← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

قال الزجاج: " أي ثبتنا على دينك. وإذا ثبتهم على دينهم ثبتوا في حربهم - قال الله – ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: ٩٤]، المعنى: تزل عن الدين" (١). قوله تعالى: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]، أي: " وانصرنا على مَن جحد وحدانيتك ونبوة أنبيائك" (٢). قال ابن إسحاق: "واستنصروه كما استنصروه على القوم الكافرين. فكل هذا من قولهم قد كان وقد قُتل نبيهم، فلم يفعلوا كما فعلتم" (٣). قال الماتريدي: " يحتمل: النصر عليهم بالحجج والبراهين. ويحتمل: النصر بالغلبة والهزيمة عليهم" (٤). الفوائد: ١ - أن هؤلاء الربيين كملت منهم الأفعال والأقوال، إذ ما وهنوا لما اصابهم، بل لجأوا إلى الله تعالى بسؤال المغفرة، لأن ما أصابهم إنما هو بسبب الذنوب. ٢ - أن الإنسان مفتقر إلى مغفرة الله غا الإفتقار. ٣ - أن الإنسان لايخلو من الإسراف على نفسه، إما في غلو أو تقصير. ٤ - أن الإنسان مفتقر إلى تقبيت القدم من الله . ٥ - أن النصر من عند الله وحده. القرآن ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾ [آل عمران: ١٤٨] التفسير: فأعطى الله أولئك الصابرين جزاءهم في الدنيا بالنصر على أعدائهم، وبالتمكين لهم في الأرض، وبالجزاء الحسن العظيم في الآخرة، وهو جنات النعيم. والله يحب كلَّ مَن أحسن عبادته لربه ومعاملته لخلقه. قوله تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤٨]، " أي: فأعطاهم الله ثواب الدنيا بالغنيمة والنصرة" (٥). قال مقاتل: " يقول أعطاهم النصر والغنيمة في الدنيا" (٦). قال الحسن: "الفتح والنصر" (٧). قال ابن إسحاق: " الظهورَ على عدوهم" (٨). قال ابن جريج: " النصر والغنيمة " (٩). قال قتادة: " أي والله، لآتاهم الله الفتح، والظهور، والتمكين والنصر على عدوهم في الدنيا" (١٠). قال الماتريدي: " يحتمل ثواب الدنيا: الذكر والثناء الحسن، وهم كذلك اليوم نتبعهم ونقتدي آثارهم وهم موتى" (١١). قوله تعالى: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] أي: "وخير جزاء الآخرة وهو الجنة ونعيمها" (١٢). قال ابن إسحاق: "الجنةَ وما أعدَّ فيها " (١٣).

стр. 2522

قال قتادة: " حسن الثواب في الآخرة هي الجنة" (١). قال ابن جريج: " رضوانَ الله ورحمته" (٢). قال الماتريدي: " وذكر في ثواب الآخرة " الحسن "، ولم يذكر في ثواب الدنيا الحسن؛ لأن ثواب الآخرة دائم لا يزول أبدا، وثواب الدنيا قد يزول، أو أن يشوب في ثواب الدنيا آفات وأحزان؛ فينقص ذلك، وليس ثواب الآخرة كذلك" (٣). قال الزمخشري: " وخص ثواب الآخرة بالحسن دلالة على فضله وتقدمه، وأنه هو المعتد به عنده ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] " (٤). قال الراغب: " ذكر في ثواب الآخرة الحسن تنبيها أن ثواب الدنيا بالإضافة إليها غير مستحسن لانقطاعه، ونبه بالآية أن من أراد ثواب الدنيا لم يحصل له ثواب الآخرة، وأن من أراد الآخرة حصلت له الدنيا والآخرة معا" (٥). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨]، أي: " والله يحب كلَّ مَن أحسن عبادته لربه ومعاملته لخلقه" (٦). قال السمرقندي: أي: " المؤمنين المجاهدين" (٧). قال ابن إسحاق: "يقول تعالى ذكره: فعل الله ذلك بهم بإحسانهم، فإنه يحب المحسنين، وهم الذين يفعلون مثل الذي وصف عنهم تعالى ذكره أنهم فعلوه حين قتل نبيُّهم" (٨). قال مكي بن أبي طالب: " أثنى عليهم أنهم محسنون وأن الله يحبهم" (٩). والإحسان يحتمل وجوها ثلاثة (١٠): أحدها: أن المحسن: العارف، كما يقال: فلان يحسن ولا يحسن. والثاني: أنه المعروف من الفعل -مما ليس عليه- يصنع إلى آخر؛ تفضلا منه وإحسانا. والثالث: اختيار الحسن من الفعل على القبيح من الفعل والسوء؛ وكان كقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]: هذا يختار المحاسن من الأفعال على المساوئ. الفوائد: ١ - أن الله اثاب هؤلاء الربيّون الذين احسنوا في مقالهم وفعالهم بثواب الدنيا وثواب الآخرة. ٢ - أن رحمة الله سبقت غضبه، فهو يثيب الطائع بثوابين: ثواب في الدنيا وثواب في الآخرة، بخلاف العقوبة: فإن الله تعالى لايجمع بين عقوبتين، فإذا شرع عقوبة في الدنيا على ذنب فإنه لايعاقب به في الآخرة، كما قال- ﷺ : "أن الحدود كفارة" (١١). ٣ - الإشارة إلى خفة شأن الدنيا بالنسبة للآخرة، تؤخذ من قوله: ﴿ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة﴾، كأن الدنيا ليست بشيء حتى يكون فيها حسن. ٤ - إثبات البعث والجزاء. ٥ - إثبات المحبة لله.

стр. 2523

القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ [آل عمران: ١٤٩] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إن تطيعوا الذين جحدوا ألوهيتي، ولم يؤمنوا برسلي من اليهود والنصارى والمنافقين والمشركين فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه، يضلوكم عن طريق الحق، وترتدُّوا عن دينكم، فتعودوا بالخسران المبين والهلاك المحقق. في سبب نزول الآية وجهان: أحدهما: قال مقاتل بن سليمان: " وأنزل الله- في قول المنافقين للمؤمنين، عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم فادخلوا فى دينهم. فقال- سبحانه-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا﴾، يعني: المنافقين في الرجوع إلى أبي سفيان، ﴿يردوكم على أعقابكم﴾ كفارا بعد الإيمان ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾ " (١). ونقله الثعلبي والزمخشري وغيرهما عن علي-كرّم الله وجهه (٢). وأخرج ابن ابي حاتم عن السدي فيما معناه (٣). والثاني: وروي عن الحسن رضى الله عنه: "إن تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا منهم، لأنهم كانوا يستغوونهم ويوقعون لهم الشبه في الدين، ويقولون: لو كان نبيا حقا لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم، وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوما له ويوما عليه" (٤). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٩]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه" (٥). قال الطبري: أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه" (٦). قوله تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٤٩]، "أي: إِن أطعتم الكفار والمنافقين فيما يأمرونكم به" (٧). قال الطبري: أي: " إن تطيعوا الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد ﷺ من اليهود والنصارى - فيما يأمرونكم به وفيما ينهونكم عنه - فتقبلوا رأيهم في ذلك وتنتصحوهم فيما يزعمون أنهم لكم فيه ناصحون" (٨). قال الواحدي: " أَيْ: اليهود والمشركين حيث قالوا لكم يوم أُحدٍ: ارجعوا إلى دين آبائكم" (٩). قال ابن جريج: " يقول: لا تنتصحوا اليهود والنصارى على دينكم، ولا تصدِّقوهم بشيء في دينكم" (١٠). قال السدي: " يقول: إن تطيعوا أبا سفيان" (١١). قوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٩]، "ي يردوكم إِلى الكفر" (١٢). قال السدي: "يقول: يردَّكم كفارًا" (١٣). قال الطبري: أي: " يحملوكم على الرِّدة بعد الإيمان، والكفر بالله وآياته وبرسوله بعد الإسلام" (١٤). قال الثعلبي: أي: " يرجعوكم إلى أول أمركم الشرك بالله تعالى" (١٥).

стр. 2524

قوله تعالى: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩]، أي: فترجعوا إلى الخسران" (١). قال ابن إسحاق: " فتذهب دنياكم وآخرتكم" (٢). قال الطبري: أي: ": فترجعوا عن إيمانكم ودينكم الذي هداكم الله له هالكين، قد خسرتم أنفسكم، وضللتم عن دينكم، وذهبت دنياكم وآخرتكم" (٣). الفوائد: ١ - فضيلة الإيمان إذ يوجه الخطاب إلى الناس بوصف الإيمان في مقام الإرشاد والتنبيه، وأن الإيمان مقتض للامتثال. ٢ - وجوب الحذر من الكفار وأنه لايجوز إطاعة الكافرين، لأنها وسيلة إلى الكفر والخسران، كما انهم لن يدبروا امرا فيه مصلحة للمسلمين والاسلام أبدا. ٣ - أن الكفر خسارة، لقوله: ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾، وإذا كان الكفر خسارة فإن الإيمان ربح، ولهذا لانجد أحدا اربح من المؤمن في هذه الدنيا حتى لو كان فقيرا وحيدا. القرآن ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)﴾ [آل عمران: ١٥٠] التفسير: إنهم لن ينصروكم، بل الله ناصركم، وهو خير ناصر، فلا يحتاج معه إلى نصرة أحد. قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، "أي: ليسوا أنصاراً لكم حتى تطيعوهم بل الله ناصركم فأطيعوا أمره" (٤). قال الزمخشري: " أى ناصركم، لا تحتاجون معه إلى نصرة أحد وولايته" (٥). قال الواحدي: " أَيْ: فاستغنوا عن موالاة الكفَّار" (٦). قال الطبري: يعني: " أن الله مسدِّدكم، أيها المؤمنون، فمنقذكم من طاعة الذين كفروا" (٧). قال ابن إسحاق: " ﴿بل الله مولاكم﴾، إن كان ما تقولون بألسنتكم صدقا في قلوبكم" (٨). وقرئ: " ﴿بَلِ اللَّهَ﴾ بالنصب على: بل أطيعوا اللهَ مولاكم" (٩). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، "أي هو سبحانه خير ناصر وخير معين فلا تستنصروا بغيره" (١٠). قال الواحدي: أي: فأنا ناصركم فلا تستنصروهم" (١١). قال ابن أبي زمنين: يعني: " ينصركم ويعصمكم من أن ترجعوا كافرين" (١٢). قال ابن إسحاق: "أي: فاعتصموا به ولا تستنصروا بغيره، ولا ترجعوا على أعقابكم مرتدِّين عن دينكم" (١٣). الفوائد:

стр. 2525

١ - التحذير الشديد من طاعة الكفار وولايتهم، فهم أعداء الإسلام مهما ألانوا القول وزخرفوه. ٢ - إثبات الولاية لله للمؤمنين، وهي ولاية خاصة بالمؤمنين، ومنه قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. ٣ - أن الله تعالى ناصر لأوليائه. القرآن ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)﴾ [آل عمران: ١٥١] التفسير: سنقذف في قلوب الذين كفروا أشدَّ الفزع والخوف بسبب إشراكهم بالله آلهة مزعومة، ليس لهم دليل أو برهان على استحقاقها للعبادة مع الله، فحالتهم في الدنيا: رعب وهلع من المؤمنين، أما مكانهم في الآخرة الذي يأوون إليه فهو النار; وذلك بسبب ظلمهم وعدوانهم، وساء هذا المقام مقامًا لهم. في سبب نزول الآية: أخرج الطبري بسنده عن السدي، قال: "لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجِّهين نحو مكة، انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق. ثم إنهم ندموا فقالوا: بئس ما صنعتم، إنكم قتلتموهم، حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم! ارجعوا فاستأصلوهم! فقذف الله في قلوبهم الرعب، فانهزموا. فلقوا أعرابيًّا، فجعلوا له جُعْلا وقالوا له: إن لقيت محمدًا فأخبره بما قد جمعنا لهم. فأخبر الله رسوله ﷺ ، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فأنزل الله في ذلك، فذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع إلى النبي ﷺ ، وما قُذف في قلبه من الرعب فقال: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله﴾ " (١). وذكر مقاتل نحوه (٢). قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١]، " أي: سنقذف في قلوب الذين كفروا الخوف والفزع" (٣). قال الواحدي: أي: " الخوف حتى لا يرجعوا إليكم" (٤). قال الثعلبي: " أي: سنقذف، في قلوب الذين كفروا الرعب الخوف" (٥). قال ابن كثير: " ثم بشرهم بأنه سَيُلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم، بسبب كفرهم وشركهم" (٦). قال ابن إسحاق: " فإني سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب الذي كنت أنصركم عليهم" (٧). قال ابن عباس: " قذف الله في قلب أبي سفيان فرجع إلى مكة فقال النبي ﷺ : إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب" (٨). قرأ أيوب السختياني: ﴿سيلقي﴾، بالياء، يعني الله ، لقوله: ﴿بل الله مولاكم﴾، وقرأ الباقون: ﴿سنلقي﴾، بالنون على التعظيم (٩). وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (١٠).

