← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

السور للصراخ عليهم بعجزهم عن أن يأتوا بمثله، مع أنه لم يأت إلا من تلك الحروف التي تتكون منها لغتهم التي ملكوا ناصيتها (١). وقد ذهب بعضهم إلى رد هذا القول، لأن الأمي لا يصعب عليه أن يأتي بمثل هذه الحروف، إذ لا دلالة بها على تعلم الأمي، وانتقاله من الأمية إلى العلم، قال ابن عاشور: "وهذا بين البطلان لأن الأمي لا يتعسر عليه النطق بالحروف" (٢). الوجه الثاني: واقع هذه الأحرف يقرر هذه القضية، فهي قد ذُكِرَت على خمس صور، فجاءت على حرف واحد مثل: (ص) و (ق)، وجاءت على حرفين مثل: (طس) و (حم)، وجاءت على ثلاثة أحرف مثل: (الم)، وجاءت على أربعة أحرف مثل: (المص)، ثم هي قد جاءت على خمسة أحرف مثل: (كهيعص). وكذلك كلام العرب لا يخرج عن هذه الأحوال الخمسة، فهو إما حرف أو اسم أو فعل. فالحرف يأتي على حرفين مثل: (مِنْ)، أو ثلاثة مثل: (على). والاسم إما ثلاثة أحرف مثل: (حسن) وإما أربعة مثل: (حسين) وإما خمسة مثل: (حسناء)، وما عدى هذا فهو مزيد ليس بأصلي. وأفعال العرب إما ثلاثة أحرف مثل: (كتب) وإما أربعة مثل: (أكرم)، وما عدى هذا فهو مزيد ليس بأصلي. فما خرجت الحروف المقطعة في جميع صورها عن استعمالات العرب، وكأن الله يقول: هذه الأحرف كُرِّرت على حسب استعمالاتكم في لغتكم، فإن قلتم: هذه الأحرف قد سبقنا محمد إليها فاستعمل حروفنا؛ قلنا لكم: قد استعملنا نصفها في أوائل السور وتركنا لكم النصف الآخر فافتروا منها قرآناً كما افترى محمد بزعمكم ـ حاشاه ـ (٣). القول الثاني: أنها أسماء لله تعالى ذهب بعض العلماء أن هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور أسماء لله تعالى، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا: ابن عباس (٤) وابن مسعود (٥) وسالم بن عبدالله (٦)، والشعبي (٧)، وروي نحوه عن اسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير ونحوه عن عكرمة (٨). قال عبد الله بن عباس ﵄: فواتح السور أسماء من أسماء الله (٩). وعن ابن عباس واين مسعود في قوله: " (ألم)، و (المص)، و (الر)، و (المر)، و (كهيعص)، و (طه)، و (طسم)، و (طس)، و (يس)، و (ص)، و (حم)، و (ق)، و (ن)، قال: هو قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله" (١٠). وعن فاطمة ابنة علي بن أبي طالب، قالت: "كان علي يقول في دعائه: يا كهيعص اغفر لي" (١١).

стр. 282

وهذا يدل على أن علياً ﵁-تعالى كان يميل إلى هذا القول، ويبعد أن يكون ذلك إلا بتوقيف من النبي ﷺ . وعن أشهب (١) قال: "سالت مالك بن انس: أينبغي لأحد أن يتسمى بـ (يس)؟ فقال: ما أراه ينبغي لقوله: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١، ٢]، يقول هذا اسمي تسميت به" (٢). وقد نقل القرطبي - بعد إيراد هذا الأثر - تعقيب أبي بكر بن العربي عليه حيث قال: "هذا كلام بديع، وذلك أن العبد يجوز له أن يتسمى باسم الرب إذا كان فيه معنى منه كقوله: عالم، وقادر، ومريد، ومتكلم، وإنما منع مالك من التسمية بـ (يس) لأنه أسم من أسماء الله لا يُدْرَى معناه، فربما كان معناه ينفرد به الرب، فلا يجوز أن يُقْدِم عليه العبد، فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] (٣)، قلنا: ذلك مكتوب بهجاء فتجوز التسمية به، وهذا الذي ليس بمتهجي هو الذي تكلم مالك عليه، لما فيه من الإشكال، والله أعلم" (٤). ويفهم من كلام الآلوسي أنه يميل إلى هذا القول، فقد قال: "وعندي فيما نحن فيه لطائف، وسبحان من لا تتناهى أسرار كلامه، فقد أشار - سبحانه - بمفتتح الفاتحة حيث أتى به واضحاً إلى اسمه الظاهر، وبمبدأ سورة البقرة إلى اسمه الباطن فهو الأول والآخر والظاهر والباطن" (٥). وهذا قول فيه نظر، وذلك لأن أسماء الله توقيفية لا تؤخذ إلا بنص من الكتاب العزيز أو الرواية الصحيحة عن المعصوم ﵇ وما سبق ذكره لا يعتمد عليه في إثبات أسماء االله تعالى. وقد قال محيي الدين شيخ زاده مبيناً بطلان هذا القول "أن أسماء االله تعالى لا تخلو من أن تدل على تعظيم أو تنزيه أو على ما يرجع إليهما والفواتح ليست كذلك" (٦). القول الثالث: أنها فواتح لأسماء الله تعالى: ويري البعض أن هذه الحروف المقطعة في أوائل السور فواتح لأسماء الله ﵎، فكل حرف منها هو فاتحة لاسم محذوف من أسماء الله، جاء ذلك الحرف ليدل على ذلك الاسم المحذوف، فالألف من قوله تعالى: ﴿الم﴾ مثلاً ابتداء اسمه الله، واللام ابتداء اسمه لطيف، والميم ابتداء اسمه مجيد (٧). عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله : " ﴿كهيعص﴾ قال: كاف من كريم، وها من هاد، ويا من حكيم، وعين من عليم، وصاد من صادق" (٨). وفي رواية أخرى عن بن عباس ﵄ في قوله : " ﴿كهيعص﴾ قال: كاف هاد أمين عزيز صادق" (٩).

стр. 283

ويدخل في هذا القول ما روي عن عبد الله بن عباس أيضاً وكذلك عبد الله بن مسعود أن هذه الأحرف هي اسم الله الأعظم (١). ويقرر ذلك ابن عطية بأنه إذا أمكن تأليفه منها، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها (٢). أو أن هذه الحروف أبعاض أسماء لله - تعالى -، بعضها يُعْلَم كيفية تركيبه منها، وبعضها لا يُعْلَم، فعن ابن عباس أنه قال: " (الر) و (حم) و (ن): الرحمن مُفَرَّقة" (٣). كما نقل الفخر الرازي وأبو حيان عن سعيد بن جبير تعالى أنه قال: قوله (آلر، حم، ن) مجموعها هو اسم الرحمن، ولكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في البواقي (٤). أو هي حروف يدل بعضها على أسماء الذات، وبعضها على أسماء الصفات والأفعال، على نحو ما رُوِي عن ابن عباس ﵄ في تفسير: (الم) من قوله: أنا الله أعلم، وقوله في: (الر): أنا الله أرى، وفي: (المص): أن الله أفصل (٥). أو هي حروف يدل بعضها على أسماء الله ـ تعالى ـ وبعضها على أسماء غيره سبحانه، فعن ابن عباس في قوله تعالى: " (الم) يقول: ألف الله، لام جبريل، ميم محمد" (٦)، أي: أنزل الله هذا الكتاب الذي لا ريب فيه على لسان جبريل إلى محمد ﷺ (٧). وهذا القول له وجه، لأن العرب قد تُطْلِقُ الْحَرْفَ الواحد من الكلمة، وَتُرِيدُ به جميع الكلمة، كقول الراجز (٨): قلنا لها قفي فقالت: قاف ... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف. فقوله: "قاف"، أي: وقفتُ (٩)، فدلت بإظهار القاف من «وقفت» على مرادها من تمام الكلمة التي هي «وقفت». فصرفوا قوله: (الم) وما أشبه ذلك إلى نحو هذا المعنى. وكقول القائل (١٠): بالخير خيرات وإن شراً فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا يعني: وإن شراً فشر، ولا أريد الشرّ إلا أن تشاء، وبذلك اكتفى بالتاء والفاء عن بقية الكلمتين جميعاً عن سائر حروفهما (١١). وقد ورد في السنة ما يشير إلى هذا، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله مكتوب بين ـ عينيه: آيس من رحمة الله (١٢). وعن بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة: آيس من رحمة الله (١٣).

стр. 284

وعن بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرك في دم حرام بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله" (١). قال سفيان بن عيينة: "هو أن يقول: أق، يعني: لا يتم كلمة (اقتل) " (٢). فإن ثبت أن العرب كانت تأتي في كلامها بحرف وتريد به معنى كان في هذا القول قوة ووجاهة (٣). القول الرابع: أن هذه الأحرف أسماء للسور التي جاءت فيها (٤) وذهب بعضهم إلى أن فاتحة كل سورة اسم للسورة التي افتتحت بها، وذلك أن الأسماء وضعت للتمييز، فكذا هذه الحروف وضعت لتمييز هذه السور عن غيرها. من الذين قالوا بذلك: الزمخشري (٥)، والرازي (٦) واختاره سيبويه (٧). فعن أُبَي بن كعب تعالى أنه قال لماسُئِل عن هذه الحروف: إنما هي أسماء السور (٨). وقد نسب الزمخشري والبيضاوي هذا الوجه إلى أكثر العلماء (٩)، كما عزاه الفخر الرازي إلى أكثر المتكلمين والمحققين (١٠). وإن أشكل ذلك على أحد فقال: كيف يكون ذلك كذلك وقد افتتحت سور كثيرة بـ ﴿الم﴾ ﴿حم﴾ والمقصود رفع الاشتباه، لأن الأسماء إنما تكون أمارات إذا كانت مميزة بين الأشخاص، فأما إذا كانت غير مميزة فليست أمارات؟ . فالجواب: أن بعض الأسماء ـ وإن كانت مشتركة ـ إلا أنها تميز ببعض النعوت الأخرى، فيقول المخبر عن نفسه: قرأت ﴿الم﴾ البقرة، أو قرأت ﴿الم﴾ آل عمران؛ كما لو أراد الخبر عن رجلين اسم كل واحد منهما عمرو غير أن أحدهما عراقي والآخر مصري لزمه أن يقول: لقيت عمراً العراقي، أو عمراً المصري (١١). وقد استدل القائلون بهذا القول بأدلة منها: أولاً: ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم * تنزيل، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] (١٢). ثانياً: أن ذلك أمر فاش في العرب الذين نزل القرآن بلغتهم وعلى لسانهم، فقد سَمَّت العرب بهذه الحروف أشياء وأشخاص، فسموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس: صاد، وللنقد عين، وللسحاب غين، وقالوا: جبل قاف، وسموا الحوت نوناً (١٣). ويعضد ذلك كون هذه الحروف واقعة في أوائل السور، فتكون هذه الحروف قد جعلت أسماءً بالعلامة على تلك السورة وسميت بها كما تقول الكراسة (ب) والرزمة (ج) (١٤). ولقد اعترض بعضهم على هذا القول، وقالوا: إن هذه الألفاظ ليست أسماءً للسور وساقوا أدلة على ذلك وإليك أدلتهم:

стр. 285

أولاً: لو كانت هذه الألفاظ أسماءً للسور لوجب أن يعلم ذلك بالتواتر، لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب، والأمور العجيبة تتوافر الدواعي على نقلها لا سيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو رهبة، ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلوماً بالتواتر، وارتفع الخلاف فيه فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنها ليست من أسماء السور (١). ثانياً: ويرده اتحاد هذه الحروف في عدة سور مثل (الم) و (الر) و (حم) والمقصود ممن الاسم إزالة الاشتباه، والاشتباه حاصل. ثالثاً: ويرده اشتهار السور بأسماء أخرى غير هذه الحروف، كسورة البقرة وسورة ال عمران وسورة الأعراف وسورة مريم وما إليها، ولو كانت أسماءً لاشتهرت بها. قلت: أن هذه الحروف لا تعد أسماءً للسور وذلك لأن أسماء السور توفيقية (٢)، ولا يجوز أن يطلق اسم على مسمى من غير أن يعرف المسمى به، وأما ما ورد في الحديث الشريف فإن جاز عدها اسماً للسورة فتكون أسماءً للسور التي نصت الروايات عليها دون غيرها. القول الخامس: أن هذه الفواتح أسماء للقرآن الكريم (٣) قال ابن كثير: " ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم، من أسماء السور، فإن كل سورة يُطْلَق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون: ﴿المص﴾ اسماً للقرآن كله، لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت ﴿المص﴾ إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف، لا لمجموع القرآن، والله أعلم (٤) ": اهـ وحمل ابن جرير الطبري هذا القول على ظاهره فقال: "هي أسماء لكل القرآن، لا للسورة التي هي قطعة من القرآن، فـ ﴿﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١، ٢] على معنى القسم، كأنه قال: والقرآن هذا الكتاب لا ريب فيه" (٥). القول السادس: أنها نزلت ليستغربها المشركون فيسمعون القرآن ذهب بعض العلماء إلى أن الحروف المقطعة نزلت لاستدراج نفوس المشركين ليستغربوها فيفتحوا لها أسماعهم فيسمعوا القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة، أي: أنها حروف لا معنى لها في الوضع، قُدِّمت على الكلام المقصود لحكمة تفريغ البال، ولفت الانتباه، وجذب الأذهان للإصغاء والسماع، ليحصل التدبر والفهم والاتعاظ بما بعد ذلك (٦). ممن قال بذلك: الرازي (٧) والزرقاني (٨). وهذا التنبيه يكون للنبي ﷺ ، وللمؤمنين، وللمشركين: أما للنبي ﷺ : "فكان من الجائز أن يكون الله قد علم في بعض الأوقات كونه ﷺ في عالم البشر مشغولاً، فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله: (الم) و (الر) و (حم)، ليسمع النبي صوت جبريل فيقبل عليه ويصغي إليه. وإنما لم تُسْتَعْمَل الكلمات المشهورة في التنبيه كـ (ألا) و (أما) لأنها من الألفاظ التي يتعارفها الناس في كلامهم، والقرآن كلام لا يشبه الكلام، فناسب أن يُؤْتَى فيه بألفاظ تنبيه لم تُعْهَد لتكون أبلغ في قرع سمعه (٩) ": وهي تنبيه للمؤمنين أيضاً لئلا يستمعوا هذا القرآن وهم في غفلة ولهو. أما المشركون فقد حكى الله تعالى تنفير بعضهم لبعض عن القرآن في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]، فكان إذا تكلم رسول الله ﷺ

