قال مسليا للمؤمنين: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾، أي: لا تَضعفوا بسبب ما جرى" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩]، أي: " ولا تأسوْا فتجزعوا على ما أصابكم من المصيبة يومئذ" (١٤).

стр. 2503

قال محمد بن إسحاق: " ولا تأسوا على ما أصابكم" (١). قال قتادة: يعني [يعزّي] (٢) أصحاب محمد ﷺ كما تسمعون، ويحثهم على قتال عدوهم، وينهاهم عن العجز والوَهن في طلب عدوهم في سبيل الله" (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، أي: فإنكم أنتم " الظاهرُون عليهم، ولكم العُقبَى في الظفر والنُّصرة عليهم" (٤). قال الضحاك: "وأنتم الظاهرون" (٥). قال ابن كثير: " أي: العاقبة والنّصرة لكم أيها المؤمنون" (٦). قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، أي: " إن كنتم مصدِّقي نبيي محمد ﷺ فيما يَعدكم، وفيما ينبئكم من الخبر عما يؤول إليه أمركم وأمرهم" (٧). قال محمد بن إسحاق: " أي: لكم تكون العاقبة والظهور، إن كنتم صدَّقتم نبيي بما جاءكم به عني" (٨). الفوائد: ١ - ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن الوهن عن العمل في المستقبل، وعن الحزن ععلى ما مضى، لأن الحزن على ما فات لايرد الفائت. ٢ - ينبغي ان يكون الإنسان قوي العزيمة لايضعف ولايجبن، لكي لايفوته الخير الكثير، فالمستقبل لاتدري ما النتيجة فيه. ٣ - أن هذه الأمة هي العليا بشرط أن تؤمن. ٤ - التلميح بالتوبيخ إذا حصل الوهن والحزن، لاسيما إذا قلنا ان "الواو" حالية، يعني: كيف يليق بكم أن تهنوا وتحزنوا وأنتم الأعلون؟ ٥ - أنه كلما ازداد إيمان الأمة ازدادت علوّا، لأنه رتّب العلوّ على الإيمان، والمرتب على شيء يزيد بزيادته وينقص بنقسه. القرآن ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)﴾ [آل عمران: ١٤٠] التفسير: إن أصابتكم -أيها المؤمنون- جراح أو قتل في غزوة «أُحد» فحزنتم لذلك، فقد أصاب المشركين جراح وقتل مثل ذلك في غزوة «بدر». وتلك الأيام يُصَرِّفها الله بين الناس، نصر مرة وهزيمة أخرى، لما في ذلك من الحكمة، حتى يظهر ما علمه الله في الأزل ليميز الله المؤمن الصادق مِن غيره، ويُكْرِمَ أقوامًا منكم بالشهادة. والله لا يحب الذين ظلموا أنفسهم، وقعدوا عن القتال في سبيله. في سبب نزول الآية وجوه: أحدها: أخرج الطبري عن عكرمة عن ابن عباس قال: "لما كان قتال أحد وأصاب المسلمين ما أصابَ، صعد النبي ﷺ الجبل، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد! يا محمد! ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ الحربُ سجال: يوم لنا ويوم لكم. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: أجيبوه، فقالوا: لا سواء، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار! فقال أبو سفيان: لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم! فقال رَسول الله صلى الله

стр. 2504

عليه وسلم: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: اعْلُ هُبَل! فقال رسول الله ﷺ : قولوا: الله أعلى وأجل! فقال أبو سفيان: موعدكم وموعدنا بدرٌ الصغرى قال عكرمة: وفيهم أنزلت ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ " (١). وأخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة (٢). والثاني: نقل الثعلبي عن " راشد بن سعد: لما انصرف رسول الله ﷺ كئيبا حزينا جعلت المرأة تجيء بزوجها وابنها وأبيها مقتولين وهي تلدم فقال رسول الله ﷺ : «أهكذا يفعل برسولك؟ » «٥» [١٥٤] فأنزل الله تعالى: ﴿إن يمسسكم قرح﴾ " (٣). والثالث: أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عكرمة قال: لما أبطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن، فإذا رجلان مقتولان على دابة، أو على بعير، فقالت امرأة من الأنصار: من هذان؟ قالوا: فلان وفلان أخوها وزوجها، أو زوجها وابنها. فقالت: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: حي. قالت: فلا أبالي، يتخذ الله من عباده الشهداء، ونزل القرآن على ما قالت: ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾ " (٤). قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، " أي: إن كنتم قد أصابتكم جراحٌ وقُتل منكم طائفةٌ، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح" (٥). قال الزمخشري: "المعنى: إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال، فأنتم أولى أن لا تضعفوا. ونحوه: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]. وقيل: كان ذلك يوم أحد، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله ﷺ . فإن قلت: كيف قيل ﴿قرح مثله﴾ وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟ قلت: بلى كان مثله، ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] " (٦). قال الراغب: " الفرق بين المس واللمس: أن اللمس أخص، فإنه بالحاسة، والمس به وبغيره، وهو ههنا عبارة عن الإصابة والقرح أعم من الجرح، فإن الجرح إصابة الجارحة في الأصل، والقرح يقال له ولما يحدث من ذاته، نحو: قرح البعير، إذا خرج به قرحة، وهي شبه جرب" (٧). وقرئ: " ﴿قرح﴾، بفتح القاف وضمها، وهما لغتان كالضعف والضعف. وقيل: هو بالفتح الجراح، وبالضم ألمها. وقرأ أبو السمال ﴿قرح﴾، بفتحتين. وقيل القرح والقرح كالطرد والطرد" (٨). قال الفراء: " وقد قرأ أصحابُ عبد الله: ﴿قُرْح﴾، وكأن القُرْح: ألم الجراحات، وكأن القَرْحَ الجراحاتُ بأعيانها " (٩). قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، أي: " وتلك الأيام يُصَرِّفها الله بين الناس" (١٠). قال محمد بن إسحاق: " أي نصرِّفها للناس، للبلاء والتمحيص" (١١). قال مقاتل: " يوم لكم ببدر ويوم عليكم بأحد مرة للمؤمنين ومرة للكافرين" (١٢).

стр. 2505

قال الزجاج: " أي: نجعل الدولة في وقت من الأوقات للكافرين على المؤمنين إذا عصوا فيما يؤمرون به، من محاربة الكفار، فأما إذا أطاعوا فهم منصورون أبدا، كما قال الله : ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] " (١). قال ابن كثير: "أي: نُديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت العاقبة لكم لما لنا في ذلك من الحكم" (٢). قال الطبري: أي: " أيام بدر وأحُد، ويعني بقوله: ﴿نداولها بين الناس﴾، نجعلها دُوَلا بين الناس مصرَّفة. ويعني بـ ﴿الناس﴾، المسلمين والمشركين، وذلك أن الله أدال المسلمين من المشركين ببدر، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. وأدال المشركين من المسلمين بأحُد، فقتلوا منهم سبعين، سوى من جرحوا منهم" (٣). قال المراغي: " أي إن مداولة الأيام سنة من سنن الله فى المجتمع البشرى، فمرة تكون الدولة للمبطل، وأخرى للمحق، ولكن العاقبة دائما لمن اتبع الحق، وإنما تكون الدولة لمن عرف أسباب النجاح ورعاها حق رعايتها كالاتفاق وعدم التنازع والثبات وصحة النظر وقوة العزيمة، وأخذ الأهبة وإعداد ما يستطاع من القوة" (٤). قال الزمخشري: " والمراد بالأيام: أوقات الظفر والغلبة، نداولها: نصرفها بين الناس نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء، كقوله وهو من أبيات الكتاب (٥): فيوما علينا ويوما لنا ... ويوما نساء ويوما نسر ومن أمثال العرب: الحرب سجال" (٦). قال ابن عباس: " أدال المشركين على النبي ﷺ يوم أحد" (٧). وفي رواية أخرى له: " فإنه كان يوم أحُد بيوم بدر، قُتل المؤمنون يومَ أحد، اتخذ الله منهم شهداء، وغلب رسول الله ﷺ يوم بدر المشركين، فجعل له الدولة عليهم" (٨) قال الحسن: " جعل الله الأيام دولا أدال الكفار يوم أحُد من أصحاب رسول الله ﷺ " (٩). قال قتادة: " إنه والله لولا الدُّوَل ما أوذي المؤمنون، ولكن قد يُدال للكافر من المؤمن، ويبتلى المؤمن بالكافر" (١٠). قال الربيع: " فأظهر الله نبيه ﷺ وأصحابه على المشركين يوم بدر، وأظهر عليهم عدوَّهم يوم أحُد. وقد يدال الكافر من المؤمن، ويبتلى المؤمن بالكافر ... وأما من ابتلى منهم من المسلمين يوم أحد، فكان عقوبة بمعصيتهم رسول الله ﷺ " (١١). قال السدي: " ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾، يومًا لكم، ويومًا عليكم" (١٢). قال الماتريدي: " تحتمل الآية وجوها: يوما للمؤمنين ويوما عليهم، وذلك أن الأمر بمجاهدة العدو والقتال معهم محنة من الله - تعالى - إياهم يمتحنهم ويبتليهم؛ مرة بالظفر لهم والنصر على عدوهم، ومرة بالظفر للعدو عليهم؛ كقوله : (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، وكقوله: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات)، يمتحن عباده، بجميع أنواع المحن، بالخير مرة، وبالشر ثانيا.