стр. 2526

قال الراغب: " الرعب: استرخاء القوى وتقطعها من الخوف" (١). وقوله: ﴿الرُّعْبَ﴾، ثقل عينه، أبو جعفر وابن عامر والكسائي ويعقوب، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وخففها الآخرون (٢). قوله تعالى: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١]، " أي: بسبب إِشراكهم بالله وعبادتهم معه آلهة أخرى من غير حجة ولا برهان" (٣). قال ابن إسحاق: " بما أشركوا بي" (٤). قال مقاتل: "يعني: ما لم ينزل به كتابا فيه حجة لهم بالشرك" (٥). قال الواحدي: أي: " بإشراكهم بالله الأصنام التي يَعبدونها مع الله بغير حجَّة" (٦). قال الزمخشري: " أى: كان السبب في إلقاء الله الرعب في قلوبهم إشراكهم به ما لم ينزل به سلطانا آلهة لم ينزل الله بإشراكها حجة" (٧). قوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٥١]، "أي: مستقرهم النار" (٨). قال الواحدي: " يْ: مرجعهم النَّار" (٩). قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٥١]، " أي: بئس مقام الظالمين نار جهنم" (١٠). الفوائد: ١ - بيان عظمة الله، من قوله: ﴿سنلقي﴾. ٢ - أن محل الإرادة والتدبير للبدن هو القلب، لقوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾، وليس المحل هو الدماغ، لأن الدماغ لايدبر، بل يتصور ثم يرسل الصورة إلى القلب، والقلب يحكم، قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]. ٣ - أن إلقاء الرعب في قلب الأعداء من اكبر النصر، لقوله: ﴿وهو خير الناصرين﴾، ثم قال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾، فالرعب من أقوى أسباب النصر. ٤ - إثبات الأسباب لقوله: ﴿بما أشركوا﴾. ٥ - أنه إذا كان الرعب يلقى في قلوب المشركين لإشراكهم، فإن الأمن يلقى في قلوب المؤمنين لتوحيدهم، لأن ما ثبت للشيء ثبت ضده لضده، فكلما كان الإنسان اشد إيمانا بالله وأشد توحيدا له كان أشد امنا واستقرارا، لأنه أقوى توكلا علي الله، والتوكل من أقوى اسباب الأمن ومصابرة الأعداء، حتى أن من الناس من يقوم توكله على الله مقام الدواء في الشفاء. ٦ - أنه لا دليل لأحد على شركه، لقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، وهذا نداء على المشركين وإعلان بسفههم. ٧ - إثبات الجزاء، لقوله: ﴿ومأواهم النار﴾. ٨ - إثبات أن النار مأوى الكافرين. ٩ - ذم النار ومثواها والعياذ بالله. القرآن

стр. 2527

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران: ١٥٢] التفسير: ولقد حقق الله لكم ما وعدكم به من نصر، حين كنتم تقتلون الكفار في غزوة «أُحد» بإذنه تعالى، حتى إذا جَبُنتم وضعفتم عن القتال واختلفتم: هل تبقون في مواقعكم أو تتركونها لجمع الغنائم مع مَن يجمعها؟ وعصيتم أمر رسولكم حين أمركم ألا تفارفوا أماكنكم بأي حال، حلَّت بكم الهزيمة من بعد ما أراكم ما تحبون من النصر، وتبيَّن أن منكم مَن يريد الغنائم، وأن منكم مَن يطلب الآخرة وثوابها، ثم صرف الله وجوهكم عن عدوكم; ليختبركم، وقد علم الله ندمكم وتوبتكم فعفا عنكم، والله ذو فضل عظيم على المؤمنين. في سبب نزول الآية عدة أقوال: أحدها: أخرج الطبري عن الربيع: " قوله: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾، وذلك يوم أحد، قال لهم: إنكم ستظهرون، فلا أعرِفنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا، حتى تفرُغوا! فتركوا أمر نبي الله ﷺ ، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عَهْده الذي عَهِده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به" (١). والثاني: وأخرج الطبري عن ابن عباس: "أنّ رسول الله ﷺ بعث ناسًا من الناس - يعني: يوم أحُد - فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله ﷺ : كونوا هاهنا، فردّوا وجه من فرَّ منا، وكونوا حرسًا لنا من قِبل ظهورنا. وإن رسول الله ﷺ لما هزم القوم هو وأصحابه، قال الذين كانوا جُعلوا من ورائهم، بعضهم لبعض، لما رأوا النساء مُصْعِدات في الجبل ورأوا الغنائم، قالوا: انطلقوا إلى رسول الله ﷺ فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها! وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله ﷺ فنثبت مكاننا! فذلك قوله: ﴿منكم من يريد الدنيا﴾، للذين أرادوا الغنيمة ﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾، للذين قالوا: نطيع رسول الله ﷺ ونثبت مكاننا. فأتوا محمدًا ﷺ ، فكان فشلا حين تنازعوا بينهم يقول: ﴿وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾، كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة" (٢). والثالث: أخرج الطبري عبيد بن سليمان قال: " سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾، فإن نبي الله ﷺ أمر يوم أحد طائفة من المسلمين، فقال: كونوا مَسْلحة للناس، بمنزلةٍ أمرَهم أن يثبتوا بها، وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم حتى يأذن لهم. فلما لقي نبي الله ﷺ يوم أحد أبا سفيان ومن معه من المشركين، هزمهم نبي الله ﷺ ! فلما رأى المسلحةُ أن الله هزم المشركين، انطلق بعضهم وهم يتنادون: الغنيمة! الغنيمة! لا تفتكم! وثبت بعضهم مكانهم، وقالوا: لا نَريم موضعنا حتى يأذن لنا نبي الله ﷺ ! . ففي ذلك نزل: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾، فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبي ﷺ كان يريد الدنيا وعرَضَها، حتى كان يوم أحد" (٣). وري عن ابن عباس نحو ذلك (٤). والرابع: أخرج ابن المنذر بسنده عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، في قوله : ﴿حتى إذا فشلتم﴾ قال: " وكان وضع خمسين رجلا من أصحابه، عليهم عبد الله، فجعلهم بإزاء خالد بن الوليد على جبل المشركين فلما هزم رسول الله ﷺ الناس، قال نصف أولئك: نذهب حتى نلحق بالناس، ولا يفوتنا بالغنائم وقال بعضهم: قد عهد إلينا رسول الله ﷺ أن لا نريم حتى يحدث إلينا، قال: فلما رأى خالد بن الوليد رقتهم حمل عليهم، فقاتلوا حتى ماتوا، فأنزل الله جل وعز فيهم: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾، إلى قوله: ﴿وعصيتم﴾، فجعل أولئك الذين انصرفوا عصاة" (٥).

стр. 2528

والخامس: نقل الواحدي عن محمد بن كعب القرظي: "لما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ الآية إلى قوله: ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ يعني الرماة الذين فعلوا ما فعلوا يوم أحد" (١). والخامس: أخرج الطبري عن الحسن: " في قوله: ثم صرفكم عنهم، قال: صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدَّة من أسروا يوم بدر، وقُتل عم رسول الله ﷺ ، وكسرت رباعيته، وشُجّ في وجهه، وكان يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨]، الآية. فقالوا: أليس كان رسول الله ﷺ وعدنا النصر؟ فأنزل الله : ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ إلى قوله: ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم﴾ " (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: " ولقد حقق الله لكم ما وعدكم به من نصر" (٣). قال ابن إسحاق: " أي: لقد وفَيتُ لكم بما وعدتكم من النصر على عدوكم" (٤). قال الربيع: " وذلك يوم أحد، قال لهم: إنكم ستظهرون، فلا أعرِفنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا، حتى تفرُغوا! فتركوا أمر نبي الله ﷺ ، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عَهْده الذي عَهِده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به" (٥). قال الطبري: " والوعد الذي كان وعدَهم على لسانه بأحد، قوله للرماة: اثبتوا مكانكم ولا تبرحوا، وإن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم. وكان وعدهم رسول الله ﷺ النصر يومئذ إن انتهوا إلى أمره" (٦). قال ابن كثير: إن"ذلك كان يوم أحد لأن عدوهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرُّماة وفشل بعض المقاتلة، تأخر الوعد الذي كان مشروطا بالثبات والطاعة، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، أي: أول النهار" (٧). وقال القاسمي: " ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ في قوله: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم﴾ " (٨). أخرج الطبري عن السدي قال: "لما برز رسول الله ﷺ إلى المشركين بأحد، أمر الرماة، فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين وقال: لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير، أخا خوّات بن جبير. ثم إنّ طلحة بن عثمان، صاحب لواء المشركين، قام فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله يعجِّلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجِّلكم بسيوفنا إلى الجنة! فهل منكم أحد يعجِّله الله بسيفي إلى الجنة! أو يعجِّلني بسيفه إلى النار؟ فقام إليه علي بن أبي طالب فقال: والذي نفسي بيده، لا أفارقك حتى يعجِّلك الله بسيفي إلى النار، أو يعجِّلني بسيفك إلى الجنة! فضربه علي فقطع رجلَه، فسقط، فانكشفت عورته، فقال: أنشدك الله والرحم، ابنَ عم! فتركه، فكبّر رسول الله ﷺ ، وقال لعليّ أصحابه: ما منعك أن تجهز عليه؟ قال: إنّ ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه، ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم، وحمل النبي ﷺ وأصحابه فهزموا أبا سفيان. فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل، فرمته الرماة، فانقمع. فلما نظر الرماة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه، بادروا الغنيمة، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله ﷺ ! . فانطلق عامتهم فلحقوا

стр. 2529

بالعسكر. فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله، ثم حمل فقتل الرماة، ثم حمل على أصحاب النبي ﷺ . فلما رأى المشركون أنّ خيلهم تقاتل، تنادوا فشَدُّوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم" (١). وعن ابن عباس: "قوله: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسُّونهم بإذنه﴾، فإن أبا سفيان أقبل في ثلاث ليال خلون من شوّال حتى نزل أحدًا، وخرج رسول الله ﷺ فأذَّن في الناس، فاجتمعوا، وأمَّر على الخيل الزبير بن العوام، ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندي. وأعطى رسول الله ﷺ اللواء رجلا من قريش يقال له: مصعب بن عمير. وخرج حمزة بن عبد المطلب بالحسَّر، وبعث حمزة بين يديه. وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل. فبعث رسول الله ﷺ الزبير وقال: استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتى أوذنك. وأمر بخيل أخرى، فكانوا من جانب آخر، فقال: لا تبرحوا حتى أوذنكم. وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى، فأرسل النبي ﷺ إلى الزبير أن يحمل، فحمل على خالد بن الوليد فهزمه ومن معه، كما قال: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحُسُّونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبُّون﴾، وإنّ الله وعد المؤمنين أن ينصرهم وأنه معهم" (٢). وقال ابن إسحاق: " حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا - في قصة ذكرها عن أحد - ذكر أن كلهم قد حدَّث ببعضها، وأن حديثهم اجتمع فيما ساق من الحديث، فكان فيما ذكر في ذلك: أن رسول الله ﷺ نزل الشعب من أحُد في عُدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحُد، وقال: لا يقاتلنَّ أحدٌ، حتى نأمره بالقتال، وقد سرَّحت قريش الظهر (٣) والكُراع، في زروع كانت بالصَّمغة (٤) من قناة للمسلمين، فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله ﷺ عن القتال: أترعى زروع بني قيلة (٥) ولما نُضارِب! وتعبَّأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمئة رجل، وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس قد جَنَبوها (٦)، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل. وأمرَّ رسول الله ﷺ على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف، وهو يومئذ مُعلم بثياب بيض، والرماةُ خمسون رجلا وقال: انضح عنا (٧) الخيل بالنبل، لا يأتونا من خلفنا! إن كانت لنا أو علينا فأثبت مكانك، لا نؤتيَنَّ من قبلك، فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض (٨)، واقتتلوا، حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس، وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبى طالب، في رجال من المسلمين. فأنزل الله نصره وصدقهم وعده، فحسُّوهم بالسيوف حتى كشفوهم، وكانت الهزيمةَ لا شك فيها" (٩). وقال الزبير: "والله لقد رأيتُني أنظر إلى خَدَم هند ابنة عتبة وصواحبها مشمِّرات هوارب، ما دون إحداهن قليلٌ ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القومَ عنه يريدون النهب، وخلَّوا ظهورنا للخيل، فأتينا

стр. 2530

من أدبارنا. وصرخ صارخٌ: ألا إنّ محمدًا قد قُتل! فانكفأنا، وأنكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، حتى ما يدنو منه أحدٌ من القوم" (١). قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: إذ "تقتلونهم بتسليطه إياكم عليهم" (٢). قال القاسمي: " أي تقتلونهم قتلا كثيرا، بتيسيره وتوفيقه" (٣). قال ابن إسحاق: " إذ تحسونهم بإذني، وتسليطي أيديكم عليهم، وكفِّي أيديهم عنكم" (٤). قال مقاتل: " يعني تقتلونهم بإذنه يوم أحد ولكم النصر عليهم" (٥). قال أبو عبيدة: " تستأصلونهم قتلا" (٦). قال عبدالرحمن بن عوف: " الحسُّ: القتل" (٧). وكذلك روي عن عبيد الله بن عبدالله (٨)، وابن عباس (٩)، والحسن (١٠)، ومجاهد (١١)، وقتادة (١٢)، والربيع (١٣)، والسدي (١٤)، وابن إسحاق (١٥). قال الثعلبي: " أي: تقتلونهم قتلا ذريعا سريعا شديدا، قال الشاعر (١٦): حسسناهم بالسيف حسا فأصبحت ... بقيتهم قد شردوا وتبددوا وقال أبو عبيدة: الحس الاستيصال بالقتل، " يقال: أحسسناهم من عند آخرهم، أي: استأصلناهم" (١٧)، [و] يقال: جراد محسوس إذا قتله البرد، وسنة حسوس إذا أتت على كل شيء. قال روبة (١٨): إذا شكونا سنة حسوسا ... تأكل بعد الأخضر اليبيسا" (١٩). قال الراغب: " الحس: يقال للإصابة بالحاسة نحو عنته ويديته، أي أصبته بهما، ويقال تارة لإصابة الحاس نحو بطنته وظهرته، أي أصبتهما، ولما كان إصابة الحاسة قد يتولد منه فقد الروح استعير للقتل، وإذنه هاهنا يصح أن يكون أمره، وأن يكون تسهيله وتوفيقه" (٢٠). قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: " حتى إذا جبنتم وضعفتم، واختلفتم في أمر الله" (٢١). قال الصابوني: " أي: حتى إِذا اجبنتم وضعفتم واختلفتم في أمر المقام في الجبل" (٢٢). قال البيضاوي: " حتى إذا فشلتم جبنتم وضعف رأيكم، أو ملتم إلى الغنيمة فإن الحرص من ضعف العقل. ﴿وتنازعتم في الأمر﴾، يعني: اختلاف الرماة" (٢٣).

стр. 2531

قال ابن إسحاق: " ﴿حتى إذا فشلتم﴾، أي: تخاذلتم، ﴿وتنازعتم في الأمر﴾، أي: اختلفتم في أمري " (١). قال مقاتل: " يعنى ضعفتم عن ترك المركز، [و] كان تنازعهم أنه قال بعضهم: ننطلق فتصيب الغنائم، وقال بعضهم: لا نبرح المركز كما أمرنا رسول الله- ﷺ " (٢). قال ابن جريج: " قال ابن عباس: الفشَل: الجبن" (٣). قال الربيع بن أنس: " ﴿حتى إذا فشلتم﴾، يقول: جبنتم عن عدوكم، ﴿وتنازعتم في الأمر﴾، يقول: اختلفتم، ﴿وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾، وذلك يوم أحد قال لهم: إنكم ستظهرون، فلا أعرفنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا حتى تفرغوا، فتركوا أمر نبي الله ﷺ ، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عهده الذي عهده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به، فانقذف عليهم عدوهم، من بعد ما أراهم فيهم ما يحبون" (٤). قال الراغب: " الفشل: ضعف النجيزة، وذلك يكون عن الحرب، وعن السخاء، بل عن تحمل المضض، وجعل تعالى ميلهم إلى الغنيمة فشلا، فإن الحرص والبخل من فشل النجيزة" (٥). قال الزمخشري: " والفشل: الجبن وضعف الرأى" (٦). قوله تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: "وعصيتم نبيكم من بعد ما أراكم الله ما تحبون من النصر والظفر" (٧). قال الطبري: أي: " وخالفتم نبيكم، فتركتم أمره وما عهد إليكم من بعد الذي أراكم الله، أيها المؤمنون بمحمد، من النصر والظفر بالمشركين، وذلك هو الهزيمة التي كانوا هزموهم عن نسائهم وأموالهم قبل ترك الرماة مقاعدهم التي كان رسول الله ﷺ أقعدهم فيها، وقبل خروج خيل المشركين على المومنين من ورائهم" (٨). قال ابن إسحاق: " ﴿وعصيتم﴾، أي: تركتم أمر نبيكم ﷺ ؛ وما عهد إليكم، يعني الرماة، ﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾، أي: الفتح لا شك فيه، وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم" (٩). عن الحسن: ﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾، يعني: من الفتح" (١٠). قال ابن عباس: " أنّ رسول الله ﷺ بعث ناسًا من الناس - يعني: يوم أحُد - فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله ﷺ : كونوا هاهنا، فردّوا وجه من فرَّ منا، وكونوا حرسًا لنا من قِبل ظهورنا. وإن رسول الله ﷺ لما هزم القوم هو وأصحابه، قال الذين كانوا جُعلوا من ورائهم، بعضهم لبعض، لما رأوا النساء مُصْعِدات في الجبل ورأوا الغنائم، قالوا: انطلقوا إلى رسول الله ﷺ فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها! وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله ﷺ فنثبت مكاننا! فذلك قوله: منكم من يريد الدنيا، للذين أرادوا الغنيمة ومنكم من يريد الآخرة، للذين قالوا: نطيع رسول الله ﷺ ونثبت مكاننا. فأتوا محمدًا ﷺ ، فكان فشلا حين تنازعوا بينهم يقول: ﴿وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾، كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة" (١١).

