← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

والثالث: وأخرج الطبري وابن أبي حاتم (١)، عن السدي: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾، كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل مكانها الشاة المهزولة، ويقول: شاة بشاة! ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم! ! " (٢). وروي عن إبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب والزهري، قالوا: " يعطي مهزولا ويأخذ سمينا" (٣). وروي عن الضحاك وإبراهيم النخعي (٤) أيضا: " لا تعط فاسدًا، وتأخذ جيدًا" (٥).

стр. 2697

قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، " أي: أعطوا اليتامى الذين مات آباؤهم وهم صغار أموالهم إِذا بلغوا" (١). قال الجصّاص: " تقديره: وآتوا اليتامى أموالهم إذا بلغوا وآنستم منهم رشدا" (٢). قال السمرقندي: " يقول للأولياء: آتوا اليتامى أموالهم التي عندكم إذا بلغوا النكاح، يعني الحلم" (٣). قال الزجاج: " أي: أعطوهم أموالهم إذا آنستم منهم رشدا، وإنما يسمون يتامى - بعد أن يؤنس منهم الرشد، وقد زال عنهم اسم يتامى - بالاسم الأول الذي كان لهم، وقد كان يقال في النبي ﷺ يتيم أبي طالب" (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]، أي: لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم" (٥). قا مجاهد: " الحلال بالحرام " (٦). وقال إبراهيم النخعي: " لا يعطي زيفا، ويأخذ جيدا " (٧). وقال سعيد بن المسيب: " لا تعط مهزولا، وتأخذ سمينا " (٨). قال السمرقندي: "يقول: لا تذروا أموالكم الحلال، وتأكلوا الحرام من أموال اليتامى" (٩). قال الزجاج: " الطيب مالكم، والخبيث مال اليتيم وغيره مما ليس لكم، فلا تأكلوا مال اليتيم بدلا من مالكم" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، " أي: ولا تخلطوا أموال اليتامى بأموالكم فتأكلوها جميعاً" (١١). قال مجاهد: " أموالهم مع أموالكم " (١٢). وروي عن قتادة مثل ذلك (١٣). قال الزجاج: " أي لا تضيفوا أموالهم في الأكل إلى أموالكم، أي إن احتجتم إليها فليس لكم أن تأكلوها مع أموالكم" (١٤).

стр. 2698

قال الماوردي: " أي مع أموالكم، وهو أن يخلطوها بأموالهم لتصير في ذمتهم فيأكلوا ربحها" (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]، "أي: إن أكلكم أموال أيتامكم، ذنب عظيم" (٢). عن ابن عباس: " ﴿إنه كان حوبا كبيرا﴾ قال: إثما " (٣)، وري عن مجاهد، وابن سيرين وقتادة مثل ذلك (٤). وقال الحسن: "ذنبا والله كثيرا" (٥). قال السمرقندي: " يعني: إثما عظيما" (٦). قال مقاتل: " يعني إثما كبيرا بلغة الحبش، وقد كان أهل الجاهلية يسمون الحوب الإثم" (٧). قال الأخفش: " يقول: "أكلها كان حوبا كبيرا" (٨). قال الزجاج: " والحوب: الإثم العظيم، والحوب فعل الرجل، تقول: حاب حوبا كقولك قد خان خونا" (٩). قال أبو عبيدة: " أي: إثما " قال أمية الليثي (١٠): وَإنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكنَّفَاهُ ... غَدَاتة إذٍ لقَدْ خَطَئَا وحَابَا وقال الهذلي (١١): إن الهجر حوب" (١٢) وجاء في مسائل نافع بن الأزرق: " قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله : ﴿إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً﴾، قال: إثما كبيرا بلغة الحبشة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول (١٣): فإنّي وما كلّفتموني من أمركم ... ليعلم من أمسى أعقّ وأحوبا" (١٤) قال القتبي: "الحوب والحوب واحد، وهو الإثم" (١٥). قال الفراء: " الحوب: الإثم العظم. ورأيت بني أسد يقولون: الحائب: القاتل (١٦). وقال النبي ﷺ : "رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي" (١٧)، قال أبو عبيد: حوبتي يعني: المآثم، وكل مأثم حوب وحوب، والواحدة حوبة (١٨).