стр. 2506

ويحتمل المداولة -أيضا وجها آخر: وهو أن الظفر والنصر لو كان أبدا للمؤمنين- لكان الكفار إذا أسلموا لم يسلموا إسلام اختيار؛ ولكن إنما آمنوا إيمان قهر وكره وجبر؛ لما يخافون على أنفسهم من الهلاك إذا رأوا الدولة والظفر للمؤمنين، وإن كان الظفر والنصر أبدا للكفار؛ فلعلهم يظنون أنهم المحقون فيمنعهم ذلك عن الإسلام. ويحتمل أن ما يصيب بمعصية المؤمنين إنما يصيب بمعصية سبقت منهم، أو خلاف كان منهم؛ من ترك أمر أو ارتكاب نهي" (١). قال الراغب: " والدول والدور يتقاربان، لكن الدور أعم، فإن الدولة لا تقال إلا في الحظ الدنيوي، وكذلك الجد، ولهذا قيل: "لا ينفع ذا الجد منك الجد"، أي: الحظوظ الدنيوية غير نافعة في القيامة، ، نحو: (يوم لا ينفع مال ولا بنون﴾ " (٢). قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٠]، " أي: فعل ذلك ليمتحنكم فيرى من يصبر عند الشدائد ويميز بين المؤمنين والمنافقين" (٣). قال قتادة والربيع: " ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، ويعلم الصادق من الكاذب" (٤). قال محمد بن إسحاق: " أي: ليميِّز بين المؤمنين والمنافقين" (٥). قال مقاتل: " يعني: وليرى إيمان الذين آمنوا منكم عند البلاء فيتبين إيمانهم أيشكوا في دينهم أم لا" (٦). قال الطبري: أي: " وليعلم الله الذين آمنوا منكم، أيها القوم، من الذين نافقوا منكم" (٧). قال الماتريدي: " ي: ليعلم ما قد علم بالغيب أنه يؤمن بالامتحان مؤمنا شاهدا، وليعلم ما قد علم أنه يكون كائنا، وجائز أن يراد بالعلم: المعلوم؛ كقوله: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله" (٨). قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، " أي: وليكرم منكم بالشهادة من أراد أن يكرمه بها" (٩). قال محمد بن إسحاق: " وليكرم من أكرَم من أهل الإيمان بالشهادة" (١٠). قال ابن كثير: " يعني: يُقْتَلُون في سبيله، ويَبْذُلون مُهَجهم في مرضاته" (١١). قال ابن عباس: " كانوا يسألون الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء" (١٢). قال ابن جريج: " فإن المسلمين كانوا يسألون ربهم: ربنا أرنا يومًا كيوم بدر نقاتل فيه المشركين، ونُبليك فيه خيرًا، ونلتمس فيه الشهادة! فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء" (١٣). قال الضحاك: " كان المسلمون يسألون ربهم أن يُريهم يومًا كيوم بدر، يبلون فيه خيرًا، ويرزقون فيه الشهادة، ويرزقون الجنة والحياة والرزق، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله فقال: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ الآية، [سورة البقرة: ١٥٤] " (١٤). قال قتادة: "، فكرَّم الله أولياءه بالشهادة بأيدي عدوِّهم، ثم تصير حواصل الأمور وعواقبها لأهل طاعة الله" (١٥).

стр. 2507

عن أبي الضحى قال: نزلت: ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾، فقتل منهم يومئذ سبعون، منهم أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، أخو بني عبد الدار، والشماس بن عثمان المخزومي، وعبد الله بن جحش الأسدي، وسائرهم من الأنصار" (١). أخرج الحاكم عن جابر-صحيحا-: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ذكر أصحاب أحد والله لوددت أني غودرت مع أصحابي بحصن (٢) الجبل» " (٣). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، "أي: والله لايحب المعتدين" (٤). عن ابن عباس: ﴿الظالمين﴾، يقول: الكافرين" (٥). قال محمد بن إسحاق: " أي: المنافقين الذي يظهرون بألسنتهم الطاعة، وقلوبهم مصرَّة على المعصية" (٦). قال السمعاني: " يعني: أنه ما جعل اليد للكفار يوم أحد لحبه إياهم؛ ولكن ليبتليكم، ويجعلكم شهداء" (٧). قال النسفي: قوله: " ﴿والله لا يُحِبُّ الظالمين﴾ اعتراض بين بعض التعليل وبعض ومعناه والله لا يحب من لبس من هؤلاء الثابتين على الإيمان المجاهدين في سبيله وهم المنافقون والكافرون" (٨). قال السعدي: " ﴿الظالمين﴾: الذين ظلموا أنفسهم، وتقاعدوا عن القتال في سبيله، وكأن في هذا تعريضا بذم المنافقين، وأنهم مبغضون لله، ولهذا ثبطهم عن القتال في سبيله" (٩). الفوائد: ١ - بيان رأفة الله برسول الله- ﷺ وأصحابه الكرام-رضوان الله عليهم- بهذه التسلية العظيمة: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. ٢ - أنه ينبغي للإنسان ان يعزي المصاب بمثل هذه التعزية، وذلك بذكر النظائراو ما هو أعظم، كأن يقول له مثلا: يا اخي أنت لست أول من أصيب ... الخ. ٣ - أن الله تعالى جعل هذه الدنيا دولا تتقلب لئلا يركن الإنسان إليها. ٤ - تمام سلان الله تعالى في خلقه، وأن له التدبير المطلق، ليظهر أو يتبيّن بذلك تمام سلطان الله تعالى. ٥ - أن الله قد يبتلي العبد بالمصائب ليعلم إيمانه من عدمه. ٦ - أن الله قد يقدر المكروه لحكم بالغة كثيرة. ٧ - أن علم الله تعالى بالاشياء على قسمين: علم بنها ستوجد وهذا أزلي، وعلم بأنها وجدت، وهذا يكون عند الوجود، ولهذا قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ٨ - فضيلة الشهادة، لكونها اصطفاء من الله تعالى لخواص عباده. ٩ - فضيلة شهداء أحد، لقوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. ١٠ - إثبات المحبة لله، وجهه نفيه عن الظالمين يدل على ثبوتها لغيرهم أو لضدهم. ١١ - التحذير من الظلم، لأنه مؤدي إلى عدم محبة الله له. القرآن ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران: ١٤١] التفسير:

стр. 2508

وهذه الهزيمة التي وقعت في «أُحد» كانت اختبارًا وتصفية للمؤمنين، وتخليصًا لهم من المنافقين وهلاكًا للكافرين. قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]، أي: " وليختبرَ الله الذين صدَّقوا الله ورسوله" (١). قال محمد بن إسحاق: " أي " يختبر الذين آمنوا، حتى يخلصهم من البلاء الذي نزل بهم، وكيف صبرهم ويقينهم" (٢). قال الماتريدي: " أي: يمحص ذنوبهم وسيئاتهم" (٣). قال الطبري: أي: " فيبتليهم بإدالة المشركين منهم، حتى يتبين المؤمن منهم المخلصَ الصحيحَ الإيمان، من المنافق" (٤). قال ابن كثير: " أي: يكفر عنهم من ذنوبهم، إن كان لهم ذنوب وإلا رُفعَ لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به" (٥). قال التستري: " يعني تخليصهم من عيوب الذنوب، كما أخلصوا له بالعمل، وهو الجهاد في سبيل الله" (٦). قوله تعالى: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]، أي: "ويهلك الكافرين ويستأصلهم" (٧). قال محمد بن إسحاق: " أي: " يبطل أمر المنافقين، قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به منكم " (٨). قال الفراء: أي: " ينقصهم ويفنيهم" (٩). قال الزجاج: أي: " ليستأصلهم، وجائز أن يكون يمحقهم يحبط أعمالهم، وتأويل المحص في اللغة: التنقية والتخليص، قال محمد بن يزيد ﵀: يقال محص الحبل محصا، إذا ذهب منه الوبر حتى يملص وحبل محص أو ملص بمعنى واحد، قال وتأويل قول الناس: محص عنا ذنوبنا: أي أذهب عنا ما تعلق بنا من الذنوب ... قال أبو إسحاق: وقرأت عليه أيضا عن الخليل: المحص التخليص يقال: محصت الشيء أمحصه محصا إذا خلصته، وقال بعض أهل اللغة: ﴿وليمحص الله الذين آمنوا﴾، أي: وليمحص الله ذنوب الذين آمنوا - ولم يخبروا بحقيقة المحص ما هو" (١٠). قال ابن كثير: " أي: فإنهم إذا ظفروا بَغَوا وبَطروا فيكون ذلك سَبَبَ دمارهم وهلاكهم ومَحْقهم وفنائهم" (١١). قال التستري: " أي: وليهلك الكافرين بالذنوب عن الابتلاء" (١٢). ١ - أن الله تعالى قد يبتلي مؤمن من اجل تمحيصه، وذلك من وجهين: الأول: بيان منْ إيمانه صادق يصبر على الضراء، ومنْ إيمانه مهتز لايصبر. والثاني: أن هذه المصائب فيها تمحيص للمؤمنين بتكفير السيئات. ٢ - محق الكافرين، ويستفاد من هذا أن النعمة قد تكون سببا للنقمة، فإن انتصار الكفار يوجب فرحهم وبطرهم حتى إذا بطروا محقوا.