стр. 286

في أول هذه السورة بهذه الألفاظ ما فهموا منها شيئاً، والإنسان حريص على ما مُنِع، فكانوا يصغون إلى القرآن ويتفكرون ويتدبرون في مقاطعه ومطالعه رجاء أنه ربما جاء كلام يفسر ذلك المبهم ويوضح ذلك المشكل، فصار ذلك وسيلة إلى أن يصيروا مستمعين للقرآن ومتدبرين في مطالعه ومقاطعه، فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا منه ويكون تعجبهم منه سبباً لاستماعهم، واستماعهم له سبباً لاستماع ما بعده، فترق القلوب وتلين الأفئدة، ويؤكد هذا أن هذه الحروف ما جاءت إلا في أوائل السور (١). قال الفخر الرازي: "إن الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة أو من يكون مشغول البال يقدم على الكلام المقصود شيئاً غيره ليلتفت المخاطب بسببه إليه، ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود، فقد يكون ذلك المقدم كلاماً له معنى مفهوم كقول القائل اسمع، وقد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتاً غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يضفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه، ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والكلام المقصود كان أهم كان المقدم على المقصود اكثر، فاختار الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفاً هي كالمنبهات، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يفهم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم إسماع ما بعد ذلك، فإذا كان ذلك المقدم كلاماً منظوماً وقولاً مفهوماً فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا كلام له بعد ذلك فيقطع الإلتفات عنه، أما إذا سمع منه صوتاً بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود، فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة" (٢). إذا ثبت هذا فنقول: ذلك المُقَدَّم على المقصود قد يكون كلاماً له معنى مفهوم كقول القائل: اسمع، واجعل بالك إلى، وكن لي. وقد يكون شيئاً هو في معنى الكلام المفهوم كقول القائل: أزيد، ويا زيد، وألا يا زيد. وقد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتاً غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه. وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه، ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والكلام المقصود كان أهم كان المقدم على المقصود أكثر، ولهذا ينادي القريب بالهمزة فيقال: أزيد. والبعيد بـ (يا) فيقال: يا زيد. والغافل يُنَبَّه أولاً فيقال: ألا يا زيد. إذا ثبت هذا فنقول: إن النبي ﷺ وإن كان يقظان الجَنَان (٣) لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن، فكان يحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفاً هي كالمنبهات، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يُفْهَم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى، لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعد ذلك، فإذا كان ذلك المُقَدَّم كلاماً منظوماً وقولاً مفهوماً فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا كلام له بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه، أما إذا سمع منه صوتاً بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود. فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة" (٤). وهذا القول -والله أعلم- ضعيف لا تسنده حجة ولا يقويه برهان، فلو كان المقصود من هذه الحروف تنبيه الغافل لكان من الأولى أن تفتتح بها كل سور القرآن إذ لا داعي لتخصيص بعضها دون بعض، ثم إن العرب لم يكونوا بحاجة لمن يوقظهم من غفلتهم، ذلك أن النبي صلى االله عليه وسلم أتاهم بكتاب قوض عبادتهم، وسفه أحلامهم، وكفى بذلك إثارة لأسماعهم لأن ينصتوا إلى ما جاءهم به مخالفهم، زد على ذلك أن أسلوب القرآن ونظمه فيه من جذب أسماعهم واستمالتهم ما يكفي، كيف لا وهم كانوا يستمعون للقرآن خلسة وقد كان يؤثر عليهم رغم كفرهم.

стр. 287

وقال ابن كثير مبيناً بطلان هذا القول: "وهو ضعيف، لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور، لا يكون في بعضها، بل غالبها ليس كذلك، ولو كان كذلك ـ أيضاً ـ لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك، ثم إن هذين ـ يعني سورة البقرة وآل عمران ـ مدنيتان ليستا خطاباً للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه" (١) (٢). القول السابع: ـ هذه الحروف أسماء، مسمياتها الحروف المبسوطة التي رُكِّبَت منها الكلمات، فقولك: (ضاد) اسم سُمِّي به الحرف (ضه) من كلمة (ضرب) إذا تهجيته، وكذلك (راء) و (باء) أسمان لقولك: (ره) و (به) (٣). قال الخليل يوماً وسأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في (لك) والباء التي في (ضرب)؟ فقيل: نقول: باء، كاف. فقال: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: (كه) (به) (٤). فإن قيل: وما الفائدة التي تترتب على ذلك؟ فالجواب: أن في ذلك فائدة عظيمة: " فالتكلم بهذه الحروف ـ وإن كان معتاداً لكل أحد إلا أن كونها مسماة بهذه الأسماء لا يعرفه إلا من اشتغل بالتعلم والاستفادة، فلما أخبر الرسول ﷺ عنها من غير سبق تعلم واستفادة كان ذلك إخباراً عن الغيب، فلهذا السبب قَدَّم الله ـ تعالى ـ ذكرها ليكون أول ما يُسْمَع من هذه السورة معجزة دالة على صدقه ﷺ (٥) ": ويدخل في هذا القول ما رُوِي عن عكرمة أن هذه الحروف قسم (٦). أي أن الله تعالى أقسم بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها، ولأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة، ومباني أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه. ثم إنه تعالى اقتصر على ذكر البعض وإن كان المراد هو الكل كما تقول: قرأت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].وتريد السورة كلها، فكأنه ـ تعالى ـ قال: أقسم بهذه الحروف، إن هذا الكتاب هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ (٧). القول الثامن: أن هذه الحروف أمارة قد كان الله تعالى جعلها لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد ﷺ كتاباً في أول سور منه حروف مقطعة (٨). قلت: وكل هذه الأقوال فيها وجه من الوجاهة والقبول ـ على تفاوت في ذلك ـ، وليس فيها محذور أو محظور يتعارض مع النقل الصريح أو العقل الصحيح، فلو قُبِلَت كلها لم يزد بعضها بعضاً إلا قوة ورجاحة. قال أبو جعفر ابن جرير الطبري: "ولكل قول من الأقوال التي قالها الذين وصفنا قولهم في ذلك وجه معروف" (٩).

стр. 288

ثم قال ﵀: "والصواب من القول عندي في تأويل مفاتح السور التي هي حروف المعجم أن الله ـ جل ثناؤه ـ جعلها حروفاً مقطعة ولم يصل بعضها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف لأنه ـ عز ذكره ـ أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة لا على معنى واحد، .. والصواب في تأويل ذلك عندي أن كل حرف منه يحوي ما قاله سائر المفسرين. فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن يكون حرف واحد شاملاً الدلالة على معان كثيرة مختلفة؟ قيل: كما جاز أن تكون كلمة واحدة تشتمل على معان كثيرة مختلفة، كقولهم للجماعة من الناس: أمة، وللحين من الزمان: أمة، وللرجل المتعبد المطيع لله: أمة، وللدين والملة أمة. وكقولهم للجزاء والقصاص: دِيْن، وللسلطان والطاعة: دين، وللتذلل: دين، وللحساب: دين؛ في أشباه لذلك كثيرة يطول الكتاب بإحصائها مما يكون من الكلام بلفظ واحد وهو مشتمل على معان كثيرة. وكذلك قول الله ـ جل ثناؤه ـ: (الم) و (المر) و (المص) وما أشبه ذلك من حروف المعجم التي هي فواتح أوائل السور، كل حرف منها دال على معان شتى شامل جميعها، من أسماء الله وصفاته مما قاله المفسرون من الأقوال التي ذكرناها عنهم، وهن مع ذلك فواتح السور كما قاله من قال ذلك. وليس كون ذلك من حروف أسماء الله ـ جل ثناؤه ـ وصفاته بمانعها أن تكون للسور فواتح، لأن الله ـ جل ثناؤه ـ قد افتتح كثيراً من سور القرآن بالحمد لنفسه والثناء عليها وكثيراً منها بتمجيدها وتعظيمها، فغير مستحيل أن يبتدئ بعض ذلك بالقسم بها. فالتي ابتدئ أوائلها بحروف المعجم أحد معاني أوائلها أنهن فواتح ما افتتح بهن من سور القرآن، وهن مما أقسم بهن، لأن أحد معانيهن أنهن من حروف أسماء الله ـ تعالى ذكره ـ وصفاته ـ على ما قدمنا البيان عنها ـ. فذلك يحوي معاني جميع ما وصفنا مما بينا من وجوهه، لأن الله ـ جل ثناؤه ـ لو أراد بذلك أو بشيء منه الدلالة على معنى واحد مما يحتمله ذلك دون سائر المعاني غيره لأبان ذلك لهم رسول الله إبانة غير مشكلة، إذ كان ـ جل ثناؤه ـ إنما أنزل كتابه على رسوله ليبين لهم ما اختلفوا فيه. وفي تركه إبانة ذلك أنه مراد به من وجوه تأويله البعض دون البعض أوضح الدليل على أنه مراد به جميع وجوهه التي هو لها محتمل، إذ لم يكن مستحيلاً في العقل وجه منها أن يكون من تأويله ومعناه، كما كان غير مستحيل اجتماع المعاني الكثيرة للكلمة الواحدة باللفظ الواحد في كلام واحد" (١). وإن كانت هذه الأقوال مقبولة إلا أن ثمة أقوالاً أخرى هزيلة مردودة وجب ذكر بعضها للتنبيه عليها. القول التاسع: ما رُوِي عن الربيع بن أنس أنه قال: هذه الأحرف من التسعة والعشرين حرفاً دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو مدة قوم وآجالهم (٢). وهذا يشبه ما ذكره القرطبي عن محمد بن علي الحكيم الترمذي أنه قال: إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة، ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي، ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس (٣). وهذا قول مردود، وتحميل لكلام الله ما لا يحتمل، إذ فيه ادعاء أن بعض آيات القرآن الكريم حكم الله ألا يعلمها إلا نبي أو ولي، فإن كان النبي ﷺ قد مات فقد بقي الأولياء الذين هم المؤمنون، فكل مؤمن ولي لله، وأعلى المؤمنين منزلة وأقربهم إلى الله تعالى هم العلماء، وما قاله العلماء بعيد كل البعد عن هذا القول، وهذا القول بعيد كل البعد عما قاله العلماء. ثم أي فائدة في أن تكون هذه الأحرف دالة على مدة قوم وآجالهم، ومدد الأقوام وآجالهم غيب لم يطلع الله أحداً من خلقه عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].

стр. 289

وعن بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام (١) إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله (٢). فإذا كانت كل نفس لا تدري مكان أجلها فهي ـ من باب أولى ـ لا تدري زمان أجلها ولا أجل غيرها. القول العاشر: أنها أقسام أقسم الله بها: قال بعض العلماء: إن االله أقسم بهذه الحروف لإظهار شرفها وفضلها، ممن قال ذلك ابن عباس (٣)، وعكرمة (٤) والأخفش (٥) والزركشي (٦). قال الزركشي: "أن االله أقسم بهذه الحروف بأن هذا الكتاب الذي يقرؤه محمد هو الكتاب المنزل لا شك فيه، وذلك يدل على جلالة قدر هذه الحروف إذ كانت مادة البيان وما في كتب االله المنزلة باللغات المختلفة وهي أصول كلام الأمم بها يتعارفون، وقد أقسم االله تعالى بـ (الفجر، و (الطور) فكذلك شأن هذه الحروف في القسم بها" (٧). ومما استدل به بعضهم على هذا القول ما أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي االله عنهما انه قال في قوله تعالى: (كهيعص) و (طه) و (طسم) و (يس) و (ص) و (حم عسق) و (ق) ونحو ذلك قسم أقسمه االله تعالى وهي من أسماء الله (٨). وهذ القول فيه نظر: إذ أن صيغة القسم معروفة وتأتي معتمدة على كلمات وحروف تفيد القسم نحو: اقسم أو الواو في (واالله) أو التاء وهكذا، أما أن تعد هذه الحروف قسماً فهذا ما لم يعهده العرب، ولم يجر على ألسنتهم، ويدل على بطلان هذا القول أيضاً أنه لا يوجد ما يعضده ويشهد لصحته في القرآن أو السنة الصحيحة، وما نقل عن ابن عباس فهو ضعيف (٩)، قال القرطبي مبيناً فساد هذا القول: "لا يصح أن يكون قسماً لأن القسم معقود على حروف مثل: إن وقد ولقد وما، ولم يوجد ها هنا حرف من هذه الحروف فلا يجوز أن يكون يميناً" (١٠). القول العادي عشر: أنها جاءت للدلالة على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر:

