← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وأخرج الحاكم في مستدركه عن ابن عباس في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ قال: "أبو بكر وعمر، ﵄" (١). وقد روى الإمام أحمد بسنده عن عبد الرحمن بن غَنْم: " أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وعمر: «لوِ اجْتَمَعْنا فِي مَشُورَةٍ مَا خَالَفْتُكُمَا» " (٢). وروى ابن مَرْدُويه، عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: "سُئل رسول الله ﷺ عن العَزْم؟ قال: «مُشَاوَرَةُ أهْلِ الرَّأْي ثُمَّ اتِّبَاعُهُمْ» " (٣). وعن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» (٤). وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا اسْتَشَارَ أحَدُكُمْ أخَاهُ فَليشِر عليْهِ» (٥) " (٦). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، "أي: إِذا عقدت قلبك على أمر بعد الاستشارة فاعتمد على الله وفوّض أمرك إِليه" (٧). قال ابن كثير: " أي: إذا شاورتهم في الأمر وعزَمْت عليه فتوكل على الله فيه" (٨). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي: إن الله "يحب المعتمدين عليه، المفوضين أمورهم إِليه" (٩). الفوائد: ١ - بيان رحمة الله تعالى بنبيه- ﷺ وبأمته، وذلك بجعله ليّنا لهم، فهذه رحمة به وبهم. ٢ - أنه ينبغي لمن له سيادة في قومه أن يكون لينا ليتعرض لرحمة الله . ٣ - أن اللين أولا بكثير من الفظاظة والشدة. ٤ - بيان مضار الفظاظة والغلظة، ومن أعظم مضارها نفور الناس عن الإنسان. ٥ - أن الإنسان قد يعذر في الابتعاد عن أهل الخير إذاكانوا جفاة غلاظ القلوب. ٦ - أنه ينبغي للإنسان أن يعفو عن حقّه في معاملة إخوانه، وذلك إذا كان العفو مقيدا بإصلاح، وأما إذا ترتب على العفو زيادة إفساد وطغيان فإن هذه مصلحة تضمنت مفسدة أعظم. ٧ - الأمر بالشورى لما يترتب عليه ومن فوائد، وقد يكون للوجوب أو للاستحباب، حسب الأمر المشاور فيه. ٨ - الاعتماد على الله تعالى في فعل الأسباب، وينبغي على الإنسان إذا عزم على الأمر إلا يتردد. ٩ - إثبات المحبة لله . ١٠ - فضيلة التوكل على الله والحث عليه، لأن الله علّق محبته عليه، والتوكل على الله يكون بقطع الإنسان العلائق مما سوى الله حتى من نفسه، ويفوّض أمره إلى الله تعالى تفويضا كاملا. القرآن ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٦٠] التفسير: إن يمددكم الله بنصره ومعونته فلا أحد يستطيع أن يغلبكم، وإن يخذلكم فمن هذا الذي يستطيع أن ينصركم من بعد خذلانه لكم؟ وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون.

стр. 2557

قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، " إِن أراد الله نصركم فلا يمكن لأحدٍ أن يغلبكم" (١). قال محمد بن إسحاق: " أي: إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس لن يضرك خذلان من خذلك" (٢). قال ابن عثيمين: أي: "إذا قدّر الله نصركم فإته لن يغلبكم أحد" (٣). قال الطبري: أي: " إن ينصركم الله، أيها المؤمنون بالله ورسوله، على من ناوأكم وعاداكم من أعدائه والكافرين به فلا غالب لكم من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد، ولو اجتمع عليكم مَن بين أقطارها من خلقه، فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم وكثرة عددهم، ما كنتم على أمره واستقمتم على طاعته وطاعة رسوله، فإن الغلبة لكم والظفر، دونهم" (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، " أي: وإِن أراد خذلانكم وترك معونتكم فلا ناصر لكم" (٥). قال محمد بن إسحاق: " وإن يخذلك فلن ينصرك الناس، ﴿فمن الذي ينصركم من بعده﴾، أي: لا تترك أمري للناس، وارفض أمر الناس لأمري " (٦). قال الطبري: " يعني: ولكن على ربكم، أيها المؤمنون، فتوكلوا دون سائر خلقه، وبه فارضوا من جميع من دونه، ولقضائه فاستسلموا، وجاهدوا فيه أعداءه، يكفكم بعونه، ويمددكم بنصره" (٧). و"النصر" في الآية الكريمة يحتمل وجهين (٨): أحدهما: المعونة: والمعنى: إن أعانكم الله؛ فلا يغلبكم العدو، ﴿وإن يخذلكم﴾: ولم يعنكم؛ فمن ذا الذي أعانكم سواه؟ ! ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٢]. والثاني: المنع: أي: إن منع الله عنكم العدو، فلا غالب لكم، ﴿وإن يخذلكم﴾: ولم يعنكم، فمن الذي يمنعكم من بعده؟ ! قال الماتريدي: "والخذلان في الحقيقة هو: ترك المأمول منه ما أمل منه، واستعمل في هذا كما استعمل الابتلاء على غير حقيقته" (٩). قال التستري: " الخذلان: هو غاية الترك، وأما الترك فإن صاحبه يذنب وهو مقر بذنبه، فإذا أذنب على أنه ديانة فهو الخذلان، وهو عقوبة الله تعالى صاحب الخذلان لأنه أقامه على ذنبه مع علمه به وتسويفه بالتوبة، ألا ترى أن إبليس لما أبى وأصر عليه بعد الإباء خذله الله بعلمه السابق فيه، لأنه أراد منه ما علم ولم يرد منه ما أمره به، وآدم ﵇ لما لم يكن بالترك مخذولاً أقر بالذنب بعد إتيانه ورجع إلى ربه جل وعز، فقبل توبته" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، " أي: وعلى الله وحده فليلجأ وليعتمد المؤمنون" (١١). قال ابن إسحاق: " ﴿وعلى الله﴾، أي: لا على الناس، ﴿فليتوكل المؤمنون﴾ " (١٢). قال ابن عثيمين: أي: "إذا قدّر الله نصركم فإته لن يغلبكم أحد" (١٣). قال ابن عثيمين: أي: "على الله وحده فليتوكل المؤمنون به " (١٤). الفوائد: ١ - بيان كمال قدرة الله ، لقوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾. ٢ - وجوب تعلّق القلب بالله وحده في طلب الانتصار. ٣ - أن الله إذا قدّر خذلان أحد فلا ناصر له. ٤ - على الإنسان الأخذ بأسباب النصر، ألا وهي: الإخلاص لله ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. ٥ - التحذير من فعل أسباب الخذلان، ومنها: تولي الكفار ومناصرتهم ومعاضدتهم، لأن الاعتماد يكون على الله تعالى وحده لا على الناس. ٦ - وجوب التوكل على الله ، والتوكل من مقتضيات الإيمان. القرآن ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾ [آل عمران: ١٦١] التفسير: وما كان لنبيٍّ أن يَخُونَ أصحابه بأن يأخذ شيئًا من الغنيمة غير ما اختصه الله به، ومن يفعل ذلك منكم يأت بما أخذه حاملا له يوم القيامة; ليُفضَح به في الموقف المشهود، ثم تُعطى كل نفس جزاءَ ما كسبت وافيًا غير منقوص دون ظلم. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج عبد بن حميد والترمذي (١٥) والطبري (١٦) وأبو يعلى (١٧) وابن أبي حاتم (١٨) والطبراني (١٩)، وأبو داود (٢٠)، والواحدي (٢١)، وابن عدي (٢٢)، من طريق خصيف عن مقسم: "حدثني ابن عباس إن هذه الآية نزلت: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: أخذها محمد وأكثروا في ذلك، فأنزل الله ﵎: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ " (٢٣). والثاني: قال مقاتل: " نزلت في الذين طلبوا الغنيمة يوم أحد، وتركوا المركز، وقالوا: إنا نخشى أن يقول النبي- ﷺ من أخذ شيئا فهو له ونحن هاهنا وقوف، فلما رآهم النبي- ﷺ قال: «ألم أعهد إليكم ألا تبرحوا من المركز حتى يأتيكم أمري». قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال النبي- ﷺ : «ظننتم أنا نغل»، فنزلت: ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾ " (٢٤). وكذا نقله الواحدي عن مقاتل والكلبي (٢٥).

стр. 2558

والثالث: أخرج الطبري والواحدي (١) بسندهما عن الضحاك قال: "بعث رسول الله ﷺ طلائع، فغنم النبي ﷺ ، فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله : ﴿وما كان لنبيّ أن يغل﴾ " (٢). الرابع: نقل الواحدي عن ابن عباس في رواية الضحاك: "إن رسول الله ﷺ لما وقع في يده غنائم هوازن يوم حنين غله رجل بمخيط، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٣). قال ابن حجر: " وهذا من تخليط جويبر، فإن هذه الآية نزلت في يوم أحد اتفاقا" (٤). والخامس: ونقل الواحدي أيضا عن قتادة: " نزلت وقد غل طوائف من أصحابه" (٥). والسادس: ونقل الواحدي أيضا عن ابن عباس: "أن أشراف الناس استدعوا رسول الله ﷺ أن يخصصهم بشيء من الغنائم، فنزلت هذه الآية" (٦). قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، " أي: وما صحَّ ولا استقام عقلاً لنبيٍّ من الأنبياء أن يخون في الغنيمة" (٧). قال الزجاج: المعنى" وما كان لنبي أن يخون أمته" (٨). قال المراغي: " أي ما كان من شأن أىّ نبى ولا من سيرته أن يغل، لأن الله عصم أنبياءه منه، فهو لا يليق بمقامهم ولا يقع منهم، لأن النبوة أعلى المناصب الإنسانية، فصاحبها لا يرغب فيما فيه دناءة وخسة" (٩). واختلت القراءة في قوله تعالى: ﴿يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، على وجهين (١٠): أحدها: ﴿يَغُلَّ﴾، بفتح الياء وضم الغين، قرأ بهذا الوجه: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم. والثاني: ﴿يغلّ﴾، بضم الياء وفت الغين. قراءة الباقين. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، " أي: ومن يُخن من غنائم المسلمين شيئاً، يأت حاملاً له على عنقه يوم القيامة فضيحةً له على رءوس الأشهاد" (١١). قال المراغي: " أي وكل من يقع منه غلول يأتى بما غل به يوم القيامة حاملا له، ليفتضح أمره ويزيد به فى عذابه" (١٢). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: ١٦١]، أي: ثم "تعطى جزاء كل نفس ما عملت وافياً غير منقوص" (١٣). قال محمد بن إسحاق: " ثم يُجزى بكسبه غير مظلوم" (١٤). قال المراغي: " أي: ثم بعد أن يأتى الغالّ بما غل فيتمثل له كأنه حاضر بين يديه، ينال جزاء ما كسب مستوفى تاما لا ينقص منه شىء كما قال تعالى: «وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ، وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها؟ وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾، وجاء حكم التوفية فى الجزاء عاما لكل كاسب، وإن كان الكلام فى جزاء الغالّ فحسب- ليكون كالدليل على

стр. 2559

المقصود من استيفائه الجزاء، فإنه إذا كان كل كاسب مجزيّا بعمله لا ينقص منه شىء وإن كان جرمه حقيرا، فالغالّ مع عظم جرمه أولى بذلك" (١). قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]، أي: وهم "لا يظلمون بزيادة العذاب أو نقص الثواب" (٢). قال الثعلبي: أي: " لا ينقصون من حسناتهم ولا يزداد على سيئاتهم" (٣). قال سعيد بن جبير: " يعني: من أعمالهم" (٤). قال محمد بن إسحاق: " ولا متعدًّى عليه" (٥). قال الطبري: أي: " لا يفعل بهم إلا الذي ينبغي أن يفعل بهم، من غير أن يعتدي عليهم فينقصوا عما استحقوه" (٦). الفوائد: ١ - لايجوز لأتباع النبي الغلول. ٢ - أن الجزاء من جنس العمل. ٣ - إثبات البعث. ٤ - إثبات قدرة الله تعالى إذ أنه قادر على أن يأتي الإنسان بما غل يوم القيامة، وأنه على كل شيء قدير. ٥ - جزاء كل نفس بما كسبت. ٦ - إثبات نفي الظلم عن الله، وبالتالي إثبات كمال عدله . القرآن ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)﴾ [آل عمران: ١٦٢] التفسير: لا يستوي من كان قصده رضوان الله ومن هو مُكِبٌ على المعاصي، مسخط لربه، فاستحق بذلك سكن جهنم، وبئس المصير. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٢]، أي: " أفمن أطاع الله وطلب رضوانه، كمن عصى الله فاستحق سخطه وباء بالخسران؟ " (٧). قال مقاتل: " يعنى رضى ربه- ولم يغلل ﴿كمن باء بسخط من الله﴾ يعني استوجب السخط من الله- في الغلول، ليسوا سواء" (٨). أخرج ابن المنذر " عن الضحاك بن مزاحم، في قوله : ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾، قال: من لم يغل ﴿كمن باء بسخط من الله﴾ قال: من غل " (٩). وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: قوله: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾، " أفمن اتبع رضوان الله يعني: أرضى الله فلم يغلل من الغنيمة" (١٠)، ﴿كمن باء بسخط من الله﴾، يعني: كمن استوجب سخطا من الله في الغلول، فليس هو بسواء" (١١).