стр. 2509

٣ - أن الكافر مآله المحق. ٤ - أن الله تعالى له التدبير الكامل في عباده، لقوله: ﴿وليمحّص﴾، فإن هذا الفعل كان فيه خير للمؤمنين وشر للكافرين. القرآن ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٤٢] التفسير: يا أصحاب محمد ﷺ أظننتم أن تدخلوا الجنة، ولم تُبْتَلوا بالقتال والشدائد؟ لا يحصل لكم دخولها حتى تُبْتلوا، ويعلم الله علما ظاهرا للخلق المجاهدين منكم في سبيله، والصابرين على مقاومة الأعداء. في سبب نزول الآية: قال مقاتل بن سليمان: " وذلك أن المنافقين قالوا للمؤمنين يوم أحد بعد الهزيمة: لم تقتلون أنفسكم، وتهلكون أموالكم، فإن محمدا لو كان نبيا لم يسلط عليه القتل. قال المؤمنون: بلى من قتل منا دخل الجنة. فقال المنافقون: لم تمنون أنفسكم الباطل، فأنزل الله- تعالى-: ﴿أم حسبتم﴾، معشر المؤمنين ﴿أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله﴾ " (١). وأخرج الطبري نحوه عن الضحاك (٢). قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، "﴾ أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تُبْتَلوا بالقتال والشدائد" (٣). قال محمد بن إسحاق: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة وتصيبوا من ثواب الكرامة" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، " أي: ولما تجاهدوا في سبيله فيعلم الله جهادكم وصبركم على الشدائد؟ " (٥). قال محمد بن إسحاق: " يقول: لم أختبركم بالشدة وأبتليكم بالمكاره، حتى أعلم صدق ذلك منكم الإيمان بي، والصبر على ما أصابكم في" (٦). قال ابن كثير: " أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تُبْتَلَوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقارنة الأعداء" (٧). قال الزجاج: " المعنى ولما يقع العلم بالجهاد والعلم بصبر الصابرين، ولما يعلم الله ذلك واقعا منهم. لأنه - جل وعز -يعلمه غيبا، وإنما يجازيهم على عملهم" (٨). قال الأخفش: " فان قال قائل: "ولما يعلم الله الصابرين" ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ فهو لم يعلمهم؟ قلت بل قد علم، ولكن هذا فيما يذكر أهل التأويل ليبين للناس، كأنه قال "ليعلمه الناس" كما قال ﴿لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا﴾ وهو قد علم ولكن ليبين ذلك" (٩). وقرأ الحسن: ﴿ويعلم الصابرين﴾، بالكسر على العطف، ومن، قرأ ﴿ويعلم الصابرين﴾ فعلى النصب بالواو (١٠). الفوائد: ١ - بيان أن التمني رأس مال المفاليس.

стр. 2510

٢ - أن الجنة لاتدرك بالتمني. ٣ - أن الجنة غالية لكون ثمنها غاليا، وذلك ببذل النفوس في طاعة الله والجهاد لإعلاء كلمته.، والجنة رخيصة لأن هذا الأمر يسير جدا على من سهل له الله ووفقه. ٤ - ان الله تعالى يمتحن العبد بما يدل على صبره أو ضجره. ٥ - أن جزاء الله سواء كان عقوبة أو مثوبة لابد أن يسبقه ما يمتحن فيه العبد. ٦ - أن علم الله الأزلي لايترتب عليه الثواب والعقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على علم الله المقرون بالفعل، الذي يكون علما بالشيء بعد وجوده. ٧ - أن الجهاد سبب لدخول الجنة، ولافرق بين الجهاد بالسلام والجهاد بالعلم. ٨ - أن الصبر درجة عالية وأنه سبب لدخول الجنة. القرآن ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ [آل عمران: ١٤٣] التفسير: ولقد كنتم -أيها المؤمنون- قبل غزوة «أُحد» تتمنون لقاء العدو; لتنالوا شرف الجهاد والاستشهاد في سبيل الله الذي حَظِي به إخوانكم في غزوة «بدر»، فها هو ذا قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا. في سبب نزول الآية وجهان: أحدهما: أخرج الطبري عن عكرمة: " إن أناسًا من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطاهم الله من الفضل، فكانوا يتمنون أن يروا قتالا فيقاتلوا، فسيق إليهم القتال حتى كان بناحية المدينة يوم أحد، فأنزل الله : ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه، الآية" (١). والثاني: قال مقاتل: " وذلك حين أخبر الله- عن قتلى بدر وما هم فيه من الخير. قالوا: يا نبي الله أرنا يوما كيوم بدر. فأراهم الله- يوم أحد فانهزموا فعاتبهم الله- فقال- سبحانه-: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه﴾ " (٢). والثالث: قال الحسن: " بلغني أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي ﷺ لنفعلن ولنفعلن، فابتلوا بذلك، فلا والله ما كلُّهم صَدق الله، فأنزل الله : ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون﴾ " (٣). والرابع: وقيل: سببه أن قوما سألوا النبي ﷺ أن يأذن لهم أن يأتوا المشركين في رحالهم ويقاتلوهم، فقال ﷺ : "لم أؤمر بذلك " (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ [آل عمران: ١٤٣]، " أي: ولقد كنتم تتمنون لقاء الأعداء لتحظوا بالشهادة، من قبل أن تذوقوا شدّته" (٥). قال الطبري: أي: " ولقد كنتم، يا معشر أصحاب محمد تمنون القتال" (٦). قال محمد بن إسحاق: " أي: لقد كنتم تمنون الشهادة على الذي أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم يعني الذين استنهضوا رسول الله ﷺ على خروجه بهم إلى عدوهم، لما فاتهم من الحضور في اليوم الذي كان قبله ببدر، رغبة في الشهادة التي قد فاتتهم به " (٧). قال قتادة: ": كانوا يتمنون أن يلقوا المشركين فيقاتلوهم، فلما لقوهم يوم أحد ولّوا" (٨).

стр. 2511

قوله تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]، أي: "فقد رأيتموه بأعينكم" (١). قال محمد بن إسحاق: " أي: الموتَ بالسيوف في أيدي الرجال، قد خلَّى بينكم وبينهم، وأنتم تنظرون إليهم، فصددتُم عنهم" (٢). قال الطبري: " يعني: قد رأيتموه بمرأى منكم ومنظر، أي بقرب منكم" (٣). قال الواحدي: " أي: رأيتم أسباب الموت وما يتولد منه الموت كالسيف والأسنة وأنتم بصراء تتأملون الحال في ذلك كيف هي، فلم انهزمتم؟ ! وهذا محذوف، وهو مراد، لأنه موضع العتاب" (٤). قال الراغب: " أراد أنكم تمنيتم الحرب فلم تحيرتم؟ " (٥). قال البيضاوي: " أي فقد رأيتموه معاينين له حين قتل دونكم من قتل من إخوانكم، وهو توبيخ لهم على أنهم تمنوا الحرب وتسببوا لها ثم جبنوا وانهزموا عنها، أو على تمني الشهادة فإن في تمنيها تمني غلبة الكفار" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]، وجوه: أحدها: ان معناه التوكيد. قاله الأخفش (٧). والثاني: أن المعنى: وأنتم تنظرون إلى محمد ﷺ . والثالث: معناه: وأنتم تنظرون إلى السيوف. قاله ابن عباس (٨). والرابع: أن المعنى: وأنتم بصراء كما تقول: قد رأيت كذا وكذا، وليس في عينيك عمة، أي قد رأيته رؤية حقيقية، وهو راجع إلى معنى التوكيد. أفاده الزجاج (٩). الفوائد: ١ - إقامة الحجة على من كانوا يتمنون الموت وقد رأوه، ومع ذلك حصل منهم تخاذل. ٢ - لاينبغي للإنسان أن يتمنى المكروه، لأنه ربما ينكص ولايصبر. القرآن ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤] التفسير: وما محمد ﷺ إلا رسول من جنس الرسل الذين قبله يبلغ رسالة ربه. أفإن مات بانقضاء أجله أو قُتِل كما أشاعه الأعداء رجعتم عن دينكم، ، تركتم ما جاءكم به نبيكم؟ ومن يرجِعُ منكم عن دينه فلن يضر الله شيئًا، إنما يضر نفسه ضررًا عظيمًا. أما مَن ثبت على الإيمان وشكر ربه على نعمة الإسلام، فإن الله يجزيه أحسن الجزاء. في سبب نزول الآية وجوه: أحدها: أخرج الطبري عن قتادة: : " ذاكم يوم أحُد، حين أصابهم القَرْح والقتل، ثم تناعوا نبي الله ﷺ تَفِئة ذلك، فقال أناسٌ: لو كان نبيًّا ما قتل! وقال أناس من عِليْة أصحاب نبي الله ﷺ : قاتلوا على ما قاتل عليه محمدٌ نبيكم حتى يفتح الله لكم أو تلحقوا به! فقال الله : ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن ماتَ أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ " (١٠).