стр. 2699

وروي أن رجلا أتى إلى النبي ﷺ فقال: إني أتيتك لأجاهد معك. فقال: «ألك حوبة؟ »، فقال: نعم. قال: «ففيها فجاهد» " (١). وقال الواحدي: "وهو عندي: كل حرمة تأثم الإنسان بتركها وتضييعها من أم أو أخت أو بنت أو غيرهن، ويقال: تحوب فلان إذا تعبد، كأنه يلقي الحوب عن نفسه بالعبادة، مثل: تأثم، وقد يكون التحوب التعبد والتجنب للمأثم" (٢). وقرأ الحسن: ﴿حوبا﴾، بنصب الحاء" (٣). الفوائد: ١ - أن كل مال حرام فهو خبيث، وكل حلال فهو طيب. ٢ - لا يحل للرجل أن يستبدل جيداً من مال يتيمه بمال رديء من ماله؛ كأن يأخذ شاة سمينة ويعطيه هزيلة أو يأخذ تمراً جيداً ويعطيه رديئاً خسيساً. ٣ - لا يحل خلط مال اليتيم مع مال الوصي ويؤكلان جميعاً لما في ذلك من أكل مال اليتيم ظلما. القرآن ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣] التفسير: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت أيديكم بأن لا تعطوهن مهورهن كغيرهن، فاتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن: اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإن خشيتم ألا تعدلوا بينهن فاكتفوا بواحدة، أو بما عندكم من الإماء. ذلك الذي شرعته لكم في اليتيمات والزواج من واحدة إلى أربع، أو الاقتصار على واحدة أو ملك اليمين، أقرب إلى عدم الجَوْرِ والتعدي. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أنهم كانوا يخافون ألاّ يعدلوا في أموال اليتامى، ولا يخافون أن لا يعدلوا في النساء، فأنزل الله تعالى هذه الآية، يريد كما خفتم ألاّ تعدلوا في أموال اليتامى، فهكذا خافوا ألا تعدلوا في النساء، وهذا قول وسعيد بن جبير (٤)، والسدي (٥)، وقتادة (٦)، والضحاك (٧)، والربيع (٨)، وعكرمة (٩)، وروي عن ابن عباس نحو هذا المعنى (١٠). أخرج الطبري وابن أبي حاتم (١١)، عن سعيد بن جبير قال: " بعث الله ﵎ محمدًا ﷺ والناس على أمر جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه، وكانوا يسألونه عن اليتامى فأنزل الله ﵎: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، قال: فكما تخافون أن لا تقسطوا في اليتامى، فخافوا أن لا تقسطوا وتعدِلوا في النساء" (١٢). وفي السياق نفسه وأخرج الطبري عن عكرمة: " كان الرجل يتزوج الأربع والخمس والستَّ والعشر، فيقول الرجل: ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان؟ فيأخذ مال يتيمه فيتزوج به، فنهوا أن يتزوجوا فوق الأربع" (١٣).

