← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

قال ابن الجوزي: " الجمهور على إحكام هذه الآية، لأنها تضمنت الأمر بالصبر والتقوى ولا بد للمؤمن من ذلك، وقد ذهب قوم إلى أن الصبر المذكور ها هنا منسوخ بآية السيف" (١). الفوائد: ١ - ينبغي للانسان ان يتفطن لما فيه من خير وشر، ليعلم أنه ابتلاء من الله، ففي الخير يبتلى ليشكر، وفي ضده يبتلى ليصبر. ٢ - التاكيد على الحذر من أهل الكتاب اليهود والنصارى والمشركين ايضا، إذ هم يمكرون بالقول وبالفعل، فبيّن الله تعالى عداوتهم للمسلمين. ٣ - الثناء على الصبر على الأذية، وأنه من عزم الامور. ٤ - التنبيه على فضيلة العزم في الامور، وكل ما كان الإنسان عازما في اموره كان ذلك أنجح واحسن. القرآن ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [آل عمران: ١٨٧] التفسير: واذكر -أيها الرسول- إذ أخذ الله العهد الموثق على الذين آتاهم الله الكتاب من اليهود والنصارى، فلليهود التوراة وللنصارى الإنجيل; ليعملوا بهما، ويبينوا للناس ما فيهما، ولا يكتموا ذلك ولا يخفوه، فتركوا العهد ولم يلتزموا به، وأخذوا ثمنا بخسًا مقابل كتمانهم الحق وتحريفهم الكتاب، فبئس الشراء يشترون، في تضييعهم الميثاق، وتبديلهم الكتاب. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، " أي: اذكر يا محمد حين أخذ الله العهد المؤكد على اليهود في التوراة" (٢). قال الطبري: أي: " واذكر أيضا من أمر هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم، يا محمد، إذ أخذ الله ميثاقهم" (٣). قال قتادة: " هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم" (٤). قال عباد بن منصور: " سألت الحسن عن قوله: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾، قال: هم اليهود والنصارى" (٥). وقال سعيد بن جبير: " ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾، قال: اليهود" (٦). وقال ابن عباس: " إنما أخذ الله ميثاق النبيين يعني: على قومهم" (٧). وعن ابن عباس ايضا: " أمرهم أن يتبعوا ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾ (٨)، فلما بعث الله محمدا قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (٩) عاهدهم على ذلك، فقال حين بعث محمدا: صدقوه: وتلقون عندي الذي أحببتم" (١٠).

стр. 2627

قال ابن كثير: " هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب، الذين أخَذ عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ، وأن ينوهوا بذكره في الناس ليكونوا على أهْبَة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه" (١). واختلف اهل العلم في تفسير قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، على أقوال: أحدها: أنهم اليهود خاصة، وهذا قول ابن عباس (٢)، والسدي (٣)، وسعيد بن جبير (٤). والثاني: أنهم اليهود والنصارى. وهذا قول الحسن (٥)، ومعنى قول ابن جريج (٦). والثالث: انهم كل من أوتى علم شيءٍ من كتاب فقد أخذ أنبياؤهم ميثاقهم. وهذا قول قتادة (٧). والرابع: أن المعنى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وهذا أحد قولي –ابن عباس (٨)، وكذلك سعيد بن جبير في رواية يحيى بن أبي ثابت عنه (٩). قوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، " أي: لتظهرنَّ ما في الكتاب من أحكام الله ولا تخفونها" (١٠). قال الطبري: أي: " ليبيننّ للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم، وهو التوراة والإنجيل، وأنك لله رسول مرسل بالحق، ولا يكتمونه" (١١). قال الزجاج: "المعنى: أن الله أخذ منهم الميثاق ليبينن أمر نبوة النبي ﷺ –" (١٢). قال الزمخشري: " أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه وقيل له: آلله لتفعلن" (١٣). روي أن مروان قال لرافع بوابه: "اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فسله عن قوله: ﴿لتبيننه للناس﴾، قال: قال الله جل ثناؤه لنبيه ﷺ في التوراة: إن الإسلام دين الله الذي ارتضاه افترضه على عباده، وإن محمدا رسول الله يجدونه عندهم في التوراة والإنجيل" (١٤). قال ابن جريج: " وكان فيه إن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده، وأن محمدًا يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل" (١٥). عن قتادة: "قوله: ﴿لتبيننه للناس﴾، قال: فمن علم علما فليعلمه الناس" (١٦). وعن قتادة ايضا قوله: " ﴿ولا تكتمونه﴾، قال: وإياكم وكتمان العلم، فإن كتمان العلم هلكة فلا يتكلفن رجل مما لا علم لديه، فيخرج من دين الله، فيكون من المتكلفين" (١٧). وقال سفيان: " ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾: أن تنكر المنكر، وتأمر بالخير، وتحسن الحسن، وتقبح القبيح" (١٨).

стр. 2628

وفي عود الضمير (الهاء) في قوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى النبي- ﷺ ، والمعنى: ليبين نبوة محمد ﷺ ، وهذا قول سعيد بن جبير (١)، والسدي (٢). والثاني: أنها ترجع إلى الكتاب، والمعنى: ليبين الكتاب الذي فيه ذكره، وهذا قول الحسن (٣)، ومعنى قول قتادة (٤)، وسفيان (٥)، واختاره ابن الجوزي (٦). والراجح-والله أعلم- هو القول الثاني، " لأن الكتاب أقرب المذكورين، ولأن من ضرورة تبيينهم ما فيه إظهار صفة محمد ﷺ ، وهذا قول من ذهب إلى أنه عام في كل كتاب" (٧). قال علي بن أبي طالب ﵇: "ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا" (٨). قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر، والمفضل عن عاصم، وزيد عن يعقوب: ﴿ليبيننه للناس ولا يكتمونه﴾، بالياء فيهما، وقرأ الباقون، وحفص عن عاصم بالتاء فيهما، فمن قال ﴿ليبيننه﴾ بالياء، فلأنهم غيب، ومن قال ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾: بالتاء، حكى المخاطبة التي كانت في وقت أخذ الميثاق (٩). قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، " أي: فطرحوا ذلك العهد وراء ظهورهم" (١٠). قال ابن كثير: أي: " فكتموا ذلك" (١١). قال الثعلبي: أي: " طرحوه وضيعوه وتركوا العمل به" (١٢). قال التستري: " أي: لم يعملوا بالكتاب" (١٣). قال الطبري: أي: " فتركوا أمر الله وضيعوه، ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك، فكتموا أمرك، وكذبوا بك " (١٤). قال الشعبي: " إنهم قد كانوا يقرأونه، إنما نبذوا العمل به" (١٥)، وفي رواية أخرى: " قذفوه بين أيديهم، وتركوا العمل به" (١٦). وقال ابن جريج: " نبذوا الميثاق" (١٧). وروي عن السدي نحو ذلك (١٨). قال الزمخشري: أي: " فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم، يعنى لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه. والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك الاعتداد. ونقيضه جعله نصب عينيه وألقاه بين عينيه" (١٩). قال الزجاج: " معنى "نبذوه"، رموا به يقال للذي يطرح الشيء ولا يعبأ به: قد جعلت هذا الشيء بظهر، وقد رميته بظهر، قال الفرزدق (٢٠):

стр. 2629

تميم بن قيس لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يعيا علي جوابها أي: لا تتركنها لا يعبأ بها" (١). قوله تعالى: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٨٧]، أي: " واستبدلوا به شيئاً حقيراً من حُطام الدنيا" (٢). قال السدي: " أخذوا طمعًا، وكتموا اسم محمد ﷺ " (٣). قال الحسن: " كتموا وباعوا فلا يبدون شيئا إلا بثمن" (٤). وقال الحسن أيضا: " الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها" (٥). قال الثعلبي: " يعني المأكل" (٦). قال التستري: "يعني: اشتروا بالآخرة الباقية عرض الدنيا الفانية" (٧). قال الطبري: أي: " وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك، عوضًا منه خسيسًا قليلا من عرض الدنيا " (٨). قال ابن كثير: أي: " تعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف" (٩). قال الزجاج: " أنبأ الله عما حمل إليهود الذين كانوا رؤساء على كتمان أمر النبي ﷺ فقال: ﴿واشتروا به ثمنا قليلا﴾، أي: قبلوا على ذلك الرشا، وقامت لهم رياسة اكتسبوا بها، فذلك حملهم على الكفر بما يخفونه" (١٠). قال الزمخشري: "وكفى به دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا أحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة، وتطيب لنفوسهم. واستجلاب لمسارهم، أو لجر منفعة وحطام دنيا، أو لتقية: مما لا دليل عليه ولا أمارة أو لبخل بالعلم، وغبرة أن ينسب إليه غيرهم" (١١). قوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، " أي: فبئس هذا الشراء وبئست تلك الصفقة الخاسرة" (١٢). قال مجاهد: " تبديل اليهود التوراة" (١٣). قال الطبري: أي: " فبئس الشراء يشترون في تضييعهم الميثاق وتبديلهم الكتاب" (١٤). عن مجاهد: " ﴿فبئس ما يشترون﴾، قال: تبديل اليهود التوراة" (١٥). قال ابن كثير: أي: " فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفي هذا تَحْذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويُسْلكَ بهم مَسْلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئا" (١٦). وقال قتادة: " هذا لميثاق الله أخذ على أهل مكة ممن علم شيئا فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة" (١٧).

стр. 2630

وقال محمد بن كعب: "لا يحل لعالم أن يسكت على علمه ولا لجاهل أن يسكت على جهله، قال الله: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب الآية، وقال: ﴿فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (١) " (٢). وقال ثابت بن البناني عن أبي رافع عن أبي هريرة أنه قال: "لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ثم تلا هذه الآية وإذ أخذ الله" (٣). وقال طاوس لوهب: "إنى أرى الله سوف يعذبك بهذه الكتب. وقال: والله لو كنت نبيا فكتمت العلم كما تكتمه لرأيت أن الله سيعذبك" (٤). وعن الحسن بن عمارة قال: "أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألقيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك. فقال: حدثني. فقلت: حدثني الحكم ابن عيينة عن نجم الجزار قال: سمعت عليا ﵇ يقول: «ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا» قال: فحدثني بأربعين حديثا" (٥). الفوائد: ١ - أن الله أخذ على أهل العلم العهد ببيان العلم، وعدم كتمانه. ٢ - التحذير من كتمان العلم، لأنه تعالى ذكر ذلك على سبيل الذم لا على سبيل المدح، قال- ﷺ : "من سئل عن علم علمه ثم كتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار" (٦). ٣ - الذم لأهل الكتاب اليهود والنصارى لنبذهم الميثاق والعهد وراء ظهورهم، إذ أخذوا بدله ثمنا قليلا، مما يدل على خسة هممهم بأخذهم الأدنى بدلا من الأعلى. ٤ - القدح في هذه الطريقة، لقوله: ﴿فبئس ما يشترون﴾، ويتفرغ على هذه الفائدة تحذير أولئك الذين يحابون الرؤساء والأمراء والوجهاء والأعيان في ترك بيان العلم، لأن الله تعالى أثنى بالقدح واللوم والتوبيخ على من كانت هذه حاله. القرآن ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾ [آل عمران: ١٨٨] التفسير: ولا تظنن الذين يفرحون بما أَتَوا من أفعال قبيحة كاليهود والمنافقين وغيرهم، ويحبون أن يثني عليهم الناس بما لم يفعلوا، فلا تظنهم ناجين من عذاب الله في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب موجع. وفي الآية وعيد شديد لكل آت لفعل السوء معجب به، ولكل مفتخر بما لم يعمل، ليُثنيَ عليه الناس ويحمدوه. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج مسلم (٧)، وأحمد (٨)، والبخاري (٩)، والترمذي (١٠)، والنَّسَائِي (١١): "أن مروان بن الحكم قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى، وأحب أن يُحمد بما لم يفعل معذباً، لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أُنزلت هذه الآية في أهل الكتاب. ثم تلا ابن

стр. 2631

عباس: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ [آل عمران: ١٨٧]، قال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه" (١). الثاني: أخرج الشيخان في صحيحهما (٢) عن أبي سعيد الخدري: " أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله ﷺ كان إذا خرج رسول الله ﷺ -إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ ، فإذا قدم رسول الله ﷺ اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ " (٣). والثالث: أخرج الطبري وعبدالرزاق (٤)، عن مسلم البطين قال: "سأل الحجاج جلساءه عن هذه الآية: ﴿لا تحسبن الذي يفرحون بما أتوا﴾، قال سعيد بن جبير: بكتمانهم محمدًا ﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾، قال: هو قولهم: نحن على دين إبراهيم ﵇" (٥). والرابع: ذكر ابن إسحاق عن عكرمة: " ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿ولهم عذاب أليم﴾، يعني فنحاصا وأشيع وأشباههما من الأحبار، الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زيَّنوا للناس من الضلالة، ﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾، أن يقول لهم الناس علماء، وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى" (٦). والخامس: أخرج الطبري وعبدالرزاق (٧) عن قتادة: "إن أهل خيبر أتوا النبي ﷺ وأصحابه فقالوا: إنا على رأيكم وسنتكم، وإنا لكم رِدْء (٨)، فأكذبهم الله فقال: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾، الآيتين" (٩). وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن نحو ذلك (١٠). والسادس: ذكر الواحدي عن الضحاك: "كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتابهم من اليهود في الأرض كلها أن محمدا ليس نبي الله فاثبتوا على دينكم وأجمعوا كلمتكم على ذلك، فأجمعت كلمتهم على الكفر بمحمد ﷺ والقرآن، ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا، وقالوا: نحن أهل الصوم والصلاة ونحن أولياء الله، فذلك قول الله تعالى: ﴿يفرحون بما أتوا﴾ بما فعلوا ﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾ يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة" (١١). والسابع: أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: كان في بني إسرائيل رجال عباد فقهاء، فأدخلتهم الملوك، فرخصوا لهم وأعطوهم، فخرجوا وهم فرحون بما أخذت الملوك من قولهم، وما أعطوا فأنزل الله : ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾ " (١٢). والسببان الأول والثاني، هما المعول عليهما في سبب نزول هذه الآية، وأما الأسباب الأخرى، فهي لا يعول عليها من جهة السند.