стр. 2560

وأخرج ابن المنذر "عن ابن جريج: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾، قال: أمر الله أداء الخمس ﴿كمن باء بسخط من الله﴾ فاستوجب سخط الله " (١). وروي عن محمد بن إسحاق: " ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾ على ما أحب الناس وسخطوا، ﴿كمن باء بسخط من الله﴾ لرضى الناس أو سخطهم، يقول: فمن كان على طاعتي وثوابه الجنه ورضوان ربه، كمن باء بسخط من الله فاستوجب غضبه" (٢). وعن الحسن: "قوله: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾: يقول: من أخذ الحلال خير له ممن أخذ الحرام، وهذا في الغلول وفي المظالم كلها" (٣). قال الطبري: " أفمن ترك الغلول وما نهاه الله عنه عن معاصيه، وعمل بطاعة الله في تركه ذلك، وفي غيره مما أمره به ونهاه من فرائضه، متبعًا في كل ذلك رضا الله، ومجتنبًا سخطه، كمن انصرف متحمِّلا سخط الله وغضبه" (٤). قال الزجاج: " يروى أن النبي ﷺ حين أرمر المسلمين في أحد باتباعه، اتبعه المؤمنون وتخلف عنه جماعة من المنافقين، فأعلم الله جل وعز: - أن من اتبع النبي ﷺ -فقد اتبع رضوان الله، ومن تخلف عنه فقد باء بسخط من الله" (٥). ويقرأ ﴿رضوان﴾، بكسر الراء، و ﴿رضوان﴾، بضم الراء، وقد رويتا جميعا عن عاصم (٦). قوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ١٦٢]، " أي: مصيره ومرجعه جهنم وبئست النار مستقراً له" (٧). روي عن محمد بن إسحاق: " وكان مأواه جهنم، وبئس المصير أسواء المثلان؟ أي: فاعرفوا " (٨). قال سعيد بن جبير: "ثم بين مستقرهما، فقال للذي يغل: ﴿مأواه جهنم﴾ " (٩)، " ﴿وبئس المصير﴾ يعني: مصير أهل الغلول" (١٠). قال الطبري: أي: " فاستحق بذلك سكنى جهنم، وبئس المصير الذي يصير إليه ويئوب إليه من باء بسخط من الله جهنم" (١١). الفوائد: ١ - أن الرضا صفة من صفات الله تعالى. ٢ - إثبات السخط لله تعالى. ٣ - التحذير من التعرض لسخط الله . ٤ - إثبات النار. ٥ - ذم النار والثناء عليها بالقدح، لقوله: ﴿وبئس المصير﴾. القرآن ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٣] التفسير: أصحاب الجنة المتبعون لما يرضي الله متفاوتون في الدرجات، وأصحاب النار المتبعون لما يسخط الله متفاوتون في الدركات، لا يستوون. والله بصير بأعمالهم لا يخفى عليه منها شيء. قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣]، " أي: هم متفاوتون في المنازل" (١٢). عن ابن عباس: " ﴿هم درجات عند الله﴾، يقول: بأعمالهم" (١٣). وقال الحسن: " للناس درجات بأعمالهم في الخير والشر" (١٤). وقال سعيد بن جبير: "ثم ذكر مستقر من لا يغل فقال: ﴿هم درجات﴾، يعني: لهم فضائل عند الله" (١٥). قال محمد بن إسحاق: " أي: لكلٍّ درجات مما عملوا في الجنة والنار" (١٦). وقال مجاهد: " ﴿هم درجات عند الله﴾، : هي كقوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ " (١٧). وروي عن السدي نحو ذلك (١٨). قال الزجاج: " أي: هم ذوو درجات، فالمؤمنون ذوو درجة رفيعة، - والكافرون ذوو درجة عند الله وضيعة" (١٩). قال الواحدي: " أَيْ: أهل درجات عند الله يريد أنَّهم مختلفو المنازل فَلِمَن اتِّبع رضوان الله الكرامة والثَّواب ولِمَنْ باء بسخطٍ من الله المهانةُ والعذاب" (٢٠). قال البيضاوي: " شبهوا بالدرجات لما بينهم من التفاوت في الثواب والعقاب، أو هم ذوو درجات" (٢١). قال الطبري: أي: " أنّ من اتبع رضوان الله ومن باء بسخَط من الله، مختلفو المنازل عند الله. فلمن اتبع رضوان الله، الكرامةُ والثواب الجزيل، ولمن باء بسخط من الله، المهانةُ والعقاب الأليم، ، وقيل: يعني: لمن اتبع رضوان الله منازلُ عند الله كريمة" (٢٢). وقال أبو عبيدة: "أي هم منازل، معناها: لهم درجات عند الله، كقولك: هم طبقات، قال ابن هَرْمة (٢٣): أرَجْمًا لِلْمَنُونِ يَكُونُ قَوْمي ... لِرَيْبِ الدَّهْرِ أَمْ دَرَجُ السّيولِ تفسيرها: أم هم على درج السيول. ويقال للدرجة التي يصعد عليها: درجة، وتقديرها: قصبة، ويقال لها أيضا: درجة" (٢٤). قال السعدي: " أي: كل هؤلاء متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم بحسب تفاوتهم في أعمالهم، فالمتبعون لرضوان الله يسعون في نيل الدرجات العاليات، والمنازل والغرفات، فيعطيهم الله من فضله وجوده على قدر أعمالهم، والمتبعون لمساخط الله يسعون في النزول في الدركات إلى أسفل سافلين، كل على حسب عمله" (٢٥).

стр. 2561

قال المراغي: " أي: إن كلا ممن اتبع رضوان الله ومن باء بغضب من الله طبقات مختلفة، ومنازل عند الله متفاوتة فى حكمه، وبحسب علمه بشئونهم وبما يستحقون من الجزاء ﴿يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ﴾. والخلاصة- إن الناس يتفاوتون فى الجزاء عند الله كما يتفاوتون فى الفضائل والمعرفة فى الدنيا، وما يترتب على ذلك من الأعمال الحسنة أو السيئة" (١). فيتضح أن في معنى قوله تعالى: ﴿درجات﴾ [آل عمران: ١٦٣]، قولان: أحدهما: أنها درجات الجنة، قاله الحسن (٢). والثاني: أنها فضائلهم، والمعنى: أنهم في الفضل مختلفون: بعضهم أرفع من بعض، قاله الفراء (٣)، وابن قتيبة (٤). وفيمن عنى بهذا الكلام قولان: أحدهما: أنهم الذين اتبعوا رضوان الله، والذين باؤوا بسخط من الله، فلمن اتبع رضوانه الثواب، ولمن باء بسخطه العذاب، هذا قول ابن عباس (٥)، ومحمد بن إسحاق (٦). والثاني: أنهم الذين اتبعوا رضوان الله فقط، فإنهم يتفاوتون في المنازل، هذا قول سعيد بن جبير (٧)، ومجاهد (٨)، والسدي (٩)، ومقاتل (١٠). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣]، أي: " والله ذو علم بما يعملون، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء" (١١). قال محمد بن إسحاق: " إنّ الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته" (١٢). قال سعيد بن جبير: " يعني: بصير بمن غل منكم ومن لم يغل" (١٣). قال البيضاوي: أي: " عالم بأعمالهم ودرجاتهم صادرة عنهم فيجازيهم على حسبها" (١٤). قال الطبري: أي: "والله ذو علم بما يعمل أهل طاعته ومعصيته، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، يحصى على الفريقين جميعًا أعمالهم، حتى توفى كل نفس منهم جزاء ما كسبت من خير وشر" (١٥). قال السعدي: أي: " لا يخفى عليه منها شيء، بل قد علمها، وأثبتها في اللوح المحفوظ، ووكل ملائكته الأمناء الكرام، أن يكتبوها ويحفظوها، ويضبطونها" (١٦). قال الواحدي: " فيه حثٌّ على الطَّاعة وتحذيرٌ عن المعصية" (١٧). الفوائد: ١ - أن الناس عند الله منازل مختلفة. ٢ - أن الإيمان يزيد وينقص، لأن زيادة الدرجات بعد زيادة الإيمان باليقين والعمل الصالح.

стр. 2562

٣ - إثبات غحاطة الله باعمال الخلق، ويترتب على هذا الأدب السلوكي، وهو أن نحذر من مخالفته. القرآن ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤] التفسير: لقد أنعم الله على المؤمنين من العرب; إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم، يتلو عليهم آيات القرآن، ويطهرهم من الشرك والأخلاق الفاسدة، ويعلمهم القرآن والسنة، وإن كانوا من قبل هذا الرسول لفي غيٍّ وجهل ظاهر. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، أي: " لقد أنعم الله على المؤمنين حين أرسل إِليهم رسولاً عربياً من جنسهم" (١). قال محمد بن إسحاق: " أي: لقد من الله عليكم يا أهل الإيمان" (٢). قال قتادة: " منّ الله عليهم من غير دعوة ولا رغبة من هذه الأمة، جعله الله رحمة لهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراط مستقيم" (٣). قال الطبري: " لقد تطوّل الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا، حين أرسل فيهم رسولا من أنفسهم، نبيًّا من أهل لسانهم، ولم يجعله من غير أهل لسانهم فلا يفقهوا عنه ما يقول" (٤). أخرج ابن أبي حاتم بسنده " عن عروة، عن عائشة: في هذه الآية: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم﴾، قالت: هذه العرب خاصة" (٥). قال الزجاج: " بعث الله محمدا ﷺ رسولا وهو رجل من الأميين لا يتلو كتابا ولا يخطه بيمينه، وبعثه بين قوم يخبرونه ويعرفونه بالصدق والأمانة وأنه لم يقرأ كتابا ولا لقنه فتلا عليهم أقاصيص الأمم السالفة، والأنبياء الماضية لا يدفع أخباره كتاب من كتب مخالفته، فأعلم الله أنه من على المؤمنين برساله من قد عرف أمره، فكان تناول الحجة والبرهان وقبول الأخبار والأقاصيص سهلا من قبله، وفي ذلك أعظم المنة، وقد جاء في التفسير إنه يراد رسول من العرب ولو كان القصد في ذلك- والله أعلم - أن أمره إنما كانت فيه المنة أنه من العرب لكان العجم لا حجة عليهم فيه، ولكن الأمر - والله أعلم - أن المنة فيه أنه قد خبر أمره وشأنه وعلم صدقه، وأتى بالبراهين بعد أن قد علموا إنه كان واحدا منهم" (٦). قوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، أي: " يقرأ عليهم آي كتابه وتنزيله" (٧). قال مقاتل: " يعني القرآن" (٨). قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، "أي: يطهرهم من الذنوب ودنس الأعمال" (٩). قال الطبري: أي: " يطهّرهم من ذنوبهم باتباعهم إياه وطاعتهم له فيما أمرهم ونهاهم" (١٠). قال مقاتل: " يعني: ويصلحهم" (١١). وروي عن ابن عباس: "قوله: ﴿ويزكيهم﴾، يعني: الزكاة طاعة الله والإخلاص" (١٢).

стр. 2563

قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، " أي يعلمهم القرآن المجيد والسنة المطهرة" (١). قال الحسن: " الكتاب: القرآن" (٢)، " ﴿والحكمة﴾: السنة" (٣). وقال ابن عباس: " ﴿الكتاب﴾: الخط بالقلم" (٤). قال قتادة: " الحكمة، السنة" (٥). قال مقاتل: " ﴿ويعلمهم الكتاب﴾، يعني: القرآن، ﴿والحكمة﴾، يعني: المواعظ التي في القرآن من الحلال والحرام والسنة" (٦). وعن السدي: " قوله: ﴿والحكمة﴾: يعني النبوة" (٧). وقال زيد بن أسلم: " الحكمة العقل في الدين" (٨). قال محمد ابن إسحاق: " ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾، قال: ويعلمكم الخير والشر لتعرفوا الخير فتعملوا به، والشر فتتقوا، ويخبركم برضاه عنكم إذا أطعتموه، ولتستكثروا من طاعته، وتجتنبوا ما يسخطه عنكم من معصيته" (٩). قال الطبري: أي: " ويعلمهم كتاب الله الذي أنزله عليه، ويبين لهم تأويله ومعانيه والحكمة، ويعني بالحكمة، السُّنةَ التي سنها الله جل ثناؤه للمؤمنين على لسان رسول الله ﷺ ، وبيانَه لهم" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، "أي: وإِنه الحال والشأن كانوا قبل بعثته في ضلال ظاهر" (١١). قال محمد بن إسحاق: " أي: في عمياء من الجاهلية، لا تعرفون حسنة ولا تستغفرون من سيئة، صُمٌّ عن الحق، عُمْيٌ عن الهدى" (١٢). قال قتادة: "ليس والله كما تقول أهل حروراء: محنة غالبة، من أخطأها أهَريق دمه (١٣)، ولكن الله بعث نييه ﷺ إلى قوم لا يعلمون فعلَّمهم، وإلى قوم لا أدب لهم فأدَّبهم" (١٤). قال الطبري: أي: " وإن كانوا من قبل أن يمنّ الله عليهم بإرساله رسوله الذي هذه صفته، لفي جهالة جهلاء، وفي حيرة عن الهدى عمياء، لا يعرفون حقًّا، ولا يبطلون باطلا" (١٥). الفوائد: ١ - الاسلام أكبر نعمة وأجلها على المسلمين فيجب شكرها بالعمل به والتقيد بشرائعه وأحكامه. ٢ - ثبوت رسالة النبي- ﷺ . ٣ - حرص النبي- ﷺ على إبلاغ الرسالة. ٤ - فضل العلم بالكتاب والسنة. القرآن

стр. 2564

﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ [آل عمران: ١٦٥] التفسير: أو لما أصابتكم -أيها المؤمنون- مصيبة، وهي ما أُصيب منكم يوم «أُحد» قد أصبتم مثليها من المشركين في يوم «بدْر»، قلتم متعجبين: كيف يكون هذا ونحن مسلمون ورسول الله ﷺ فينا وهؤلاء مشركون؟ قل لهم -أيها النبي-: هذا الذي أصابكم هو من عند أنفسكم بسبب مخالفتكم أمْرَ رسولكم وإقبالكم على جمع الغنائم. إن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقِّب لحكمه. في سبب نزول الآية: أخرج الإمام أحمد وأبو بكر بن أبي شيبة (١) في مسنديهما عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: " فلما كان يوم أحدٍ من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدرٍ من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ ، وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، وأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ الآية بأخذكم الفداء " (٢). وفي المعنى نفسه أخرج الطبري بسنده عن عبيدة السلماني عن علي قال: "جاء جبريل إلى النبيّ ﷺ فقال له: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيّرهم بين أمرين: أن يقدَّموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يُقتل منهم عدتهم. قال: فدعا رسول الله ﷺ الناس فذكر ذلك لهم، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا! ! لا بل نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا، ويستشهد منا عِدَّتهم، فليس في ذلك ما نكره! قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة أسارى أهل بدر" (٣). قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، أي: " أوَ حين أصابتكم، أيها المؤمنون، مصيبة" (٤). قال الطبري: " وهي القتلى الذين قتلوا منهم يوم أحد، والجرحى الذين جرحوا منهم بأحد، وكان المشركون قتلوا منهم يومئذ سبعين نفرًا" (٥). قال ابن كثير: " وهي ما أصيب منهم يوم أُحد من قتل السبعين منهم" (٦). قوله تعالى: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥]، أي: " قد أصبتم، أنتم أيها المؤمنون، من المشركين مثلي هذه المصيبة" (٧). قال ابن كثير: " يعني: يوم بَدْر، فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلا وأسروا سبعين أسيرا" (٨). قال الخفر: " الفائدة في قوله: قد أصبتم مثليها هو التنبيه على أن أمور الدنيا لا تبقى على نهج واحد، فلما هزمتموهم مرتين فأي استبعاد في أن يهزموكم مرة واحدة" (٩). قال ابن عباس: " يقول: إنكم أصبتم من المشركين يوم بدر مثل ما أصابوا منكم يوم أحد" (١٠). وروي عن جابر بن عبد الله، وعكرمة، والسدي، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس نحو ذلك (١١).