стр. 290

ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الحروف تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر، ومعنى ذلك أنه افتتح بها ليعلم أن السورة التي قبلها قد انقضت وأنه قد أخذ في أخرى، فجعل هذا علامة انقطاع ما بينهما. من الذين قالوا بذلك: مجاهد (١) وأبو عبيدة (٢) والأخفش (٣). وهذا الكلام ليس بشيء، فلا تُعد هذه الحروف دالة على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر، فإن هذه الحروف لم تعهد مزيدة لهذه الدلالة، فقد صح الفصل بغيرها، ثم إن هذا غير مضطرد في جميع السور، فلماذا ذكرت هذه الحروف في سور ولم تذكر في أخرى. قال ابن كثير مبيناً بطلان هذا القول: "وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه، وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة" (٤). القول الثاني عشر: أن هذه الحروف جاءت للدلالة على مدة بقاء هذه الأمة، وذلك بحساب الجمل ـ بضم الجيم وفتح الميم المشددة ـ ويُعْرَف بحساب (أبي جاد) (٥). وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو عن عبدالله بن عباس عن جابر بن عبد الله أنه قال: "مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١، ٢]، فأتى أخاه حُيَيّ بن أخطب في رجال من يهود، فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل الله عليه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١، ٢]. فقالوا: أنت سمعته؟ قال: نعم. فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله، فقالوا: يا محمد، ألم يُذْكَر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١، ٢]؟ فقال رسول الله: بلى. فقالوا: أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: نعم. قالوا: لقد بعث الله ـ جل ثناؤه ـ قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. فقال حيي بن أخطب ـ وأقبل على من كان معه فقال لهم ـ: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. قال: فقال لهم: أتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ! قال: ثم أقبل على رسول الله فقال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ قال: ﴿المص﴾ قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، وللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه مائة وإحدى وستون سنة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم، قال: ماذا؟ قال: ﴿الر﴾، قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، فقال: هل مع هذا غيره يا محمد؟ قال: نعم ﴿الر﴾، قال: فهذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة. ثم قال: لقد لُبِّس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلاً أُعْطِيت أم كثيراً. ثم قاموا عنه، فقال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جُمِع هذا كله لمحمد، إحدى وسبعون، وإحدى وستون ومائة، ومائتان وإحدى وثلاثون، ومائتان وإحدى وسبعون، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون. فقالوا: لقد تشابه علينا أمره" (٦).

стр. 291

قلت: وهذا القول مردود مرذول، والحديث الدال عليه باطل ولا يصح الاحتجاج به، وكون هذه الحروف تدل على أجل هذه الأمة ومدتها، أو على معرفة الحوادث يحتاج إلى توقيف من النبي ﷺ أن حرف كذا يدل على حادثة كذا وكذا، أو أن حادثة كذا يدل عليها الحرف كذا. ومن العجيب أن أبا جعفر الطبري ضرب عن هذا القول صفحاً أول الأمر فقال: "وقال بعضهم: هي حروف من حساب الجُمَّل، كرهنا ذكر الذي حُكِي ذلك عنه، إذ كان الذي رواه ممن لا يُعتمد على روايته ونقله" (١). ثم هو بعد عدة صفحات ألمح إلى أن هذا القول مُعْتَبَر، ثم ذكر هذا الحديث السابق (٢)، وهذا تناقض واضح. قال ابن كثير: "وأما من زعم أنها دالة على معرفة المُدَد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته" (٣). وأما الأخذ بحساب الجمل أو (أبي جاد) فهو أمر لا يتعلق به فائدة لجاهلي ولا إسلامي، ولا يصح أن يكون مقصداً من مقاصد الرب ـ سبحانه ـ الذي أنزل كتابه للإرشاد إلى شرائعه والهداية به، وهو أقرب ما يكون إلى السحر والتنجيم. قال الحافظ ابن حجر بعد ذكر هذا القول: "الحمل على ذلك من هذه الحيثية باطل، وقد ثبت عن ابن عباس الزجر عن عد (أبي جاد)، والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد، فإنه لا أصل له في الشريعة" (٤). وابن حجر يشير إلى حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : رب مُعَلِّم حروف أبي جاد، دارس في النجوم ليس له عند الله خَلاق (٥) يوم القيامة (٦). أما سبب اختصاص كل سورة بالحروف التي افتتحت بها، فمرد ذلك أن هذه السور إنما جاء في أول كل سورة منها الحروف التي كثر تردادها فيما تركب من كلماتها. ويوضح ذلك أننا إذا قارنا بين سورة من هذه السور التي افتتحت بهذه الحروف وبين سورة أخرى تماثلها أو تقاربها في الطول وعدد الكلمات لوجدنا أن الحروف المفتتح بها تلك السورة أكثر عدداً في كلماتها من السورة الأخرى. قال الزركشي في البرهان: "ومن ذلك السور المفتتحة بالحروف المقطعة ووجه اختصاص كل واحدة بما بُدِئت به حتى لم تكن لترد ﴿الم﴾ في موضع ﴿الر﴾، أو ﴿حم﴾ في موضع ﴿طس﴾، وكذا وقع في كل سورة منها ما كثر ترداده فيما يتركب من كلمها، ويوضحه أنك إذا ناظرت سورة منها بما يماثلها في عدد كلماتها وحروفها وجدت الحروف المفتتح بها تلك السورة إفراداً وتركيباً أكثر عددً في كلماتها منها في نظيرتها ومماثلتها في عدد كلمها وحروفها، وقد اطرد هذا في أكثرها، فحق لكل سورة منها ألا يناسبها غير الوارد فيها، فلو وضع موضع ﴿ق﴾ من سورة ﴿ن﴾ لم يمكن، لعدم التناسب الواجب مراعاته في كلام الله - تعالى-" (٧).

стр. 292

فحروف الافتتاح ظاهرة التكرار في سورها أو على الأقل في الآيات التالية مباشرة لتلك الحروف، وذلك لإحداث الجرس الصوتي الجميل والمشاركة في نقل المعنى ورسم الصورة. ولقد كثرت الألف واللام والميم في الفواتح دون غيرهن من الحروف لكثرتهن في الكلام (١). وسورة الأعراف زيد فيها الصاد على ﴿الم﴾ لما فيها من شرح القصص: قصة آدم فمن بعده من الأنبياء، ولما فيها من ذكر: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ٢] (٢). وزيد في سورة الرعد (راء) فصارت ﴿المر﴾ لأجل قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢]، ولأجل ذكر الرعد والبرق وغيرها من الكلمات التي تردد فيها حرف الراء بكثرة (٣). هذا فضلاً عما ورد فيها من الجمل المجتمع في تراكيبها الألف واللام والميم والراء في مثل قوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الرعد: ٢]، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣]، وقوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨]، وقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠]، وقوله: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٤٢]. قال السيوطي: "وقد تكرر في سورة يونس من الكلم الواقع فيها الراء مائتا كلمة أو أكثر، فلهذا افتتحت بـ: ﴿الم﴾ (٤) ". وقد"اشتملت سورة (ص) على خصومات متعددة، فأولها خصومة النبي ﷺ مع الكفار وقولهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، ثم اختصام الخصمين عند داود، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى، ثم تخاصم إبليس في شأن آدم، ثم في شأن بنيه وإغوائهم (٥) ". وتجدر الإشارة بأن تكرار حرف الصاد في سورة (ص) يفوق كثيراً معدل تكراره في السور الأخر المجاورة لها، سواء كانت في طولها أم أطول منها قليلاً، فقد تكرر حرف الصاد في سورة (ص) تسعاً وعشرين مرة ـ بما فيها حرف الافتتاح ـ، وتكرر في سورة الزمر التي تليها مباشرة اثنين وعشرين مرة، فإذا علمت أن سورة (ص) في المصحف خمس صفحات، في حين أن سورة الزمر ثمان صفحات، وإذا حسبنا الفارق بين تكرار الحرف في السورتين فوجدناه يزيد في سورة (ص) سبع مرات عن سورة الزمر، وإذا وضعنا هذا كله في الاعتبار قلنا: إن تكرار حرف الصاد في سورة (ص) يقارب ضعف تكراره في سورة الزمر، وهذا على وجه التقريب (٦). وإذا تأملنا سورة (ق) فسنجد حرف القاف مكرراً في أكثر آياتها مرة أو مرتين في كلمة قد تكون أهم كلمة في الآية. قال الزركشي: "سورة (ق) بُدِئت به لما تكرر فيها من الكلمات بلفظ القاف، من ذكر القرآن، والخلق، وتكرير القول ومراجعته مراراً، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين، وقول العتيد الرقيب، والسائق والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعد، وذكر المتقين، والقلب والقرون والتنقيب في البلاد، وتشقق الأرض، وحقوق الوعيد، وغير ذلك" (٧).

стр. 293

وقد اطرد هذا في السور المفتتحة بحروف التهجي، فحق لكل سورة منها ألا يناسبها غير الحروف المفتتحة بها، فلو وقع: ﴿الم﴾ في موضع ﴿كهيعص﴾ مثلاً، أو ﴿طس﴾ في موضع ﴿حم﴾ أو غير ذلك لم يصح لانعدام المناسبة التي يجب مراعاتها في كتاب الله - تعالى - (١). وخلاصة القول أن عدم ورود النقل بأن لها معاني لا يدل على انتفاء ثبوت المعاني لها في نفس الأمر. فإن عدم الدليل في أذهاننا لا يلزم منه عدم المدلول في نفس الأمر، وهذا غاية في الوضوح؛ وأقرب دليل يذكر هو ما دل على أن كل ما في القرآن له معاني بالقطع واليقين، والحروف المقطعة من القرآن، فلها معاني قطعا ويقينا، والنقل يفتقر إليه في توضيح الغامضات، أما توضيح الجليات فلا يشترط في ذلك نقل، ومن الجليات أن جميع ما في القرآن له معاني في نفس الأمر. ثم القول بأن للحروف المقطعة حكمة وسر، وبعد ذلك ننفي المعاني عنها كليا، ففيه من التناقض ما لا يخفى، إذ الحكمة والسر لا يكونان إلا في ضمن المعاني، فإثبات الحكمة والسر للحروف المقطعة هو عين إثبات المعاني لها، وجهلنا بالحكمة والسر هو جهل بالمعاني، والعكس صحيح. فيمكن القول بأن الحروف المقطعة لها معاني خاصة، سميت أسرارا وحكما أو غير ذلك، ومن رحمة الله تعالى بنا أنه لم يكلفنا بإدراكها، بل نؤمن بتنزيلها وكونها كلام الله تعالى، ونفوض له سبحانه العلم بحقيقة ما أراد من معانيها، دون أن نزيغ بها إلى معاني باطلة كما وقع لبعض الإشراقيين والفلاسفة الإسلاميين، ودون أن نسلبها معانيها في نفس الأمر بحيث يلزم من ذلك ثبوت كلام لله تعالى لا مدلول له في نفس الأمر، تعالى كلام ربنا عن ذلك. وهذا مرجع كلام الصحب الكرام رضوان الله تعالى عليهم (٢). ولاشك بأن هذه الحروف للإعجاز، وإننا عندما نقول بذلك لا يعني أننا نقتصر على هذا القول، فقد يكون لنزولها حكم أخرى -كما أشرت اليه سابقا -وقد ذكر الذين ردوا هذا القول كالشيخ محمد شلتوت أن العرب قد عرفوا عجزهم عن الإتيان بمثله وسجله القرآن عليهم فليسوا بحاجة إلى مثل هذه الحروف. نقول: حقاً انهم قد عرفوا عجزهم عن ذلك ولكن ما المانع من تكرار تسجيل ذلك عليهم مرة تلو المرة حتى يستدعي ذلك انتباههم، وحتى يذكرهم بعجزهم وضعفهم، ثم إنك تجد من مدلولات هذا التكرار استمرارية التحدي، ألم تر أن االله تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور، وتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله، وكل ذلك لإظهار عجزهم مع انهم يعلمون من أنفسهم ذلك العجز. وهنا ضربٌ آخر لتبكيتهم وإظهار عجزهم، وهو أن يذكر هذه الحروف احتجاجاً عليهم، فإن فيها تنبيه على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف، فهم قادرون عليها، فكان واجب عليهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فعجزهم دال على أنه من عند االله. والله أعلم، وله الحمد في الأولى والآخرة. جدول توزيع الحروف المقطعة في أوائل سور القرآن الكريم: ١ ... حروف ذات الحرف الواحد والتي لم تتكرر ... (ن)، (ق)، (ص). ٢ ... حروف ذات الحرفين والتي لم تتكرر ... (طس)، (يس)، (طه). ٣ ... حروف ذات الحرفين والتي تكررت ٧ مرات ... (حم). ٤ ... حروف ذات الثلاثة أحرف والتي تكررت مرتان فقط ... (طسم) ٥ ... حروف ذات الثلاثة أحرف والتي تكررت ٦ مرات ... (الم). ٦ ... حروف ذات الثلاثة أحرف والتي تكررت ٥ مرات ... (الر).