стр. 2632

والراجح إن سبب نزول هذه الآية الكريمة ما ذكره ابن عباس ﵄ في سؤال النبي ﷺ اليهود عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه؛ وذلك لصحة سند الحديث، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، أي: " لا تحسبن، يا محمد، الذين يفرحون بما أتوا من إخفاء أمرك عن الناس" (١). قال الواحدي: " هم اليهود فرحوا بإضلال النَّاس وبنسبة النَّاس إيَّاهم إلى العلم وليسوا كذلك" (٢). ولأهل العلم في الذين عناهم الله تعالى في قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، وجهان: أحدهما: أنهم أهل الكتاب فرحوا بالاجتماع على تكذيب النبي ﷺ وإخفاء أمره، وأحبوا أن يحمدوا بما ليس فيهم من أنهم أهل نسك وعلم، وهذا قول ابن عباس (٣)، وعكرمة (٤)، والضحاك (٥)، والسدي (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، ومجاهد (٨)، وقتادة (٩). والثاني: أنهم أهل النفاق فرحوا بقعودهم عن القتال وأحبوا أن يحمدوا بما ليس فيهم من الإيمان بمحمد ﷺ ، وهذا قول أبي سعيد الخدري (١٠)، وابن زيد (١١). وقرأ حميد بن كثير وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وأبو عمرو: ﴿يحسبن﴾ بالياء، ومعناه: ولا يحسبن الفارحون منجيا لهم من العذاب. وقرأ غيرهم بالتاء ﴿تَحْسَبَنَّ﴾، معناه: ولا تحسبن يا محمد الفارحين بمفازة من العذاب، وخبره في الباء. وقرأ الضحاك وعيسى: ﴿لا تحسبن﴾، بالتاء وضم الباء، أراد محمدا ﷺ وأصحابه-﵃. وقرأ محمد وابن كثير وأبو عمرو ويحيى بن يعمر: بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين، أي فلا تحسبن أنفسهم (١٢). وقرأها إبراهيم: ﴿بما أوتوا﴾، ممدودا، أي: أعطوا، وقرأ سعيد بن جبير: ﴿أوتوا﴾، أي: أعطوا (١٣). قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، " أي: ويحبون أن يحمدهم الناس على تمسكهم بالحق وهم على ضلال" (١٤). قال الواحدي: أي: " وأَحبُّوا أن يحمدوا بالتَّمسُّك بالحقِّ وقالوا: نحن أصحاب التَّوراة وأولو العلم القديم" (١٥). قال الفراء: " قالوا: نحن أهل العلم الأول والصلاة الأولى، فيقولون ذلك ولا يقرون بمحمد ﷺ " (١٦).

стр. 2633

قال الطبري: أي: " وهم مع نقضهم ميثاقي الذي أخذت عليهم بذلك، يفرحون بمعصيتهم إياي في ذلك، ومخالفتهم أمري ويحبون أن يحمدهم الناس بأنهم أهل طاعة لله وعبادة وصلاة وصوم، واتباع لوحيه وتنزيله الذي أنزله على أنبيائه، وهم من ذلك أبرياء أخلياء، لتكذيبهم رسوله، ونقضهم ميثاقه الذي أخذ عليهم، لم يفعلوا شيئًا مما يحبون أن يحمدهم الناس عليه" (١). قال ابن كثير: " يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يُعْطَوا، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ : "من ادَّعَى دَعْوى كاذبة لِيتَكَثَّر بها لم يَزِدْه الله إلا قِلَّة" (٢)، وفي الصحيح: "المتشبع بما لم يُعْطَ كلابس ثَوْبَي زُور" (٣) " (٤). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، أي: " فلا تظنهم بمنجاة من عذاب الله" (٥). قال السمرقندي: " معناه: لا تظنن أنهم ينجون من العذاب بذلك" (٦). قال الفراء: " يقول: ببعيد من العذاب" (٧). قال الطبري: أي: " فلا تظنهم بمنجاة من عذاب الله الذي أعده لأعدائه في الدنيا، من الخسف والمسخ والرجف والقتل، وما أشبه ذلك من عقاب الله، ولا هم ببعيد منه" (٨). قال ابن زيد في قوله: " ﴿فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب﴾، قال: بمنجاة من العذاب" (٩). قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، أي: "ولهم عذاب مؤلم" (١٠). قال الطبري: أي: " ولهم عذابٌ في الآخرة أيضًا مؤلم، مع الذي لهم في الدنيا معجل" (١١). الفوائد: ١ - تحذير من يفرح بما أتى فرح منة أو فرح غدر وخيانة كالمنافقين. ٢ - التحذير من محبة الإنسان أن يُحمد بما لم يفعل، وذلك كأن يصرح الإنسان بأنه عمل عملا وهو كاذب، أو يورّي فيظن السامع أنه فاعل وهو لم يفعل. ٣ - أنه من كان على هذا الحال فلن ينجو من العذاب. ٤ - إثبات العذاب الاليم لمن هذه حاله، وقد عرفنا أنها منطبقة علة صنفين من الناس: أهل الكتاب الذين كتموا صفة الرسول- ﷺ والثاني: هم المنافقون. القرآن ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾ [آل عمران: ١٨٩] التفسير: ولله وحده ملك السموات والأرض وما فيهما، والله على كل شيء قدير. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٩]، أي: " لله ملك جميع ما حوته السموات والأرض" (١٢).

стр. 2634

قال الزجاج: " أي: هو خالقهما، ودليل ذلك قوله : ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، و ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ " (١). قال مقاتل: " ثم عظم الله نفسه فقال: ﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾ وما بينهما من الخلق عبيده وفي ملكه" (٢). قال السمرقندي: " أي خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات، ويقال: جميع من في السموات والارض عبيده وفي ملكه" (٣). قال الواحدي: " أي: بملك تدبيرهما، وتصريفهما على ما يشاء" (٤). قال السعدي: " أي: هو المالك للسماوات والأرض وما فيهما، من سائر أصناف الخلق، المتصرف فيهم بكمال القدرة، وبديع الصنعة" (٥). قال الطبري: " وهذا تكذيب من الله جل ثناؤه الذين قالوا: ﴿إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ (٦)، يقول تعالى ذكره، مكذبا لهم: لله ملك جميع ما حوته السموات والأرض. فكيف يكون أيها المفترون على الله، من كان ملك ذلك له فقيرًا؟ " (٧). قال المراغي: " أي لا تحزنوا أيها المؤمنون ولا تضعفوا، وبينوا الحق ولا تكتموا منه شيئا، ولا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، ولا تفرحوا بما عملتم، فإن الله يكفيكم ما أهمكم ويغنيكم عن هذه المنكرات التي نهيتم عنها فإن لله ملك السموات والأرض يعطى من يشاء" (٨). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٩]، " أي وهو سبحانه "على كل شيء قدير" (٩). قال الزمخشري: أي: " فهو يقدر على عقابهم" (١٠). قال السعدي: أي: " فلا يمتنع عليه منهم أحد، ولا يعجزه أحد" (١١). قال الطبري: " ثم أخبر جل ثناؤه أنه القادر على تعجيل العقوبة لقائلي ذلك، ولكل مكذب به ومفتر عليه، وعلى غير ذلك مما أراد وأحب، ولكنه تفضل بحلمه على خلقه فقال: والله على كل شيء قدير، يعني: من إهلاك قائلي ذلك، وتعجيل عقوبته لهم، وغير ذلك من الأمور" (١٢). قال المراغي: أي: " لا يعز عليه نصركم على من يؤذونكم بأيديهم وألسنتهم من أهل الكتاب والمشركين" (١٣). قال الماتريدي: " وهذا [ردّ] على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لا يقدر على خلق فعل العبد، وعلى قولهم: غير قادر على أكثر الأشياء، وهو قد أخبر أنه على كل شيء قدير" (١٤). الفوائد: ١ - أن ملك السماوات والارض خاص بالله ، ووجهه تقديم الخبر الذي دل! على الحصر. ٢ - أن الملك المطلق لله وحده، وأما الملك المضاف إلى المخلوق فهو ملك مقيد، ودليله أن هذا المالك المخلوق لو أراد أن يتصرف بماله على خلاف ما جاءت به الشريعة كان ممنوعا من هذا ولا يملكه، والله جلّ وعلا يملك ملكا عاما شاملا يستغني به عن غيره.

стр. 2635

٣ - الإشارة أنه لايجوز للإنسان أن يتصرف في ملكه إلا على حسب إذن الشارع، لأن كون الملك لله يدل على أن تصرفنا فيه إنما يكون بطريق الوكالة، يتقيد بما أُذن له فيه. ٤ - عموم قدرة الله ، لقوله: ﴿والله على كل شيء قدير﴾. ٥ - أن من آمن بهذا-أي بأن الله على كل شيء قدير- فإنه يطرد عنه اليأس، لأن الإنسان قد يصاب بمرض مثلا فييأس من برئه بعد العلاج، فيقال له: لاتيأس إن الله على كل شي قدير، وأنت إذا أراد الله أن يبقي المرض بك فقد يكون خيرا لك، لأنك تكسب من ورائه الثواب من الله ، فإنه لايصيب المؤمن من همّ ولا غمّ ولا أذى حتى الشوكة يشاكلها إلا كفّر الله به يعني من ذنوبه، كما روي عن أم المؤمنين عائشة-﵂؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مصيبة يصاب بها المسلم إلا كفر بها عنه، حتى الشوكة يشاكها" (١). القرآن ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠] التفسير: إن في خلق السموات والأرض على غير مثال سابق، وفي تعاقُب الليل والنهار، واختلافهما طولا وقِصَرًا لدلائل وبراهين عظيمة على وحدانية الله لأصحاب العقول السليمة. في سبب نزول الآية: أخرج ابن أبي حاتم والطبراني (٢)، والواحدي (٣)، عن ابن عباس قال: "أتت قريش النبي ﷺ فقالوا: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا، فدعا ربه، فنزلت: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ " (٤). واخرجه عبد بن حميد عن سعيد بن جبير مرسلا (٥)، قال ابن حجر: "والمرسل أصح" (٦). قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، "أي: إِن في خلق السماوات والأرض على ما بهما من إِحكام وإٍبداع" (٧). قال ابن كثير: " أي: هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابتَ وبحار، وجبال وقفار وأشجار ونبات وزروع وثمار، وحيوان ومعادن ومنافع، مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص" (٨). قال ابن عطية: " ثم دل على مواضع النظر والعبرة، حيث يقع الاستدلال على الصانع بوجود السماوات والأرضين والمخلوقات دال على العلم، ومحال أن يكون موجود عالم مريد غير حي، فثبت بالنظر في هذه الآية عظم الصفات" (٩). قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، "أي: وتعاقب الليل والنهار على الدوام" (١٠).

стр. 2636

قال ابن عطية: " هو تعاقبهما، إذ جعلهما الله خلفة، ويدخل تحت لفظة الاختلاف كونهما يقصر هذا ويطول الآخر وبالعكس، ويدخل في ذلك اختلافهما بالنور والظلام" (١). قال ابن كثير: "أي: تعاقبهما وتَقَارضهما الطول والقصر، فتارة يطُول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرا، ويقصر الذي كان طويلا وكل ذلك تقدير العزيز الحكيم" (٢). قوله تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، " أي: علامات واضحة على الصانع وباهر حكمته، ولا يظهر ذلك إِلا لذوي العقول" (٣). قال الزمخشري: أي: " لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته وباهر حكمته، للذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطر. وفي النصائح الصغار: املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلهما في جملة هذه العجائب، متفكرا في قدرة مقدرها، متدبرا حكمة مدبرها، قبل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر" (٤). قال ابن كثير: قوله" ﴿لأولِي الألْبَابِ﴾ أي: العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البُكْم الذين لا يعقلون الذين قال الله [تعالى] (٣) فيهم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥، ١٠٦] " (٥). قال ابن عطية: " و ﴿الآيات﴾: العلامات، و ﴿الألباب﴾ في هذه الآية: هي ألباب التكليف لا ألباب التجربة، لأن كل من له علوم ضرورية يدركها فإنه يعلم ضرورة ما قلناه من صفات الله تعالى" (٦). قال الراغب: " ونبه بقوله: ﴿لأولي الألباب﴾، أن من لم يكن ذا لب قل عناؤه في التفكر فيها، واللب هو اسم للعقل أزيل عنه الدرن، وذاك أن العقل وإن كان أشرف مدرك من الأشياء فهو في الأصل كسيف حديد لم يطبع ولم يصقل، فإذا تفقد وتعهد بالحكمة صار كسيف طبع، فأزيل خبثه، وشحذ حده، وكل موضع يذكر الله تعالى فيه أجل مدرك لا يمكن إدراكه إلا بأجل مدرك" (٧) أخرج ابن حبان عن عطاء قال دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة فقالت لعبيد بن عمير قد آن لك أن تزورنا فقال أقول يا أمه كما قال الأول زر غبا تزدد حبا قال فقالت دعونا من رطانتكم هذه قال بن عمير أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله ﷺ ، قال: فسكتت ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي قال: "يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي" قلت: والله إني لأحب قربك وأحب ما سرك، قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره قالت ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر قال: "أفلا أكون عبدا شكورا لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾ الآية كلها [آل عمران: ١٩٠] " (٨). الفوائد: ١ - الحثّ على التأمل في خلق السماوات والأرض، لأن الله تعالى ذكر أن فيهما آيات، والآيات هي: العلامات، وكلما ازدادت الآيات وضوحا ازداد الإيمان قوة. ٢ - النظر إلى خلق السماوات والأرض على الوجه الذي ذكر في التفسير، من حيث ذواتهما ومنافعهما وما فيهما من الخير والمصالح حتى لايذهب ذاهب إلى أنها خلقت عبثا.