стр. 2565

قوله تعالى: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران: ١٦٥]، أي: قلتم: " من أين جرى علينا هذا؟ " (١). قال الضحاك: " بأي ذنب هذا؟ " (٢). قال الطبري: أي: قلتم: " من أيِّ وجه هذا؟ ومن أين أصابنا هذا الذي أصابنا، ونحن مسلمون وهم مشركون، وفينا نبي الله ﷺ يأتيه الوحي من السماء، وعدوُّنا أهل كفر بالله وشرك؟ " (٣). قال الفخر: " سبب تعجبهم أنهم قالوا نحن ننصر الإسلام الذي هو دين الحق، ومعنا الرسول، وهم ينصرون دين الشرك بالله والكفر، فكيف صاروا منصورين علينا! واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجهين: الأول: ما أدرجه عند حكاية السؤال، وهو قوله: ﴿قد أصبتم مثليها﴾، يعني: أن أحوال الدنيا لا تبقى على نهج واحد، فإذا أصبتم منهم مثلي هذه الواقعة فكيف تستبعدون هذه الواقعة؟ والثاني: قوله قل: ﴿هو من عند أنفسكم﴾ " (٤). قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، " أي: قل لهم يا محمد: إِن سبب المصيبة منكم أنتم" (٥). قال ابن عباس: " عقوبة بمعصيتكم النبي ﷺ حين قال: لا تتبعوهم "" (٦). قال محمد بن إسحاق: " أي: إن لم تكن قد أصابتكم مصيبة في إخوانكم، فبذنوبكم" (٧). قال الزجاج: " أي أصابكم بمعصيتكم النبي ﷺ وما من قوم أطاعوا نبيهم في حربهم إلا نصروا، لأنهم إذا أطاعوا فهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون" (٨). قال الزمخشري: " المعنى: أنتم السبب فيما أصابكم، لاختياركم الخروج من المدينة، أو لتخليتكم المركز" (٩). قال الطبري: " قل يا محمد للمؤمنين بك من أصحابك: أصابكم هذا الذي أصابكم من عند أنفسكم، بخلافكم أمري وترككم طاعتي، لا من عند غيركم، ولا من قبل أحد سواكم" (١٠). قال الفخر: " أنكم إنما وقعتم في هذه المصيبة بشؤم معصيتكم وذلك لأنهم عصوا الرسول في أمور: أولها: أن الرسول ﵇ قال: المصلحة في أن لا نخرج من المدينة بل نبقى هاهنا، وهم أبوا إلا الخروج، فلما خالفوه توجه إلى أحد. وثانيها: ما حكى الله عنهم من فشلهم. وثالثها: ما وقع بينهم من المنازعة. ورابعها: أنهم فارقوا المكان وفرقوا الجمع. وخامسها: اشتغالهم بطلب الغنيمة وإعراضهم عن طاعة الرسول ﵇ في محاربة العدو، فهذه الوجوه كلها ذنوب ومعاصي، والله تعالى إنما وعدهم النصر بشرط ترك المعصية، كما قال: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ " (١١). وفي تفسيرقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، ثلاثة أوجه: أحدها: معناه: أنكم تركتم ما أمرتم به، وطلبتم الغنيمة وتركتم مراكزكم، فمن قبلكم جاء الشر. وهذا قول: مقاتل (١٢)، وأبو الليث (١٣)، والكلبي (١٤)، وعطاء (١٥)، واختيار: الفراء (١٦)، والزجاج (١٧)، وابن قتيبة (١٨).

стр. 2566

قال الواحدي: "وعلى هذا القول: أضاف إليهم المعصية والهزيمة، وإن كانت مخلوقة لله -تعالى- مرادة، لأن المعصية تضاف إلى العاصي من حيث المباشرة والكسب" (١). قال الفخر: " استدلت المعتزلة على أن أفعال العبد غير مخلوقة لله تعالى" (٢). ويرد عليهم: "بأنه لم يقل أحد أن العبد خلق أفعاله غيره، والمصيبة التي أصابت المؤمنين هي بفعل الكافرين، فليس هي فعل لهم، وإنما فعلهم السبب في ذلك فإذا استدلوا بالسبب، قلنا: ليس لهم دليل من الآية بل فيها ما يرده، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ " (٣). والثاني: أن المعنى: بخروجكم من المدينة، وخلافكم على رسولكم؛ وذلك أنه دعاهم إلى التحصن بالمدينة، وكان قد رأى في المنام أن عليه درعا حصينة، فأولها: المدينة. فقالوا: كنا نمتنع في الجاهلية، ونحن اليوم أحق بالامتناع، فأكرهوا رسول الله على الخروج. وهذا قول: ابن عباس (٤)، والحسن (٥)، وقتادة (٦)، والربيع (٧)، والسدي (٨)، وابن جريج (٩)، وعكرمة (١٠) , ومحمد بن إسحاق (١١)، والضحاك (١٢). والثالث: أن المعنى: قل هو من عند أنفسكم، بإساركم المشركين يوم بدر، وأخذكم منهم الفداء، وترككم قتلهم. وهذا قول علي-كرّم الله وجهه- (١٣)، وعبيدة (١٤)، . قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، " أي: إن الله يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ولا رادّ لِقضائه" (١٥). قال البيضاوي: أي: " فيقدر على النصر ومنعه وعلى أن يصيب بكم ويصيب منكم" (١٦). قال الطبري: أي: " إن الله على جميع ما أراد بخلقه من عفو وعقوبة، وتفضل وانتقام، ﴿قدير﴾، يعني: ذو قدرة" (١٧).

стр. 2567

قال السعدي: يعني: " فإياكم وسوء الظن بالله، فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم الحكمة في ابتلائكم ومصيبتكم، ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] " (١). الفوائد: ١ - جواز توبيخ من كان كامل الإيمان إذا فعل ما يستحق التوبيخ عليه، لأن الله وبّخ الذين قالوا: ﴿أنّى هذا﴾. ٢ - إثبات الأسباب في قوله تعالى: ﴿قل هو من عند أنفسكم﴾. ٣ - منّة الله تعالى على الصحابة-رضوان الله تعالى عليهم- لأن الله قد جعل على أيديهم مصيبة أكبر مما أصابهم، بل هي مثلا ما أصابهم، في قوله: ﴿قد أصبتم مثليها﴾. ٤ - إثبات اسم القدير من أسماء الله، والقدرة صفة يتصف بها القادر، تمنعه من وصف العجز. القرآن ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦)﴾ [آل عمران: ١٦٦] التفسير: وما وقع بكم مِن جراح أو قتل في غزوة «أُحد» يوم التقى جَمْعُ المؤمنين وجمع المشركين فكان النصر للمؤمنين أولا ثم للمشركين ثانيًا، فذلك كله بقضاء الله وقدره، وليظهر ما علمه الله في الأزل؛ ليميز المؤمنين الصادقين منكم. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، أي: " والذي أصابكم يوم التقى الجمعان، وهو يوم أحد، حين التقى جمع المسلمين والمشركين" (٢). قال محمد بن إسحاق: " أي: ما أصابكم حين التقيتم أنتم وعدوّكم" (٣). قال الطبري: " ويعني بـ الذي أصابهم، ما نال من القتل مَنْ قُتِل منهم، ومن الجراح من جرح منهم" (٤). قوله تعالى: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، أي: فهو كان "بقضائه وقدَره فيكم" (٥). قال الزجاج: " أي ما أصابكم كان بعلم الله" (٦). قال الماتريدي: أي: " فبمشيئة الله وإرادته" (٧). قال الشوكاني: أي: " فبعلمه، وقيل: بقضائه وقدره وقيل بتخليته بينكم وبينهم" (٨). قال محمد بن إسحاق: "فبإذني كان ذلك حين فعلتم ما فعلتم، بعد أن جاءكم نصري، وصدقتكم وعدي" (٩). قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، " أي: وليعلم أهل الإِيمان الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا" (١٠). قال محمد بن إسحاق: " ليميز بين المنافقين والمؤمنين، وليعلم الذين نافقوا منكم، أي: ليظهروا ما فيهم" (١١). قال الزجاج: " أي ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم على ما نالهم" (١٢). قال الماتريدي: أي: " ليعلم ما قد علم أنهم يؤمنون، ويصبرون على البلايا والقتال مؤمنين صابرين محتسبين" (١٣).

стр. 2568

قال الطبري: أي: " وليعلم الله المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا، أصابكم ما أصابكم يوم التقى الجمعان بأحد، ليميِّز أهلُ الإيمان بالله ورسوله المؤمنين منكم من المنافقين فيعرفونهم، لا يخفى عليهم أمر الفريقين" (١). قال ابن عرفة: " وهو وعد ووعيد؛ لأنه إذا علم العبد الطائع أن سيده عالم بما هو فاعل من الطاعة يزداد فرحا وسرورا واجتهادا في عمله، وإذا علم العاصي بأن سيده عالم بما هو يفعل من وجوه المخالفات يزداد هما وغما، ويكون ذلك إنذارا له وتنفيرا عن نعمته، وعبر عن المؤمنين بالاسم والكافرين (٢) بالفعل إشارة إلى أن ذلك الوعد إنما هو لمن ثبت له الإيمان في قلبه وفي ظاهره، وأما الوعيد فهو لمن اتصف بأدنى شيء من النفاق فجرت الأولى مجرى الأمر، والثانية مجرى النهي، وفي الحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا» (٣) " (٤). الفوائد: ١ - تسلية المؤمنين بقضاء الله قدره، لأن المؤمن إذا علم أنه من عند الله رضي وسلّم. ٢ - أن الله قد يقدّر على عبده المؤمن ما يكرهه لحكم عظيمة. القرآن ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾ [آل عمران: ١٦٧] التفسير: وليعلم المنافقين الذين كشف الله ما في قلوبهم حين قال المؤمنون لهم: تعالوا قاتلوا معنا في سبيل الله، أو كونوا عونًا لنا بتكثيركم سوادنا، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون أحدًا لكنا معكم عليهم، هم للكفر في هذا اليوم أقرب منهم للإيمان; لأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. والله أعلم بما يُخفون في صدورهم. في سبب نزول الآية: أخرج الطبري عن عكرمة، قوله: " ﴿قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم﴾، قال: نزلت في عبدالله بن أبيّ ابن سلول" (٥). قال ابن حجر: " اتفقوا على أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأتباعه الذين رجعوا قبل القتال" (٦). قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧]، "أي: وليعلم أهل النفاق" (٧). قال محمد بن إسحاق: " يعني: عبدالله بن أبيّ ابن سلول وأصحابه الذين رجعوا عن رسول الله ﷺ حين سار إلى عدوّه من المشركين بأحد" (٨). قال الزجاج: أي: " ويظهر نفاق المنافقين بفشلهم وقلة الصبر على ما ينزل بهم في ذات الله" (٩). قال ابن كثير: " يعني بذلك أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول الذين رجعوا معه في أثناء الطريق، فاتبعهم من اتبعهم من المؤمنين يحرضونهم على الإياب والقتال والمساعدة" (١٠).

стр. 2569

قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، "أي: فقال لهم المسلمون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا" (١). قوله تعالى: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧]، أي: " أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا! " (٢). وفي قوله تعالى: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وجهان من التفسير: أحدهما: يعني تكثير السواد وإن لم يقاتلوا. وهو قول السدي (٣)، وابن جريج (٤). والثاني: معناه: أو رابطوا على الخيل إن لم تقاتلوا. وهو قول ابن عوف الأنصاري (٥). قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، " أي: قال المنافقون: لو نعلم أنك تلقون حرباً لقاتلنا معكم" (٦). قال محمد بن إسحاق: " يقول: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولدفعنا عنكم، ولكن لا نظن أن يكون قتال. فظهر منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم" (٧). وقال مجاهد: ": لو نعلم أنَّا واجدون معكم قتالا لو نعلم مكان قتال، لاتبعناكم" (٨). قال الطبري: أي: " لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم إليهم، ولكنا معكم عليهم، ولكن لا نرى أنه يكون بينكم وبين القوم قتالٌ! " (٩). قال السمعاني: " فرجعوا وهم يقولون: لا قتال، لا قتال، حتى يفشل المسلمون" (١٠). قال الزمخشري: " ووجه آخر وهو أن يكون معنى قولهم لو نعلم قتالا لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا لاتبعناكم يعنون أن ما أنتم فيه لخطإ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس بشيء، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء بالأنفس إلى التهلكة، لأن رأى عبد الله كان في الإقامة بالمدينة وما كان يستصوب الخروج" (١١). أخرج الطبري بسنده عن محمد بن إسحاق، قال: " حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدَّث قال: خرج رسول الله ﷺ يعني حين خرج إلى أحد - في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة، انخزل عنهم عبدالله بن أبيّ ابن سلول بثلث الناس وقال: أطاعهم فخرج وعصاني! والله ما ندري علامَ نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس! ! فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريْب، واتبعهم عبدالله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم، أذكّركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوّهم! فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال! فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدَكم الله أعداء الله! فسيُغني الله عنكم! ومضى رسول الله ﷺ " (١٢). وقال السدي: "خرج رسول الله ﷺ يعني يوم أحد - في ألف رجل، وقد وعدهم الفتحَ إن صبرُوا. فلما خرجوا، رجع عبدالله بن أبي ابن سلول في ثلثمئة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعن معنا! قال: فذكر الله أصحاب عبدالله بن أبيّ ابن سلول، وقول

стр. 2570

عبدالله بن جابر بن عبدالله الأنصاري حين دعاهم فقالوا: ما نعلم قتالا ولئن أطعتمونا لترجعُنّ معنا، فقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، " أي: بإِظهارهم هذا القول صاروا أقرب إِلى الكفر منهم إِلى الإِيمان" (٢). قال السمعاني: " يعني: بعد رجوعهم ومقالتهم تلك؛ لأنهم كانوا من قبل من المؤمنين في الظاهر؛ وإن كانوا منافقين في الباطن، فلما فارقوا المؤمنين صاروا أقرب إلى الكفر منهم للإيمان" (٣). قال الزمخشري: " يعنى: أنهم قبل ذلك اليوم كانوا يتظاهرون بالإيمان وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخزلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا، تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر. وقيل: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخزال تقوية للمشركين يقولون بأفواههم لا يتجاوز إيمانهم أفواههم ومخارج الحروف منهم ولا تعى قلوبهم منه شيئا. وذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم، وأن إيمانهم موجود في أفواههم معدوم في قلوبهم، خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم لأفواههم" (٤). قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، "أي: يظهرون خلاف ما يضمرون" (٥). قال محمد بن إسحاق: " يظهرون لك الإيمان، وليس في قلوبهم " (٦). قال الطبري: " فأبدوْا من نفاق أنفسهم ما كانوا يكتمونه، وأبدوا بألسنتهم بقولهم: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، غير ما كانوا يكتمونه ويخفونه من عداوة رسول الله ﷺ وأهل الإيمان به" (٧). قال السعدي: " وهذه خاصة المنافقين، يظهرون بكلامهم وفعالهم ما يبطنون ضده في قلوبهم وسرائرهم، ويستدل بهذه الآية على قاعدة «ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما، وفعل أدنى المصلحتين، للعجز عن أعلاهما»؛ لأن المنافقين أمروا أن يقاتلوا للدين، فإن لم يفعلوا فللمدافعة عن العيال والأوطان" (٨). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، أي: " والله أعلم بما يُخفون في صدورهم" (٩). قال محمد بن إسحاق: "، أي: يخفون" (١٠). قال الزمخشري: أي: من النفاق، وبما يجرى بعضهم مع بعض من ذم المؤمنين وتجهيلهم وتخطئة رأيهم والشماتة بهم وغير ذلك، لأنكم تعلمون بعض ذلك علما مجملا بأمارات، وأنا أعلم كله علم إحاطة بتفاصيله وكيفياته" (١١). قال الطبري: أي: " والله أعلم من هؤلاء المنافقين الذين يقولون للمؤمنين: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، بما يضمرون في أنفسهم للمؤمنين ويكتمونه فيسترونه من العداوة والشنآن، وأنهم لو علموا قتالا ما تبعوهم ولا دافعوا عنهم، وهو تعالى ذكره محيط بما هم مخفوه من ذلك، مطلع عليه، ومحصيه عليهم، حتى يهتك أستارهم في عاجل الدنيا فيفضحهم به، ويُصليهم به الدرك الأسفل من النار في الآخرة" (١٢). الفوائد:

стр. 2571

١ - إثبات النفاق في هذه الأمة، لأن قوله: ﴿وليعلم الذين نافقوا﴾، أي: بعد إيمانهم، ولم يبرز النفاق إلا بعد غزوة بدر، التي كانت في السنة الثانية من رمضان، وحصل فيها من العزّ ما جعل المنافقين يظهرون نفاقهم، إذ أنهم صاروا يخافون من المؤمنين فصاروا ينافقون، أي: يظهرون أنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين. ٢ - التحذير من النفاق. ٣ - أن المنافقين من أكذب الناس. ٤ - أ، القول عند الإطلاق ما تواطأ عليه القلب واللسان، فنستنتج من هذه الفائدة أن من نطق بقول دون أن يكون له قصد في قلبه، فإنه لاغ. ٥ - أن الكفر ضد الإيمان لقوله: ﴿هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان﴾. القرآن ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾ [آل عمران: ١٦٨] التفسير: هؤلاء المنافقون هم الذين قعدوا وقالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين في حربهم المشركين يوم «أُحد»: لو أطاعَنا هؤلاء ما قتلوا. قل لهم -أيها الرسول-: فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين في دعواكم أنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، وأنكم قد نجوتم منه بقعودكم عن القتال. في سبب نزول الآية: أخرج الطبري عن قتادة، "قوله: ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا﴾ الآية، ذكر لنا أنها نزلت في عدوّ الله عبدالله بن أبيّ" (١). وروي جابر بن عبدالله (٢)، والسدي (٣)، وابن جريج (٤)، والربيع (٥)، نحو ذلك. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، "أي: وليعلم الله أيضاً المنافقين الذين قالوا لإِخوانهم الذين هم مثلهم وقد قعدوا عن القتال" (٦). قال الحسن: "هم الكفار" (٧). قال ابن جريج: " هو عبدالله بن أبيّ" (٨). قال محمد بن إسحاق: " ﴿الذين قالوا لإخوانهم﴾، الذين أصيبوا معكم من عشائرهم وقومهم" (٩). قال ابن عثيمين: "إن الصواب في الأخوة هنا، أخوة الظاهر لا أخوة النسب، لأنه ليس كل من قتل في أحد يكون له قرابة لهؤلاء المنافقين" (١٠). قوله تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، "أي: لو أطاعنا المؤمنون وسمعوا نصيحتنا فرجعوا كما رجعنا ما قتلوا هنالك" (١١). قال ابن جريج: " هو عبدالله بن أبيّ الذي قعد وقال لإخوانه الذين خرجوا مع النبي ﷺ يوم أحد: ﴿لو أطاعونا ما قتلوا﴾ " (١٢).

стр. 2572

عن ابن شهاب قال: "إن الله- أنزل على نبيه في القدرية: ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا: لو أطاعونا ما قتلوا﴾ " (١). وعن عباد بن منصور قال: "سألت الحسن عن قوله: ﴿لو أطاعونا ما قتلوا﴾، قال: هم الكفار يقولون لإخوانهم: لو كانوا عندنا ما قتلوا يحسبون أن حضورهم إلى القتال هو الذي يقدمهم إلى الأجل" (٢). قال الراغب: " هذه الآية من تمام صفة المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، قالوا: إن قتلى أحد لو أطاعونا في التأخر عن القتال ولزموا بيوتهم ما قتلوا" (٣). قوله تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]، " أي قل يا محمد لأولئك المنافقين إن كان عدم الخروج ينجي من الموت فادفعوا الموت عن أنفسكم إِن كنتم صادقين في دعواكم" (٤). قال أبو عبيدة: " أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت " (٥). قال محمد بن إسحاق: "أي: أنه لا بد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا، وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله، حرصًا على البقاء في الدنيا، وفرارًا من الموت" (٦). قال الزجاج: " المعنى: إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم، وهلا تدرأون عن أنفسكم الموت" (٧). قال الزمخشري: "معناه: قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلا وهو القعود عن القتال، فجدوا إلى دفع الموت سبيلا، يعنى أن ذلك الدفع غير مغن عنكم، لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت، لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة، ولا بد لكم من أن يتعلق بكم بعضها" (٨). قال ابن عرفة: " فإِن قلت: لم يدعوا نفي الموت وإنما نفوا القتل، فلما قيل لهم: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾، فالجواب: أن الموت أعم فإذا عجزوا بالأعم دخل في صحبة الأخص، وصيغة أفعل التعجيز وقوله: ﴿ادرَءُوا﴾، ولم يقل: لَا تموتن، إشارة إلى ملازمة الموت لهم، وأنه أمر حتم لَا بد له منه، كما في سورة الجمعة ﴿إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾، أي: يأتيكم ويواجهكم، فإذا فررتم منه، فإليه تفرون" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]، وجهان (١٠): أحدهما: يعني: في خبركم أنهم لو أطاعوا ما قُتِلوا. والثاني: معناه إن كنتم محقين في تثبيطكم عن الجهاد فراراً من القتل. وقوله تعالى: ﴿فادرأوا﴾، يعني: فادفعوا (١١)، ومنه قول الشاعر (١٢): تَقُولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي ... أهذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِيني الفوائد: ١ - التنديد بهؤلاء الذين جمعوا بين قبح الفعل وقبح القول، يؤخذ من قوله: ﴿قالوا﴾، و ﴿قعدوا﴾. ٢ - أن هؤلاء مع قبح قولهم وإدخال الندم على قومهم، اعترضوا على القدر، لقولهم: ﴿لو اطاعونا ما قتلوا﴾. ٣ - الإشارة إلى أن مثل هذا القول عند حلول القدر لا يجوز، لأنه سيق في سياق الذم، ولهذا قال النبي- ﷺ : "وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا" (١٣).

стр. 2573

٤ - تحدي هؤلاء القائلين هذا الكلام بدفع الموت عنهم، وأنه لايمكن درء الموت، لأن ما وقع التحدي به فإنه لايمكن وقوعه. القرآن ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩] التفسير: ولا تظنَّنَّ -أيها النبي- أن الذين قتلوا في سبيل الله أموات لا يُحِسُّون شيئًا، بل هم أحياء حياة برزخية في جوار ربهم الذي جاهدوا من أجله، وماتوا في سبيله، يجري عليهم رزقهم في الجنة، ويُنعَّمون. في سبب نزول الآية والتي بعدها أقوال: أحدها: أخرج الطبري، وأحمد (١)، وأبو داود (٢)، والبيهقي (٣)، وأبو يعلى (٤)، والحاكم (٥)، والطبراني (٦)، الواحدي (٧)، عن ابن عباس قال: "قال رسول الله ﷺ : «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تردُ أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحُسن مَقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا! لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب! فقال الله : أنا أبلغهم عنكم». فأنزل الله على رسوله ﷺ هؤلاء الآيات" (٨). وأخرج الطبري عن محمد بن قيس بن مخرمة قال: "قالوا: يا رب، ألا رسول لنا يخبر النبيّ ﷺ عنا بما أعطيتنا؟ فقال الله ﵎: أنا رسولكم، فأمر جبريل ﵇ أن يأتي بهذه الآية: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله، الآيتين" (٩). وأصل الحديث أخرجه مسلم وغيره (١٠)، عن مسروق، قال: "سألنا عبد الله عن هذه الآية: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩] قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة»، فقال: " هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا " (١١). والثاني: أخرج الترمذي (١٢)، وابن ماجه (١٣)، وابن حبان (١٤)، والحاكم (١٥)، والواحدي (١٦)، والبيهقي (١٧)، من طريق موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري، قال: "سمعت طلحة بن حراش يقول: سمعت جابر بن عبد الله

стр. 2574

يقول: لقيني رسول الله ﷺ فقال: «ما لي أراك منكسرا؟ » قلت: يا رسول الله توفي أبي، استشهد بأحد، وترك علي دينا وعيالا! قال: «أفلا يسرك بما لقي الله به أباك؟ » قال: بلى يا رسول الله قال: «يا عبدي تمن علي قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. قال: إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون»، قال: فأنزلت هذه الآية" (١). ورواية ابن عقيل عن أحمد (٢)، وأبي يعلى (٣)، والطبري (٤)، والحميدي (٥)، ولفظه: "قال لي رسول الله ﷺ : «أعلمت أن الله أحيا أباك فقال: ما تحب يا عبد الله؟ قال يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى» " (٦). والثالث: أخرج الطبري عن قتادة، قال: " ذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد! فأنزل الله ﵎ في ذلك القرآن: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾، كنا نحدَّث أن أرواح الشهداء تَعارَف في طير بيض تأكل من ثمار الجنة، وأنّ مساكنهم السِّدرة" (٧). والرابع: وأخرج الطبري الربيع: " ذكر لنا عن بعضهم في قوله: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء﴾، قال: هم قتلى بدر وأحد" (٨). والخامس: وأخرج الطبري وغيره (٩)، عن إسحاق بن أبي طلحة قال: " حدثني أنس بن مالك في أصحاب النبي ﷺ الذين أرسلهم نبي الله ﷺ إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين أو سبعين. قال: وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب النبي ﷺ حتى أتوا غارًا مشرفًا على الماء قعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلِّغ رسالة رسول الله ﷺ أهل هذا الماء؟ فقال - أُراه أبو ملحان الأنصاري -: أنا أبلغ رسالة رسول الله ﷺ . فخرج حتى أتى حيًّا منهم، فاحتبى أمام البيوت ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله. فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح، فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر، فزتُ ورب الكعبة! فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه، فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل قال: قال إسحاق: حدثني أنس بن مالك: إنّ الله تعالى أنزل فيهم قرآنًا، رُفع بعد ما قرأناه زمانًا، وأنزل الله: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ " (١٠). والسادس: ونقل الواحدي والثعلبي (١١) عن بعضهم: " إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في نعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فأنزل الله تعالى هذه الآية تنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم" (١٢).

стр. 2575

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩]، " أي: لا تظنَّن الذين استشهدوا في سبيل الله لإِعلاء دينه أمواتاً لا يُحسّون ولا يتنعمون" (١). قال الطبري: أي: " لا تظنن الذين قتلوا بأحد من أصحاب رسول الله ﷺ أمواتًا، لا يحسُّون شيئًا، ولا يلتذُّون ولا يتنعمون" (٢). قال محمد بن إسحاق: "ثم قال الله لنبيه يرغب المؤمنين في ثواب الجهاد، ويهون عليهم القتل: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾، أي: لا تظن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا" (٣). عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾، يعني: في طاعة الله في جهاد المشركين" (٤). روي عن أبي الضحى "في قوله: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا﴾، قال: نزلت في قتلى أحد خاصة، استشهد من المهاجرين أربعة وعشرون: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وشماس بن عثمان، واستشهد من الأنصار ستة وأربعون" (٥). وذكروا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وجوها (٦): أحدها: قيل: إن المنافقين قالوا للذين قتلوا بأحد وببدر: إنهم ماتوا؛ فأنزل الله : ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾ وبأحد وبدر (أمواتا) كسائر الموتى؛ بل هم أحياء عند ربهم. الثاني: وقيل: قالوا: إن من قتل لا يحيا أبدا ولا يبعث؛ فقال : بل يحيون ويبعثون كما يحيا ويبعث غيرهم من الموتى. الثالث: وقيل: إن العرب كانت تسمي الميت: من انقطع ذكره إذا مات ولم يذكر، أي: لم يبق له أحد يذكر به؛ فقالوا: إذا قتل هؤلاء ماتوا، أي: لا يذكرون؛ فأخبر الله أنهم مذكورون في الملأ: ملأ الملائكة، وملأ البشر، وهو الظاهر المعروف في الخلق أن الشهداء مذكورون عندهم. وروى هشام عن أهل الشام: ﴿يحسبن﴾، بالياء، وقرأ الحسن وابن عامر: ﴿الذين قتلوا﴾ مشددا، وقرأ ابن أبي عبلة: أحياء نصبا أي أحسبهم أحياء عند ربهم (٧). قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، "أي: بل هم أحياء عند ربهم متنعمون في جنان الخلد يرزقون" (٨). قال الطبري: أي: " فإنهم أحياء عندي، متنعمون في رزقي، فرحون مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبَوْتهم به من جزيل ثوابي وعطائي" (٩). قال سعيد بن جبير: " يعني: أرواح الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون" (١٠). قال محمد بن إسحاق: "قوله: ﴿أمواتا بل أحياء﴾، أي: قد أحييتهم فهم عندي يرزقون في روح الجنة وفضلها، مسرورين بما آتاهم الله من ثوابه على جهادهم عنه" (١١). أخرج عبدالرزاق عن معمر عن قتادة، قال: "بلغنا أن أرواح الشهداء في صور طير بيض تأكل من ثمار الجنة, قال معمر: وقال الكلبي: "في صور طير خضر تسرح في الجنة , وتأوي إلى القناديل تحت العرش" (١٢).

