← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

قال الطبري: أي: " أنهم أرضوا الله بفعلهم ذلك، واتباعهم رسوله إلى ما دعاهم إليه من اتباع أثر العدوّ، وطاعتهم" (١). قال القاسمي: " أي: في طاعة رسوله بخروجهم وجراءتهم" (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، " أي: والله ذو إِحسان عظيم على العباد" (٣). قال مقاتل: " على أهل طاعته" (٤). قال الطبري: أي: " والله ذو إحسان وطَوْل عليهم - بصرف عدوهم الذي كانوا قد همُّوا بالكرة إليهم، وغير ذلك من أياديه عندهم وعلى غيرهم - بنعمه عظيم عند من أنعم به عليه من خلقه" (٥). قال القاسمي: " حيث تفضل عليهم بالعافية وما ذكر معها، وبالحفظ عن كل ما يسوؤهم. وفيه تحسير للمتخلف وتخطئة رأيه حيث حرم نفسه ما فازوا به" (٦). قال محمد بن إسحاق: " ﴿والله ذو فضل عظيم﴾، لما صرف عنهم من لقاء عدوهم" (٧). قال ابن عباس: " أطاعوا الله وابتغوا حاجتهم، ولم يؤذهم أحد، ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم﴾ " (٨). الفوائد: ١ - فضيلة هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول لما أصابهم من الثواب. ٢ - أن الإنسان إذا عمل العمل وسعى فيه ولم يكمله كتب له أجر كامل، قال ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا" (٩). ٣ - إثبات الرضا لله، والرضا من صفات الله الحقيقية. ٤ - إثبات اتصاف الله بالفضل العظيم في كميته، العظيم في كيفيته. القرآن ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥] التفسير: إنَّما المثبِّط لكم في ذلك هو الشيطان جاءكم يخوِّفكم أنصاره، فلا تخافوا المشركين; لأنّهم ضعاف لا ناصر لهم، وخافوني بالإقبال على طاعتي إن كنتم مصدِّقين بي، ومتبعين رسولي. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، "أي: إِنما ذلكم القائل ﴿إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ بقصد تثبيط العزائم هو الشيطان يخوفكم أولياءه وهم الكفار لترهبوهم" (١٠). قال السمرقندي: " يعني نعيم بن مسعود، لأن كل عات متمرد شيطان" (١١). قال الزجاج: " أي ذلك التخويف الذي كان فعل الشيطان، أي: هو قوله للمخوفين، يخوف أولياءه" (١٢). قال ابن كثير: " أي: يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة" (١٣).

стр. 2592

قال الثعلبي: " يعني: ذلك الذي قال لكم: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾، من فعل الشيطان ألقى في أفواههم يرهبوهم ويجبنوا عنهم، ﴿يخوف أولياءه﴾، أي: يخوفكم بأوليائه، أي أولياء إبليس حتى يخوف المؤمنين بالكافرين" (١). قال الطبري: أي: " إنما الذي قال لكم، أيها المؤمنون: إن الناس قد جمعوا لكم، فخوفوكم بجموع عدوّكم ومسيرهم إليكم، من فعل الشيطان ألقاه على أفواه من قال ذلك لكم، يخوفكم بأوليائه من المشركين - أبي سفيان وأصحابه من قريش - لترهبوهم، وتجبنوا عنهم" (٢). قال محمد بن إسحاق: " أي: أولئك الرهط، يعني النفر من عبد القيس، الذين قالوا لرسول الله ﷺ ما قالوا، وما ألقى الشيطان على أفواههم يخوّف أولياءه، أي: يرهبكم بأوليائه" (٣). قال الزمخشري: "المعنى: إنما ذلك المثبط هو الشيطان، و ﴿يخوف أولياءه﴾: جملة مستأنفة بيان لشيطنته، أو ﴿الشيطان﴾ صفة لاسم الإشارة، و ﴿يخوف﴾ الخبر. والمراد بالشيطان نعيم، أو أبو سفيان، ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف، بمعنى: إنما ذلكم قول الشيطان، أى قول إبليس لعنه الله ﴿يخوف أولياءه﴾، يخوفكم أولياءه الذين هم أبو سفيان وأصحابه، وتدل عليه قراءة ابن عباس وابن مسعود: «يخوفكم أولياءه»، وقوله: ﴿فلا تخافوهم﴾، وقيل: يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله ﷺ . فإن قلت: فإلام رجع الضمير في فلا تخافوهم على هذا التفسير؟ قلت: إلى الناس في قوله: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾ " (٤). قال ابن عطية: " والإشارة بـ ﴿ذلكم﴾ إلى جميع ما جرى من أخبار الركب العبديين، عن رسالة أبي سفيان ومن تحميل أبي سفيان ذلك الكلام، ومن جزع من ذلك الخبر من مؤمن أو متردد" (٥). قال ابن عباس: " ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، يقول: الشيطان يخوّف المؤمنين بأوليائه" (٦). وعن ابن عباس في رواية عطية العوفي: قال: "فجاء الشيطان يخوف أولياءه فقال: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾ " (٧). وروي عن عكرمة وإبراهيم النخعي نحو ذلك (٨). قال مجاهد: " ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه﴾، قال: يخوّف المؤمنين بالكفار" (٩). وعن سالم الأفطس في قوله: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، قال: "يخوفكم بأوليائه" (١٠). وقال السدي: ": ذكر أمر المشركين وعِظمهم في أعين المنافقين فقال: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، يعظم أولياءه في صدوركم فتخافونه" (١١). وروي عن وأبي مالك نحو ذلك (١٢). فنستنتج بأنه في تخويف أولياء الشيطان أقوال: أحدها: أنه يخوف المؤمنين من أوليائه المشركين، وهذا قول ابن عباس (١٣)، ومجاهد (١٤)، وقتادة (١٥)، وسالم الأفطس (١٦).

стр. 2593

والثاني: أنه يخوف أولياءَه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين، وهذا قول الحسن (١)، وابن عباس في رواية عطية العوفي (٢)، وعكرمة (٣)، وإبراهيم النخعي (٤). والثالث: أنه يعظم أولياءه في صدوركم أو أعينكم لتخافوهم. وهذا قول السدي (٥)، وأبي مالك (٦). والرابع: أنه يعني: المشركين يخوفهم المسلمين، وذلك يوم بدر. وهذا قول سعيد بن جبير (٧). وعن عطاء، عن ابن عباس: " أنه كان يقرأ: ﴿إنما ذلك الشيطان يخوفكم أولياءه﴾ " (٨). وفي قراءة ابن مسعود: ﴿يخوف الناس أولياءه﴾، وفي قراءة أبي بن كعب: ﴿يخوفكم بأوليائه﴾ (٩). قال الماتريدي: المعنى: " يخوف أولياءه وأعداءه، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياؤه يخافونه؛ كقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْر﴾ [يس: ١١]: ومن لم يتبع، لكن من اتبع الذكر كان يقبل إنذاره، ومن لم يتبع الذكر لا؛ وإلا فإنه كان ينذر الفريقين جميعا؛ فعلى ذلك الشيطان كان يخوف أولياءه وأعداءه جميعا، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياءه يخافونه. ويحتمل قوله: ﴿يخوف أولياءه﴾، أي: بأوليائه، وجائز هذا في الكلام؛ كقوله: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ [الشورى: ٧]، أي: بيوم الجمع؛ ألا ترى أنه قال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ فعلى ذلك قوله: ﴿يخوف أولياءه﴾، أي: بأوليائه" (١٠). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، "أي: فلا تخافوهم ولا ترهبوهم فإِني متكفل لكم بالنصر عليهم، ولكن خافوا إن كنتم مؤمنين حقاً أن تعصوا أمري فتهلكوا" (١١). قال الزجاج: " أي: لا تخافوا المشركين، إن كنتم مصدقين، فقد أعلمتكم أني أنصركم عليهم فقد سقط عنكم الخوف، وقال بعضهم يخوف أولياءه، أي إنما يخاف المنافقون، ومن لا حقيقة لإيمانه" (١٢). قال الثعلبي: أي: " وخافون في ترك أمري، إن كنتم مصدقين بوعدي فإني المتكفل لكم بالنصر والظفر" (١٣). قال السمرقندي: أي: " ﴿فلا تخافوهم﴾ في الخروج، ﴿وخافون﴾ في القعود، إن كنتم مصدقين" (١٤). قال الماتريدي: " أي: لا تخافوه لمخالفتكم إياه، ﴿وخافونْ﴾ أي: خافوا مخالفتكم أمري؛ كقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠]، أخبر أن ليس له سلطان على الذين آمنوا؛ إنما سلطانه على الذين يتولونه؛ لذلك قال: لا تخافوه؛ لما ليس له عليكم سلطان، وخافون؛ لما لي عليكم سلطان، وبالله العصمة" (١٥). قال الزمخشري: أي: " ﴿فلا تخافوهم﴾ فتقعدوا عن القتال وتجبنوا، ﴿وخافون﴾ فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به، ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، يعنى: أن الإيمان يقتضى أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] " (١٦).

стр. 2594

قال عباد بن منصور: " سألت الحسن عن قوله: ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾، قال: إنما كان ذلك تخويف الشيطان، ولا يخاف الشيطان إلا ولي الشيطان" (١). قال النضر بن شميل: "تفسير المؤمن: إنه آمن من عذاب الله" (٢). قال الطبري: أي: " فلا تخافوا، أيها المؤمنون، المشركين، ولا يعظُمَن عليكم أمرهم، ولا ترهبوا جمعهم، مع طاعتكم إياي، ما أطعتموني واتبعتم أمري، وإني متكفِّل لكم بالنصر والظفر، ولكن خافون واتقوا أن تعصوني وتخالفوا أمري، فتهلكوا إن كنتم مؤمنين، يقول: ولكن خافونِ دون المشركين ودون جميع خلقي، أنْ تخالفوا أمري، إن كنتم مصدِّقي رسولي وما جاءكم به من عندي" (٣). قال ابن كثير: أي: فإذا سوّل لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجؤوا إلي، فأنا كافيكم وناصركم عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٦ - ٣٨] وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وقال تعالى ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢] " (٤). الفوائد: ١ - بيان شدة عداوة الشيطان لبني آدم، إذ يرعبهم ويخوفهم بأوليائه. ٢ - أن الشيطان يدافع عن أوليائه بل يهاجم بهم. ٣ - أنه يجب على المؤمن أن لايخاف من اولياء الشيطان، لقوله: ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾. ٤ - أنه كلما قوي إيمان الإنسان بالله قوي خوفه منه، لقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾. ٥ - أنه كلما قوي الإيمان بالله قوي الخوف منه وضعف الخوف من أولياء الشيطان. ٦ - أن الحوف من الله هو من مقتضيات الإيمان ومستلزماته، لقولهك ﴿إن كنتم مؤمنين﴾. القرآن ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)﴾ [آل عمران: ١٧٦] التفسير: لا يُدْخِل الحزنَ إلى قلبك -أيها الرسول- هؤلاء الكفارُ بمسارعتهم في الجحود والضلال، إنهم بذلك لن يضروا الله، إنما يضرون أنفسهم بحرمانها حلاوة الإيمان وعظيم الثواب، يريد الله ألا يجعل لهم ثوابًا في الآخرة; لأنهم انصرفوا عن دعوة الحق، ولهم عذاب شديد. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: قال الكلبي: "يعني به المنافقين ورؤساء اليهود، كتموا صفة محمد ﷺ في الكتاب فنزل: ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر" (٥). والثاني: ويقال: "إن أهل الكتاب لما لم يؤمنوا، شق ذلك على رسول الله ﷺ ، لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون: إنهم أهل الكتاب، فلو كان قوله حقا لا تبعوه. فنزلت هذه الآية" (٦).

стр. 2595

والثالث: ويقال: "نزلت في مشركي قريش، لأنهم كانوا أقرباءه، والناس يقولون: لو كان قوله حقا لا تبعه أقرباؤه، فشق ذلك عليه فنزلت: ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، " أي: ولا تحزن ولا تتألم يا محمد لأولئك المنافقين الذين يبادرون نحو الكفر" (٢). قال الطبري: أي: " ولا يحزنك، يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر مرتدِّين على أعقابهم من أهل النفاق" (٣). قال مجاهد: " هم الكافرون" (٤). قال مقاتل: " يعني: المشركين يوم أحد" (٥). قال مجاهد: " يعني: أنهم المنافقون" (٦). وروي عن محمد بن إسحاق مثل ذلك (٧). وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر: " ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾، قال: كان رجل من اليهود قتل رجلا من أهل بيته، فقالوا لحلفائه من المسلمين: سلوا محمدا، فإن كان يقضي بالدية اختصمنا إليه، وإن كان يأمر بالقتل لم نأته" (٨). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، يحتمل وجهين (٩): أحدهما: ولا يحزنك الذين ظاهروا غيرهم من المشركين عليكم، وقد ظاهر أهل مكة غيرهم من المشركين على رسول الله ﷺ فيقول الله لرسوله: ﴿ولا يحزنك﴾ مظاهرتهم عليك؛ فإن الله ينصرك؛ فيخرج هذا مخرج البشارة له بالنصر على أعدائه والغلبة عليهم. والثاني: أن رسول الله ﷺ كان يشتد عليه كفرهم بالله، ويحزن لذلك، كقوله – تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]؛ فيخرج قوله: ﴿ولا يحزنك﴾ مخرج تسكين الحزن، ودفعه عنه، والتسلي عن ذلك، لا مخرج النهي؛ إذ الحزن يأخذ الإنسان، ويأتيه من غير تكلف ولا صنع، وكقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]: هو على مخرج التسكين والدفع عنه، لا على النهي؛ فكذلك الأول - والله أعلم - وكقوله - تعالى - لأم موسى ﵇: ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ [القصص: ٧]. وقرأ نافع ﴿ولا يحزنك﴾، بضم الياء، وقرأ الباقون بالفتح وهما لغتان (١٠). وقرأ طلحة بن مصرف: ﴿يسرعون﴾ (١١). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]، " أي: إِنهم بكفرهم لن يضروا الله شيئاً وإِنما يضرون أنفسهم" (١٢). قال مجاهد: "هم المنافقون" (١٣). قال محمد بن إسحاق: " أي المنافقون إنهم لن يضروا الله شيئا" (١٤). قال الواحدي: " وهم المنافقون واليهود والمشركون" (١٥).

