← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

٢ - الحذر من لعب أعداء المسلمين، إذ يغرّونهم بأنواع وسائل الترفيه ليلهوهم عما خلقوا له من عبادة الله، وعما ينبغي أن يكونوا عليه من العزّة والكرامة، وتلك الوسائل الترفيهية في الحقيقة حبّ مسموم للدجاج، والحب المسموم للدجاج تغتر به، تجده حبّا منتفخا لينا فتفرح به وتأخذه بطرف مناقيرها وتبتلعه بسرعة ولكنه يقطع أمعاءها، فهكذا أعداء الإسلام فتحوا علينا أبواب الترفيه من كل ناحية، من أجل أن ننغمس فيها ولايكون لنا همّ إلا الرفاهية، وننسى ما خلقنا له من عبادة الله، وننسى ما ينبغي لنا أن نكون عليه من العزة والكرامة. ٣ - أنه لايمكن للكفار أن يدخل الجنة، لقوله: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. ٤ - الإشارة إلى أن هذا النعيم الذي يدركونه في الدنيا سوف ينسى بهذا المأوى الشسيء، فإذا كان المأوى هو النار نسوا كل شيء كما جاء في الحديث: " يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من الكفار، فيقال: اغمسوه في النار غمسة، فيغمس فيها، ثم يقال له: أي فلان، هل أصابك نعيم قط؟ فيقول: لا، ما أصابني نعيم قط، ويؤتى بأشد المؤمنين ضرا وبلاء، فيقال: اغمسوه غمسة في الجنة، فيغمس فيها غمسة، فيقال له: أي فلان، هل أصابك ضر قط؟ أو بلاء؟ فيقول: ما أصابني قط ضر ولا بلاء" (١). وفي رواية أخرى: " يؤتى بأنعم أهل الدنيا، من أهل النار، يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا، والله، يا رب، ويؤتى بأشد الناس في الدنيا، من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله، يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط" (٢). فالكافر يقول ذلك، لأنه نسي كل نعيم الدنيا ورفاهيتها التي عاشها بهذه الغمسة الواحدة، والمسلم يقول ذلك، لأنه نسي كل المصائب والابتلاءات التي أصابته في الدنيا بهذه الغمسة الواحدة في نعيم الجنة. وأيم الله أن هذه الحقائق نحن نؤمن بها ولكن الغفلة تستولي علينا، نسأل الله العافية، وأن يوقظ قلوبنا بذكره. ٥ - بيان قبح هذا المأوى، لأن الله أثنى عليه بأسوأ الثناء، فقال: ﴿وبئس المهاد﴾، وهذا يدل على قبح مأوى أهل النار، نسأل الله السلامة منها. القرآن ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ [آل عمران: ١٩٨] التفسير: لكن الذين خافوا ربهم، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، قد أعدَّ الله لهم جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار، هي منزلهم الدائم لا يخرجون منه. وما عد الله أعظم وأفضل لأهل الطاعة مما يتقلب فيه الذين كفروا من نعيم الدنيا. قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، "أي: لكن المتقون لله" (٣). قال مقاتل: " وحدوا ربهم" (٤). قال السمرقندي: "أي: " اتقوا الشرك والفواحش، ووحدوا ربهم" (٥). قال الطبري: أي: " لكن الذين اتقوا الله بطاعته واتّباع مرضاته، في العمل بما أمرهم به، واجتناب ما نهاهم عنه" (٦). قرأ أبو جعفر: بتشديد النون، الباقون: بتخفيفه (٧).

стр. 2662

قوله تعالى: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، أي: "لهم النعيم المقيم في جنات النعيم ً" (١). قال الطبري: " يعني: بساتين، تجري من تحتها الأنهار" (٢). قال الواحدي: " المعنى: من تحت أشجارها وقصورها وأبنيتها" (٣). قال مسروق: " أنهار الجنة تجري في غير أخدود، ثمرها كالقلال، كلما نزعت ثمرة عادت مثلها أخرى، والعنقود اثنا عشر ذراعا" (٤). قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آل عمران: ١٩٨]، أي: "مخلدين فيها أبداً" (٥). قال مقاتل: " لا يموتون" (٦). قال الطبري: أي: " باقين فيها أبدًا" (٧). قال السمرقندي: أي: " لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها أبدا" (٨). قوله تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، " أي: ضيافة وكرامة من عند الله" (٩). قال السمرقندي: أي: " ثوابا من عند الله للمؤمنين الموحدين خاصة" (١٠). قال الكلبي: "جزاء وثوابا من عند الله" (١١). قال أبو عبيدة: " أي ثوابا، ويجوز منزلا من عند الله من قولك: أنزلته منزلا" (١٢). قال الطبري: " يعني: إنزالا من الله إياهم فيها، أنزلوها، وقوله: ﴿من عند الله﴾، يعني: من قبل الله، ومن كرامة الله إياهم، وعطاياه لهم " (١٣). قال الزجاج: " ﴿نزلا﴾ مؤكد أيضا، لأن خلودهم فيها إنزالهم فيها" (١٤). قال الثعلبي: " والنزل: الوظيفة المقدرة لوقت" (١٥). قال الواحدي: " النزل: ما يهيأ لضيف أو لقوم إذا نزلوا موضعا، ويقال: أقمت لهم نزلهم, أي: أقمت لهم غذاءهم، وما يصلح معه أن ينزلوا عليه. هذا معناه في اللغة" (١٦). قال السمعاني: " النزل هو ما يعد للضيف من النعمة؛ فسمى الله تعالى ما أعده للمؤمنين من نعيم الجنة: نزلا من عند الله" (١٧). قال الراغب: " والنزل ما يجعل للإنسان في طريقه، ليستعين به على سفره، وانتصابه على أنه مصدر مؤكد أو تفسير، كقولك: هذا لك هبة" (١٨). قرأ الحسن والنخعي: ﴿نزلا﴾ بتخفيف الزاي استثقالا لضمتين، وثقله الآخرون (١٩).

стр. 2663

قوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، " أي: وما عند الله من الثواب والكرامة للأخيار الأبرار، خير مما يتقلب فيه الأشرار الفجار من المتاع القليل الزائل" (١). قال الزمخشري: أي: " وما عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل" (٢). قال الواحدي: " أي: مما يتقلب فيه الكفار في دار الدنيا" (٣). قال الطبري: أي: " وما عند الله من الحياة والكرامة، وحسن المآب، خير للأبرار، مما يتقلب فيه الذين كفروا، فإن الذي يتقلبون فيه زائل فانٍ، وهو قليلٌ من المتاع خسيس، وما عند الله من كرامته للأبرار - وهم أهل طاعته باقٍ، غيرُ فانٍ ولا زائل" (٤). قال ابن زيد: " للأبرار: لمن يطيع الله" (٥). قال مقاتل: ﴿للأبرار﴾ " يعنى: المطيعين" (٦). وقال الحسن: " للأبرار: الذين لا يؤذون الذر" (٧). قال ابن عمر: " إنما سماهم الله أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقا، كذلك لولدك عليك حقا" (٨). وقيل: "عنى بقوله: ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾، ما قاله ﷺ : «الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن» (٩)، تنبيها أن المؤمن يتبرم بها شوقا إلى ما أعد له، والكافر يطمئن إليها، ويشتاق إليها عند فراقها مع ما فيها من الشوائب لما أعد له من العذاب" (١٠). قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿الأبرار﴾، و ﴿الْأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢]، و ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، وما كان مثله بين الفتح والكسر، وقرأ ابن كثير، وعاصم بالفتح، وخلف وأبو هشام عن سليم عن حمزة أنه كان يميل ﴿الأشرار﴾ و ﴿قرار﴾ و ﴿الأبرار﴾ ياءات الإضافة (١١). قال الراغب: " ذكره تعالى لـ (لكن) لكون حكم ما بعده منافيا لما قبله، وقد ذكر في قوله: ﴿لهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، الوجهان اللذان ذكرا في قوله: ﴿ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، وقيل: عنى به أنهم من طيب عيشهم في القناعة، ورفضهم فضولات الدنيا في جنات صفتها كذلك، وذلك على التشبيه، وإياه قصد بقوله: ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾، والذي يدل على هذا قوله: ﴿نزلا﴾ " (١٢). قال الأسود، قال عبد الله: "ما من نَفْس بَرَّة ولا فاجرة إلا والموتُ خير لها. ثم قرأ عبد الله: وما عند الله خير للأبرار، وقرأ هذه الآية: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ﴾، [سورة آل عمران: ١٧٨] " (١٣). وعن أبي الدرداء: "ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول: وما عند الله خير للأبرار، ويقول: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ " (١٤).