стр. 2576

وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، عليهم رزقهم بكرة وعشيا" (١). وعن مجاهد: "قوله: ﴿يرزقون﴾، قال: إن كان يقول: يرزقون من ثمر الجنة، ويجدون ريحها وليسوا فيها" (٢). قال الزجاج: " المعنى أحسبهم أحياء وقيل في هذا غير قول: قال بعضهم لا تحسبهم أمواتا في دينهم بل هم أحياء في دينهم، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ (٣). وقال بعضهم: لا تحسبهم كما يقول الكفار إنهم لا يبعثون بل يبعثون، ﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون (١٦٩) فرحين بما آتاهم الله من فضله﴾. وقيل: إن أرواحهم تسرح في الجنة وتلذ بنعيمها، فهم أحياء عند ربهم. قال بعضهم: أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، ثم تصير إلى قناديل تحت العرش" (٤). قال الثعلبي: " أي أحسبهم أحياء عند ربهم. وقال بعضهم: يعني أحياء في الدنيا حقيقة (٥). وقيل: [في العالم] وقيل: بالثناء والذكر، كما قيل (٦): موت التقي حياة لا فناء لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياء وقيل: مما هم أحياء: عند ربهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون كالأحياء. وقيل: إنه يكتب لهم في كل سنة ثواب غزوة ويشتركون في فضل كل مجاهد يكون في الدنيا إلى يوم القيامة، لأنهم سلوا أمر الجهاد، فيرجع أجر من يقتدي بهم إليهم، نظيره قوله: ﴿كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا﴾ (٧) الآية. وقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة، كأرواح الأحياء من المؤمنين الذين باتوا على الوضوء. وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض، يقال: أربعة لا تبلى أجسادهم: الأنبياء والعلماء والشهداء وحملة القرآن. وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة: أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريين ثم السلميين، كانا قد خرب السيل قبرهما وكانا في قبر واحد وهما من شهداء أحد، وكان قبرهما مما يلي السيل، فحفر عنهما ليغيروا عن مكانهما فوجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين يوم أحد وبين يوم حفر عنهما ستة وأربعون سنة. وقيل: سموا أحياء لأنهم لا يغسلون كما لا يغسل الأحياء. وقال النبي ﷺ : «زملوهم في كلومهم ودمائهم، اللون لون الدم والريح ريح المسك» (٨).

стр. 2577

وقال عبيد بن عمر: إن رسول الله ﷺ حين انصرف يوم أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا ثم قرأ: من المؤمنين رجال صدقوا (١) الآية، ثم قال ﷺ : «إن رسول الله يشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم، فو الذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه، يرزقون من ثمار الجنة وتحفها» (٢) " (٣). قال الماتريدي: "قوله تعالى: ﴿بل أحياء﴾، أي: يجري أعمالهم بعد قتلهم، كما كان يجري في حال حياتهم، فهم كالأحياء فيما يجري لهم ثواب أعمالهم وجزائهم، ليسوا بأموات. وقيل: إن حياتهم حياة كلفة؛ وذلك أنهم أمروا بإحياء أنفسهم في الآخرة؛ ففعل المؤمنون ذلك: أحيوا أنفسهم في الآخرة؛ فسموا أحياء لذلك، والكفار لم يحيوا أنفسهم" (٤). قال الجصاص: " زعم قوم أن المراد أنهم يكونون أحياء في الجنة, قالوا: لأنه لو جاز أن ترد عليهم أرواحهم بعد الموت لجاز القول بالرجعة ومذهب أهل التناسخ. قال أبو بكر: وقال الجمهور: "إن الله تعالى يحييهم بعد الموت فينيلهم من النعيم بقدر استحقاقهم إلى أن يفنيهم الله تعالى عند فناء الخلق, ثم يعيدهم في الآخرة ويدخلهم الجنة"; لأنه أخبر أنهم أحياء, وذلك يقتضي أنهم أحياء في هذا الوقت ولأن تأويل من تأوله على أنهم أحياء في الجنة يؤدي إلى إبطال فائدته; لأن أحدا من المسلمين لا يشك أنهم سيكونون أحياء مع سائر أهل الجنة, إذ الجنة لا يكون فيها ميت. ويدل عليه أيضا وصفه تعالى لهم بأنهم فرحون على الحال بقوله تعالى: ﴿فرحين بما آتاهم الله من فضله﴾، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾ وهم في الآخرة قد لحقوا بهم، وروى ابن عباس وابن مسعود وجابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في حواصل طيور خضر تحت العرش ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش" (٥) ; وهو مذهب الحسن وعمرو بن عبيد وأبي حذيفة وواصل بن عطاء, وليس ذلك من مذهب أصحاب التناسخ في شيء; لأن المنكر في ذلك رجوعهم إلى دار الدنيا في خلق مختلفة, وقد أخبر الله تعالى عن قوم أنه أماتهم ثم أحياهم في قوله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم﴾ [البقرة: ٢٤٣] وأخبر أن إحياء الموتى معجزة لعيسى ﵇ فكذلك يحييهم بعد الموت ويجعلهم حيث يشاء. وقوله تعالى: ﴿عند ربهم يرزقون﴾ معناه: حيث لا يقدر لهم أحد على ضر ولا نفع إلا ربهم . وليس يعني به قرب المسافة; لأن الله تعالى لا يجوز عليه القرب والبعد بالمسافة; إذ هو من صفة الأجسام. وقيل: عند ربهم من حيث يعلمهم هو دون الناس" (٦). قال الواحدي: " الأصح في حياة الشهداء ما روينا عن النبي ﷺ : أن أرواحهم في أجواف طير، وأنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون" (٧). الفوائد: ١ - فضيلة من قتل في سبيل الله لكوهم أحياء عند الله . ٢ - الترغيب في الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا. ٣ - أن الشهداء يرزقون برزق أخروي. ٤ - أنه إذا ثبت هذا للشهيد، فإنه يثبت للأنبياء من باب أولى، ويمتاز الانبياء عن الشهداء بأن الله حرم على الارض أن تأكل أجسادهم، بخلاف الشهداء فإن الأرض تأكلهم وقد لا تأكل بعضهم إكراما لهم.

стр. 2578

القرآن ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ [آل عمران: ١٧٠] التفسير: لقد عَمَّتهم السعادة حين مَنَّ الله عليهم، فأعطاهم مِن عظيم جوده وواسع كرمه من النعيم والرضا ما تَقَرُّ به أعينهم، وهم يفرحون بإخوانهم المجاهدين الذين فارقوهم وهم أحياء; ليفوزوا كما فازوا، لِعِلْمِهم أنهم سينالون من الخير الذي نالوه، إذا استشهدوا في سبيل الله مخلصين له، وأن لا خوف عليهم فيما يستقبلون من أمور الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا. قوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، أي: " وهم فَرحون مما هم فيه من النعمة والغبطة" (١). قال قتادة: " يعني: راضين بما أعطاهم الله ﴿من فضله﴾، يعني: الرزق" (٢). قال الطبري: أي: "مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبَوْتهم به من جزيل ثوابي وعطائي" (٣). قال ابن هشام: " أي ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم" (٤). قال الزمخشري: " وهو التوفيق في الشهادة وما ساق إليهم من الكرامة والتفضيل على غيرهم، من كونهم أحياء مقربين معجلا لهم رزق الجنة ونعيمها" (٥). قال أبو السعود: " وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والزلفى من الله والتمتع بالنعيم المخلد عاجلا" (٦). قال السعدي: " أي: مغتبطين بذلك، قد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه وكثرته، وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص، فجمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله: فتم لهم النعيم والسرور" (٧). قال المراغي: " أي مسرورين بشرف الشهادة، والتمتع بالنعيم العاجل، والزلفى عند ربهم، والفوز بالحياة الأبدية" (٨). وقرأ ابن السميقع: «فارحين» بالألف، وهما لغتان (٩). قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، " أي: ويستبشرون بإِخوانهم المجاهدون الذين لم يموتوا في الجهاد بما سيكونون عليه بعد الموت إِن استشهدوا" (١٠). قال قتادة: " يعني: من بعدهم من إخوانهم في الدنيا، أنهم لو رأوا قتالا لاستشهدوا ليلحقوا بهم" (١١). قال الزجاج: " أي لم يلحقوا بهم في الفضل إلا أن لهم فضلا عظيما بتصديقهم وإيمانهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (١٢). قال ابن كثير: أي: " ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدَمون" (١٣).

стр. 2579

قال الزمخشري: أي: " ﴿ويستبشرون﴾ بإخوانهم المجاهدين بالذين لم يلحقوا بهم، أى: لم يقتلوا فيلحقوا بهم من خلفهم يريد الذين من خلفهم قد بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم. وقيل: لم يلحقوا بهم، لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم، والمعنى: ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين، وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة، بشرهم الله بذلك فهم مستبشرون به. وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم بعث للباقين بعدهم على ازدياد الطاعة، والجد في الجهاد، والرغبة في نيل منازل الشهداء وإصابة فضلهم، وإحماد لحال من يرى نفسه في خير فيتمنى مثله لإخوانه في الله، وبشرى للمؤمنين بالفوز في المآب. قال أبو السعود: " أي ويستبشرون بما تبين لهم من حسن حال إخوانهم الذين تركوهم وهو أنهم عند قتلهم يفوزون بحياة أبدية لا يكدرها خوف وقوع محذور ولا حزن فوات مطلوب أو لا خوف عليهم في الدنيا من القتل فإنه عين الحياة التي يجب أن يرغب فيها فضلا عن أن تخاف وتحذر أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون والمراد بيان دوام انتفاء الخوف والحزن لا بيان انتفاء دوامهما كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا فإن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام" (١). قال السعدي: " أي: يبشر بعضهم بعضا، بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، وأنهم سينالون ما نالوا" (٢). قال الطبري: أي: " ويفرحون بمن لم يلحق بهم من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على مناهجهم من جهاد أعداء الله مع رسوله، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا فلحقوا بهم صاروا من كرامة الله إلى مثل الذي صاروا هم إليه فهم لذلك مستبشرون بهم، فرحون أنهم إذا صاروا كذلك" (٣). قال المراغي: " أي: ويسرون بإخوانهم المجاهدين الذين لم يقتلوا بعد فى سبيل الله، فيلحقوا بهم من خلفهم، أي أنهم بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم" (٤). أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: " لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء، قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبون ما أصبنا من الخير- فأخبر النبي ﷺ بأمرهم، وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم أني قد أنزلت على نبيكم- وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه، فاستبشروا بذلك، فذلك قوله: ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾، الآية" (٥). وقال السدي: " فإن الشهيد يؤتى بكتاب فيه من يقدم عليه من إخوانه وأهله، يقال: تقدم عليك فلان، يوم كذا وكذا، تقدم عليك فلان، يوم كذا وكذا، فيستبشر حين تقدم عليه كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا" (٦). قال الثعلبي: وأصل البشارة " من البشرة، لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في بشرة وجهه" (٧). قوله تعالى: ﴿َألَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، " أي: بأنْ لا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون على مفارقة الدنيا" (٨). أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: " في قول الله تعالى: ﴿ألا خوف عليهم﴾، يعني: في الآخرة" (٩)، " ﴿ولا هم يحزنون﴾، يعني: لا يحزنون للموت (١٠). قال ابن كثير: أي: " وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم" (١١).

стр. 2580

قال السعدي: " أي: يستبشرون بزوال المحذور عنهم وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور" (١). قال الطبري: " يعني بذلك: لا خوف عليهم، لأنهم قد أمنوا عقاب الله، وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمنوا الخوف الذي كانوا يخافونه من ذلك في الدنيا، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم من أسباب الدنيا ونكد عيشها، للخفض الذي صارُوا إليه والدعة والزُّلْفة" (٢). الفوائد: ١ - أن هؤلاء الشهداء لهم شعور، لقوله: ﴿فرحين﴾، لأن الفرح من الشعور النفسي. ٢ - أن الفضل لله على عباده في الدنيا والآخرة. ٣ - أن هؤلاء الشهداء يستبشرون، أي يبشّر بعضهم بعضا بالذين لم يلحقوا بهم من بعدهم. ٤ - أن هؤلاء الشهداء ليس عليهم خوف ولا حزن. القرآن ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾ [آل عمران: ١٧١] التفسير: وإنهم في فرحة غامرة بما أُعطوا من نعم الله وجزيل عطائه، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين به، بل ينمِّيه ويزيده من فضله. قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران: ١٧١]، أي: " يفرحون بما حباهم به الله تعالى من عظيم كرامته عند ورودهم عليه، وبما أسبغ عليهم من الفضل وجزيل الثواب" (٣). قال محمد بن إسحاق: ": ﴿يستبشرون بنعمة من الله وفضل﴾ الآية، لما عاينوا من وفاء الموعود وعظيم الثواب" (٤). قال النسفي: أي: " يسرون بما أنعم الله عليهم وما تفضل عليهم من زيادة الكرامة" (٥). قال الحسن: "من قتل في سبيل الله يقدم إلى البشرى إلى ما قدم من خير في الجنة، ويقول: أخي تركته على مثل عملي، يقتل الآن، فيقدم على مثل ما قدمت عليه فيستبشر بالجنة" (٦). قال الماتريدي: " ﴿وفضل﴾، أي: بدين من الله؛ كقوله - تعالى -: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، قيل: بدينه، ويحتمل: ﴿يستبشرون بنعمة من الله﴾: الجنة، ﴿وفضل﴾: زيادات لهم وكرامات من الله، " (٧). قال السمعاني: " قيل: أراد بالنعمة: قدر الكفاية، وبالفضل: ما زاد على الكفاية، ومعناه: لا يضيق عليهم، بل يوسع في العطاء، وقيل: ذكر الفضل تأكيدا للنعمة" (٨). قال الزمخشري: " ثم أكد تعالى استبشارهم بقوله: ﴿يستبشرون بنعمة﴾، ثم بين تعالى بقوله: ﴿وفضل﴾، فوقع إدخاله إياهم الجنة الذي هو فضل منه لا بعمل أحد، وأما النعمة في الجنة والدرجات فقد أخبر أنها على قدر الأعمال" (٩). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١]، أي: وإن الله" لا يبطل جزاء أعمال من صدّق رسوله واتبعه، وعمل بما جاءه من عند الله" (١٠). قال مقاتل: " يعنى: أجر المصدقين بتوحيد الله" (١١).

стр. 2581

قال الماتريدي: " أي: لا يضيع من حسناتهم وخيراتهم وإن قل وصغر؛ كقوله : (نتقبل عنهم أحسن ما عملوا)، وكقوله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ... ﴾ [النساء: ٤٠] الآية" (١). قال ابن زيد: " وهذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سوى الشهداء، وقلما ذكر الله فضلا ذكر به الأنبياء، وثوابا أعطاهم إلا ذكر ما أعطى الله المؤمنين من بعدهم" (٢). وعن سعيد بن جبير: " ﴿المؤمنين﴾، يعني: المصدقين" (٣). قرأ الكسائي وحده: ﴿وأن الله لا يضيع﴾ مكسورة الألف، على الاستئناف، وقرأ الباقون ﴿وأن الله﴾، بالفتح (٤)، بمعنى: " يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وبأنّ الله لا يضيع أجر المؤمنين" (٥). وقرأ عبد الله ﴿وفضل والله لا يضيع﴾ (٦). الفوائد: ١ - إسناد النعمة إلى مسديها، وهو الله ﷻ ، فهم لايرون لأنفسهم فضلا بل يرون المنة والفضل لله عليهم، ولهذا قال: ﴿بنعمة من الله وفضل﴾. ٢ - إثبات عدل الله ، وذلك بعدم إضاعة أجر المؤمنين. ٣ - فضيلة الإيمان، وأنه سبب للحصول على الثواب والأجر. القرآن ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ [آل عمران: ١٧٢] التفسير: الذين لبُّوا نداء الله ورسوله وخرجوا في أعقاب المشركين إلى «حمراء الأسد» بعد هزيمتهم في غزوة «أُحد» مع ما كان بهم من آلام وجراح، وبذلوا غاية جهدهم، والتزموا بهدي نبيهم، للمحسنين منهم والمتقين ثواب عظيم. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أن إن هذا السياق نزل في شأن غزوة "حَمْراء الأسد"، وهو الصحيح. أخرج الطبري عن ابن عباس قال: "إن الله جل وعز قذف في قلب أبي سفيان الرعب - يعني يوم أحد - بعد ما كان منه ما كان، فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ : إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرّفًا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب! وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدَمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى نبيّ الله ﷺ ، واشتد عليهم الذي أصابهم. وإنّ رسول الله ندب الناس لينطلقوا معه، ويتَّبعوا ما كانوا متَّبعين، وقال: إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج، ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل، فجاء الشيطان فخوَّف أولياءه، فقال: إن الناس قد جمعوا لكم! فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال: إني ذاهبٌ وإن لم يتبعني أحد، لأحضِّضَ الناس، فانتدب معه أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وسعد، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبدالله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح، في سبعين رجلا فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ " (٧).