стр. 2596

قال مقاتل: " يقول: لن ينقصوا الله شيئا من ملكه وسلطانه لمسارعتهم في الكفر، إنما يضرون أنفسهم بذلك" (١). قال الطبري: أي: " فإنهم لن يضروا الله بمسارعتهم في الكفر شيئًا، وكما أنّ مسارعتهم لو سارعوا إلى الإيمان لم تكن بنافعته، كذلك مسارعتهم إلى الكفر غير ضارَّته" (٢). قال السمرقندي: " أي: لا ينقصوا من ملك الله شيئا وسلطانه شيئا بكفرهم وهذا كما روى أبو ذر الغفاري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قال الله لو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في ملك الله شيئا ولو كان أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص من ملك الله جناح بعوضة» (٣) " (٤). قال الزمخشري: " يسارعون في الكفر يقعون فيه سريعا ويرغبون فيه أشد رغبة، وهم الذين نافقوا من المتخلفين. وقيل: هم قوم ارتدوا عن الإسلام. فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ولا يحزنك﴾؟ ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتد؟ قلت: معناه: لا يحزنوك لخوف أن أن يضروك ويعينوا عليك. ألا ترى إلى قوله: ﴿إنهم لن يضروا الله شيئا﴾، يعنى أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم، وما وبال ذلك عائدا على غيرهم" (٥). قال الراغب: " كما نهى تعالى عن الخوف مما يتوقع من حزب الشيطان، نهى عن الحزن على ما يفوته منهم، ووصف الكفار بالمسارعة في الكفر، كما وصف المؤمنين بالمسارعة في الإيمان، فقال: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، وحقيقة المسارعة في ذلك أن يترقى الإنسان فيما يتحراه منزلة فمنزلة، خيرا كان أو شرا، فيتعوده فيتقوى به على المنزلة الثانية، لأن الشر حاصل بعضه عن بعض، وحامل بعضه بعضا، وكذا الخير، وعلى هذا قال أمير المؤمنين: تبدو نكتة بيضاء في القلب، كلما ازداد الإيمان ازداد البياض، فإذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله، وإن النفاق يبدو نكتة سوداء، كلما ازداد النفاق ازداد السواد، فإذا استكمل النفاق اسود القلب كله، وبين أن لا يعود إلى الله من مسارعتهم في الكفر مضرة، كقوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] " (٦). ويحتمل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]، وجهين (٧): أحدهما: أي: لن يضروا أولياء الله إنما ضرر ذلك عليهم، كقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. والثاني: ويحتمل: ﴿لن يضروا الله شيئا﴾؛ لأنه ليس لله في فعلهم وعملهم نفع، ولا في ترك ذلك عليه ضرر؛ إنما المنفعة في عملهم لهم، والضرر في ترك عملهم عليهم، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، " أي: يريد تعالى بحكمته ومشيئته ألاّ يجعل لهم نصيباً من الثواب في الآخرة" (٨). قال مقاتل: " يعني نصيبا في الجنة" (٩). قال الطبري: أي: " يريد الله أن لا يجعل لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر، نصيبًا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم فسارعوا فيه" (١٠). قال ابن إسحاق: " ﴿يريد الله أن لا يجعل لهم حظًّا في الآخرة﴾، أن يُحبط أعمالهم" (١١).

стр. 2597

وعن ابن عباس: " ﴿عذاب﴾، يقول: نكال" (١). قال الماتريدي: أي: " أراد ألا يجعل لهم في الآخرة حظا؛ والمعتزلة يقولون: بل أراد أن يجعل لهم حظا في الآخرة؛ إذ يقولون: أراد لهم الإيمان، وبالإيمان يكون لهم الحظ في الآخرة، فثبت بالآية أنه لم يكن أراد لهم الإيمان، والآية في قوم خاص علم الله - تعالى - أنهم لا يؤمنون أبدا؛ فأراد ألا يجعل لهم حطا في الآخرة، ولو كان على ما تقوله المعتزلة: بأنه أراد أن يجعل لهم حظا في الآخرة - لما أراد لهم أن يؤمنوا، ولكن لم يؤمنوا لكان حاصل قولهم: أراد الله ألا يجعل لمن أراد يؤمن في الآخرة، وذلك جور عندهم" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، "أي: ولهم فوق الحرمان من الثواب عذاب عظيم في نار جهنم " (٣). عن مقاتل بن حيان: " ﴿عظيم﴾، يعني: عذابا وافرا" (٤). قال الطبري: " ثم أخبر أنهم مع حرمانهم ما حرموا من ثواب الآخرة، لهم عذاب عظيم في الآخرة، وذلك عذابُ النار" (٥). قال الماتريدي: " وذكر مرة: ﴿أليم﴾، ومرة: ﴿شديد﴾؛ لأن التعذيب بالنار أشد العذاب في الشاهد وأعظمه؛ لذلك أوعد بها في الغائب، وجعل شرابهم وطعامهم ولباسهم منها، فنعوذ بالله من ذلك" (٦). الفوائد: ١ - تهديد هؤلاء الذين يسارعون في الكفر. ٢ - حرص النبي- ﷺ على هداية الخلق، لأنه يحزنه هؤلاء الذين يسارعون في الكفر، وبيان ما يلحق النبي- ﷺ من الهمّ ومن الحزن لعدم إسلام الأمة، وذلك لمحبته للخير ﷺ . ٣ - بيان ما يقع فيه سفهاء بني آدم من الخطأ والخطل كما في فعل هؤلاء، يسارعون في الكفر مع أنه ضرر عليهم وهلاك. ٤ - بيان غنى الله ، وانتفاء الضرر عن الله وأنه لاتضره معصية العاصين كما لا تنفعه طاعة الطائعين. ٥ - إثبات الإرادة لله ، لقوله: ﴿يريد الله ألا يجعل لهم حظّا في الآخرة﴾. ٦ - أنه لاحظّ للكافر في الآخرة، لأنه مخلد في النار. ٧ - ومنها أن الكافر قد يكون له حظ في الدنيا، وكفره لايمنعه من الحظ في الدنيا. ٨ - إثبات الآخرة، وأنها حق، وأن الناس ينقسمون فيها قسمين: منهم من له نصيب، ومنهم من لا نصيب له. ٩ - إثبات العقوبة لهؤلاء الكفار، فليس حظهم ألا يجدوا حظا في الآخرة فقط، بل مع ذلك يعذبون-نسأل الله العافية-. القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)﴾ [آل عمران: ١٧٧] التفسير: إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئًا، بل ضرر فِعْلِهم يعود على أنفسهم، ولهم في الآخرة عذاب موجع.

стр. 2598

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٧٧]، " أي: إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان" (١). قال قتادة: " أي: استحبوا الضلالة على الهدى" (٢). قال محمد بن إسحاق: " أي المنافقين" (٣). وروي عن مجاهد مثل ذلك (٤). قال مقاتل: " يعني باعوا الإيمان بالكفر" (٥). قال المظهري: " يعنى استبدلوا الكفر بالايمان وهم اهل الكتاب كانوا مؤمنين بمحمد ﷺ قبل مجيئه فاذا جاء بالبينات اختاروا الكفر وتركوا الايمان حرصا على الدنيا وعناد" (٦). قال المراغي: " أي إن الذين أخذوا الكفر بدلا من الإيمان رغبة فيما أخذوا وإعراضا عما تركوا" (٧). قال الواقدي: " يقول: استحبوا الكفر على الإيمان" (٨). قال الطبري: أي: "إن هؤلاء الذين ابتاعوا الكفر بإيمانهم فارتدوا عن إيمانهم بعد دخولهم فيه، ورضوا بالكفر بالله وبرسوله، عوضًا من الإيمان" (٩). قال أبو الفداء: " اى أخذوه بد لا منه رغبة فيما أخذوه وإعراضا عما تركوه" (١٠). قال الفخر: " إعلم أنا لو حملنا الآية الأولى على المنافقين واليهود، وحملنا هذه الآية على المرتدين لا يبعد أيضا حمل الآية الأولى على المرتدين، وحمل هذه الآية على اليهود، ومعنى اشتراء الكفر بالإيمان منهم، أنهم كانوا يعرفون النبي ﷺ ويؤمنون به قبل مبعثه ويستنصرون به على أعدائهم، فلما بعث كفروا به وتركوا ما كانوا عليه، فكأنهم أعطوا الإيمان وأخذوا الكفر بدلا عنه كما يفعل المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلا عنه، ولا يبعد أيضا حمل هذه الآية على المنافقين، وذلك لأنهم متى كانوا مع المؤمنين أظهروا الإيمان، فإذا خلوا إلى شياطينهم كفروا وتركوا الإيمان، فكان ذلك كأنهم اشتروا الكفر بالإيمان" (١١). قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٧]، أي: "لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم" (١٢). قال مقاتل: " يعني: لن ينقصوا الله من ملكه وسلطانه شيئا حين باعوا الإيمان بالكفر إنما ضروا أنفسهم بذلك" (١٣). قال الطبري: " لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم عن إيمانهم شيئًا، بل إنما يضرون بذلك أنفسهم، بإيجابهم بذلك لها من عقاب الله ما لا قِبل لها به" (١٤). قال ابن كثير: " أي: ولكن يضرون أنفسهم" (١٥). قال الواحدي: " كرَّر ﴿لن يضروا الله شيئاً﴾، لأنه ذكرن في الأول على طريق العلة لما يجب من التَّسلية عن المسارعة إلى الضَّلالة وذكره في الثاني على طريق العلة لاختصاص المضرة بالعاصي دون المعصي" (١٦).

стр. 2599

قال السعدي: " وكيف يضرون الله شيئا، وهم قد زهدوا أشد الزهد في الإيمان، ورغبوا كل الرغبة بالكفر بالرحمن؟ ! فالله غني عنهم، وقد قيض لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم، وأعد له -ممن ارتضاه لنصرته- أهل البصائر والعقول، وذوي الألباب من الرجال الفحول، قال الله تعالى: ﴿قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا﴾ الآيات" (١). قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٧]، أي: "ولهم عذاب مؤلم" (٢). قال مقاتل: " يعنى وجيع" (٣). قال أبو العالية: " الأليم: الموجع في القرآن كله" (٤)، وروي عن سعيد بن جبير، وأبي مالك، والضحاك، وقتادة، وأبي عمران الجوني، ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٥). قال أبو الفداء: " ولما جرت العادة باغتباط المشترى بما اشتراه وسروره بتحصيله عند كون الصفقة رابحة وبتألمه عند كونها خاسرة وصف عذابهم بالايلام مراعاة لذلك" (٦). وفي تكرار قوله تعالى: ﴿لن يضروا الله شيئاً﴾ في الآيتين: [آل عمران: ١٧٦ - ١٧٧]، أمور (٧): أحدها: أن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لا شك أنهم كانوا كافرين أولا، ثم آمنوا ثم كفروا بعد ذلك، وهذا يدل على شدة الاضطراب وضعف الرأي وقلة الثبات، ومثل هذا الإنسان لا خوف منه ولا هيبة له ولا قدرة له البتة على إلحاق الضرر بالغير. وثانيها: أن أمر الدين أهم الأمور وأعظمها، ومثل هذا مما لا يقدم الإنسان فيه على الفعل أو على الترك إلا بعد إمعان النظر وكثرة الفكر، وهؤلاء يقدمون على الفعل أو على الترك في مثل هذا المهم العظيم بأهون الأسباب وأضعف الموجبات، وذلك يدل على قلة عقلهم وشدة حماقتهم، فأمثال هؤلاء لا يلتفت العاقل إليهم. وثالثها: أن أكثرهم إنما ينازعونك في الدين، لا بناء على الشبهات، بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا، ومن كان عقله هذا القدر، وهو أنه يبيع بالقليل من الدنيا السعادة العظيمة في الآخرة كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر في إلحاق الضرر بالغير، فهذا هو الفائدة في إعادة هذه الآية والله أعلم بمراده. الفوائد: ١ - بيان شدة رغبة الكفار في الكفر، لأنهم اشتروا الكفر اشتراء، والمشتري طالب للسلعة، فهم يأخذون الكفر عن رغبة. ٢ - بيان خسران هؤلاء إذ أخذوا الكفر بدلا من الإيمان/ وهي أخسر صفقة على وجه الأرض أن يأخذ الإنسان الكفر بالإيمان طائعا طيبة به نفسه والعياذ بالله. ٣ - بيان كما الله ، وأنه لا تضره معصية العاصي ولا تنفعه طاعة الطائعين. ٤ - كمال سلطان الله إذ إن هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان لن يضروا الله شيئا، مع ان المعروف ان الملك كلما قلّت جنوده ضعف قوته إلا الله فإنه لايضره شيء. ٥ - عذاب هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان عذاب مؤلم. القرآن ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ [آل عمران: ١٧٨] التفسير:

стр. 2600

ولا يظننَّ الجاحدون أننا إذا أَطَلْنا أعمارهم، ومتعناهم بمُتع الدنيا، ولم تؤاخذهم بكفرهم وذنوبهم، أنهم قد نالوا بذلك خيرًا لأنفسهم، إنما نؤخر عذابهم وآجالهم; ليزدادوا ظلمًا وطغيانًا، ولهم عذاب يهينهم ويذلُّهم. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: قال الثعلبي: " نزلت هذه الآية في مشركي قريش (١). والثاني: ونقل الثعلبي عن مقاتل: "قال عطاء: في قريظة والنضير" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، "أي: لا يظنَّن الكافرون أن إِمهالنا بدون أجزاء وعذاب، وإِطالتنا لأعمارهم خير لهم" (٣). قال مقاتل: يعني: " أبا سفيان وأصحابه يوم أحد حين ظفروا" (٤). قال الواقدي: " يقول: ما يصح أبدانهم، ويرزقهم ويريهم الدولة على عدوهم" (٥). قال السدي: " ثم ذكر إظهار المشركين فقال: ﴿لا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم﴾ " (٦). قال السمرقندي: " يعني: لا يظن الكفار أن الذي نملي لهم ونمهلهم خير لهم، ويقال: ما نعطيهم من المال والولد لا يظنن أن ذلك خير لهم في الآخرة، بل هو شر لهم في الآخرة" (٧). قال الزجاج: " معني ﴿نملي لهم﴾: نؤخرهم، وهؤلاء قوم أعلم الله النبي ﷺ أنهم لا يؤمنون أبدا، وأن بقاءهم يزيدهم كفرا وإثما" (٨). قال الزمخشري: " والإملاء لهم: تخليتهم وشأنهم، مستعار من أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء. وقيل: هو إمهالهم وإطالة عمرهم. والمعنى: ولا تحسبن أن الإملاء خير لهم من منعهم أو قطع آجالهم" (٩). قال أبو عبيدة: ﴿نُمْلِي﴾، " من الإملاء ومن الإطالة، ومنها قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، أي: دهرا، وتمليت حبيبك، والملوان: النهار والليل كما ترى، قال ابن مقبل (١٠): ألا يا ديار الحىّ بالسّبعان ... أملّ عليها بالبلى الملوان يعنى الليل والنهار، و «أمّل عليها بالبلى»: أي رجع عليها حتى أبلاها، أي طال عليه" (١١). وفي ﴿ما﴾ من قوله تعالى ﴿أنما نملي لهم﴾، وجهان: أن تكون مصدرية أو موصولة، حذف عائدها. أي إملاؤنا لهم أو الذي نمليه لهم، وكان حق ﴿ما﴾ في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة، ولكنها وقعت في الإمام متصلة، فلا يخالف، وتتبع سنة الإمام في خط المصاحف (١٢). وقرئت: ﴿ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي﴾ (١٣). وقرأ ابن عامر وعاصم: ﴿لا يحسبن﴾، بالياء ونصب السين. وقرأ الباقون بالتاء وكسر السين (١٤).