стр. 294

٧ ... حروف ذات أربعة أحرف ولم تتكرر ... (المر)، (المص). ٨ ... حروف ذات الخمسة أحرف ولم تتكرر ... (كهيعص)، (حمعسق) الحروف بعد حذف المكرر منها (أربعة عشر حرفًا فقط)، وهي نصف عدد الحروف الأبجدية، وهي: ... (ال م ص ر ك هـ ي ع ط س ح ق ن) القرآن [ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)] ﴿البقرة: ٢﴾ التفسير: ذلك القرآن هو الكتاب العظيم الذي لا شَكَّ أنه من عند الله، فلا يصح أن يرتاب فيه أحد لوضوحه، ينتفع به المتقون بالعلم النافع والعمل الصالح وهم الذين يخافون الله، ويتبعون أحكامه. قوله تعالى: [ذَلِكَ الْكِتَابُ]: أي "هذا الكتاب" (١)، وهو القرآن العظيم، قاله مجاهد (٢)، وعكرمة (٣)، والسدي (٤)، وابن جريج (٥)، وهذا قول عامة المفسرين (٦). قال السعدي: " أي: هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة، المشتمل على ما لم تشتمل عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم، والحق المبين" (٧). و"الكتاب" من أسماء القرآن الأربعة: "القرآن والكتاب، والذكر، والفرقان" (٨)، وهذا هو التحقيق-وإن بقى اسم خامس ألا وهو التنزيل- لأن "كل من ذكر هذا العدد الكثير قد خلط بينما هو اسم وما هو صفة. وهذا العدد إنما هو من قبيل الأوصاف التي لا ينبغي نظمها في سلك الأسماء كمن يعد كلا من (قُرْآنٌ كَرِيمٌ)، (قُرْآنٌ مَّجِيدٌ)، (ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ) أسماء دون تفرقة بين ما هو موصوف، وما هو منها وصف، في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]، ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١]، ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠] " (٩). وتجدر الإشارة بأن أصل (الكتاب) في اللغة هو: الجمع والضم، وسمي بذلك كما يقول الإمام الزركشي –﵀: " لأنه يجمع أنواعا من القصص والآيات والأحكام والأخبار على أوجه مخصوصة" (١٠). ويقول الإمام السيوطي – ﵀: "فأما تسميته كتابا فلجمعه أنواع العلوم والقصص والأخبار على أبلغ وجه والكتاب لغة الجمع" (١١). وفي وجه تسمية القرآن بالـ (القرآن والكتاب)، يقول أحد الباحثين: " وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، يعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعا، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع

стр. 295

عليه من الأصحاب المنقول إلينا جيلا بعد جيل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر .. وبهذا بقي القرآن محفوظا في حرز حريز، إنجازا لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] " (١). كما ودلت على هذه التسمية نصوص الكتاب كقوله تعالى: - ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢]. - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١]. - ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ [الشورى: ١٧]. - ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] (٢). قال الطاهر بن عاشور-﵀: " وفي هذه التسمية -أي بالكتاب - معجزة للرسول ﷺ بأن ما أوحي إليه سيكتب في المصاحف" (٣)، كما وأن أسلوب القرآن في استخدام كلمة (الكتاب)، تحددها السياق الذي وردت فيه الكلمة (٤). والخطاب في قوله تعالى: ﴿ذلك﴾، لكل مخاطب يصح أن يوجه إليه الخطاب؛ والمعنى: ذلك أيها الإنسان المخاطَب (٥)، وقد اختلف في ذلك (الغائب) على عدة أقوال (٦): أحدها: يعني التوراة والإنجيل، ليكون إخباراً عن ماضٍ. ومن ثم اختلفوا في المخاطب به على قولين (٧):

стр. 296

القول الأول: أن المخاطب به النبي- ﷺ ، أي ذلك الكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل، هو الذي أنزلته عليك يا محمد. والقول الثاني: أن المخاطب به اليهود والنصارى، وتقديره: أن ذلك الذي وعدتكم به هو هذا الكتاب، الذي أنزلته على محمد عليه وعلى آله السلام. والثاني: يعني به ما نزل من القرآن قبل هذا بمكة والمدينة، وهذا قول الأصم. والثالث: يعني هذا الكتاب، قاله الحسن (١) وابن عباس (٢)، مجاهد (٣)، وعكرمة (٤)، والسدي (٥)، وابن جريج (٦)، وهكذا فسره سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم (٧). وأصحّ الأقوال هو تفسير (ذلك الكتاب) بـ (هذا الكتاب)، وهو قول الطبري وعامة المفسرين، "لأن ذلك أظهرُ معاني قولهم الذي قالوه في (ذلك)، وقد وَجَّه معنى (ذلك) بعضُهم، إلى نظير معنى بيت خُفاف بن نُدبة السُّلميّ (٨): فَإن تَكُ خَيْلي قد أُصِيبَ صَمِيمُها ... فَعَمْدًا على عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا أقولُ له، والرُّمحُ يأطِرُ مَتْنَهُ: ... تأمَّل خُفافًا، إنني أنا ذلِكَا (٩) كأنه أراد: تأملني أنا ذلك. فزعم أنّ " ذلك الكتاب " بمعنى " هذا "، نظيرُه، أظهر خفافٌ من اسمه على وجه الخبر عن الغائب، وهو مخبر عن نفسه. فكذلك أظهر (ذلك) بمعنى الخبر عن الغائب، والمعنى فيه الإشارة إلى الحاضر المشاهَد" (١٠). وفي البخاريّ: "وقال معمر ذلك الكتاب: هذا القرآن" (١١)، قد ورد (هذا) بمعنى (ذلك) في الحديث الشريف، قال ﵇ في حديث أُمِّ حَرَام: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج البحر" (١٢). قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، أي: "لاشكّ فيه، ولا ارتياب به" (١٣). قال أبو الدرداء: "الريب- يعني الشك- من الكفر" (١٤). قال الثعلبي: أي" لا شكّ فيه، إنّه من عند الله" (١٥).

стр. 297

قال ابن كثير: أي: " لا شك فيه أنه نزل من عند الله، كما قال تعالى في السجدة: ﴿الم * تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ١، ٢] " (١). قال البغوي: أي: " لا شك فيه أنه من عند الله وأنه الحق والصدق" (٢). قال ابن عطية: " والمعنى: أنه في ذاته لا ريب فيه وإن وقع ريب للكفار" (٣). قال القاسمي: أي" لا شك أنه [أي القرآن] من عند الله تعالى" (٤). وقال الزمخشري: "الريبة: قلق النفس وااضطرابها" (٥). قال السعدي: "ونفي الريب عنه، يستلزم ضده، إذ ضد الريب والشك اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب، وهذه قاعدة مفيدة، أن النفي المقصود به المدح، لا بد أن يكون متضمنا لضده، وهو الكمال، لأن النفي عدم، والعدم المحض، لا مدح فيه" (٦). قال ابن عثيمين: " و"الريب" هو الشك؛ ولكن ليس مطلق الشك؛ بل الشك المصحوب بقلق لقوة الداعي الموجب للشك؛ أو لأن النفس لا تطمئن لهذا الشك؛ فهي قلقة منه. بخلاف مطلق الشك.؛ ولهذا من فسّر الريب بالشك فهذا تفسير تقريبي؛ لأن بينهما فرقاً" (٧). وقرأ ابن كثير قوله تعالى: ﴿فيه﴾ [البقرة: ٢]، "بالإشباع في الوصل، وكذلك كل (هاء) كناية قبلها ساكن يشبعها وصلا ما لم يلقها ساكن ثم إن كان الساكن قبل الهاء ياء يشبعها بالكسرة (ياء) وإن كان غير (ياء) يشبعها بالضم (واوا)، ووافقه حفص في قوله "فيه مهانا"﴾ [الفرقان: ٦٩]، فيشبعه" (٨). قال ابن كثير: "ومن القراء من يقف على قوله: ﴿لا رَيْبَ﴾، ويبتدئ بقوله: ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، والوقف على قوله تعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، أولى للآية التي ذكرنا، ولأنه يصير قوله: ﴿هُدًى﴾ صفة للقرآن، وذلك أبلغ من كون: ﴿فِيهِ هُدًى﴾ " (٩). وقد ذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] ثلاثة أوجه: أحدها: أن (الريب)، هو الشك، وهو قول ابن عباس (١٠)، فـ (الريب)، مصدر من (راب)، وهو أن تتوهم في الشيء أمراً ما، ثم ينكشف عما توهمت فيه، والأرابة أن تتوهمه، فينكشف بخلاف ما توهمت، ولهذا قيل: " القرآن فيه أرابة وليس فيه ريب" (١١)، ومن ذلك قول ساعدة بن جُؤَيَّة الهذليّ (١٢): فقالوا: تَرَكْنَا الحَيَّ قد حَصِرُوا به ... فلا رَيْبَ أنْ قد كان ثَمَّ لَحِيمُ ومنه قول عبد الله بن الزِّبَعْرَى (١٣): لَيْسَ في الْحَقِّ يَا أُمَيْمَةُ رَيْبٌ ... إِنَّمَا الرَّيْبُ مَا يَقُولُ الْجَهُولُ فالقرآن لا شك ولا ريب أنه موحى من عند الله، كما قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢]، فهذا الكتاب "مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب أن النفي المقصود به المدح، لا بد أن يكون متضمنا لضده، وهو الكمال، لأن النفي عدم، والعدم المحض، لا مدح فيه" (١٤)، وأن

стр. 298

التنويه بهذا الكمال يستوجب حمد الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١]. قال ابن الأثير: "الريب هو بمعنى الشك .. يقال: رابني الشىء وأرابني، بمعنى: شككنى، وقيل: أرابني في كذا، أي: شككنى وأوهمني الريبة فيه، ومنه الحديث: "دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ" (١)، أَي دع ما تشك فيه إلى ما لا تشك فيه" (٢)، ومنه " ومنه: ريب الزمان، وهو ما يقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه" (٣). وتجدر الإشارة بأن شيخ الاسلام ابن تيمية قد فرّق بين الشك والريب، بأن الريب يكون في علم القلب، وفي عمل القلب، بخلاف الشك، لايكون إلا في العلم (٤). والثاني: أن (الريب): التهمة، ومنه قول جميل (٥): بُثَيْنَةُ قالتْ: يا جَمِيلُ أَرَبْتَنِيُ ... فَقُلْتُ: كِلانَا يَا بُثَيْنَ مُرِيب والثالث: أن (الريب): هو الحاجة، قال ابن فارس: "يقال: إن الريب الحاجة. وهذا ليس ببعيد؛ لأن طالب الحاجة شاك، على ما به من خوف الفوت" (٦)، ومنه قول كعب بن مالك (٧): قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ ... وخيبَر ثمَّ أَجْمَمْنَا السّيُوفا أي: انتهينا من الحاجات بالسيوف، ففتحنا نجد بالإسلام وفتحنا تهامة (٨). واختلف أهل العلم في الفرق بين (راب) و (أراب)، على قولين: أحدهما: أن الكلمتين مختلفتين في المعنى، قال: سيبويه: " (أراب) الرجل أي: صار صاحب ريبة. كما قالوا: ألام، أي: استحق أن يلام، وأما (رابني) فمعناه: جعل في ريبة، كما تقول: قطعت النخل، أي: أوصلت إليه القطع، واستعملته فيه" (٩). وقال أبو زيد (١٠): "قد رابني من فلان أمر رأيته منه رَيْبًا، إذا كنت مستيقنا منه بالريبة، فإذا أسأت به الظن ولم تستيقن بالريبة منه قلت: قد أرابني من فلان أمر هو فيه، إذا ظننته من غير أن تستيقنه" (١١). والثاني: وقال آخرون (١٢) بأن: (راب) و (أراب) بمعنى واحد، وأنشدوا قول خالد بن زهير الهذلي (١٣):

стр. 299

كأنّني أربته بريب قال الواحدي: " والحذاق على الفرق بينهما" (١). وقال الأزهري: "والقول في (راب وأراب) قول أبي زيد حسن" (٢). واختلف في قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنها جملة خبرية تفيد النفي، والمعنى: "ليس فيه ريب أبداً" (٣)، والثاني: وقيل: أن الخبر هنا بمعنى النهي. أي "لا ترتابوا فيه" (٤)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي: "لا ترفثوا ولا تفسقوا" (٥). والذي أوجب أن يفسروا النفي بمعنى النهي قالوا: لأنه قد حصل فيه ريب من الكفار، والمنافقين؛ قال تعالى: ﴿فهم في ريبهم يترددون﴾ [التوبة: ٤٥]؛ فلا يستقيم النفي حينئذ؛ وتكون هذه القرينة الواقعية من ارتياب بعض الناس في القرآن قرينةً موجبة لصرف الخبر إلى النهي (٦). والثالث: وقيل: أنه مخصوص والمعنى: لا ريب فيه عند المؤمنين (٧). قال ابن عطية: "وهذا ضعيف" (٨). والقول الأول أبلغ، ويدل عليه الظاهر (٩). والله أعلم. قال الراغب: " إن قيل: كيف نفى الريب عنه، وقد علم تشكك كثير من الناس فيه؟ قيل: في ذلك أجوبة: الأول: إن ذلك نفي على معنى النهي نحو قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، بدلالة قوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ وقوله: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ فإن قيل: الشك لا يقصده الإنسان، فكيف ينهى عنه؟ قيل: اللفظ لذلك، والمعنى حث على التدبر والتفكر النافيين للشك.