стр. 2664

عن أنس بن مالك، قال: "دخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على سرير، مرمل بشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، فدخل عليه نفر من أصحابه، ودخل عمر، فانحرف رسول الله ﷺ انحرافة، فلم ير عمر بين جنبه وبين الشريط ثوبا، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله ﷺ ، فبكى عمر، فقال له النبي ﷺ : ما يبكيك يا عمر؟ قال: والله ما أبكي، إلا أن أكون أعلم أنك أكرم على الله، ، من كسرى وقيصر، وهما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه، وأنت يا رسول الله بالمكان الذى أرى، فقال النبي ﷺ : أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال عمر: بلى، قال: فإنه كذاك" (١). الفوائد: ١ - أن المتقين وإن تقلبوا في البلاد فليس مآلهم كمآل الكافرين، قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. ٢ - فيه بيان فوائد التقوى، وأن من فوائدها ما حصل لهؤلاء المتقين من النزل العظيم عند الله ، وهي هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار. ٣ - أن هؤلاء المتقون ثوابهم عند الله أكثر بكثير مما يعطي هؤلاء الذين يتلبون في البلاد، لأن الله قال في المتقلبين ﴿متاع قليل﴾، أما هؤلاء فقال: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. ٤ - عظم هذا الجزاء والثواب الذي يحصل لهم، لأنه نُنزل من عند اكرم الأكرمين، وهو الله . ٥ - أن الجزاء من جنس العمل، فإن هؤلاء لما كانوا بررة كثيري الخيرات، فكان لهم عند الله هذا النُزل العظيم. ٦ - أن في الجنات أنهار عظيمة تجري من تحت غرفها وأشجارها. ٧ - أن منْ منّ الله عليه بالتقوى فإن ذلك من مقتضى ربوبية الله تعالى الخاصة، قال: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾، فتخصيص الربوبية هنا لهؤلاء المتقين هو من باب الربوبية الخاصة، إذ ان ربوبية الله لخلقه نوعان: الأولى: عامة: وهي الشاملة لجميع الخلق. والثانية: الربوبية الخاصة: وهي الخاصة بالمؤمنين. وكما أن العبودية لله أيضا نوعان: الأولى: عامة، وهي التي لجميع الخلق كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. والثانية: خاصة، وهي للمؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. وهذه الخاصة منها ما هو أخص كما في عبودية الرسول- ﷺ ، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. وعلى هذا ففي العبودية عموم مطلق الذي يشمل جميع من في السماوات والأرض، وعموم نسبي: وهو عموم عبودية المؤمنين، وإنه عام بالنسبة لعبودية الرسول- ﷺ ، خاص بالنسبة للعبودية المطلقة. ٨ - أن هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار إذا كانت نُزلا، وهو ما يقدم للضيف من الكرامة، فما بال بما يكون بعد هذا؟ لاشك أنه سيكون خيرا كثيرا. القرآن ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ [آل عمران: ١٩٩] التفسير: وإن بعضًا من أهل الكتاب لَيصدِّق بالله ربًّا واحدًا وإلهًا معبودًا، وبما أُنزِل إليكم من هذا القرآن، وبما أُنزِل إليهم من التوراة والإنجيل متذللين لله، خاضعين له، لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا من حطام الدنيا، ولا يكتمون

стр. 2665

ما أنزل الله، ولا يحرفونه كغيرهم من أهل الكتاب. أولئك لهم ثواب عظيم عنده يوم يلقونه، فيوفيهم إياه غير منقوص. إنَّ الله سريع الحساب، لا يعجزه إحصاء أعمالهم، ومحاسبتهم عليها. في سبب نزولها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في أصحمة النجاشي (١)، روى سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "اخرجوا فصلوا على أخ لكم. فصلى بنا، فكبر أربع تكبيرات، فقال: هذا النجاشي أصحمة، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على عِلْجٍ نصرَاني لم يره قط! فأنزل الله: ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله﴾ " (٢). وهو قول قتادة (٣)، وابن جريج في أحد قوليه (٤). والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن سلام ومن معه. وهذا قول ابن جريج في رواية أخرى (٥)، وروي عن ابن زيد نحو ذلك (٦). والثالث: أنها نزلت في أربعين من أهل نجران، وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى، فآمنوا بالنبي ﷺ ، قاله عطاء (٧). والرابع: أنها نزلت في مُسلمة أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وهذا قول مجاهد (٨)، ورجّحه الطبري (٩). والظاهر-والله أعلم- هو القول الأخير، لأن قوله تعالى: ﴿أهل الكتاب﴾، يعمّ أهل الكتاب جميعهم دون تخصيص. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، " أي: ومن اليهود والنصارى فريق يؤمنون بالله حق الإِيمان، ويؤمنون بما أنزل إليكم وهو القرآن وبما أنزل إِليهم وهو التوراة والإِنجيل" (١٠). قال الحسن: " هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد ﷺ ، الذين اتبعوا محمدا ﷺ " (١١). قال مجاهد: " من اليهود والنصارى، وهم مسلمة أهل الكتاب" (١٢). وقال مقاتل: " يعنى ابن سلام، يصدق بالله، ﴿وما أنزل إليكم﴾، يعني: أمة محمد- ﷺ من القرآن ﴿وما أنزل إليهم﴾، من التوراة، " (١٣). قوله تعالى: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، " أي: خاضعين متذللين لله" (١٤). قال مقاتل: " يعني: متواضعين لله" (١٥). قال ابن زيد: ": الخاشع، المتذلل لله الخائف" (١٦).

стр. 2666

قال الطبري: " يعني: خاضعين لله بالطاعة، مستكينين له بها متذلِّلين" (١). قال الزجاج: " أي من عند أهل الكتاب من يؤمن خاشعا لله" (٢). قال الراغب: " الخشوع: كالخضوع، لكن أكثر ما يقال في الخشوع ما اعتبر فيه حال القلب، والخضوع فيما اعتبر فيه حال الجوارح، وإن كان يستعمل كل واحد منهما في موضع الآخر" (٣). قوله تعالى: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٩٩]، "أي: لا يحرّفون نعت محمد ولا أحكام الشريعة الموجودة في كتبهم لعرضٍ من الدنيا خسيس" (٤). قال مقاتل: " يعني: لا يشترون بالقرآن، عرضا يسيرا من الدنيا كفعل اليهود بما أصابوا من سفلتهم من المأكل من الطعام والثمار عند الحصاد" (٥). قال الحسن: " الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها" (٦). قال ابن كثير: " أي: لا يكتمون ما بأيديهم من العلم، كما فعله الطائفة المرذولة منهم، بل يبذلون ذلك مجانا" (٧). قال الثعلبي: " يعني لا يحرفون كتبهم ولا يكتمون صفة محمد ﷺ لأجل المأكلة والرئاسة، كما فعلت رؤساء اليهود" (٨). قال الطبري: أي: " لا يحرِّفون ما أنزل إليهم في كتبه من نعت محمد ﷺ فيبدِّلونه، ولا غير ذلك من أحكامه وحججه فيه، لعَرَضٍ من الدنيا خسيس يُعطوْنه على ذلك التبديل، وابتغاء الرياسة على الجهال، ولكن ينقادون للحق، فيعملون بما أمرهم الله به فيما أنزل إليهم من كتبه، وينتهون عما نهاهم عنه فيها، ويؤثرون أمرَ الله تعالى على هَوَى أنفسهم" (٩). قال الزجاج: " وإنما ذكر هؤلاء لأن ذكر الذين كفروا جرى قبل ذكرهم فقال: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٨٧]، أخبر - جل وعز - بما حمل إليهود على الكفر، وأخبر بحال من آمن من أهل الكتاب وأنهم - صدقوا في حال خشوع ورغبة عن أن يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا" (١٠). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا﴾، قال: "لا يأخذ على تعليم القرآن أجرا، قال ابن أبي حاتم: يعني إذا احتسب بتعليم القرآن فلا يأخذ عليه أجرا، وفي بعض الكتب: يا ابن آدم علم مجانا كما علمت مجانا" (١١). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، "أي: هؤلاء المتصفون بحميد الصفات، وجليل الأعمال، لهم ثواب أعمالهم وأجر طاعتهم عند ربهم" (١٢). قال مقاتل: "يعني: مؤمني أهل التوراة ابن سلام وأصحابه، لهم جزاؤهم في الآخرة عند ربهم وهي الجنة" (١٣). قال الزمخشري: " أي: ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعدوه في قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤]، ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] " (١٤).