стр. 2532

قال مجاهد: " نصر الله المؤمنين على المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وذلول ثم أديل عليهم المشركون بمعصيتهم للنبي ﷺ ، حين حرضهم رسول الله ﷺ على بغلته الشهباء. وقال: رب اكفنيهم بما شئت" (١). قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: منكم من "أي يطلب الغنيمة" (٢). قال الحسن: " هؤلاء الذين يجترون الغنائم" (٣). قال ابن إسحاق: " أي: الذين أرادوا النهب رغبة في الدنيا وتركَ ما أمروا به من الطاعة التي عليها ثواب الآخرة" (٤). قال الطبري: " يعني جل ثناؤه بقوله: منكم من يريد الدنيا، الذين تركوا مقعدهم الذي أقعدهم فيه رسول الله ﷺ في الشِّعب من أحُد لخيل المشركين، ولحقوا بعسكر المسلمين طلب النهب إذ رأوا هزيمة المشركين " (٥). قال السدي: " فالذين انطلقوا يريدون الغنيمة هم أصحاب الدنيا" (٦). ، قال: ابن جريج: " قال ابن مسعود: ما علمنا أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان يريد الدنيا وعرَضَها، حتى كان يومئذ" (٧)، وفي رواية أخرى: " حتى نزل فينا يوم أحد: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة" (٨)، وفي رواية ابن عباس عنه: " ما شعرتُ أن أحدًا من أصحاب النبي ﷺ كان يريد الدنيا وعرَضها، حتى كان يومئذ (٩). قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: "وأن منكم مَن يطلب الآخرة وثوابها" (١٠). قال الحسن: " الذين يتبعونهم يقتلونهم" (١١). قال ابن إسحاق: " أي: الذي جاهدوا في الله لم يخالفوا إلى ما نهوا عنه لعرض من الدنيا رغبة فيها، رجاء ما عند الله من حسن ثوابه في الآخرة" (١٢). قال الطبري: " يعني بذلك: الذين ثبتوا من الرماة في مقاعدهم التي أقعدهم فيها رسول الله ﷺ ، واتبعوا أمره، محافظة على عهد رسول الله ﷺ ، وابتغاء ما عند الله من الثواب بذلك من فعلهم والدار الآخرة" (١٣). قال السدي: " والذين بقوا وقالوا: لا نخالف قول رسول الله ﷺ ، أرادوا الآخرة" (١٤). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، "أي: ثم ردكم بالهزيمة عن الكفار ليمتحن إِيمانكم" (١٥). قال السمعاني: " يعني: في الوقعة الثانية حين عاد المشركون، وهذا دليل لأهل السنة على: أن أفعال العباد مخلوقة؛ حيث نسب الله تعالى هزيمة المسلمين إلى نفسه مع وقوع الفعل منهم، فقال: ﴿ثم صرفكم عنهم﴾ " (١٦).

стр. 2533

قال البيضاوي: أي: " ثم كفكم عنهم حتى حالت الحال فغلبوكم. ليبتليكم على المصائب ويمتحن ثباتكم على الإيمان عندها" (١). قال ابن إسحاق: " أي: صرفكم عنهم ليختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم" (٢). قال مقاتل: " ﴿ثم صرفكم عنهم﴾ من بعد أن أظفركم عليهم ﴿ليبتليكم﴾ بالقتل والهزيمة" (٣). قال الطبري: يعني: " ثم صرفكم، أيها المؤمنون، عن المشركين بعد ما أراكم ما تحبون فيهم وفي أنفسكم، من هزيمتكم إياهم وظهوركم عليهم، فردَّ وجوهكم عنهم لمعصيتكم أمر رسولي، ومخالفتكم طاعته، وإيثاركم الدنيا على الآخرة عقوبةً لكم على ما فعلتم، ليبتليكم، يقول: ليختبركم، فيتميز المنافق منكم من المخلص الصادق في إيمانه منكم" (٤). قال السدي: " ثم ذكر حين مال عليهم خالد بن الوليد: ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾ " (٥). قال الحسن: "صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدَّة من أسروا يوم بدر، وقُتل عم رسول الله ﷺ ، وكسرت رباعيته، وشُجّ في وجهه" (٦). قال الماتريدي: " أي: ذلك الصرف كان لكم من الله ابتلاء ومحنة. وقيل: كان ذلك العصيان -الذي منكم كان- من الله ابتلاء؛ ليعلم من قد علم أنه يعصي عاصيا" (٧). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: " وقد صفح عنكم مع العصيان" (٨). قال مقاتل: " حيث لم تقتلوا جميعا عقوبة بمعصيتكم" (٩). قال التستري: " يعني الفئة المنهزمة يوم أحد حين لم يستأصلهم جميعاً" (١٠). قال البيضاوي: يعني: " تفضلا، ولما علم من ندمكم على المخالفة" (١١). قال ابن إسحاق: " ولقد عفا الله عن عظيم ذلك، لم يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم، ولكن عُدْت بفضلي عليكم" (١٢). عن ابن جريج: "قوله: ﴿ولقد عفا عنكم﴾، قال: لم يستأصلكم" (١٣). أخرج الطبري عن مبارك، عن الحسن، في قوله: ﴿ولقد عفا عنكم﴾، قال: "قال الحسن، وصفَّق بيديه: وكيف عفا عنهم، وقد قتل منهم سبعون، وقُتل عم رسول الله ﷺ ، وكسرت رباعيته، وشج في وجهه؟ قال: ثم يقول: قال الله : قد عفوت عنكم إذ عصيتموني، أن لا أكون استأصلتكم. قال: ثم يقول الحسن: هؤلاء مع رسول الله ﷺ ، وفي سبيل الله غضابٌ لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فصنعوه، فوالله ما تركوا حتى غُمُّوا بهذا الغم، فأفسق الفاسقين اليوم يَتَجَرْثَمُ كل كبيرة، ويركب كل داهية، ويسحب عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه! ! فسوف يعلم" (١٤). قال الماتريدي: " ويحتمل: ﴿عفا عنكم﴾؛ حيث قبل رجوعكم وتوبتكم عن العصيان" (١٥).

стр. 2534

قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، "أي والله ذو منٍّ ونعمةٍ على المؤمنين في جميع الأوقات والأحوال" (١). قال التستري: " بالعفو عنهم وقبول التوبة منهم" (٢). قال مقاتل: " ﴿والله ذو فضل﴾ في عقوبته على المؤمنين حيث لم يقتلوا جميعا" (٣). قال الطبري: أي: " والله ذو طَوْل على أهل الإيمان به وبرسوله، بعفوه لهم عن كثير ما يستوجبون به العقوبة عليه من ذنوبهم، فإن عاقبهم على بعض ذلك، فذو إحسان إليهم بجميل أياديه عندهم" (٤). قال البيضاوي: أي: " يتفضل عليهم بالعفو، أو في الأحوال كلها سواء أديل لهم أو عليهم إذ الابتلاء أيضا رحمة" (٥). قال ابن إسحاق: " يقول: وكذلك منَّ الله على المؤمنين، أن عاقبهم ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبًا وموعظة، فإنه غير مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم، لما أصابوا من معصيته، رحمةً لهم وعائدة عليهم، لما فيهم من الإيمان" (٦). قال السعدي: " أي: ذو فضل عظيم عليهم، حيث منَّ عليهم بالإسلام، وهداهم لشرائعه، وعفا عنهم سيئاتهم، وأثابهم على مصيباتهم. ومن فضله على المؤمنين أنه لا يقدّر عليهم خيرا ولا مصيبة، إلا كان خيرا لهم. إن أصابتهم سراء فشكروا جازاهم جزاء الشاكرين، وإن أصابتهم ضراء فصبروا، جازاهم جزاء الصابرين" (٧). قال الماتريدي: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: " بالعفو عنهم، وقبول التوبة؛ حيث عصوا رسول الله ﷺ وتركوا أمره، وعلى قول المعتزلة عليه أن يفعل ذلك؛ فعلى قولهم ليس هو بذي فضل على أحد، نعوذ بالله من السرف في القول. والفائدة في تخصيص المؤمنين بالامتنان عليهم دون جملة من بعث النبي ﷺ فيهم ومنهم، مع ما ذكر منته بالبعث من أنفسهم، وقد بينا وجه المنة في البعث من جوهر البشر - وجهان: أحدهما: أن من لم يؤمن به لم يكن عرف نعمة من الله - تعالى - وإن كان - في الحقيقة - نعمة منه لهم، ورحمة لهم وللعالمين، فخص من عرفه ليشكروا له بما ذكرهم؛ وهو كقوله : ﴿إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب﴾، أي: هم يقبلون ويعرفون حق الإنذار. والثاني: أنه صار لهم حجة على جميع الأعداء: أنهم لا يطيعون لمعنى كان منهم، إلا وللمؤمنين عليهم وجه دفع ذلك بما كان عليه ما عرفوه به قبل الرسالة؛ لما فيه لزوم القول بصدقه؛ فيكون ذلك منة لهم وسرورا ونعمة عظيمة؛ فاستأداهم الله لشكرها، ولا قوة إلا بالله" (٨). الفوائد: ١ - انه تعالى قد نصر المؤمنين في أحد كما نصرهم في بدر. ٢ - ان من البلاغة أن يؤكد الخبر إذا كان الحال تقتضي ذلك، لقوله: ﴿ولقد نصركم الله وعده﴾، فيه قسم وتوكيد واللام وقد. ٣ - شدة عزيمة الصحابة-﵃ في طلب العدو، لقوله: ﴿إذ تحسونهم بإذنه﴾، والحس: القتل، أو أشد منه كأنه يسمع له صوت عند القتل. ٤ - أن النزاع والمعصية سبب لفوات كمال النصر، فالمسلمين انتصروا في اول الامر، لكن لما حدث هذا المانع امتنع او انتفى كمال النصر.

стр. 2535

٥ - أن النزاع والمعصية سبب للخذلان، تؤخذ من واقع الأمر، لأن قوله: ﴿حتى إذا فشلتم﴾، جواب الشرط فيه محذوف، والمعنى: أنكم خسرتم هذا النصر وخذلتم. ٦ - أن المعصية بعد النعمة اشد من المعصية قبل النعمة. ٧ - الحثّ على اجتماع الكلمة، لأن الاتفاق سبب للنصر. ٨ - أن المدار كله على مافي القلب، لقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾. ٩ - أنه قد يكون في خير القرون ن يعاب عليه الفعل، لقوله: ﴿منكم من يريد الدنيا﴾، لكن الصحابة-﵃ لهم من الفضائل والسوابق والصحبة ما يكفّر ما حصل لبعض منهم من الآفات وغيرها. ١٠ - إثبات الأسباب، لقوله: ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾، لأن سبب صرف الله هؤلاء عن الكفار هو ما حصل منهم من التنازع. ١١ - إثبات الحكمة في أفعال الله. ١٢ - أن ما حصل للمؤمنين من التنازع والفشل والمعصية، وإرادة الدنيا كله محاه الله تعالى، فقال: ﴿ولقد عفا عنكم﴾. ١٣ - إثبات الفضل لله عليهم وعلى غيرهم من المؤمنين، لقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. ١٤ - قال الماتريدي: " وهذه الآية قوله : ﴿ثم صرفكم﴾، وقوله: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ - ترد على المعتزلة؛ وكذلك قوله - تعالى -: ﴿لبرز الذين كتب عليهم القتل﴾، إلى آخر الآية؛ لأنهم يقولون: هم الذين صرفوا أنفسهم لا الله، وهم الذين كتبوا عليهم القتل لا الله، وهم الذين يداولون لا الله، وقد أضاف ذلك إلى نفسه؛ فعلى ذلك لا يضيف إليه إلا عن فعل وصنع له فيه؛ ولأنهم يقولون: لا يفعل إلا الأصلح لهم في الدين، فأي صلاح كان لهم في صرفه إياهم عن عدوهم؟ ! وأي صلاح لهم فيما كتب عليهم القتل؟ ! فدل أن الله قد يفعل بعباده ما ليس ذلك بأصلح لهم في الدين" (١). القرآن ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾ [آل عمران: ١٥٣] التفسير: اذكروا -يا أصحاب محمد ﷺ ما كان مِن أمركم حين أخذتم تصعدون الجبل هاربين من أعدائكم، ولا تلتفتون إلى أحد لِمَا اعتراكم من الدهشة والخوف والرعب، ورسول الله ﷺ ثابت في الميدان يناديكم من خلفكم قائلا إليَّ عبادَ الله، وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون، فكان جزاؤكم أن أنزل الله بكم ألمًا وضيقًا وغمًّا; لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من نصر وغنيمة، ولا ما حلَّ بكم من خوف وهزيمة. والله خبير بجميع أعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء. في سبب نزول الآية وجهان: أحدهما: أخرج ابن المنذر عن عطية العوفي، قال: " لما كان يوم أحد وانهزم الناس صعدوا في الجبل، والرسول يدعوهم في أخراهم، فقال الله : ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم﴾ " (٢). والثاني: وقال مقاتل بن سليمان: " وذلك أنهم كانوا يذكرون فيما بينهم بعد الهزيمة ما فاتهم من الفتح والغنيمة، وما أصابهم بعد ذلك من المشركين، وقتل إخوانهم فهذا الغم الأول والغم الآخر إشراف خالد بن الوليد عليهم من الشعب في الخيل، فلما أن عاينوه ذعرهم ذلك وأنساهم ما كانوا فيه من الغم الأول والحزن، فذلك قوله- سبحانه-: ﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم﴾، من الفتح والغنيمة، ﴿ولا ما أصابكم﴾، من القتل والهزيمة ﴿والله خبير بما تعملون﴾ " (٣).