стр. 2582

وفي المعنى نفسه أخرج عن السدي: "انطلق أبو سفيان منصرفًا من أحد، حتى بلغ بعض الطريق، ثم إنهم ندموا وقالوا: بئسما صنعتم! إنكم قتلتموهم، حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم! ارجعوا واستأصلوهم. فقذف الله في قلوبهم الرعب، فهزموا، فأخبر الله رسوله، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، ثم رجعوا من حمراء الأسد، فأنزل الله جل ثناؤه فيهم: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾ " (١). وعن ابن جريج قال: "أخبرتُ أن أبا سفيان بن حرب لما راح هو وأصحابه يوم أحد، قال المسلمون للنبي ﷺ : إنهم عامدون إلى المدينة! فقال: إن ركبوا الخيل وتركوا الأثقال، فإنهم عامدون إلى المدينة، وإن جلسوا على الأثقال وتركوا الخيل، فقد رَعَبهم الله، وليسوا بعامديها. فركبوا الأثقال، فرعبهم الله. ثم ندب ناسًا يتبعونهم ليروا أن بهم قوة، فاتبعوهم ليلتين أو ثلاثًا، فنزلت: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾ " (٢). وروي البخاري من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة-﵂ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، قالت لعروة: " يا ابن أختي، كان أبواك منهم: الزبير، وأبو بكر، لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: «من يذهب في إثرهم» فانتدب (٣) منهم سبعون رجلا، قال: كان فيهم أبو بكر، والزبير" (٤). والثاني: نقل الفخر قال أبو بكر الأصم: "نزلت هذه الآية في يوم أحد لما رجع الناس إليه ﷺ بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنها بعد أن مثلوا بحمزة، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا، وصلى عليهم ﷺ ودفنهم بدمائهم، وذكروا أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال ﵊ للزبير: ردها لئلا تجزع من مثلة أخيها، فقالت: قد بلغني ما فعل به، وذلك يسير في جنب طاعة الله تعالى، فقال للزبير: فدعها تنظر إليه، فقالت خيرا واستغفرت له. وجاءت امرأة قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها فلما رأت النبي ﷺ وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر" (٥). والثالث: أنها نزلت في بَدْر الموعد، إذ نقل الثعلبي عن مجاهد وعكرمة: "نزلت هذه الآيات في غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا سفيان قال يوم أحد حين أراد أن ينصرف: يا محمد موعدنا بيننا وبينك موسم بدر الصغرى لقابل إن شئت. فقال رسول الله ﷺ : «ذلك بيننا وبينك إن شاء الله» فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية من الظهران، ثم ألقى الله الرعب في قلبه قبل الرجوع، فلقى نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال له أبو سفيان: يا نعيم إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى، وإن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا، فيزيدهم ذلك جرأة، ولأن يكون الخلف من جهتهم أحب إلي من أن يكون من قبلي، فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أنا في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها لك على يدي سهيل بن عمرو يضمنها، قال: فجاء سهيل فقال له نعيم: يا أبا يزيد أتضمن لي هذه الفرائض فانطلق إلى محمد واثبطه. قال: نعم، فخرج نعيم حتى قدم المدينة فوجد الناس يتجهزون بميعاد أبو سفيان، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبو سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها. قال: بئس الرأي رأيتم، أتوكم في دياركم وقراكم فلم يفلت منكم إلا شريد، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، والله لا يفلت منكم أحد. فكره أصحاب رسول الله الخروج، فقال رسول الله ﷺ : «والذي

стр. 2583

نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي»، فأما الجبان فرجع وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فخرج رسول الله ﷺ في أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى، فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون: قد جمعوا لكم. يريدون أن يرعبوا المسلمين، فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى لقوا بدر. وهو ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام. فأقام رسول الله ﷺ ببدر ينتظر أبا سفيان، وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة، فسماهم أهل مكة جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم تشربون السويق، فلم يلق رسول الله ﷺ وأصحابه أحدا من المشركين ببدر، ووافوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوها وأصابوا الدرهم والدرهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. فذلك قوله تعالى: ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾ " (١). والصحيح الأول، إذ أن سبب نزول الآية الكريمة ثناء الله سبحانه على أصحاب رسول الله ﷺ حين أجابوه لما دعاهم إليه للحاق المشركين، على الرغم مما فيهم من الجراح والآلام التي أصابتهم يوم أُحد؛ إظهاراً للجَلَد والقوة، وإرهاباً لأعداء الله. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، " أي: الذين أطاعوا الله وأطاعوا الرسول من بعد ما نالهم الجراح يوم أُحد" (٢). قال الطبري: أي: ": وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، المستجيبين لله والرسول من بعد ما أصابهم الجرح والكلوم، وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك: الذين اتبعوا رسول الله ﷺ إلى حَمْراء الأسد في طلب العدّو - أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش - مُنصَرَفهم عن أحد. وذلك أن أبا سفيان لما انصرف عن أحد، خرج رسول الله ﷺ في أثره حتى بلغ حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، ليرى الناسُ أنّ به وأصحابِه قوةً على عدوهم" (٣). قال ابن كثير: " هذا كان يوم "حمراء الأسد"، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كرُّوا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم تَنَدّمُوا لم لا تَمَّموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليُرْعِبَهم ويريهم أن بهم قُوّةً وجلدا، ولم يأذنْ لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد، سوى جابر بن عبد الله ﵁ لما سنذكره - فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله ولرسوله ﷺ " (٤). قال ابن عطية: " والمستجيبون لله والرسول هم الذين خرجوا مع النبي ﷺ إلى حمراء الأسد في طلب قريش وانتظارهم لهم" (٥). قال محمد ابن إسحاق: " فقال الله ﵎: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرحُ﴾، أي: الجراح، وهم الذين سارُوا مع رسول الله ﷺ الغدَ من يوم أحد إلى حمراء الأسد، على ما بهم من ألم الجراح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم" (٦). وعن قتادة: " قوله: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾، الآية، وذلك يوم أحد، بعد القتل والجراح، وبعد ما انصرف المشركون - أبو سفيان وأصحابه - فقال ﷺ لأصحابه: ألا عِصابة تنتدبُ لأمر الله، تطلب عدوّها؟ فإنه أنكى للعدو، وأبعد للسَّمع! فانطلق عصابة منهم على ما يعلم الله تعالى من الجَهد" (٧). قال عكرمة: " كان يوم أحد [يوم] السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد من يوم أحد، يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذَّن مؤذِّن رسول الله ﷺ في الناس بطلب العدو، وأذَّن مؤذِّنه أن

стр. 2584

: لا يخرجنَّ معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس. فكلمه جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام فقال: يا رسول الله، إنّ أبي كان خلَّفني على أخوات لي سبع، وقال لي: يا بني، إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولستُ بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسي! فتخلَّف على أخواتك، فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله ﷺ ، فخرج معه. وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبًا للعدوّ، ليبلغهم أنه خرج في طلبهم، ليظنوا به قوة، وأنّ الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم" (١). وعن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان، قال: "أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ من بني عبد الأشهل، كان شهد أحدًا قال: شهدتُ مع رسول الله ﷺ أحدًا، أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين: فلما أذَّن [مؤذِّن] رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدوّ، قلت لأخي - أو قال لي -: أتفوتنا غزوةٌ مع رسول الله ﷺ ؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل! فخرجنا مع رسول الله ﷺ ، وكنت أيسر جرحًا منه، فكنتُ إذا غُلب حملته عُقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثًا، الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة" (٢). قال ابن هشام: " قال ابن إسحاق: فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة، واستعمل على المدينة ابن أم مَكْتوم فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة. وقد مَر به - كما حدثني عبد الله بن أبي بكر - معبد بن أبي مَعْبد الخزاعي، وكانت خُزاعة - مسلمهم ومشركهم - عيبة نُصح (٣) لرسول الله ﷺ بتِهامة، صَفْقَتُهم معه (٤)، لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد، أما والله لقد عَزّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوَددْنا أن الله عافاك فيهم. ثم خرج ورسول الله ﷺ بحمراء الأسد، حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالرَّوحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وقالوا: أصبنا حَد أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم .. لنُكرّنَّ على بقيتهم فَلَنَفْرُغَنَّ منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جَمْع لم أر مثله قط، يتحرقون (٥) عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحَنَق (٦) عليكم شيء لم أر مثله قط. قال: ويلك. ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل - قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإني أنهاك عن ذلك. ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من شعر، قال: وما قلت؟ قال: قلت: كادَتْ تُهدُّ منَ الأصوات رَاحلتي ... إذْ سَالَت الأرضُ بالجُرْدِ الأبابيل (٧) تَرْدى بأسْدٍ كرام لا تَنَابلة ... عنْد اللّقاء ولا ميل مَعَازيل (٨) فَظَلْتُ عَدْوا أظُنُّ الأرض مائلةً ... لَمَّا سَمَوا برئيس غير مَخْذول (٩) فقلتُ: ويل ابن حَرْب من لقائكُمُ (١٠) ... إذا تَغَطْمَطَت البطحاء بالجيل (١١)

стр. 2585

إني نذير لأهل البَسْل ضَاحيَةً ... لكل ذي إرْبَة منهم ومعقول (١) من جَيْش أحمدَ لا وَخْشٍ تَنَابِلة ... وليس يُوصف ما أنذرت بالقيل (٢) قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومر به ركب من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة؟ قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. قال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة: أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد، أراد الرجوع إلى المدينة، ليستأصل بقية أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال لهم صفوان بن أمية بن خلف: لا تفعلوا، فإن القوم قد حربوا، وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان، فارجعوا، فرجعوا. فقال النبي ﷺ ، وهو بحمراء الأسد، حين بلغه أنهم هموا بالرجعة: والذي نفسي بيده، لقد سومت (٣) لهم حجارة، لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب" (٤). قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، "أي: لمن أطاع منهم أمر الرسول وأجابه إِلى الغزو - على ما به من جراح وشدائد - الأجرُ العظيم والثواب الجزيل" (٥). قال السمرقندي: " أي الذين أوفوا الميعاد واتقوا السخط في معصية رسول الله ﷺ لهم ثواب كثير" (٦). أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة: " ﴿أجر عظيم﴾، قال: الجنة" (٧). وروي عن الحسن، وسعيد بن جبير، وعكرمة والضحاك وقتادة نحو ذلك (٨). وفي قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، وجوه (٩): أحدها: أن قوله ﴿أحسنوا﴾، دخل تحته الائتمار بجميع المأمورات، وقوله: ﴿واتقوا﴾، دخل تحته الانتهاء عن جميع المنهيات، والمكلف عند هذين الأمرين يستحق الثواب العظيم. والثاني: أن المعنى أنهم ﴿أحسنوا﴾ في طاعة الرسول في ذلك الوقت، ﴿واتقوا﴾ الله في التخلف عن الرسول، وذلك يدل على أنه يلزمهم الاستجابة للرسول وإن بلغ الأمر بهم في الجراحات ما بلغ من بعد أن يتمكنوا معه من النهوض. الثالث: أنهم ﴿أحسنوا﴾: فيما أتوا به من طاعة الرسول ﷺ ، ﴿واتقوا﴾ ارتكاب شيء من المنهيات بعد ذلك. قال الزمخشري: " و ﴿من﴾ في ﴿للذين أحسنوا منهم﴾، للتبيين، مثلها في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]، لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا، لا بعضهم" (١٠). روي عن ابن عباس أنه قال: "افصلوا بينهما: قوله: ﴿للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾، ﴿الذين قال لهم الناس﴾ " (١١).