стр. 2700

وعن ابن عباس: " كانوا في الجاهلية ينكحون عشرًا من النساء الأيامى، وكانوا يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتيم، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية، فقال: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، ونهاهم عما كانوا ينكحون في الجاهلية" (١). والثاني: أخرج البخاري ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وابن حبان (٥)، والدارقطني (٦)، والبيهقي (٧)، والطبري (٨)، وابن أبي حاتم (٩)، عن الزهري، قال: كان عروة بن الزبير، يحدث أنه سأل عائشة ﵂: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣]، قالت: هي اليتيمة في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها، فنهوا عن نكاحهن، إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء، قالت عائشة: ثم استفتى الناس رسول الله ﷺ بعد، فأنزل الله : ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن﴾ [النساء: ١٢٧]، قالت: " فبين الله في هذه الآية: أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال، ومال رغبوا في نكاحها، ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، فإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء "، قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها" (١٠). والثالث: إن سبب نزولها، أن قريشاً في الجاهلية كانت تكثر التزويج بغير عدد محصور، فإذا كثر على الواحد منهم مؤن زوجاته، وقَلَّ مالُه، مدّ يده إلى ما عنده من أموال الأيتام، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ الْنِّسَاءِ﴾. وهذا معنى قول ابن عباس (١١). قال ابن عباس: " فإن الرجل كان يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ذلك" (١٢). والرابع: أنهم كانوا يتوقَّون أموال اليتامى ولا يتوقَّون الزنى، فقال كما خفتم في أموال اليتامى، فخافوا الزنى، وانحكوا ما طاب لكم من النساء، وهذا قول مجاهد (١٣). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]، أي: " وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت أيديكم بأن لا تعطوهن مهورهن كغيرهن" (١٤). قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، أي: " فانكحوا ما شئتم من النساء سواهنَّ إِن شاء أحدكم اثنتين وإِن شاء ثلاثاً وإِن شاء أربعاً" (١٥). قال الزجاج: أي: " فانكحوا الطيب الحلال على هذه العدة التي وصفت، لأن ليس كل النساء طيبا، قال : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] " (١٦). قال يونس بن يزيد قال ربيعة في قول الله: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾، قال يقول: اتركوهنّ، فقد أحللت لكم أربعًا" (١٧). قال مقاتل: " ولما نزلت: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ كان يومئذ تحت قيس بن الحارث ثمان نسوة، فقال النبي- ﷺ : خل سبيل أربعة منهن، وأمسك أربعة. فقال للتي يريد إمساكها: أقبلي. وللتي لا يريد إمساكها: أدبري فأمسك أربعة وطلق أربعة" (١٨). وفي قوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ الْنِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وجهان: أحدهما: أن ذلك عائد إلى النساء وتقديره فانحكوا من النساء ما حلَّ. وهذا قول أبي مالك (١٩)، وسعيد بن جبير (٢٠)، والفراء (٢١). والثاني: أن ذلك عائد إلى النكاح، وتقديره فانحكوا النساء نكاحاً طيباً. وهذا قول مجاهد (٢٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، " أي: فإِن خفتم من عدم العدول بين الزوجات فالزموا الاقتصار على واحدة، أواقتصروا على نكاح الإِماء لملك اليمين" (٢٣). قال الطبري: أي: " فإن خفتم الجورَ في الواحدة أيضًا، فلا تنكحوها، ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم" (٢٤). عن الضحاك، قوله: " ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا﴾، قال: في المجامعة والحب" (٢٥). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]، " أي: ذلك الاقتصار على الواحدة أو على ملك اليمين أقرب ألا تميلوا وتجوروا" (٢٦). قال مقاتل: " يقول: ذلك أجدر ألا تميلوا عن الحق في الواحدة وفي إتيان الولائد بعضهم على بعض" (٢٧). قال الشافعي: " أن لا يكثر من تعولون، إذا اقتصر المرء على واحدة، وإن أباح - الله - له أكثر منها" (٢٨). قال أبو عبيدة: " أي أقرب ألا تجوروا، تقول: علت علىّ أي جرت علىّ" (٢٩). قال الطبري: أي: " فهو أقرب أن لا تجوروا ولا تميلوا" (٣٠). وفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]، أربعة أقاويل: أحدها: أن المعنى: أَلاَّ يكثر مَنْ تعولون، أي: ذلك أقل لنفقتك، الواحدة أقل من ثنتين وثلاث وأربع، وجاريتُك أهون نفقة من حُرة أن لا تعولوا، أهون عليك في العيال. وهذا قول زيد بن أسلم (٣١)، والشافعي (٣٢)، وأبو عمر محمد بن عبدالواحد اللغوي (٣٣)، والأخفش (٣٤). والثاني: معناه ألاّ تميلوا عن الحق، وهو قول ابن إسحاق، ورواه عن مجاهد (٣٥). والثالث: أن المعنى: ألا تفتقروا. قاله سفيان بن عيينة (٣٦). والرابع: ألا تميلوا عن الحق وتجوروا. وهو قول ابن عباس (٣٧)، وعائشة (٣٨)، ومجاهد (٣٩)، وعكرمة (٤٠)، والحسن (٤١)، وأبي مالك (٤٢)، وإبراهيم النخعي (٤٣)، والشعبي (٤٤)، والضحاك (٤٥)، وعطاء