стр. 2637

٣ - الإشارة إلى اختلاف الليل والنهار من رخاء إلى شدة وبالعكس، ومن حرب إلى سلم، ومن عزّ إلى ذلّ، ومن فقر إلى غنى، وبالعكس في هذه الأمور. ٤ - الثناء لأصحاب العقول، لأن الله جعل هذا الاختلاف لذوي العقول، أما من لاعقل له فإنه لاينتفع بهذه الآيات، ولايعتبر بها وتمرّ عليه وكأنها مظاهر طبيعية لا علاقة لها لفعل الله تعالى بها، وهذا –والعياذ بالل—من الطمس على القلوب وعمي الأبصار، لأن هذا الكون على هذا النظام البديع لايمكن أبدا أن يقع إلا من رب حكيم ، ولايمكن أن يقع من فاعل على وجه السفه أبدا. ٥ - أن الربّ أظهر آياته لخلقه مع ان مجرد الإيمان بأن الله تعالى حي موجود يكفي، لكن كلما تعددت الأدلة والآيات ازداد الشيء يقينا، ودليل هذا أن إبراهيم قال لله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فالإنسان قد يكون مؤمنا ولا إشكال عنده في الأمر لكن يحتاج إلى من يطمئنه. ٦ - الثناء على العقل، وهو عقل الرشد لا عقل التكليف، لقوله تعالى: ﴿لآيات لأولي الالباب﴾. ٧ - أنه كلما كان الإنسان أعقل كان بالله وآياته أعلم، لقوله: ﴿لآيات لأولي الالباب﴾، والحكم المعلق على وصف يثبت لثبوته ويعدم لعدمه، ولذلك من كان عقله بهيميا لاينتفع بهذه الآيات، لأنه ليس من ذوي الالباب. القرآن ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩١] التفسير: الذين يذكرون الله في جميع أحوالهم: قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، وهم يتدبرون في خلق السموات والأرض، قائلين: يا ربنا ما أوجدت هذا الخلق عبثًا، فأنت منزَّه عن ذلك، فاصْرِف عنا عذاب النار. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، أي: الذين"يذكرون الله بألسنتهم وقلوبهم في جميع الأحوال في حال القيام والقعود والاضطجاع" (١). قال ابن جريج: " هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن" (٢). قال قتادة: " وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك، يُسرًا من الله وتخفيفًا" (٣). قال الطبري: "من نعت أولي الألباب، أي: الذاكرين الله قيامًا في صلاتهم، وقعودًا في تشهدهم وفي غير صلاتهم، وعلى جنوبهم نيامًا" (٤). قال ابن كثير: " ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، كما ثبت في صحيح البخاري عن عِمْران بن حُصَين، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "صَلِّ قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لَم تستطع فَعَلَى جَنْبِكَ" (٥) أي: لا يقطعون ذِكْره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم" (٦). قال ابن عطية: " وهذا وصف ظاهره استعمال التحميد والتهليل والتكبير ونحوه من ذكر الله، وأن يحصر القلب اللسان، وذلك من أعظم وجوه العبادات، والأحاديث في ذلك كثيرة، وابن آدم منتقل في هذه الثلاث الهيئات لا يخلو في غالب أمره منها فكأنها تحصر زمنه" (٧). وقوله: ﴿وعلى جنوبهم﴾: "عبارة عن حال الاضطجاع، وعلى ذلك قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢]، فمن حمل الآية على الصلاة، وقال: معناه لا يخلون بها في شيء من أحوالهم قائمين إذا قدروا، قاعدين إذا عجزوا، وعلى جنوبهم إذا مرضوا. ومنهم من جعله أعم من ذلك، وقال: لا ينفكون من ذكر الله في جميع أحوالهم، كقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. ومنهم من جعله أعم من ذلك أيضا، وقال: معناه لا يتحرون بجميع أفعالهم إلا وجهه، وبيان ذلك أن مباحات أولياء الله كلها قرب يستحق بها الثواب، وذاك أنهم لا يأكلون ولا ينامون إلا وقت الضرورة، ومقدار ما يستعينون به على العبادة، وما لا تتم عبادتهم إلا به فذاك واجب كوجوبها" (٨). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وجهان: أحدها: إنما هذه في الصلاة إذا لم تستطع قائما فقاعدا، وإن لم تستطع قاعدا فعلى جنب. قاله أبو مسعود (٩). والثاني: ان المراد ذكر الله في تلك الأحوال: قائما وقاعدا ومضطجعا. وهذا قول مجاهد (١٠)، وقتادة (١١). قال الثعلبي: " قال سائر المفسرين: أراد به ذكر الله تعالى، ووصفهم بالمداومة عليه، إذ الإنسان قلما يخلوا من معنى هذه الحالات الثلاثة" (١٢). قال الراغب: " الذكر: ذكر باللسان، وذكر بالقلب، وذكر القلب ذكران: ذكر عن نسيان، وهو إعادة ما انحذف عن الحفظ، وذلك هو التذكر في الحقيقة، وذكر هو إدامة مراعاة ما ثبت في الحفظ" (١٣). قوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، " أي: ويتدبرون في ملكوت السماوات والأرض، في خلقهما بهذه الأجرام العظام وما فيهما من عجائب المصنوعات وغرائب المبتدعات" (١٤). قال الثعلبي: أي: بأن" لها صانعا قادرا ومدبرا حكيما" (١٥). قال الطبري: " يعني بذلك: أنهم يعتبرون بصنعة صانع ذلك، فيعلمون أنه لا يصنع ذلك إلا مَن ليس كمثله شيء، ومن هو مالك كل شيء ورازقه، وخالق كل شيء ومدبره، ومن هو على كل شيء قدير، وبيده الإغناء والإفقار، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والشقاء والسعادة" (١٦). قال ابن كثير: " أي: يفهمون ما فيهما من الحكَم الدالة على عظمة الخالق وقدرته، وعلمه وحكمته، واختياره ورحمته، ... وقد ذمّ الله تعالى مَنْ لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥، ١٠٦] ومدح عباده المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ قائلين ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا﴾ " (١٧). قال الشيخ أبو سليمان الداراني: "إني لأخرجُ من منزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله عَلَي فيه نِعْمَة، أوْ لِي فيه عِبْرَة" (١٨).

стр. 2638

وروي أنه كان ابن عور يقول: "الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية، كما يحدث الماء الزرع والنبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة" (١). قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾] آل عمران: ١٩١]، "أي: قائلين: ربنا ما خلقت هذ الكون وما فيه عبثاً من غير حكمة" (٢). قال أبو عبيدة: " العرب تختصر الكلام، ليخففوه، لعلم المستمع بتمامه، فكأنه في تمام القول، ويقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلا " (٣). قال الطبري: أي: ": لم تخلق هذا الخلق عبثًا ولا لعبًا، ولم تخلقه إلا لأمر عظيم من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة" (٤). قال ابن كثير: " أي: ما خلقت هذا الخلق عَبَثًا، بل بالحق لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى" (٥). قال الزمخشري: " المعنى: ما خلقته خلقا باطلا بغير حكمة، بل خلقته لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك" (٦). قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، "أي: ننزهك يا الله عن العبث فأجرنا واحمنا من عذاب جهنم" (٧). قال الطبري: " ثم فَزِعوا إلى ربهم بالمسألة أن يجيرهم من عذاب النار، وأن لا يجعلهم ممن عصاه وخالف أمره، فيكونوا من أهل جهنم" (٨). قال ابن كثير: " أي: يا من خَلَق الخلق بالحق والعدل يا من هو مُنزه عن النقائص والعيب والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وَقيضْنَا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذابك الأليم" (٩). روي أنه سئلت أم الدرداء " ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت: التفكر، والاعتبار " قوله جل وعز: ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾ " (١٠). قال ابن عطية: " حدثني أبي ﵁ عن بعض علماء المشرق قال: كنت بائتا في مسجد الأقدام بمصر، فصليت العشاء فرأيت رجلا قد اضطجع في كساء له مسجى بكسائه حتى أصبح، وصلينا نحن تلك الليلة وسهرنا، فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة فصلى مع الناس، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلما فرغت الصلاة خرج فتبعته لأعظه فلما دنوت منه سمعته ينشد (١١): منسحق الجسم غائب حاضر ... منتبه القلب صامت ذاكر منقبض في الغيوب منبسط ... كذاك من كان عارفا ذاكرا يبيت في ليله أخا فكر ... فهو مدى الليل نائم ساهر قال فعلمت أنه ممن يعبد بالفكرة وانصرفت عنه" (١٢).

стр. 2639

وقوله: ﴿سبحانك﴾: "هو للتبرئة، والتنزيه: هو إبعاده عن العيب، وتبريئه منه، وتطهيره عما يقول الكفار، وهو حرف يقدم عند حاجات ترفع إليه، ودعوات يدعى بها" (١). الفوائد: ١ - أن ذكر الله من لوازم العقل ومقتضياته، لقوله: ﴿لأولي الألباب، الذين يذكرون الله﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. ٢ - فضيلة إدامة الذكر، ذكر الله على كل حال، وكان أبلغ من وفّى بهذا حقه رسول الله ﷺ ، قالت عائشة-﵂: "كان النبي- ﷺ يذكر الله على كل أحيانه" (٢). ٣ - جواز ذكر الله تعالى للجنب، لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾. ٤ - أن ذكر الله في حال كون الإنسان على جنب لا يعد استهانة بالذكر، وكذلك قراءة القرآن، "وقد ثبت أن النبي- ﷺ كان يقرأ متكئا في حجر عائشة وهي حائض ﵂" (٣). ٥ - فضيلة التفكير في خلق السماوات والأرض، والمقصود التفكر المقرون بقول: ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلا﴾، لا التفكر الذي يراد به الاطلاع على العلم المادي فقط في خلق السماوات، لأن هذا التفكر وإن كان يفيد الإنسان في الدنيا، لكنه لا يفيده في الآخرة. ٦ - التوسل الى الله تعالى بالربوبية حال الدعاء، لأن الربوبية بها الخلق والملك والتدبير. ٧ - انتفاء الباطل في خلق الله نفيا مطلقا، وإ ١ اانتفى الباطل نفيا مطلقا ثبت الحق، كما قال تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩]. ٨ - الإقرار من هؤلاء العقلاء بان الله هو الخالق، وهو تقرير توحيد الربوبية. ٩ - إثبات الحكمة في أفعلا لله، لقوله: ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلا﴾، فأفعال الله وشرائعه كلها لحكمة ليس فيها شيء عبث إطلاقا. ١٠ - تنزيه الله عن كل عيب ونقص، مأخوذ من قوله: ﴿سبحانك﴾، والذي ينزّه الله عنه شيئان: النقص، ومماثلة المخلوقات، حتى فيما هو كمال في المخلوقين، فإن الله منزّه عن مماثلتهم قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ١١ - أن صفوة الخلق محتاجون إلى الدعاء للوقاية من النار. ١٢ - إثبات التوسل في الدعاء بصفات الله ، لأنهم بنوا ﴿فقنا﴾، على قولهم: ﴿سبحانك فقنا﴾، يعني: أننا نتوسل إلى الله بتنزّهه عن النقص أن يقينا عذا النار، لأننا مؤمنون، لقوله: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ويقرون بأنها خلقت بالحق وللحق، وينزهون الله عن كل نقص وعيب، وينبني على ذلك أنهم جعلوا ذلك وسيلة لوقاية الله تعالى إياهم من النار ﴿سبحانك فقنا﴾، لأنه المعروف في اللغة العربية أن "الفاء" تدل على تفرع ما بعدها على ما قبلها. ١٣ - إثبات النار وهي دار المجرمين والعصاة والظالمين والكفرة. ١٤ - في الآية الكريمة كلمتان لايجوز فصل إحداهما عن الأخرة، وهي: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، فلو قلت: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا﴾، وسكتّ أوهم معنى فاسدا، ولهذا يجب الوصل: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]، وذلك لو سكت لأوهم أن الوعيد للمصلي. القرآن ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾ [آل عمران: ١٩٢] التفسير:

стр. 2640

يا ربنا نجِّنا من النار، فإنك -يا ألله- مَن تُدخِلْه النار بذنوبه فقد فضحته وأهنته، وما للمذنبين الظالمين لأنفسهم من أحد يدفع عنهم عقاب الله يوم القيامة. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، "أي: من أدخلته النار فقد أذللته وأهنته" (١). قال مقاتل: " يعني: من خلدته في النار فقد أهنته" (٢). قال ابن كثير: " أي: أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع" (٣). قال ابن عطية: " استجارة واستعاذة، أي فلا تفعل بنا ذلك ولا تجعلنا ممن يعمل عملها، والخزي: الفضيحة المخجلة الهادمة لقدر المرء، خزي الرجل يخزى خزيا إذا افتضح، وخزاية إذا استحيى، الفعل واحد والمصدر مختلف" (٤). قال الراغب: " يقال: خزي الرجل: إذا لحقه انكسار، إما من نفسه بإفراط، يقال في مصدره الخزاية، وإما من غيره، ويقال في مصدره الخزي، وعلى هذا هان وذل، متى كان ذلك من نفسه، يقال له الهون والذل، ومتى كان من غيره يقال له الهوان والذل، والآية من تمام الحكاية عن المتفكرين في خلق السموات والأرض" (٥). وفي تفسير "الخزي" في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، على جوه: أحدها: أنه يعني: ربنا إنك من تدخل النار من عبادك فتخلده فيها، فقد أخزيته، ولا يخزي مؤمن مصيرُه إلى الجنة، وإن عذِّب بالنار بعض العذاب. وهذا قول أنس (٦)، وابن المسيب (٧)، والحسن (٨)، وابن جريج (٩). والثاني: أن معناه: ربنا إنك من تدخل النار، من مخلد فيها وغير مخلد فيها، فقد أخزي بالعذاب. وهذا قول جابر بن عبدالله (١٠)، وروي عن الضحاك نحو ذلك (١١). والثالث: وقيل: ان "الخزي يحتمل الحياء، يقال: خزي يخزي، خزاية إذا استحيا. قال ذو الرمة (١٢): خَزَايةً أدرْكَتْه بعد جَوْلَتِه (١٣) ... من جَانب الحَبْل مخلوطا بهَا الغَضَبُ وقال القطامي في الثور والكلاب (١٤): حَرِجاً وَكرَّ كُرُورَ صَاحب نَجْدَةٍ ... خَزي الحَرَائِرُ أَن يكون جَبانَا أي يستحي (١٥)، فخزي المؤمنين الحياء، وخزي الكافرين الذل والخلود في النار" (١٦).