стр. 2667

وقد ثبت في الصحيحين، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة يُؤتَوْنَ أجرَهم مرتين" فذكر منهم: "ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي" (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، " أي: إن الله سريع حسابُه، لنفوذ علمه بجميع المعلومات، يعلم ما لكل واحدٍ من الثواب والعقاب" (٢). قال مجاهد: "يعني: سريع الإحصاء" (٣). قال البيضاوي: وذلك" لعلمه بالأعمال وما يستوجبه من الجزاء واستغنائه عن التأمل والاحتياط، والمراد أن الأجر الموعود سريع الوصول فإن سرعة الحساب تستدعي سرعة الجزاء" (٤). قال أبو حيان: " أي سريع الإتيان بيوم القيامة وهو يوم الحساب، والمعنى: أن أجرهم قريب إتيانه أو سريع حسابه لنفوذ علمه، فهو عالم بما لكل عامل من الأجر. وتقدم تفسير هذه الجملة مستوفى" (٥). قال الطبري: " وسرعة حسابه تعالى ذكره: أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم قبل أن يعملوها، وبعد ما عملوها، فلا حاجة به إلى إحصاء عدد ذلك، فيقع في الإحصاء إبطاء" (٦). قال السمرقندي: " أي شديد العقوبة، ويقال: سريع الحفظ والتعريف" (٧). قال الزمخشري: أي: " ﴿إن الله سريع الحساب﴾، لنفوذ عمله في كل شيء، فهو عالم بما يستوجبه كل عامل من الأجر، ويجوز أن يراد: إنما توعدون لآت قريب بعد ذكر الموعد" (٨). قال الراغب: " إن قيل: ما فائدة قوله: ﴿إن الله سريع الحساب﴾ ها هنا؟ قيل: الحساب إشارة إلى الثواب المجعول لهم في مقابلة فعلهم، وسقاه حسابا لقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وبين بقوله: ﴿سريع الحساب﴾، أن ذلك لا يتأخر عنهم، لما كانت النفس مولعة بحب العاجل، ونبه على أمرين: أحدهما: ما يجعل لهم في الدنيا المدلول عليه بقوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] " (٩). الثاني: أن المدعو به في الآخرة سريع وقوعه وإن كان في ظن الكافرين بطيئا حصوله" (١٠). قال الفخر: " والفائدة في كونه سريع الحساب، كونه عالما بجميع المعلومات، فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب" (١١). الفوائد: ١ - الثناء على يعض أهل الكتاب لقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، و ﴿من﴾، هنا للتبعيض، وهم قليل. ٢ - كمال عدل الله عز ّ وجل بإسناد الفضل إلى أهله، فإنه تعالى لما ذكر عقاب الكافرين وثواب المؤمنين، قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾، فأسند الفضل إلى أهله . ٣ - أن هؤلاء الذين يؤمنون بما انل الله على رسوله ﷺ مع إيمانهم بكتبهم إنما يفعلون ذلك تعظيما لله وذلا له، لا طلبا للدنيا، أو المدح أو ما أشبه ذلك، لقوله: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾. ٤ - بيان إخلاص هؤلاء إذ لم يؤمنوا بالله وما انزل إلينا من أجل الدنيا، فهم لايشترون بآيات الله ثمنا قليلا، فهم لايقصدون بإيمانهم شيئا من الدنيا أو جاها أو رئاسة أو رياء.

стр. 2668

٥ - أن لهؤلاء الذين أخلصوا من أهل الكتاب سوف يكون لهم الأجر والثواب من عند الله، وإن فاتهم ما يفوتهم من الدنيا بسبب إسلامهم، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. ٦ - بيان قدرة الله في سرعة حسابه، إذ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، وقد اورد بعض الصحابة على الرسول- ﷺ إشكالا في هذا المعنى وقال: كيف يحاسبنا في ساعة ونحن جمع-يعني كثير- فقال- ﷺ : "ألا أخبرك بشيء من آلاء الله يقرب لك هذا؟ "، وذكر له القمر (١). فالقمر مخلوق من وخلوقات الله، وكل الناس يرونه في ساعو واحدة لايضامون في رؤيته، فإذا كان في مخلوق من مخلوقات الله يضيء نوره على كل من رآه، ويشترك فيه العالم ما لايحصيه إلا الله، فما بالك بالخالق جلّ وعلا؟ ٧ - إثبات الحسان، وأن الإنسان سوف يحاسب على عمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ. القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠] التفسير: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه اصبروا على طاعة ربكم، وعلى ما ينزل بكم من ضر وبلاء، وصابروا أعداءكم حتى لا يكونوا أشد صبرًا منكم، وأقيموا على جهاد عدوي وعدوكم، وخافوا الله في جميع أحوالكم; رجاء أن تفوزوا برضاه في الدنيا والآخرة. في سبب نزول الآية: أخرج الحاكم، والطبري (٢)، والواحدي (٣)، من طريق مصعب بن ثابت حدثني داود بن صالح قال: "قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ الآية؟ قلت: لا، قال يا ابن أخي: إني سمعت أبا هريرة يقول: لم يكن في زمان رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه، ولكن انتظار الصلاة خلف الصلاة " (٤). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، أي: " يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله" (٥)، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم ﷺ من عند الله" (٦). قال ابن عباس: " ما في القرآن آية ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلا أن عليا شريفها وأميرها وسيدها، وما من أصحاب محمد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب فإنه لم يعاتب في شيء منه" (٧). وقال الأعمش عن خيثمة: " ما تقرأون من القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فإن في التوراة "يا أيها المساكين" (٨). وروي أن "رجلا أتى عبد الله ابن مسعود فقال: أعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٩). قوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، " أي: اصبروا على مشاقّ الطاعات وما يصيبكم من الشدائد" (١٠). قال محمد بن كعب القرظي، والزجاج (١١): أي: "اصبروا على دينكم" (١٢).

стр. 2669

قال الحسن: "أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم للإسلام، فلا ندعوا لسراء ولا لضراء، ولا لشدة ولا لرخاء حتى يموتوا مسلمين" (١). وفي رواية أخرى عن الحس: " اصبروا على المصائب" (٢). وفي رواية أخرى عن الحسن أيضا: " اصبروا على الصلوات" (٣). وروي عن أبي غسان نحوه (٤). وقال سعيد بن جبير وسفيان (٥): " يعني: على الفرائض" (٦). وقال الضحاك (٧)، ومقاتل بن سليمان: أي: " على أمر الله- وفرائضه" (٨). وقال قتادة: على "طاعة الله" (٩). وفي رواية ابن المنذر عن قتادة: " على دينكم" (١٠). وقال زيد بن أسلم: " اصبروا: على الجهاد" (١١). وفي رواية أخرى عن زين بن أسلم: " اصبروا على الخير" (١٢). وقال مقاتل بن حيان: " اصبروا على حق الله" (١٣). وقال الكلبي: "على البلاء" (١٤). وقال ابن عباس: "البلاء والجهاد" (١٥). وفي رواية ابن المنذر عن ابن عباس: "على طاعة الله" (١٦). وقال الزمخشري: " اصبروا على الدين وتكاليفه" (١٧). قال الثعلبي: " قالت الحكماء: الصبر ثلاثة أشياء: ترك الشكوى، وصدق الرضا، وقبول القضاء. وقيل: الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة" (١٨). قوله تعالى: ﴿وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، " أي: وغالبوا أعداء الله بالصبر على أهوال القتال وشدائد الحروب" (١٩). قال عطاء (٢٠)، ومحمد بن كعب القرظي: " صابروا الوعد الذي وعدتكم عليه" (٢١). وقال الحسن: " أمروا أن يصبروا عن الكفار، حتى يكون في الكفار الذين يملون دينهم" (٢٢). قال زيد بن أسلم: " صابروا عدوكم" (٢٣).

стр. 2670

وقال ابن عباس: "أعداء الله" (١)، وكذا نسبه ابن الجوزي إلى ابن عباس والجمهور (٢). قال سعيد بن جبير: " يعني: مع النبي ﷺ في الموطن" (٣). وذكر مقاتل بن سليمان مثله (٤). قال قتادة: " صابروا أهل الضلالة" (٥). قال سفيان: "صابروا على العدو، فلا تكونوا أجزع منهم " (٦). قال الزجاج: " أي: عدوّكم" (٧). قال الثعلبي: يعني الكفار، قاله أكثر المفسرين" (٨). وقال الحسن: " وصابروا على الصلوات" (٩). وفي رواية اخرى عن الحسن: " صابروا على دينكم" (١٠). قال الزمخشري: أي: "وصابروا أعداء الله في الجهاد، أى غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقل صبرا منهم وثباتا. والمصابرة: باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه، تخصيصا لشدته وصعوبته" (١١). قوله تعالى: ﴿وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، " أي: ولازموا ثغوركم مستعدين للكفاح والغزو" (١٢). قال محمد بن كعب القرظي: " رابطوا عدوي وعدوكم حتى يترك دينه لدينكم" (١٣). وفي رواية أخرى عن القرظي: " ﴿ورابطوا﴾ قال: الذي يقعد بعد الصلاة" (١٤). أي: انتظار الصلاة بعد الصلاة، ونسب ابن كثير هذا القول إلى مجاهد وابن عباس، وسهل بن حُنيف (١٥). قال الحسن: " أمروا أن يرابطوا المشركين" (١٦). وروي عن قتادة نحو ذلك (١٧)، ونسب هذا ابن الجوزي هذا القول إلى ابن عباس (١٨). قال مقاتل بن سليمان: أي: " ﴿ورابطوا﴾ العدو في سبيل الله حتى يدعوا دينهم لدينكم" (١٩). وقال مقاتل بن حيان: " ورابطوا: مع النبي ﷺ العدو" (٢٠). قال الزجاج: أي: " أقيموا على جهاد عدوكم بالحرب والحجة" (٢١). وقال سعيد بن جبير: " يعني: فيما أمركم ونهاكم" (٢٢). وقال زيد بن أسلم: " رابطوا على دينكم: (٢٣). وروي عن الحسن مثله (٢٤).

стр. 2671

وقال ابن كثير: " وأما المرابطة: فهي المداومة في مكان العبادة والثبات" (١). وقال الزمخشري: " وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها، مترصدين مستعدين للغزو. قال الله : ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] " (٢). قال الثعلبي: " يعني المشركين، وأصل الرباط: أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم، ثم قيل ذلك لكل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه وإن لم يكن له مركب، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا حامد الخازرنجي يقول: المرابطة: اعتقال المبارزين في الحرب، وأصل الربط الشد، ومنه قيل للخيل: الرباط، ويقال: فلان رابط الجأش، أي قوي القلب. قال لبيد (٣): رابط الجأش على كل وجل" (٤). قال أبو عبيدة: " أي: اثبتوا ودوموا، قال الأخطل (٥): ما زال فينا رباط الخيل معلمة ... وفى كليب رباط اللّوم والعار" (٦) نستنتج بأنه قد اختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿أصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] على أربعة أقوال: أحدها: اصبروا على طاعة الله، وصابروا أعداء الله، ورابطوا في سبيل الله، وهو قول الحسن (٧)، ومجاهد (٨)، وقتادة (٩)، وابن جريج (١٠)، والضحاك (١١). والثاني: اصبروا على دينكم، وصابروا الوعد الذي وعدتكم، ورابطوا عدوِّي وعدوَّكم، حتى يترك دينه لدينكم. وهو قول محمد بن كعب (١٢). والثالث: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوَّكم، ورابطوا على عدوكم. وهذا قول زيد بن أسلم (١٣).