стр. 2536

قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، " أي: اذكروا يا معشر المؤمنين حين وليتم الأدبار تبعدون في الفرار ولا تلتفتون إِلى ما وراءكم" (١). قال ابن كثير: " أي: في الجبل هاربين من أعدائكم، وأنتم لا تلوون على أحد من الدَّهَش والخوف والرعب" (٢). قال السمعاني: " أي: لا تعرجون، ولا تلتفتون إلى أحد، ثم منهم من قال: ﴿أراد بالأحد﴾: الرسول، ومنهم من قال: معناه: لا تلوون على أحد من الناس" (٣). قال قتادة: " ذاكم يوم أحد، أصعدوا في الوادي فرارًا" (٤). وقال ابن جريج: " صعدوا في أحد فرارا " (٥). قال الحسن: " فروا منهزمين في شعب شديد لا يلوون على أحد" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، وجهان من التفسير: أحدهما: أنهم صعدوا في الوادي فرارا، قاله قتادة (٧). والثاني: أن القوم حين انهزموا عن المشركين صعدوا الجبل. وهذا قول ابن عباس (٨)، والحسن (٩)، ومجاهد (١٠). وروي عن الحسن البصري أنه كان يقرأه: ﴿إِذْ تَصْعَدُونَ﴾، بفتح التاء والعين، وجهوا معنى ذلك إلى أنّ القوم حين انهزموا عن عدوِّهم، أخذوا في الوادي هاربين. وذكروا أنّ ذلك في قراءة أبيّ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ فِي الْوَادِي﴾ (١١). قال الماتريدي: " ﴿تصعدون﴾ بفتح التاء، وهو من الصعود أن صعدوا الجبل، ﴿وتصعدون﴾ بالرفع، وهو أن أصعدوا أصحابهم نحو الوادي؛ لأن المنهزم الأول إذا التفت فرأى منهزما آخر اشتد. وقيل: الإصعاد هو الإبعاد في الأرض. وقيل: تصعدون من صعود الجبل، وتصعدون في الوادى من الجبل" (١٢). قال الراغب: " والإصعاد: الإبعاد في الأرض، سواء كان في صعود أو حدور، وإن كان أصله من الصعود كقولهم: تعال في أن صار في التعارف، قد يقال لغير معنى العلو. والصعود: الذهاب في صعود" (١٣). وقرأ الحسن -رضى الله عنه-: ﴿تلون﴾، بواو واحدة، وقرئ: ﴿يصعدون﴾ و ﴿يلوون﴾ بالياء (١٤). قوله تعالى: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، "أي والرسول يناديكم من وراءكم" (١٥). قال ابن كثير: " أي: وهو قد خلفتموه وراء ظُهوركم يدعوكم إلى تَرْك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة" (١٦). قال قتادة: " ونبي الله ﷺ يدعوهم في أخراهم: إلىَّ عباد الله، إلى عباد الله! " (١٧).

стр. 2537

وعن ابن جريج: " ﴿والرسول يدعوكم في أخراكم﴾ " أي عباد الله ارجعوا، أي عباد الله ارجعوا " (١). قال الحسن: " قوله: ﴿والرسول يدعوكم في أخراكم﴾ أي عباد الله، أي عباد الله، ولا يلوي عليه أحد" (٢). قال الماتريدي: " أي: الرسول يدعوكم وينادي وراءكم: إلي أنا الرسول. وقيل: يناديكم من بعدكم: إلي أنا رسول الله يا معشر المؤمنين، وكان يصل نداؤه في أخراهم بأولهم بعضهم ببعض، فلم يرجعوا إليه" (٣). عن أبي عبيدة: " ﴿أخراكم﴾ " آخركم " (٤). قال الزمخشري: " ﴿في أخراكم﴾، في ساقتكم وجماعتكم الأخرى وهي المتأخرة. يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم، كما تقول: في أولهم وأولاهم، بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى" (٥). قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، "أي: " فجازاكم الله بفراركم عن نبيكم، وفشلكم عن عدوكم، ومعصيتكم ربكم غما على غم" (٦). قال ابن إسحاق: " أي: كربا بعد كرب، قتل من قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال: قتل نبيكم، وكان ذلك مما تتابع عليكم غما بغم" (٧). قال ابن كثير: "أي: فجازاكم غَما على غَم" (٨). قال الزجاج: " أي أثابكم بأن غممتم النبي ﷺ أن نالكم غم - بما عوقبتم به للمخالفة وقال بعضهم ﴿غما بغم﴾ إشراف خالد بن الوليد عليهم بعد ما نالهم" (٩). قال الزمخشري: " أى فجازاكم الله غما حين صرفكم عنهم وابتلاكم (ب) سبب (غم) أذقتموه رسول الله ﷺ بعصيانكم له، أو غما مضاعفا، غما بعد غم، وغما متصلا بغم، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله ﷺ والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر" (١٠). وفي الغم الأول والثاني أقوال: أحدها: أن الغم الأول القتل والجراح، والغم الثاني الإرجاف بقتل النبي ﷺ ، وهذا قول قتادة (١١)، ومجاهد (١٢)، والربيع (١٣). والثاني: غماً يوم أحد بغم يوم بدر، وهو قول الحسن (١٤). والثالث: أن الغم الأول: ما فاتكم من الغنيمة والفتح، والغم الثاني: إشراف العدو عليكم. قاله السدي (١٥). والرابع: ويحتمل: ﴿غما﴾: بعصيانهم رسول الله ﷺ اغتموا، والغم الآخر: أن كيف يعتذرون إلى رسول الله ﷺ بتركهم المركز، وعصيانهم إياه والخلاف له. أفاده الماتريدي (١٦).

стр. 2538

قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، أي: " لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من نصر وغنيمة" (١). قال الصابوني: " أي: لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة" (٢). قال ابن زيد: " على ما فاتكم من الغنيمة التي كنتم ترجون" (٣). قال المراغي: " أي لأجل أن تمرنوا على تجرّع الغموم وتتعودوا احتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على ما يفوت من المنافع والمغانم" (٤). قال الزمخشري: أي: " لتتمرنوا على تجرع الغموم، وتضروا باحتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار. ويجوز أن يكون الضمير في: (فأثابكم) للرسول، أى فآساكم في الاغتمام، وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم، فأثابكم غما اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله، ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره: وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو" (٥). قوله تعالى: ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، " أي: ولا تحزنوا على ما أصابكم من المضارّ" (٦). قال ابن زيد: " ولا تحزنوا على ما أصابكم، من الهزيمة" (٧). قال محمد بن إسحاق: "ولا ما أصابكم من قتل إخوانكم حتى فرجت ذلك عنكم" (٨). قال الزجاج: " أي ليكون غمكم بأن خالفتم النبي فقط" (٩). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، أي: " والله خبير بجميع أعمالكم" (١٠). قال البيضاوي: أي" عليم بأعمالكم وبما قصدتم بها" (١١). قال النسفي: أي" عالم بعلمكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وهذا ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية" (١٢). قال الطبري: أي: " والله بالذي تعملون، أيها المؤمنون - من إصعادكم في الوادي هربًا من عدوكم، وانهزامكم منهم، وترككم نبيكم وهو يدعوكم في أخراكم، وحزنكم على ما فاتكم من عدوكم وما أصابكم في أنفسكم ذو خبرة وعلم، وهو محصٍ ذلك كله عليكم، حتى يجازيكم به: المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، أو يعفو عنه" (١٣).

стр. 2539

قال المراغي: أي: " فهو عالم بجميع أعمالكم ومقاصدكم، والدواعي التي حفزتكم عليها، وقادر على مجازاتكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وفى هذا ترغيب فى الطاعة، وزجر عن الإقدام على المعصية" (١). الفوائد: ١ - التوبيخ اللطيف في قوله: ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾، فإن الشجاعة تمنع أن يقع من الإنسان مثل هذه الحال، يهرب ولايلوي على أحد، والرسول يدعوه، ففيه توبيخ لطيف للصحابة-رضوان الله تعالى عليهم- ٢ - حسن رعاية النبي- ﷺ لأمته في قيادته العظيمة إذ يكون في أخريات القوم وذلك من اجل أن يتفقدهم. ٣ - أنه ينبغي للقائد أن يكون ذا شجاعة ي قيادته بحيث يثبت ويدعو إلى الثبات. ٤ - إثبات رسالة النبي- ﷺ لقوله: ﴿والرسول يدعوكم﴾. ٥ - إثبات حكمة الله تعالى في أفعاله، وذلك لقوله: ﴿لكيلا﴾، فإن اللام للتعليل. ٦ - أن الله تعالى يحب من عباده ألا يحزنوا، لأنه قدّر الغم بالغم من اجل ألا يحزنوا. ٧ - التربية العظيمة للعباد، وهي ألا يحزنوا على ما فاتهم، والحزن يزيد الإنسان بلاء. ٨ - إثبات علم الله الواسع لكل معلوم، وبالتالي وجوب الحذر من مخالفة الله . ٩ - الرد على غلاة القدرية من ق: ﴿خبير﴾، لأنهم ينكرون علم الله بفعل العبد. القرآن ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ [آل عمران: ١٥٤] التفسير: ثم كان من رحمة الله بالمؤمنين المخلصين أن ألقى في قلوبهم من بعد ما نزل بها من همٍّ وغمٍّ اطمئنانًا وثقة في وعد الله، وكان من أثره نعاس غَشِي طائفة منهم، وهم أهل الإخلاص واليقين، وطائفة أُخرى أهمَّهم خلاص أنفسهم خاصة، وضَعُفَتْ عزيمتهم وشُغِلوا بأنفسهم، وأساؤوا الظن بربهم وبدينه وبنبيه، وظنوا أن الله لا يُتِمُّ أمر رسوله، وأن الإسلام لن تقوم له قائمة، ولذلك تراهم نادمين على خروجهم، يقول بعضهم لبعض: هل كان لنا من اختيار في الخروج للقتال؟ قل لهم -أيها الرسول-: إن الأمر كلَّه لله، فهو الذي قدَّر خروجكم وما حدث لكم، وهم يُخْفون في أنفسهم ما لا يظهرونه لك من الحسرة على خروجهم للقتال، يقولون: لو كان لنا أدنى اختيار ما قُتِلنا هاهنا. قل لهم: إن الآجال بيد الله، ولو كنتم في بيوتكم، وقدَّر الله أنكم تموتون، لخرج الذين كتب الله عليهم الموت إلى حيث يُقْتلون، وما جعل الله ذلك إلا ليختبر ما في صدوركم من الشك والنفاق، وليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال والأفعال. والله عليم بما في صدور خلقه، لا يخفى عليه شيء من أمورهم. في سبب نزول الآية وجوه: أحدها: قال مقاتل: " نزلت في سبعة نفر، فى أبى بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والحارث بن الصمة، وسهل بن ضيف ورجلين من الأنصار- رضى الله عنهم-" (٢). قال ابن حجر: " ثبت في الصحيح ذكر أبي طلحة فيمن غشيه النعاس وهو أنصاري" (٣). والثاني: أخرج الطبري عن الزبير قال: "والله إنّي لأسمع قول معتِّب بن قشير (٤) (٥)، أخي بني عمرو بن عوف، والنعاسُ يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال: لوْ كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا! " (٦).

стр. 2540

ونقله الواقدي عن الزبير وفي الأخير: " فأنزل الله تعالى فيه: ﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾ " (١). والثالث: أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس قال: " متعب الذي قال يوم أحد: ﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله﴾ إلى آخر القصة" (٢). والرابع: وقال الربيع: "فقالوا: لو كنا على شيء من الأمر ما قتلنا هاهنا، ولو كنا في بيوتنا ما أصابنا القتل، قال الله تعالى: ﴿لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾ " (٣). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤]، " أي: ثم أرسل عليكم بعد ذلك الغم الشديد النعاس للسكينة والطمأنينة" (٤). قال مقاتل: " يعني: من بعد غم الهزيمة ﴿أمنة نعاسا﴾، وذلك أن الله- ألقى على بعضهم النعاس فذهب غمهم" (٥). قال الزجاج: " أي أعقبكم بما نالكم من الرعب أن أمنكم أمنا تنامون معه، لأن الشديد الخوف لا يكاد ينام" (٦). قال البيضاوي: أي: " أنزل الله عليكم الأمن حتى أخذكم النعاس" (٧). قال ابن كثير: " يقول تعالى مُمْتَنا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمَنَة، وهو النعاس الذي غشيهم وهم مسْتَلْئمو السلاح في حال هَمِّهم وغَمِّهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان كما قال تعالى في سورة الأنفال، في قصة بدر: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنزلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١] " (٨). قال عبدالله بن مسعود: " النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان" (٩). قال عبدالرحمن بن عوف: " ألقى عليهم النوم" (١٠). قال قتادة: " ألقى الله عليهم النعاس فكان ذلك أمنة لهم" (١١). أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن داود والمنذر بن شاذان عن أبي طلحة، قال: " كنت أحد من أنزل الله فيه: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا﴾، وكنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي، ثم أتناوله. وفي حديث المنذر: وكان سيفي يسقط مني، ثم أتناوله بيدي" (١٢). قال الزبير بن العوام: " لما التقينا يوم بدر سلط الله علينا النعاس، فإن كنت لا تشرد فيجلدني، وأتشدد فيجلدني، ما أطيق إلا ذلك، ورسول الله ﷺ في أصحابه كذلك، ودنا منا المشركون حتى قالوا: والله ما تحت الجحف أحد. قال الزبير: وكان أول من استقل من تلك السكتة والنعسة رسول الله ﷺ " (١٣).