стр. 2641

والراجح-والله اعلم- هو القول الثاني، أي: أن " من أدخل النار فقد أخزي بدخوله إياها، وإن أخرج منها، وذلك أن الخزي إنما هو هتك ستر المخزيّ وفضيحته، ومن عاقبه ربه في الآخرة على ذنوبه، فقد فضحه بعقابه إياه، وذلك هو الخزي " (١). قال ابن عطية: " أما إنه خزي دون خزي وليس خزي من يخرج منها بفضيحة هادمة لقدره، وإنما الخزي التام للكفار" (٢). قال ابن عثيمين: " ﴿من﴾ تشمل العصاة والكفار، فالعصاة مستحقون لدول النار، وإذا أدخلوا النار فإنهم غير مظلومين، لأنهم مستحقون لذلك، والكفار مستحقون لدخولها على وجه التأبيد والتخليد، وكل منهم إذا أدخل النار فقد أخزاه الله أمام العالم، أي: فضحه وهتك ستره" (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، أي: " وليس للظالمين من يمنعهم من عذاب الله" (٤). قال مقاتل: " يعني: وما للمشركين من مانع يمنعهم من النار" (٥). قال ابن كثير: " أي: يوم القيامة لا مُجِير لهم منك، ولا مُحِيد لهم عما أردت بهم" (٦). قال الطبري: " وما لمن خالف أمر الله فعصاه، من ذي نُصرة له ينصره من الله، فيدفع عنه عقابه، أو ينقذه من عذابه" (٧). قال الماتريدي: " أي: مانع يمنع عنهم العذاب ويدفع، ويحتمل الأنصار: الأعوان، أي: ليس لهم أعوان يعينونهم في الآخرة" (٨). قال ابن عطية: " هو من قول الداعين، وبذلك يتسق وصف الآية" (٩). الفوائد: ١ - فقه هؤلاء السادة اولي الألباب إذ بيّنوا سبب دعائهم أن يقيهم الله من النار، وأن سبب ذلك هو أن النار دار الخزي والعياذ بالله، ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾. ٢ - إثبات النار، لقوله: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾. ٣ - أنه لانصير للظالم وذلك في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصر الظالم، ولكن تدور عليه الدوائر، أما في الآخرة فلا أحد ينصره. ٤ - أن الظلم سبب دخول النار، لقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. القرآن ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣)﴾ [آل عمران: ١٩٣] التفسير: يا ربنا إننا سمعنا مناديا -هو نبيك محمد ﷺ ينادي الناس للتصديق بك، والإقرار بوحدانيتك، والعمل بشرعك، فأجبنا دعوته وصدَّقنا رسالته، فاغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا، وألحقنا بالصالحين. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]، أي: ربنا إننا سمعنا داعيا يدعو إلى الإيمان" (١٠).

стр. 2642

قال الطبري: أي: " ربنا إننا سمعنا داعيًا يدعو إلى التصديق بك، والإقرار بوحدانيتك، واتباع رسولك، وطاعته فيما أمرنا به ونهانا عنه مما جاء به من عندك، فصدقنا بذلك يا ربنا" (١). وفي المنادي في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]، قولان: أحدهما: أنه النبي محمد ﷺ ، وهو قول ابن جريج (٢)، وابن زيد (٣)، ونسبه القرطبي إلى ابن مسعود وابن عباس ﵄ وإلى أكثر المفسرين (٤). ورجّحه الراغب فقال: " والمنادي للإيمان والداعي إليه: قد يكون العقل، وكتابه المنزل، ورسوله المرسل، وآياته الدالة، وإن كان الأظهر في هذا الموضع أن يكون الرسول، لقوله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] " (٥). والثاني: أن المنادي القرآن، لأنه ليس كل الناس سمع رسول الله ﷺ . قاله محمد بن كعب القرظي (٦)، وهو معنى قول قتادة (٧). وقالوا: " من سمع القرآن فكأنما لقي النبي ﷺ ، وهذا صحيح معنى" (٨). والراجح-والله أعلم- هو أن المنادي: القرآن، " لأن كثيرًا ممن وصفهم الله بهذه الصفة في هذه الآيات، ليسوا ممن رأى النبي ﷺ ، ولا عاينه فسمعوا دعاءه إلى الله ﵎ ونداءه، ولكنه القرآن، وهو نظير قوله جل ثناؤه مخبرًا عن الجن إذ سمعوا كلام الله يتلى عليهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [سورة الجن: ١، ٢] " (٩). وقد أخرج الطبري عن عن قتادة: "قوله: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان﴾، إلى قوله: ﴿وتوفَّنَا مع الأبرار﴾، سمعوا دعوة من الله فأجابوها فأحسنوا الإجابة فيها، وصبروا عليها. ينبئكم الله عن مؤمن الإنس كيف قال، وعن مؤمن الجنّ كيف قال. فأما مؤمن الجن فقال: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾، وأما مؤمن الإنس فقال: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، الآية" (١٠). وقوله ﴿يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾، يحتمل وجهان (١١): أحدهما: أن معناه: إلى الإيمان، قاله أبو عبيدة (١٢)، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] بمعنى: إلى هذا. ومنه قول العجاج (١٣): أَوْحَى لَها القَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ ... وَشَدَّهَا بِالرَّاسِيَاتِ الثُّبَّتِ بمعنى: أوحى إليها، ومنه قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [سورة الزلزلة: ٥] والثاني: وقيل: يحتمل أن يكون معناه: إننا سمعنا مناديًا للإيمان، ينادي أن آمنوا بربكم. قوله تعالى: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، " أي: يقول هذا الداعي: أيها الناس آمنوا بربكم واشهدوا له بالوحدانية فصدقنا بذلك واتبعناه" (١٤).

стр. 2643

قال البيضاوي: " أي بأن آمنوا فامتثلنا" (١). قال ابن كثير: " أي يقول: ﴿آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ أي: فاستجبنا له واتبعناه" (٢). قال الشيخ أبو منصور- ﵀: " فيه دليل بطلان الاستثناء في الإيمان" (٣). قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، أي: "ربنا فاستر لنا ذنوبنا ولا تفضحنا بها، وامح بفضلك ورحمتك ما ارتكبناه من سيئات" (٤). قال مقاتل: " يعني امح عنا خطايانا" (٥). قال ابن كثير: " أي: بإيماننا واتباعنا نبيك فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ أي: فيما بيننا وبينك" (٦). قال الواحدي: " أَيْ: غطِّ واستر عنا ذنوبنا بقبول الطَّاعات حتى تكون كفَّارةً لها" (٧). قال الطبري: أي: " فاستر علينا خطايانا، ولا تفضحنا بها في القيامة على رءوس الأشهاد، بعقوبتك إيانا عليها، ولكن كفّرها عنا، وسيئات أعمالنا، فامحها بفضلك ورحمتك إيانا " (٨). وفي غفران الذنوب وتكفير السيئات في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، وجوه (٩): أحدهما: أن قولهم: ﴿فاغفر لنا ذنوبنا﴾: التي كانت فيما مضى من عمرنا، ﴿وكفر عنا سيئاتنا﴾، أي: اعصمنا فيما بقي من عمرنا، أو: وفقنا للحسنات التي تكفر سيئاتنا؛ لما قد يلزم العبد التكفير لما أساء. والثاني: أن المغفرة والتكفير كلاهما سواء؛ لأن المغفرة هي الستر، وكذلك التكفير، وإنما أعيد ذلك للتأكيد لأن الإلحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب، ولذلك سمي الحراثون: كفارا؛ لسترهم البذر في الأرض؛ وكذلك الكافر سمى كافرا؛ لستره الحق بالباطل، ولستره جميع ما أنعم الله عليه بتوجيه الشكر إلى غيره. قال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا﴾، تأكيد ومبالغة في الدعاء. ومعنى اللفظين واحد، فإن الغفر والكفر: الستر" (١٠). والثالث: وقيل: إنما جمع بين غفران الذنوب، وتكفير السيئات، لأن الغفران بمجرد الفضل، والتكفير بفعل الخير. والرابع: أن يريد بالغفران ما يزول بالتوبة، وبالكفران ما تكفره الطاعة العظيمة. والخامس: أن يكون المراد بالأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنبا، وبالثاني: ما أتى به الإنسان مع جهله بكونه معصية وذنبا. قال الفخر: " أما الغفران فهو الستر والتغطية، والتكفير أيضا هو التغطية، يقال: رجل مكفر بالسلاح، أي مغطى به، والكفر منه أيضا، وقال لبيد (١١): فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُها إذا عرفت هذا: فالمغفرة والتكفير بحسب اللغة معناهما شيء واحد" (١٢). وفي تفسير الذنوب والسيئات أقوال:

стр. 2644

أحدها: أن الذنوب الكبائر ودون الكبائر، والسيئات الشرك. قاله الكلبي (١). والثاني: أن قوله: ﴿ذنوبنا﴾، يعني: ما عملوا في حال الجاهلية، ﴿وكفر عنا سيئاتنا﴾، يعني: ما عملوا في حال الإسلام. قاله الضحاك. والثالث: أن الذنوب والسيئات بمعنى واحد. والرابع: أن الذنوب هي الكبائر، والسيئات ما دون الكبائر التي تكفر من الصلاة إلى الصلاة. قوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]، أي: "وألحقنا بالصالحين" (٢). قال مقاتل: " يعني: المطيعين" (٣). قال ابن كثير: "أي: ألحقنا بالصالحين" (٤). قال الطبري: أي: " واقبضنا إليك إذا قبضتنا إليك، في عداد الأبرار، واحشرنا محشرهم ومعهم" (٥). قال السمرقندي: " أي: مع المطيعين، ويقال: اجعل أرواحنا مع أرواح المطيعين والصالحين" (٦). قال البيضاوي: "أي: مخصوصين بصحبتهم معدودين في زمرتهم، وفيه تنبيه على أنهم محبون لقاء الله، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" (٧). قال الراغب: " قوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾، نحو ما حكى عن غيره في قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وفيه تنبيه أنهم لا يكرهون لقاء الله، وقد قال ﷺ : «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» (٨) " (٩). وقد ذكر القفال في تفسير هذه المعية وجهين (١٠): الأول: أن وفاتهم معهم هي أن يموتوا على مثل أعمالهم حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة، قد يقول الرجل أنا مع الشافعي في هذه المسألة، ويريد به كونه مساويا له في ذلك الاعتقاد، والثاني: يقال فلان في العطاء مع أصحاب الألوف، أي هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفا. والثالث: أن يكون المراد منه كونهم في جملة أتباع الأبرار وأشياعهم، ومنه قوله: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين [النساء: ٦٩]. واختلف في ﴿البر﴾، على وجوه (١١): أحدها: أنه الذي لا يؤذى أحدا. والثاني: وقيل: الأبرار: الأخيار. والثالث: أن الأبرار هم الأنبياء، والمعنى: توفنا في جملتهم حتى نصير معهم. قاله الواحدي (١٢). والرابع: أن الأبرار: هم الأنبياء والصالحون. قاله ابن عباس (١٣). والخامس: أنهم المتمسكون بالسنّة. قاله النسفي (١٤). والسادس: أن البر: الطاعة، والتقوى: ترك المعصية، ومعنى الآية: توفنا على ما عليه توفيت الأبرار، وتوفنا وإنا أبرار.

стр. 2645

قال الطبري: " ﴿الأبرار﴾: جمع بَرَ، وهم الذين برُّوا الله ﵎ بطاعتهم إياه وخدمتهم له، حتى أرضوه فرضي عنهم" (١). وقال الراغب: " ﴿الأبرار﴾ جمع بر وبار، نحو جد وأجداد، وصاحب وأصحاب، وأصله من البر أي المكان الواسع، فبره خوله برا، أي سعة، ويقال للإنسان إذا أكرم من دونه وأكرمه من فوقه بره، كما يقال فيهما: أحب ووالى، والأبرار: هم الموصوفون بقوله ﴿﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ " (٢). قال ابن عثيمين: ﴿الأبرار﴾: جمع برْ، والبرّ هو: كثير الخيرات، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]، وأهل الحق والأعمال الصالحة لا شك أنهم مكثرون لفعل الخيرات، وعليه فإنهم أبرار" (٣). قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿الأبرار﴾، و ﴿الْأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢]، و ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، وما كان مثله بين الفتح والكسر، وقرأ ابن كثير، وعاصم بالفتح (٤). الفوائد: ١ - أنه ينبغي للإنسان أن يعترف بنعمة الله عليه غير مانّ بها على ربه. ٢ - أن دعوة النبي- ﷺ دعوة الإيمان. ٣ - بيان أن الرسول- ﷺ بذل الجهد في دعوة الخلق إلى الحق، لأن النداء يكون برفع الصوت، فكأن الرسول- ﷺ يدعو الناس بأعلى صوته يناديهم للإيمان. ٤ - أن الكلمات قد يستغني بمضمونها عن تفاصيلها، لقوله: ﴿ربنا إننا آمنّا﴾، أي: بكل شيء يجب الإيمان به، فكل ما أخبر الله به وصدقنا به وأقررنا به فهو داخل في الإيمان بالله . ٥ - الإشارة إلى بيان العلة لقوله: ﴿أن آمنوا بربكم﴾، فالرب أهل لأن يؤمن به الإنسان لأنه رب حالق، مالك، مدير، فهو جدير بأن يؤمن به العبد. ٦ - أن ذكر الإنسان لعمله الصالح لايحبطه، لأنهم قالوا: ﴿إن آمنوا بربكم فآمنّا﴾. ٧ - جواز التوسل بالدعاء بالأعمال الصالحة، لقولهم: ﴿فاغفر لنا ذنوبنا﴾، عطفا على قولهم: ﴿ربّنا إننا آمنّا﴾، والتوسل بالأعمال الصالحة مما ثبت بالسنة أيضا في قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر - رضى الله عنهما - قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. فقال رجل منهم اللهم كان لى أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بى فى طلب شىء يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدى أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج. قال النبى ﷺ وقال الآخر اللهم كانت لى بنت عم كانت أحب الناس إلى، فأردتها عن نفسها، فامتنعت منى حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلى بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه. فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهى أحب الناس إلى وتركت الذهب الذى أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. قال النبي ﷺ وقال الثالث اللهم إنى استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد ترك الذى له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أد إلى أجرى. فقلت له كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي. فقلت إني لا أستهزئ