стр. 2586

الفوائد: ١ - بيان فضيلة الصحابة-﵃ وأنهم بما معهم من الأعمال نالوا خيرية هذه الأمة. ٢ - أن أمر الرسول- ﷺ أمر الله، لقوله: ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾. ٣ - أن المصائب محك لمعرفة ارجال. ٤ - فضيلة الإحسان والتقوى. ٥ - أن الجزاء من جنس العمل، فالتقوى والإحسان من أعظم عمل العبد فكان ثوابها عظيما. القرآن ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣] التفسير: وهم الذين قال لهم بعض المشركين: إن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا أمرهم على الرجوع إليكم لاستئصالكم، فاحذروهم واتقوا لقاءهم، فإنه لا طاقة لكم بهم، فزادهم ذلك التخويف يقينًا وتصديقًا بوعد الله لهم، ولم يَثْنِهم ذلك عن عزمهم، فساروا إلى حيث شاء الله، وقالوا: حسبنا الله أي: كافينا، ونِعْم الوكيل المفوَّض إليه تدبير عباده. في سبب نزول قولان: أحدها: أخرج الطبري عن ابن عباس قال: استقبل أبو سفيان في منصرفه من أحد عِيرًا واردةَ المدينة ببضاعة لهم، وبينهم وبين النبي ﷺ حِبال، فقال: إنّ لكم عليَّ رضاكم إن أنتم رددتم عني محمدًا ومن معه، إن أنتم وجدتموه في طلبي، وأخبرتموه أنّي قد جمعت له جموعًا كثيرة. فاستقبلت العيرُ رسول الله ﷺ فقالوا له: يا محمد إنا نخبرك أنّ أبا سفيان قد جمع لك جموعًا كثيرة، وأنه مقبل إلى المدينة، وإن شئت أن ترجع فافعل! فلم يزده ذلك ومن معه إلا يقينًا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأنزل الله ﵎: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾، الآية" (١)، وروي عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (٢)، والسدي" (٣)، وقتادة (٤)، نحو ذلك. والثاني: أخرج الطبري عن عكرمة قال: "كانت بدر متجرًا في الجاهلية، فخرج ناس من المسلمين يريدونه، ولقيهم ناسٌ من المشركين فقالوا لهم: إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم! فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ الأهبة للقتال وأهبة التجارة، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل! فأتوهم فلم يلقوا أحدًا، فأنزل الله فيهم: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ " (٥). وروي عن مجاهد (٦)، وابن جريج (٧) نحو ذلك. والصواب –والله أعلم- هو القول الأول، يعني: أن "الذي قيل لرسول الله ﷺ وأصحابه من أنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، كان في حال خروج رسول الله ﷺ وخروج من خرج معه في أثر أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش، مُنْصَرَفهم عن أحد إلى حمراء الأسد، لأن الله تعالى ذكره إنما مدح الذين وصفهم بقيلهم: حسبنا الله ونعم الوكيل، لما قيل لهم: إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، بعد الذي قد كان نالهم من القروح والكلوم بقوله: الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، ولم تكن هذه الصفة إلا صفة من تبع رسول الله ﷺ من جرحى أصحابه بأحد إلى حمراء الأسد، وأما الذين خرجوا معه إلى غزوة بدر الصغرى، فإنه لم يكن فيهم جريح إلا جريح قد تقادم اندمال جرحه وبرأ كلمُه. وذلك أن رسول الله ﷺ إنما خرج إلى بدر الخرجة الثانية إليها، لموعد أبي سفيان الذي كان

стр. 2587

واعده اللقاء بها، بعد سنة من غزوة أحد، في شعبان سنة أربع من الهجرة. وذلك أن وقعة أحد كانت في النصف من شوال من سنة ثلاث، وخروج النبي ﷺ لغزوة بدر الصغرى إليها في شعبان من سنة أربع، ولم يكن للنبيّ ﷺ بين ذلك وقعة مع المشركين كانت بينهم فيها حرب جرح فيها أصحابه، ولكن قد كان قتل في وقعة الرَّجيع من أصحابه جماعة لم يشهد أحد منهم غزوة بدر الصغرى. وكانت وقعة الرَّجيع فيما بين وقعة أحد وغزوة النبي ﷺ بدرًا الصغرى" (١). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، " أي: الذين أرجف لهم المرجفون من أنصار المشركين فقالوا لهم: إِن قريشاً قد جمعت لكم جموعاً لا تحصى فخافوا على أنفسكم، فما زادهم هذا التخويف إِلا إِيماناً" (٢). قال الماوردي: " أما الناس في الموضعين وإن كان بلفظ الجمع فهو واحد لأنه تقدير الكلام جاء القول من قِبَل الناس، والذين قال لهم الناس هم المسلمون" (٣). وفي الناس القائل أربعة أقوال: أحدها: هو أعرابي جُعِل له على ذلك جُعْل، وهذا قول السدي (٤). والثاني: هو نعيم بن مسعود الأشجعي، وهذا قول مجاهد (٥)، ومقاتل (٦)، وعكرمة (٧)، والواقدي (٨). قال الثعلبي: "وهو على هذا التأويل من العام الذي أريد به الخاص، نظيره قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٥٤]، يعني محمدا وحده، وقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، يريد الرجال وحده" (٩). والثالث: يريد ب (الناس) الركب من عبد القيس. وهذا قول محمد بن إسحاق (١٠). والرابع: أنهم قوم من بني هذيل. قاله أبو معشر (١١). وأما ﴿الناس﴾ الثاني، فالمراد: أبو سفيان وأصحابه من قريش، الذين كانوا معه بأحد (١٢). واختلفوا في الوقت الذي أراد أبو سفيان أن يجمع لهم هذا الجمع على قولين: أحدهما: بعد رجوعه على أُحُد سنة ثلاث حتى أوقع الله في قلوب المشركين الرعب كفّوا، وهذا قول ابن عباس (١٣)، وعبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (١٤)، والسدي" (١٥)، وقتادة (١٦). والثاني: أن ذلك في بدر الصغرى سنة أربع بعد أحد بسنه، وهذا قول عكرمة (١٧)، ومجاهد (١٨)، وابن جريج (١٩). والراجح أن الوقت كان عند مُنْصَرَفهم عن أحد إلى حمراء الأسد. والله أعلم.

стр. 2588

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، "أي: وقال المؤمنون: الله كافينا وحافظنا ومتولي أمرنا ونعم الملجأ والنصير لمن توكل عليه جل وعلا" (١). قال المراغي: " أي قالوا معبرين عن صادق إيمانهم بالله: الله يكفينا ما يهمنا من أمر الذين جمعوا الجموع لنا، فهو لا يعجزه أن ينصرنا على قلتنا وكثرتهم، أو يلقى فى قلوبهم الرعب، فيكفينا شر بغيهم وكيدهم، وقد كان الأمر كما ظنوا، فألقى الله الرعب فى قلب أبى سفيان وجيشه على كثرة عددهم وتوافر عددهم، فولوا مدبرين، وكان فى ذلك عزة لله ولرسوله وللمؤمنين" (٢). قال الطبري: أي: " فزادهم ذلك من تخويف من خوَّفهم أمرَ أبي سفيان وأصحابه من المشركين، يقينًا إلى يقينهم، وتصديقًا لله ولوعده ووعد رسوله إلى تصديقهم، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي أمرهم رسول الله ﷺ بالسير فيه، ولكن ساروا حتى بلغوا رضوان الله منه، وقالوا ثقة بالله وتوكلا عليه: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، يعني: كفانا الله، ونعم المولى لمن وليَه وكفَله" (٣). قال الثعلبي: "وقوله: ﴿ونعم الوكيل﴾، أي: الموكول إليه الأمور، فعيل بمعنى مفعول. قال الواقدي: ﴿ونعم الوكيل﴾، أي: المانع، نظيره قوله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٦]، أي مانعا، وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]. عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كان آخر ما تكلم به رسول الله إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل» (٤) " (٥). قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف زادهم نعيم أو مقوله إيمانا؟ قلت: لما لم يسمعوا قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد وأظهروا حمية الإسلام، كان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى لاعتقادهم، كما يزداد الإيقان بتناصر الحجج ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى وجهة العدو طاعة عظيمة، والطاعات من جملة الإيمان لأن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل. وعن ابن عمر: قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة. وينقص حتى يدخل صاحبه النار» (٦)، وعن عمر رضى الله عنه: أنه كان يأخذ بيد الرجل فيقول: «قم بنا نزدد إيمانا» (٧). وعنه: «لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان هذه الأمة لرجح به» (٨) " (٩). وقال ابن عطية: " وقوله تعالى: فزادهم إيمانا، أي ثبوتا واستعدادا، فزيادة الإيمان في هذا هي في الأعمال، وأطلق العلماء عبارة: أن الإيمان يزيد وينقص، والعقيدة في هذا أن نفس الإيمان الذي هو تصديق واحد بشيء ما، إنما هو معنى فرد لا تدخله زيادة إذا حصل، ولا يبقى منه شيء إذا زال، فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقص في متعلقاته دون ذاته، فذهب بعض العلماء إلى أنه يقال: يزيد وينقص من حيث تزيد الأعمال الصادرة عنه وتنقص، لا سيما أن كثيرا من العلماء يوقعون اسم الإيمان على الطاعات، وذهب قوم: إلى أن الزيادة في الإيمان إنما هي بنزول الفروض والإخبار في مدة النبي ﷺ ، وفي المعرفة بها بعد الجهل غابر الدهر وهذا إنما زيادة إيمان إلى إيمان، فالقول فيه إن الإيمان يزيد وينقص قول مجازي ولا يتصور النقص فيه على هذا الحد وإنما يتصور الأنقص بالإضافة إلى الأعلم، وذهب قوم من العلماء: إلى أن زيادة الإيمان ونقصه إنما هي من طريق الأدلة، فتزيد الأدلة عند واحد، فيقال في ذلك: إنها زيادة في الإيمان، وهذا كما يقال في الكسوة، إنها زيادة في الإيمان، وذهب أبو المعالي في الإرشاد: إلى أن زيادة الإيمان ونقصانه إنما هو بثبوت المعتقد وتعاوره دائبا، قال: وذلك أن الإيمان عرض وهو لا يثبت زمانين فهو للنبي ﷺ

стр. 2589

وللصلحاء متعاقب متوال، وللفاسق والغافل غير متوال، يصحبه حينا ويفارقه حينا في الفترة، فذلك الآخر أكثر إيمانا، فهذه هي الزيادة والنقص وفي هذا القول نظر، وقوله تعالى: فزادهم إيمانا لا يتصور أن يكون من جهة الأدلة، ويتصور في الآية الجهات الأخر الثلاث، وروي أنه لما أخبر الوفد من عبد القيس رسول الله ﷺ بما حملهم أبو سفيان، وأنه ينصرف إليهم بالناس ليستأصلهم، وأخبر بذلك أيضا أعرابي، شق ذلك على المسلمين فقال لهم رسول الله ﷺ : قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل فقالوا واستمرت عزائمهم على الصبر ودفع الله عنهم كل سوء، وألقى الرعب في قلوب الكفار فمروا" (١). الفوائد: ١ - بيان أن المؤمن كلما ضاقت عليه المصائب فإنه يلجأ إلى ربه ويزداد إيمانا به. ٢ - أن الحسب هو الله وحده ولا أحد معه، كما أنه وحده المتوكل عليه. ٣ - الثناء على الله لكونه وكيلا لعباده، أي: حسيبا لهم وعمدة لهم. ٤ - إثبات اسم ﴿الوكيل﴾ لله، لأن تقدير الآية: ونعم الوكيل هو، ومعناه: المتكفل بشؤون عباده، وليس معناه: القائم بالأمر نيابة عنهم. ٥ - وفي الآية دليل على أن الإيمان يتفاوت زيادة ونقصانا، فإن ازدياد اليقين بتناصر الحجج، وكثرة التأمل، مما لا ريب فيه. القرآن ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾ [آل عمران: ١٧٤] التفسير: فرجعوا من «حمراء الأسد» إلى «المدينة» بنعمة من الله بالثواب الجزيل وبفضل منه بالمنزلة العالية، وقد ازدادوا إيمانًا ويقينًا، وأذلوا أعداء الله، وفازوا بالسلامة من القتل والقتال، واتبعوا رضوان الله بطاعتهم له ولرسوله. والله ذو إحسان وعطاء كثير واسع عليهم وعلى غيرهم. في سبب نزول هذه الآية والتي بعدها: قال عكرمة: " ثم خرج رسول الله ﷺ إلى بدر الصغرى، وبهم الكلوم، خرجوا لموعد أبي سفيان فمر بهم أعرابي، ثم مر بأبي سفيان وأصحابه وهو يقول: ونفرت ناقتي محمد من رفقتي ... وعجوة منثورة كالعنجد. فتلقاه أبو سفيان فقال: ويلك، ما تقول؟ فقال: محمد وأصحابه تركتهم ببدر الصغرى، فقال أبو سفيان: يقولون ويصدقون، ونقول ولا نصدق، وأصابت رسول الله ﷺ شيئا من الأعراب وانقلبوا، قال عكرمة: ففيهم أنزلت هذه الآية: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾، إلى قوله: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل﴾، الآية" (٢). وفي السياق نفسه قال الواقدي: " وفي قوله: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا﴾، إلى قوله: ﴿واتبعوا رضوان الله﴾، فإن أبا سفيان بن حرب وعد النبي ﷺ يوم أحد بدر الموعد الصفراء، على رأس الحول، فقيل لأبي سفيان: ألا توافي النبي؟ فبعث نعيم بن مسعود الأشجعي إلى المدينة يثبط المسلمين، وجعل له عشرا من الإبل إن هو ردهم، ويقول إنهم قد جمعوا جموعا وقد جاءوكم في داركم، لا تخرجوا إليهم. حتى كاد ذلك يثبطهم أو بعضهم، فبلغ النبي ﷺ فقال: والذي نفسي بيده، لو لم يخرج معي أحد لخرجت وحدي، فأنهجت (٣) لهم بصائرهم، فخرجوا بتجارات وكان بدر موسما، ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل﴾ في التجارة، يقول: اربحوا، ﴿لم يمسسهم سوء﴾ لم يلقوا قتالا، وأقاموا ثمانية أيام ثم انصرفوا" (٤).

стр. 2590

قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، "أي: فرجعوا بنعمة السلامة وفضل الأجر والثواب" (١). قال مقاتل: " يعني: فرجعوا إلى المدينة ﴿بنعمة من الله وفضل﴾، يعني: الرزق، وذلك أنهم أصابوا سرية في الصفراء، وذلك في ذي القعدة" (٢). عن أبي مالك قوله: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله﴾، قال: لم يلقوا أحدا" (٣). قال القاسمي: " أي: رجعوا من حمراء الأسد بعافية وكمال الشجاعة وزيادة الإيمان والتصلب في الدين" (٤). قال الطبري: أي: " فانصرف الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، من وجههم الذي توجَّهوا فيه - وهو سيرهم في أثر عدوهم - إلى حمراء الأسد بعافية من ربهم، لم يلقوا بها عدوًّا، وأصابوا فيها من الأرباح بتجارتهم التي تَجَروا بها، الأجر الذي اكتسبوه" (٥). قال الزجاج: " المعنى: فلم يخافوا ما خافوا، وصاروا إلى الموعد الذي وعدوا فيه، ﴿فانقلبوا بنعمة﴾، أي انقلبوا مؤمنين قد هرب منهم عدوهم، وقيل في التفسير إنهم أقاموا ثلاثا واشتروا أدما وزبيبا ربحوا فيه، وكل ذلك جائز، إلا أن إنقلابهم بالنعمة هي نعمة الإيمان والنصر على عدوهم" (٦). قال مجاهد: " والفضل: ما أصابوا من التجارة والأجر" (٧). قال ابن جريج: "ما أصابوا من البيع: ﴿نعمة من الله وفضل﴾، أصابوا عَفْوه وغِرَّته لا ينازعهم فيه أحد" (٨). عن أسباط، عن السدي، قال: "أعطي رسول الله ﷺ يعني حين خرج إلى غزوة بدر الصغرى - ببدر دراهم، ابتاعوا بها من موسم بدر فأصابوا تجارة، فذلك قول الله: ﴿فانقلبوا بنعمة من لله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله﴾. أما النعمة فهي العافية، وأما الفضل فالتجارة " (٩). قوله تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، أي: " لم ينلهم بها مكروه من عدوّهم ولا أذى" (١٠). قال عباس: قوله: ﴿وفضل لم يمسسهم سوء﴾، قال: لم يؤذهم أحد" (١١). عن أبي مالك: "قوله: ﴿لم يمسسهم سوء﴾، قال: لم يصبهم إلا خير" (١٢). قال ابن جريج: "وقوله: ﴿لم يمسسهم سوء﴾، قال: قتل" (١٣). وروي عن السدي مثل ذلك (١٤). قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، "أي: ونالوا رضوان الله" (١٥). عن ابن عباس: " قوله: ﴿واتبعوا رضوان الله﴾، فأطاعوا الله ورسوله، واتبعوا حاجتهم" (١٦). قال ابن جريج: " ﴿واتبعوا رضوان الله﴾، قال: طاعة النبيّ ﷺ " (١٧). قال مقاتل: " يعني: رضى الله في الاستجابة لله- وللرسول- ﷺ في طلب المشركين" (١٨).