стр. 2672

والرابع: أن معنى ﴿رابطوا﴾، أي: رابطوا على الصلوات بانتظارها واحدة بعد واحدة. قاله أبو هريرة-﵁ (١)، ونسبه الطبري إلى أبي سلمة بن عبدالرحمن (٢)، وروي عن يحيى بن سعيد بن المسيب نحو ذلك (٣). روي عن عبد الرحمان بن يعقوب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" (٤). والراجح من الأقوال السابقة-والله أعلم-، أن معنى ﴿اصبروا﴾، أي: " اصبروا على دينكم وطاعة ربكم، فأمر الله بالصبر على جميع معاني طاعته فيما أمر ونهى، صعبها وشديدها، وسهلها وخفيفها، لأن الله لم يخصص من معاني الصبر على الدين والطاعة شيئًا، فيجوز إخراجه من ظاهر التنزيل. وقوله: ﴿وصابروا﴾، يعني: وصابروا أعداءكم من المشركين، لأن وزن الفعل من "المفاعلة"، وهي في كلام العرب تفيد المشاركة بين اثنين فصاعدا، ولا تكون من واحد إلا قليلا في أحرف معدودة، وبالتالي فإن الله أمر المؤمنون أن يصابروا غيرهم من أعدائهم، حتى يظفرهم الله بهم، ويعلي كلمته، ويخزي أعداءهم، وأن لا يكون عدوُّهم أصبر منهم. وأما قوله تعالى: ﴿ورابطوا﴾، أي: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشرك، في سبيل الله، لأن أصل "الرباط "، ارتباط الخيل للعدوّ، كما ارتبط عدوهم لهم خيلهم، ثم استعمل ذلك في كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه من أراده من أعدائهم بسوء، ويحمي عنهم من بينه وبينهم ممن بغاهم بشر، كان ذا خيل قد ارتبطها، أو ذا رَجْلة لا مركب له، فهذا هو المعنى المعروف من معاني الرباط، وإنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى تأتي بخلاف ذلك مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه حجة يجب التسليم لها من كتاب، أو خبر عن الرسول ﷺ ، أو إجماع من أهل التأويل (٥). قال ابن عطية: " والقول الصحيح هو أن (الرباط) هو الملازمة في سبيل الله، أصلها من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطا، فارسا كان أو راجلا، واللفظة مأخوذة من الربط، وقول النبي ﷺ : «فذلك الرباط» (٦) إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، إذ انتظار الصلاة إنما هو سبيل من السبل المنجية، والرباط اللغوي: هو الأول، وهذا كقوله: ليس الشديد بالسرعة، كقوله: ليس المسكين بهذا الطواف إلى غير ذلك من الأمثلة، والمرابط في سبيل الله عند الفقهاء: هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، قاله ابن المواز ورواه، فأما سكان الثغور دائما بأهليهم الذين يعتمرون ويكتسبون هنالك، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين " (٧). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، " أي: وخافوا الله فلا تخالفوا أمره لتفوزوا بسعادة الدارين" (٨). قال مقاتل: أي: "ولا تعصوا، ومن يفعل ذلك فقد أفلح" (٩). قال محمد بن كعب القرظي: " ﴿واتقوا الله﴾ فيما بيني وبينكم، ﴿لعلكم تفلحون﴾ غدًا إذا لقيتموني" (١٠). قال الطبري: أي: " واتقوا الله، أيها المؤمنون، واحذروه أن تخالفوا أمره أو تتقدموا نهيه، لتفلحوا فتبقوا في نعيم الأبد، وتنجحوا في طلباتكم عنده" (١١). قال ابن كثير: " أي: في جميع أموركم وأحوالكم، كما قال النبي ﷺ لمعاذ [بن جبل] (٢) ﵁ حين بعثه إلى اليمن: «اتَّق الله حَيْثُما كُنْتَ وأتْبع السيئَة الحسنة تَمْحُها وخالق الناس بخُلق حَسَنٍ» (١٢). ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة" (١٣). قال الزجاج: أي: " ﴿واتقوا الله﴾ في كل ما أمركم به، ونهاكم عنه، لتكونوا على رجاء فلاح - وإنما قيل لهم ﴿لعلكم تفلحون﴾: أي لعلكم تسلمون من أعمال تبطل أعمالكم هذه، فأما المؤمنون الذين وصفهم الله جل ثناؤه فقد أفلحوا، قال الله جل وعز: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، إلى آخر وصف المؤمنين، فهؤلاء قد أفلحوا لا محالة وإنما يكون الترجي مع عمل يتوهم أنه بعض من العمل الصالح" (١٤). قال ابن عطية: " ثم ختم الله تعالى السورة بهذه الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على الأعداء، والفوز بنعيم الآخرة، فحض على الصبر على الطاعات وعن الشهوات، وأمر بالمصابرة، فقيل: معناه مصابرة الأعداء، وقوله ﴿ورابطوا﴾: قال جمهور الأمة معناه: رابطوا أعداءكم الخيل، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، ومنه قوله : ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] " (١٥). الفوائد: ١ - فضيلة الإيمان، وأن أهل الإيمان هم أجدر الناس بتوجيه الخطاب إليهم، لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ٢ - أن ينبغي للإنسان أن يأتي في أسلوبه يما يحمل الإنسان على فعل ما طلب منه أو ترك ما نهي عنه، لقوله: ﴿﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾. ٣ - الحثّ على الصبر بل الأمر بالصبر، لقوله: ﴿اصْبِرُوا﴾، وهو في الحقيقة مشترك، قد يكون واجبا وهو الصبر على الواجب وترك المحرم وعلى الأقدار المؤلمة، وقد يكون الصبر مستحبا وهو الصبر على المستحبات أو على ترك المكروهات، فإن الصبر فيها أكمل وأفضل. ٤ - الأمر بالمصابرة، وأن الإنسان يصابر من يضاده ويعد له، فإن العاقبة ستكون له عليه إذا صابره امتثالا لأمر الله ورجاء لثوابه، وتحسبا للعاقبة الحميدة التي تكون فيها الدائرة على من ضاده. ٥ - الأمر بالمرابطة، والمرابطة إن كانت على واجب فهي واجبة، وإن كانت على مستحب فهي مستحبة. ٦ - الأمر بالتقوى، والتقوى واجبة، لأنها اتقاء الوقوع في المحرم إما بترك الواجب وإما بفعل المحرم. ٧ - النتائج الحميدة لمن قام بأوامر الله من الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى، وهي-أي العاقبة الحميدة- الفلاح، لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ------------------------------------------------------ انتهى المجلد السادس من التفسير بحمد الله تعالى، ويليه المجلد السابع بإذن الله تعالى وبدايته تفسير الآية (١) من سورة النساء.

стр. 2673

الموضوع ... الصفحة ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)

стр. 2674

أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧) لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ

стр. 2675

وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)

стр. 2676

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ

стр. 2677

(٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١) لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي

стр. 2678

الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)

стр. 2679

هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

стр. 2680

الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨) وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)

стр. 2681

ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾

стр. 2682

الكِفاية في التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية تأليف الفقير إلى رحمة ربه د. عبدالله خضر حمد الجزء السابع سورة النساء الآية (١ - ١٧٦) الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م

стр. 2683

حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم الرقم الدولي (ISBN): ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥ الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م الناشر: دار القلم بيروت - لبنان