стр. 2541

قوله تعالى: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، " أي: يغشى النوم فريقاً منكم وهم المؤمنون المخلصون" (١). قال قتادة: " وكانوا يومئذ فرقتين، فأما فرقة فغشيها النعاس" (٢). قال محمد بن إسحاق: " أنزل الله النعاس أمنة على أهل اليقين به منهم نيام لا يخافون" (٣). وقرئ بالتاء: ﴿تغْشَى﴾، فتكون للأمنة، وبالياء ﴿يَغْشَى﴾ فيكون للنعاس (٤). قوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، "أي: وجماعة أخرى حملتهم أنفسهم على الهزيمة فلا رغبة لهم إِلاَّ نجاتها وهم المنافقون" (٥). قال الثعلبي: " يعني المنافقين، وهب بن قشير وأصحابه حملتهم أنفسهم على الهم" (٦). قال البيضاوي: أي: " أوقعتهم أنفسهم في الهموم، أو ما يهمهم إلا هم أنفسهم وطلب خلاصها" (٧). قال قتادة: " وكانوا يومئذ فرقتين، وأما الفرقة الأخرى فالمنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم، أرعب قوم وأخبثه وأخذ له للحق" (٨). قال الطبري: " هم المنافقون لا هم لهم غير أنفسهم، فهم من حذر القتل على أنفسهم، وخوف المنية عليها في شغل، قد طار عن أعينهم الكرى، يظنون بالله الظنون الكاذبة، ظن الجاهلية من أهل الشرك بالله، شكًا في أمر الله، وتكذيبًا لنبيه ﷺ ، وَمحْسَبة منهم أن الله خاذل نبيه ومُعْلٍ عليه أهل الكفر به" (٩). قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، "أي: يظنون بالله السيئة مثل ظنِّ أهل الجاهلية" (١٠). قال الثعلبي: " أي لا ينصر محمدا، وقيل: ظنوا أن محمدا قد قتل" (١١). قال قتادة: " ﴿يظنون بالله غير الحق﴾ ظنون كاذبة، إنما هم أهل شك وريبة" (١٢). وعنه ايضا: " ﴿ظن الجاهلية﴾: ظن اهل الشرك" (١٣). قال محمد بن إسحاق: " وذلك أنهم كانوا لا يرجون عاقبة، فذكر الله تلاؤمهم وحسرتهم على ما أصابهم" (١٤). قال الزجاج: " أي يظن المنافقون أن أمر النبي ﷺ – مضمحل، [و] هم على جاهليتهم في ظنهم هذا" (١٥). قال البيضاوي: " أي: يظنون بالله غير الظن الحق الذي يحق أن يظن به، وظن الجاهلية بدله وهو الظن المختص بالملة الجاهلية وأهلها" (١٦). قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، أي: "يقولون: ليس لنا من الأمر شيء" (١٧). قال مقاتل: " هذا قول معتب بن قشير يعني بالأمر: النصر" (١٨).

стр. 2542

عن ابن جريج قال: "قيل لعبد الله بن أبيّ: قُتل بنو الخزرج اليوم! قال: وهل لنا من الأمر من شيء؟ قيل إنّ الأمر كله لله! " (١). قال البيضاوي: أي: " هل لنا مما أمر الله ووعد من النصر والظفر نصيب قط. وقيل: أخبر ابن أبي بقتل بني الخزرج فقال ذلك، والمعنى إنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا، فلم يبق لنا من الأمر شيء أو هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الأمر شيء" (٢). قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، " أي: قل محمد لأولئك المنافقين الأمر كله بيد الله يصرّفه كيف شاء" (٣). قال الماتريدي: " يعني النصر والفتح كله بيد الله" (٤). قال مقاتل: " يقول الله- لنبيه- ﷺ قل إن الأمر يعني النصر كله لله" (٥). قال الطبري: يعني: " قل، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: إن الأمر كله لله، يصرفه كيف يشاء ويدبره كيف يحبّ" (٦). قال البيضاوي: " أي الغلبة الحقيقية لله تعالى ولأوليائه فإن حزب الله هم الغالبون، أو القضاء له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو اعتراض" (٧). وقرئ: ﴿قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، برفع الـ ﴿كل﴾، على توجيه الكل إلى أنه اسم، وقوله لله خبره (٨). قوله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، " أي: يبطنون في أنفسهم ما لا يظهرون لك" (٩). قال الربيع بن أنس: " فكان مما أخفوا في أنفسهم أن قالوا: ﴿لو كنا على شيء من الأمر ما قتلنا هاهنا﴾ " (١٠). قال مقاتل: " يسرون فى قلوبهم ما لا يظهرون لك بألسنتهم والذي أخفوا في أنفسهم أنهم قالوا: لو كنا في بيوتنا ما قتلناها هنا" (١١). قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]، " أي: لو كان الاختيار لنا لم نخرج فلم نُقتل ولكن أكرهنا على الخروج" (١٢). قال الثعلبي: " وذلك أن المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولما قتل رؤساؤنا" (١٣). قال الطبري: أي: " أنّ هؤلاء المنافقين يقولون: لو كان الخروج إلى حرب من خرجنا لحربه من المشركين إلينا، ما خرجنا إليهم، ولا قُتل منا أحد في الموضع الذي قتلوا فيه بأحد" (١٤). قال السمرقندي: " أي يقولون لو كان ديننا حقا ما قتلنا هاهنا" (١٥).

стр. 2543

قال البيضاوي: أي: يقولون: " لو كان لنا من الأمر شيء كما وعد محمد أو زعم إن الأمر كله لله ولأوليائه، أو لو كان لنا اختيار وتدبير ولم نبرح كما كان ابن أبي وغيره، ما قتلنا هاهنا لما غلبنا، أو لما قتل من قتل منا في هذه المعركة" (١). عن عباد بن منصور، قال: "سألت الحسن عن قوله: ﴿يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾، قال: ذلك المنافق لما قتل من قتل من أصحاب محمد، أتوا عبد الله بن أبي فقالوا له: ما ترى فقال: أنا والله ما نؤامر لو كان لنا من الأمر من شيء ما قتلنا هاهنا" (٢). قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، "أي: قل لهم يا محمد: لو لم تخرجوا من بيوتكم وفيكم من قدّر الله عليه القتل لخرج أولئك إِلى مصارعهم" (٣). قال البيضاوي: " أي لخرج الذين قدر الله عليهم القتل وكتبه في اللوح المحفوظ إلى مصارعهم ولم تنفعهم الإقامة بالمدينة ولم ينج منهم أحد، فإنه قدر الأمور ودبرها في سابق قضائه لا معقب لحكمه" (٤). قال محمد ابن إسحاق: "ثم قال الله لنبيه: قل لو كنتم في بيوتكم لم تحضروا هذا الموطن الذي أظهر فيه ما أظهر من سرائكم، لأخرج الذين كتب عليهم القتل إلى موطن غيره يصرعون فيه، حتى يصرعوا فيه" (٥). قال ابن كثير: " أي: هذا قدر مقدر من الله ، وحكم حَتْم لا يحاد عنه، ولا مناص منه" (٦). عن عمرو بن عبيد، عن الحسن سئل عن قوله: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾، قال: كتب الله على المؤمنين أن يقاتلوا في سبيله، وليس كل من يقاتل يُقتل، ولكن يُقتل من كَتب الله عليه القتل" (٧). قال الزجاج: " معنى (برزوا) صاروا إلى براز، وهو المكان المنكشف أي لأوصلتهم الأسباب التي عنها يكون القتل إلى مضاجعهم" (٨). وقرأ ابن أبي حيوة: ﴿لبرز﴾ بضم الباء وتشديد الراء، على الفعل المجهول (٩). وقرأ قتادة: ﴿الذين كتب عليهم القتال﴾ (١٠). وتقرأ" ﴿بيوتكم﴾، بضم الباء وكسرها، وروى أبو بكر بن عياش عن عاصم، بكسر الباء، قال أبو إسحاق: وقرأناها بإقراء أبي عمرو عن عاصم (بيوتكم) بضم الباء، والضم الأكثر الأجود -، والذين كسروا (بيوت) كسروها لمجيء الياء بعد الباء" (١١). قوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، "أي: ليختبر ما في قلوبكم من الإِخلاص والنفاق" (١٢). قال محمد بن إسحاق: " يبتلي به ما في صدوركم" (١٣). قال الطبري: يعني: "وليختبر الله الذي في صدوركم من الشك، فيميِّزكم بما يظهره للمؤمنين من نفاقكم من المؤمنين " (١٤). قال السمرقندي: " يعني ليختبر ويظهر ما في قلوبكم" (١٥).

стр. 2544

قال البيضاوي: أي: " وليمتحن ما في صدوركم ويظهر سرائرها من الإخلاص والنفاق" (١). قال الماتريدي: " أي: ليظهر الله للخلق ما في صدورهم مما مضى، وليجعله ظاهرا لهم، والابتلاء هو الاستظهار؛ كقوله : (يوم تبلى السرائر) تبدي وتظهر، وذلك يكون بوجهين: يظهر بالجزاء مرة، ومرة بالكتاب، يعلم الخلق من كانت سريرته حسنة بالجزاء، وكذلك إذا كانت سيئة، أو يعلم ذلك بالكتاب، ويحتمل الابتلاء -هاهنا- الأمر بالجهاد؛ ليعلموا المنافق منهم من المؤمن" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، "أي: ولينقّي ما في قلوبكم ويطهّره" (٣). قال الطبري: أي: " وليتبينوا ما في قلوبكم من الاعتقاد لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين من العداوة أو الولاية" (٤). قال الثعلبي: " يخرج ويطهر ما في قلوبكم" (٥). قال السمرقندي: " يعني: ليظهر ويكفر ما في قلوبكم من الذنوب" (٦). قال البيضاوي: أي: " وليكشفه ويميزه أو يخلصه من الوساوس" (٧). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، أي: "والله ذو علم بالذي في صدور خلقه" (٨). قال الطبري: أي: "لا يخفى عليه شيء من أمورهم، سرائرها علانيتها، وهو لجميع ذلك حافظ، حتى يجازي جميعهم جزاءهم على قدر استحقاقهم" (٩). قال الصابوني: " أي: والله عالم بالسرائر مطّلع على الضمائر وما فيها خير أو شر" (١٠). قال ابن كثير: " أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر" (١١). قال محمد بن إسحاق: " أي: لا يخفى عليه ما في صدورهم مما استخفوا به منكم" (١٢). قال مقاتل: " يقول: الله عليم بما في القلوب من الإيمان والنفاق والذين أخفوا في أنفسهم قولهم إن محمدا قد قتل، وقولهم لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا «٣» هاهنا، يعني هذا المكان" (١٣). قال الراغب: " من نقض الحزن ورفض الذعر ذكر الصدر، وحينما ذكر الإيمان المحض ذكر القلب، وكل موضع يذكر الله في القرآن العقل والإيمان، فإنه يخص ذكر القلب، وإذا أراد ذلك وسائر الفضائل والرذائل ذكر الصدور، وهذا إذا اعتبر بالاستقراء انكشف، نحو قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، وقوله: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب﴾ [الحج: ٣٢]، وقوله: ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢]، وقوله: ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥]، ولما كان التمحيص أخص من الابتلاء كما تقدم خصه بالقلب، وهذه الأحوال الثلاث يترتب بعضها على بعض، فبإصلاح العمل يتوصل إلى إصلاح ما في الصدور من الشهوة والغضب، وبهما وبإصلاح ذلك يتوصل إلى إصلاح ما في القلوب من الاعتبارات التي لا يعتريها شك وريب، وذلك ما يبلغه العبد، وبه يستحق اسم الخلافة لله المذكور في قوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩]،

стр. 2545

ثم قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ [آل عمران: ١٥٤]، أي عالم بجميع ما ينطوي عليه من الضمائر الطيبة والخبيثة، وخص الصدور دون القلب إذ هي أعم" (١). الفوائد: ١ - أن النعاس قد يكون محمودا ويعدّ من النعم، لقوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾. ٢ - ذم من ظنّ بالله غير الحق، وأنه لا يظن أحد بالله ظنا غير الحق إلا وهو جاهل، لقوله: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. ٣ - بيان أن الأمر كله لله، الأمر الشرعي والأمر الكوني، ليس لأحد مع الله امر. ٤ - أن النبي ﷺ لايعلم الغيب، لقوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾. ٥ - التنديد بمن يعترضون على القدر، لقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾. ٦ - إثبات الحكمة في أفعال الله بقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾. ٧ - أن العبرة والمدار على القلوب التي في الصدور، لقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾. ٨ - أن الله قد يبتلي عباده بما ينقي قلوبهم ويخلصها من الشوائب، لقوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾. ٩ - إثبات علم الله بما في القلوب، لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، عليه يجب الحذر من إضمار ما لايرضى به الله. القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران: ١٥٥] التفسير: إن الذين فرُّوا منكم -يا أصحاب ﷺ محمد عن القتال يوم التقى المؤمنون والمشركون في غزوة «أُحد»، إنما أوقعهم الشيطان في هذا الذنب ببعض ما عملوا من الذنوب، ولقد تجاوز الله عنهم فلم يعاقبهم. إن الله غفور للمذنبين التائبين، حليم لا يعاجل من عصاه بالعقوبة. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج الطبري عن عكرمة: " نزلت في رافع بن المعلَّى وغيره من الأنصار، وأبي حُذيفة بن عتبة ورجل آخر" (٢). والثاني: وروي عن عكرمة أيضا: "جاءت فاختة بنت غزوان امرأة عثمان بن عفان، ورسول الله ﷺ وعلي يغسلان السلاح من الدماء، فقالت: ما فعل ابن عفان؟ أما والله لا تجدونه ألأم القوم. فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار (٣) اليوم. فقال: له رسول الله ﷺ : مه، وكان ممن ولى دبره يومئذ عثمان بن عفان وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان (٤) -إخوان من الأنصار من بني زريق- حتى بلغوا الجلعب (٥)، فرجعوا بعد، فقالت: فقال لهم رسول الله ﷺ : "لقد ذهبتم بها عريضة" (٦)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ " (٧). والثالث: وأخرج الطبري عن عاصم بن كليب، عن أبيه قال: "خطب عمر يوم الجمعة فقرأ آل عمران، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلما انتهى إلى قوله: ﴿إنّ الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾، قال: لما

стр. 2546

كان يوم أحد هزمناهم، ففررتُ حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنني أرْوَى، والناس يقولون: قُتل محمد! فقلت: لا أجد أحدًا يقول: قتل محمد، إلا قتلته! . حتى اجتمعنا على الجبل، فنزلت: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾، الآية كلها" (١). والرابع: قال قتادة: " قوله: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾، الآية، وذلك يوم أحد، ناس من أصحاب رسول الله ﷺ تولوا عن القتال وعن نبيّ الله يومئذ، وكان ذلك من أمر الشيطان وتخويفه، فأنزل الله ما تسمعون: أنه قد تجاوز لهم عن ذلك وعفا عنهم" (٢). وري عن الربيع نحو ذلك (٣). والخامس: وقال السدي: " لما انهزموا يومئذ، تفرّق عن رسول الله ﷺ أصحابه، فدخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، فذكر الله الذين انهزموا فدخلوا المدينة فقال: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾، الآية" (٤) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، " أي: إن الذين انهزموا منكم من المعركة" (٥). قال سعيد بن جبير: "يعني: الذين انصرفوا عن القتال منهزمين" (٦). قال الحسن: " فرت طائفة منهم، زاغت قليلا ثم رجعوا" (٧). وفي المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوا مِنكُم يَومَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [آل عمران: ١٥٥]، قولان: أحدهما: ان المراد: كل من ولّى الدبر من المشركين بأحد، وهذا قول عمر (٨)، وقتادة (٩)، والربيع (١٠). والثاني: أنهم من هرب إلى المدينة وقت الهزيمة، وهذا قول السدي (١١). قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، "أي: يوم التقى جمع المسلمين وجمع المشركين" (١٢). قال سعيد بن جبير: " يوم أحد حين التقى الجمعان، جمع المسلمين وجمع المشركين، فانهزم المسلمون عن النبي ﷺ ، وبقي في ثمانية عشر رجلا" (١٣). وقال الضحاك: ﴿يوم التقى الجمعان﴾، فهو يوم بدر" (١٤). قال السمعاني: " يعني: الذين انهزموا من المسلمين يوم أحد؛ فإنه لما وقعت الهزيمة على المسلمين انهزم أكثرهم، ولم يبقى مع رسول الله إلا أربعة عشر نفرا: سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار، وقيل: ثلاثة عشر، ستة من المهاجرين وهم أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص. وفي الرواية الأولى: كان السابع الزبير، وكان طلحة أشد نكاية في الكفار يومئذ. وقيل: إن يوم أحد لطلحة، وقيل: إنه كان وقاية رسول الله وكان قد ضرب على يده فشلت وبقيت كذلك، وأما سعد وهو رامية، وكان يرمي بين يديه، ويقول له رسول الله: " ارم، فداك أبي وأمي "، وأما الذين انهزموا، فقد لحق بعضهم بالمدينة منهم عثمان، ورجع بعضهم على الطريق منهم عمر" (١٥).