стр. 2646

بك. فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون: (١). ٨ - أن كل أحد محتاج لمغفرة الذنوب، لقوله: ﴿فاغفر لنا ذنوبنا﴾، فلا تغرنّك كثرة الطاعات، فالإنسان كلما كثرت طاعاته ينبغي أن يكون أخوف على نفسه من أن ترد هذه الطاعات ويذهب عمله سدى. ٩ - التفريق بين المعاصي، بعضها ذنوب، وبعضها سيئات، وهو كقولنا: إنها تنقسم إلى بائر وصغائر، والكبائر والصغائر تختلف في ذاتها وتختلف فيما بينها، فالكبائر منها كبرى، ومنها صغرى، والصغائر منها ما يقرب من الكبائر، ومنها ما هو دون ذلك. ١٠ - جواز سؤال الموت على طريق أهل الخير، لقولهم: ﴿وتوفنا مع الأبرار﴾، ويجدر القول أن هذا ليس من باب الدعاء بالموت العاجل، وإنما من باب الدعاء بالموت على صفة مطلوبة وهي أن يموت على ما مات عليه الابرار، ومثله قول مريم ٠ ﵍: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]، والمعنى: يا ليتني مت قبل المصاب، وكذلك قول يوسف-﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. ١١ - الثناء على أهل البر والإحسان، لقوله: ﴿وتوفّنا مع الأبرار﴾. القرآن ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران: ١٩٤] التفسير: يا ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من نصر وتمكين وتوفيق وهداية، ولا تفضحنا بذنوبنا يوم القيامة، فإنك كريم لا تُخْلف وعدًا وَعَدْتَ به عبادك. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، أي: " يا ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من نصر وتمكين وتوفيق وهداية" (٢). قال مقاتل: " يقول أعطنا من الجنة ما وعدتنا على ألسنة رسلك" (٣). قال الكلبي عن ابن عباس: " يقولون على لسان رسلك" (٤). قال الواحدي: والمعنى: أن المؤمنين يدعون الله تعالى بأن ينجز لهم ما وعدهم من الثواب على لسان الرسل" (٥)، ومعنى الدعاء -ههنا- مع العلم أنه منجز وعده لا محالة-: التعبد؛ لما في ذلك من الخضوع لله،

стр. 2647

وإظهار الحاجة إليه؛ وذلك أن «الدعاء مخ العبادة» (١)، مثله -مما لا يجوز غيره، وقد تعبدنا بالدعاء به-: قوله -تعالى-: ﴿قال رب احكم بالحق﴾ [الأنبياء: ١١٢]، وقوله: ﴿فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك﴾ [غافر: ٧] " (٢). وقال القرظي: "إن الملائكة تسأل لهم ذلك؛ وهو قوله: ﴿ربنا وأدخلهم جنات﴾ [غافر: ٨] " (٣). واختار الزجاج هذا القول (٤). قال الزجاج والفراء والنحاس: " يريد على ألسنة رسلك، مثل: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]﴾ " (٥). قال ابن أبي زمنين: " أي: على ألسنة رسلك؛ وعد الله المؤمنين على ألسنة رسله أن يدخلهم الجنة إذا أطاعوه" (٦). قال مكي: " أي: يقولون: ربنا آتنا ما وعدتنا على لسان رسلك: وهو الجنة وهذا سؤال وطلب، ومعناه الخبر، لأن الله تعالى منجز وعده من غير سؤال، ومعناه وتوفنا مع الأبرار لتؤتينا ما وعدتنا فهذا معناه، لأنهم قد علموا أن الله لا يخلف الميعاد، ولكنه خبر" (٧). قال الطبري: أي: " ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسن رسلك: أنك تُعلي كلمتك كلمةَ الحق، بتأييدنا على من كفر بك وحادَّك وعبد غيرك وعجَل لنا ذلك" (٨). روي عن ابن جريج، "قوله: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾، قال: يستنجز موعود الله على رُسله" (٩). وقال السمرقندي: " يعني: أعطنا ما وعدتنا من الخير والجنة على لسان رسلك. ويقال: هو ما ذكر من استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين، وهو قوله: ﴿والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض﴾ [الشورى: ٥] وما ذكر من دعاء نوح وإبراهيم- ﵈ للمؤمنين" (١٠). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، وجوه (١١): أحدها: أن المعنى: وآتنا ما وعدتنا على ألسن رسلك، قاله ابن عباس في رواية الكلبي عنه (١٢)، ومقاتل (١٣)، واختاره الزجاج (١٤)، والفراء (١٥)، والنحاس (١٦)، ابن كثير (١٧).

стр. 2648

وذلك على إضمار " ألسن " كقوله : ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]. والثاني: أن المعنى: وآتنا ما جعلت على رسلك من الاستغفار للمؤمنين؛ كقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩]، وكقول إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]، وكقول نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨] (١). والثالث: أن معناه: على الإيمان برسلك (٢). والأول أظهر، وعليه أكثر المفسرين (٣). والله أعلم. وإن قيل: فقد علموا أن الله تعالى منجز وعده، فما معنى هذا الدعاء والطلب؟ قيل في ذلك أربعة أجوبة (٤): أحدها: أن المقصود به، مع العلم بإنجاز وعده، الخضوع له بالدعاء والطلب. قال الماتريدي: " أن السؤال عما على الله أن يعطي - يخرج مخرج الدعاء له ربنا لا تجر ولا تظلم، إن هذا لا يقال إلا لمن يخاف الجور منه والظلم؛ إذ يعلم أن ذلك عليه، والسؤال عما قد أعطى محال؛ لأنه يخرج مخرج كتمان ما أعطى، أو ليس عنده ما يعطيهم؛ فيخرج مخرج السخرية به؛ لذلك بطل السؤال" (٥). والثاني: أن ذلك يدعو إلى التمسك بالعمل الصالح. والثالث: معناه أجعلنا ممن وعدته ثوابك. والرابع: يعني عّجل إلينا إنجاز وعدك وتقديم نصرك. والذي هو أولى الأقوال بالصواب، هو القول الأخير، أي: "أن هذه الصفة، صفة من هاجر من أصحاب رسول الله ﷺ من وطنه وداره، مفارقًا لأهل الشرك بالله إلى الله ورسوله، وغيرهم من تُبّاع رسول الله ﷺ الذين رغبوا إلى الله في تعجيل نصرتهم على أعداء الله وأعدائهم، فقالوا: ربنا آتنا ما وعدتنا من نُصرتك عليهم عاجلا فإنك لا تخلف الميعاد، ولكن لا صبر لنا على أناتك وحلمك عنهم، فعجل لهم خزيهم، ولنا الظفر عليهم، يدل على صحة ذلك آخر الآية الأخرى، وهو قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ الآيات بعدها" (٦). وقرأ الأعمش: ﴿رسلك﴾، بالتخفيف (٧). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، أي: و"لا تفضحنا يوم القيامة" (٨). قال مقاتل: " يعني ولا تعذبنا يوم القيامة" (٩). قال الطبري: أي: " ولا تخزنا يوم القيامة فتفضحنا بذنوبنا التي سلفت منا، ولكن كفِّرها عنا واغفرها لنا" (١٠). قال السمرقندي: " يعني لا تعذبنا، ويقال: لا تخذلنا" (١١).

стр. 2649

قال الثعلبي: أي: " لا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنا يوم القيامة" (١). قال الزجاج: " أي: قد صدقنا يوم القيابة فلا تخزنا، والمخزى في اللغة المذل المحقور بأمر قد لزمه بحجة، وكذلك أخزيته. أي ألزمته حجة أذللته معها" (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، أي: " فشأنك ألا تخلف الميعاد" (٣). قال ابن عباس: " أي: مَنْ وحّدك، وصدّق بنبيك، لا تخزه" (٤). وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضا: " ميعاد من قال: لا إله إلا الله" (٥). قال الطبري: أي: " فإنا قد علمنا أنك لا تخلف ميعادك" (٦). قال الزجاج: " أي قد وعدت من آمن بك ووحدك الجنة" (٧). قال ابن كثير: "أي: لا بد من الميعاد الذي أخبرتَ عنه رسُلَك، وهو القيام يوم القيامة بين يديك" (٨). قال ابن عثيمين: "يعني: سألناك يا ربنا أن تعطينا هذا، لأنك لاتخلف الميعاد" (٩). قال الثعلبي: " لفظه الدعاء، ومعناه الخبر تقديره: واغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، ولا تخزنا، وتؤتينا ما وعدتنا على ألسن رسلك من الفضل والرحمة والثواب والنعمة" (١٠). قال مكي: " أي: أنك قد وعدت من آمن بك ووحدك: الجنة في الآخرة والنصر في الدنيا على أعدائك" (١١). وقال السمعاني: " وهو على سبيل المدح له؛ لأنا على القطع نعلم أنك لا تخلف الميعاد" (١٢). وقال الراغب: " إن قيل: ما فائدة استنجاز وعده مع العلم بأنه لا يخلف؟ قيل: إن وعده تعالى عباده على طريق الجملة، نحو قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وليس هذا السؤال خوفا من إخلاف وعده، ولكن سؤالا أن يرشحه لأن يكون من جملة من دخل في الوعد، ولهذا قال: ﴿إنك لا تخلف الميعاد﴾ تنبيها أني لست أخشى خلف وعدك، لكني أخشى أن لا أكون من جملة الموعودين. وقد قيل ذلك هو على جهة العبادة، وقد تقدم أن ليس القصد التفوه بذلك، بل فعل ما يقتضيه" (١٣). وفي السياق نفسه قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف دعوا الله بإنجاز ما وعد والله لا يخلف الميعاد؟ قلت: معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد أو هو باب من اللجأ إلى الله والخضوع له، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يستغفرون مع علمهم أنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك لتذلل لربهم والتضرع إليه، واللجأ الذي هو سيما العبودية" (١٤). عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجز وعده، ومن أوعد على عمل عقابا فهو فيه بالخيار" (١٥).

стр. 2650

ونقل الثعلبي عن الأصمعي قال: "سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: سألني عمرو بن عبيد: أيخلف الله وعده؟ قلت: لا. قال: فيخلف الله وعيده؟ قلت: نعم. قال: ولم؟ قلت: لأن في خلفه الوعد علامة ندم وفي خلفه الوعيد إظهار الكرم، ثم أنشأ يقول (١): ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ... ولا أختبي من خشية المتهدد إني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي" (٢) قال الزمخشري: " وهذا تعليم من الله كيف يدعى وكيف يبتهل إليه ويتضرع. وتكرير ﴿ربنا﴾ من باب الابتهال، وإعلام بما يوجب حسن الإجابة وحسن الإثابة، من احتمال المشاق في دين الله، والصبر على صعوبة تكاليفه، وقطع لأطماع الكسالى المتمنين عليه " (٣). وروى عن جعفر الصادق رضى الله عنه: "من حزبه أمر فقال خمس مرات (ربنا) أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية" (٤). الفوائد: ١ - أنه ينبغي للداعي أن يكثر من الثناء على الله تعالى بأسمائه وصفاته، لأن هذا من وسائل إجابة الدعاء. ٢ - كمال إيمان هؤلاء بوعد الله، لقوله: ﴿وآتنا ما وعدتنا﴾، إذ لو كان عندهم شك ما سألوا هذا السؤال. ٣ - أن الرسل هم الواسطة بين الله وبين خلقه، لقوله: ﴿على رسلك﴾. ٤ - إثبات أن الخلق لهم أكثر من رسول، لقوله: ﴿على رسلك﴾، لأن "رسل" جمع "رسول"، وهذا أمر معلوم باليقين القطعي، فالقرآن كله مملوء بقصص الأنبياء. ٥ - أن هؤلاء الابرار يؤمنون بيوم القيامة وبما يلحق الناس به من الذل والخزي، لقوله: ﴿ولاتخزنا يوم القيامة﴾. ٦ - أن الخوف من عذاب الله لاينافي البر، لقولهم: ﴿ولا تخزنا يوم القيامة﴾، بل إن الخوف من عذاب الله يزيد البر، لأنه يزيد تصديقا بما أخبر الله به. ٧ - كمال صدق الله وقدرته، فالله لايخلف الميعاد أبدا، أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، فإن عفوه عمن استحق العقاب لايعد إخلافا للوعد لأنه قادر، ولكنه كمال فوق كمال، إذ إن العفو عن الانتقام مع القدرة كمال، قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]. القرآن ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران: ١٩٥] التفسير: فأجاب الله دعاءهم بأنه لا يضيع جهد مَن عمل منهم عملا صالحًا ذكرًا كان أو أنثى، وهم في أُخُوَّة الدين وقَبول الأعمال والجزاء عليها سواء، فالذين هاجروا رغبةً في رضا الله تعالى، وأُخرجوا من ديارهم، وأوذوا في طاعة ربهم وعبادتهم إيّاه، وقاتلوا وقُتِلوا في سبيل الله لإعلاء كلمته، ليسترنَّ الله عليهم ما ارتكبوه من المعاصي، كما سترها عليهم في الدنيا، فلا يحاسبهم عليها، وليدخلنَّهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار جزاء من عند الله، والله عنده حسن الثواب. في سبب نزول الآية:

стр. 2651

أخرج الترمذي (١)، والحاكم (٢)، وعبدالرزاق (٣)، والطبري (٤)، والواحدي (٥)، من طريق عمرو بن دينار عن أبي عمر بن أبي سلمة -رجل من ولد أم سلمة- قال: "قالت أم سلمة: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ ". وفي السياق نفسه أخرج ابن المنذر عن سفيان، قال: " قالت امرأة، أو نسوة: هاجرنا، ولا تذكر الهجرة والجهاد إلا فيكم؟ فأنزل الله جل ثناؤه: ﴿أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾، قال سفيان: وفيه يهلك الخوارج" (٦). وظاهر الرواية هنا أن الاستجابة كانت لقول أم سلمة -أو تلك المرأة في رواية ابن المنذر-، والظاهر أن قول أم سلمة لم يكن سببا مباشرا، وأن الله استجاب لها في هذا الفصل القرآني العظيم حين اقتضت حكمته نزوله على نبيه. لأن السياق القرآني يدل على أن الاستجابة في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ كانت لدعاء "أولي الألباب" السابق ذكرهم في الآيات، والله أعلم (٧). قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران: ١٩٥]، "أي: فأجاب الله دعاءهم بقوله إِني لا أُبطل عمل من عمل خيراً ذكراً كان العامل أو أُنثى " (٨). قال الثعلبي: أي: " لا أضيع لا أحبط ولا أبطل عمل عامل منكم أيها المؤمنون من ذكر أو أنثى" (٩). قال ابن كثير: " معنى الآية: أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا - مما تقدم ذكره - فاستجاب لهم ربهم - عقب ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله: ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ هذا تفسير للإجابة، أي قال لهم مُجِيبًا لهم: أنه لا يضيع عمل عامل لديه، بل يُوَفّي كل عامل بقسط عمله، من ذكر أو أنثى" (١٠). قال ابن عباس: " قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾، قال: أهل لا إله إلا الله، أهل التوحيد، والإخلاص، لا أخزيهم يوم القيامة " (١١). قال الماتريدي: " هذا يدل أن الوعد لهم كان مقرونا بشرط السؤال؛ لأنه قال: ﴿فاستجاب لهم﴾، والاستجابة تكون على أثر السؤال؛ كقوله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ... ﴾ [البقرة: ١٨٦] الآية" (١٢). قال أبو عبيدة: " ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ﴾، أي: أجابهم، وتقول العرب: استجبتك، فى معنى استجبت لك، قال الغنوىّ (١٣): وَدَاعٍ دَعَا: يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ" (١٤) أي: فلم يجبه. وفي قوله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [عمران: ١٩٥]، وجوه:

стр. 2652

أحدها: أنّ المعنى: من الخلق كلهم، إذ أن حكم جميع الخلق في الثواب واحد، فيما أفعل بكم؛ من مجازاتكم على أعمالكم، وترك تضييعها لكم. يستوي في ذلك ذكرانكم وإناثكم (١). إذ جعل لكل جزاء أعمال الكفرة في الدنيا؛ كقوله تعالى: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥]، وأما المؤمنون: في الدنيا والآخرة، وأما الكفار فإنما يعطيهم ابتداء ليس بجزاء، وقوله : ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١٥]، أي: نردها عليهم، وهم لا يبخسون أرزاقهم (٢). والثاني: وقيل: قوله: ﴿منكم﴾، إشارة إلى المؤمنين خاصة؛ أي: رجالكم بشكل نسائكم في الطاعة ونساؤكم بشكل رجالكم في الطاعة، نظيرخا قوله- : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وهذا قول الضحاك (٣). والثالث: أنه: " يعني من الدين والنصرة والموالاة. وهذا معنى قول ابن عباس (٤)، والحسن (٥)، وقتادة (٦)، والكلبي (٧)، واختيار الطبري (٨). والرابع: وقيل: كلكم من آدم وحواء (٩). عن أبي بكر الهذلي: "قال عطاء: ما من عبد يقول: يا رب، يا رب، يا رب ثلاث مرات إلا نظر الله إليه، فذكرت ذلك للحسن فقال: أما تقرأون القرآن: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان إلى قوله: فاستجاب لهم ربهم﴾ " (١٠). قال الزجاج: " وإن قرئت (إني لا أضيع عمل عامل منكم). جائز بكسر (إن) ويكون المعنى قال لهم ربهم: إني لا أضيع عمل عامل منكم" (١١). قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، " أي: الإناث من الذكور، والذكور من الإناث" (١٢). قال ابن كثير: "أي: جميعكم في ثوابي سَواء" (١٣). قال الصابوني: "أي: الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر، فإِذا كنتم مشتركين في الأصل فكذلك أنتم مشتركون في الأجر" (١٤). قال الراغب: " إن قيل: ما معنى قوله: (بعضكم من بعض) في هذا الموضع؟ قيل: تنبيها أن الأنوثية والذكورية لا تقتضي اختلاف الحكم في هذا الباب، وإنما الاعتبار بالأعمال والنيات، فمن قصد فيما يتحراه وجه الله فله بقدره ثواب، ثم بين أن للذين هاجروا فضل رتبة، كما قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦] " (١٥). قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، أي: "فالذين هجروا أوطانهم فارين بدينهم، وألجأهم المشركون إِلى الخروج من الديار" (١٦).

стр. 2653

قال ابن كثير: " أي: تركوا دار الشِّرك وأتَوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والخلان والإخوان والجيران، [إذ] ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم" (١). قال الزمخشري: " ﴿فالذين هاجروا﴾، تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له والتفخيم، كأنه قال: فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة، وهي المهاجرة عن أوطانهم فارين إلى الله بدينهم من دار الفتنة، واضطروا إلى الخروج من ديارهم التي ولدوا فيها ونشوا بما سامهم المشركون من الخسف" (٢). قال الراغب: " ولم يعن بالمهاجرة والإخراج من الديار ما كان من الكفار فقط، بل عناه ومن هاجر الأفعال القبيحة، والأخلاق الكريهة، وقاتل نفسه حتى قهرها" (٣). قوله تعالى: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ [آل عمران: ١٩٥]، "أي: وتحمّلوا الأذى من أجل دين الله" (٤). قال مقاتل: " يعني في سبيل دين الإسلام" (٥). قال الماتريدي: " أي: في طاعتي" (٦). قال الثعلبي: " أي في طاعتي، وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة وآذوهم" (٧). قال الزمخشري: أي: " من أجله وبسببه، يريد سبيل الدين" (٨). قال ابن كثير: " أي: إنما كان ذنْبُهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] " (٩). قوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٩٥]، "أي: وقاتلوا أعدائي وقتلوا في سبيلي" (١٠). قال الزمخشري: أي: " وغزوا المشركين واستشهدوا" (١١). قال ابن كثير: " وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله، فيُعْقَر جَواده، ويعفَّر وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في الصحيح أن رجلا قال: «يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت في سبيل الله صابرا مُحْتَسبا مُقْبلا غير مُدبِر، أيُكَفِّر الله عني خطاياي؟ قال: "نعم" ثم قال: "كيف قلت؟ ": فأعاد عليه ما قال، فقال: "نعم، إلا الدَّين، قاله لي جبريل آنفًا» (١٢) " (١٣). قرأ ابن كثير وابن عامر ﴿وقاتلوا وقتلوا﴾ مشددة التاء، وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو: ﴿وقتلوا وقتلوا﴾، خفيفة، في حين قرأ حمزة والكسائي: ﴿وقتلوا وقتلوا﴾، يبدآن بالفعل المبني للمفعول به قبل الفعل المبني للفاعل، وكذلك اختلافهم في سورة التوبة إذ قرآ ﴿فيقتلون ويقتلون﴾ [التوبة: ١١١]، غير أن ابن عامر وابن كثير لم يشددا في التوبة (١٤).

стр. 2654

قال الواحدي: " أحسن وجوه القراءة: تقديم ﴿قاتلوا﴾ على ﴿قتلوا﴾، لأن القتال قبل القتل" (١). قوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، " أي: لأمحونّ عنهم ذنوبهم" (٢). قال مقاتل: " لأمحون عنهم سيئاتهم يعني خطاياهم" (٣). قال أبو عبيدة: " أي: لأذهبن عنهم، أي: لأمحونها عنهم " (٤). قال الصابوني: أي: " لأمحونَّ ذنوبهم بمغفرتي ورحمتي" (٥). قال بعض الصوفية: عنى بتكفير سيئاتهم إزالة درنهم عنهم في الدنيا، وهذا المعنى هو المراد بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] " (٦). قال الراغب: " والظاهر من قوله: ﴿لأكفرن عنهم سيئاتهم﴾، أن ذلك حكم الآخرة، وعليه أهل الأثر" (٧). قوله تعالى: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، أي: " ولأدخلنّهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار" (٨). قال مقاتل: " يعني بجنات البساتين، ذلك الذي ذكر كان ثوابا من عند الله" (٩). قال السمرقندي: " يعني من تحت قصورها وأشجارها الأنهار" (١٠). قال ابن كثير: " أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب، من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك، مما لا عَيْنَ رَأتْ، ولا أذن سَمِعت، ولا خَطَر على قلب بَشَر" (١١). قوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، أي: " جزاءً من عند الله على أعمالهم الصالحة" (١٢). قال الطبري: أي: " جزاء من قبل الله لهم، على ما عملوا وأبلوا في الله وفي سبيله" (١٣). قال السمرقندي: " يعني أن الجنات جزاء لأعمالهم من عند الله" (١٤). قال ابن كثير: " وقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافه إليه ونسبه إليه لِيدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جَزيلا كثيرًا، كما قال الشاعر (١٥): إن يُعَذب يَكُن غَرامًا وإن يُعْ ... طِ جَزيلا فإنَّه لا يُبَالي" (١٦) قال الزمخشري: " و «عنده» مثل: أن يختص به وبقدرته وفضله، لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه، كما يقول الرجل: عندي ما تريد، يريد اختصاصه به وبملكه وإن لم يكن بحضرته" (١٧). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، أي: "وعند الله حسن الجزاء" (١٨). قال مقاتل: " يعني الجنة" (١٩).

стр. 2655

قال الطبري: أي: " أن الله عنده من جزاء أعمالهم جميع صنوفه وذلك ما لا يبلغه وصف واصفٍ، لأنه مما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر" (١). قال السمرقندي: " أي حسن الجزاء وهو الجنة. ويقال: حسن المرجع في الآخرة خير من الدنيا" (٢). قال ابن كثير: " أي: عنده حُسْن الجزاء لمن عمل صالحا" (٣). قال الراغب: " إن قيل: ما وجه قوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾، بعد قوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ على القول الأول؟ قيل: يحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أنه بين بقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أن ما ذكره ثواب لهم، ثم أخبر أن هذا الثواب لا يوجد إلا عنده، فيكون قوله (أحسن، الثواب) إشارة إلى المذكور قبله. والثاني: أن يكؤن حسن الثواب غير المذكور أولا، فنبه أن ما ذكرت أولا هو الذي عرفتكم، وعند الله حسن الثواب، الذي لم يعرفكموه لعجزكم عن الوقوف عليه إشارة إلى المذكور في قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وفي قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] " (٤). عن حريز بن عثمان، أن شداد بن أوس كان يقول: "يا أيها الناس لا تتهموا الله في قضائه، فإن الله لا يبغي على مؤمن فإذا نزل بأحدكم شيء مما يحب فليحمد الله، وإذا نزل به شيء يكره فليصبر وليحتسب فإن الله عنده حسن الثواب" (٥). قال عباد بن منصور: "سألت الحسن عن قوله: ﴿فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، قال: هم المهاجرون أخرجوا من كل وجه" (٦). قال عبد الله بن عمرو بن العاص: "لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ثلة تدخل الجنة لفقراء المهاجرين الذين تُتَّقَى بهم المكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان، لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وأن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة، فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار، ونقدس لك، مَنْ هؤلاء الذين آثرتهم علينا فيقول الرب جل ثناؤه: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي. فتدخل الملائكة عليهم من كل باب: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾» [سورة الرعد: ٢٤] " (٧). الفوائد: ١ - بيان فضل الله بإجابة هؤلاء الذين دعوا بما سبق، لقوله: ﴿فاستجاب لهم ربهم﴾. ٢ - أن التكرار من أسباب الإجابة، والدعاء باسم الربوبية أقرب إلى الإجابة، لأن أكثر الأدعية الواردة في القرآن جاءت باسم الربوبية. ٣ - عناية الله بهؤلاء الأبرار، لأن هذه الربوبية هي ربوبية خاصة. ٤ - أن الله يعطي الأجر كاملا، وهذا النفي يتضمن إثباتا، فإذا كان لايضيع عمل عامل فمقتضاه أنه يعطي العامل كل ما عمل، أي أجر كل ما عمل.