стр. 2684

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

стр. 2685

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة النساء سورة النساء هي الرابعة في ترتيب المصحف، فقد سبقتها سورة الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، وعدد آياتها: مائة وخمس وسبعون، فى عدّ الكوفىّ، وستّ فى عدِّ البصرىّ، وسبع فى عدّ الشَّامىّ، وكلماتها: ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأَربعون، وحروفها: ستَّة عشر أَلفاً وثلاثون حرفاً. والآيات المختلف فيه منهما آيتان (١): إحداهما: ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيل﴾ [النسا: ٤٤]. وثانيتهما: ﴿عَذَابًا أَلِيْمًا﴾ [النساء: ١٧٣]. فالكوفيون يثبتون الأولى آية فقط، والشاميون يثبتون الثانية أيضا، وأما علماء الحجاز والبصريون فيرون أن ما ذكره الكوفيون والشاميون إنما هو جزء من آية وليس آية كاملة. ومجموع فواصل الآيات: «م، ل، ان»، يجمعها قولك: «مِلْنَا»، فعلى اللاَّم آية واحدة: ﴿السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤]، وعلى النُّون آية واحدة: ﴿مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤]، وخمس آيات منها على «الميم» المضمومة، وهي: الآيات: [١٢، ١٣، ٢٥، ٢٦، ١٧٦]، وسائر الآيات على «الأَلف». أسماء السورة: ١ - سورة النساء عرفت السورة بـ «سورة النساء»، وهو اسم توقيفي عنونت به في المصاحف وكتب التفسير والسنة، وقد عن رسول الله- ﷺ تسميتها بهذا الاسم، فقد روي أنه قال لعمر-﵁ لما كررر السؤال عن الكلالة: : «تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء» (٢). وعن أبي مليكة أنه سمع ابن عباس-﵁ يقول: "سلوني عن سورة النساء، فغني قرأت القرآن وانا صغير" (٣). وعن ابن عباس أيضا: "من قرأ سورة النساء فعلم ما يحجب مما لا يحجب علم الفرائض" (٤). كما جاءت في ملام بعض الصحابة رضوان الله عليهم كعائشة وابن عباس، فقد أخرج البخاري عن عائشة-: "ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عنده" (٥). وسورة «النساء» سميت بهذا الاسم، لأن ما نزل منها في أحكام النساء أكثر مما نزل في غيرها. ٢ - سورة النساء الطولى أو الكبرى ويطلق عليها اسم «سورة النساء الكبرى»، تمييزا لها عن سورة أخرى عرضت لبعض شئون النساء، وهي: «سورة الطلاق» التي كثيرا ما يطلق عليها اسم «سورة النساء الصغرى» (٦). وفي صحيح البخاري عن عبدالله بن مسعود: "أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى" (٧).

стр. 2686

مكان نزول السورة: إن هذه السّورة مدنيّة بإِجماع القُرَّاءِ (١)، وكان نزولها بعد سورة الممتحنة، وفي مكان نزولها أقوال: أحدها: أنها مكية، رواه عطية عن ابن عباس (٢)، وهو قول الحسن (٣)، ومجاهد (٤)، وجابر بن زيد (٥)، وقتادة (٦)، واختاره النحاس (٧)، والسمرقندي (٨). والثاني: أنها مدنية، رواه عطاء عن ابن عباس (٩)، وهو قول مقاتل (١٠). قال الطنطاوي: " والحق، أن الذي يقرأ سورة النساء من أولها إلى آخرها بتدبر وإمعان، يرى في أسلوبها وموضوعاتها سمات القرآن المدني. فهي زاخرة بالحديث عن الأحكام الشرعية: من عبادات ومعاملات وحدود. وعن علاقة المسلمين ببعضهم وبغيرهم. وعن أحوال أهل الكتاب والمنافقين، وعن الجهاد في سبيل الله. إلى غير ذلك من الموضوعات التي يكثر ورودها في القرآن المدني" (١١). والثالث: وقيل: إنها مدنية، إلا آية نزلت بمكة في عثمان بن طلحة حين أراد النبي ﷺ أن يأخذ منه مفاتيح الكعبة، فيسلمها إلى العباس، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. ذكره الماوردي (١٢)، وابن عطية (١٣). واختاره القرطبي، وقال: "هي مدنية إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] " (١٤). والرابع: أنها مدنية إلا آية واحدة، وهي آية الكلالة (١٥)، وهذا القول منسوب للطبرسي (١٦). والخامس: وقيل: أنها مدنية إلا آيتين (١٧): الآولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، نزلت على النبي ﷺ في الطواف في شأن مفتاح الكعبة ليرده إلى بني شيبة (١٨). والثانية: قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٢٧]، نزلت بمكة في سؤال جابر بن عبد الله الأنصاري (١٩).

стр. 2687

والراجح أنها مدنية، فقد روي عن عائشة أنها قالت: "ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عنده" (١). تقصد عند رسول الله ﷺ ، قال القرطبي: "تعني قد بنى بها، ولا خلاف بين العلماء أن النبي ﷺ إنما بنى بعائشة بالمدينة، ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها، وأما من قال: إن قوله: ﴿يا أيها الناس﴾، مكي حيث وقع، فليس بصحيح، فإن البقرة مدنية وفيها قوله: ﴿يا أيها الناس﴾ في موضعين (٢)، وقد تقدّم. والله أعلم" (٣). مقاصد السورة: سورة النساء تعتبر أطول سورة مدنية بعد سورة البقرة. وإنك لتقرؤها بتدبر وتفهم فتراها قد اشتملت على مقاصد عالية، وآداب سامية. وتوجيهات حكيمة، وتشريعات جليلة، وفيما يأتي مجمل ما اشتملت عليه سورة النساء (٤): أولا: -بيان خلقة آدم وحواء، والأمر بصلة الرحم، والنهى عن أكل مال اليتيم وما يترتب عليه من عظم الإثم والعذاب لآكليه، وبيان المناكحات، وعدد النساء وحكم الصداق، وحفظ المال من السفهاء، وتجربة اليتيم قبل دفع المال إليه، والرفق بالأقارب وقت قسمة الميراث، وحكم ميراث أصحاب الفروض وذكر ذوات المحارم وبيان طول الحرة، وجواز التزوج بالأمة واجتناب الكبائر، وفضل الرجال على النساء، وبيان الحقوق، وحكم السكران وقت الصلاة. وآية التيمم. ثانيا: - ذم اليهود وتحريفهم التوراة، ورد الأمانات إلى أهلها. في الآيات [١ - ٥٨]، وصفة المنافقين فى امتناعهم عن قبول أوامر القرآن. في الآيات: [٦٠ - ٦٨]. ثالثا: -الأمر بالقتال. في الآيات: [٧١ - ٨٥]. رابعا: - وجوب رد السلام والنهى عن موالاة المشركين، وتفصيل قتل العمد والخطأ. في الآيات: [٨٦ - ٩٣]. خامسا: - فضل الهجرة ووزر المتأخرين عنها، والإشارة إلى صلاة الخوف حال القتال. في الآيات: [٩٤ - ١٠٣]. سادسا: -النهى عن حماية الخائنين، وإيقاع الصلح بين الأزواج والزوجات وإقامة الشهادات، ومدح العدل في الآيات: [١٠٤ - ١٣٥]. سابعا: - ذم المنافقين. وذم اليهود، وذكر قصدهم من قتل عيسى- ﵇ في الآيات: [١٣٦ - ١٦١]. ثامنا: - فضل الراسخين فى العلم وإظهار فساد اعتقاد النصارى وافتخار الملائكة والمسيح بمقام العبودية، وذكر ميراث الكلالة. في الآيات: [١٦٢ - ١٧٦]. وجوه المناسبة بين سورة النساء والتي قبلها: ومن وجوه المناسبة بين هذه السورة وبين سورة "آل عمران" التي قبلها (٥): أولا: أن سورة "آل عمران" اختتمت بالأمر بالتقوى في قوله- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وسورة "النساء" افتتحت بالأمر بالتقوى، قال- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]. قال الآلوسي: "وذلك من آكد وجوه المناسبات في ترتيب السور، وهو نوع من أنواع البديع يسمى في الشعر تشابه الأطراف، وقوم يسمونه بالتسبيغ (٦)، وذلك كقول ليلى الأخيلية (٧): إذا نزل الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها

стр. 2688

شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة رواها رواها فأرواها بشرب سجالها ... دماء رجال حيث نال حشاها" (١). ثانيا: ومن وجوه المناسبة كذلك: أن في "آل عمران" ذكر قصة "أحد" مستوفاة، وفي هذه السورة ذكر ذيلها، وهو قوله تعالى: ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]، فإنه نزل فيما يتعلق بتلك الغزوة على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى مرويا عن البخاري ومسلم وغيرهما. ثالثا: ومنها: أن في "آل عمران" ذكر الغزوة التي بعد "أحد"، كما أشرنا إليه في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢] إلخ، وأشير إليها هاهنا بقوله سبحانه: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: ١٠٤] الآية. رابعا: ومنها: أن في كلتا السورتين محاجة لأهل الكتاب، وبيانا لأحوال المنافقين، وتفصيلا لأحكام القتال (٢). وبذلك يظهر أن تأخير سورة "النساء" عن "آل عمران" أنسب من تقديمها عليها كما في مصحف ابن مسعود، لأن المذكور هنا ذيل لما ذكر هناك وتابع، فكان الأنسب فيه التأخير (٣). قال الآلوسي: "ومن أمعن نظره وجد كثيرا مما ذكر في هذه السورة مفصلا لما ذكر فيما قبلها، فحينئذ يظهر مزيد الارتباط وغاية الاحتباك" (٤). فضائل السورة ورد في فضل هذه السورة مجموعة من الاخبار: أحدها: - أن سورة "النساء" هي من السَّبع الطُّوال التي ورد في فضلها أحاديثُ عن النبي ﷺ عظيمةٌ؛ فعن عائشةَ ﵂، عن رسول الله ﷺ ، قال: "من أخذ السَّبعَ الأُوَلَ من القرآن، فهو حَبْرٌ" (٥). وعن عبدالله بن مسعود-﵁: "من قرآ آل عمران فهو الغني، والنساء محبرة" (٦). والثاني: - وقد ورد حديث في فضل آيية من هذه السورة في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. عن عبد الله بن مسعود قال: "قال لي ﷺ : «اقرأ علي»، قلت: يا رسول الله، آقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري" فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ قال: «حسبك الآن»، فإذا عيناه تذرفان" (٧).