стр. 2701

الخراساني (١)، وقتادة (٢)، والربيع (٣)، والسدي (٤)، ومقاتل بن حيان (٥)، والفراء (٦)، وابن قتيبة (٧)، والزجاج (٨). جاء في مسائل نافع: " قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله : ﴿ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا﴾، قال: أجدر أن لا تميلوا ولا تبخسوا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول (٩): إنّا تبعنا رسول الله واطّرحوا ... قول النّبيّ وعالوا في الموازين" (١٠) وأصل "العول": الخروج عن الحد ومنه عول الفرائض لخروجها عن حد السهام المسمّاة، وأنشد عكرمة بيتاً لأبي طالب (١١): بِميزَانِ قِسْطٍ لا يُخِسُّ شَعِيرَةً ... وَوَازِنِ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ أي غير مائل (١٢). وكتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: "إني لست بميزان قسطٍ لا أعول" (١٣). يقال منه: عال الرجل فهو يعول عَوْلا وعيالة، إذا مال وجار. ومنه: عَوْل الفرائض، لأن سهامها إذا زادت دخلها النقص، وأما من الحاجة، فإنما يقال: عال الرجل عَيْلة، وذلك إذا احتاج، كما قال أحيحة بن الجلاح (١٤): وَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ ... وَمَا يَدْرِي الغَنُّي مَتَى يَعِيل بمعنى: يفتقر (١٥). الفوائد: ١ - أنه ينبغي للإنسان أن يختار قبل النكاح، بل وقد أباح له الشارع النظر إلى من يريد تزوجها ليكون على بصيرة من أمره، قال تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ (١٦). ٢ - جواز نكاح أكثر من واحدة إلى أربع مع الأمن من الحيف والجور.

стр. 2702

٣ - قال الشيخ السعدي: " وفي قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ دليل على أن نكاح الخبيثة غير مأمور به، بل منهي عنه كالمشركة، وكالفاجرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] " (١). القرآن ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] التفسير: وأعطوا -أيها الأزواج- النساء مهورهن، عطية واجبة وفريضة لازمة عن طيب نفس منكم. فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء من المهر فوهَبْنه لكم فخذوه، وتصرَّفوا فيه، فهو حلال طيب. في سبب نزول أقوال: أحدها: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (٢) وابن المنذر (٣)، عن أبي صالح: "كان الرجل إذا زوج أيِّمه أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله ﵎ عن ذلك، ونزلت: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ " (٤). والثاني: قال مقاتل: " وذلك أن الرجل كان يتزوج بغير مهر. فيقول: أرثك وترثيني وتقول المرأة: نعم فأنزل الله- ﴿وآتوا النساء﴾ " (٥). والثالث: نقل الثعلبي عن الحضرمي: "كان أولياء النساء يعطي هذا أخته على أن يعطيه الآخر أخته لا مهر بينهما، فنهوا عن ذلك وأمرهم بتسميته وأمروا المهر عند العقد" (٦). والرابع: أخرج الطبري عن المعتمر، عن أبيه قال: "زعم حضرميٌّ أن أناسًا كانوا يتأثمون أن يُراجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته، فقال الله ﵎: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا﴾ " (٧). قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، أي: " وأعطوا النساء مهورهن عطيّة واجبة، عن طيب نفسٍ" (٨). قال أبو عبيدة: " أي: مهرهن، عن طيب نفس، بالفريضة بذلك " (٩). قال الفراء: " وذلك أنهم كانوا في الجاهلية لا يعطون النساء من مهورهن شيئا، فأنزل الله تعالى: أعطوهن صدقاتهن نحلة، يقول: هبة وعطية" (١٠). قال الطبري: " وهذا أمرٌ من الله أزواجَ النساء المدخول بهن والمسمَّى لهن الصداق، أن يؤتوهن صدُقاتهن، دون المطلقات قبل الدخول ممن لم يسمّ لها في عقد النكاح صداق" (١١). روي عن التستري: " أعطوهن الصداق هبة من الله لهن. وقد قال: إن النحلة الديانة، وقال: قال النبي ﷺ : «أقذر المعاصي عند الله تعالى: منع الأجير أجرته، ومنع المرأة مهرها» (١٢) " (١٣). قال ابن عباس: " يعني بـ ﴿النحلة﴾، المهر" (١٤). وروي عن مقاتل بن حيان نحوه (١٥).