стр. 300

والثاني: أنه يقال: رابني كذا، إذا تحققت منه الريبة، وأرابني: أوهمني الريبة. قال الشاعر (١): أَخُوكَ الَّذِي إِنْ رِبْتَهُ قَالَ إِنَّمَا ... أَرَبْتَ وَإِنْ عَاتَبْتَهُ لَانَ جَانِبُهُ فالقرآن لا ريب فيه، وإن كان فيه ارتياب من بعض الكفار. والثالث: أنه يقال: هذا لا ريب فيه، والقصد إلى أنه حق، تنبيهاً أن الريب يرتفع عن عند التدبير والتأمل. والرابع: أنه لا ريب في كونه مؤلفاً من حروف التهجي وقد عجزتم عن معارضته. والخامس: لا ريب فيه للمتقين، ويكون خبر ﴿لا ريب فيه﴾ قوله تعالى: ﴿للمتقين﴾ و ﴿هدى﴾، نصب على الحال أو خبر ابتداء مضمر في موضع الحال" (٢). قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، " أي هادٍ للمؤمنين المتقين" (٣). قال البغوي: " أي رشد وبيان لأهل التقوى" (٤). قال القاسمي: " أي: هاد لهم ودالّ على الدين القويم المفضي إلى سعادتي الدارين" (٥). قال الواحدي: " ومعنى الهدى: البيان، لأنه قد قوبل به الضلال في قوله ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، أي: من قبل هداه" (٦). وقال ابن عطية: "و ﴿هُدىً﴾، معناه رشاد وبيان" (٧). وقال الآلوسي: " وخص المتقين بالذكر تشريفاً لهم" (٨). وقال ابن كثير: " وخصّت الهداية للمتَّقين، كما قال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. ﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنه هو في نفسه هدى، ولكن لا يناله إلا الأبرار، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] " (٩). وقال الشنقيطي: " قوله تعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، صرح في هذه الآية بأن هذا القرءان ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويفهم من مفهوم الآية أعني مفهوم المخالفة المعروف بدليل الخطاب أن غير المتقين ليس هذا القرءان هدى لهم وصرح بهذا المفهوم في آيات أخر كقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]، وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]،

стр. 301

وقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤] الآيتين (١)، ومعلوم أن المراد بالهدى في هذه الآية الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق إلى دين الحق لا الهدى العام الذي هو إيضاح الحق" (٢). وقال السعدي: " والهدى: ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه، وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة، وقال ﴿هُدًى﴾ وحذف المعمول، فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية، ولا للشيء الفلاني، لإرادة العموم، وأنه هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية، ومبين للحق من الباطل، والصحيح من الضعيف، ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم، في دنياهم وأخراهم، وقال في موضع آخر: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ فعمم، وفي هذا الموضع وغيره ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق. فالأشقياء لم يرفعوا به رأسا، ولم يقبلوا هدى الله، فقامت عليهم به الحجة، ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر، لحصول الهداية، وهو التقوى التي حقيقتها: اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه، بامتثال أوامره، واجتناب النواهي، فاهتدوا به، وانتفعوا غاية الانتفاع. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية، والآيات الكونية" (٣). قال الناصر في الانتصاف: الهدى يطلق في القرآن على معنيين: أحدهما: الإرشاد وإيضاح سبيل الحق، ومنه قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [فصلت: ١٧]. وعلى هذا يكون الهدى للضالّ باعتبار أنه رشد إلى الحق، سواء حصل له الاهتداء أو لا. والآخر: خلق الله تعالى الاهتداء في قلب العبد، ومنه أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠]، فإذا ثبت وروده على المعنيين فهو في هذه الآية يحتمل أن يراد به المعنيان جميعا" (٤). وعلى القول الأول، فتخصيص الهدى بالمتقين للتنويه بمدحهم حتى يتبيّن أنهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به، كما قال تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [النازعات: ٤٥]، وقال إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [يس: ١١]، وقد كان، ﵌، منذرا لكل الناس، فذكر هؤلاء لأجل أنهم هم الذين انتفعوا بإنذاره. وهذه الآية نظير آية: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤]، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء: ٨٢]. وكقوله عالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧]، إلى غير ذلك، مما دلّ على أن النفع به لا يناله إلا الإبرار. والمراد بالمتقين- هنا- من نعتهم الله تعالى بقوله (٥). واختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، على وجوه: أحدها: معناه: الهدى من الضلالة. قاله الشعبي (٦). والثاني: نور للمتقين. قاله السدي (٧)، وابن مسعود (٨). والثالث: تبيانا للمتقين. قاله سعيد بن جبير (٩). كما وتعددت أقوال أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وذكروا وجوها:

стр. 302

أحدها: المتقون: " قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة". قاله معاذ بن جبل (١)، وري عن ابن عباس (٢) مثل ذلك. الثاني: التقوى ترك ما لا بأس فيه حذرا لما به البأس. رواه عطية بن السعدي عن رسول الله ﷺ (٣). والثالث: المتقون: " أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه". قاله ابن عباس (٤). الرابع: المتقون: "هم المؤمنون". قاله السدي (٥)، وابن مسعود (٦)، وروي عن قتادة (٧) مثل ذلك. والخامس: هم الذين يجتنبون الكبائر. حكي ذلك عن الكلبي (٨). والسادس: هم الذين "اتَّقَوْا ما حُرِّم عليهم، وأدَّوا ما افتُرِض عليهم". قاله الحسن (٩). والسابع: وقيل معناه: هدى للمتقين والكافرين، فاكتفى بأحد الفريقين من الآخر، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ] وقوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] أراد وأخرى غير قائمة. وقال أبو ذؤيب (١٠): عصاني إليها القلب إني لأمره ... فَمَا أَدْرى أَرُشْدٌ طِلابُهَا وأراد: أم غيّ (١١). والدليل على هذا: أنه قال في موضع آخر: ﴿هُدًى لِّلنَّاسَ﴾ [آل عمران: ٤] (١٢)، فجعله هدى للناس عاما، على أنه ليس في الإخبار أنه ﴿هُدًى للِمُتَّقِينَ﴾ ما يدل على أنه ليس هدى لغيرهم (١٣). والراجح أن المراد عموم التقوى، فالمتقون هم "الذين يتقون الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، كان ذلك وقاية بينهم وبين عذاب الله" (١٤)، قال الطبري: "وأولى التأويلات بقول الله جل ثناؤه ﴿هدى للمتقين﴾، تأويلُ من وصَف القومَ بأنهم الذين اتَّقوُا اللهَ ﵎ في ركوب ما نهاهم عن ركوبه، فتجنبوا معاصِيَه، واتَّقوْه فيما أمرهم به من فرائضِه، فأطاعوه بأدائها" (١٥). قال ابن عاشور: " في بيان كون القرآن هدى وكيفية صفة المتقي معان ثلاثة: الأول: أن القرآن هدى في زمن الحال لأن الوصف بالمصدر عوض عن الوصف باسم الفاعل وزمن الحال هو الأصل في اسم الفاعل والمراد حال النطق. والمتقون هم المتقون في الحال أيضا لأن اسم الفاعل حقيقة

стр. 303

في الحال كما قلنا، أي أن جميع من نزه نفسه وأعدها لقبول الكمال يهديه هذا الكتاب، أو يزيده هدى كقوله تعالى: والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم [محمد: ١٧]. الثاني: أنه هدى في الماضي أي حصل به هدى أي بما نزل من الكتاب، فيكون المراد من المتقين من كانت التقوى شعارهم أي أن الهدى ظهر أثره فيهم فاتقوا وعليه فيكون مدحا للكتاب بمشاهدة هديه وثناء على المؤمنين الذين اهتدوا به وإطلاق المتقين على المتصفين بالتقوى فيما مضى، وإن كان غير الغالب في الوصف باسم الفاعل إطلاق يعتمد على قرينة سياق الثناء على الكتاب. الثالث: أنه هدى في المستقبل للذين سيتقون في المستقبل وتعين عليه هنا قرينة الوصف بالمصدر في هدى لأن المصدر لا يدل على زمان معين. حصل من وصف الكتاب بالمصدر من وفرة المعاني ما لا يحصل، لو وصف باسم الفاعل فقيل هاد للمتقين، فهذا ثناء على القرآن وتنويه به وتخلص للثناء على المؤمنين الذين انتفعوا بهديه، فالقرآن لم يزل ولن يزال هدى للمتقين، فإن جميع أنواع هدايته نفعت المتقين في سائر مراتب التقوى، وفي سائر أزمانه وأزمانهم على حسب حرصهم ومبالغ علمهم واختلاف مطالبهم، فمن منتفع بهديه في الدين، ومن منتفع في السياسة وتدبير أمور الأمة، ومن منتفع به في الأخلاق والفضائل، ومن منتفع به في التشريع والتفقه في الدين، وكل أولئك من المتقين وانتفاعهم به على حسب مبالغ تقواهم. وقد جعل أئمة الأصول الاجتهاد في الفقه من التقوى، فاستدلوا على وجوب الاجتهاد بقوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: ١٦] فإن قصر بأحد سعيه عن كمال الانتفاع به، فإنما ذلك لنقص فيه لا في الهداية، ولا يزال أهل العلم والصلاح يتسابقون في التحصيل على أوفر ما يستطيعون من الاهتداء بالقرآن" (١). و(الهُدَى) في اللغة: "الرشاد والدلالة (٢). و(التقوى) لغة: قلة الكلام (٣)، وهو مأخوذ من: اتقاء المكروه بما تجعله حاجزا بينك وبينه (٤)، كما قال النابغة (٥): سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد وقال آخر (٦): فألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كف ومعصم ومنه قول خفاف بن ندبة (٧):

стр. 304

جَلَاهَا الصَّيْقَلُونَ فَأخْلَصوهَا ... خِفَافاً كُلُّهَا يَتَّقِي بِأَثْرِ أي: كلها يستقبلك بفرنده (١). ومنه قول أوس بن حجر (٢): تَقَاكَ بِكَعْب وَاحِدٍ وَتَلَذُّهُ ... يَدَاكَ إذَا مَا هُزَّ بالكَفِّ يَعْسِلُ أي اتقاك، ومعناه: جعل بينك وبينه كعبا واحدا، يصف رمحا، يقول: كأنه كعب واحد، إذا هززته اهتز كله (٣). ومنه قول البراء: " كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، يعني النبي ﷺ " (٤). قال الواحدي: " الاتقاء في اللغة: الحجز بين الشيئين، يقال: اتقاه بترسه، أي: جعل الترس حاجزا بينه وبينه، واتقاه بحقه، إذا وفاه، فجعل الإعطاء وقاية بينه وبين خصمه عن نيله إياه بيده أو لسانه، ومنه (التقية في الدين) بجعل ما يظهره حاجزا بينه وبين ما يخشاه من المكروه" (٥). وسأل عمر بن الخطاب ﵁ أُبيا عن التقوى، فقال: "هل أخذت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم: قال فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى" (٦). وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه (٧): خل الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى و(التقوى) في اصطلاح الشرع هو: "اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه" (٨)، قال رسول الله ﷺ : "التقي مُلْجَم والمتقي فوق المؤمن والطائع" (٩). قال الراغب: الوقاية: هي حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، وهي بهذا المعنى مصدر مثل الوِقَاء، وعلى ذلك قوله : " ووقاهم عذاب السعير"، والتقوى: جعل النفس في وقاية مما يخاف، هذا تحقيقه، ثم يسمى الخوف تارة تقوى، والتقوى خوفاً، حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه، والمقتضي للشيء بمقتضاه" (١٠). وقيل: التقوى في الطاعة، يراد بها الإخلاص، وفي المعصية يراد به الترك والحذر، وقيل: هي الإحتراز بطاعة الله عن عقوبته، وصيانة النفس عما تستحق به العقوبة من فعل أو ترك. وقيل: هي المحافظة على آداب الشريعة ومجانبة كل ما يبعد المرء عن الله تعالى، وقيل: ترك حظوظ النفس ومباينة الهوى (١١).

стр. 305

وقال المباركفوري -رحمه االله-: "المتقي: من يترك ما لا بأس به خوفًا مما فيه بأس" (١). وقد يرد لفظ التقوى في القرآن الكريم على أوجه، منها: ١ - الخوف والخشية، كما في قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ [الحج: ١]. ٢ - ومنها: العبادة، كما في قوله تعالى: ﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لاإله إلا أنا فاتقون﴾ [النحل: ٢]. ٣ - ومنها: ترك المعصية، كما في قوله تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ [البقرة: ١٨٩]، أي لا تعصوه. ٤ - ومنها: التوحيد، كما في قوله تعالى: ﴿أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾ [الحجرات: ٣]، أي للتوحيد. ٥ - ومنها: الإخلاص، كما في قوله سبحانه: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج: ٣٢]. وعند ابن القيم، للتقوى ثلاثة مراتب (٢): إحداها: حميّة القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات. والثانية: حميّتها عن المكروهات. والثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني. قال ابن القيم: "فالأولى تعطي العبد حياته، والثانية تفيده صحته وقوته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته" (٣). ولا شك بأن التقوى من أوجب الواجبات وقد دل على ذلك نصوص كثيرة من القرآن الكريم والسنة الصحيحة وكلام السلف الصالح، قال القرطبي: "الأمر بالتقوى كان عاما لجميع الأمم" (٤). قال ابن تيمية ﵀: "والتقوى واجبة على الخلق، وقد أمر االله بها ووصى بها في غير موضع، وذم من لا يتقي الله، ومن استغنى عن تقواه توعده" (٥). كما أن النبي ﷺ قد أمر بالتقوى، فعن أبي ذر-﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اتَّقِ اللهَ حيثُ كنتَ " (٦)، فاجتمع الكتاب والسنة على إيجاب التقوى والأمر بها. وذكر أبو إسحاق، بأن قوله تعالى ﴿هُدًى﴾، موضعه النصب من وجهين (٧): أحدهما: أن يكون منصوبا على الحال من قولك: القرآن ذلك الكتاب هدى، فيكون حالا من الكتاب، كأنك قلت: هاديا؛ لأن (هدى) جاء بعد تمام الكلام، والعامل فيه يكون معنى الإشارة في ذلك. والثاني: أن يكون منصوبا على الحال من (الهاء) في قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ كأنك قلت: لا شك فيه هاديا، والعامل فيه معنى ريب. وقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ "يدغم الغنة عند (اللام) و (الراء) أبو جعفر وابن كثير وحمزة والكسائي، زاد حمزة والكسائي عند (الياء)، وزاد حمزة عند (الواو)، والآخرون لا يدغمونها ويخفي أبو جعفر (النون) والتنوين عند (الخاء) و (الغين) " (٨). الفوائد: ١ من فوائد الآية: بيان علوّ القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك﴾؛ فالإشارة بالبعد تفيد علوّ مرتبته؛ وإذا كان القرآن عالي المكانة والمنزلة، فلا بد أن يعود ذلك على المتمسك به بالعلوّ والرفعة؛ لأن الله