стр. 2656

٥ - استواء الذكر والأنثى في الجزاء على الحسنات وإجابة الدعوات، فهما يشتركان في ثواب الأعمال الصالحة. ٦ - فضيلة الهجرة في قوله: ﴿فالذين هاجروا﴾، وقد قال العلماء أن الهجرة على أقسام: القسم الأول: هجر ما حرّم الله، فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه. وهو واجب على كل إنسان. القسم الثاني: الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، كما فعل المهاجرون من مكة إلى المدينة، وهذه هي التي يكون فيها المدح الذي جاء في القرآن. ويقول أهل العلم: بأن الإنسان إن كان عاجزا عن إظهار دينه كإقامة الصلوات جماعة مثلا، فإنه وجبت عليه الهجرة، ولو كان من أهل البلد أصلا، وإن كان الإنسان قادرا على إظهار دينه فالهجرة أكمل وأحسن خوفا من الفتنة. القسم الثالث: الهجرة من بلد الفسق إلى بلد الإستقامة، فإن بعض البلاد تكون بلادا إسلامية تقام فيها الشعائر الإسلامية، وينادى بالآذان، وتقام الجماعات، وتقام الجُمُعات، فهي بلاد إسلامية، ولكنها بلاد فسق من جهة أخرى لكثرة المعاصي والفواحش وغيرها في هذا البلد، فيهاجر الإنسان منها إلى بلد الإستقامة. وهذا النوع فيه تفصيل أيضا: فإن كان يخشى على نفسه من الفتنة وجبت عليه الهجرة، وإن كان لايخشى ذلك لم تجب عليه الهجرة، وربما يكون بقاؤه أحسن في هذه البلاد إذا كان يدعو إلى الله. ٧ - الإخراج من الديار سبب لتكفير السيئات، وأن الإيذاء في سبيل الله يزداد الإنسان فيه أجرا، فينبغي على الإنسان أن يصبر على الإيذاء في سبيل الله مادام ينتظر الأجر به. ٨ - فضيلة القتال في سبيل الله. ٩ - فضيلة القتل في سبيل الله وذلك أن القتل في سبيل الله من الشهادة. ١٠ - أن الأعمال الصالحة تكفّر بها السيئات. ١١ - أن الله ضمن ضمانا مؤكدا لهؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الخمس، ضمن لهم: تكفير السيئات وإدخالهم الجنات، فقال عزّ شأنه: ﴿وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. ١٢ - التشويق إلى الجنة، ليزداد الإنسان قوة في العمل لها، لقوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، والجنات في الأصل: البساتين الكثيرة الكثيرة الأشجار تجن من فيها، أي تستره وتغطيه، فيستفاد منها التشويق إلى هذا الثواب العظيم. ١٣ - أن في الجنة قصورا، لقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾، والتحت لا يكون إلا في مقابل الفوق العالي، وهو كذلك. ١٤ - أن الجنة فيها عدة أنهار، وهي مجملة هنا، مفصلة في سورة "محمد" على أنها أربعة أنهار فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]. ١٥ - أن هذا الجزاء مثوبة لهم من الله ، فلله تعالى فيه المنّة عليهم، وليس لهم المنة على الله بشيء من عملهم، لقوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، فهو سبحانه بفضله جعل الثواب لهم. ١٦ - الإشارة إلى عظم هذا الثواب، من قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وذلك لأنه العظية تعظم بحسب معطيها، والهبة تعظم بحسب واهبها. ١٧ - أنه لا يتلقى حسن الثواب إلا من الله، وهو ثواب عظيم وأحسن مثوبة يثاب بها الإنسان، لقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾، أي: من عند الله وحده، فلا تذهب تتلقى الثواب إلا من عنده، لأنه مهما آتاك الخلق من ثواب، فإنه لن يكون مثل ثواب الله . القرآن ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦)﴾ [آل عمران: ١٩٦] التفسير:

стр. 2657

لا تغتر -أيها الرسول- بما عليه أهل الكفر بالله من بسطة في العيش، وسَعَة في الرزق، وانتقالهم من مكان إلى مكان للتجارات وطلب الأرباح والأموال، فعمَّا قليل يزول هذا كلُّه عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة. في سبب نزول هذه الآية والتي بعدها قولان: أحدهما: قال مقاتل، والثعلبي (١): " نزلت في مشركي العرب وذلك أن كفار مكة كانوا في رخاء ولين عيش حسن فقال بعض المؤمنين: أعداء الله فيما ترون من الخير وقد أهلكنا الجهد. فأخبر الله- بمنزلة الكفار في الآخرة، وبمنزلة المؤمنين في الآخرة، فقال- سبحانه-: ﴿لا يغرنك﴾ " (٢). وفي السياق نفسه قال الزجاج: " يروى أن قوما من الكفار كانوا يتجرون ويربحون في أسفار كانوا يسافرونها، فأعلم الله أن ذلك مما لا ينبغي أن يغبطوا به، لأن مصيرهم بكفرهم إلى النار ولا خير بخير بعده النار" (٣). والثاني: وقال الفراء: "كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال، فقال الله : لا يغرنك ذلك" (٤). قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ [آل عمران: ١٩٦]، "أي: لا يخدعنّك أيها السامع" (٥). قال الحسن: " قال: لا تغتر بأهل الدنيا يا محمد" (٦). قال مقاتل: " لا يغرنك يا محمد- ﷺ " (٧). قال السمرقندي: " لا يحزنك يا محمد" (٨). قال الزجاج: " خطاب للنبى ﷺ وخطاب للخلق في هذا الموضع، المعنى لا يغرنكم أيها المؤمنون" (٩). قال الطبري: أي: " ولا يغرنك يا محمد، وخرج الخطاب بذلك للنبي ﷺ ، والمعنيُّ به غيره من أتباعه وأصحابه، كما قد بينا فيما مضى قبل من أمر الله ولكن كان بأمر الله صادعًا، وإلى الحق داعيًا" (١٠). وإن قيل: لا يجوز عليه- ﷺ الاغترار، فكيف خوطب بهذا، فعنه جوابان (١١): أحدهما: أن الله إنما قال له ذلك تأديباً وتحذيراً. والثاني: أنه خطاب لكل من سمعه، فكأنه قال: لا يغرنك أيها السامع تقلب الذين كفروا في البلاد. قال الثعلبي: " والخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره، لأنه لم يغير لذلك" (١٢). قال البيضاوي: " والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته، أو تثبيته على ما كان عليه كقوله فلا تطع المكذبين أو لكل أحد، والنهي في المعنى للمخاطب" (١٣). قال أبو السعود: " بيان لقبح ما أوتي الكفرة من حظوظ الدنيا وكشف عن حقارة شأنها وسوء مغبتها إثر بيان حسن ما أوتي المؤمنون من الثواب، والخطاب للنبي ﷺ على أن المراد تثبيته على ما هو عليه

стр. 2658

كقوله تعالى ﴿فلا تطع المكذبين﴾، أو على أن المراد نهي المؤمنين كما يوجه الخطاب إلى مداره القوم ورؤسائهم والمراد أفناؤهم، أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب من المؤمنين والنهي للمخاطب" (١). قال الراغب: " أصل الغر: الطي الذي ينكسر عليه المطوي، فجعل عبارة عمن انطوى على اعتقاد يمنع عن رفع بصيرته، ولذلك سمي الاعتماد طوية، ونحو الغر الاستدراج تشبيها بالمدرج، ومن هذا قال: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥] " (٢). وقرأ يعقوب: ﴿يغرنك﴾، وأخواتها ساكنة النون (٣). قوله تعالى: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦]، أي: " تنقل الذين كفروا في البلاد طلباً لكسب الأموال والجاه والرتب" (٤). قال السدي: " يقول: ضربهم في البلاد" (٥). قال مقاتل: أي: " ما فيه الكفار من الخير والسعة" (٦). قال عكرمة: أي: " تقلب ليلهم ونهارهم، وما يجري عليهم من النعم" (٧). قال السمرقندي: أي: " ذهابهم ومجيئهم في تجاراتهم ومكاسبهم في الأرض" (٨). قال السمعاني: " يعني: على مرادهم" (٩). قال الطبري: " يعني: تصرفهم في الأرض وضربهم فيها، فنهى الله تعالى ذكره نبيّه ﷺ عن الاغترار بضربهم في البلاد، وإمهال الله إياهم، مع شركهم، وجحودهم نعمه، وعبادتهم غيره" (١٠). قال ابن كثير: أي: " لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مُتْرفون فيه، من النِّعْمَة والغِبْطَة والسرور" (١١). وفي تقلبهم قولان (١٢): أحدهما: يعني تقلبهم في نعيم البلاد، وذلك نعمة من الله عليهم؛ لتركهم يتجرون في البلدان مع كفرهم بربهم، أو أعطاهم أموالا يتنعمون فيها ويتلذذون. والثاني: تقلبهم غير مأخوذين بذنوبهم، لما أخّر عنهم العذاب والهلاك إلى وقت. قال البيضاوي: " وإنما جعل للتقلب تنزيلا للسبب منزلة المسبب للمبالغة، والمعنى لا تنظر إلى ما الكفرة عليه من السعة والحظ، ولا تغتر بظاهر ما ترى من تبسطهم في مكاسبهم ومتاجرهم ومزارعهم" (١٣). قال أبو السعود: أي: " وإنما جعل للتقلب مبالغة أي لا تنظر إلى ما عليه الكفرة من السعة ووفور الحظ ولا تغتر بظاهر ما ترى منهم من التبسط في المكاسب والمتاجر والمزارع" (١٤). قال الراغب: " والتقلب في البلاد ليس يعني المشي فيها، وإنما يعني التوسع في أعراض الدنيا" (١٥). قال الماتريدي: " وليس الاغترار في نفس التقلب؛ لأنه جهد ومشقة؛ ولكن لما فيه من الأمن والسعة والقوة؛ دليله قوله - تعالى -: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] " (١٦).

стр. 2659

قال قتادة: " والله ما غرُّوا نبيَّ الله، ولا وكل إليهم شيئًا من أمر الله، حتى قبضه الله على ذلك" (١). قال السعدي: " وهذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا، وتنعمهم فيها، وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات والمكاسب واللذات، وأنواع العز، والغلبة في بعض الأوقات، فإن هذا كله ﴿متاع قليل﴾ ليس له ثبوت ولا بقاء، بل يتمتعون به قليلا ويعذبون عليه طويلا هذه أعلى حالة تكون للكافر، وقد رأيت ما تؤول إليه" (٢). الفوائد: ١ - نهى الإنسان أن يغتر بما أوتي الكفار من النعم والرفاهية. ٢ - أن ما يعطيه الله العبد من الرخاء وسعة الرزق والانطلاق في الأرض يمينا وشمالا ليس دليلا على رضاه عن العبد، وغنما المقياس لرضا الل عن العبد هو اتباع العبد لشرع الله. ٣ - أن الله قد يستدرج المرء بإغداق النعم عليه فتنة له، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، ووجه ذلك أن الله مكّن هؤلاء الكفار من التقلب في البلاد كيف يشاؤون فتنة لهم، ليستمروا على ما هم عليه فيكون ذلك شرّا لهم، كما قال : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]. ٤ - أن المؤمن قد يضيّق الله عليه في الدنيا –أحيانا-ليرجع إليه، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، أما الكفار، فقد تمد لهم الدنيا ويعطون ما يريدون وتكون جنتهم دنياهم بخلاف المؤمنين. القرآن ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران: ١٩٧] التفسير: متاع قليل زائل، ثم يكون مصيرهم يوم القيامة إلى النار، وبئس الفراش. قوله تعالى: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]، " أي: إِنما يتنعمون بذلك قليلاً ثم يزول هذا النعيم" (٣). قال مقاتل: أي: " فإنما هو متاع قليل يمتعون بها إلى آجالهم" (٤). قال الزجاج: " أي: ذلك الكسب والربح الذي يربحونه متاع قليل" (٥). قال الطبري: " يعني: أن تقلبهم في البلاد وتصرفهم فيها، متعة يمتَّعون بها قليلا حتى يبلغوا آجالهم، فتخترمهم منياتهم" (٦). قال الماتريدي: أي: " إنما هو متاع يسير" (٧). قال الثعلبي: " أي هو متاع قليل بلغة فانية ومتعة زائلة، لأن كل ما هو فان فهو قليل" (٨). قال القاسمي: " أي هو متاع قليل، لقصر مدته، وكونه بلغة فانية، ونعمة زائلة، فلا قدر له في جنب ما أعد الله للمؤمنين" (٩). قال ابن كثير: أي: " فعَمّا قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مُرتَهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نَمُدّ لهم فيما هم فيه استدراجا، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر: ٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ. مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩، ٧٠]، وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى

стр. 2660

عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]، أي: قليلا وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] " (١). قال الراغب: " والمتاع: ما فيه تمتع ما، والآية تحتمل وجهين: أحدهما: أن جعل ما يتمتع به في الدنيا وإن كثر، قليلا في جنب ثواب الله تعالى. فلا يجب أن يغتر به، إذا اعتبر بما يحصل لأربابها في المآل من العذاب. والثاني: أنه أراد بالقليل قلة الفناء" (٢). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧]، أي: " ثم مصيرهم في الآخرة إِلى النار" (٣). قال الطبري: أي: " منياتهم ثم مأواهم جهنم، بعد مماتهم، والمأوى: المصير الذي يأوون إليه يوم القيامة، فيصيرون فيه" (٤). قال الراغب: " وأراد بجهنم: جهنم الدنيا وجهنم الآخرة، تنبيها أن من حصل له مال لا ينفك من شغل لا ينقضى عناؤه، وفقر لا يدرك غناؤه، وحزن على فوت محبوب، وخوف على فقد مطلوب، كأنهم في جهنم من سلب ما لهم، وفي جهنم عند مآلهم، كما قال: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥] " (٥). قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧]، أي: " وبئس الفراش والمضجع جهنم" (٦). قال ابن عباس: أي: "بئس المنزل" (٧). وقال مجاهد: أي: "وبئس المضجع" (٨). وفي رواية أخرى له: أي" بئس ما مهدوا لأنفسهم" (٩). قال الراغب: " ذكر ﴿المهاد﴾ على سبيل المثل، كقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ [الأعراف: ٤١] " (١٠). قال يزيد بن معاوية النخعي: "إن الدنيا جعلت قليلا فما بقي منه إلا القليل من قليل" (١١). وقال المستورد الفهري: "سمعت النبي ﷺ يقول: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع» " (١٢). وقال ﷺ : «ما الدنيا فيما مضى إلا كمثل ثوب شق باثنين وبقي خيط إلا وكان ذلك الخيط قد انقطع» (١٣). الفوائد: ١ - أن الدنيا مهما أعطي الإنسان فيها من النعيم فإنها متاع قليل، قليل زمنه، وفي كميته، وفي كيفيته، ولكن الآخرة خلاف ذلك، قال النبي- ﷺ : "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١٤)، فالسوط: متر أو أقل، خير من الدنيا وما فيها، وليست الدنيا الحاضرة فقط، بل خير من كل الدنيا وما فيها من اولها إلى آخرها، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٩].