стр. 2547

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥]، " أي: إِنما أزلهم الشيطان بوسوسته وأوقعهم في الخطيئة ببعض ما عملوا من الذنوب" (١). قال سعيد بن جبير: " يعني: حين تركوا المركز وعصوا أمر رسول الله ﷺ حين قال للرماة يوم أحد: لا تبرحوا مكانكم، فترك بعضهم المركز" (٢). قال محمد بن إسحاق: " إنما إستزلهم الشيطان والذين استزلهم الشيطان عثمان بن عفان، وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان الأنصاريان ثم الزرقيان" (٣). قال الزجاج: " أي: لم يتولوا في قتالهم على جهة المعاندة، ولا على الفرار من الزحف رغبة في الدنيا خاصة، وإنما أذكرهم الشيطان خطايا كانت لهم فكرهوا لقاء الله. إلا على حال يرضونها، فلذلك عفا عنهم وإلا فأمر الفرار والتولي في الجهاد إذا كانت العدة أقل من المثلين، أو كانت العدة مثلين، فالفرار أمر عظيم" (٤). قال مكي: " قيل: إنه ذكرهم بذنوب لم يتوبوا منها، فكرهوا أن يلقوا الله على غير توبة، فانهزموا لئلا يقتلوا قبل التوبة، فغفر الله لهم فرارهم" (٥). قال الزمخشري: أي: " استزلهم طلب منهم الزلل ودعاهم إليه ببعض ما كسبوا من ذنوبهم، معناه إن الذين انهزموا يوم أحد كان السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوبا، فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا. وقيل: استزلال الشيطان إياهم هو التولي، وإنما دعاهم إليه بذنوب قد تقدمت لهم، لأن الذنب يجر إلى الذنب، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفا فيها. وقال الحسن رضى الله عنه: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة. وقيل: (ببعض ما كسبوا) هو تركهم المركز الذي أمرهم رسول الله ﷺ بالثبات فيه. فجرهم ذلك إلى الهزيمة. وقيل: ذكرهم تلك الخطايا فكرهوا لقاء الله معها، فأخروا الجهاد حتى يصلحوا أمرهم ويجاهدوا على حال مرضية" (٦). قال ابن عطية: " ظاهره عند جمهور المفسرين: أنه كانت لهم ذنوب عاقبهم الله عليها بتمكين الشيطان من استزلالهم، وبخلق ما اكتسبوه أيضا هم من الفرار" (٧). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، "أي: ولقد تجاوز الله عن عقوبتهم وصفح عنهم" (٨). قال الطبري: " ولقد تجاوز الله عن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان، أن يعاقبهم بتوليهم عن عدوّهم" (٩). قال ابن جريج: " ولقد عفا الله عنهم، إذ لم يعاقبهم" (١٠). قال سعيد بن جبير: " ولقد عفا الله عنهم حين لم يعاقبهم، فيستأصلهم جميعا" (١١). قال ابن زيد: " ولقد عفا الله عنهم، فلا أدري أذلك العفو عن تلك العصابة، أم عفوٌ عن المسلمين كلهم؟ " (١٢).

стр. 2548

وقال الحسن: " فكيف عفى عنهم، وقد قتل منهم سبعون وجرح سبعون، وأسر منهم سبعون، وشج رسول الله ﷺ ، وكسر رباعيته، وهشم البيضة على رأسه، قال الحسن ولقد عفا عنكم: لم يستأصلكم لمخالفتكم رسول الله ﷺ ، إنما خافوا رسول الله ﷺ أن قال لقوم منهم: لا تبرحوا مكانكم، فعاقبهم بما قد رأيت، وعفا عنهم ألا يكون اصطلمهم" (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، أي: إن الله "واسع المغفرة حليم لا يعجل العقوبة لمن عصاه" (٢). قال الزمخشري: أي: "إن الله غفور للذنوب، حليم لايعاجل بالعقوبة" (٣). قال سعيد بن جبير: " فلم يجعل لمن انهزم يوم أحد بعد قتال بدر النار، كما جعل يوم بدر، فهذه رخصة بعد التشديد" (٤). عن قتادة قوله: " ﴿إن الله غفور﴾ للذنوب الكبيرة أو الكثيرة" (٥). ابن أبي سلمة قال: "الحلم أرفع من العقل، إن الله تسمى به" (٦). أخرج ابن المنذر عن عاصم، عن شقيق، قال: "لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عتبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين، عثمان فقال عبد الرحمن " أبلغه أني لم أفر يوم عينين " قال عاصم: هو يوم أحد ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سنة عمر " قال: فانطلق فخبر بذلك عثمان، فقال: " أما قوله: إني لم أفر يوم عينين فكيف يعيرني بذنب، قد عفا الله عنه، فقال: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم﴾؟ وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت، وضرب لي رسول الله بسهمه، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه، فقد شهد وأما قوله: إني لم أترك سنة عمر، فإني لا أطيقها ولا هو فأته فحدثه بذلك " (٧). الفوائد: ١ - بيان سبب انهزام من انهزم من الصحابة، وهو استزلال الشيطان لهم، فيتفرغ من ذلك أن كل ترك للواجب أو فعل للمحرم فإنما هو من استزلال الشيطان، ويتفرغ أيضا أنه قد يعاقب الإنسان بالمعصية لمعصية أخرى. ٢ - تحريم الفرار إذا التقى الجمعان، إلا إذا كان متحرفا لقتال او متحيزا لفئة، أو إذا كانوا أكثر من مثليهم، ولكن الثبات أفضل. ٣ - إثبات أن للشيطان تأثيرا على العبد في عمله الصالح وحتى في الجهاد. ٤ - الرد على الجبرية، وذلك في قوله: ﴿ببعض ما كسبوا﴾، ومن قوله: ﴿تولوا منكم﴾. ٥ - بيان فضل الله على عباده، إذ أن الله تعالى قد عفا عن هؤلاء، فرحمته تعالى أوسع، فمن سعة رحمته عفا عنهم. ٦ - إثبات اسمين من اسماء الله تعالى، وهما: الغفور والحليم، وما تضمناه من صفة، فالغفور تضمن المغفرة، والحليم تضمن الحلم. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)﴾ [آل عمران: ١٥٦]

стр. 2549

التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تُشابهوا الكافرين الذين لا يؤمنون بربهم، فهم يقولون لإخوانهم من أهل الكفر إذا خرجوا يبحثون في أرض الله عن معاشهم أو كانوا مع الغزاة المقاتلين فماتوا أو قُتِلوا: لو لم يخرج هؤلاء ولم يقاتلوا وأقاموا معنا ما ماتوا وما قُتلوا. وهذا القول يزيدهم ألمًا وحزنًا وحسرة تستقر في قلوبهم، أما المؤمنون فإنهم يعلمون أن ذلك بقدر الله فيهدي الله قلوبهم، ويخفف عنهم المصيبة، والله يحيي مَن قدَّر له الحياة -وإن كان مسافرًا أو غازيًا- ويميت مَنِ انتهى أجله -وإن كان مقيمًا- والله بكل ما تعملونه بصير، فيجازيكم به. سبب نزول الآية: أخرج الطبري بسنده عن السدي، قال: " هؤلاء المنافقون أصحاب عبد الله بن أبيّ" (١). وروي عن مجاهد نحوه (٢). وجزم مقاتل بأن الذي قال ذلك عبدلله بن أبي، فقال: "قال عبد الله بن أبي ذلك حين انهزم المؤمنون وقتلوا" (٣). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرّوا بما جاء به محمد من عند الله" (٤). قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، أي: " لا تكونوا كالذين كفروا بالله وبرسوله، فجحدوا نبوَّة محمد ﷺ " (٥). قال محمد بن إسحاق: " أي لا تكونوا كالمنافقين" (٦). قال السدي: " هؤلاء: المنافقون أصحاب عبد الله بن أبي (٧). قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، أي: " وقالوا لإخوانهم من أهل الكفر إذا خرجوا من بلادهم سفرًا في تجارة" (٨). قال محمد بن إسحاق: " الذين ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله، والضرب في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ " (٩). وقال السدي: " أما إذا ضربوا في الأرض فهي التجارة" (١٠). قال الثعلبي: أي: " وقالوا لإخوانهم في النفاق، وقيل: في النسب ساروا وسافروا فيها لتجارة أو غيرها" (١١). وأصل "الضرب في الأرض"، الإبعاد فيها سيرًا (١٢). قوله تعالى: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦]، أي: " أو خرجوا غازين في سبيل الله" (١٣). قوله تعالى ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، "أي: لو أقاموا عندنا ولم يخرجوا لما ماتوا ولا قتلوا" (١٤). قال الحسن: " هذا قول الكفار: إذا مات الرجل فيقول: لو كان عندنا، ما مات ولا تقولوا كما قال الكفار" (١٥).

стр. 2550

قال محمد بن إسحاق: " ويقولون لو أطاعونا ما ماتوا وما قتلوا" (١). قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، "أي: قالوا ذلك ليصير ذلك الاعتقاد الفاسد حسرة في نفوسهم" (٢). قال السدي: " يحزنهم ولا ينفعهم شيئا، يعني يحزنهم قولهم" (٣). وروي عن أبي مالك نحو ذلك" (٤). قال محمد بن إسحاق: " ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم لقلة اليقين بربهم" (٥). قال الزجاج: " أي: ليجعل ظنهم أنهم لو لم يحضروا - وإذا لم يحضروا الحرب اندفع عنهم ما كتب عليهم. فحسرتهم فيما ينالهم أشد" (٦). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، أي: "والله سبحانه المحيي المميت" (٧). قال محمد بن إسحاق: " أي يعجل ما يشاء أو يؤخر ما يشاء من ذلك من آجالهم بقدرته" (٨). قال الزجاج: " أي ليس الإنسان يمنعه تحرزه من إتيان أجله على ما سبق في علم الله" (٩). قال الطبري: يعني: أي: " والله المعجِّل الموتَ لمن يشاء من حيث يشاء، والمميت من يشاء كلما شاء، دون غيره من سائر خلقه، وهذا من الله ترغيبٌ لعباده المؤمنين على جهاد عدوه والصبر على قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله وإعلامٌ منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده، وأنه لن يموت أحدٌ ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له ونهيٌ منه لهم، إذ كان كذلك، أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قتل منهم في حرب المشركين" (١٠). قال الزمخشري: قوله: " ﴿والله يحيي ويميت﴾، رد لقولهم، أى الأمر بيده، قد يحيى المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد كما يشاء. وعن خالد بن الوليد رضى الله عنه أنه قال عند موته: «ما فى موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وها أنا ذا أموت كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء» " (١١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، " أي: مطلع على أعمال العباد فيجازيهم عليها " (١٢). قال الزمخشري: أي: " فلا تكونوا مثلهم" (١٣). قال الطبري: أي: " إن الله يرى ما تعملون من خير وشر، فاتقوه أيها المؤمنون، إنه محصٍ ذلك كله، حتى يجازي كل عامل بعمله على قدر استحقاقه" (١٤). قرأ ابن كثير وطلحة والأعمش والحسن وشبل وحمزة والكسائي وخلف: ﴿يعملون﴾، بالياء، والباقون: بالتاء (١٥). الفوائد:

стр. 2551

١ - تعلية شأن المؤمنين بإيمانهم، من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لأن المخاطب لا ينادى إلا بأحب الأوصاف إليه. ٢ - الإشارة إلى النهي عن التشبه بالكفار. ٣ - أن الندم على ما وقع لا يرفع الواقع، قال تعالى: ﴿والله يحي ويميت﴾. ٤ - أن هذا الدين رحمة، لأن نهي الله عن الندم على ما مضى مصلحة للإنسان، لأنه يطمئن قلبه ولا يتحر ولا يحزن. ٥ - أن هؤلاء المعترضين على القدر يكون اعتراضهم حسرة في قلوبهم. ٦ - الرد على القدرية لقوله: ﴿ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾، يعني أن الله قدّر أن يقولوا هذا القول ليجعله حسرة في قلوبهم. ٧ - إثبات أن الإحياء والإماتة بيد الله. ٨ - إثبات عموم علم الله بكل ما نعمل، وبالتالي يجب على الإنسان ان يستقيم في عمله وأن يتذكر بأن الله بصير بالأعمال الخلق. ٩ - الرد على الجبرية إذ أضاف العمل إليهم. القرآن ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾ [آل عمران: ١٥٧] التفسير: ولئن قُتِلتم -أيها المؤمنون- وأنتم تجاهدون في سبيل الله أو متم في أثناء القتال، ليغفرن الله لكم ذنوبكم، وليرحمنكم رحمة من عنده، فتفوزون بجنات النعيم، وذلك خير من الدنيا وما يجمعه أهلها. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٧] " أي: وإن استشهدتم في الحرب والجهاد" (١). قال الزمخشري: أي: " ولئن تم عليكم ما تخافونه من الهلاك بالقتل في سبيل الله" (٢). قال الماتريدي: " أي أن الموت إن كان لا بد نازل بكم؛ فقتلكم في طاعة الله وجهاده" (٣). قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ [آل عمران: ١٥٧] " أي: أو متم في سبيل الله من غير قتال" (٤). قال مقاتل: " فى غير قتل" (٥). قال الصابوني: " أي: أو جاءكم الموت وأنتم قاصدون قتالهم" (٦). قال الماتريدي: " أو موتكم في طاعة الله وجهاده" (٧). قال البيضاوي: " أي: متم في سبيله" (٨). قال الثعالبي: " وقدم القتل هنا لأنه الأشرف الأهم" (٩). وقوله: ﴿مُتُّمْ﴾ [آل عمران: ١٥٧]، قرأ نافع وأكثر أهل الكوفة ما كان من هذا الباب: بكسر الميم، وقرأ الآخرون: بالضم (١٠). قال الراغب: " يقال: مت ومت، والضم أقيس، والكسر كثير" (١١).