стр. 2601

فمن قرأ بالياء فـ ﴿الذين﴾ في محل الرفع على الفاعل تقديره: ولا يحسبن الكفار أن إملاءنا خير لهم (١)، ومن قرأ بالتاء، قال الفراء: هو" على التكرير: لا تحسبنهم لا تحسبن أنما نملي لهم، وهو كقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [محمد: ١٨]، على التكرير: هل ينظرون إلا أن تأتيهم" (٢). وقيل: موضع إنما نصب على البدل من الذين، كقول الشاعر (٣): فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما فرفع (هلك) على البدل، من الأول (٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، " أي: إِنما نمهلهم ونؤخر آجالهم ليكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم" (٥). قال أبو عبيدة: " فإنما أبقيناهم إلى وقت آجالهم ليزدادوا إثما وقد قيل فى الحديث: «الموت خير للمؤمن للنّجاة من الفتنة، والموت خير للكافر لئلا يزداد إثما» (٦) " (٧). قال السمرقندي: " أي: نعطي لهم المال والولد، يهانون به من العذاب. ويقال: إنما نملي لهم، أي بما أصابوا من الظفر يوم أحد لم يكن ذلك خيرا لأنفسهم، وإنما كان ليزدادوا عقوبة. ويقال: إنما نملي لهم ونؤخر العذاب عنهم ليزدادوا إثما، أي جرأة على المعاصي. وإنما كان ذلك مجازاة لكفرهم وخبث نياتهم" (٨). قال عبد الله بن مسعود: "ما من نفس برة ولا فاجرة إلا الموت خير لها، لئن كان فاجرا، لقد قال الله تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين﴾ " (٩). قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، " أي: ولهم في الآخرة عذاب يهينهم" (١٠). قال مقاتل: " يعني الهوان" (١١). قال القاسمي: " في قوله تعالى: ﴿مهين﴾ سر لطيف، وهو أنه لما تضمن الإملاء التمتيع بطيبات الدنيا وزينتها، وذلك مما يستدعي التعزز والتجبر، وصف عذابهم بالإهانة، ليكون جزاؤهم جزاء وفاقا" (١٢). الفوائد: ١ - أنه يجب على الانسان ان لا يظن أن إمهال الله له خيرا له، تؤخذ من النهي، فإن الأصل في النهي التحريم، فلايجوز للإنسان ان يغتر بإمهال الله له. ٢ - أنه تعالى بحكمته قد يستدرج بعض الخلق فيعطيه النعم تترا وهو متجاوز لحدوده ليبلغ في الطغيان غايته حتى إذا أخذه لم يفلته، كما قال ﷺ : "إت الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" (١٣).

стр. 2602

٣ - أنه يجب على الإنسان ان يعتبر في عمره هل امضاه في طاعة الله فليبشر بالخير، أو امضاه في معصية الله، والله تعالى يدرّ عليه النعم فليعلم أن هذا استدراج. ٤ - الإشارة أن الإنسان قد يغتر بظواهر الحال ويقول: إن الله لم ينعم عليّ إلا لأنني أهل لها، كما قال قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]. ٥ - إثبات زيادة الآثام، لقوله: ﴿ليزدادوا إثما﴾، فتدل بالمفهوم على زيادة الإيمان، لأنه إذا ازداد إثما فما نقص عن الإثم كان على زيادة في الإيمان، ولهذا قال أهل السصنة: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ٦ - إثبات العقوبة المذلة لهؤلاء. ٧ - أن الجزاء من جنس العمل، لأن هؤلاء لما استكبروا على الخلق وعلوا عليهم أذلّهم الله. القرآن ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ [آل عمران: ١٧٩] التفسير: ما كان الله ليَدَعَكم أيها المصدقون بالله ورسوله العاملون بشرعه على ما أنتم عليه من التباس المؤمن منكم بالمنافق حتى يَمِيزَ الخبيث من الطيب، فيُعرف المنافق من المؤمن الصادق. وما كان مِن حكمة الله أن يطلعكم -أيها المؤمنون- على الغيب الذي يعلمه من عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق، ولكنه يميزهم بالمحن والابتلاء، غير أن الله تعالى يصطفي من رسله مَن يشاء؛ ليطلعه على بعض علم الغيب بوحي منه، فآمنوا بالله ورسوله، وإن تؤمنوا إيمانًا صادقًا وتتقوا ربكم بطاعته، فلكم أجر عظيم عند الله. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: نقل الواحدي والثعلبي (١) عن السدي: "قال رسول الله ﷺ "عرضت علي أمتي في صورها كما عرضت على آدم، وأعلمت من يؤمن لي ومن يكفر"، فبلغ ذلك المنافقين فاستهزأوا وقالوا: يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر، ونحن معه ولا يعرفنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٢). ونقله ابن حجر عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٣). وفي السياق نفسه قال مقاتل: " وذلك أن الكفار قالوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا بمن يؤمن منا، ومن يكفر. فأنزل الله- : ﴿وما كان الله ليطلعكم على الغيب﴾ " (٤). والثاني: نقل الواحدي والثعلبي (٥) عن الكلبي: "قالت قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن بك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٦). والثالث: نقل الواحدي والثعلبي (٧) عن أبي العالية: " سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرق بها بين المؤمن والمنافق، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٨).

стр. 2603

قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، أي: " وما كان الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن منكم بالمنافق، حتى يميز الخبيث وهو المنافق المستسرُّ للكفر، من الطيب وهو المؤمن المخلص الصادق الإيمان، بالمحن والاختبار" (١). قال ابن كثير: " أي: لا بُد أن يعقد سببا من المحنة، يظهر فيه وليه، ويفتضح فيه عدوه. يُعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر. يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله ﷺ ، وهتك به ستر المنافقين، فظهر مخالفتهم ونُكُولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله ﷺ ولهذا قال: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ " (٢). قال مجاهد: " ميز بينهم يوم أحد، المنافقَ من المؤمن" (٣). قال ابن جريج: " يقول: ليبين الصادق بإيمانه من الكاذب، قال ابن جريج، قال مجاهد: يوم أحد، ميز بعضهم عن بعض، المنافق عن المؤمن" (٤). وقال قتادة: " ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه﴾، يعني الكفار. يقول: لم يكن الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة: حتى يميز الخبيث من الطيب، يميز بينهم في الجهاد والهجرة" (٥). وروي عن السدي نحو ذلك (٦). واختلف أهل التأويل في الخبيث الذي عنى الله بهذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه المنافق، وهو قول مجاهد (٧)، وابن جريج (٨)، ومحمد بن إسحاق (٩). والثاني: أنه الكافر، وهو قول قتادة (١٠)، والسدي (١١). والثالث: أنه المذنب، والمعنى: " حتى يميز الخبيث وهو المذنب، من الطيب وهو المؤمن، يعني حتى يحط الأوزار من المؤمن ما يصيبه من نكبة ومحنة ومصيبة". حكاه الثعلبي عن البعض (١٢). والقول الأول أولى، لأن الآيات التي قبلها في سياق المنافقين. والله أعلم. واختلفوا في الذي وقع به التمييز على قولين (١٣): أحدهما: بتكليف الجهاد، وهذا قول من تأوّل الخبيث بالمنافق. والثاني: بالدلائل التي يستدل بها عليهم وهذا قول من تأوله للكافر. وفي توجيه الخطاب في هذه الآية قولان (١٤): أحدهما: أن الخطاب للكفار والمنافقين من الكفر والنفاق حتى يميز الخبيث من الطيب. قال الثعلبي: "وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين" (١٥). والثاني: أن الخطاب للمؤمنين الذين أخبر عنهم، ومعنى الآية: ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق، حتى يميز الخبيث من الطيب.

стр. 2604

قال الثعلبي: وهذا قول أكثر أهل المعاني" (١). وعلى القول الثاني فإن الخطاب يكون فيه التفات، إذ رجع من الخبر إلى الخطاب، كقوله تعالى: ﴿وحَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ َوَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، فخاطب ثم رجع إلى الخبر عن الغائب، ولم يقل: وَجرَين بكم، ومنه قول أبي كبير الهُذَلي (٢): يَا لَهْفَ نَفْسي كان جِدَّةُ خَالِدٍ ... وَبَيَاضُ وَجْهِكَ للتُّرابِ الأَعْفَرِ ومنه قول لبيد بن ربيعة (٣): بَاتَتْ تَشَكَّى إليّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً ... وقد حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينَا إذ رجع من الغيبة إلى أسلوب المخاطب، والشواهدُ من الشعر وكلام العرب في ذلك أكثر من أن تُحصى. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، واختلفوا في فتح الياء وضمها والتخفيف والتشديد من قوله ﴿حتى يميز الخبيث من الطيب﴾ ١٧٩ و ﴿ليميز الله﴾ الأنفال ٣٧ وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ﴿حَتَّى يَمِيزَ﴾، ووكذلك التي في الأنفال: ﴿ليميز الله﴾ [الأنفال: ٣٧]، وقرأ حمزة والكسائي ﴿حتى يُميّز﴾، و ﴿ليُميّز﴾ [الأنفال: ٣٧] بضم الياء والتشديد (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، أي: " وما كان الله ليطلعكم على ضمائر قلوب عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والابتلاء" (٥). قال الثعلبي: أي: " لأنه لا يعلم الغيب أحد غيره" (٦). قال ابن كثير: " أي: أنتم لا تعلمون غيبَ الله في خلقه حتى يُميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك" (٧). ولأهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، وجهان: أحدهما: أن المعنى: وما كان الله ليطلع محمدًا على الغيب، ولكن الله اجتباه فجعله رسولا. قاله السدي (٨). والثاني: أن المراد: فيما يريد أن يبتليكم به، لتحذروا ما يدخل عليكم فيه. وهذا قول محمد بن إسحاق (٩). قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، " أي: ولكن الله يختار من رسله من يشاء فيطلعهم على غيبه" (١٠). قال الطبري: أي: " غير أنه تعالى ذكره يجتبي من رسله من يشاء فيصطفيه، فيطلعه على بعض ما في ضمائر بعضهم" (١١). قال محمد بن إسحاق: " ﴿ولكنّ الله يجتبي من رسله من يشاء﴾، يعلمه" (١٢). عن مجاهد في قوله: " ﴿ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء﴾، قال: يخلصهم لنفسه" (١٣). قال الثعلبي: أي: " ولكن الله يجتبي يختار من رسله من يشاء بالغيب فيطلعه على بعض علم الغيب، نظيره قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] ... وروى

стр. 2605

الفضل بن موسى عن رجل قد سماه قال: كان عند الحجاج منجم فأخذ الحجاج حصيات لم يعدهن وقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب فأصاب المنجم، ثم اعتقله الحجاج، فأخذ حصيات لم يعدهن فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب وحسب ثم أخطأ ثم حسب أيضا فأخطأ، فقال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها في يدك؟ قال: فما الفرق بينهما؟ قال: إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب فحسبت وأصبت، وإن هذا لم يعرف عددها فصار غيبا ولا يعلم الغيب إلا الله" (١). قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، " أي: أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم" (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، أي: " وإن تصدِّقوا من اجتبيته من رُسلي بعلمي وأطلعته على المنافقين منكم وتتقوا ربكم بطاعته فيما أمركم به نبيكم محمد ﷺ وفيما نهاكم عنه فلكم ثوابٌ عظيم " (٣). قال محمد بن إسحاق: " أي: ترجعوا وتتوبوا فلكم أجر عظيم " (٤). الفوائد: ١ - أنه تعالى لابدّ ان يميّز الخبيث من الطيب، وذلك بالوحي في عهد النبوة، أو بالقرائن في غير عهد النبوة، لأن القرائن قد تبيّن الخبيث من الطيب بحيث نلاحظ أعماله وننظر كيف يسير وكيف يعمل فيتبيّن لنا خبثه من طيبه. ٢ - بيان رحمة الله بعباده إذ لايتركهم هكذا يشتبه بعضهم ببعض، بل لابد من ميز هذا عن هذا. ٣ - بيان حكمة الله في أفعاله وشرعه. ٤ - انقسام الناس إلى خبيث وطيب. ٥ - ان من ادّعى علم الغيب فهو كاذب، والمراد بالغيب ما غاب غيبا مطلقا وذلك كالذي يكون في المستقبل، وهذا لا يعلمه إلا الله، أما الشيء الحاضر ولكنه غاب من أناس دون أناس فهذا قد يطّلع عليه الإنسان، وإن لم يشاهده بخبر الجن يسيحون في الأرض يذهبون شمالا ويمينا، وهم سريعو التصرف فربما يسعون في الأرض ثم يخبرون أولياءهم بما شاهدوا في أراض بعيدة فيكون هذا غيبا إضافيا، أي بالإضافة إلى قوم دون قوم، فالذين شاهدوه ليس غيبا عندهم، أما البعيدون عنه فإنه غيب عندهم، ويقال: المغيب النسبي. ٦ - أن الله قد يطلع الخلق على الغيب بواسطة الرسل. ٧ - أن الرسل ممن اجتباهم الله واصطفاهم على الخلق، فهم الصفوة، كما قال: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧]. ٨ - إثبات المشيئة لله ، وكل شيء علّقه الله بالمشية فإنه مقرون بالحكمة. ٩ - وجوب الإيمان بالله ورسله عموما. ١٠ - فضيلة الإيمان والتقوى، وأنه يترتب عليهما الاجر العظيم. ١١ - بيان منّة الله على العباد، إذ جعل إثابتهم على العمل بمنزلة الأجر المقرر لهم. ١٢ - إثبات الجزاء، وأنه من جنس العمل. القرآن ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾ [آل عمران: ١٨٠] التفسير:

стр. 2606

ولا يظنن الذين يبخلون بما أنعم الله به عليهم تفضلا منه أن هذا البخل خير لهم، بل هو شرٌّ لهم; لأن هذا المال الذي جمعوه سيكون طوقًا من نار يوضع في أعناقهم يوم القيامة. والله هو مالك الملك، وهو الباقي بعد فناء جميع خلقه، وهو خبير بأعمالكم جميعها، وسيجازي كلا على قدر استحقاقه. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (١) عن السدي: ﴿ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم﴾، هم الذين آتاهم الله من فضله، فبخلوا أن ينفقوها في سبيل الله، ولم يؤدُّوا زكاتها" (٢). وروي عن الحسن نحو ذلك (٣). واختاره الطبري (٤). والثاني: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (٥)، عن ابن عباس: " قوله: ﴿ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله إلى سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾، يعني: بذلك أهل الكتاب، أنهم بخلوا بالكتاب أن يبينوه للناس" (٦). وذكره الثعلبي عنه بلفظ: " أن هذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ ونبوته، وأراد بالبخل كتمان العلم الذي أتاهم الله" (٧). وروي عن مجاهد: " هم يهود، إلى قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [سورة آل عمران: ١٨٤] " (٨). واختاره الزجاج فقال: " هذا يعني به علماء إليهود الذين بخلوا بما آتاهم الله من علم نبوة النبي ﷺ ومشاقته وعداوته" (٩). والثالث: وقيل: فيمن يبخل بالنفقة في الجهاد. نقله الحافظ (١٠). والرابع: وقيل: فيمن بخل على العيال وذي الرحم المحتاج. نقله الحافظ (١١). والراجح هو القول الأول، قال الواحدي: " أجمع جمهور المفسرين على أنها نزلت في مانعي الزكاة" (١٢)، وقال ابن كثير: " والصحيح الأول، وإن دخل هذا [أي القول الثاني] في معناه" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، " أي: لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه" (١٤). قال السمرقندي: " أي بما أعطاهم الله من المال، يبخلون ويمنعون الزكاة والصدقة وصلة الأرحام، فلا يظنوا أن ذلك هو خيرا لهم" (١٥). وقوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ﴾ وما بعده في الأربعة مواضع (١٦) يقرأن بالياء والتاء (١٧). قال الزمخشري: " من قرأ بالتاء قدر مضافا محذوفا، أى: ولا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيرا لهم. وكذلك من قرأ بالياء وجعل فاعل يحسبن ضمير رسول الله، أو ضمير أحد. ومن جعل فاعله الذين يبخلون كان

стр. 2607

المفعول الأول عنده محذوفا تقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خيرا لهم والذي سوغ حذفه دلالة (يبخلون) عليه، وهو فصل. وقرأ الأغمش بغير ﴿هو﴾ " (١). قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، " أي: ليس كما يظنون بل ذلك البخلُ شرٌّ لهم" (٢). قال ابن كثير: أي: "بل هو مَضّرة عليه في دينه - وربما كان - في دنياه" (٣). قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، " أي: سيجعل الله ما بخلوا به طوقاً في أعناقهم يعذبون به يوم القيامة" (٤). قال الطبري: أي: " سيجعل الله ما بخل به المانعون الزكاةَ، طوقًا في أعناقهم كهيئة الأطواق المعروفة" (٥). قال الزمخشري: " أي: سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق. وفي أمثالهم: تقلدها طوق الحمامة، إذا جاء بهنة يسب بها ويذم" (٦). قال الزمخشري: " أى: وله ما فيها مما يتوارثه أهلها من مال وغيره فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله. ونحوه قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ﴾ [الحديد: ٧] " (٧). وفي قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، أربعة اوجه من التفسير: أحدها: أن الذي يطوَّقونه شجاع أقرع (٨)، وهذا قول ابن مسعود (٩)، وأبي مالك العبدي (١٠)، والسدي (١١)، وأبو وائل (١٢)، والثاني: أنه طوق من النار يجعلونه في أعناقهم، وهذا قول إبراهيم (١٣). والثالث: أن المعنى: سيحمل الذين كتموا نبوَّة محمد ﷺ من أحبار اليهود، ما كتموا من ذلك. وهذا قول ابن عباس (١٤). والرابع: أن المعنى: سيكلَّفون يوم القيامة أن يأتوا بما بَخِلوا به في الدنيا من أموالهم. وهذا قول مجاهد (١٥). أخرج البخاري عن أبي هُريرة قال: "قال رسول الله ﷺ : «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ له شُجَاعًا أقرعَ له زبيبتان، يُطَوّقُه يوم القيامة، يأخذ بلِهْزِمَتَيْه - يعني بشدقَيْه - يقول: أنا مَالُكَ، أنا كَنزكَ»، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ إلى آخر الآية" (١٦). وأخرج أحمد عن ابن عمَر، عن النبي ﷺ قال: "إن الَّذِي لا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ يُمَثِّلُ اللهُ لَهُ مَالَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبتَان، ثم يُلْزِمهُ يطَوّقه، يَقُول: أنَا كَنزكَ، أنَا كَنزكَ" (١٧).

стр. 2608

وأخرج أحمد أيضا عن عبد الله، عن النبي ﷺ ؛ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ لا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إلا جُعِلَ لَهُ شُجَاعٌ أقْرَعُ يَتْبَعُهُ، يَفِرّ منه وهو يَتْبَعُه فَيقُولُ: أنَا كَنْ». ثُمَّ قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ " (١). وأخرج أبو يعلى عن ثوبان، عن النبي ﷺ ؛ قال: " مَنْ تَرَكَ بَعْدَهُ كَنزا مُثِّلَ لَهُ شُجُاعًا أَقْرَعَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ زَبِيبَتَان، يَتْبَعُه ويَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ وَيْلَكَ. فيقُولُ: أنَا كَنزكَ الَّذِي خَلَّفتَ بَعْدَكَ فَلا يَزَالُ يَتْبَعُه حَتَّى يُلْقِمَه يَدَه فَيقْضِمَها، ثم يَتْبَعه سَائِر جَسَ" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، "أي: جميع ما في الكون ملك له يعود إِليه بعد فناء خلقه" (٣). قال الطبري: "أي: بعد ما يهلكون وتزولُ عنهم أملاكهم، في الحين الذي لا يملكون شيئًا، وصار لله ميراثه وميراث غيره من خلقه" (٤). قال الزجاج: " أي الله يغني أهلهما فيغنيان بما فيهما، ليس لأحد فيهما ملك فخوطب القوم بما يعقلون، لأنهم يجعلون ما رجع إلى الإنسان ميراثا إذا كان ملكا له" (٥). قال ابن عطية: " وقوله تعالى: ﴿ولله ميراث السماوات﴾، خطاب على ما يفعله البشر دال على فناء الجميع وأنه لا يبقى مالك إلا الله تعالى وإن كان ملكه تعالى على كل شيء لم يزل" (٦). وإن قال قائل: "فما معنى قوله: له ميراث السموات والأرض، والميراث المعروف، هو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته، ولله الدنيا قبل فناء خلقه وبعده؟ قيل: إن معنى ذلك ما وصفنا، من وصفه نفسه بالبقاء، وإعلام خلقه أنه كتِب عليهم الفناء. وذلك أنّ ملك المالك إنما يصير ميراثًا بعد وفاته، فإنما قال جل ثناؤه: ولله ميراث السموات والأرض، إعلامًا بذلك منه عبادَه أن أملاك جميع خلقه منتقلة عنهم بموتهم، وأنه لا أحد إلا وهو فانٍ سواه، فإنه الذي إذا أهلك جميع خلقه فزالت أملاكهم عنهم، لم يبق أحدٌ يكون له ما كانوا يملكونه غيره" (٧). قال السمرقندي: " يعني: إذا هلك الخلق كلهم أهل السموات من الملائكة، وأهل الأرض من الإنس والجن وسائر الخلق، ويبقى رب العالمين ثم يقول: ﴿لمن الملك اليوم﴾ [غافر: ١٦]. فلا يجيب أحد فيرد على نفسه فيقول: ﴿لله الواحد القهار﴾ [يوسف: ٣٩ وغيرها] فذلك قوله تعالى: ﴿ولله ميراث السماوات والأرض﴾، يعني: يهلك أهل السموات والأرض ولم يبق لأحد ملك. وإنما سمي ميراثا على وجه المجاز، لأن القرآن بلغة العرب، وكانوا يعرفون أن من رجع الملك إليه يكون ميراثا على وجه المجاز، وأما في الحقيقة فليس بميراث، لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن يملكه من قبل، والله مالكهما، وكانت السموات وما فيها والأرض وما فيها له، وإنما كانت الأموال عارية عند أربابها، فإذا ماتوا رجعت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل. ومعنى الآية أن الله تعالى أمر عباده أن ينفقوا ولا يبخلوا، قبل أن يموتوا ويتركوا المال ميراث الله لله تعالى، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا" (٨).

стр. 2609

أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، عن ابن عباس قال: "قال جبريل: يا محمد، لله الخلق كله السموات كلهن، والأرضون كلهن ومن فيهن ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم" (١). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، أي: "والله مطلع على أعمالكم" (٢). عن سعيد بن جبير: " ﴿والله بما تعملون﴾، يعني: بما يكون" (٣). قال قتادة: " قوله: ﴿خبير﴾ قال: خبير بخلقه" (٤). قال السمرقندي: " ثم قال تعالى: والله بما تعملون خبير أي عالم بمن يؤدي الزكاة وبمن يمنعها، فيجازي كل نفس بما عملت" (٥). قال الطبري: " أخبر تعالى ذكره أنه بما يعلم هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضل وغيرهم من سائر خلقه، ذو خبرة وعلم، محيط بذلك كله، حتى يجازي كلا منهم على قدر استحقاقه، المحسنَ بالإحسان، والمسيء على ما يرى تعالى ذكره" (٦). قرأ أبو عمرو وابن كثير: ﴿والله بما يعملون خبير﴾، بالياء، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿والله بما تعملون خبير﴾ بالتاء (٧). قال الزمخشري: " وقرئ ﴿: بما تعملون﴾ بالتاء، فالتاء على طريقة الالتفات، وهي أبلغ في الوعيد والياء على الظاهر" (٨). الفوائد: ١ - تهديد من بخل بما آتاه الله من فضله، والبخل المتوعد عليه هو منع الواجب من المال. ٢ - أن الشيطان قد يغر الإنسان فيقول: لاتنفق فيهلك مالك، والله يحذرنا من هذا الشيطان. ٣ - إقامة اللوم والتوبيخ على هؤلاء الذين بخلوا. ٤ - أن ما أوتيه الإنسان من علم أو مال أو ولد، فإنه من الله ، وأنه من فضله وحده. ٥ - إثبات الجزاء، وإثبات العقوبة العظيمة على هؤلاء الباخلين، وهي انهم يطوّقون به يوم القيامة. ٦ - إقامة الحجة بأن البخل ليس بنافع أصحابه، لأن بخلهم لن يخلدهم في الدنيا، ولن يخلد المال لهم، بل ينتقل إلى ورثتهم حتى ينتهي الأمر إلى الله . ٧ - إثبات علم الله ، لقوله: ﴿والله بما تعملون خبير﴾، والخبرة: هي العلم ببواطن الامور، ومن المعلوم أن العليم ببواطن الأمور عليم بظواهرها من باب اولى. ٨ - الإشارة إلى اسم الله"الآخر"، فإن الله هو الأول والآخر، من قوله: ﴿ولله ميراث السماوات والأرض﴾، فإذا ثبت إرثه لهما لزم منه أن يكون هو الآخر . القرآن ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران: ١٨١] التفسير: لقد سمع الله قول اليهود الذين قالوا: إن الله فقير إلينا يطلب منا أن نقرضه أموالا ونحن أغنياء. سنكتب هذا القول الذي قالوه، وسنكتب أنهم راضون بما كان مِن قَتْل آبائهم لأنبياء الله ظلمًا وعدوانًا، وسوف نؤاخذهم بذلك في الآخرة، ونقول لهم وهم في النار يعذبون: ذوقوا عذاب النار المحرقة. في سبب نزول الآية وجوه:

стр. 2610

أحدها: أخرج الطبري وابن المنذر (١)، وابن أبي حاتم (٢) عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة: "أنه حدثه عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصديق ﵁ بيت المِدْراس، فوجد من يهودَ ناسًا كثيرًا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فِنحاص، كان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حَبْرٌ يقال له أشيْع. فقال أبو بكر ﵁ لفنحاص: ويحك يا فِنحاص، اتق الله وأسلِم، فوالله إنك لتعلم أنّ محمدًا رسول الله، قد جاءكم بالحقّ من عند الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل! قال فنحاص: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير! وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيُّا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم! ينهاكم عن الربا ويعطيناه! ولو كان عنا غنيًّا ما أعطانا الربا! فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عُنقك يا عدو الله! فأكذِبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، انظر ما صنع بي صاحبك! فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولا عظيمًا، زعم أنّ الله فقير وأنهم عنه أغنياء! فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، فضربتُ وجهه. فجحد ذلك فنحاص وقال: ما قلت ذلك! فأنزل الله ﵎ فيما قال فنحاص، ردًّا عليه وتصديقًا لأبي بكر: لقد سَمِع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقيرٌ ونحن أغنياء سنكتبُ ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق وفي قول أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب: ﴿لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ [سورة آل عمران: ١٨٦] " (٣). وروي عن السدي نحو ذلك مختصرا (٤). والثاني: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (٥)، عن الحسن قال: " لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [سورة البقرة: ٢٤٥\ سورة الحديد: ١١]، قالت اليهود: إنّ ربكم يستقرض منكم! فأنزل الله: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء﴾ " (٦). والثالث: أخرج الطبري وعبدالرزاق (٧)، وابن المنذر (٨)، عن قتادة: " قوله: ﴿الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء﴾، ذكر لنا أنها نزلت في حُيَيّ بن أخطب، لما أنزل الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، قال: يستقرضنا ربنا، إنما يستقرض الفقير الغنيَّ! " (٩). والرابع: أخرج الواحدي عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: "نزلت في اليهود صك أبو بكر ﵁ وجه رجل منهم، وهو الذي قال: ﴿إن الله فقير ونحن أغنياء﴾، قال شبل: بلغني أنه فنحاص اليهودي وهو الذي قال: ﴿يد الله مغلولة﴾ " (١٠). وأخرجه الطبري عن ابن أبي نجيح (١١). والخامس: قال مقاتل: " وذلك أن النبي- ﷺ كتب مع أبي بكر الصديق- ﵁ إلى يهود قينقاع يدعوهم إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا. قال فنحاص اليهودي: إن الله فقير حين يسألنا القروض ونحن أغنياء" (١٢). وذكر الواقدي نحوه (١٣). قال الطبري: " ذكر أن هذه الآية وآيات بعدها نزلت في بعض اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ " (١٤).