стр. 306

يقول: ﴿ليظهره على الدين كله﴾ [التوبة: ٣٣]؛ وكذلك ما وُصِف به القرآن من الكرم، والمدح، والعظمة فهو وصف أيضاً لمن تمسك به. ٢ ومنها: رفعة القرآن من جهة أنه قرآن مكتوب معتنٍ به؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب﴾؛ وقد بيّنّا أنه مكتوب في ثلاثة مواضع: اللوح المحفوظ، والصحف التي بأيدي الملائكة، والمصاحف التي بأيدي الناس. ٣ ومن فوائد الآية: أن هذا القرآن نزل من عند الله يقيناً؛ لقوله تعالى: (لا ريب فيه) ٤ ومنها: أن المهتدي بهذا القرآن هم المتقون؛ فكل من كان أتقى لله كان أقوى اهتداءً بالقرآن الكريم؛ لأنه عُلِّق الهدى بوصف؛ والحكم إذا عُلق بوصف كانت قوة الحكم بحسب ذلك الوصف المعلَّق عليه؛ لأن الوصف عبارة عن علة؛ وكلما قويت العلة قوي المعلول. ٥ ومن فوائد الآية: فضيلة التقوى، وأنها من أسباب الاهتداء بالقرآن، والاهتداء بالقرآن يشمل الهداية العلمية، والهداية العملية؛ أي هداية الإرشاد، والتوفيق. فإن قيل: ما الجمع بين قوله تعالى: ﴿هدًى للمتقين﴾، وقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدًى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾؟ (البقرة: ١٨٥). فالجواب: أن الهدى نوعان: عام، وخاص؛ أما العام فهو الشامل لجميع الناس وهو هداية العلم، والإرشاد؛ ومثاله قوله تعالى عن القرآن: ﴿هدًى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى عن ثمود: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]؛ وأما الخاص فهو هداية التوفيق: أي أن يوفق الله المرء للعمل بما علم؛ مثاله: قوله تعالى ﴿هدًى للمتقين﴾، وقوله تعالى: ﴿قل هو للذين آمنوا هدًى وشفاء﴾ [فصلت: ٤٤]. القرآن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣] التفسير: وهم الذين يُصَدِّقون بالغيب الذي لا تدركه حواسُّهم ولا عقولهم وحدها؛ لأنه لا يُعْرف إلا بوحي الله إلى رسله، مثل الإيمان بالملائكة، والجنة، والنار، وغير ذلك مما أخبر الله به أو أخبر به رسوله، وهم مع تصديقهم بالغيب يحافظون على أداء الصلاة في مواقيتها أداءً صحيحًا وَفْق ما شرع الله لنبيه محمد ﷺ ، ومما أعطيناهم من المال يخرجون صدقة أموالهم الواجبة والمستحبة. واختلف المفسرون، فِيمَنْ نزلت هاتان الآيتان فيه، على ثلاثة أقوال (١): أحدها: أنها نزلت في مؤمني العرب دون غيرهم، لأنه قال بعد هذا ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، يعني به أهْلَ الكتاب، وهذا قول ابن عباس (٢)، وروي عن ابن مسعود (٣)، مثل ذلك. والثاني: أنها مع الآيتين اللتين من بعد أربع آيات نزلت في مؤمني أهل الكتاب خاصة، لأنه ذكرهم في بعضها. والثالث: أن الآيات الأربع من أول السورة، نزلت في جميع المؤمنين، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: "نزلت أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثَلاث عَشْرَةَ في المُنافقين" (٤). وروي عن الربيع (٥) مثل ذلك. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، "أي يقرون بما غاب عنهم مما أخبر الله به عن نفسه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وغير ذلك مما أخبر الله به من أمور الغيب" (٦).

стр. 307

وروي " عن أبي العالية في قوله: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾، قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه. ويؤمنون بالحياة بعد الموت، وبالبعث. فهذا غيب كله" (١). وقال السدي: " أما الذين يؤمنون بالغيب فهم المؤمنون من العرب، أما الغيب: فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار وما ذكر في القرآن، لم يكن تصديقهم بذلك من قبل أصل كتاب أو علم كان عندهم" (٢). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبَ﴾ [البقرة: ٣]، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يصدقون بالغيب، وهذا قول ابن عباس (٣)، وعبدالله (٤). والثاني: يخشون بالغيب، وهذا قول الربيع بن أنس (٥). والثالث: وقيل: الإيمان: العمل. قاله الربيع (٦). وقد ذكر أهل العلم في الأصل (الإيمان)، ثلاثة أقوال (٧): أحدها: أن أصله التصديق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، يعني: "وما أنت بمصدِّق لنا في قولنا" (٨). قال الأزهري: اتفق العلماء (٩) من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه: التصديق، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [يوسف: ١٧] " (١٠). ثم قال: وإنما قلت: إن المؤمن معناه: المصدق، لأن الإيمان مآخوذ من الأمانة، والله يتولى علم السرائر ونية العقد، وجعل تصديقه أمانة ائتمن كل من أسلم على تلك الأمانة، فمن صدق بقلبه فقد أدى الأمانة، ومن كان قلبه على خلاف ما يظهره بلسانه فقد خان، والله حسيبه، وإنما قيل للمصدق: مؤمن، وقد آمن؛ لأنه دخل في أداء الأمانة التي ائتمنه الله عليها (١١). وأنشد ابن الأنباري على أن (آمن) معناه: صدّق (١٢) قول الشاعر (١٣): وَمِنْ قَبْلُ آمنَّا وَقَدْ كَانَ قَوْمُنَا ... يُصلُون للأوْثَانِ قَبْلُ مُحَمَّدَا معناه: من قبل آمنا محمدا، [أي صدقنا محمدا] فمحمدا منصوب بمعنى التصديق (١٤). والثاني: أن أصله: (الأمان)، فالمؤمن يؤمن نفسه من عذاب الله، والله المؤمِنُ لأوليائه من عقابه. قال أبو علي الفارسي: "ويجوز من حيث قياس اللغة، أن يكون (آمن) [صار ذا أمن]، مثل: أجدب، وأعاه، أي: صار ذا عاهة في ماله، فكذلك (آمن) صار ذا (أمن) في نفسه وماله بإظهار الشهادتين، كقولهم: أسلم، أي: صار ذا سلم، وخرج عن أن يكون حربا مستحل المال والدم" (١٥).

стр. 308

والثالث: أن أصله (الطمأنينة)، فقيل للمصدق بالخبر مؤمن، لأنه مطمئن. قال الواحدي: "وأصله [أي الإيمان] في اللغة: الطمأنينة إلى الشيء، من قولهم: أمن يأمن أمنا، إذا اطمأن وزال الخوف عنه، وآمنت فلانا، إذا جعلته يطمئن وتسكن نفسه. وآمن بالله ورسوله إذا صدقهما واثقا بذلك مطمئنا إليه" (١). وقال البغوي: " وحقيقة الإيمان التصديق بالقلب. وهو في الشريعة: الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان، فسمي الإقرار والعمل إيمانا؛ لوجه من المناسبة، لأنه من شرائعه، والإسلام: هو الخضوع والانقياد، فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا، إذا لم يكن معه تصديق، قال الله تعالى "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا" (١٤ - الحجرات) وذلك لأن الرجل قد يكون مستسلما في الظاهر غير مصدق في الباطن. وقد يكون مصدقا في الباطن غير منقاد في الظاهر" (٢). وفي (الإيمان) ثلاثة أقاويل (٣): أحدها: أنّ الإيمان اجتناب الكبائر. والثاني: أن كل خصلة من الفرائض إيمان. والثالث: أن كل طاعةٍ إيمان. وذكر أهل التفسير في معنى ﴿الغيب﴾ [البقرة: ٣]، ثلاثة أقوال: أحدها: ما جاء من عند الله، وهو قول ابن عباس (٤)، وروي نحوه عن عطاء (٥)، واسماعيل بن أبي خالد (٦). والثاني: أنه القرآن، وهو قول زر بن حبيش (٧). والثالث: الإيمان بالجنة والنار والبعث والنشور. قاله قتادة (٨)، والربيع (٩)، وأبي العالية (١٠)، والسدي (١١)، وروي عن زيد بن أسلم (١٢)، وإبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري (١٣)، مثل ذلك. قال ابن عطية: " وهذه الأقوال لا تتعارض، بل يقع الغيب على جميعها" (١٤). قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣]، " أي يؤدونها على الوجه الأكمل بشروطها وأركانها، وخشوعها وآدابها" (١٥). قال البغوي: " أي يديمونها ويحافظون عليها في مواقيتها بحدودها، وأركانها وهيئاتها" (١٦). وروي عن ابن عباس، في قوله تعالى ﴿ويقيمون الصلاة﴾، قال: "الذين يقيمون الصلاةَ بفرُوضها" (١٧). وأخرج الطبري بسنده " عن الضحاك في قوله: ﴿الذين يقيمون الصلاة﴾: يعني الصلاة المفروضة" (١٨).

стр. 309

وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُون الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]، قولان (١): أحدهما: يؤدونها بفروضها. قاله ابن عباس (٢). والثاني: أنه إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع فيها، قاله قتادة (٣)، ومقاتل بن حيان (٤)، وحكي عن ابن عباس مثل ذلك (٥). وقد اختلف في أصل (الصلاة)، على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنها: الدُّعاءُ، كما قال الأعشى (٦): لَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَهَا ... وَإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا يعني بذلك: دعا لها، وكقول الأعشى أيضًا (٧): وَقَابَلَهَا الرِّيحَ فِي دَنِّهَا ... وصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ قال الطبري: " وأرى أن الصلاة المفروضة سُمِّيت " صلاة "، لأنّ المصلِّي متعرِّض لاستنجاح طَلِبتَه من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل رَبَّه من حاجاته، تعرُّضَ الداعي بدعائه ربَّه استنجاحَ حاجاته وسؤلَهُ" (٨). الثاني: أنها من الرحمة. قاله أبو عبية (٩)، واحتجّ بقول الأعشى (١٠): تقولُ بنتي وقد قَرّبْتُ مُرْتَحِلًا ... يا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأوصابَ والوجعا عليكِ مِثْلُ الذي صلَّيتِ فاغتمضي ... نومًا فإنّ لجنب المرء مضطجَعا قال: عليك مثل دعائك، أي: ينالك من الخير مثل الذي أردت لي. فأبو عبيدة يجعل صليت بمعنى: ترحمت (١١). والقولان: الأول والثاني: قريبان من البعض، " لأن المترحم على الإنسان داعٍ له، والداعي للإنسان مترحّم عليه" (١٢). والثالث: أنها: مأخوذة من: الصّلا، وهو عرق في وسط الظهر، ويفترق عند العجب فيكتنفه، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل، لأنه يأتي مع صلوي السابق، فاشتقّت الصلاة منه، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلّي من الخيل، وإما لأن الراكع والساجد صلواه" (١٣). قال ابن عطية: " والقول إنها من الدعاء أحسن (١٤). واختُلف لِمَ سُمِّي فعل (الصلاة) على هذا الوجه إقامةً لها، على قولين (١٥): أحدهما: من تقويم الشيء من قولهم قام بالأمر إذا أحكمه وحافظ عليه. قال الطبري: وإقامة الصلاة: أداؤها بحدودها وفروضها والواجب فيها على ما فُرِضَتْ عليه، كما يقال: أقام القومُ سُوقَهم، إذا لم يُعَطِّلوها من البَيع والشراء فيها (١٦)، وكما قال الشاعر (١٧):

стр. 310

أَقَمْنَا لأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوقَ الـ ... ـضِّرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعَا والثاني: أنه فعل الصلاة سُمِّي إقامة لها، لما فيها من القيام فلذلك قيل: قد قامت الصلاة. قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، " أي: مما أعطيناهم من المال يخرجون" (١). قال الصابوني: "أي ومن الذي أعطيناهم من الأموال ينفقون ويتصدقون في وجوه البر والإِحسان" (٢). قال ابن عطية: " والرزق عند أهل السنة، ما صح الانتفاع به حلالا كان أو حراما، بخلاف قول المعتزلة إن الحرام ليس برزق" (٣). وقال البغوي: " والرزق اسم لكل ما ينتفع به حتى الولد والعبد وأصله في اللغة الحظ والنصيب" (٤). وفي قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، ثلاثة تأويلات: أحدها: إيتاء الزكاة احتساباً لها، وهذا قول ابن عباس (٥). والثاني: نفقة الرجل على أهلِهِ، وهذا قول ابن مسعود (٦)، والسدي (٧). والثالث: التطوع بالنفقة فيما قرب من الله تعالى، وهذا قول الضحاك (٨)، وري عن قتادة (٩) مثل ذلك. الثالث: وقيل: إنه الحقوق الواجبة العارضة في الأموال ما عدا الزكاة (١٠). والراجح أن الآية تعمّ الجميع، "وهذه الأقوال تمثيل لا خلاف" (١١)، فالله تعالى "لم يخصُصْ مدْحَهم ووصفَهم بنوع من النفقات المحمود عليها صاحبُها دونَ نوعٍ بخبر ولا غيره - أنهم موصوفون بجميع معاني النفقات المحمودِ عليها صاحبُها من طيِّب ما رزقهم رَبُّهم من أموالهم وأملاكهم، وذلك الحلالُ منه الذي لم يَشُبْهُ حرامٌ" (١٢). ورجح هذا القول ابن جرير الطبري (١٣) وابن عطية (١٤)، والقرطبي (١٥) والسعدي (١٦). وفي اعراب قوله تعالى ﴿مِن﴾ [البقرة: ٣]، هنا وجهان (١٧): أحدهما: ، أن تكون للبيان.