стр. 2689

والثالث: -عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: " في خمس آيات من سورة النساء: لَهُنَّ أحب إليَّ من الدنيا جميعًا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [سورة النساء: ٤٠]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء: ٤٨، ١١٦]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [سورة النساء: ١١٠]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٥٢] " (١). والرابع: - عن ابن عباس قال: "ثمانِ آيات نزلت في سورة النساء، هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أولاهن: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة النساء: ٢٦]، والثانية: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ٢٧]، والثالثة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [سورة النساء: ٢٨]، ثم ذكر مثل قول ابن مسعود سواء، وزاد فيه: ثم أقبل يفسرها في آخر الآية: وكان الله للذين عملوا الذنوب غفورًا رحيمًا" (١). هذا ما تيسر من التمهيد للسورة، ولعلنا بذلك- أخى القارئ- نكون قد قدمنا لك تعريفا لهذه السورة يعينك على تفهم أسرارها، ومقاصدها. وتوجيهاتها قبل أن نبدأ في تفسير آياتها بالتفصيل والتحليل، والله نسأل أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه وأن يجنبنا فتنة القول والعمل. وأن يجعل أعمالنا وأقوالنا ونوايانا خالصة لوجهه الكريم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2690

القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] التفسير: يا أيها الناس خافوا الله والتزموا أوامره، واجتنبوا نواهيه; فهو الذي خلقكم من نفس واحدة هي آدم ﵇، وخلق منها زوجها وهي حواء، ونشر منهما في أنحاء الأرض رجالا كثيرًا ونساء كثيرات، وراقبوا الله الذي يَسْأل به بعضكم بعضًا، واحذروا أن تقطعوا أرحامكم. إن الله مراقب لجميع أحوالكم. قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]، أي: يا أيها الناس" خافوا الله الذي أنشأكم من أصلٍ واحد وهو نفس أبيكم آدم" (١). قال البيضاوي: " خطاب يعم بني آدم، أي خلقكم من شخص واحد " (٢). قال الزمخشري: أي: " يا بنى آدم فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم" (٣). قال مقاتل: " يخوفهم يقول: اخشوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، يعنى: آدم" (٤). وعن مقاتل بن حيان قوله: ﴿اتقوا ربكم﴾: واعبدوه" (٥). عن ابن عباس: " ﴿يا أيها الناس﴾، أي: للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين" (٦). قال السدي: " أما خلقكم من نفس واحدة، فمن آدم ﷺ " (٧)، وروي عن مجاهد وأبي مالك، وقتادة ومقاتل نحو ذلك (٨). فذكر عامة المفسرين أنه عنى بالنفس آدم، ﴿وزوجها﴾: حواء، في حين ذكر بعضهم أنه عنى بالنفس الروح المذكورة في قوله ﷺ : "إن الله خلق الأرواح قبل الأجسام بكذا سنة» (٩) " (١٠). قال الراغب: " أدنى منازل التقوى اجتناب الكفر، وأعلاها أن لا تراعي من الدنيا والآخرة سوى الله" (١١). قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]، " أي: وأوجد من تلك النفس الواحدة زوجها وهي حواء" (١٢). قال البيضاوي: أي: وخلق منه أمكم حواء من ضلع من أضلاعه" (١٣). قال مجاهد: "حواء من قصير آدم وهو نائم، فاستيقظ، فقال: أثا، بالنبطية، أي امرأة" (١٤)، وروي عن السدي وقتادة ومقاتل بن حيان أنها: "حواء" (١٥).

стр. 2691

قال الضحاك: " خلق حواء من آدم، من ضلع الخلف، وهو من أسفل الأضلاع" (١). قال مقاتل: " يعني من نفس آدم من ضلعه حواء" (٢). قال ابن عباس: " خلقت المرأة من الرجل، فجعل نهمتها في الرجال، وخلق الرجل من الأرض، فجعل نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم" (٣). قال الراغب: " وقال بعضهم: نبه بقوله: ﴿وخلق منها زوجها﴾، أن المرأة بعض من الرجل، تنبيها على نقصانها وكماله، وقد نبه ﷺ بقوله ذلك أنها مخلوقة خلقة معوجة، لا ينتفع بها إلا كذلك، فلا يهمنك تنقيتها، وعلى ذلك قال ﷺ : «إن المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن أردت أن تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها» (٤)، وبهذا النظر قيل: أخس صفات الرجل الشح والجبن، وهما أشرف صفات المرأة" (٥). قوله تعالى ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]، " أي: ونشر وفرّق من آدم وحواء خلائق كثيرين ذكوراً وإِناثاً" (٦). قال مقاتل بن حيان: " قوله: ﴿وبثّ منهما﴾: من آدم وحواء، يقول: خلق منهما رجالا كثيرا ونساء" (٧). قال السدي: " ﴿بثّ﴾: خلق" (٨)، وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (٩). قال البيضاوي: " واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها، إذ الحكمة تقتضي أن يكن أكثر، وذكر كثيرا حملا على الجمع وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى، والنعمة الباهرة التي توجب طاعة موليها، أو لأن المراد به تمهيد الأمر بالتقوى فيما يتصل بحقوق أهل منزله وبني جنسه على ما دلت عليه الآيات التي بعدها" (١٠). وقرئ «وخالق» «وباث» على حذف مبتدأ تقديره وهو خالق وباث (١١). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، "أي: وخافوا الله الذي يناشد بعضكم بعضاً به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها" (١٢). قال السدي: " يقول: اتقوا الله، واتقوا الأرحام لا تقطعوها" (١٣). قال إبراهيم: " اتقوا الله الذي تعاطفون به والأرحام. يقول: الرجل يسأل بالله وبالرَّحم" (١٤). قال ابن عباس: " ﴿اتقوا الله الذي تساءلون به﴾، واتقوا الأرحام وصلوها" (١٥)، وروي عن الضحاك مثله (١٦). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن مقاتل بن حيان وعكرمة قالا: لا تقطعوها" (١٧).

стр. 2692

وأخرج الطبري عن ابن زيد: " واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [سورة الرعد: ٢١] " (١). قال مقاتل: " يقول: تسألون بالله بعضكم ببعض الحقوق والحوائج، واتقوا الأرحام أن تقطعوها وصلوها" (٢). عن مجاهد قوله: " ﴿واتقوا الله الذي تسائلون به﴾، قال: يقول أسألك بالله وبالرحم" (٣). وروي عن إبراهيم النخعي، وعكرمة نحو ذلك (٤). وقال الضحاك: "يقول: اتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به" (٥). وروي عن الربيع نحو ذلك (٦). عن السري بن يحيى قال: "تلا الحسن هذه الآية: ﴿واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام﴾: فإذا سئلت بالله فأعط، وإذا سئلت بالرحم فأعط يعني: الرحم التي بينك وبينه" (٧). عن الربيع في قوله: " ﴿اتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام﴾، قال: الذي تعهدون وتعتقدون به" (٨). عن سعيد بن جبير في قوله: " ﴿اتقوا الله﴾، يعني: المؤمنين يحذرهم" (٩). نستنتج من الأقوال السابقة أن في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، وجهان: أحدهما: أن معنى قوله ﴿تساءلون به﴾، هو قولهم: أسألك بالله وبالرحم، وهذا قول مجاهد (١٠)، وإبراهيم (١١)، والحسن (١٢)، وعكرمة في أحد قوليه (١٣). وتقويه قراءة حمزة: ﴿والأرحام﴾، بالكسر، على هذا المعنى (١٤). والثاني: أنه أراد بقوله: ﴿والأرحام﴾، أي: صِلُوها ولا تقطعوها، وهو ابن عباس (١٥)، وقتادة (١٦)، والضحاك (١٧)، والسدي (١٨)، وابن زيد (١٩)، والربيع (٢٠)، وعكرمة (٢١)، ومقاتل بن حيان (٢٢). قال الماوردي: " لأن الله تعالى قصد بأول السورة حين أخبرهم أنهم من نفس واحدة أن يتواصلوا ويعلموا أنهم إخوة وإن بعدوا" (٢٣). وقرئ: ﴿تسلون به﴾، مهموز أو غير مهموز، وقرئ ﴿تسألون به﴾، وخففه أهل الكوفة على حذف إحدى التائين تخفيفا كقوله: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا﴾ [المائدة: ٢]، ونحوها (٢٤).