стр. 2611

قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، أي: " لقد سمع الله قول الذين قالوا من اليهود: إن الله فقير إلينا ونحن أغنياء عنه" (١). قال ابن زيد: " هؤلاء يهود" (٢). قال السدي: " قالها فنحاص اليهوديّ من بني مَرثد، لقيه أبو بكر فكلمه فقال له: يا فنحاص، اتق الله وآمن وصدِّق، وأقرض الله قرضًا حسنًا! فقال فنحاص: يا أبا بكر، تزعم أن ربنا فقير يستقرِضنا أموالنا! وما يستقرض إلا الفقير من الغني! إن كان ما تقول حقًّا، فإن الله إذًا لفقير! فأنزل الله هذا، فقال أبو بكر: فلولا هُدنة كانت بين النبي ﷺ وبين بني مَرثد لقتلته" (٣). قال مجاهد: " صكّ أبو بكر رجلا منهم الذين قالوا: إنّ الله فقير ونحن أغنياء، لم يستقرضنا وهو غني؟ ! وهم يهود" (٤). قال الزجاج: " هؤلاء رؤساء أهل الكتاب لما نزلت ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾ قالوا نرى أن إله محمد يستقرض منا فنحن إذن أغنياء. وهو فقير، وقالوا هذا تلبيسا على ضعفتهم، وهم يعلمون أن الله : لا يستقرض من عوز، ولكنه يبلو الأخيار فهم يعلمون أن الله سمى الإعطاء والصدقة قرضا، يؤكد به - أن أضعافه ترجع إلى أهله، وهو يقبض ويبسط أى يوسع ويقتر، فأعلم الله أنه قد سمع مقالتهم، وأعلم أن ذلك مثبت عليهم، وأنهم إليه يرجعون فيجازيهم على ذلك وأنه خبير بعملهم" (٥). قوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١٨١]، أي: " سنكتب ما قالوا من الإفك والفرية على ربهم، وقتلهم أنبياءهم بغير حق" (٦). عن أبي عبيدة: " ﴿سنكتب ما قالوا﴾ سنحفظ عليهم " (٧). قال مقاتل: " فأمر الحفظة أن تكتب كل ما قالوا وتكتب قتلهم الأنبياء بغير حق" (٨). وقال الكلبي: "سنوجب عليهم في الآخرة جزاء ما قالوا في الدنيا" (٩). وقال الواقدي: " سيؤمن الحفظة من الكتاب، نظيره قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤] " (١٠). قال الواحدي: " أَيْ: نأمر الحفظة بإثبات ذلك في صحائف أعمالهم" (١١). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن أبي يزيد المرادي- وهو النعمان بن قيس- عن العلاء بن بدر، قلت: أرأيت قوله: ﴿وقتلهم الأنبياء بغير حق﴾، وهم لم يدركوا ذلك؟ قال: بموالاتهم الذي قتل أنبياء الله" (١٢). قال الأخفش: " قال تعالى: ﴿سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق﴾، وقد مضى لذلك دهر، فانما يعني: سنكتب ما قالوا على من رضي به من بعدهم أيام يرضاه" (١٣). قال الطبري: " فإن قال قائل: كيف قيل: وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقد ذكرت في الآثار التي رويتَ، أن الذين عنوا بقوله: لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقيرٌ بعض اليهود الذين كانوا على عهد نبينا محمد ﷺ ، ولم يكن من أولئك أحدٌ قتل نبيًا من الأنبياء، لأنهم لم يدركوا نبيًا من أنبياء الله فيقتلوه؟

стр. 2612

قيل: إنّ معنى ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه. وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الذين عنى الله ﵎ بهذه الآية، كانوا راضين بما فعل أوائلهم من قتل من قتلوا من الأنبياء، وكانوا منهم وعلى منهاجهم، من استحلال ذلك واستجازته. فأضاف جلّ ثناؤه فعلَ ما فعله من كانوا على منهاجه وطريقته، إلى جميعهم، إذ كانوا أهل ملة واحدة ونحْلة واحدة، وبالرِّضى من جميعهم فَعل ما فعل فاعلُ ذلك منهم، على ما بينا من نظائره فيما مضى قبل" (١). قال ابن مسعود: " كان بنو إسرائيل يقتلون في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بنقلهم مع آخر النهار" (٢). قرأ حمزة وحده: ﴿سيكتب ما قالوا﴾: بالياء ﴿وقتلهم﴾: رفعا، و ﴿الأنبياء﴾: نصبا، ﴿ويقول﴾: بالياء، وقرأ الباقون ﴿سنكتب ما قالوا﴾ بالنون ﴿وقتلهم﴾ نصبا ﴿ونقول﴾ بالنون (٣). قوله تعالى: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]، "أي: ويقول الله لهم في الآخرة على لسان الملائكة: ذوقوا عذاب النار المحرقة الملتهبة" (٤). قال مقاتل: " أي: تقول لهم خزنة جهنم في الآخرة: ﴿ذوقوا عذاب الحريق﴾ " (٥). قال الطبري: أي: " ونقول للقائلين بأن الله فقيرٌ ونحن أغنياء، القاتلين أنبياء الله بغير حقّ يوم القيامة ذوقوا عذاب الحريق، يعني بذلك: عذاب نار محرقة ملتهبة" (٦). قال الزجاج: " ومعنى ﴿عذاب الحريق﴾، أي: عذاب محرق - بالنار، لأن العذاب يكون بغيرالنار، فأعلم أن مجازاة هؤلاء هذا العذاب، وقوله: ﴿ذوقوا﴾ هذه كلمة تقال للشيء يوئس من العفو يقال ذق ما أنت فيه، أي: لست بمتخلص منه" (٧). قال أبو عبيدة: ﴿عذاب الحريق﴾: النار، اسم جامع يكون نارا، ويكون حريقا وغير حريق، فإذا التهب فهي حريق " (٨). قال الزمخشري: أي: " وننتقم منهم بأن نقول لهم يوم القيامة: ﴿ذوقوا عذاب الحريق﴾، كما أذقتم المسلمين الغصص. يقال للمنتقم منه: أحس، وذق. وقال أبو سفيان لحمزة- رضى الله عنه-: «ذق عقق» (٩) " (١٠). قال أبو حيان: " واستعير لمباشرة العذاب الذوق، لأن الذوق من أبلغ أنواع المباشرة، وحاستها متميزة جدا. والحريق: المحرق فعيل بمعنى مفعل، كأليم بمعنى مؤلم. وقيل: الحريق طبقة من طباق جهنم. وقيل: الحريق الملتهب من النار، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة، والملتهبة أشدها. والظاهر إن هذا القول يكون عند دخولهم جهنم. وقيل: قد يكون عند الحساب، أو عند الموت" (١١). قال الحسن: "بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة" (١٢). الفوائد:

стр. 2613

١ - إثبات سمع الله ، لقوله: ﴿لقد سمع الله﴾، والسمع هنا بمعنى إدراك الصوت وإن خفي، والمراد هنا: التهديد، والعلماء قسموا سمع الله إلى قسمين: السمع بمعنى الإستجابة، والسمع بمعنى إدراك الأصوات. ٢ - بيان ما عليه اليهود من الوقاحة والعدوان، وذلك بوصف الربّ بأنه فقير، بل ولشدة وقاحتهم قالوا: ونحن أغنياء، فهم بذلك أثبتوا الكمال لأنفسهم والنقص لله ، فسبحان الله عمّا يصفون. ٣ - اعتداء اليهود على رسل الله بقتلهم بغير حق، فصار منهم عدوان على مقام التوحيد ومقام الرسالة. ٤ - أن هؤلاء سوف يذوقون العذاب بالألم البدني والألم النفسي، ففي قوله: ﴿عذاب الحريق﴾: ألم بدني، وفي قوله: ﴿وذوقوا﴾: ألم نفسي، لأن هذا توبيخ وإهانة، فالأمر هنا للتوبيخ والإهانة. ٥ - الردّ على من قال بأن أهل النار لايذوقون العذاب، لأن أجسامهم تأخذ على النار وتتكيف بها، فيصبحون لايذوقون ألما، لقوله: ﴿وذوقوا عذاب الحريق﴾، وفيه بيان قدرة الله إذ يحترق جلود هؤلاء وتنضج جلودهم وكلما نضجت جلودهم بدّلوا جلودا غيرها، ومع ذلك لايموتون مع أن مثل هذا الحريق لو أصاب احدا في الدنيا لهلك كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٣]، فلايموت فيستريخ ولا يحيا حياة هنيئة. القرآن ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ [آل عمران: ١٨٢] التفسير: ذلك العذاب الشديد بسبب ما قدَّمتموه في حياتكم الدنيا من المعاصي القولية والفعلية والاعتقادية، وأن الله ليس بظلام للعببد. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، "أي: ذلك العذاب بما اقترفته أيديكم من الجرائم" (١). قال السمعاني: " يعني: بما قدمتم، وذكر أيديكم تأكيدا" (٢). قال الطبري: " أي: قولنا لهم يوم القيامة، ذوقوا عذاب الحريق، بما أسلفت أيديكم واكتسبتها أيام حياتكم في الدنيا" (٣). قال الواحدي: أي: ذلك العذاب بما سلفت من إجرامكم" (٤). قال الراغب: " أي نكتب ما قالوا ونعاقبهم عليه جزاء لما ارتكبوه. إن قيل: لم خص اليد، وفيما ذكره عنهم أفعال بغيرها من الجوارح؟ قيل: لما كانت اليد هي الآلة الصانعة المختصة بالإنسان، فإنه لما كفى كل واحد من الحيوانات بما احتاج إليه من الأسلحة والملابس، وسخره لاستعمالها في الدفع عن نفسه، وخلق الإنسان عاريا من كل ذلك، جعل له الرؤية واليد الصانعة، ليعلم برؤيته، وليعمل بيده فوق ما أعطى الحيوانات، فلما كان لليد هذه الخصوصية صارت تخص بإضافة عمل الجملة إليها" (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، "أي: وأنه سبحانه عادل ليس بظالم للخلق" (٦). قال السمعاني: " يعني: أنه يفعل ما يفعل بهم؛ مجازاة لهم على أعمالهم" (٧). قال الطبري: أي: " وبأن الله عَدْل لا يجورُ فيعاقب عبدًا له بغير استحقاق منه العقوبةَ، ولكنه يجازي كل نفس بما كسبت، ويوفّي كل عامل جزاء ما عمل، فجازى الذين قال لهم ذلك يوم القيامة من اليهود الذين وصف صفتهم، فأخبر عنهم أنهم قالوا: إنّ الله فقير ونحن أغنياء، وقتلوا الأنبياء بغير حق بما جازاهم به من عذاب الحريق، بما اكتسبوا من الآثام، واجترحوا من السيئات، وكذبوا على الله بعد الإعذار إليهم بالإنذار. فلم يكن

стр. 2614

تعالى ذكره بما عاقبهم به من إذاقتهم عذاب الحريق ظالمًا، ولا واضعًا عقوبته في غير أهلها. وكذلك هو جل ثناؤه، غيرُ ظلام أحدًا من خلقه، ولكنه العادل بينهم، والمتفضل على جميعهم بما أحبّ من فَوَاضله ونِعمه" (١). قال الزمخشري: " وكيف جعل كونه غير ظلام للعبيد شريكا لاجتراحهم السيئات في استحقاق التعذيب؟ قلت: معنى كونه غير ظلام للعبيد أنه عادل عليهم ومن العدل أن يعاقب المسيء منهم ويثيب المحسن" (٢). قال الراغب: " إن قيل: لم خص لفظ ظلام الذي هو للتكثير في نفي الظلم في هذا المكان، ولم يقل على ما قال في قوله: ﴿لا يظلم مثقال ذرة﴾، الذي هو يقتضي نفي الظلم قليله وكثيره؟ قيل: إنما خص ذلك لأنه لما كان في الدنيا قد يظن بمن يعذب غيره عذابا شديدا أنه ظلام قبل أن يفحص عن حال جرمه، بين تعالى ذنبهم، وأنه إذا عاقبهم عقوبة شديدة فليس بظلام لهم، وإن كان قد يظن في الدنيا بمن يفعل ذلك أنه ظلام. تعالى الله عن الظلم" (٣). الفوائد: ١ - إثبات الأسباب، تؤخذ من قوله تعالى: ﴿ذلك بما قدّمت أيديكم﴾. ٢ - نفي الظلم عن الله . ٣ - أن الله يخبر عما يخبر من صفاته لتطين الخلقـ لقوله: ﴿وأن الله ليس بظلّام للعبيد﴾. ٤ - جواز اطلاق البعض على الكل إذا وجدت قرينة تدل عليه، لقوله: ﴿بما قدّمت أيديكم﴾، فاليد بعض الإنسان لكن القرينة تدل على أن المراد الكل، يعني: بما قدّمتم. القرآن ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣)﴾ [آل عمران: ١٨٣] التفسير: هؤلاء اليهود حين دُعُوا إلى الإسلام قالوا: إن الله أوصانا في التوراة ألا نصدِّق مَن جاءنا يقول: إنه رسول من الله، حتى يأتينا بصدقة يتقرب بها إلى الله، فتنزل نار من السماء فتحرقها. قل لهم -أيها الرسول-: أنتم كاذبون في قولكم; لأنه قد جاء آباءكم رسلٌ من قِبلي بالمعجزات والدلائل على صدقهم، وبالذي قلتم من الإتيان بالقربان الذي تأكله النار، فَلِمَ قَتَل آباؤكم هؤلاء الأنبياء إن كنتم صادقين في دعواكم؟ في سبب نزول الآية جوه: أحدها: ذكر الواحدي والثعلبي (٤) عن الكلبي: "نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الضيف ووهب بن يهوذا وزيد بن تابوة وفي فنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا، وأنزل عليك كتابا، وأن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٥). والثاني: أخرج ابن أبي حاتم عن العلاء بن بدر قال: "كانت رسل تجيء بالبينات، ورسل علامة نبوتهم أن يضع أحدهم لحم البقر على يده، فتجيئ نار من السماء، فتأكله، فأنزل الله تعالى: ﴿قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم﴾ " (٦). والثالث: وروي عن جويبر، عن الضحاك: " قالوا: يا محمد إن تأتنا بقربان تأكله النار صدقناك، وإلا فلست بنبي، فقال الله تعالى: ﴿قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم﴾، أي: جاءكم بالبينات وبالقربان الذي تأكله النار" (٧).