стр. 2512

والثاني: قال الربيع: " وذكر لنا والله أعلم، أنّ رجلا من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحَّط في دمه، فقال: يا فلان، أشعرت أنّ محمدًا قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل، فقد بلَّغ، فقاتلوا عن دينكم. فأنزل الله : ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ " (١). والثالث: وقال الضحاك: " نادى منادٍ يوم أحد حين هزم أصحاب محمد ﷺ : ألا إنّ محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى دينكم الأول! فأنزل الله : ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾، الآية " (٢). والرابع: وقال مجاهد: " القى في أفواه المسلمين يومَ أحد أن النبي ﷺ قد قتل، فنزلت هذه الآية: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ الآية" (٣). والخامس: قال ابن عباس: " أنّ رسول الله ﷺ اعتزل هو وعصابة معه يومئذ على أكمة، والناس يفرُّون، ورجل قائم على الطريق يسألهم: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ وجعل كلما مروا عليه يسألهم، فيقولون: والله ما ندري ما فعل! فقال: والذي نفسي بيده، لئن كان النبي ﷺ قُتل، لنعطينَّهم بأيدينا، إنهم لعشائرنا وإخواننا! وقالوا: إن محمدًا إن كان حيًّا لم يهزم، ولكنه قُتل! فترخَّصوا في الفرار حينئذ. فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾، الآية كلها" (٤). والسادس: قال ابن جريج: " قال: أهل المرض والارتياب والنفاق، حين فرّ الناس عن النبي ﷺ : قد قتل محمد، فألحقوا بدينكم الأول! فنزلت هذه الآية" (٥) قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، "أي: ليس محمد إِلا رسول الله مضت قبله رسل" (٦). قال الزجاج: " المعنى: إنه يموت كما ماتت الرسل قبله" (٧). قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، أي: " أفإِن أماته الله أو قتله الكفار ارتددتم كفاراً بعد إِيمانكم؟ " (٨). قال قتادة: " يقول: " إن مات نبيكم أو قتل، ارتددتم كفارا بعد إيمانكم " (٩). قال الزجاج: " أي: ارتددتم عن دينكم - وروي أن بعض من كان في يوم أحد ارتد، وبعضهم مضى مسافة ثلاثة أيام، فأعلم الله جل وعز أن الرسل ليست باقية في أممها أبدا وأنه يجب التمسك بما أتت به، وإن فقد الرسول بموت أو قتل" (١٠). قال سعيد بن جبير: " ما سمعنا أن نبيا قط قتل في القتال" (١١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٤٤]، " أي: ومن يرتد عن دينه فلا يضر الله شيئا" (١٢).

стр. 2513

قال مقاتل: " يقول: ومن يرجع إلى الشرك بعد الإيمان ﴿فلن يضر الله شيئا﴾ بارتداده من الإيمان إلى الشرك إنما يضر بذلك نفسه" (١). قال محمد بن إسحاق: " أي [ومن] يرجع عن دينه، [فـ] لن ينقص ذلك عن الله، ولا ملكه، ولا سلطانه، ولا قدرته" (٢). قال المراغي: " أي: ومن يرجع عن جهاده ومكافحته الأعداء فلن يضر الله شيئا بما فعل، بل يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب، وحرمانها من الثواب، فالله قد وعد بنصر من ينصره ويعزّ دينه، ويجعل كلمته هى العليا، وهو لا محالة منجز وعده" (٣). قوله تعالى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، "أي: وسيثيب الله المطيعين، وهم الذين ثبتوا ولم ينقلبوا" (٤). قال محمد بن إسحاق: " أي: من أطاعه، وعمل بأمره" (٥). قال مقاتل: " يعني: الموحدين لله في الآخرة" (٦). قال ابن أبي زمنين: " يعني: المؤمنين يجزيهم بالجنة" (٧). قال الواحدي: أي: " الطَّائعين لله من المهاجرين والأنصار" (٨). قال البيضاوي: أي: الشاكرين" على نعمة الإسلام بالثبات عليه كأنس وأضرابه" (٩). قال ابن كثير: "أي: الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله حيا وميتا" (١٠). قال أبو السعود: أي: " وسيجزي الله "الثابتين على دين الإسلام، سموا بـ ﴿الشاكرين﴾، لأن الثبات عليه شكر له وعرفان لحقه وفيه إيماء إلى كفران المنقلبين" (١١). قال المراغي: " وفى الآية إرشاد إلى أن المصايب التي تحل بالإنسان لا مدخل لها فى كونه على حق أو باطل، فكثيرا ما يبتلى صاحب الحق بالمصائب والرزايا، وصاحب الباطل بالنعم والعطايا. وفيها إيماء إلى أنا لا نعتمد فى معرفة الحق والخير على وجود المعلّم بحيث نتركهما عند موته، بل نسير على منهاجهما حين وجوده وبعد موته. والخلاصة- إن الله أوجب علينا أن نستضىء بالنور الذي جاء به الرسول ﷺ ، أما ما يصيب جسمه من جرح أو ألم، وما يعرض له من حياة أو موت، فلا مدخل له فى صحة دعوته، ولا فى إضعاف النور الذي جاء به، فإنما هو بشر مثلكم خاضع لسنن الله كخضوعكم" (١٢). أخرج البخاري بسنده عن عن عُقيل عن ابن شهاب، عن أبي سَلَمة؛ "أن عائشة، ﵂، أخبرته أن أبا بكر، ﵁، أقبل على فَرَس من مَسْكنه بالسَّنْح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يُكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمَّم رَسُول الله ﷺ وهو مُغَشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ﷺ ثم أكب عليه وقَبَّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي. والله لا يجمع الله عليك موْتَتَين؛ أما الموتة التي كُتبت عليك فقد مُتَّها.

стр. 2514

وقال الزهري: وحدثني أبو سَلمة عن ابن عباس، أن أبا بكر خرج وعمر يُحَدِّث (٢) الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى عمرُ أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عُمَرَ، فقال أبو بكر: أما بعد، مَنْ كانَ يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حَيّ لا يموت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ قال: فوالله لكَأنّ الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس منه كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا تلاها. وأخبرني سعيد بن المُسَيَّب أن عُمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فَعقرتُ حتى ما تقلني رجلاي وحتى هَوَيتُ إلى الأرض" (١). الفوائد: ١ - بيان أن رسول الله- ﷺ ليس ربّا فيدعي ولا إلها فيعبد، فهو ﷺ -بشر يلحقه الموت كما يحلق جميع الرسل. ٢ - أنه ينبغي الدليل بذكر النظائر لغرض الاقناع، لقوله: ﴿قد خلت من قبله الرسل﴾، فإن من سمع هذا يقول: مادام الرسل السابقون ماتوا، فيكون ذلك تسلية له. ٣ - إثبات ان محمدا- ﷺ خاتم الرسل، لقوله: ﴿قد خلت من قبله الرسل﴾، لأن "الـ" هنا للعموم ولم يقل: "رسل"، بل قال: "الرسل"، وإذا كان الرسل كلهم قد خلوا من قبله لزم من ذلك أن يكون هو- ﷺ آخرهم. ٤ - أن الارتداد عن الإسلام انقلاب على العقب، ومن تمسك بالاسلام فإنه التقدمي، لأن الاسلام يحث على التقدم لكل فضيلة. ٥ - أ، الله تعالى غنيّ عن طاعة الطائعين. ٦ - انتفاء الضرر عن الله تعالى، وأنه لن يضره شيء. ٧ - الحثّ على الشكر. القرآن ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾ [آل عمران: ١٤٥] التفسير: لن يموت أحد إلا بإذن الله وقدره وحتى يستوفي المدة التي قدرها الله له كتابًا مؤجَّلا. ومن يطلب بعمله عَرَض الدنيا، نعطه ما قسمناه له من رزق، ولا حظَّ له في الآخرة، ومن يطلب بعمله الجزاء من الله في الآخرة نمنحه ما طلبه، ونؤته جزاءه وافرًا مع ما لَه في الدنيا من رزق مقسوم، فهذا قد شَكَرَنا بطاعته وجهاده، وسنجزي الشاكرين خيرًا. في سبب نزول الآية: قال الثعلبي: " نزلت في الذين تركوا المركز يوم أحد طلبا للغنيمة" (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، أي: " وما ينبغي لنفس أن تموت إلا بقدر الله" (٣) .. قال مقاتل: " يعنى: أن تقتل حتى يأذن الله فى موته" (٤). قال محمد بن إسحاق: " أي: أن لمحمد أجلا هو بالغه، إذا أذن الله له في ذلك كان" (٥). قال الطبري: يعني: " وما يموت محمد ولا غيره من خلق الله إلا بعد بلوغ أجله الذي جعله الله غاية لحياته وبقائه، فإذا بلغ ذلك من الأجل الذي كتبه الله له، وأذن له بالموت، فحينئذ يموت. فأما قبل ذلك، فلن يموت بكيد كائد ولا بحيلة محتال، وقد قيل إنّ معنى ذلك: وما كانت نفسٌ لتموت إلا بإذن الله" (٦). قال المراغي: "أي: ليس من شأن النفوس ولا من سنة الله فيها أن تموت بغير إذنه تعالى ومشيئته" (٧). قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، أي: " كتب الله ذلك كتابا ذا أجل" (٨). قال مقاتل: " في اللوح المحفوظ" (٩). قال الثعلبي: " يعني: أن لكل نفس أجلا هو بالغه ورزقا مستوفيه، لا يقدر أحد على تقديمه وتأخيره" (١٠). قال الزجاج: " الأجل هو الوقت المعلوم" (١١). قال عمر بن عبدالعزيز: " لا تموت نفس ولها في الدنيا عمر ساعة إلا بلغته" (١٢). قال المراغي: " أي أثبته الله مقرونا بأجل معين لا يتغير، ومؤقتا بوقت لا يتقدم ولا يتأخر، فكثير من الناس يتعرضون لأسباب المنايا بخوض غمرات الحروب، أو يتعرضون لعدوى الأمراض، أو يتصدون لأفاعيل الطبيعة، وهم مع ذلك لا يصابون بالأذى فالشجاع المقدام قد يسلم فى الحرب، ويقتل الجبان المتخلف ويفتك المرض بالشاب القوى، ويترك الضعيف الهزيل، وتغتال عوامل الأجواء الكهل المستوي وتتجاوز الشيخ الضعيف، فللأعمار آجال، وللآجال أقدار لا تخطوها، والأقدار هى السنن التي عليها تقوم نظم العالم وإن خفيت على بعض الناس، وإذا كان محيانا ومماتنا بإذن الله فلا محل للخوف والجبن، ولا عذر فى الوهن والضعف. وفى الآية تحريض على الجهاد وتشجيع على لقاء العدو، فإنه إذا كان الأجل محتوما ومؤقتا بميقات، وأن أحدا لا يموت قبل بلوغ أجله وإن خاض المعارك واقتحم المهالك فلا محل إذا للخوف والحذر- إلى ما فيها من الإشارة إلى كلاءة الله وحفظه لرسوله مع غلبة العدوّ له والتفافهم عليه وإسلام قومه له نهزة للمختلس، فلم يبق سبب من أسباب الهلاك إلا قد حصل، ولكن لما كان الله حافظا وناصرا له لم يضرّه شىء، وفيها إشارة إلى أن قومه قد قصّروا فى الذبّ عنه" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، "أي: ومن قصد بعمله حظ الدنيا أعطاه الله شيئا من ثوابها" (١٤). قال مقاتل: " يعني الذين تركوا المركز يوم أحد وطلبوا الغنيمة" (١٥). قال محمد بن إسحاق: " أي: فمن كان منكم يريد الدنيا، ليست له رغبة في الآخرة، نؤته ما قسم له منها من رزق، ولا حظ له في الآخرة" (١٦). قال الثعلبي: " يعني ومن يرد بطاعته الدنيا ويعمل لها نؤته منها ما يكون جزاء لعمله" (١٧). قال ابن كثير: "أي: من كان عمله للدنيا فقد نال منها ما قدّرَه الله له، ولم يكن له في الآخرة من نصيب" (١٨).