стр. 2693

وقرئ: ﴿والأرحامُ﴾ بالحركات الثلاث، وقراءة العامة بالنصب، أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ حمزة بالخفض، أي: به وبالأرحام كما يقال: سألتك بالله والأرحام، والقراءة الأولى أفصح لأن العرب لا تكاد تنسق بظاهر على مكنى، إلا أن تعيد الخافض فتقول: مررت به وبزيد، إلا أنه جائز مع قلته (١). قال البيضاوي: " وقد نبه إذ قرن الأرحام باسمه الكريم على أن صلتها بمكان منه" (٢). وعن عائشة-﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله" (٣). قال الزمحشري: " وسئل ابن عيينة عن قوله ﵊ «تخيروا لنطفكم» (٤)، فقال: يقول لأولادكم، وذلك أن يضع ولده في الحلال، ألم تسمع قوله تعالى ﴿واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام﴾، وأول صلته أن يختار له الموضع الحلال، فلا يقطع رحمه ولا نسبه فإنما للعاهر الحجر، ثم يختار الصحة ويجتنب الدعوة، ولا يضعه موضع سوء يتبع شهوته وهواه بغير هدى من الله" (٥). قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، أي: " إن الله مراقب لجميع أحوالكم" (٦). قال البيضاوي: أي: " حافظا مطلعا" (٧). قال مقاتل: " يعنى: حفيظا لأعمالكم" (٨). قال الواحيد: " أَيْ: حافظاً يرقب عليكم أعمالكم فاتَّقوه فيما أمركم به ونهاكم عنه" (٩). قال الطبري: أي: " إنّ الله لم يزل عليكم رقيبًا، ويعني بقوله: ﴿رقيبًا﴾، حفيظًا، مُحصيًا عليكم أعمالكم، متفقدًا رعايتكم حرمةَ أرحامكم وصلتكم إياها، وقطعكموها وتضييعكم حرمتها" (١٠). قال أبو السعود: " أي مراقبا وهي صيغة مبالغة من رقب يرقب رقبا إذا أحد النظر لأمر يريد تحقيقه أي حافظا مطلعا على جميع ما يصدر عنكم من الأفعال والأقوال وعلى ما في ضمائركم من النيات مريدا لمجازاتكم بذلك وهو تعليل للأمر ووجوب الامتثال به وإظهار الاسم الجليل لتأكيده وتقديم الجار والمجرور لرعاية الفواصل" (١١). قال القاسمي: " أي: مراقبا لجميع أحوالكم وأعمالكم. يراها ويعلمها فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. كما قال: والله على كل شيء شهيد، وفي الحديث: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (١٢) " (١٣). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، قولان: أحدهما: معناه: " حفيظا". قاله مجاهد (١٤)، وروي عن قتادة، ومقاتل ابن حيان والثوري نحو ذلك (١٥). والثاني: معناه: عليما، قال ابن زيد في قوله: " ﴿إن الله كان عليكم رقيبًا﴾، على أعمالكم، يعلمها ويعرفها" (١٦). قال الراغب: " وكلاهما صحيح، فحافظ الشيء يقتضي أن يكون عالما به ليمكنه أن يحفظه، وبين بقوله: ﴿كان عليكم رقيبا﴾، أنه قبل أن خلقكم وأوجدكم كان مراعيا لكم، تنبيها أنه لا يخفى عليه أمركم في كل حال" (١٧).

стр. 2694

الفوائد: ١ - افتتح تعالى هذه السورة بالأمر بتقواه، والحث على عبادته، والأمر بصلة الأرحام، والحث على ذلك. وبين السبب الداعي الموجب لكل من ذلك، وأن الموجب لتقواه (١). ٢ - أهمية الأمر بتقوى الله تعالى إذا كررت في آية واحدة مرتين في أولها وفي آخرها. ٣ - وجوب صلة الأرحام وحرمة قطعها. ٤ - مراعاة الأخوة البشرية بين الناس واعتبارها في المعاملات. ٥ - وفي الإخبار بأنه خلقهم من نفس واحدة، وأنه بثهم في أقطار الأرض، مع رجوعهم إلى أصل واحد -ليعطف بعضهم على بعض، ويرقق بعضهم على بعض، وقرن الأمر بتقواه بالأمر ببر الأرحام والنهي عن قطيعتها، ليؤكد هذا الحق، وأنه كما يلزم القيام بحق الله، كذلك يجب القيام بحقوق الخلق، خصوصا الأقربين منهم، بل القيام بحقوقهم هو من حق الله الذي أمر به" (٢). ٦ - في قوله: ﴿وخلق منها زوجها﴾ تنبيه على مراعاة حق الأزواج والزوجات والقيام به، لكون الزوجات مخلوقات من الأزواج، فبينهم وبينهن أقرب نسب وأشد اتصال، وأقرب علاقة" (٣). ٧ - إثبات اسمه تعالى «الرقيب»، أي: " الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء" (٤). قال السعدي: «الرقيب»، أي: "مطلع على العباد في حال حركاتهم وسكونهم، وسرهم وعلنهم، وجميع أحوالهم، مراقبا لهم فيها مما يوجب مراقبته، وشدة الحياء منه، بلزوم تقواه" (٥). القرآن ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ [النساء: ٢] التفسير: وأعطوا مَن مات آباؤهم وهم دون البلوغ، -وكنتم عليهم أوصياء- أموالهم إذا وصلوا سن البلوغ، ورأيتم منهم قدرة على حفظ أموالهم، ولا تأخذوا الجيِّد من أموالهم، وتجعلوا مكانه الرديء من أموالكم، ولا تخلطوا أموالهم بأموالكم; لتحتالوا بذلك على أكل أموالهم. إن من تجرأ على ذلك فقد ارتكب إثمًا عظيمًا.

стр. 2695

في سبب نزول الآية ثلاثة وجوه: أحدها: أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن جبير: " أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم، طلب ماله، فمنعه عمه، فخاصمه إلى النبي ﷺ ونزلت: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾، يعني: الأوصياء يقول: أعطوا اليتامى أموالهم" (١). قال ابن أبي حاتم: " وروي عن مقاتل بن حيان قال: الأولياء والأوصياء" (٢). وفي السياق نفسه قال مقاتل (٣)، والكلبي (٤): " نزلت في رجل من غطفان، يقال له المنذر بن رفاعة، كان معه مال كبير ليتيم وهو ابن أخيه، فلما بلغ طلب ماله، فمنعه فخاصمه إلى النبي- ﷺ فأمر، أن يرد عليه ماله، وقرأ عليه الآية. فلما سمعها قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، ونعوذ بالله من الحوب الكبير. فدفع إليه ماله فقال النبي- ﷺ : «هكذا من يطع ربه- ويوق شح نفسه فإنه يحل داره» يعني جنته. فلما قبض الفتن ماله أنفقه فى سبيل الله، قال النبي- ﷺ : «ثبت الأجر وبقي الوزر». فقالوا للنبي- ﷺ : «قد عرفنا ثبت الأجر فكيف بقي الوزر، وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال: الأجر للغلام والوزر على والده» " (٥). والثاني: أخرج الطبري عن ابن زيد: " كان أهل الجاهلية لا يورِّثون النساءَ ولا يورِّثون الصغار، يأخذه الأكبر وقرأ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، قال: إذا لم يكن لهم شيء: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ [سورة النساء: ١٢٧]، لا يورثونهم، قال: فنصيبه من الميراث طيِّب، وهذا الذي أخذه خبيث" (٦).

стр. 2696

والثالث: وأخرج الطبري وابن أبي حاتم (١)، عن السدي: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾، كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل مكانها الشاة المهزولة، ويقول: شاة بشاة! ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم! ! " (٢). وروي عن إبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب والزهري، قالوا: " يعطي مهزولا ويأخذ سمينا" (٣). وروي عن الضحاك وإبراهيم النخعي (٤) أيضا: " لا تعط فاسدًا، وتأخذ جيدًا" (٥).

стр. 2697

قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، " أي: أعطوا اليتامى الذين مات آباؤهم وهم صغار أموالهم إِذا بلغوا" (١). قال الجصّاص: " تقديره: وآتوا اليتامى أموالهم إذا بلغوا وآنستم منهم رشدا" (٢). قال السمرقندي: " يقول للأولياء: آتوا اليتامى أموالهم التي عندكم إذا بلغوا النكاح، يعني الحلم" (٣). قال الزجاج: " أي: أعطوهم أموالهم إذا آنستم منهم رشدا، وإنما يسمون يتامى - بعد أن يؤنس منهم الرشد، وقد زال عنهم اسم يتامى - بالاسم الأول الذي كان لهم، وقد كان يقال في النبي ﷺ يتيم أبي طالب" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]، أي: لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم" (٥). قا مجاهد: " الحلال بالحرام " (٦). وقال إبراهيم النخعي: " لا يعطي زيفا، ويأخذ جيدا " (٧). وقال سعيد بن المسيب: " لا تعط مهزولا، وتأخذ سمينا " (٨). قال السمرقندي: "يقول: لا تذروا أموالكم الحلال، وتأكلوا الحرام من أموال اليتامى" (٩). قال الزجاج: " الطيب مالكم، والخبيث مال اليتيم وغيره مما ليس لكم، فلا تأكلوا مال اليتيم بدلا من مالكم" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، " أي: ولا تخلطوا أموال اليتامى بأموالكم فتأكلوها جميعاً" (١١). قال مجاهد: " أموالهم مع أموالكم " (١٢). وروي عن قتادة مثل ذلك (١٣). قال الزجاج: " أي لا تضيفوا أموالهم في الأكل إلى أموالكم، أي إن احتجتم إليها فليس لكم أن تأكلوها مع أموالكم" (١٤).