стр. 2615

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، " أي: هم الذين قالوا إِن الله أمرنا وأوصانا في التوراة، أن لا نصدق لرسول حتى يأتينا بآية خاصة وهي أن يقدّم قربناناً فتنزل نار من السماء فتأكله" (١). قال الحسن: " كذبوا على الله" (٢). قال الطبري: أي: " لقد سمع الله قول الذين قالوا: إن الله أوصانا، وتقدم إلينا في كتبه وعلى ألسن أنبيائه أن لا نصدِّق رسولا فيما يقول إنه جاء به من عند الله من أمر ونهي وغير ذلك حتى يجيئنا بقربان، وهو ما تقرَّب به العبد إلى ربه من صدقة" (٣). قال الثعلبي: " قال المفسرون: كانت القرابين والغنائم تحل لبني إسرائيل، فكانوا إذا قربوا قربانا وغنموا غنيمة فإن تقبل منهم ذلك جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وحفيف، فتأكل ذلك القربان وتلك الغنيمة وتحرقهما، فيكون ذلك علامة القبول، وإذا لم يقبل بقي على حاله ... ومعنى الآية تكذيبهم يا محمد إياك مع علمهم بصدقك، كقتل آبائهم الأنبياء مع الإتيان بالقربان والمعجزات" (٤). قال ابن عباس: " كان الرجل يتصدق، فإذا تُقُبِّل منه، أنزلت عليه نارٌ من السماء فأكلته" (٥). قال الضحاك: " كان الرجل إذا تصدق بصدقة فتُقُبِّلت منه، بعث الله نارًا من السماء فنزلت على القربان فأكلته" (٦). وعنه أيضا قال: " هم اليهود" (٧). ذكر الثعلبي والواحدي (٨) عن عطاء: "كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطائب اللحم فيضعونها في وسط البيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه، وبنو إسرائيل خارجون حول البيت، فتنزل نار فتأخذ ذلك القربان فيخر النبي ساجدا فيوحي الله إليه بما شاء" (٩). وذكر الثعلبي والواحدي (١٠) عن السدي: "إن الله تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة: من جاءكم من أحد يزعم أنه رسول فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان، قال الله تعالى إقامة للحجة عليهم: قل يا محمد قد جاءكم يا معشر اليهود ﴿رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم﴾، من القربان، ﴿فلم قتلتموهم﴾، يعني: زكريا ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء، وأراد بذلك أسلافهم، فخاطبهم بذلك لأنهم رضوا بفعل أسلافهم" (١١). قال ابن حجر: " إن ثبت هذا الذي نقله السدي من أنهم حذفوا من التوراة استثناء المسيح ومحمد أزال أشكالًا كبيرًا" (١٢). و﴿القربان﴾: "البرّ الذي يتقرب به إلى الله، وأصله المصدر، من قولك: قرب قربانا، ومثل الكفران والرجحان والخسران، ثم سمي به نفس المتقرب به" (١٣). قال الراغب: " ﴿القربان﴾: اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى، وكثر استعماله في النسيكة" (١٤).

стр. 2616

وكان عيسى بن عمر يقرأ: ﴿قربان﴾، فبضم الراء والقاف، كما يقال في جمع ظلمة: ظلمات، وفي جمع حجرة: حجرات (١). قوله تعالى: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، " أي: قل لهم يا محمد: قد جاءتكم رسلٌ قبلي بالمعجزات الواضحات والحجج الباهرات الدالة على صدق نبوتهم وبالذي ادعيتم" (٢). قال ابن عطية: " هذا رد عليهم في مقالتهم وتبيين لإبطالهم، أي: قد جاءكم رسل بالآيات الباهرة البينة، وفي جملتها ما قلتم من أمر القربان فلم قتلتموهم يا بني إسرائيل المعنى بل هذا منكم تعلل وتعنت، ولو أتيتكم بالقربان لتعللتم بغير ذلك، والاقتراح لا غاية له، ولا يجاب كل مقترح، ولم يجب الله مقترحا إلا وقد أراد تعذيبه وأن لا يمهله، كقوم صالح وغيرهم، وكذلك قيل لمحمد في اقتراح قريش فأبى، وقال: بل أدعوهم وأعالجهم" (٣). قال مقاتل: " فقال- لنبيه- ﷺ -قل لهم: ﴿قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات﴾، يعني: التبيين بالآيات، ﴿وبالذي قلتم﴾، من أمر القربان" (٤). قال الطبري: أي: " قل، يا محمد، قد جاءكم رسل من قبلي بالحجج الدالة على صدق نبوتهم وحقيقة قولهم وبالذي ادَّعيتم أنه إذا جاء به لزمكم تصديقه والإقرار بنبوته، من أكل النار قُربانه إذا قرَّب لله دلالة على صدقه" (٥). قوله تعالى: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، " أي: فلم كذبتموهم وقتلتموهم إِن كنتم صادقين في دعواكم الإِيمان بالله والتصديق برسله؟ " (٦). قال الضحاك: " فلم كذبتموهم، ﴿قتلتموهم إن كنتم صادقين﴾؟ " (٧). قال مقاتل: " فلم قتلتم أنبياء الله من قبل محمد- ﷺ ﴿إن كنتم صادقين﴾ بما تقولون" (٨). قال النسفي: " أى إن كان امتناعكم عن الإيمان لأجل هذا، فلم لم تؤمنوا بالذين أتوا به ولم قتلتموهم؟ ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ في قولكم إنما نؤخر الإيمان لهذا" (٩). عن أبي يزيد المرادي، عن العلاء بن بدر: " قلت: أرأيت قوله: ﴿فلم قتلتموهم﴾، وهم لم يدركوا ذلك؟ قال: بموالاتهم من قتل الأنبياء" (١٠). روي عن الشعبي أنه قال: " كان بين الذين قتلوا وبين الذين قالوا: إن الله عهد إلينا إلى آخر الآية- سبعمائة سنة" (١١). وعنه أيضا: "في قوله: ﴿فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين﴾، قال: لأنهم رضوا عملهم" (١٢). قال الطبري: " وإنما أعلم الله عباده بهذه الآية: أنّ الذين وصف صفتهم من اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ، لن يَعْدوا أن يكونوا في كذبهم على الله وافترائهم على ربهم وتكذيبهم محمدًا ﷺ ، وهم يعلمونه صادقًا محقًّا، وجحودهم نبوَّته وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في عهد الله تعالى إليهم أنه رسوله إلى خلقه، مفروضة طاعته (١) إلا كمن مضى من أسلافهم الذين كانوا يقتلون أنبياء الله بعد قطع الله عذرهم بالحجج التي أيدهم الله بها، والأدلة التي أبان صدقهم بها، افتراء على الله، واستخفافًا بحقوقه" (١٣).

стр. 2617

الفوائد: ١ - بيان تعنّت اليهود الذين ردّوا ما جاء به النبي- ﷺ من البينات بناء على ما ادّعوه من هذه الآية. ٢ - أنه ينبغي عند المخاصمة إفحام الخصم بما يدعيه ليكون ذلك أبلغ في دحض حجّته، يؤخذ من قوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ٣ - أن الرسل عليهم الصلاة والسلام جاءوا بالبينات الدالة على رسالتهم ولا بد من هذا عقلا كما هو واقع شرعا، قال ﷺ : "ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" (١). ٤ - إقامة الحجة على هؤلاء الذين ادعوا هذه الدعوى، لأنهم قتلوا الأنبياء الذين جاؤوا بما قالوه. القرآن ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾ [آل عمران: ١٨٤] التفسير: فإن كذَّبك -أيها الرسول- هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكفر، فقد كذَّب المبطلون كثيرًا من المرسلين مِن قبلك، جاءوا أقوامهم بالمعجزات الباهرات والحجج الواضحات، والكتب السماوية التي هي نور يكشف الظلمات، والكتابِ البيِّن الواضح. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٨٤]، " أي: فلا يحزنك يا محمد تكذيب هؤلاء لك، فإِنهم إِن فعلوا ذلك فقد كذَّبت أسلافهم من قبلُ رسل الله" (٢). قال الضحاك: " يعزِّي نبيه ﷺ " (٣). وروي عن قتادة (٤)، وابن جريج (٥) مثل ذلك. قال مقاتل: " يعزي نبيه- ﷺ ليصبر على تكذيبهم فلست بأول رسول كذب" (٦). قال الطبري: " وهذا تعزية من الله جل ثناؤه نبيَّه محمدًا ﷺ على الأذى الذي كان يناله من اليهود وأهل الشرك بالله من سائر أهل الملل" (٧). قال ابن كثير: " أي: لا يوهنك تكذيب هؤلاء لك، فلك أسوة من قبلك من الرسل الذين كُذبوا" (٨). قوله تعالى: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]، " أي: كذبوهم مع أنهم جاءوهم بالبراهين القاطعة والمعجزات الواضحة" (٩). قال مقاتل: " يعني: بالآيات" (١٠). قال ابن كثير: أي: " مع ما جاؤوا به من ﴿البينات﴾، وهي: الحجج والبراهين القاطعة" (١١). أخرج ابن ابي حاتم عن السدي، عن أصحابه في قول الله تعالى: " ﴿بالبينات﴾، قال: الحلال والحرام" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَالزُّبُرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]، "أي: وبالكتب السماوية المملوءة بالحِكَم والمواعظ" (١٣). قال الزمخشري: " وهي الصحف" (١٤).

стр. 2618

قال مقاتل: "يعني: بحديث ما كان قبلهم والمواعظ " (١). وقال عكرمة والواقدي: "يعني: بـ ﴿الزبر﴾: أحاديث من كان قبلهم، نظيرها في سورة الحج والملائكة" (٢). أخرج ابن ابي حاتم عن السدي، عن أصحابه في قول الله تعالى: " ﴿وَالزُّبُرِ﴾، قال: كتب الأنبياء" (٣). قال ابن كثير: " وهي الكتب المتلقاة من السماء، كالصحف المنزلة على المرسلين" (٤). و﴿الزبر﴾: فإنه جمع "زبور"، وهو الكتاب، وكل كتاب فهو: زبور، ومنه قول امرئ القيس (٥): لِمنْ طَللٌ أَبْصَرْتُهُ فَشَجَانِي? ... كخَطِّ زَبُورٍ في عَسِيبٍ يَمَانِي (٦) ونقل الثعلبي عن بعضهم أن ﴿الزبور﴾: "هو الكتاب الحسن، حكاه المفضل وأنشد (٧): عرفت الديار كخط الدوي ... يحبره الكاتب الحميري" (٨). قال الزجاج: " ﴿الزبر﴾: جمع زبور، والزبور: كل كتاب ذو حكمة، ويقال: زبرت إذا كتبت، وزبرت، إذا قرأت" (٩). قال الراغب: " إن قيل: لم قال: ﴿والزبر والكتاب﴾ والزبور هو الكتاب؟ قيل: قد قال بعضهم: الزبور هو الكتاب المقصور على الحكمة العقلية دون الأحكام الشرعية، والكتاب في تعارف القرآن ما يتضمن الأحكام، ولهذا جاء في عامة القرآن كتاب وحكمة، ﴿ففصل يينهما لهذا، واستعمل الكتابة في معنى الإيجاب، فعلى هذا اشتقاقه من زبرت الشيء أي حكمته. وقيل: الزبور اسم لما أجمل ولم يفصل، والكتاب يقال لما قد فصل. قيل: واشتقاقه من الزبرة أي القطعة من الحديد التي تركت بحالها. وعلى هذا قال الشاعر (١٠): وما السيف إلا زبرة لو تركتها ... على الحالة الأولى لما كان يقطع وقيل: الزبور ها هنا اسم للزاجر من قولهم: زبرته أي زجرته" (١١). قال الطبري: " وهذا الحرف [﴿الزُّبُرِ﴾] في مصاحف أهل الحجاز والعراق: ﴿وَالزُّبُرِ﴾ بغير باء، وهو في مصاحف أهل الشام: ﴿وبالزُّبُرِ﴾ بالباء، مثل الذي في سورة فاطر [٢٥] " (١٢). قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]، أي: "والكتاب الواضح الجلي كالتوراة والإِنجيل" (١٣). قال مقاتل: " يعني: المضيء البيّن الذي فيه أمره ونهيه" (١٤). قال ابن كثير: " أي: البَين الواضح الجلي" (١٥). قال الزمخشري: أي: " التوراة والإنجيل والزبور" (١٦).

стр. 2619

قال الطبري: " ويعني: بـ ﴿الكتاب﴾: التوراة والإنجيل. وذلك أن اليهود كذَّبت عيسى وما جاء به، وحرَّفت ما جاء به موسى ﵇ من صفة محمد ﷺ ، وبدلت عهده إليهم فيه، وأن النصارى جحدت ما في الإنجيل من نعته، وغيرت ما أمرهم به في أمره" (١). وقوله: ﴿المنير﴾: فإنه يعني: الذي يُنير فيبين الحق لمن التبس عليه ويوضحه، وهو من النور والإضاءة، يقال: قد أنار لك هذا الأمر، بمعنى: أضاء لك وتبين، فهو ينير إنارة، والشيء منيرٌ (٢). الفوائد: ١ - تسلية الرسول- ﷺ ، ويتفرّغ عليها أم يتسلى الإنسان في كل ما أصاب غيره. ٢ - أن الرسل يؤذون بالتكذيب، وليس شيئا أشق على النفس من التكذيب فيمن جاء بالصدق. ٣ - أن الرسل –عليهم الصلاة والسلام- لابد أن يؤيدوا بالبيّنات. ٤ - أن الرسل السابقين كلهم جاؤوا بكتاب، فما من رسول إلا ومعه كتاب، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥]. ٥ - أن الكتب السابقة ككتابنا كلها تنير الطريق لمن أراد المسير، وأعظمها إنارة القرآن العظيم، ولهذا كان مهيمنا على ما سبق من الكتب، فكل الكتب التي سبقت منسوخة القرآن ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥] التفسير: كل نفس لا بدَّ أن تذوق الموت، وبهذا يرجع جميع الخلق إلى ربهم; ليحاسبهم. وإنما تُوفَّون أجوركم على أعمالكم وافية غير منقوصة يوم القيامة، فمن أكرمه ربه ونجَّاه من النار وأدخله الجنة فقد نال غاية ما يطلب. وما الحياة الدنيا إلا متعة زائلة، فلا تغترُّوا بها. قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، أي: " كل نفس لا بدَّ أن تذوق الموت" (٣). قال مقاتل: " ثم خوفهم فقال: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ " (٤). قال الواحدي: " وهذا وعد من الله تعالى بالموت، ووعيد للمكذبين بالقرآن، لأنهم إذا ماتوا حصلوا على خسران وحسرة" (٥). قال المراغي: " أي كل نفس تذوق طعم مفارقة البدن وتحس به، وفى هذا إيماء إلى أن النفس لا تموت بموت البدن، لأن الذي يذوق هو الموجود، والميت لا يذوق. فالذوق شعور لا يجس به إلا الحي" (٦). قال ابن كثير: " يخبر تعالى إخبارًا عامًا يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولا وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدة وفَرَغَت النطفة التي قدر الله وجودها من صلب آدم وانتهت البرية - أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها، كبيرها وصغيرها، فلا يظلم أحدا مثقال ذرة" (٧).