стр. 311

والثاني: أن تكون للتبعيض: وذلك لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءاً يسيراً من أموالهم، غير ضار لهم ولا مثقل، بل ينتفعون هم بإنفاقه، وينتفع به إخوانهم (١). وكثيراً ما يجمع تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال في القرآن الكريم، وذلك لأن "الصّلاة حقّ الله وعبادته، وهي مشتملةٌ على توحيده والثّناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتّوكّل عليه؛ والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنّفع المتعدّي إليهم، وأولى النّاس بذلك القرابات والأهلون والمماليك، ثمّ الأجانب، فكلٌّ من النّفقات الواجبة والزّكاة المفروضة داخلٌ في قوله تعالى: ﴿وممّا رزقناهم ينفقون﴾ ولهذا ثبت في الصّحيحين عن ابن عمر: أنّ رسول الله ﷺ قال: "بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلّا الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت" (٢)، والأحاديث في هذا كثيرةٌ" (٣). و(الرزق) لغة: قال ابن منظور: رزَق: الرازِق والرزَّاق: في صِفة الله -تعالى- لأنه يَرزُق الخَلق أجمَعين، وهو الذي خلق الأرزاق، وأعطى الخلائق أرزاقها وأوصَلها إليهم، وفَعَّال مِن أبنيَة المبالَغة، والرِّزْق: مَعروف، والأرزاق نوعان: ظاهِرة للأبدان؛ كالأقوات، وباطِنة للقلوب والنفوس؛ كالمَعارِف والعُلوم؛ قال الله -تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] (٤). وقال الراغِب: "الرِّزْق يُقال للعَطاء الجاري تارةً، دُنيويًّا كان أم أُخرويًّا، وللنصيب تارةً، ولِما يَصِل إلى الجوف ويُتغذى به تارةً، يقال: أعطى السلطانُ رِزقَ الجند، ورُزقتُ عِلمًا" (٥). وجاء في "المعجم الوسيط: " (الرزْق) بالفتح مصدر، وبالكَسر اسم الشيء المرزوق، وهو كل ما يُنتفَع به، ويجوز أن يوضَع كل منهما مَوضِع الآخَر، وما يُنتفَع به مما يؤكَل ويُلبَس، وما يصل إلى الجوف ويُتغذَّى به، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]، والمطرُ؛ لأنه سبب الرزق، والعطاءُ أو العطاء الجاري؛ يُقال: كم رِزقك في الشهر؟ : كم راتبك؟ " (٦).

стр. 312

وقال ابن فارس": فالرِّزق: عطاء الله - جل ثناؤه - ويُقال: رزقه الله رزقًا، والاسم: الرِّزْق. [والرِّزق] بلغة أزد شَنُوءة: الشُّكر، مِن قوله - جل ثناؤه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٢]، وفعلتُ ذلك لمَّا رزَقتَني؛ أي: لمَّا شَكرْتَني" (١). نستنتج من المعنى اللغوي بأن معاني الرزق تدور ما بين العطاء وما يُنتفَع به مما يؤكَل. والرزق اصطلاحا: لرزق: اسم لِما يَسوقه الله إلى الحيوان فيأكُله، فيكون متناولاً للحلال والحرام، وعند المعتزلة: عبارة عن مملوك يأكُله المالِك، فعلى هذا لا يكون الحَرام رزقًا. والرِّزق الحسَن: هو ما يصل إلى صاحبه بلا كدٍّ في طلبه، وقيل: ما وُجد غير مُرتقَب، ولا محتسَب، ولا مُكتسَب (٢)، والرِّزق: مُتناوِل للحلال والحرام؛ لأنه اسم لِما يَسوقه الله -تعالى- إلى الحيوان في أكله، أي: يَتناوله، فيشمل المأكولات والمشروبات (٣). ونلاحِظ ارتباط المعنى اللغوي والاصطلاحي للرِّزق؛ بحيث إنه في اللغة يكون بمعنى العطاء، وكذلك في الاصطِلاح هو الوصول، وكلاهما اسم لِما يَسوقه الله - تعالى. ويكمن الفهم الخاطئ في قصر مفهوم الرزق على المعنى المادي المتمثل بالمال أو غيره، بينما الحقيقة التي تشير إليها النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، تؤكد شمول معنى الرزق في الإسلام الأمور المادية والمعنوية. لقد ذكر لفظ «الرزق» في القرآن الكريم (١٢٣) مرة، وكما جاء بمعنى الرزق المادي من مال وطعام ومطر، جاء بمعنى معنوي في أكثر من موضع، كمعنى الثواب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، أي: يثابون على ما قدموا من أعمال وتضحيات. كما فسر الشيخ السعدي مفهوم الرزق الوارد في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (البقرة: ٢١٢)، برزق القلوب من العلم والإيمان وغير ذلك من الأمور المعنوية فقال في تفسير الآية: "فالرزق الدنيوي يحصل للمؤمن والكافر، وأما رزق القلوب من العلم والإيمان ومحبة الله وخشيته ورجائه، ونحو ذلك: فلا يعطيها إلا من يحب" (٤). وفي السنة النبوية ما يشير إلى أن مفهوم الرزق في الإسلام واسع ولا يقتصر على الأمور المادية فحسب، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعود قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ " "إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ؛ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا". " (٥). قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ معلقا على كلمة: «رِزْقه» في الحديث: "الرزق هنا: ما ينتفع به الإنسان وهو نوعان: رزق يقوم به البدن، ورزق يقوم به الدين، والرزق الذي يقوم به البدن: هو الأكل والشرب واللباس والمسكن والمركوب وما أشبه ذلك، والرزق الذي يقوم به الدين: هو العلم، والإيمان، وكلاهما مراد بهذا الحديث" (٦).

стр. 313

وقال ابن عاشور: " والرزق ما يناله الإنسان من موجودات هذا العالم التي يسد بها ضروراته وحاجاته وينال بها ملائمه، فيطلق على كل ما يحصل به سد الحاجة في الحياة من الأطعمة والأنعام والحيوان والشجر المثمر والثياب وما يقتنى به ذلك من النقدين، قال تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ [النساء: ٨]، أي مما تركه الميت- وقال: ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا﴾ [الرعد: ٢٦] وقال في قصة قارون: وآتيناه من الكنوز- إلى قوله- يكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر [القصص: ٧٦ - ٨٢] مرادا بالرزق كنوز قارون وقال: ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض [الشورى: ٢٧] وأشهر استعماله بحسب ما رأيت من كلام العرب وموارد القرآن أنه ما يحصل من ذلك للإنسان، وأما إطلاقه على ما يتناوله الحيوان من المرعى والماء فهو على المجاز، كما في قوله تعالى: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها [هود: ٦] وقوله: وجد عندها رزقا [آل عمران: ٣٧] وقوله: لا يأتيكما طعام ترزقانه [يوسف: ٣٧] " (١). إن المتبادر إلى ذهن كثير من المسلمين اليوم حين يسمعون عن توسعة الله تعالى على فلان أو غيره في الرزق، هو المعنى المادي فحسب، حيث لا يشكون لحظة أن المقصود هو كثرة المال والأمور المادية المشابهة، ولا يخطر ببال أحدهم غير هذا المعنى، إلا من رحم الله ممن آتاه الله علما وفهما وفقها في الدين، والحقيقة أنه قد يكون المقصود بهذه العبارة – بالإضافة لكثرة الرزق المادي - أمور أخرى معنوية هي أهم من المال والمتاع المادي، فقد يكون المقصود الإيمان الصحيح السليم من البدع والمنكرات والشبهات، والذي هو في الحقيقة سبيل النجاة يوم القيامة، أو العلم الذي يبصر الإنسان بحقائق الأشياء، ويرشده إلى ما فيه صلاحه في الدنيا وفلاحه في الآخرة، أو الزوجة الصالحة أو الولد الصالح .. أو غير ذلك من الأمور المعنوية. وإن من أهم آثار قصر مفهوم الرزق على الأمور المادية - والمال بشكل خاص - هو غفلة كثير من المسلمين عن ما رزقهم الله تعالى من أرزاق معنوية ظنوا بسبب فهمهم الخاطئ أنها لا تدخل في مفهوم الرزق، فظنوا أن الله حرمهم الرزق ومنحه لآخرين، بينما الحقيقة أن ما منّ الله به عليهم من رزق في الإيمان والعلم وغير ذلك مما هو باقٍ، يفوق بأضعاف مضاعفة ما رزق غيرهم من مال ومتاع مادي زائل، وبالمقابل فإن إدراك المسلمين للمفهوم الإسلامي الشامل للرزق له نتائجه وآثاره الإيجابية، حيث يسود الرضى عن الله تعالى، وتلهج الألسنة والأفئدة بشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، ورزقه الواسع في جميع المجالات المادية والمعنوية (٢).

стр. 314

الفوائد: ١ من فوائد الآية: أن من أوصاف المتقين الإيمان بالغيب؛ لأن الإيمان بالمُشاهَد المحسوس ليس بإيمان؛ لأن المحسوس لا يمكن إنكاره. ٢ ومنها: أن من أوصاف المتقين إقامة الصلاة؛ وهو عام لفرضها، ونفلها. ويتفرع على ذلك: الترغيب في إقامة الصلاة؛ لأنها من صفات المتقين؛ وإقامتها أن يأتي بها مستقيمة على الوجه المطلوب في خشوعها، وقيامها، وقعودها، وركوعها، وسجودها، وغير ذلك. ٣ ومن فوائد الآيات: أن من أوصاف المتقين الإنفاق مما رزقهم الله؛ وهذا يشمل الإنفاق الواجب كالزكاة، وإنفاقَ التطوع كالصدقات، والإنفاقِ في سبل الخير. ٤ ومنها: أن صدقة الغاصب باطلة؛ لقوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم﴾؛ لأن الغاصب لا يملك المال الذي تصدق به، فلا تقبل صدقته. ٥ ومنها: أن الإنفاق غير الزكاة لا يتقدر بشيء معين؛ لإطلاق الآية، سواء قلنا: إن "مِن" للتبعيض؛ أو للبيان. ويتفرع على هذا جواز إنفاق جميع المال في طرق الخير، كما فعل أبو بكر ﵁ حين تصدق بجميع ماله؛ لكن هذا مشروط بما إذا لم يترتب عليه ترك واجب من الإنفاق على الأهل، ونحوهم؛ فإن ترتب عليه ذلك فالواجب مقدم على التطوع. ٦ ومن فوائد الآية: ذم البخل؛ ووجهه أن الله مدح المنفقين؛ فإذا لم يكن إنفاق فلا مدح؛ والبخل خلق ذميم حذر الله منه في عدة آيات. تنبيه: لم يذكر الله مصرف الإنفاق أين يكون؛ لكنه تعالى ذكر في آيات أخرى أن الإنفاق الممدوح ما كان في سبيل الله من غير إسراف، ولا تقتير، كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ [الفرقان: ٦٧]. القرآن ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ [البقرة: ٤]. التفسير: ومن صفات هؤلاء المتقين أنهم يؤمنون بجميع الكتب المنزلة، فيؤمنون بالكتاب الذي أنزل إليك وهو القرآن، ويؤمنون إيماناً مجملاً بما جاءت به الرسل من قبلك بالكتب السابقة، كالتوراة والإنجيل والزبور

стр. 315

وصحف إبراهيم وموسى وغيرها .. ، لا يفرّقون بين كتب الله ولا بين رسله، و"بدأ بالقرآن مع أنه آخرها زمناً، لأنه مهيمن على الكتب السابقة ناسخ لها" (١). اختلف العلماء في الموصوفين هنا، هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] على قولين: أحدهما: أن الموصوفين أولاً مؤمنوا العرب، والموصوفون ثانياً بقوله ﴿والذين يؤمون بما أنزل إليك .. ﴾، لمؤمني أهل الكتاب (٢)، ورجح هذا القول ابن جرير الطبري ﵀ (٣). والثاني: وقيل: أن هؤلاء هم الموصوفون قبل هذه الآية، وهم مؤمنوا العرب ومؤمنوا أهل الكتاب، ورجح هذا ابن كثير (٤). ويدل لصحة هذا القول أن الله أمر بذلك فقال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]، وقال تعالى ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٥). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤]، " أي يصدقونه بكل ما جئت به عن الله تعالى" (٦). قال ابن عباس: " أي: يصدقونك بما جئت من الله" (٧). قوله تعالى: ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، [البقرة: ٤]، "أي وبما جاءت به الرسل من قبلك، لا يفرّقون بين كتب الله ولا بين رسله" (٨).