стр. 2552

قوله تعالى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥٧]، أي: ": إن مغفرة الله ورحمته لمن يموت أو يقتل فى سبيل الله" (١). قال النيسابوري: يعني: " شيء من مغفرته ورحمته" (٢). قال الزمخشري: " فإن ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت في سبيل الله" (٣). قال القاسمي: أي: " لمغفرة من الله أي لذنوبكم تنالكم ورحمة" (٤). قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧]، أي: وذلك خير من الدنيا وما يجمعه أهلها" (٥). قال الثعلبي: أي: " من الغنائم" (٦). قال مقاتل: " من الأموال" (٧). قال الزمخشري: أي: "خير مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا" (٨). قال القاسمي: " أي ما يجمعونه الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها الفانية" (٩). قال السعدي: أي: " خير مما يجمع أهل الدنيا من دنياهم" (١٠). قال المراغي: أي: " خير لكم من جميع ما يتمتع به الكفار من المال والمتاع فى هذه الدار الفانية، فإن هذا ظل زائل، وذاك نعيم خالد" (١١). قال محمد بن إسحاق: " خير لو علموا فأيقنوا مما يجمعون في الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد، تخوفًا من الموت والقتل لما جمعوا من زَهرة الدنيا، وزهادةً في الآخرة" (١٢). قال الماتريدي: أي: " خير من أن ينزل بكم في غير طاعة الله وسبيله" (١٣). وعن ابن عباس رضى الله عنهما: "خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء" (١٤). وقرأه العامة: ﴿تجمعون﴾، بالتاء لقوله: ﴿ولئن قتلتم أو متم﴾، أي الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها مدة أعمارهم، في حين قرأ عاصم في رواية حفص: بالياء على الخبر عن الغالبين، يعني خير مما يجمع الناس من الأموال (١٥). قال المراغي: " الخلاصة- إن ما ينتظره المؤمن المقاتل فى سبيل الله من المغفرة التي تمحو ما كان من ذنوبه، والرحمة التي ترفع درجاته- خير له مما يجمع أولئك الحريصون على الحياة الذين يتمتعون باللذات والشهوات. فما أجدر المؤمنين أن يؤثروا مغفرة الله ورحمته على الحظوظ الفانية، وألا يتحسروا على من يقتل منهم أو يموت فى سبيل الله فإن ما يلقونه بعدهما خير لهم مما كانوا فيه قبلهما" (١٦). وقال الثعالبي: " ثم قدم الموت في قوله تعالى: ﴿ولئن متم أو قتلتم﴾، لأنها آية وعظ بالآخرة والحشر، وآية تزهيد في الدنيا والحياة، وفي الآية تحقير لأمر الدنيا، وحض على طلب الشهادة، والمعنى: إذا كان الحشر لا بد

стр. 2553

في كلا الأمرين، فالمضي إليه في حال شهادة أولى وعن سهل بن حنيف، أن النبي ﷺ قال: «من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (١)، وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من طلب الشهادة صادقا، أعطيها، ولو لم تصبه» (٢) " (٣). الفوائد: ١ - أن من قتل في سبيل الله أو مات من المؤمنين فقد انتقل إلى خير من الدنيا كلها. ٢ - منّة الله على عباده بتسليتهم في الأمور التي يهمهم فواتها، بأنهم منتقلون من بعد الحياة الدنيا إلى خير منها. ٣ - الجمع بين المغفرة والرحمة ليكمل للإنسان سعادته، إذ بالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب. ٤ - جواز إيقاع التفضيل بين شيئين بينهما بعد تام، لأنك إذا نسبت ما في الدنيا للآخرة فليس بشيء، قال رسول الله- ﷺ : "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (٤). القرآن ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾ [آل عمران: ١٥٨] التفسير: ولئن انقضت آجالكم في هذه الحياة الدنيا، فمتم على فُرُشكم، أو قتلتم في ساحة القتال، لإلى الله وحده تُحشرون، فيجازيكم بأعمالكم. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ [آل عمران: ١٥٨]، أي: " إن متم على فراشكم" (٥). قوله تعالى: ﴿أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٨]، أي: " أو قتلتم في ساحة الحرب" (٦). قال الماتريدي: أي: " أو قتلتم في سبيل الله" (٧). قوله تعالى: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨]، أي: " فإن إلى الله مرجعكم ومحشركم، فيجازيكم بأعمالكم " (٨). قال محمد بن إسحاق: " أي: أن إلى الله المرجع، فلا تغرنَّكم الحياة الدنيا ولا تغتروا بها، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه منه، آثر عندكم منها" (٩). قال الشوكاني: " أي: إلى الرب الواسع المغفرة تحشرون، لا إلى غيره، وتخصيص اسم الله سبحانه بالذكر من الدلالة على كمال اللطف والقهر" (١٠). قال الراغب: "فكأنه قيل: إن حصل ما لابد منه بوجه وهو الموت حتف الأنف، أو ما هو عارض، وعندكم أنه قد يكون منه خلاص، وهو القتل، فالحشر لا محالة حاصل" (١١).

стр. 2554

قال المراغي: " أي إنكم بأى سبب كان هلاككم فإنكم إلى الله تحشرون لا إلى غيره، فيجزى كلا منكم بما يستحق من الجزاء، فيجازى المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، ولا يرجى من غيره ثواب، ولا يتوقع منه دفع عقاب، فآثروا ما يقربكم إليه، ويجلب لكم رضاه من العمل بطاعته، وعليكم بالجهاد فى سبيله، ولا تركنوا إلى الدنيا ولذاتها، فإنها فانية، وتلك الحياة الأخرى باقية خالدة" (١). قال الطبري: يعني: " فآثروا ما يقرّبكم من الله ويوجب لكم رضاه، ويقربكم من الجنة، من الجهاد في سبيل الله والعمل بطاعته، على الركون إلى الدنيا وما تجمعون فيها من حُطامها الذي هو غير باقٍ لكم، بل هو زائلٌ عنكم، وعلى ترك طاعة الله والجهاد، فإن ذلك يبعدكم عن ربكم، ويوجب لكم سخطه، ويقرِّبكم من النار" (٢). الفوائد: ١ - زيادة تسلية للمؤمنين، لأن المؤمن إذا علم أن مرجعه إلى الله فإنه سوف يطمئن وسوف يستبشر وينشرح صدره بذلك. ٢ - إثبات لقاء الله ، لقوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾. ٣ - إثبات الجشر يوم القيامة، فإن الناس يقومون من قبورهم ويحشرون إلى الله ليجازيهم. القرآن ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩] التفسير: فبرحمة من الله لك ولأصحابك -أيها النبي- منَّ الله عليك فكنت رفيقًا بهم، ولو كنت سيِّئ الخُلق قاسي القلب، لانْصَرَفَ أصحابك من حولك، فلا تؤاخذهم بما كان منهم في غزوة «أُحد»، واسأل الله -أيها النبي- أن يغفر لهم، وشاورهم في الأمور التي تحتاج إلى مشورة، فإذا عزمت على أمر من الأمور -بعد الاستشارة- فأَمْضِه معتمدًا على الله وحده، إن الله يحب المتوكلين عليه. في سبب نزول الآية: قال مقاتل: " ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وذلك أن العرب في الجاهلية كان إذا أراد سيدهم أن يقطع أمرا دونهم ولم يشاورهم شق ذلك عليهم. فأمر الله- النبي- ﷺ أن يشاورهم في الأمر إذا أراد فإن ذلك أعطف لقلوبهم عليه، وأذهب لضغائنهم" (٣). قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، "أي: فبسبب رحمةٍ من الله أودعها الله في قلبك يا محمد كنت هيناً ليّن الجانب مع أصحابك مع أنهم خالفوا أمرك وعصوك" (٤). قال مقاتل: أي: " فبرحمة الله كان إذ لنت لهم في القول، ولم تسرع إليهم بما كان منهم يوم أحد يعنى المنافقين" (٥). قال ابن كثير: " أي: أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم" (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، "أي: ولو كنت جافي الطبع قاسي القلب، تعاملهم بالغلظة والجفا" (٧). قال ابن كثير: أي: لو كنت سيِّئَ الكلام قاسي القلب " (٨). قوله تعالى: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي: " لتفرقوا عنك ونفروا منك" (٩).

стр. 2555

قال ابن كثير: " لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: إنه رأى صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة: «أنه ليس بفَظٍّ، ولا غليظ، ولا سَخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» (١) " (٢). وعن عائشة –رضي الله تعالى عنها-: "قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله أمَرَنِي بِمُدَارَاةِ النَّاس كَمَا أمَرني بِإقَامَة الْفَرَائِضِ" (٣). قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، "أي: فتجاوز عما نالك من أذاهم يا محمد" (٤). قال محمد بن إسحاق: " أي: فتجاوز عنهم" (٥). قال الطبري: أي: " فاعف عنهم، فتجاوز، يا محمد، عن تُبَّاعك وأصحابك من المؤمنين بك وبما جئت به من عندي، ما نالك من أذاهم ومكروهٍ في نفسك " (٦). قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي: " واطلب لهم من الله المغفرة" (٧). قال محمد بن إسحاق: "، ذنوبَ من قارف من أهل الإيمان منهم " (٨). قال الطبري: أي: " وادع ربك لهم بالمغفرة لما أتوا من جُرْم، واستحقوا عليه عقوبة منه" (٩). قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي: "وشاورهم في جميع أمورك" (١٠). قال ابن كثير: " ولذلك كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في الأمر إذا حَدَث، تطييبًا لقلوبهم؛ ليكونوا فيما يفعلونه أنشط لهم كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عُرْض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى بَرْك الغَمَاد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب، فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون (١١). وشاورهم - أيضا - أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المعتق ليموتَ، بالتقدم إلى أمام القوم، وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهُورُهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم. وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى عليه ذلك السَعْدَان: سعدُ بن معاذ وسعدُ بن عُبَادة، فترك ذلك. وشاورهم يومَ الحُدَيبية في أن يميل على ذَرَاري المشركين، فقال له الصديق: "إنا لم نجيء لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين" (١٢)، فأجابه إلى ما قال. وقال ﵇ في قصة الإفك: «أشِيروا عَلَيَّ مَعْشَرَ الْمُسْلِمينَ فِي قَوْمٍ أبَنُوا أهلِي ورَمَوهُم، وايْمُ اللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أهْلِي مِنْ سُوءٍ، وأبَنُوهم بمَنْ - واللهِ - مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلا خَيْرًا» (١٣). واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة، ﵂، فكان- ﷺ -يشاورهم في الحروب ونحوها. وقد اختلف الفقهاء: هل كان ذلك واجبا عليه أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم؟ على قولين.

стр. 2556

وأخرج الحاكم في مستدركه عن ابن عباس في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ قال: "أبو بكر وعمر، ﵄" (١). وقد روى الإمام أحمد بسنده عن عبد الرحمن بن غَنْم: " أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وعمر: «لوِ اجْتَمَعْنا فِي مَشُورَةٍ مَا خَالَفْتُكُمَا» " (٢). وروى ابن مَرْدُويه، عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: "سُئل رسول الله ﷺ عن العَزْم؟ قال: «مُشَاوَرَةُ أهْلِ الرَّأْي ثُمَّ اتِّبَاعُهُمْ» " (٣). وعن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» (٤). وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا اسْتَشَارَ أحَدُكُمْ أخَاهُ فَليشِر عليْهِ» (٥) " (٦). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، "أي: إِذا عقدت قلبك على أمر بعد الاستشارة فاعتمد على الله وفوّض أمرك إِليه" (٧). قال ابن كثير: " أي: إذا شاورتهم في الأمر وعزَمْت عليه فتوكل على الله فيه" (٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي: إن الله "يحب المعتمدين عليه، المفوضين أمورهم إِليه" (٩). الفوائد: ١ - بيان رحمة الله تعالى بنبيه- ﷺ وبأمته، وذلك بجعله ليّنا لهم، فهذه رحمة به وبهم. ٢ - أنه ينبغي لمن له سيادة في قومه أن يكون لينا ليتعرض لرحمة الله . ٣ - أن اللين أولا بكثير من الفظاظة والشدة. ٤ - بيان مضار الفظاظة والغلظة، ومن أعظم مضارها نفور الناس عن الإنسان. ٥ - أن الإنسان قد يعذر في الابتعاد عن أهل الخير إذاكانوا جفاة غلاظ القلوب. ٦ - أنه ينبغي للإنسان أن يعفو عن حقّه في معاملة إخوانه، وذلك إذا كان العفو مقيدا بإصلاح، وأما إذا ترتب على العفو زيادة إفساد وطغيان فإن هذه مصلحة تضمنت مفسدة أعظم. ٧ - الأمر بالشورى لما يترتب عليه ومن فوائد، وقد يكون للوجوب أو للاستحباب، حسب الأمر المشاور فيه. ٨ - الاعتماد على الله تعالى في فعل الأسباب، وينبغي على الإنسان إذا عزم على الأمر إلا يتردد. ٩ - إثبات المحبة لله . ١٠ - فضيلة التوكل على الله والحث عليه، لأن الله علّق محبته عليه، والتوكل على الله يكون بقطع الإنسان العلائق مما سوى الله حتى من نفسه، ويفوّض أمره إلى الله تعالى تفويضا كاملا. القرآن ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٦٠] التفسير: إن يمددكم الله بنصره ومعونته فلا أحد يستطيع أن يغلبكم، وإن يخذلكم فمن هذا الذي يستطيع أن ينصركم من بعد خذلانه لكم؟ وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون.