стр. 2620

قال السمعاني: " فإن قال قائل: لا يخفي أن كل نفس تموت، فأيش الفائدة في قوله: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾؟ قيل: أراد به: التزهيد بالدنيا، يعني: أن النفوس إلى الفناء؛ فتزهدوا بالدنيا" (١). قال الراغب: " وتخصيص الذوق هاهنا من حيث إنه ذكر الباخلين بالمال، وهو قوله: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله. . .﴾ الآية، وأعظم البخل بالمال يكون خشية من فقدان الطعام الذي به قوام الأبدان، ولهذا ذكر ألأكل في عامة المواضع التي ذكر فيها احتجاز المال، نحو ﴿ولا تأكلوا أموالكم﴾، وقوله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى﴾، فبين بالذوق أن الذي يخافونه طعام لابد منه" (٢). نقل السمرقندي عن الكلبي: "لما نزل قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ [الرحمن: ٢٦]، قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فلما نزل: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾، أيقنت الملائكة أنها هلكت معهم" (٣). وقرأه العامة: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾: بالإضافة، وقرأ الأعمش: ﴿ذائقة﴾ بالتنوين، ﴿الموت﴾ نصبا، وقال: لأنها لم تذق بعد، وقال أمية بن الصلت (٤): من لم يمت عبطة يمت هدما ... للموت كأس والمرء ذائقها (٥). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، " أي: وإنما تُعطون جزاء أعمالكم وافياً يوم القيامة" (٦). قال الثعلبي: أي: " توفون جزاء أعمالكم يوم القيامة إن خيرا فخير وإن شرا فشر" (٧). قال أبو السعود: " أي تعطون أجزية أعمالكم على التمام والكمال ﴿يوم القيامة﴾ أي يوم قيامكم من القبور وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم يصل إليهم قبله كما ينبئ عنه قوله ﵊: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» (٨) " (٩). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، "أي: فمن نُحي عن النار وأُبْعِد عنها، وأُدخل الجنة فقد فاز بالسعادة السرمدية والنعيم المخلّد" (١٠). قال الثعلبي: أي: " نجا وأزيل عن النار، ﴿وأدخل الجنة فقد فاز﴾، ظفر بما يرجوا ونجا مما يخاف" (١١). قال ابن كثير: " أي: من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة، فقد فاز كل الفوز" (١٢). عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَوْضع سوط في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، اقرؤوا إن شئم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ " (١٣). قال الراغب: " الفوز: إدراك الأمنية. والمفازة في قوله: ﴿فلا تحسبنهم بمفازة﴾ مصدر، ويقال للمهلكة: مفازة تفاؤلا، والصحيح أنهم لما رأوها تارة سببا للفوز، وتارة سببا للهلاك سموها بالاسمين، وذلك بنظرين مختلفين، وكذا قولهم: هلك، وفاز، إذا مات، كأنه رئي الموت في بعض الناس هلاكا له، وفي بعضهم فوزا له، إما لكونه

стр. 2621

متبلغا بذلك إلى فوز الآخرة ونعيم الأبد، وإما لخلاصهم من شدة يرى الموت في جنبها فوزا، وكذا النية أراها والأمنية من أصل واحد بنحو هذين النظرين" (١). قال الربيع: "إن آخر من يدخل الجنة يعطى من النور بقدر مادام يحبو فهو في النور حتى تجاوز الصراط، فذلك قوله: ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾ " (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، "أي: ليست الدنيا إِلا دار الفناء يستمتع بها الأحمق المغرور" (٣). قال أبو مالك: " ﴿الغرور﴾، يعني: زينة الدنيا" (٤). وعن قتادة: " ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾: هي متاع متروك أوشكت والله الذي لا إله إلا هو أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله- إن استطعتم- ولا قوة إلا بالله" (٥). عن عبد الرحمن بن سابط: " ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾، قال: زاد الراعي، تزوِّده الكفّ من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن" (٦). قال الطبري: أي: " وما لذّات الدنيا وشهواتها وما فيها من زينتها وزخارفها إلا متعة، يمتعكموها الغرور والخداع المضمحلّ الذي لا حقيقة له عند الامتحان، ولا صحة له عند الاختبار، فأنتم تلتذون بما متعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب والمكاره. يقول تعالى ذكره: ولا تركنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرور تمتَّعون، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون، فكأن ابن سابط (٧) ذهب في تأويله هذا، إلى أن معنى الآية: وما الحياة الدنيا إلا متاعٌ قليلٌ، لا يُبلِّغ مَنْ تمتعه ولا يكفيه لسفره. وهذا التأويل، وإن كان وجهًا من وجوه التأويل، فإن الصحيح من القول فيه هو ما قلنا. لأن الغرور إنما هو الخداع في كلام العرب. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لصرفه إلى معنى القلة، لأن الشيء قد يكون قليلا وصاحبه منه في غير خداع ولا غرور. وأما الذي هو في غرور، فلا القليل يصح له ولا الكثير مما هو منه في غرور" (٨). قال السمرقندي قال ابن عباس: " «متاع الغرور مثل القدر والقارورة والسكرجة ونحو ذلك، لأن ذلك لا يدوم، وكذلك الدنيا تزول وتفنى ولا تبقى». ويقال: هو مثل الزجاج الذي يسرع إليه الكسر، ولا يصلحه الجبر. ويقال: كزاد المسافر، يسرع إليه الفناء فكذلك الدنيا" (٩). قال الثعلبي: " يعني: منفعة ومتعة، كالفأس والقدر والقصعة، ثم يزول ولا يبقى، قاله أكثر المفسرين" (١٠). قال الماتريدي: أي: " حياة الدنيا للدنيا لعب ولهو وغرور، وللآخرة: ليست بلعب ولا لهو ولا غرور. وأصل الغرور: هو أن يتراءى الشيء في ظاهره حسنا مموها؛ يغتر بها كل ناظر إليها ظاهرا، فإذا نظر في باطنها وجدها قاتلة مهلكة، نعوذ بالله من الاغترار بها. وقيل: الحياة الدنيا -على ما عند أولئك الكفرة- لعب ولهو، وعند المؤمنين حكمة" (١١). قال ابن كثير: قال ذلك" تصغيرًا لشأن الدنيا، وتحقيرًا لأمرها، وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] وقال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]. وقال تعالى: ﴿

стр. 2622

وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠]، وفي الحديث: «واللهِ ما الدنيا في الآخرة إلا كما يَغْمِسُ أحدُكُم إصبعه في اليَمِّ، فلينظر بِمَ تَرْجِع إليه؟ » (١) " (٢). قال الراغب: " والمتاع: التمتع، فنبه أن السكون إلى الدنيا والتمتع بها غرور، وأن الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، واقتصر على زاد يتبلغ به" (٣). قال أبو السعود: " شبهت بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه، وهذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ" (٤). قال السعدي: " هذه الآية الكريمة فيها التزهيد في الدنيا بفنائها وعدم بقائها، وأنها متاع الغرور، تفتن بزخرفها، وتخدع بغرورها، وتغر بمحاسنها، ثم هي منتقلة، ومنتقل عنها إلى دار القرار، التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار، من خير وشر" (٥). الفوائد: ١ - أن الموت حقّ لابد منه، لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. ٢ - حثّ الإنسان على المبادرة للعمل الصالح، لأنه إذا كان ميتا لامحالة وهو لايدري متى يموت، فإن العقل كالشرع يقتضي أن يبادر ولاسيّما في قضاء الواجبات والتخلي عن المظالم. ٣ - ان كمال الأجر إنما يكون يوم القيامة. ٤ - إثبات يوم القيامة، إذ يقوم الناس فيه لربّ العالمين، ويقوم الأشهاد، ويقام فيه القسط. ٥ - أنه لايمكن الفوز إلا بأمرين: أن يزحزح الإنسان عن النار وأن يدخل الجنة. ٦ - التزهيد في الدنيا، ويجب على الإنسان الحذر من مغبّة الدنيا وغرورها، قال- ﷺ : "والله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها ما تنافسها من قبلكم، فتهلككم كما أهلكتم .. " (٦). القرآن ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران: ١٨٦] التفسير: لَتُخْتَبَرُنَّ -أيها المؤمنون- في أموالكم بإخراج النفقات الواجبة والمستحبَّة، وبالجوائح التي تصيبها، وفي أنفسكم بما يجب عليكم من الطاعات، وما يحلُّ بكم من جراح أو قتل وفَقْد للأحباب، وذلك حتى يتميَّز المؤمن الصادق من غيره. ولتَسمعُنَّ من اليهود والنصارى والمشركين ما يؤذي أسماعكم من ألفاظ الشرك والطعن في دينكم. وإن تصبروا -أيها المؤمنون- على ذلك كله، وتتقوا الله بلزوم طاعته واجتناب معصيته، فإن ذلك من الأمور التي يُعزم عليها، وينافس فيها. في سبب نزول الآية وجوه: أحدها: قال ابن عباس: " نزل في أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ " (٧). أخرج الطبري عن عكرمة، قال: "نزلت هذه الآية في النبي ﷺ ، وفي أبي بكر رضوان الله عليه، وفي فنحاص اليهودي سيد بني قينُقاع، بعث النبي ﷺ أبا بكر الصديق ﵀ إلى فنحاص يستمدُّه، وكتب إليه بكتاب، وقال لأبي بكر: لا تَفتاتنَّ عليّ بشيء حتى ترجع، فجاء أبو بكر وهو

стр. 2623

متوشِّح بالسيف، فأعطاه الكتاب، فلما قرأه قال: قد احتاج ربكم أن نمده! فهمّ أبو بكر أن يضربه بالسيف، ثم ذكر قول النبي ﷺ : لا تفتاتنّ علي بشيء حتى ترجع، فكف، ونزلت: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾، وما بين الآيتين إلى قوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾، نزلت هذه الآيات في بني قينقاع إلى قوله: ﴿فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك﴾ " (١). وأخرج الطبري عن ابن جريج: " فكان المسلمون ينصبون لهم الحرب إذ يسمعون إشراكهم، فقال الله: ﴿وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾، يقول: من القوة مما عزم الله عليه وأمركم به" (٢). قال الزجاج: " روي أن أبا بكر الصديق ﵁ سمع رجلا من إليهود يقول: ﴿إن الله فقير ونحن أغنياء﴾، فلطمه أبو بكر ﵁ فشكا إليهودي ذلك إلى النبي ﷺ فسأله النبي: " ما أراد بلطمك؟ فقال أبو بكر: سمعت منه كلمة ما ملكت نفسي معها أن لطمته، فأنزل الله : (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ " (٣). والثاني: أنها نزلت في كعب بن الأشرف، وذلك أنه كان يهجو رسول الله ﷺ ، ويتشبّب بنساء المسلمين. أخرج الطبري وابن المنذر (٤)، وابن أبي حاتم (٥) عن معمر عن الزهري، قال: "هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض المشركين على النبي ﷺ وأصحابه في شعره، ويهجو النبي ﷺ . فانطلق إليه خمسة نفر من الأنصار، فيهم محمد بن مسلمة، ورجل يقال له أبو عبس. فأتوه وهو في مجلس قومه بالعَوَالي، فلما رآهم ذعر منهم، فأنكر شأنهم، وقالوا: جئناك لحاجة! قال: فليدن إليّ بعضكم فليحدثني بحاجته. فجاءه رجل منهم فقال: جئناك لنبيعك أدراعًا عندنا لنستنفق بها. فقال: والله لئن فعلتم لقد جُهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل! فواعدوه أن يأتوه عشاءً حين هدأ عنهم الناس، فأتوه فنادوه، فقالت امرأته: ما طَرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشيء مما تحب! قال: إنهم حدثوني بحديثهم وشأنهم. قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة: أنه أشرف عليهم فكلمهم، فقال: أترهَنُوني أبناءكم؟ وأرادوا أن يبيعهم تمرًا. قال، فقالوا: إنا نستحيي أن تعير أبناؤنا فيقال: هذا رهينة وَسْق، وهذا رهينة وسقين! فقال: أترهنوني نسائكم؟ قالوا: أنت أجملُ الناس، ولا نأمنك! وأي امرأة تمتنع منك لجمالك! ولكنا نرهنك سلاحنا، فقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم. فقال: ائتوني بسلاحكم، واحتملوا ما شئتم. قالوا: فأنزل إلينا نأخذ عليك وتأخذ علينا. فذهب ينزل فتعلقت به امرأته وقالت: أرسل إلى أمثالهم من قومك يكونوا معك. قال: لو وجدني هؤلاء نائمًا ما أيقظوني! قالت: فكلِّمهم من فوق البيت، فأبى عليها، فنزل إليهم يفوحُ ريحه. قالوا: ما هذه الريح يا فلان؟ قال: هذا عطرُ أم فلان! امرأته. فدنا إليه بعضهم يشم رائحته، ثم اعتنقه، ثم قال: اقتلوا عدو الله! فطعنه أبو عَبس في خاصرته، وعلاه محمد بن مسلمة بالسيف، فقتلوه ثم رجعوا. فأصبحت اليهود مذعورين، فجاءوا إلى النبيّ ﷺ فقالوا: قتل سيدنا غيلة! فذكّرهم النبي ﷺ صَنيعه، وما كان يحضّ عليهم، ويحرض في قتالهم ويؤذيهم، ثم دعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم صلحًا، قال: فكان ذلك الكتابُ مع عليّ رضوان الله عليه" (٦). والثالث: أخرج ابن المنذر، عن شعيب، عن الزهري، قال: "أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد، أخبره أن النبي ﷺ ركب على حمار على إكاف، على قطيفة من تحته، وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين، وعبدة الأوثان، واليهود وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر ابن أبي أنفه بردائه، ثم قال:

стр. 2624

لا تغبروا علينا، فسلم النبي ﷺ عليهم ثم وقف النبي ﷺ ، فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء، إنه لأحسن مما تقول، إن كان حقا، فلا تؤذينا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه قال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي ﷺ دابته، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال النبي ﷺ : " يا سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب؟ يريد: عبد الله بن أبي، قال: كذا وكذا "، قال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل الكتاب، لقد جاءك الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه الحرة على أن يتوجوه، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله، شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه النبي ﷺ وكان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين، وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله جل وعز: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾، قال الله جل وعز: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا إلى: إن الله على كل شيء قدير﴾ وكان النبي ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم فلما غزا النبي ﷺ بدرا، فقتل الله من صناديد كفار قريش، قال أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فتتابعوا إلى رسول الله ﷺ فأسلموا" (١). قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، "أي: والله لتمتحننَّ وتختبرنَّ في أموالكم بالفقر والمصائب، وفي أنفسكم بالشدائد والأمراض" (٢). قال مقاتل: " نزلت في النبي- ﷺ وأبي بكر الصديق- ﵁ " (٣). قال ابن قتيبة: " أي: لتختبرن. ويقال: لتصابن. والمعنيان متقاربان" (٤). قال الزجاج: " معناه: لتختبرن أي تقع عليكم المحن، فيعلم المؤمن من غيره" (٥). قال مقاتل: " يعني بالبلاء والمصيبات" (٦). قال ابن جريج: "أعلم الله المؤمنين أنه سيبتليهم، فينظر كيف صبرهم على دينهم" (٧). قال الطبري: أي: " لتختبرن بالمصائب في أموالكم وأنفسكم، يعني: وبهلاك الأقرباء والعشائر من أهل نصرتكم وملتكم" (٨). قال عباد بن منصور: " سألت الحسن عن قوله: ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم﴾ قال: نبتلى- والله- في أموالنا وأنفسنا" (٩). قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]، "أي: ولينالنّكم من اليهود والنصارى والمشركين - أعدائكم - الأذى الكثير" (١٠) قال مقاتل: " حين قالوا: إن الله فقير. ثم قال: ﴿ومن الذين أشركوا﴾، يعني: مشركي العرب ﴿أذى كثيرا﴾: باللسان والفعل" (١١).