стр. 2515

قال الطبري: أي: " من يرد منكم، أيها المؤمنون، بعمله جزاءً منه بعضَ أعراض الدنيا، دون ما عند الله من الكرامة لمن ابتغى بعمله ما عنده نعطه منها ما قُسم له فيها من رزق أيام حياته، ثم لا نصيب له في كرامة الله التي أعدها لمن أطاعه وطلب ما عنده في الآخرة" (١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، أي: " ومن قصد الآخرة أعطاه الله حظا من ثوابها" (٢). قال محمد بن إسحاق: " ومن يرد ثواب الآخرة نوته منها ما وعده، مع ما يُجرى عليه من رزقه في دنياه" (٣). قال مقاتل: " الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير الأنصاري من بني عمرو حتى قتلوا" (٤). قال ابن كثير: أي: "ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا" (٥). قال الزجاج: " وليس في هذا دليل أنه يحرمه خير الدنيا، لأنه لم يقل: ومن يرد ثواب الآخرة لم نؤته إلا منها، والله ذو الفضل العظيم" (٦). قال المراغي: " وفيها تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد، فتركوا موقعهم الذي أمرهم النبي ﷺ بلزومه، وكأنه يقول لهم إن كنتم تريدون ثواب الدنيا فالله لا يمنعكم ذلك، وما عليكم إلا أن تسلكوا سبيله، ولكن ليس هذا هو الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ ، بل يدعوكم إلى خير ترون حظا منه فى الدنيا، والمعوّل عليه ما فى الآخرة. فأنتم بين أمرين: إما إرادة الدنيا، وإما إرادة الآخرة، ولكل منهما سنن تتبع، وطرق تسلك، وفى معنى الآية قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. ومن هدى الإسلام أن يطلب المرء بعمله خيرى الدنيا والآخرة معا، ويقول: ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ والله يعطيه كل ما يطلب أو بعضه يحسب سنن الله وتدبيره لنظم الحياة. وعلى الإنسان أن يعلم أن له طورين: أحدهما: طور عاجل قصير، وهو طور الحياء الدنيا. والثاني: طور آجل أبدىّ، وهو طور الحياة الآخرة. وسعادته فى كل من الطورين مرتبطة بإرادته وما توجهه إليه من العمل، فالناس إنما يتفاضلون بالإرادات والمقاصد: فقوم يحاربون حبا فى الربح والكسب، أو ضراوة بالفتك والقتل، فإذا غلبوا أفسدوا فى الأرض وأهلكوا الحرث والنسل، وقوم يحاربون دفاعا عن الحق وإقامة لقوانين العدل، فإذا غلبوا عمروا الأرض وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فهل يستوى الفريقان، وهما فى المقصد مفترقان؟ كذلك يطلب الرجل الربح والكسب أحيانا بكل وسيلة مستطاعة طلبا للذاته، والحصول على شهواته، فيغلو فى الطمع، ويمعن فى الحيل، ولا يبالى أمن الحرام أكل أم من الحلال؟ يأكل الربا أضعافا مضاعفة، فيجمع القناطير المقنطرة، وهو مع ذلك يمنع الماعون، ولا يحضّ على طعام المسكين، ولو سئل البذل فى المصالح العامة كان أشد الناس بخلا وأقبضهم كفا، بينا يطلب آخر الكسب طلبا للتجمل وحبا للكرامة فى قومه وعشيرته، فيقتصد فى الطلب، ويتحرى الربح الحلال، ويلتزم الصدق والأمانة، ويبتعد عن الفسوق والخيانة، وهو مع هذا ينفق مما أفاء الله به عليه، فيواسى البائسين، ويساعد المعوزين، وتكون له اليد الطّولى فى الأعمال النافعة لأمته، فيشيد لها المدارس والمعابد، والملاجئ والمستشفيات، فهل ينظر الناس إلى هذين نظرة متساوية، وهل هما فى

стр. 2516

القرب عند الله بمنزلة واحدة، أو يفضل أحدهما الآخر بحسن القصد والإرادة والميل إلى الخير وحب المصلحة العامة. وقصارى القول- إن أقدار الرجال تتفاوت وتختلف باختلاف إرادتهم، فبينما تتسع دائرة وجود الشخص بحسب كبر إرادته وسعة مقصده، فتحيط بالكرة الأرضية، بل فوق ذلك بما يكون له من الكرامة فى العالم العلوي- إذا بآخر تضيق دائرة وجوده إذا هو أخلد إلى الشهوات، وركن إلى اللذات، فيكون حظه من عمله كحظ الحشرات، يأكل ويشرب ويبغى على الضعيف ويخاف من القوى. والله قد جعل عطاءه للناس معلقا على إرادتهم، ولا يقدر مثل هذا إلا القليل منهم" (١). قوله تعالى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، أي: وسيثيب الله "الموحدين في الآخرة" (٢). قال الثعلبي: " أي الموحدين المطيعين" (٣). قال السمعاني: " يعني: المؤمنين" (٤). قال ابن كثير: " أي: سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شُكْرهم وعملهم" (٥). قال أبو السعودي: أي ﴿الشاكرين﴾ نعمة الإسلام الثابتين عليه الصارفين لما آتاهم الله تعالى من القوى والقدر إلى ما خلقت هي لأجله من طاعة الله تعالى لا يلويهم" (٦). قال البيضاوي: أي: " وسنجزي الشاكرين الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد" (٧). قال النسفي: أي: " وسنجزي الجزاء المبهم الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد" (٨). قال محمد بن إسحاق: " أي: ذلك جزاء الشاكرين، يعني بذلك، إعطاء الله إياه ما وعده في الآخرة، مع ما يجري عليه من الرزق في الدنيا" (٩). قال عباد بن منصور: " سألت الحسن عن قوله: ﴿وسنجزي الشاكرين﴾، قال: يعطي الله العبد بنيته الدنيا والآخرة" (١٠). وقرأ الأعمش: " ﴿وسيجزي﴾، بالياء، يعني الله سبحانه" (١١). قال ابن الجوزي: " قوله تعالى: ﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها﴾، جمهور العلماء على أن هذا الكلام محكم واستدلوا عليه بشيئين: أحدهما: أنه خبر والخبر لا يدخله النسخ. والثاني: أنهم قالوا: ما أحد إلا وله من الدنيا نصيب مقدر، ولا يفوته ما قسم له. فمن كانت همته ثواب الدنيا أعطاه الله منها ما قدر له وذلك هو الذي يشاؤه الله، وهو المراد بقوله: ﴿عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ (١٢)، ولم يقل يؤته منها ما يشاء هو، ويمكن أن يكون المعنى: لمن يريد أن يفتنه أو يعاقبه. وذهب السدي إلى أنه منسوخ (١٣) بقوله: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ وليس هذا بقول من يفهم الناسخ والمنسوخ، فلا يعول عليه" (١٤).