стр. 2661

٢ - الحذر من لعب أعداء المسلمين، إذ يغرّونهم بأنواع وسائل الترفيه ليلهوهم عما خلقوا له من عبادة الله، وعما ينبغي أن يكونوا عليه من العزّة والكرامة، وتلك الوسائل الترفيهية في الحقيقة حبّ مسموم للدجاج، والحب المسموم للدجاج تغتر به، تجده حبّا منتفخا لينا فتفرح به وتأخذه بطرف مناقيرها وتبتلعه بسرعة ولكنه يقطع أمعاءها، فهكذا أعداء الإسلام فتحوا علينا أبواب الترفيه من كل ناحية، من أجل أن ننغمس فيها ولايكون لنا همّ إلا الرفاهية، وننسى ما خلقنا له من عبادة الله، وننسى ما ينبغي لنا أن نكون عليه من العزة والكرامة. ٣ - أنه لايمكن للكفار أن يدخل الجنة، لقوله: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. ٤ - الإشارة إلى أن هذا النعيم الذي يدركونه في الدنيا سوف ينسى بهذا المأوى الشسيء، فإذا كان المأوى هو النار نسوا كل شيء كما جاء في الحديث: " يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من الكفار، فيقال: اغمسوه في النار غمسة، فيغمس فيها، ثم يقال له: أي فلان، هل أصابك نعيم قط؟ فيقول: لا، ما أصابني نعيم قط، ويؤتى بأشد المؤمنين ضرا وبلاء، فيقال: اغمسوه غمسة في الجنة، فيغمس فيها غمسة، فيقال له: أي فلان، هل أصابك ضر قط؟ أو بلاء؟ فيقول: ما أصابني قط ضر ولا بلاء" (١). وفي رواية أخرى: " يؤتى بأنعم أهل الدنيا، من أهل النار، يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا، والله، يا رب، ويؤتى بأشد الناس في الدنيا، من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله، يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط" (٢). فالكافر يقول ذلك، لأنه نسي كل نعيم الدنيا ورفاهيتها التي عاشها بهذه الغمسة الواحدة، والمسلم يقول ذلك، لأنه نسي كل المصائب والابتلاءات التي أصابته في الدنيا بهذه الغمسة الواحدة في نعيم الجنة. وأيم الله أن هذه الحقائق نحن نؤمن بها ولكن الغفلة تستولي علينا، نسأل الله العافية، وأن يوقظ قلوبنا بذكره. ٥ - بيان قبح هذا المأوى، لأن الله أثنى عليه بأسوأ الثناء، فقال: ﴿وبئس المهاد﴾، وهذا يدل على قبح مأوى أهل النار، نسأل الله السلامة منها. القرآن ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ [آل عمران: ١٩٨] التفسير: لكن الذين خافوا ربهم، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، قد أعدَّ الله لهم جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار، هي منزلهم الدائم لا يخرجون منه. وما عد الله أعظم وأفضل لأهل الطاعة مما يتقلب فيه الذين كفروا من نعيم الدنيا. قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، "أي: لكن المتقون لله" (٣). قال مقاتل: " وحدوا ربهم" (٤). قال السمرقندي: "أي: " اتقوا الشرك والفواحش، ووحدوا ربهم" (٥). قال الطبري: أي: " لكن الذين اتقوا الله بطاعته واتّباع مرضاته، في العمل بما أمرهم به، واجتناب ما نهاهم عنه" (٦). قرأ أبو جعفر: بتشديد النون، الباقون: بتخفيفه (٧).

стр. 2662

قوله تعالى: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، أي: "لهم النعيم المقيم في جنات النعيم ً" (١). قال الطبري: " يعني: بساتين، تجري من تحتها الأنهار" (٢). قال الواحدي: " المعنى: من تحت أشجارها وقصورها وأبنيتها" (٣). قال مسروق: " أنهار الجنة تجري في غير أخدود، ثمرها كالقلال، كلما نزعت ثمرة عادت مثلها أخرى، والعنقود اثنا عشر ذراعا" (٤). قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آل عمران: ١٩٨]، أي: "مخلدين فيها أبداً" (٥). قال مقاتل: " لا يموتون" (٦). قال الطبري: أي: " باقين فيها أبدًا" (٧). قال السمرقندي: أي: " لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها أبدا" (٨). قوله تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، " أي: ضيافة وكرامة من عند الله" (٩). قال السمرقندي: أي: " ثوابا من عند الله للمؤمنين الموحدين خاصة" (١٠). قال الكلبي: "جزاء وثوابا من عند الله" (١١). قال أبو عبيدة: " أي ثوابا، ويجوز منزلا من عند الله من قولك: أنزلته منزلا" (١٢). قال الطبري: " يعني: إنزالا من الله إياهم فيها، أنزلوها، وقوله: ﴿من عند الله﴾، يعني: من قبل الله، ومن كرامة الله إياهم، وعطاياه لهم " (١٣). قال الزجاج: " ﴿نزلا﴾ مؤكد أيضا، لأن خلودهم فيها إنزالهم فيها" (١٤). قال الثعلبي: " والنزل: الوظيفة المقدرة لوقت" (١٥). قال الواحدي: " النزل: ما يهيأ لضيف أو لقوم إذا نزلوا موضعا، ويقال: أقمت لهم نزلهم, أي: أقمت لهم غذاءهم، وما يصلح معه أن ينزلوا عليه. هذا معناه في اللغة" (١٦). قال السمعاني: " النزل هو ما يعد للضيف من النعمة؛ فسمى الله تعالى ما أعده للمؤمنين من نعيم الجنة: نزلا من عند الله" (١٧). قال الراغب: " والنزل ما يجعل للإنسان في طريقه، ليستعين به على سفره، وانتصابه على أنه مصدر مؤكد أو تفسير، كقولك: هذا لك هبة" (١٨). قرأ الحسن والنخعي: ﴿نزلا﴾ بتخفيف الزاي استثقالا لضمتين، وثقله الآخرون (١٩).

стр. 2663

قوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، " أي: وما عند الله من الثواب والكرامة للأخيار الأبرار، خير مما يتقلب فيه الأشرار الفجار من المتاع القليل الزائل" (١). قال الزمخشري: أي: " وما عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل" (٢). قال الواحدي: " أي: مما يتقلب فيه الكفار في دار الدنيا" (٣). قال الطبري: أي: " وما عند الله من الحياة والكرامة، وحسن المآب، خير للأبرار، مما يتقلب فيه الذين كفروا، فإن الذي يتقلبون فيه زائل فانٍ، وهو قليلٌ من المتاع خسيس، وما عند الله من كرامته للأبرار - وهم أهل طاعته باقٍ، غيرُ فانٍ ولا زائل" (٤). قال ابن زيد: " للأبرار: لمن يطيع الله" (٥). قال مقاتل: ﴿للأبرار﴾ " يعنى: المطيعين" (٦). وقال الحسن: " للأبرار: الذين لا يؤذون الذر" (٧). قال ابن عمر: " إنما سماهم الله أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقا، كذلك لولدك عليك حقا" (٨). وقيل: "عنى بقوله: ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾، ما قاله ﷺ : «الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن» (٩)، تنبيها أن المؤمن يتبرم بها شوقا إلى ما أعد له، والكافر يطمئن إليها، ويشتاق إليها عند فراقها مع ما فيها من الشوائب لما أعد له من العذاب" (١٠). قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿الأبرار﴾، و ﴿الْأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢]، و ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، وما كان مثله بين الفتح والكسر، وقرأ ابن كثير، وعاصم بالفتح، وخلف وأبو هشام عن سليم عن حمزة أنه كان يميل ﴿الأشرار﴾ و ﴿قرار﴾ و ﴿الأبرار﴾ ياءات الإضافة (١١). قال الراغب: " ذكره تعالى لـ (لكن) لكون حكم ما بعده منافيا لما قبله، وقد ذكر في قوله: ﴿لهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، الوجهان اللذان ذكرا في قوله: ﴿ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، وقيل: عنى به أنهم من طيب عيشهم في القناعة، ورفضهم فضولات الدنيا في جنات صفتها كذلك، وذلك على التشبيه، وإياه قصد بقوله: ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾، والذي يدل على هذا قوله: ﴿نزلا﴾ " (١٢). قال الأسود، قال عبد الله: "ما من نَفْس بَرَّة ولا فاجرة إلا والموتُ خير لها. ثم قرأ عبد الله: وما عند الله خير للأبرار، وقرأ هذه الآية: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ﴾، [سورة آل عمران: ١٧٨] " (١٣). وعن أبي الدرداء: "ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول: وما عند الله خير للأبرار، ويقول: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ " (١٤).

стр. 2664

عن أنس بن مالك، قال: "دخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على سرير، مرمل بشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، فدخل عليه نفر من أصحابه، ودخل عمر، فانحرف رسول الله ﷺ انحرافة، فلم ير عمر بين جنبه وبين الشريط ثوبا، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله ﷺ ، فبكى عمر، فقال له النبي ﷺ : ما يبكيك يا عمر؟ قال: والله ما أبكي، إلا أن أكون أعلم أنك أكرم على الله، ، من كسرى وقيصر، وهما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه، وأنت يا رسول الله بالمكان الذى أرى، فقال النبي ﷺ : أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال عمر: بلى، قال: فإنه كذاك" (١). الفوائد: ١ - أن المتقين وإن تقلبوا في البلاد فليس مآلهم كمآل الكافرين، قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. ٢ - فيه بيان فوائد التقوى، وأن من فوائدها ما حصل لهؤلاء المتقين من النزل العظيم عند الله ، وهي هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار. ٣ - أن هؤلاء المتقون ثوابهم عند الله أكثر بكثير مما يعطي هؤلاء الذين يتلبون في البلاد، لأن الله قال في المتقلبين ﴿متاع قليل﴾، أما هؤلاء فقال: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. ٤ - عظم هذا الجزاء والثواب الذي يحصل لهم، لأنه نُنزل من عند اكرم الأكرمين، وهو الله . ٥ - أن الجزاء من جنس العمل، فإن هؤلاء لما كانوا بررة كثيري الخيرات، فكان لهم عند الله هذا النُزل العظيم. ٦ - أن في الجنات أنهار عظيمة تجري من تحت غرفها وأشجارها. ٧ - أن منْ منّ الله عليه بالتقوى فإن ذلك من مقتضى ربوبية الله تعالى الخاصة، قال: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾، فتخصيص الربوبية هنا لهؤلاء المتقين هو من باب الربوبية الخاصة، إذ ان ربوبية الله لخلقه نوعان: الأولى: عامة: وهي الشاملة لجميع الخلق. والثانية: الربوبية الخاصة: وهي الخاصة بالمؤمنين. وكما أن العبودية لله أيضا نوعان: الأولى: عامة، وهي التي لجميع الخلق كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. والثانية: خاصة، وهي للمؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. وهذه الخاصة منها ما هو أخص كما في عبودية الرسول- ﷺ ، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. وعلى هذا ففي العبودية عموم مطلق الذي يشمل جميع من في السماوات والأرض، وعموم نسبي: وهو عموم عبودية المؤمنين، وإنه عام بالنسبة لعبودية الرسول- ﷺ ، خاص بالنسبة للعبودية المطلقة. ٨ - أن هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار إذا كانت نُزلا، وهو ما يقدم للضيف من الكرامة، فما بال بما يكون بعد هذا؟ لاشك أنه سيكون خيرا كثيرا. القرآن ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ [آل عمران: ١٩٩] التفسير: وإن بعضًا من أهل الكتاب لَيصدِّق بالله ربًّا واحدًا وإلهًا معبودًا، وبما أُنزِل إليكم من هذا القرآن، وبما أُنزِل إليهم من التوراة والإنجيل متذللين لله، خاضعين له، لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا من حطام الدنيا، ولا يكتمون

стр. 2665

ما أنزل الله، ولا يحرفونه كغيرهم من أهل الكتاب. أولئك لهم ثواب عظيم عنده يوم يلقونه، فيوفيهم إياه غير منقوص. إنَّ الله سريع الحساب، لا يعجزه إحصاء أعمالهم، ومحاسبتهم عليها. في سبب نزولها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في أصحمة النجاشي (١)، روى سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "اخرجوا فصلوا على أخ لكم. فصلى بنا، فكبر أربع تكبيرات، فقال: هذا النجاشي أصحمة، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على عِلْجٍ نصرَاني لم يره قط! فأنزل الله: ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله﴾ " (٢). وهو قول قتادة (٣)، وابن جريج في أحد قوليه (٤). والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن سلام ومن معه. وهذا قول ابن جريج في رواية أخرى (٥)، وروي عن ابن زيد نحو ذلك (٦). والثالث: أنها نزلت في أربعين من أهل نجران، وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى، فآمنوا بالنبي ﷺ ، قاله عطاء (٧). والرابع: أنها نزلت في مُسلمة أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وهذا قول مجاهد (٨)، ورجّحه الطبري (٩). والظاهر-والله أعلم- هو القول الأخير، لأن قوله تعالى: ﴿أهل الكتاب﴾، يعمّ أهل الكتاب جميعهم دون تخصيص. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، " أي: ومن اليهود والنصارى فريق يؤمنون بالله حق الإِيمان، ويؤمنون بما أنزل إليكم وهو القرآن وبما أنزل إِليهم وهو التوراة والإِنجيل" (١٠). قال الحسن: " هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد ﷺ ، الذين اتبعوا محمدا ﷺ " (١١). قال مجاهد: " من اليهود والنصارى، وهم مسلمة أهل الكتاب" (١٢). وقال مقاتل: " يعنى ابن سلام، يصدق بالله، ﴿وما أنزل إليكم﴾، يعني: أمة محمد- ﷺ من القرآن ﴿وما أنزل إليهم﴾، من التوراة، " (١٣). قوله تعالى: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، " أي: خاضعين متذللين لله" (١٤). قال مقاتل: " يعني: متواضعين لله" (١٥). قال ابن زيد: ": الخاشع، المتذلل لله الخائف" (١٦).
следующие страницы →