стр. 2625

قال الزهري: " هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض المشركين على النبي ﷺ وأصحابه في شعره، ويهجو النبي ﷺ وأصحابه" (١). قال ابن جريج: " ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، يعني: اليهود، والنصارى: ﴿ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا﴾، فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم: عزير ابن الله، ومن النصارى: المسيح ابن الله" (٢). قال الطبري: "الأذى من اليهود، قولهم: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقولهم: يد الله مغلولة، وما أشبه ذلك من افترائهم على الله ومن الذين أشركوا، يعني: ومن النصارى، قولهم: المسيح ابن الله، وما أشبه ذلك من كفرهم بالله" (٣). نستنتج بأن في هذا الأذى ثلاثة أقاويل: أحدها: ما روي أن كعب بن الأشرف كان يهجو النبي ﷺ والمؤمنين ويحرض عليهم المشركين حتى قتله محمد بن مسلمة، وهذا قول الزهري (٤). والثاني: أن فنحاص اليهودي سيد بني قينقاع لما سئل الإمداد قال: احتاج ربكم إلى أن نمده، وهذا قول عكرمة (٥)، وروي عن ابن عباس نحو ذلك (٦)، واختاره الزجاج (٧). والثالث: أن الأذى ما كانوا يسمعونه من الشرك كقول اليهود: عزيز ابن الله، وكقول النصارى: المسيح ابن الله وهذا قول ابن جريج (٨). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، "أي: وإِن تصبروا على المكاره وتتقوا الله في الأقوال والأعمال، فإن ذلك من الأمور التي ينبغي أن تعزموا وتحزموا عليها لأنها ممّا أمر الله بها" (٩). قال مقاتل: " ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على ذلك الأذى، ﴿وتتقوا﴾ معصيته، ﴿فإن ذلك من عزم الأمور﴾، يعني: ذلك الصبر والتقوى من خير الأمور التي أمر الله- بها" (١٠). قال ابن جريج: " فكان المسلمون ينصبون لهم الحرب إذ يسمعون إشراكهم، فقال الله: ﴿وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾، يقول: من القوة مما عزم الله عليه وأمركم به" (١١). أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قول الله: " ﴿فإن ذلك﴾، يعني: هذا الصبر على الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ﴿من عزم الأمور﴾، يعني: في حق الأمور التي أمر الله" (١٢). قال الطبري: أي: " وإن تصبروا لأمر الله الذي أمركم به فيهم وفي غيرهم من طاعته، وتتقوا الله فيما أمركم ونهاكم، فتعملوا في ذلك بطاعته، فإن ذلك الصبر والتقوى مما عزم الله عليه وأمركم به" (١٣). قال الحسن: " أمر الله المؤمنين أن يصبروا على ما أذاهم، فقال: أذاهم: زعم أنهم كانوا يقولون: يا أصحاب محمد لستم على شيء، نحن أولى بالله منكم، أنتم ضلال، فأمروا أن يمضوا ويصبروا" (١٤).

стр. 2626

قال ابن الجوزي: " الجمهور على إحكام هذه الآية، لأنها تضمنت الأمر بالصبر والتقوى ولا بد للمؤمن من ذلك، وقد ذهب قوم إلى أن الصبر المذكور ها هنا منسوخ بآية السيف" (١). الفوائد: ١ - ينبغي للانسان ان يتفطن لما فيه من خير وشر، ليعلم أنه ابتلاء من الله، ففي الخير يبتلى ليشكر، وفي ضده يبتلى ليصبر. ٢ - التاكيد على الحذر من أهل الكتاب اليهود والنصارى والمشركين ايضا، إذ هم يمكرون بالقول وبالفعل، فبيّن الله تعالى عداوتهم للمسلمين. ٣ - الثناء على الصبر على الأذية، وأنه من عزم الامور. ٤ - التنبيه على فضيلة العزم في الامور، وكل ما كان الإنسان عازما في اموره كان ذلك أنجح واحسن. القرآن ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [آل عمران: ١٨٧] التفسير: واذكر -أيها الرسول- إذ أخذ الله العهد الموثق على الذين آتاهم الله الكتاب من اليهود والنصارى، فلليهود التوراة وللنصارى الإنجيل; ليعملوا بهما، ويبينوا للناس ما فيهما، ولا يكتموا ذلك ولا يخفوه، فتركوا العهد ولم يلتزموا به، وأخذوا ثمنا بخسًا مقابل كتمانهم الحق وتحريفهم الكتاب، فبئس الشراء يشترون، في تضييعهم الميثاق، وتبديلهم الكتاب. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، " أي: اذكر يا محمد حين أخذ الله العهد المؤكد على اليهود في التوراة" (٢). قال الطبري: أي: " واذكر أيضا من أمر هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم، يا محمد، إذ أخذ الله ميثاقهم" (٣). قال قتادة: " هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم" (٤). قال عباد بن منصور: " سألت الحسن عن قوله: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾، قال: هم اليهود والنصارى" (٥). وقال سعيد بن جبير: " ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾، قال: اليهود" (٦). وقال ابن عباس: " إنما أخذ الله ميثاق النبيين يعني: على قومهم" (٧). وعن ابن عباس ايضا: " أمرهم أن يتبعوا ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾ (٨)، فلما بعث الله محمدا قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (٩) عاهدهم على ذلك، فقال حين بعث محمدا: صدقوه: وتلقون عندي الذي أحببتم" (١٠).

стр. 2627

قال ابن كثير: " هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب، الذين أخَذ عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ، وأن ينوهوا بذكره في الناس ليكونوا على أهْبَة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه" (١). واختلف اهل العلم في تفسير قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، على أقوال: أحدها: أنهم اليهود خاصة، وهذا قول ابن عباس (٢)، والسدي (٣)، وسعيد بن جبير (٤). والثاني: أنهم اليهود والنصارى. وهذا قول الحسن (٥)، ومعنى قول ابن جريج (٦). والثالث: انهم كل من أوتى علم شيءٍ من كتاب فقد أخذ أنبياؤهم ميثاقهم. وهذا قول قتادة (٧). والرابع: أن المعنى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وهذا أحد قولي –ابن عباس (٨)، وكذلك سعيد بن جبير في رواية يحيى بن أبي ثابت عنه (٩). قوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، " أي: لتظهرنَّ ما في الكتاب من أحكام الله ولا تخفونها" (١٠). قال الطبري: أي: " ليبيننّ للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم، وهو التوراة والإنجيل، وأنك لله رسول مرسل بالحق، ولا يكتمونه" (١١). قال الزجاج: "المعنى: أن الله أخذ منهم الميثاق ليبينن أمر نبوة النبي ﷺ –" (١٢). قال الزمخشري: " أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه وقيل له: آلله لتفعلن" (١٣). روي أن مروان قال لرافع بوابه: "اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فسله عن قوله: ﴿لتبيننه للناس﴾، قال: قال الله جل ثناؤه لنبيه ﷺ في التوراة: إن الإسلام دين الله الذي ارتضاه افترضه على عباده، وإن محمدا رسول الله يجدونه عندهم في التوراة والإنجيل" (١٤). قال ابن جريج: " وكان فيه إن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده، وأن محمدًا يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل" (١٥). عن قتادة: "قوله: ﴿لتبيننه للناس﴾، قال: فمن علم علما فليعلمه الناس" (١٦). وعن قتادة ايضا قوله: " ﴿ولا تكتمونه﴾، قال: وإياكم وكتمان العلم، فإن كتمان العلم هلكة فلا يتكلفن رجل مما لا علم لديه، فيخرج من دين الله، فيكون من المتكلفين" (١٧). وقال سفيان: " ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾: أن تنكر المنكر، وتأمر بالخير، وتحسن الحسن، وتقبح القبيح" (١٨).

стр. 2628

وفي عود الضمير (الهاء) في قوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى النبي- ﷺ ، والمعنى: ليبين نبوة محمد ﷺ ، وهذا قول سعيد بن جبير (١)، والسدي (٢). والثاني: أنها ترجع إلى الكتاب، والمعنى: ليبين الكتاب الذي فيه ذكره، وهذا قول الحسن (٣)، ومعنى قول قتادة (٤)، وسفيان (٥)، واختاره ابن الجوزي (٦). والراجح-والله أعلم- هو القول الثاني، " لأن الكتاب أقرب المذكورين، ولأن من ضرورة تبيينهم ما فيه إظهار صفة محمد ﷺ ، وهذا قول من ذهب إلى أنه عام في كل كتاب" (٧). قال علي بن أبي طالب ﵇: "ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا" (٨). قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر، والمفضل عن عاصم، وزيد عن يعقوب: ﴿ليبيننه للناس ولا يكتمونه﴾، بالياء فيهما، وقرأ الباقون، وحفص عن عاصم بالتاء فيهما، فمن قال ﴿ليبيننه﴾ بالياء، فلأنهم غيب، ومن قال ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾: بالتاء، حكى المخاطبة التي كانت في وقت أخذ الميثاق (٩). قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، " أي: فطرحوا ذلك العهد وراء ظهورهم" (١٠). قال ابن كثير: أي: " فكتموا ذلك" (١١). قال الثعلبي: أي: " طرحوه وضيعوه وتركوا العمل به" (١٢). قال التستري: " أي: لم يعملوا بالكتاب" (١٣). قال الطبري: أي: " فتركوا أمر الله وضيعوه، ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك، فكتموا أمرك، وكذبوا بك " (١٤). قال الشعبي: " إنهم قد كانوا يقرأونه، إنما نبذوا العمل به" (١٥)، وفي رواية أخرى: " قذفوه بين أيديهم، وتركوا العمل به" (١٦). وقال ابن جريج: " نبذوا الميثاق" (١٧). وروي عن السدي نحو ذلك (١٨). قال الزمخشري: أي: " فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم، يعنى لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه. والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك الاعتداد. ونقيضه جعله نصب عينيه وألقاه بين عينيه" (١٩). قال الزجاج: " معنى "نبذوه"، رموا به يقال للذي يطرح الشيء ولا يعبأ به: قد جعلت هذا الشيء بظهر، وقد رميته بظهر، قال الفرزدق (٢٠):

стр. 2629

تميم بن قيس لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يعيا علي جوابها أي: لا تتركنها لا يعبأ بها" (١). قوله تعالى: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٨٧]، أي: " واستبدلوا به شيئاً حقيراً من حُطام الدنيا" (٢). قال السدي: " أخذوا طمعًا، وكتموا اسم محمد ﷺ " (٣). قال الحسن: " كتموا وباعوا فلا يبدون شيئا إلا بثمن" (٤). وقال الحسن أيضا: " الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها" (٥). قال الثعلبي: " يعني المأكل" (٦). قال التستري: "يعني: اشتروا بالآخرة الباقية عرض الدنيا الفانية" (٧). قال الطبري: أي: " وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك، عوضًا منه خسيسًا قليلا من عرض الدنيا " (٨). قال ابن كثير: أي: " تعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف" (٩). قال الزجاج: " أنبأ الله عما حمل إليهود الذين كانوا رؤساء على كتمان أمر النبي ﷺ فقال: ﴿واشتروا به ثمنا قليلا﴾، أي: قبلوا على ذلك الرشا، وقامت لهم رياسة اكتسبوا بها، فذلك حملهم على الكفر بما يخفونه" (١٠). قال الزمخشري: "وكفى به دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا أحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة، وتطيب لنفوسهم. واستجلاب لمسارهم، أو لجر منفعة وحطام دنيا، أو لتقية: مما لا دليل عليه ولا أمارة أو لبخل بالعلم، وغبرة أن ينسب إليه غيرهم" (١١). قوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، " أي: فبئس هذا الشراء وبئست تلك الصفقة الخاسرة" (١٢). قال مجاهد: " تبديل اليهود التوراة" (١٣). قال الطبري: أي: " فبئس الشراء يشترون في تضييعهم الميثاق وتبديلهم الكتاب" (١٤). عن مجاهد: " ﴿فبئس ما يشترون﴾، قال: تبديل اليهود التوراة" (١٥). قال ابن كثير: أي: " فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفي هذا تَحْذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويُسْلكَ بهم مَسْلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئا" (١٦). وقال قتادة: " هذا لميثاق الله أخذ على أهل مكة ممن علم شيئا فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة" (١٧).

стр. 2630

وقال محمد بن كعب: "لا يحل لعالم أن يسكت على علمه ولا لجاهل أن يسكت على جهله، قال الله: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب الآية، وقال: ﴿فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (١) " (٢). وقال ثابت بن البناني عن أبي رافع عن أبي هريرة أنه قال: "لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ثم تلا هذه الآية وإذ أخذ الله" (٣). وقال طاوس لوهب: "إنى أرى الله سوف يعذبك بهذه الكتب. وقال: والله لو كنت نبيا فكتمت العلم كما تكتمه لرأيت أن الله سيعذبك" (٤). وعن الحسن بن عمارة قال: "أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألقيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك. فقال: حدثني. فقلت: حدثني الحكم ابن عيينة عن نجم الجزار قال: سمعت عليا ﵇ يقول: «ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا» قال: فحدثني بأربعين حديثا" (٥). الفوائد: ١ - أن الله أخذ على أهل العلم العهد ببيان العلم، وعدم كتمانه. ٢ - التحذير من كتمان العلم، لأنه تعالى ذكر ذلك على سبيل الذم لا على سبيل المدح، قال- ﷺ : "من سئل عن علم علمه ثم كتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار" (٦). ٣ - الذم لأهل الكتاب اليهود والنصارى لنبذهم الميثاق والعهد وراء ظهورهم، إذ أخذوا بدله ثمنا قليلا، مما يدل على خسة هممهم بأخذهم الأدنى بدلا من الأعلى. ٤ - القدح في هذه الطريقة، لقوله: ﴿فبئس ما يشترون﴾، ويتفرغ على هذه الفائدة تحذير أولئك الذين يحابون الرؤساء والأمراء والوجهاء والأعيان في ترك بيان العلم، لأن الله تعالى أثنى بالقدح واللوم والتوبيخ على من كانت هذه حاله. القرآن ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾ [آل عمران: ١٨٨] التفسير: ولا تظنن الذين يفرحون بما أَتَوا من أفعال قبيحة كاليهود والمنافقين وغيرهم، ويحبون أن يثني عليهم الناس بما لم يفعلوا، فلا تظنهم ناجين من عذاب الله في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب موجع. وفي الآية وعيد شديد لكل آت لفعل السوء معجب به، ولكل مفتخر بما لم يعمل، ليُثنيَ عليه الناس ويحمدوه. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج مسلم (٧)، وأحمد (٨)، والبخاري (٩)، والترمذي (١٠)، والنَّسَائِي (١١): "أن مروان بن الحكم قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى، وأحب أن يُحمد بما لم يفعل معذباً، لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أُنزلت هذه الآية في أهل الكتاب. ثم تلا ابن
следующие страницы →