стр. 2517

الفوائد: ١ - أن آجال الأنفس محددة، وأنه لايمكن ان يتقدم الإنسان أو يتأخر عن الأجل الذي قدّره الله له. ٢ - تسلية أصحاب الرسول- ﷺ حين قيل لهم أن محمدا- ﷺ قتل. ٣ - إثبات أن كل شيء حتى الموت مخلوق، لقوله: ﴿إلا بإذن الله﴾، وما كان صادرا عن إذن فهو مخلوق، ويدل عليه قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢]. ٤ - أن الناس لهم مشارب ولكل مسلك. ٥ - الردّ على الجبرية، لقوله: ﴿ومن يرد﴾، إذ اثبت للإنسان إرادة، والجبرية يقولون أن الانسان ليس له إرادة. ٦ - أن الذي يريد بالعمل الصالح الأمور الدنيوية، فليس له حظ في الآخرة. ٧ - إيثار إرادة الآخرة على الدنيا. ٨ - إثبات الجزاء على العمل. ٩ - الحث على الشكر، لأن الإخبار بأن الله سيجزي الشاكرين يراد به الحص على الشكر. القرآن ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦] التفسير: كثير من الأنبياء السابقين قاتل معهم جموع كثيرة من أصحابهم، فما ضعفوا لِمَا نزل بهم من جروح أو قتل; لأن ذلك في سبيل ربهم، وما عَجَزوا، ولا خضعوا لعدوهم، إنما صبروا على ما أصابهم. والله يحب الصابرين. قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، " أي: وكم من الأنبياء قاتل لإِعلاء كلمة الله وقاتل معه علماء ربانيون وعُبَّاد صالحون كثير" (١). قال الزجاج: أي: " وكأين من نبي قتل ومعه ﴿رِبِّيُّونَ﴾ الجماعات الكثيرة، وقال بعضهم الربوة عشرة آلاف" (٢). قال محمد بن إسحاق: " وكأين من نبي أصابه القتل ومعه جماعات" (٣). قال الحسن: " قد كانت أنبياء الله قبل محمد قاتل معها علماء" (٤)، وروي عنه أيضا أن: "الربيون من العلماء مأخوذ من الرب؛ لأنهم على دين الرب وطريقه" (٥). قال الضحاك: "الربيون: الربوة الواحدة ألف " (٦). وقال عطاء الخراساني: "الربوة: عشرة آلاف في العدد" (٧). أخرج سفيان عن عبد الله في قوله: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير﴾، قال: "الوف" (٨). وفي قوله تعالى: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، أربعة أقاويل: أحدها: أنهم الذين يعبدون الرب وأحدهم رِبّيُّ، قاله الأخفش (٩)، لأن "العرب تنسب الشيء إلى الشيء فيغير حركته كما يقول بصري منسوب إلى بصرة، فكذلك ﴿ربيون﴾، منسوب إلى «الرب» " (١٠). الثاني: أنهم الجماعات الكثيرة، و"الربيون" جمع "الربية"، وهي الفرقة، وهو قول ابن مسعود (١١)، وابن عباس (١٢)، والحسن (١٣)، والسدي (١٤)، وقتادة (١٥)، وعكرمة (١٦)، ومجاهد (١٧)، والربيع (١٨)، والضحاك (١٩)، وابن إسحاق (٢٠). ومنه قوله حسان (٢١): وإذا معشر تجافوا عن الحق ... حملنا عليهم ربيا والثالث: انهم العلماء الكثيرون، وهو قول ابن عباس أيضا (٢٢)، والحسن (٢٣) أيضا. والرابع: أن "الربيون": الأتباع. والربانيون: الولاة، والربيون الرعية، وهو قول أبن زيد (٢٤). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، ثلاثة اوجه من القراءة (٢٥): أحدها: قرأ ابن كثير وحده: ﴿وكآئن﴾، الهمزة بين الألف والنون على وزن: "فاعل". والثاني: وقرأ الباقون: ﴿وكأين﴾، الهمزة بين الكاف والياء مشددة على وزن: "كعين". والثالث: وقرأ ابن محيصن: (كأي) ممدودا بغير نون (٢٦). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، على قراءتين (٢٧): إحداهما: ﴿قتل معه﴾، قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي حاتم، وحسّنه الأخفش (٢٨). ومن قرأ ﴿قتل﴾ فله ثلاثة أوجه (٢٩): أحدها: أن يكون القتل واقعا على النبي وحده، وحينئذ يكون تمام الكلام عند قراءة (قتل) فيكون في الآية إضمار معناه ومعه ربيون كثير كما يقال: قتل الأمير معه جيش عظيم، أي ومعه، ويقول: خرجت معي تجارة، أي ومعي. والوجه الثاني: أن يكون القتل نال النبي ومعه من الربيين، ويكون وجه الكلام: قتل بعض من كان معه، تقول العرب: قتلنا بني تميم وبني فلان، وإنما قتلوا بعضهم ويكون قوله: فما وهنوا راجعا إلى الباقين الذين لم يقتلوا. والوجه الثالث: أن يكون القتل للربيين لا غير. والقراءة الثانية: ﴿قاتل﴾ بالألف، قرأ بها عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي، وهي قراءة ابن مسعود واختيار أبي عبيد.

стр. 2518

قال الثعلبي: " فمن قرأ (قاتل) فلقوله: ﴿فما وهنوا﴾، ويستحيل وصفهم بأنهم لم يهنوا بعد ما قتلوا، ولقول سعيد بن جبير: «ما سمعنا أن نبيا قط قتل في القتال» " (١). وقال أبو عبيد: "إن الله تعالى إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلا فيه، وإذا حمد من قتل خاصة لم يدخل فيه غيرهم، فقاتل أعم" (٢). وتقرأ ﴿رِبِّيُّونَ﴾، بكسر الراء، وهو الأكثر، وبعضهم قرأ ﴿ربيون﴾ بضم الراء، وهي لغة بني تميم (٣). قوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، "أي: ما جبنوا ولا ضعفت هممهم لما أصابهم من القتل والجراح" (٤). قال الزجاج: أي: " فما فتروا" (٥). قال الماوردي: " الوهن: الانكسار بالخوف، والمعنى: فلم يهنوا بالخوف" (٦). عن ابن عباس: " ﴿فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله﴾، قال: لقتل أنبيائهم " (٧). قال أبو مالك: " يعني: فما عجزوا عن عدوهم" (٨). قال محمد بن إسحاق: " ﴿فما وهنوا﴾ لفقد نبيهم" (٩). قال السدي: " فما وهن الربيون لما أصابهم في سبيل الله من قتل النبي" (١٠). قال الحسن: " لكي لا يهن أصحاب محمد ﷺ " (١١). قوله تعالى: ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦]، : أي: وما ضعفوا عن الجهاد " (١٢). قال الزجاج: أي: " وما جبنوا عن قتال عدوهم" (١٣). قال الماوردي: " الضعف نقصان القوة، والمعنى: ولا ضعفوا بنقصان القوة" (١٤). قال محمد بن إسحاق: " ﴿وما ضعفوا﴾ عن عدوهم " (١٥). قال قتادة: " يقول: ما عجزوا وما تضعضعوا لقتل نبيهم" (١٦). عن الضحاك: ﴿ربيون كثير﴾ قال: " فالربيون: الجموع، قتل نبيهم في قتالهم، فلم يهنوا لذلك، ولم يضعفوا لإيمانهم " (١٧). قال السدي: " ما ضعفوا في سبيل الله لقتل النبي" (١٨). قوله تعالى: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦]، " أي ما ذلّوا ولا خضعوا لعدوهم" (١٩). قال الزجاج: أي: " ما خضعوا لعدوهم" (٢٠).