стр. 2591

قال الطبري: أي: " أنهم أرضوا الله بفعلهم ذلك، واتباعهم رسوله إلى ما دعاهم إليه من اتباع أثر العدوّ، وطاعتهم" (١). قال القاسمي: " أي: في طاعة رسوله بخروجهم وجراءتهم" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، " أي: والله ذو إِحسان عظيم على العباد" (٣). قال مقاتل: " على أهل طاعته" (٤). قال الطبري: أي: " والله ذو إحسان وطَوْل عليهم - بصرف عدوهم الذي كانوا قد همُّوا بالكرة إليهم، وغير ذلك من أياديه عندهم وعلى غيرهم - بنعمه عظيم عند من أنعم به عليه من خلقه" (٥). قال القاسمي: " حيث تفضل عليهم بالعافية وما ذكر معها، وبالحفظ عن كل ما يسوؤهم. وفيه تحسير للمتخلف وتخطئة رأيه حيث حرم نفسه ما فازوا به" (٦). قال محمد بن إسحاق: " ﴿والله ذو فضل عظيم﴾، لما صرف عنهم من لقاء عدوهم" (٧). قال ابن عباس: " أطاعوا الله وابتغوا حاجتهم، ولم يؤذهم أحد، ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم﴾ " (٨). الفوائد: ١ - فضيلة هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول لما أصابهم من الثواب. ٢ - أن الإنسان إذا عمل العمل وسعى فيه ولم يكمله كتب له أجر كامل، قال ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا" (٩). ٣ - إثبات الرضا لله، والرضا من صفات الله الحقيقية. ٤ - إثبات اتصاف الله بالفضل العظيم في كميته، العظيم في كيفيته. القرآن ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥] التفسير: إنَّما المثبِّط لكم في ذلك هو الشيطان جاءكم يخوِّفكم أنصاره، فلا تخافوا المشركين; لأنّهم ضعاف لا ناصر لهم، وخافوني بالإقبال على طاعتي إن كنتم مصدِّقين بي، ومتبعين رسولي. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، "أي: إِنما ذلكم القائل ﴿إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ بقصد تثبيط العزائم هو الشيطان يخوفكم أولياءه وهم الكفار لترهبوهم" (١٠). قال السمرقندي: " يعني نعيم بن مسعود، لأن كل عات متمرد شيطان" (١١). قال الزجاج: " أي ذلك التخويف الذي كان فعل الشيطان، أي: هو قوله للمخوفين، يخوف أولياءه" (١٢). قال ابن كثير: " أي: يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة" (١٣).

стр. 2592

قال الثعلبي: " يعني: ذلك الذي قال لكم: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾، من فعل الشيطان ألقى في أفواههم يرهبوهم ويجبنوا عنهم، ﴿يخوف أولياءه﴾، أي: يخوفكم بأوليائه، أي أولياء إبليس حتى يخوف المؤمنين بالكافرين" (١). قال الطبري: أي: " إنما الذي قال لكم، أيها المؤمنون: إن الناس قد جمعوا لكم، فخوفوكم بجموع عدوّكم ومسيرهم إليكم، من فعل الشيطان ألقاه على أفواه من قال ذلك لكم، يخوفكم بأوليائه من المشركين - أبي سفيان وأصحابه من قريش - لترهبوهم، وتجبنوا عنهم" (٢). قال محمد بن إسحاق: " أي: أولئك الرهط، يعني النفر من عبد القيس، الذين قالوا لرسول الله ﷺ ما قالوا، وما ألقى الشيطان على أفواههم يخوّف أولياءه، أي: يرهبكم بأوليائه" (٣). قال الزمخشري: "المعنى: إنما ذلك المثبط هو الشيطان، و ﴿يخوف أولياءه﴾: جملة مستأنفة بيان لشيطنته، أو ﴿الشيطان﴾ صفة لاسم الإشارة، و ﴿يخوف﴾ الخبر. والمراد بالشيطان نعيم، أو أبو سفيان، ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف، بمعنى: إنما ذلكم قول الشيطان، أى قول إبليس لعنه الله ﴿يخوف أولياءه﴾، يخوفكم أولياءه الذين هم أبو سفيان وأصحابه، وتدل عليه قراءة ابن عباس وابن مسعود: «يخوفكم أولياءه»، وقوله: ﴿فلا تخافوهم﴾، وقيل: يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله ﷺ . فإن قلت: فإلام رجع الضمير في فلا تخافوهم على هذا التفسير؟ قلت: إلى الناس في قوله: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾ " (٤). قال ابن عطية: " والإشارة بـ ﴿ذلكم﴾ إلى جميع ما جرى من أخبار الركب العبديين، عن رسالة أبي سفيان ومن تحميل أبي سفيان ذلك الكلام، ومن جزع من ذلك الخبر من مؤمن أو متردد" (٥). قال ابن عباس: " ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، يقول: الشيطان يخوّف المؤمنين بأوليائه" (٦). وعن ابن عباس في رواية عطية العوفي: قال: "فجاء الشيطان يخوف أولياءه فقال: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾ " (٧). وروي عن عكرمة وإبراهيم النخعي نحو ذلك (٨). قال مجاهد: " ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه﴾، قال: يخوّف المؤمنين بالكفار" (٩). وعن سالم الأفطس في قوله: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، قال: "يخوفكم بأوليائه" (١٠). وقال السدي: ": ذكر أمر المشركين وعِظمهم في أعين المنافقين فقال: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، يعظم أولياءه في صدوركم فتخافونه" (١١). وروي عن وأبي مالك نحو ذلك (١٢). فنستنتج بأنه في تخويف أولياء الشيطان أقوال: أحدها: أنه يخوف المؤمنين من أوليائه المشركين، وهذا قول ابن عباس (١٣)، ومجاهد (١٤)، وقتادة (١٥)، وسالم الأفطس (١٦).

стр. 2593

والثاني: أنه يخوف أولياءَه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين، وهذا قول الحسن (١)، وابن عباس في رواية عطية العوفي (٢)، وعكرمة (٣)، وإبراهيم النخعي (٤). والثالث: أنه يعظم أولياءه في صدوركم أو أعينكم لتخافوهم. وهذا قول السدي (٥)، وأبي مالك (٦). والرابع: أنه يعني: المشركين يخوفهم المسلمين، وذلك يوم بدر. وهذا قول سعيد بن جبير (٧). وعن عطاء، عن ابن عباس: " أنه كان يقرأ: ﴿إنما ذلك الشيطان يخوفكم أولياءه﴾ " (٨). وفي قراءة ابن مسعود: ﴿يخوف الناس أولياءه﴾، وفي قراءة أبي بن كعب: ﴿يخوفكم بأوليائه﴾ (٩). قال الماتريدي: المعنى: " يخوف أولياءه وأعداءه، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياؤه يخافونه؛ كقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْر﴾ [يس: ١١]: ومن لم يتبع، لكن من اتبع الذكر كان يقبل إنذاره، ومن لم يتبع الذكر لا؛ وإلا فإنه كان ينذر الفريقين جميعا؛ فعلى ذلك الشيطان كان يخوف أولياءه وأعداءه جميعا، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياءه يخافونه. ويحتمل قوله: ﴿يخوف أولياءه﴾، أي: بأوليائه، وجائز هذا في الكلام؛ كقوله: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ [الشورى: ٧]، أي: بيوم الجمع؛ ألا ترى أنه قال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ فعلى ذلك قوله: ﴿يخوف أولياءه﴾، أي: بأوليائه" (١٠). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، "أي: فلا تخافوهم ولا ترهبوهم فإِني متكفل لكم بالنصر عليهم، ولكن خافوا إن كنتم مؤمنين حقاً أن تعصوا أمري فتهلكوا" (١١). قال الزجاج: " أي: لا تخافوا المشركين، إن كنتم مصدقين، فقد أعلمتكم أني أنصركم عليهم فقد سقط عنكم الخوف، وقال بعضهم يخوف أولياءه، أي إنما يخاف المنافقون، ومن لا حقيقة لإيمانه" (١٢). قال الثعلبي: أي: " وخافون في ترك أمري، إن كنتم مصدقين بوعدي فإني المتكفل لكم بالنصر والظفر" (١٣). قال السمرقندي: أي: " ﴿فلا تخافوهم﴾ في الخروج، ﴿وخافون﴾ في القعود، إن كنتم مصدقين" (١٤). قال الماتريدي: " أي: لا تخافوه لمخالفتكم إياه، ﴿وخافونْ﴾ أي: خافوا مخالفتكم أمري؛ كقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠]، أخبر أن ليس له سلطان على الذين آمنوا؛ إنما سلطانه على الذين يتولونه؛ لذلك قال: لا تخافوه؛ لما ليس له عليكم سلطان، وخافون؛ لما لي عليكم سلطان، وبالله العصمة" (١٥). قال الزمخشري: أي: " ﴿فلا تخافوهم﴾ فتقعدوا عن القتال وتجبنوا، ﴿وخافون﴾ فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به، ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، يعنى: أن الإيمان يقتضى أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] " (١٦).

стр. 2594

قال عباد بن منصور: " سألت الحسن عن قوله: ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾، قال: إنما كان ذلك تخويف الشيطان، ولا يخاف الشيطان إلا ولي الشيطان" (١). قال النضر بن شميل: "تفسير المؤمن: إنه آمن من عذاب الله" (٢). قال الطبري: أي: " فلا تخافوا، أيها المؤمنون، المشركين، ولا يعظُمَن عليكم أمرهم، ولا ترهبوا جمعهم، مع طاعتكم إياي، ما أطعتموني واتبعتم أمري، وإني متكفِّل لكم بالنصر والظفر، ولكن خافون واتقوا أن تعصوني وتخالفوا أمري، فتهلكوا إن كنتم مؤمنين، يقول: ولكن خافونِ دون المشركين ودون جميع خلقي، أنْ تخالفوا أمري، إن كنتم مصدِّقي رسولي وما جاءكم به من عندي" (٣). قال ابن كثير: أي: فإذا سوّل لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجؤوا إلي، فأنا كافيكم وناصركم عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٦ - ٣٨] وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وقال تعالى ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢] " (٤). الفوائد: ١ - بيان شدة عداوة الشيطان لبني آدم، إذ يرعبهم ويخوفهم بأوليائه. ٢ - أن الشيطان يدافع عن أوليائه بل يهاجم بهم. ٣ - أنه يجب على المؤمن أن لايخاف من اولياء الشيطان، لقوله: ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾. ٤ - أنه كلما قوي إيمان الإنسان بالله قوي خوفه منه، لقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾. ٥ - أنه كلما قوي الإيمان بالله قوي الخوف منه وضعف الخوف من أولياء الشيطان. ٦ - أن الحوف من الله هو من مقتضيات الإيمان ومستلزماته، لقولهك ﴿إن كنتم مؤمنين﴾. القرآن ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)﴾ [آل عمران: ١٧٦] التفسير: لا يُدْخِل الحزنَ إلى قلبك -أيها الرسول- هؤلاء الكفارُ بمسارعتهم في الجحود والضلال، إنهم بذلك لن يضروا الله، إنما يضرون أنفسهم بحرمانها حلاوة الإيمان وعظيم الثواب، يريد الله ألا يجعل لهم ثوابًا في الآخرة; لأنهم انصرفوا عن دعوة الحق، ولهم عذاب شديد. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: قال الكلبي: "يعني به المنافقين ورؤساء اليهود، كتموا صفة محمد ﷺ في الكتاب فنزل: ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر" (٥). والثاني: ويقال: "إن أهل الكتاب لما لم يؤمنوا، شق ذلك على رسول الله ﷺ ، لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون: إنهم أهل الكتاب، فلو كان قوله حقا لا تبعوه. فنزلت هذه الآية" (٦).

стр. 2595

والثالث: ويقال: "نزلت في مشركي قريش، لأنهم كانوا أقرباءه، والناس يقولون: لو كان قوله حقا لا تبعه أقرباؤه، فشق ذلك عليه فنزلت: ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، " أي: ولا تحزن ولا تتألم يا محمد لأولئك المنافقين الذين يبادرون نحو الكفر" (٢). قال الطبري: أي: " ولا يحزنك، يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر مرتدِّين على أعقابهم من أهل النفاق" (٣). قال مجاهد: " هم الكافرون" (٤). قال مقاتل: " يعني: المشركين يوم أحد" (٥). قال مجاهد: " يعني: أنهم المنافقون" (٦). وروي عن محمد بن إسحاق مثل ذلك (٧). وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر: " ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾، قال: كان رجل من اليهود قتل رجلا من أهل بيته، فقالوا لحلفائه من المسلمين: سلوا محمدا، فإن كان يقضي بالدية اختصمنا إليه، وإن كان يأمر بالقتل لم نأته" (٨). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، يحتمل وجهين (٩): أحدهما: ولا يحزنك الذين ظاهروا غيرهم من المشركين عليكم، وقد ظاهر أهل مكة غيرهم من المشركين على رسول الله ﷺ فيقول الله لرسوله: ﴿ولا يحزنك﴾ مظاهرتهم عليك؛ فإن الله ينصرك؛ فيخرج هذا مخرج البشارة له بالنصر على أعدائه والغلبة عليهم. والثاني: أن رسول الله ﷺ كان يشتد عليه كفرهم بالله، ويحزن لذلك، كقوله – تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]؛ فيخرج قوله: ﴿ولا يحزنك﴾ مخرج تسكين الحزن، ودفعه عنه، والتسلي عن ذلك، لا مخرج النهي؛ إذ الحزن يأخذ الإنسان، ويأتيه من غير تكلف ولا صنع، وكقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]: هو على مخرج التسكين والدفع عنه، لا على النهي؛ فكذلك الأول - والله أعلم - وكقوله - تعالى - لأم موسى ﵇: ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ [القصص: ٧]. وقرأ نافع ﴿ولا يحزنك﴾، بضم الياء، وقرأ الباقون بالفتح وهما لغتان (١٠). وقرأ طلحة بن مصرف: ﴿يسرعون﴾ (١١). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]، " أي: إِنهم بكفرهم لن يضروا الله شيئاً وإِنما يضرون أنفسهم" (١٢). قال مجاهد: "هم المنافقون" (١٣). قال محمد بن إسحاق: " أي المنافقون إنهم لن يضروا الله شيئا" (١٤). قال الواحدي: " وهم المنافقون واليهود والمشركون" (١٥).
следующие страницы →