стр. 2698

قال الماوردي: " أي مع أموالكم، وهو أن يخلطوها بأموالهم لتصير في ذمتهم فيأكلوا ربحها" (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]، "أي: إن أكلكم أموال أيتامكم، ذنب عظيم" (٢). عن ابن عباس: " ﴿إنه كان حوبا كبيرا﴾ قال: إثما " (٣)، وري عن مجاهد، وابن سيرين وقتادة مثل ذلك (٤). وقال الحسن: "ذنبا والله كثيرا" (٥). قال السمرقندي: " يعني: إثما عظيما" (٦). قال مقاتل: " يعني إثما كبيرا بلغة الحبش، وقد كان أهل الجاهلية يسمون الحوب الإثم" (٧). قال الأخفش: " يقول: "أكلها كان حوبا كبيرا" (٨). قال الزجاج: " والحوب: الإثم العظيم، والحوب فعل الرجل، تقول: حاب حوبا كقولك قد خان خونا" (٩). قال أبو عبيدة: " أي: إثما " قال أمية الليثي (١٠): وَإنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكنَّفَاهُ ... غَدَاتة إذٍ لقَدْ خَطَئَا وحَابَا وقال الهذلي (١١): إن الهجر حوب" (١٢) وجاء في مسائل نافع بن الأزرق: " قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله : ﴿إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً﴾، قال: إثما كبيرا بلغة الحبشة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول (١٣): فإنّي وما كلّفتموني من أمركم ... ليعلم من أمسى أعقّ وأحوبا" (١٤) قال القتبي: "الحوب والحوب واحد، وهو الإثم" (١٥). قال الفراء: " الحوب: الإثم العظم. ورأيت بني أسد يقولون: الحائب: القاتل (١٦). وقال النبي ﷺ : "رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي" (١٧)، قال أبو عبيد: حوبتي يعني: المآثم، وكل مأثم حوب وحوب، والواحدة حوبة (١٨).

стр. 2699

وروي أن رجلا أتى إلى النبي ﷺ فقال: إني أتيتك لأجاهد معك. فقال: «ألك حوبة؟ »، فقال: نعم. قال: «ففيها فجاهد» " (١). وقال الواحدي: "وهو عندي: كل حرمة تأثم الإنسان بتركها وتضييعها من أم أو أخت أو بنت أو غيرهن، ويقال: تحوب فلان إذا تعبد، كأنه يلقي الحوب عن نفسه بالعبادة، مثل: تأثم، وقد يكون التحوب التعبد والتجنب للمأثم" (٢). وقرأ الحسن: ﴿حوبا﴾، بنصب الحاء" (٣). الفوائد: ١ - أن كل مال حرام فهو خبيث، وكل حلال فهو طيب. ٢ - لا يحل للرجل أن يستبدل جيداً من مال يتيمه بمال رديء من ماله؛ كأن يأخذ شاة سمينة ويعطيه هزيلة أو يأخذ تمراً جيداً ويعطيه رديئاً خسيساً. ٣ - لا يحل خلط مال اليتيم مع مال الوصي ويؤكلان جميعاً لما في ذلك من أكل مال اليتيم ظلما. القرآن ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣] التفسير: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت أيديكم بأن لا تعطوهن مهورهن كغيرهن، فاتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن: اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإن خشيتم ألا تعدلوا بينهن فاكتفوا بواحدة، أو بما عندكم من الإماء. ذلك الذي شرعته لكم في اليتيمات والزواج من واحدة إلى أربع، أو الاقتصار على واحدة أو ملك اليمين، أقرب إلى عدم الجَوْرِ والتعدي. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أنهم كانوا يخافون ألاّ يعدلوا في أموال اليتامى، ولا يخافون أن لا يعدلوا في النساء، فأنزل الله تعالى هذه الآية، يريد كما خفتم ألاّ تعدلوا في أموال اليتامى، فهكذا خافوا ألا تعدلوا في النساء، وهذا قول وسعيد بن جبير (٤)، والسدي (٥)، وقتادة (٦)، والضحاك (٧)، والربيع (٨)، وعكرمة (٩)، وروي عن ابن عباس نحو هذا المعنى (١٠). أخرج الطبري وابن أبي حاتم (١١)، عن سعيد بن جبير قال: " بعث الله ﵎ محمدًا ﷺ والناس على أمر جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه، وكانوا يسألونه عن اليتامى فأنزل الله ﵎: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، قال: فكما تخافون أن لا تقسطوا في اليتامى، فخافوا أن لا تقسطوا وتعدِلوا في النساء" (١٢). وفي السياق نفسه وأخرج الطبري عن عكرمة: " كان الرجل يتزوج الأربع والخمس والستَّ والعشر، فيقول الرجل: ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان؟ فيأخذ مال يتيمه فيتزوج به، فنهوا أن يتزوجوا فوق الأربع" (١٣).

стр. 2700

وعن ابن عباس: " كانوا في الجاهلية ينكحون عشرًا من النساء الأيامى، وكانوا يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتيم، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية، فقال: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، ونهاهم عما كانوا ينكحون في الجاهلية" (١). والثاني: أخرج البخاري ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وابن حبان (٥)، والدارقطني (٦)، والبيهقي (٧)، والطبري (٨)، وابن أبي حاتم (٩)، عن الزهري، قال: كان عروة بن الزبير، يحدث أنه سأل عائشة ﵂: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣]، قالت: هي اليتيمة في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها، فنهوا عن نكاحهن، إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء، قالت عائشة: ثم استفتى الناس رسول الله ﷺ بعد، فأنزل الله : ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن﴾ [النساء: ١٢٧]، قالت: " فبين الله في هذه الآية: أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال، ومال رغبوا في نكاحها، ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، فإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء "، قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها" (١٠). والثالث: إن سبب نزولها، أن قريشاً في الجاهلية كانت تكثر التزويج بغير عدد محصور، فإذا كثر على الواحد منهم مؤن زوجاته، وقَلَّ مالُه، مدّ يده إلى ما عنده من أموال الأيتام، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ الْنِّسَاءِ﴾. وهذا معنى قول ابن عباس (١١). قال ابن عباس: " فإن الرجل كان يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ذلك" (١٢). والرابع: أنهم كانوا يتوقَّون أموال اليتامى ولا يتوقَّون الزنى، فقال كما خفتم في أموال اليتامى، فخافوا الزنى، وانحكوا ما طاب لكم من النساء، وهذا قول مجاهد (١٣). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]، أي: " وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت أيديكم بأن لا تعطوهن مهورهن كغيرهن" (١٤). قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، أي: " فانكحوا ما شئتم من النساء سواهنَّ إِن شاء أحدكم اثنتين وإِن شاء ثلاثاً وإِن شاء أربعاً" (١٥). قال الزجاج: أي: " فانكحوا الطيب الحلال على هذه العدة التي وصفت، لأن ليس كل النساء طيبا، قال : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] " (١٦). قال يونس بن يزيد قال ربيعة في قول الله: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾، قال يقول: اتركوهنّ، فقد أحللت لكم أربعًا" (١٧). قال مقاتل: " ولما نزلت: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ كان يومئذ تحت قيس بن الحارث ثمان نسوة، فقال النبي- ﷺ : خل سبيل أربعة منهن، وأمسك أربعة. فقال للتي يريد إمساكها: أقبلي. وللتي لا يريد إمساكها: أدبري فأمسك أربعة وطلق أربعة" (١٨). وفي قوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ الْنِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وجهان: أحدهما: أن ذلك عائد إلى النساء وتقديره فانحكوا من النساء ما حلَّ. وهذا قول أبي مالك (١٩)، وسعيد بن جبير (٢٠)، والفراء (٢١). والثاني: أن ذلك عائد إلى النكاح، وتقديره فانحكوا النساء نكاحاً طيباً. وهذا قول مجاهد (٢٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، " أي: فإِن خفتم من عدم العدول بين الزوجات فالزموا الاقتصار على واحدة، أواقتصروا على نكاح الإِماء لملك اليمين" (٢٣). قال الطبري: أي: " فإن خفتم الجورَ في الواحدة أيضًا، فلا تنكحوها، ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم" (٢٤). عن الضحاك، قوله: " ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا﴾، قال: في المجامعة والحب" (٢٥). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]، " أي: ذلك الاقتصار على الواحدة أو على ملك اليمين أقرب ألا تميلوا وتجوروا" (٢٦). قال مقاتل: " يقول: ذلك أجدر ألا تميلوا عن الحق في الواحدة وفي إتيان الولائد بعضهم على بعض" (٢٧). قال الشافعي: " أن لا يكثر من تعولون، إذا اقتصر المرء على واحدة، وإن أباح - الله - له أكثر منها" (٢٨). قال أبو عبيدة: " أي أقرب ألا تجوروا، تقول: علت علىّ أي جرت علىّ" (٢٩). قال الطبري: أي: " فهو أقرب أن لا تجوروا ولا تميلوا" (٣٠). وفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]، أربعة أقاويل: أحدها: أن المعنى: أَلاَّ يكثر مَنْ تعولون، أي: ذلك أقل لنفقتك، الواحدة أقل من ثنتين وثلاث وأربع، وجاريتُك أهون نفقة من حُرة أن لا تعولوا، أهون عليك في العيال. وهذا قول زيد بن أسلم (٣١)، والشافعي (٣٢)، وأبو عمر محمد بن عبدالواحد اللغوي (٣٣)، والأخفش (٣٤). والثاني: معناه ألاّ تميلوا عن الحق، وهو قول ابن إسحاق، ورواه عن مجاهد (٣٥). والثالث: أن المعنى: ألا تفتقروا. قاله سفيان بن عيينة (٣٦). والرابع: ألا تميلوا عن الحق وتجوروا. وهو قول ابن عباس (٣٧)، وعائشة (٣٨)، ومجاهد (٣٩)، وعكرمة (٤٠)، والحسن (٤١)، وأبي مالك (٤٢)، وإبراهيم النخعي (٤٣)، والشعبي (٤٤)، والضحاك (٤٥)، وعطاء
следующие страницы →