стр. 2519

قال الماوردي: " الاستكانة: الخضوع، والمعنى: ولا استكانوا بالخضوع" (١). قال الراغب: "الاستكانة: الخشوع والتضرع للمخافة" (٢). قال الماتريدي: " قيل: لم يذلوا في عدو لهم، ولم يخضعوا لقتل نبيهم؛ بل قاتلوا بعده على ما قاتلوا معه؛ فهلا قاتلتم أنتم على ما قاتل عليه نبيكم؛ كما قاتلت القرون من قبلكم إذا أصيب أنبياؤهم" (٣). قال زيد بن أسلم: " وما استكانوا لعدوهم" (٤). عن ابن جريح قال: "بلغني عن ابن عباس أنه قال في قوله: ﴿وما استكانوا﴾، قال: تخشعوا" (٥). قال قتادة: " يقول: " ما ارتدوا عن بصيرتهم، ولا عن دينهم، أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله، حتى لحقوا بالله" (٦). قال محمد بن إسحاق: " ﴿وما استكانوا﴾ لما أصابهم في الجهاد، عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر " (٧). قال السدي: " يقول: ما ذلوا حين قال لهم رسول الله ﷺ : ليس لهم أن يعلونا لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون" (٨). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، "أي: والله يحب الصابرين على مقاساة الشدائد والأهوال في سبيل الله" (٩). قال الماتريدي: يعني: " على قتال عدوهم، وعلى كل مصيبة تصيبهم" (١٠). قال محمد ابن إسحاق: " ﴿والله يحب الصابرين﴾ لما أصابهم في الجهاد عن الله، وعن دينهم وذلك الصبر" (١١). الفوائد: ١ - العناية الربانية الخاصة لهذه الأمة، إذ يسليهم بما حصل للأمم السابقة. ٢ - أن الجهاد مشروع في غير هذه الأمة، لأن القتال من الأنبياء وأتباعهم لا يكون إلا عن جهاد، وهو كذلك. ٣ - الثناء على من سبق ممن يستحق الثناء. ٤ - الإشارة إلى انحطاط مرتبة الذين يذلون لأعداء الله. ٥ - إثبات المحبة لله تعالى. ٦ - الحث على الصبر، لقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾. القرآن ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾ [آل عمران: ١٤٧] التفسير: وما كان قول هؤلاء الصابرين إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وما وقع منا مِن تجاوزٍ في أمر ديننا، وثبِّت أقدامنا حتى لا نفرَّ من قتال عدونا، وانصرنا على مَن جحد وحدانيتك ونبوة أنبيائك.

стр. 2520

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]، أي: " وما كان قول هؤلاء الصابرين إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا" (١). قال الطبري: أي: " لم يعتصموا، إذ قتل نبيهم، إلا بالصبر على ما أصابهم، ومجاهدة عدوهم، وبمسألة ربهم المغفرة والنصر على عدوهم" (٢). قال ابن إسحاق: " أي: فقولوا كما قالوا، واعلموا أنما ذلك بذنوب منكم، واستغفروا كما استغفروا، وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم، ولا ترتدُّوا على أعقابكم راجعين" (٣). قال الماتريدي: " قيل: وما كان قول الأمم السالفة عند قتل نبيهم - إلا أن قالوا: (ربنا اغفر لنا ذنوبنا) الآية، يقول: يعلم الله هذه الأمة ويعاتبهم: هلا قلتم أنتم حين نعي إليكم نبيكم كما قالوا القوم في الأمم السالفة؟ ! " (٤). قال الزمخشري: " هذا القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين، هضما لها واستقصارا" (٥). قوله تعالى: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]، "أي: وتفريطنا وتقصيرنا في واجب طاعتك وعبادتك" (٦). عن ابن عباس: " قوله: ﴿وإسرافنا في أمرنا﴾، يقول: خطايانا" (٧). وعن مجاهد: " ﴿إسرافنا في أمرنا﴾، خطايانا وظلمنا أنفسنا" (٨). ون الضحاك: "قوله: ﴿وإسرافنا في أمرنا﴾، فهي: الخطايا الكبائر" (٩). قال الزمخشري: "والدعاء بالاستغفار منها مقدما على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدو، ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاء وطهارة وخضوع، وأقرب إلى الاستجابة" (١٠). قال المراغي: " وفى هذا إيماء إلى أن الذنوب والإسراف فى الأمور من عوامل الخذلان، والطاعة والثبات والاستقامة من أسباب النصر والفلاح، ومن ثم سألوا ربهم أن يمحو من نفوسهم أثر الذنوب وأن يوفقهم إلى دوام الثبات حين تزلّ الأقدام. وقد قدموا طلب المغفرة من الذنوب على طلب النصر ليكون الدعاء فى حيز القبول، فإن الدعاء المقرون بالخضوع والطاعة الصادر عن زكاء وطهارة أقرب إلى الاستجابة. وفى طلبهم النصر من الله مع كثرة عددهم التي دل عليها قوله: (رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) إعلام بأنهم لا يعوّلون على كثرة العدد بل يطلبون العون والمدد الروحاني من الله بثبات الأقدام والتمسك بأهداب الحق" (١١). قال الراغب: " الفرق بين الدنب والإسراف من وجهين: أحدهما: أن الإسراف نجاوز الحد فى فعل ما يجب، والذنب عام فيه وفي التقصير، فإذا كل إسراف ذنب، وليس كل ذنب إسرافا. والثاني: أن حقيقة الذنب: التقصير وترك الأمر حتى يفوت، ثم يؤخذ بالذنب. والذنب إذن في الأصل مقابل الإسراف، وكلاهما مذمومان، أحدهما: من جهة التفريط. والآخر: من جهة الإفراط" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]، أي: "وثبّت اقدامنا في مواطن الحرب" (١٣). قال ابن إسحاق: "واسألوه كما سألوه أن يثبِّت أقدامكم" (١٤).

стр. 2521

قال الزجاج: " أي ثبتنا على دينك. وإذا ثبتهم على دينهم ثبتوا في حربهم - قال الله – ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: ٩٤]، المعنى: تزل عن الدين" (١). قوله تعالى: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]، أي: " وانصرنا على مَن جحد وحدانيتك ونبوة أنبيائك" (٢). قال ابن إسحاق: "واستنصروه كما استنصروه على القوم الكافرين. فكل هذا من قولهم قد كان وقد قُتل نبيهم، فلم يفعلوا كما فعلتم" (٣). قال الماتريدي: " يحتمل: النصر عليهم بالحجج والبراهين. ويحتمل: النصر بالغلبة والهزيمة عليهم" (٤). الفوائد: ١ - أن هؤلاء الربيين كملت منهم الأفعال والأقوال، إذ ما وهنوا لما اصابهم، بل لجأوا إلى الله تعالى بسؤال المغفرة، لأن ما أصابهم إنما هو بسبب الذنوب. ٢ - أن الإنسان مفتقر إلى مغفرة الله غا الإفتقار. ٣ - أن الإنسان لايخلو من الإسراف على نفسه، إما في غلو أو تقصير. ٤ - أن الإنسان مفتقر إلى تقبيت القدم من الله . ٥ - أن النصر من عند الله وحده. القرآن ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾ [آل عمران: ١٤٨] التفسير: فأعطى الله أولئك الصابرين جزاءهم في الدنيا بالنصر على أعدائهم، وبالتمكين لهم في الأرض، وبالجزاء الحسن العظيم في الآخرة، وهو جنات النعيم. والله يحب كلَّ مَن أحسن عبادته لربه ومعاملته لخلقه. قوله تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤٨]، " أي: فأعطاهم الله ثواب الدنيا بالغنيمة والنصرة" (٥). قال مقاتل: " يقول أعطاهم النصر والغنيمة في الدنيا" (٦). قال الحسن: "الفتح والنصر" (٧). قال ابن إسحاق: " الظهورَ على عدوهم" (٨). قال ابن جريج: " النصر والغنيمة " (٩). قال قتادة: " أي والله، لآتاهم الله الفتح، والظهور، والتمكين والنصر على عدوهم في الدنيا" (١٠). قال الماتريدي: " يحتمل ثواب الدنيا: الذكر والثناء الحسن، وهم كذلك اليوم نتبعهم ونقتدي آثارهم وهم موتى" (١١). قوله تعالى: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] أي: "وخير جزاء الآخرة وهو الجنة ونعيمها" (١٢). قال ابن إسحاق: "الجنةَ وما أعدَّ فيها " (١٣).