стр. 316

قال ابن عباس: أي يصدقونك بما"جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون بما جاءوهم به من ربهم" (١). وقال قتادة: " فآمنوا بالفرقان وبالكتب التي قد خلت قبله من التوراة والزبور والإنجيل" (٢). قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، "أي وبالبعث والنشر هم عالمون" (٣). قال الثعلبي: أي: "يعلمون ويتيقنون أنها كائنة" (٤). قال الصابوني: " أي ويعتقدون اعتقاداً جازماً لا يلابسه شك أو ارتياب بالدار الآخرة التي تتلو الدنيا، بما فيها من بعثٍ وجزاءٍ، وجنةٍ، ونار، وحساب، وميزان" (٥). قال ابن عباس: " أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان" (٦). وقال أهل العلم: " ودخل (هُمْ) تأكيدا، يسمّيه الكوفيون عمادا والبصريون فصلا" (٧). وذكروا في تفسير قوله تعالى ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، وجهين (٨): أحدهما: يعني الدار الآخرة. والثاني: يعني النشأة الآخرة. قال الماوردي: وقوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾، أي يعلمون، فسمي العلم يقيناً لوقوعه عن دليل صار به يقيناً" (٩). و(اليقين): هو العِلم وإزاحة الشكِّ، وتحقيق الأمر (١٠). وربما عبروا باليقين عن الظن، ومنه قول علمائنا في اليمين اللغو: هو أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يتبين له أنه خلاف ذلك فلا شي عليه، قال الشاعر (١١): تحسب هواس وأيقن أنني ... بها مفتد من واحد لا أغامره يقول: تشمم الأسد ناقتي، يظن أنني مفتد بها منه، وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته (١٢). وعرفه الأصفهاني بقوله: "هو سكون الفهم مع ثبات الحكم" (١٣). وقال ابن الجوزي: "اليقين ما حصلت به الثقة وثلج به الصدر وهو أبلغ علم مكتسب" (١٤). قال الجرجاني في تعريف اليقين: هو" طُمأنينة القَلْب، على حقيقة الشيءِ وتحقيق التصديق بالغَيْب، بإزالة كلِّ شكٍّ ورَيْب" (١٥). وفي اليقين لابن أبي الدُّنيا من طِريق العلاء بن عُتْبة: أنَّ النبي ﷺ قال: "اللهمَّ إني أسألك إيمانًا تباشِر به قلْبي، ويَقينًا حتى أعلمَ أنه لا يمنعني رِزقًا قسمتَه لي، ورِضًا من المعيشة بما قسمتَ لي" (١٦).

стр. 317

وقد وردتْ مادة (يَقِنَ) في القرآن الكريم في عِشرين آية باشتقاقات مختلِفة، موزَّعة على أرْبعَ عشرةَ سورة (١). قال ابن عثيمين: " وإنما نص على الإيقان بالآخرة مع دخوله في الإيمان بالغيب لأهميته؛ لأن الإيمان بها يحمل على فعل المأمور، وترك المحظور؛ و "الإيقان" هو الإيمان الذي لا يتطرق إليه شك" (٢). وقوله تعالى: ﴿اليوم الآخر﴾، هو يوم القيامة، و"الآخرة اسم لما يكون بعد الموت، وخصه بالذكر بعد العموم، لأن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان، ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، واليقين: هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، والموجب للعمل" (٣). وفي تسميتها بـ (اليوم الآخر)، أقوال: أحدها: لأنه اليوم الذي لا يوم بعده (٤)، قال الطبري: قال أبو جعفرٍ: أمّا الآخرة، فإنّها صفةٌ للدّار، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وإنّ الدّار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون﴾ وإنّما وصفت بذلك لمصيرها آخرةً لأولى كانت قبلها كما تقول للرّجل: أنعمت عليك مرّةً بعد أخرى فلم تشكر لي الأولى ولا الآخرة. وإنّما صارت الآخرة آخرةً للأولى، لتقدّم الأولى أمامها، فكذلك الدّار الآخرة سمّيت آخرةً لتقدّم الدّار الأولى أمامها، فصارت التّالية لها آخرةً. وقد يجوز أن تكون سمّيت آخرةً لتأخّرها عن الخلق، كما سمّيت الدّنيا دنيا لدنوّها من الخلق" (٥). والثاني: وقيل لتأخرها من الناس، قَالَ النحَّاسُ (ت: ٣٣٨ هـ: ("ثم قال تعالى: ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ سميت "آخرة" لأنها بعد "أولى"، وقيل: لتأخرها من الناس، وجمعها (أواخر) " (٦). والثالث: وقيل لأنها بعد الدنيا، قالَ ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ: ("وإنّما سمّيت الآخرة لأنّها بعد الدّنيا" (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن من أوصاف المتقين الإيمان بما أنزل على الرسول ﷺ وما أنزل من قبله. ٢ - ومنها: أن من أوصاف المتقين الإيقان بالآخرة على ما سبق بيانه في التفسير. ٣ - ومنها: أهمية الإيمان بالآخرة؛ لأن الإيمان بها هو الذي يبعث على العمل؛ ولهذا يقرن الله تعالى دائماً الإيمان به ، وباليوم الآخر؛ أما من لم يؤمن بالآخرة فليس لديه باعث على العمل؛ إنما يعمل لدنياه فقط: يعتدي ما دام يرى أن ذلك مصلحة في دنياه: يسرق مثلاً؛ يتمتع بشهوته؛ يكذب؛ يغش .. ؛ لأنه لا يؤمن بالآخرة؛ فالإيمان بالآخرة حقيقة هو الباعث على العمل. ٤ - قال أهل العلم: و"اليقين ينتظم منه أمران: علم القلب وعمل القلب، فإن العبد قد يعلم علما جازما بأمر ومع هذا فيكون في قلبه حركة واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم كعلم العبد أن الله رب كل شيء ومليكه ولا خالق غيره، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله والتوكل عليه وقد لا يصحبه العمل بذلك، إما لغفلة القلب عن هذا العلم والغفلة هي ضد العلم التام وإن لم يكن ضدا لأصل العلم، وأما للخواطر التي تسنح في القلب من الالتفات إلى الأسباب وإما لغير ذلك" (٨). وهذا اليقين يحصل بثلاثة أشياء كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: أحدها: تدبر القرآن الكريم.

стр. 318

والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبين أنه حق. والثالث العمل بموجب العلم قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] (١). القرآن ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] التفسير: أولئك المتقون وهم "المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق من الذي رزقهم الله والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل والإيقان بالدار الاخرة وهو مستلزم الاستعداد لها من الأعمال الصالحة وترك المحرمات قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ [البقرة: ٥]، أي: "المشار إليه ما تقدم ممن اتصفوا بالصفات الخمس؛ وأشار إليهم بصيغة البعد لعلوّ مرتبتهم" (٢). قال الثعلبي: " ﴿أُولئِكَ﴾: أهل هذه الصفة، و (أولاء): اسم مبني على الكسر، ولا واحد له من لفظه، والكاف خطاب" (٣). قوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤]، أي: على" نور وبيان وبصيرة من الله تعالى" (٤). قال ابن عباس: " أي على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم" (٥). وقال سعيد بن جبير: أي: " على بينة من ربهم" (٦). وعن قتادة: " ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾، قال: قوم استحقوا الهدى والفلاح بحق، فأحقه الله لهم، وهذا نعت أهل الإيمان" (٧). قال الطبري: أي" أنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد، بتسديد الله إياهم، وتوفيقه لهم" (٨). وقال الثعلبي: أي: على: رشد وبيان وصواب" (٩). قال ابن عثيمين: " أي على علم، وتوفيق من خالقهم المدبر لأمورهم" (١٠). وقوله تعالى: ﴿مِن رَّبِّهِمْ﴾ أي: "أوتوه من عنده" (١١). قال الزمخشري: " والنون في: (من ربهم) أدغمت بغنة وبغير غنة. فالكسائى، وحمزة، ويزيد، وورش في رواية والهاشمي عن ابن كثير لم يغنوها. وقد أغنها الباقون إلا أبا عمرو، فقد روى عنه فيها روايتان" (١٢). قال النسفي: " ويجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً بأهل الكتاب الذين لا يؤمنون بنبوة رسول الله ﷺ وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله، ومعنى الاستعلاء في " على هدى " مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به بحيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه نحوه " هو على الحق وعلى الباطل وقد صرحوا بذلك في قولهم: جعل الغواية مركباً، وامتطى الجهل، واقتعد غارب الهوى" (١٣).

стр. 319

وقوله تعالى: " ﴿على﴾ للاستعلاء؛ وتفيد علوهم على هذا الهدى، وسيرهم عليه، كأنهم يسيرون على طريق واضح بيّن؛ فليس عندهم شك؛ تجدهم يُقبلون على الأعمال الصالحة وكأن سراجاً أمامهم يهتدون به: تجدهم مثلاً ينظرون في أسرار شريعة الله، وحِكَمها، فيعلمون منها ما يخفى على كثير من الناس؛ وتجدهم أيضاً عندما ينظرون إلى القضاء والقدر كأنما يشاهدون الأمر في مصلحتهم حتى وإن أصيبوا بما يضرهم أو يسوءهم، يرون أن ذلك من مصلحتهم؛ لأن الله قد أنار لهم الطريق؛ فهم على هدًى من ربهم وكأن الهدى مركب ينجون به من الهلاك، أو سفينة ينجون بها من الغرق؛ فهم متمكنون غاية التمكن من الهدى؛ لأنهم عليه، والربوبية هنا خاصة متضمنة للتربية الخاصة التي فيها سعادة الدنيا، والآخرة" (١). قوله تعالى: ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ [البقرة: ٤]، "أي وأولئك هم الفائزون بالدرجات العالية في جنات النعيم" (٢). قال ابن عباس: " أي الذين أدْركوا ما طلبوا، ونجَوْا من شرّ ما منه هَرَبُوا" (٣). قال ابن كثير: " أي: في الدنيا والآخرة" (٤). قال الثعلبي: " وهم الناجون الفائزون فازوا بالجنّة ونجوا من النار" (٥). قال البغوي: أي: فهم الناجون والفائزون، فازوا بالجنة ونجوا من النار، ويكون الفلاح بمعنى البقاء أي باقون في النعيم المقيم (٦). قال الطبري: " أي أولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنان، والنجاة مما أعد الله ﵎ لأعدائه من العقاب" (٧). قال الزمخشري: " وفي تكرير أولئك تنبيه على أنهم كما ثبتت لهم الأثرة بالهدى، فهي ثابتة لهم بالفلاح فجعلت كل واحدة من الأثرتين في تمييزهم بالمثابة التي لو انفردت كفت مميزة على حيالها" (٨). وقال ابن عثيمين: " وأعيد اسم الإشارة تأكيداً لما يفيده اسم الإشارة الأول من علوّ المرتبة، والعناية التامة بهم كأنهم حضروا بين يدي المتكلم؛ وفيه الفصل بين الغاية، والوسيلة؛ فالغاية: الفلاح؛ ووسيلته: ما سبق، و "الفلاح" هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب؛ فهي كلمة جامعة لانتفاء جميع الشرور، وحصول جميع الخير" (٩). والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، وحصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم، وما عدا تلك السبل، فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك (١٠). وأصل الفلاح: القطع والشق ومنه سمي الزراع فلاحا لأنه يشق الأرض، وقيل لأهل الجنة مفلحون لفوزهم ببقاء الأبد، وفلاح الدهر: بقاؤه، يقال: لا أفعل ذلك فلاح الدهر (١١). واختلف في تفسير (الفلاح) في قوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]، على ثلاثة أقوال (١٢): أحدها: أن (الفلاح): هو الظفر بالبغية وإدراك الأمل، ومنه قول لبيد (١٣): اعْقِلِي, إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي ... وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ

стр. 320

يعني ظَفِر بحاجته وأصابَ خيرًا. ومنه قول الراجز (١): عَدِمتُ أُمًّا ولَدتْ رِياحَا ... جَاءَتْ بِهِ مُفَرْكَحًا فِرْكَاحَا تَحْسِبُ أَنْ قَدْ وَلَدَتْ نَجَاحَا! ... أَشْهَدُ لا يَزِيدُهَا فَلاحَا يعني: "خيرًا وقربًا من حاجتها. والفلاحُ مصدر من قولك: أفلح فلان يُفلح إفلاحًا وفلاحًا وفَلَحًا" (٢)، قال الزمخشري: " والمفلح: الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه. والمفلج - بالجيم - مثله. ومنه قولهم المطلقة: استفلحى بأمرك بالحاء والجيم" (٣). والثاني: وقيل: الفلاح: هو البقاء، وقد ورد ذلك في كلام العرب أشعار، ومن ذلك قول لبيد (٤): نَحُلُّ بِلادًا، كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا ... وَنَرْجُو الْفَلاحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ يريد البقاء، ومنه أيضًا قول عَبيد (٥): أَفْلِحَ بِمَا شِئْتَ، فَقَدْ يُدْرَكُ بِالضَّـ ... ـعْفِ، وَقَدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ يريد: عش وابقَ بما شئت، وكذلك قول نابغة بني ذبيان (٦): وَكُلُّ فَتًى سَتَشْعَبُهُ شَعُوبٌ ... وَإِنْ أَثْرَى، وَإِنْ لاقَى فَلاحًا أي نجاحًا بحاجته وبَقاءً (٧). ومنه قول الأضبط (٨): لكلّ همّ من الهموم سعه ... والصّبح والمسى لا فلاح معه قال ابن عطية: "والبقاء يعمه إدراك الأمل والظفر بالبغية، إذ هو رأس ذلك وملاكه، وحكى الخليل (الفلاح) (٩) على المعنيين" (١٠). الثالث: وقيل: المفلح: هو المقطوع له بالخير (١١)، لأن الفلح في كلامهم القطع (١٢)، وكذلك قيل للأكار فلاح، لأنه يشق الأرض، وقد قال الشاعر (١٣): لَقَدْ عَلِمتَ يا ابنَ أُمِّ صحصحْ ... أن الحديدَ بالحديدِ يُفلحْ أَي: "يُشَقُّ ويُقطع" (١٤).
следующие страницы →