стр. 2557

قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، " إِن أراد الله نصركم فلا يمكن لأحدٍ أن يغلبكم" (١). قال محمد بن إسحاق: " أي: إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس لن يضرك خذلان من خذلك" (٢). قال ابن عثيمين: أي: "إذا قدّر الله نصركم فإته لن يغلبكم أحد" (٣). قال الطبري: أي: " إن ينصركم الله، أيها المؤمنون بالله ورسوله، على من ناوأكم وعاداكم من أعدائه والكافرين به فلا غالب لكم من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد، ولو اجتمع عليكم مَن بين أقطارها من خلقه، فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم وكثرة عددهم، ما كنتم على أمره واستقمتم على طاعته وطاعة رسوله، فإن الغلبة لكم والظفر، دونهم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، " أي: وإِن أراد خذلانكم وترك معونتكم فلا ناصر لكم" (٥). قال محمد بن إسحاق: " وإن يخذلك فلن ينصرك الناس، ﴿فمن الذي ينصركم من بعده﴾، أي: لا تترك أمري للناس، وارفض أمر الناس لأمري " (٦). قال الطبري: " يعني: ولكن على ربكم، أيها المؤمنون، فتوكلوا دون سائر خلقه، وبه فارضوا من جميع من دونه، ولقضائه فاستسلموا، وجاهدوا فيه أعداءه، يكفكم بعونه، ويمددكم بنصره" (٧). و"النصر" في الآية الكريمة يحتمل وجهين (٨): أحدهما: المعونة: والمعنى: إن أعانكم الله؛ فلا يغلبكم العدو، ﴿وإن يخذلكم﴾: ولم يعنكم؛ فمن ذا الذي أعانكم سواه؟ ! ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٢]. والثاني: المنع: أي: إن منع الله عنكم العدو، فلا غالب لكم، ﴿وإن يخذلكم﴾: ولم يعنكم، فمن الذي يمنعكم من بعده؟ ! قال الماتريدي: "والخذلان في الحقيقة هو: ترك المأمول منه ما أمل منه، واستعمل في هذا كما استعمل الابتلاء على غير حقيقته" (٩). قال التستري: " الخذلان: هو غاية الترك، وأما الترك فإن صاحبه يذنب وهو مقر بذنبه، فإذا أذنب على أنه ديانة فهو الخذلان، وهو عقوبة الله تعالى صاحب الخذلان لأنه أقامه على ذنبه مع علمه به وتسويفه بالتوبة، ألا ترى أن إبليس لما أبى وأصر عليه بعد الإباء خذله الله بعلمه السابق فيه، لأنه أراد منه ما علم ولم يرد منه ما أمره به، وآدم ﵇ لما لم يكن بالترك مخذولاً أقر بالذنب بعد إتيانه ورجع إلى ربه جل وعز، فقبل توبته" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، " أي: وعلى الله وحده فليلجأ وليعتمد المؤمنون" (١١). قال ابن إسحاق: " ﴿وعلى الله﴾، أي: لا على الناس، ﴿فليتوكل المؤمنون﴾ " (١٢). قال ابن عثيمين: أي: "إذا قدّر الله نصركم فإته لن يغلبكم أحد" (١٣). قال ابن عثيمين: أي: "على الله وحده فليتوكل المؤمنون به " (١٤). الفوائد: ١ - بيان كمال قدرة الله ، لقوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾. ٢ - وجوب تعلّق القلب بالله وحده في طلب الانتصار. ٣ - أن الله إذا قدّر خذلان أحد فلا ناصر له. ٤ - على الإنسان الأخذ بأسباب النصر، ألا وهي: الإخلاص لله ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. ٥ - التحذير من فعل أسباب الخذلان، ومنها: تولي الكفار ومناصرتهم ومعاضدتهم، لأن الاعتماد يكون على الله تعالى وحده لا على الناس. ٦ - وجوب التوكل على الله ، والتوكل من مقتضيات الإيمان. القرآن ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾ [آل عمران: ١٦١] التفسير: وما كان لنبيٍّ أن يَخُونَ أصحابه بأن يأخذ شيئًا من الغنيمة غير ما اختصه الله به، ومن يفعل ذلك منكم يأت بما أخذه حاملا له يوم القيامة; ليُفضَح به في الموقف المشهود، ثم تُعطى كل نفس جزاءَ ما كسبت وافيًا غير منقوص دون ظلم. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج عبد بن حميد والترمذي (١٥) والطبري (١٦) وأبو يعلى (١٧) وابن أبي حاتم (١٨) والطبراني (١٩)، وأبو داود (٢٠)، والواحدي (٢١)، وابن عدي (٢٢)، من طريق خصيف عن مقسم: "حدثني ابن عباس إن هذه الآية نزلت: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: أخذها محمد وأكثروا في ذلك، فأنزل الله ﵎: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ " (٢٣). والثاني: قال مقاتل: " نزلت في الذين طلبوا الغنيمة يوم أحد، وتركوا المركز، وقالوا: إنا نخشى أن يقول النبي- ﷺ من أخذ شيئا فهو له ونحن هاهنا وقوف، فلما رآهم النبي- ﷺ قال: «ألم أعهد إليكم ألا تبرحوا من المركز حتى يأتيكم أمري». قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال النبي- ﷺ : «ظننتم أنا نغل»، فنزلت: ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾ " (٢٤). وكذا نقله الواحدي عن مقاتل والكلبي (٢٥).

стр. 2558

والثالث: أخرج الطبري والواحدي (١) بسندهما عن الضحاك قال: "بعث رسول الله ﷺ طلائع، فغنم النبي ﷺ ، فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله : ﴿وما كان لنبيّ أن يغل﴾ " (٢). الرابع: نقل الواحدي عن ابن عباس في رواية الضحاك: "إن رسول الله ﷺ لما وقع في يده غنائم هوازن يوم حنين غله رجل بمخيط، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٣). قال ابن حجر: " وهذا من تخليط جويبر، فإن هذه الآية نزلت في يوم أحد اتفاقا" (٤). والخامس: ونقل الواحدي أيضا عن قتادة: " نزلت وقد غل طوائف من أصحابه" (٥). والسادس: ونقل الواحدي أيضا عن ابن عباس: "أن أشراف الناس استدعوا رسول الله ﷺ أن يخصصهم بشيء من الغنائم، فنزلت هذه الآية" (٦). قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، " أي: وما صحَّ ولا استقام عقلاً لنبيٍّ من الأنبياء أن يخون في الغنيمة" (٧). قال الزجاج: المعنى" وما كان لنبي أن يخون أمته" (٨). قال المراغي: " أي ما كان من شأن أىّ نبى ولا من سيرته أن يغل، لأن الله عصم أنبياءه منه، فهو لا يليق بمقامهم ولا يقع منهم، لأن النبوة أعلى المناصب الإنسانية، فصاحبها لا يرغب فيما فيه دناءة وخسة" (٩). واختلت القراءة في قوله تعالى: ﴿يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، على وجهين (١٠): أحدها: ﴿يَغُلَّ﴾، بفتح الياء وضم الغين، قرأ بهذا الوجه: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم. والثاني: ﴿يغلّ﴾، بضم الياء وفت الغين. قراءة الباقين. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، " أي: ومن يُخن من غنائم المسلمين شيئاً، يأت حاملاً له على عنقه يوم القيامة فضيحةً له على رءوس الأشهاد" (١١). قال المراغي: " أي وكل من يقع منه غلول يأتى بما غل به يوم القيامة حاملا له، ليفتضح أمره ويزيد به فى عذابه" (١٢). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: ١٦١]، أي: ثم "تعطى جزاء كل نفس ما عملت وافياً غير منقوص" (١٣). قال محمد بن إسحاق: " ثم يُجزى بكسبه غير مظلوم" (١٤). قال المراغي: " أي: ثم بعد أن يأتى الغالّ بما غل فيتمثل له كأنه حاضر بين يديه، ينال جزاء ما كسب مستوفى تاما لا ينقص منه شىء كما قال تعالى: «وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ، وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها؟ وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾، وجاء حكم التوفية فى الجزاء عاما لكل كاسب، وإن كان الكلام فى جزاء الغالّ فحسب- ليكون كالدليل على

стр. 2559

المقصود من استيفائه الجزاء، فإنه إذا كان كل كاسب مجزيّا بعمله لا ينقص منه شىء وإن كان جرمه حقيرا، فالغالّ مع عظم جرمه أولى بذلك" (١). قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]، أي: وهم "لا يظلمون بزيادة العذاب أو نقص الثواب" (٢). قال الثعلبي: أي: " لا ينقصون من حسناتهم ولا يزداد على سيئاتهم" (٣). قال سعيد بن جبير: " يعني: من أعمالهم" (٤). قال محمد بن إسحاق: " ولا متعدًّى عليه" (٥). قال الطبري: أي: " لا يفعل بهم إلا الذي ينبغي أن يفعل بهم، من غير أن يعتدي عليهم فينقصوا عما استحقوه" (٦). الفوائد: ١ - لايجوز لأتباع النبي الغلول. ٢ - أن الجزاء من جنس العمل. ٣ - إثبات البعث. ٤ - إثبات قدرة الله تعالى إذ أنه قادر على أن يأتي الإنسان بما غل يوم القيامة، وأنه على كل شيء قدير. ٥ - جزاء كل نفس بما كسبت. ٦ - إثبات نفي الظلم عن الله، وبالتالي إثبات كمال عدله . القرآن ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)﴾ [آل عمران: ١٦٢] التفسير: لا يستوي من كان قصده رضوان الله ومن هو مُكِبٌ على المعاصي، مسخط لربه، فاستحق بذلك سكن جهنم، وبئس المصير. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٢]، أي: " أفمن أطاع الله وطلب رضوانه، كمن عصى الله فاستحق سخطه وباء بالخسران؟ " (٧). قال مقاتل: " يعنى رضى ربه- ولم يغلل ﴿كمن باء بسخط من الله﴾ يعني استوجب السخط من الله- في الغلول، ليسوا سواء" (٨). أخرج ابن المنذر " عن الضحاك بن مزاحم، في قوله : ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾، قال: من لم يغل ﴿كمن باء بسخط من الله﴾ قال: من غل " (٩). وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: قوله: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾، " أفمن اتبع رضوان الله يعني: أرضى الله فلم يغلل من الغنيمة" (١٠)، ﴿كمن باء بسخط من الله﴾، يعني: كمن استوجب سخطا من الله في الغلول، فليس هو بسواء" (١١).

стр. 2560

وأخرج ابن المنذر "عن ابن جريج: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾، قال: أمر الله أداء الخمس ﴿كمن باء بسخط من الله﴾ فاستوجب سخط الله " (١). وروي عن محمد بن إسحاق: " ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾ على ما أحب الناس وسخطوا، ﴿كمن باء بسخط من الله﴾ لرضى الناس أو سخطهم، يقول: فمن كان على طاعتي وثوابه الجنه ورضوان ربه، كمن باء بسخط من الله فاستوجب غضبه" (٢). وعن الحسن: "قوله: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾: يقول: من أخذ الحلال خير له ممن أخذ الحرام، وهذا في الغلول وفي المظالم كلها" (٣). قال الطبري: " أفمن ترك الغلول وما نهاه الله عنه عن معاصيه، وعمل بطاعة الله في تركه ذلك، وفي غيره مما أمره به ونهاه من فرائضه، متبعًا في كل ذلك رضا الله، ومجتنبًا سخطه، كمن انصرف متحمِّلا سخط الله وغضبه" (٤). قال الزجاج: " يروى أن النبي ﷺ حين أرمر المسلمين في أحد باتباعه، اتبعه المؤمنون وتخلف عنه جماعة من المنافقين، فأعلم الله جل وعز: - أن من اتبع النبي ﷺ -فقد اتبع رضوان الله، ومن تخلف عنه فقد باء بسخط من الله" (٥). ويقرأ ﴿رضوان﴾، بكسر الراء، و ﴿رضوان﴾، بضم الراء، وقد رويتا جميعا عن عاصم (٦). قوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ١٦٢]، " أي: مصيره ومرجعه جهنم وبئست النار مستقراً له" (٧). روي عن محمد بن إسحاق: " وكان مأواه جهنم، وبئس المصير أسواء المثلان؟ أي: فاعرفوا " (٨). قال سعيد بن جبير: "ثم بين مستقرهما، فقال للذي يغل: ﴿مأواه جهنم﴾ " (٩)، " ﴿وبئس المصير﴾ يعني: مصير أهل الغلول" (١٠). قال الطبري: أي: " فاستحق بذلك سكنى جهنم، وبئس المصير الذي يصير إليه ويئوب إليه من باء بسخط من الله جهنم" (١١). الفوائد: ١ - أن الرضا صفة من صفات الله تعالى. ٢ - إثبات السخط لله تعالى. ٣ - التحذير من التعرض لسخط الله . ٤ - إثبات النار. ٥ - ذم النار والثناء عليها بالقدح، لقوله: ﴿وبئس المصير﴾. القرآن ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٣] التفسير: أصحاب الجنة المتبعون لما يرضي الله متفاوتون في الدرجات، وأصحاب النار المتبعون لما يسخط الله متفاوتون في الدركات، لا يستوون. والله بصير بأعمالهم لا يخفى عليه منها شيء. قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣]، " أي: هم متفاوتون في المنازل" (١٢). عن ابن عباس: " ﴿هم درجات عند الله﴾، يقول: بأعمالهم" (١٣). وقال الحسن: " للناس درجات بأعمالهم في الخير والشر" (١٤). وقال سعيد بن جبير: "ثم ذكر مستقر من لا يغل فقال: ﴿هم درجات﴾، يعني: لهم فضائل عند الله" (١٥). قال محمد بن إسحاق: " أي: لكلٍّ درجات مما عملوا في الجنة والنار" (١٦). وقال مجاهد: " ﴿هم درجات عند الله﴾، : هي كقوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ " (١٧). وروي عن السدي نحو ذلك (١٨). قال الزجاج: " أي: هم ذوو درجات، فالمؤمنون ذوو درجة رفيعة، - والكافرون ذوو درجة عند الله وضيعة" (١٩). قال الواحدي: " أَيْ: أهل درجات عند الله يريد أنَّهم مختلفو المنازل فَلِمَن اتِّبع رضوان الله الكرامة والثَّواب ولِمَنْ باء بسخطٍ من الله المهانةُ والعذاب" (٢٠). قال البيضاوي: " شبهوا بالدرجات لما بينهم من التفاوت في الثواب والعقاب، أو هم ذوو درجات" (٢١). قال الطبري: أي: " أنّ من اتبع رضوان الله ومن باء بسخَط من الله، مختلفو المنازل عند الله. فلمن اتبع رضوان الله، الكرامةُ والثواب الجزيل، ولمن باء بسخط من الله، المهانةُ والعقاب الأليم، ، وقيل: يعني: لمن اتبع رضوان الله منازلُ عند الله كريمة" (٢٢). وقال أبو عبيدة: "أي هم منازل، معناها: لهم درجات عند الله، كقولك: هم طبقات، قال ابن هَرْمة (٢٣): أرَجْمًا لِلْمَنُونِ يَكُونُ قَوْمي ... لِرَيْبِ الدَّهْرِ أَمْ دَرَجُ السّيولِ تفسيرها: أم هم على درج السيول. ويقال للدرجة التي يصعد عليها: درجة، وتقديرها: قصبة، ويقال لها أيضا: درجة" (٢٤). قال السعدي: " أي: كل هؤلاء متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم بحسب تفاوتهم في أعمالهم، فالمتبعون لرضوان الله يسعون في نيل الدرجات العاليات، والمنازل والغرفات، فيعطيهم الله من فضله وجوده على قدر أعمالهم، والمتبعون لمساخط الله يسعون في النزول في الدركات إلى أسفل سافلين، كل على حسب عمله" (٢٥).
следующие страницы →