стр. 2522

قال قتادة: " حسن الثواب في الآخرة هي الجنة" (١). قال ابن جريج: " رضوانَ الله ورحمته" (٢). قال الماتريدي: " وذكر في ثواب الآخرة " الحسن "، ولم يذكر في ثواب الدنيا الحسن؛ لأن ثواب الآخرة دائم لا يزول أبدا، وثواب الدنيا قد يزول، أو أن يشوب في ثواب الدنيا آفات وأحزان؛ فينقص ذلك، وليس ثواب الآخرة كذلك" (٣). قال الزمخشري: " وخص ثواب الآخرة بالحسن دلالة على فضله وتقدمه، وأنه هو المعتد به عنده ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] " (٤). قال الراغب: " ذكر في ثواب الآخرة الحسن تنبيها أن ثواب الدنيا بالإضافة إليها غير مستحسن لانقطاعه، ونبه بالآية أن من أراد ثواب الدنيا لم يحصل له ثواب الآخرة، وأن من أراد الآخرة حصلت له الدنيا والآخرة معا" (٥). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨]، أي: " والله يحب كلَّ مَن أحسن عبادته لربه ومعاملته لخلقه" (٦). قال السمرقندي: أي: " المؤمنين المجاهدين" (٧). قال ابن إسحاق: "يقول تعالى ذكره: فعل الله ذلك بهم بإحسانهم، فإنه يحب المحسنين، وهم الذين يفعلون مثل الذي وصف عنهم تعالى ذكره أنهم فعلوه حين قتل نبيُّهم" (٨). قال مكي بن أبي طالب: " أثنى عليهم أنهم محسنون وأن الله يحبهم" (٩). والإحسان يحتمل وجوها ثلاثة (١٠): أحدها: أن المحسن: العارف، كما يقال: فلان يحسن ولا يحسن. والثاني: أنه المعروف من الفعل -مما ليس عليه- يصنع إلى آخر؛ تفضلا منه وإحسانا. والثالث: اختيار الحسن من الفعل على القبيح من الفعل والسوء؛ وكان كقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]: هذا يختار المحاسن من الأفعال على المساوئ. الفوائد: ١ - أن الله اثاب هؤلاء الربيّون الذين احسنوا في مقالهم وفعالهم بثواب الدنيا وثواب الآخرة. ٢ - أن رحمة الله سبقت غضبه، فهو يثيب الطائع بثوابين: ثواب في الدنيا وثواب في الآخرة، بخلاف العقوبة: فإن الله تعالى لايجمع بين عقوبتين، فإذا شرع عقوبة في الدنيا على ذنب فإنه لايعاقب به في الآخرة، كما قال- ﷺ : "أن الحدود كفارة" (١١). ٣ - الإشارة إلى خفة شأن الدنيا بالنسبة للآخرة، تؤخذ من قوله: ﴿ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة﴾، كأن الدنيا ليست بشيء حتى يكون فيها حسن. ٤ - إثبات البعث والجزاء. ٥ - إثبات المحبة لله.

стр. 2523

القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ [آل عمران: ١٤٩] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إن تطيعوا الذين جحدوا ألوهيتي، ولم يؤمنوا برسلي من اليهود والنصارى والمنافقين والمشركين فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه، يضلوكم عن طريق الحق، وترتدُّوا عن دينكم، فتعودوا بالخسران المبين والهلاك المحقق. في سبب نزول الآية وجهان: أحدهما: قال مقاتل بن سليمان: " وأنزل الله- في قول المنافقين للمؤمنين، عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم فادخلوا فى دينهم. فقال- سبحانه-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا﴾، يعني: المنافقين في الرجوع إلى أبي سفيان، ﴿يردوكم على أعقابكم﴾ كفارا بعد الإيمان ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾ " (١). ونقله الثعلبي والزمخشري وغيرهما عن علي-كرّم الله وجهه (٢). وأخرج ابن ابي حاتم عن السدي فيما معناه (٣). والثاني: وروي عن الحسن رضى الله عنه: "إن تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا منهم، لأنهم كانوا يستغوونهم ويوقعون لهم الشبه في الدين، ويقولون: لو كان نبيا حقا لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم، وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوما له ويوما عليه" (٤). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٩]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (٥). قال الطبري: أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه" (٦). قوله تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٤٩]، "أي: إِن أطعتم الكفار والمنافقين فيما يأمرونكم به" (٧). قال الطبري: أي: " إن تطيعوا الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد ﷺ من اليهود والنصارى - فيما يأمرونكم به وفيما ينهونكم عنه - فتقبلوا رأيهم في ذلك وتنتصحوهم فيما يزعمون أنهم لكم فيه ناصحون" (٨). قال الواحدي: " أَيْ: اليهود والمشركين حيث قالوا لكم يوم أُحدٍ: ارجعوا إلى دين آبائكم" (٩). قال ابن جريج: " يقول: لا تنتصحوا اليهود والنصارى على دينكم، ولا تصدِّقوهم بشيء في دينكم" (١٠). قال السدي: " يقول: إن تطيعوا أبا سفيان" (١١). قوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٩]، "ي يردوكم إِلى الكفر" (١٢). قال السدي: "يقول: يردَّكم كفارًا" (١٣). قال الطبري: أي: " يحملوكم على الرِّدة بعد الإيمان، والكفر بالله وآياته وبرسوله بعد الإسلام" (١٤). قال الثعلبي: أي: " يرجعوكم إلى أول أمركم الشرك بالله تعالى" (١٥).

стр. 2524

قوله تعالى: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩]، أي: فترجعوا إلى الخسران" (١). قال ابن إسحاق: " فتذهب دنياكم وآخرتكم" (٢). قال الطبري: أي: ": فترجعوا عن إيمانكم ودينكم الذي هداكم الله له هالكين، قد خسرتم أنفسكم، وضللتم عن دينكم، وذهبت دنياكم وآخرتكم" (٣). الفوائد: ١ - فضيلة الإيمان إذ يوجه الخطاب إلى الناس بوصف الإيمان في مقام الإرشاد والتنبيه، وأن الإيمان مقتض للامتثال. ٢ - وجوب الحذر من الكفار وأنه لايجوز إطاعة الكافرين، لأنها وسيلة إلى الكفر والخسران، كما انهم لن يدبروا امرا فيه مصلحة للمسلمين والاسلام أبدا. ٣ - أن الكفر خسارة، لقوله: ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾، وإذا كان الكفر خسارة فإن الإيمان ربح، ولهذا لانجد أحدا اربح من المؤمن في هذه الدنيا حتى لو كان فقيرا وحيدا. القرآن ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)﴾ [آل عمران: ١٥٠] التفسير: إنهم لن ينصروكم، بل الله ناصركم، وهو خير ناصر، فلا يحتاج معه إلى نصرة أحد. قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، "أي: ليسوا أنصاراً لكم حتى تطيعوهم بل الله ناصركم فأطيعوا أمره" (٤). قال الزمخشري: " أى ناصركم، لا تحتاجون معه إلى نصرة أحد وولايته" (٥). قال الواحدي: " أَيْ: فاستغنوا عن موالاة الكفَّار" (٦). قال الطبري: يعني: " أن الله مسدِّدكم، أيها المؤمنون، فمنقذكم من طاعة الذين كفروا" (٧). قال ابن إسحاق: " ﴿بل الله مولاكم﴾، إن كان ما تقولون بألسنتكم صدقا في قلوبكم" (٨). وقرئ: " ﴿بَلِ اللَّهَ﴾ بالنصب على: بل أطيعوا اللهَ مولاكم" (٩). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، "أي هو سبحانه خير ناصر وخير معين فلا تستنصروا بغيره" (١٠). قال الواحدي: أي: فأنا ناصركم فلا تستنصروهم" (١١). قال ابن أبي زمنين: يعني: " ينصركم ويعصمكم من أن ترجعوا كافرين" (١٢). قال ابن إسحاق: "أي: فاعتصموا به ولا تستنصروا بغيره، ولا ترجعوا على أعقابكم مرتدِّين عن دينكم" (١٣). الفوائد:

стр. 2525

١ - التحذير الشديد من طاعة الكفار وولايتهم، فهم أعداء الإسلام مهما ألانوا القول وزخرفوه. ٢ - إثبات الولاية لله للمؤمنين، وهي ولاية خاصة بالمؤمنين، ومنه قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. ٣ - أن الله تعالى ناصر لأوليائه. القرآن ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)﴾ [آل عمران: ١٥١] التفسير: سنقذف في قلوب الذين كفروا أشدَّ الفزع والخوف بسبب إشراكهم بالله آلهة مزعومة، ليس لهم دليل أو برهان على استحقاقها للعبادة مع الله، فحالتهم في الدنيا: رعب وهلع من المؤمنين، أما مكانهم في الآخرة الذي يأوون إليه فهو النار; وذلك بسبب ظلمهم وعدوانهم، وساء هذا المقام مقامًا لهم. في سبب نزول الآية: أخرج الطبري بسنده عن السدي، قال: "لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجِّهين نحو مكة، انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق. ثم إنهم ندموا فقالوا: بئس ما صنعتم، إنكم قتلتموهم، حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم! ارجعوا فاستأصلوهم! فقذف الله في قلوبهم الرعب، فانهزموا. فلقوا أعرابيًّا، فجعلوا له جُعْلا وقالوا له: إن لقيت محمدًا فأخبره بما قد جمعنا لهم. فأخبر الله رسوله ﷺ ، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فأنزل الله في ذلك، فذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع إلى النبي ﷺ ، وما قُذف في قلبه من الرعب فقال: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله﴾ " (١). وذكر مقاتل نحوه (٢). قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١]، " أي: سنقذف في قلوب الذين كفروا الخوف والفزع" (٣). قال الواحدي: أي: " الخوف حتى لا يرجعوا إليكم" (٤). قال الثعلبي: " أي: سنقذف، في قلوب الذين كفروا الرعب الخوف" (٥). قال ابن كثير: " ثم بشرهم بأنه سَيُلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم، بسبب كفرهم وشركهم" (٦). قال ابن إسحاق: " فإني سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب الذي كنت أنصركم عليهم" (٧). قال ابن عباس: " قذف الله في قلب أبي سفيان فرجع إلى مكة فقال النبي ﷺ : إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب" (٨). قرأ أيوب السختياني: ﴿سيلقي﴾، بالياء، يعني الله ، لقوله: ﴿بل الله مولاكم﴾، وقرأ الباقون: ﴿سنلقي﴾، بالنون على التعظيم (٩). وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (١٠).
следующие страницы →