стр. 2703

قال مقاتل بن حيان: "قوله: ﴿وآتوا النساء﴾، يقول: أعطوا النساء" (١). قال ابن زيد: ": النحلة في كلام العرب، الواجب يقول: لا ينكحها إلا بشيء واجب لها، صدقة يسميها لها واجبة، وليس ينبغي لأحد أن ينكح امرأة، بعد النبي ﷺ إلا بصداقٍ واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبًا بغير حق" (٢). أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عبد الرحمن بن البيلماني قال: قال رسول الله ﷺ : "وآتوا النساء صدقاتهن نحلة قالوا: يا رسول الله، فما العلائق بينهن؟ قال: ما يراضي عليه أهلوهم" (٣). قال الإمام الشافعي: " فجعل الله إيتاءهن ما فرض لهن من فريضة على أزواجهن، يدفعونه إليهن، دفعهم إلى غيرهم من الرجال، ممن وجب له عليهم حق بوجه" (٤). وقد اختلف فِيمَنْ توجَّه إليه هذا الخطاب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه متوجه إلى الأزواج، أمروا بإيفاء نسائهن مهورهن التي هي أثمان فروجهن، وهو قول الأكثرين (٥). والثاني: أنه متوجه إلى أولياء النساء، لأنهم كانوا يتملكون في الجاهلية صداق المرأة، فأمر الله بدفع صدقاتهن إليهن، وهو قول أبي صالح" (٦)، وجماعة من العلماء (٧). والثالث: أن المراد بالآية المتشاغرون الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى، فأمروا أن يضربوا المهور. وهذا معنى قول الحضرمي (٨). قال الثعلبي: "والقول الأول أصح وأوضح بظاهر الآية وأشبه، لأن الله تعالى خاطب الناكحين فيما قبله، وهذا أصل خطابهم" (٩). قال ابن عطية: " والآية تتناول هذه الفرق الثلاث" (١٠). وقال الكلبي وجماعة من العلماء: "هذا خطاب للأولياء، وذلك أن ولي المرأة كان إذا زوجها غريبا حملوها إليه على بعير ولا يعطونها من مهرها شيء، فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلا ولا كثيرا، وإن كانت غريبة حملها على بعير إلى زوجها ولم يعطها شيئا غير ذلك البعير، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: «هنيئا لك النافجة» (١١)، يريدون أنه يأخذ مهرها إبلا فيضمها إلى إبله فينتفجها أي يعظمها ويكثرها، قال بعض النساء في زوجها: «لا تأخذ الحلوان من بناتها»، تقول: لا يفعل ما يفعله غيره، فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بأن يدفعوا الحق إلى أهله" (١٢). وأما النَّحلة فهي العطية من غير بدل، وسمي الدين نِحْلَةَ، لنه عطية من الله (١٣)، وفي تسميه النّحْل بذلك قولان (١٤): أحدهما: أنه سمي نحلاً لما يعطي من العسل. والثاني: لأن الله تعالى نَحَلهُ عباده. وفي المراد بالنَّحلة في الصداق خمسة تأويلات: أحدها: يعني فريضة مُسَمَّاة، وهو قول قتادة (١٥)، وابن جريج (١٦)، ومقاتل بن حيان (١٧)، وروي عن أمّنا عائشة-﵂، قالت: "واجبة" (١٨).

стр. 2704

والثاني: أنه نحلة من الله لهن بعد أن كان ملكاً للأولياء، وهو قول أبي صالحٍ (١). والثالث: انه نهى لِما كانوا عليه من خِطْبة الشغار، والنكاح بغير صداق، وهو قول سليمان بن جعفر بن أبي المعتمر (٢). والرابع: أنها العطية بطيب النفس، أراد أن يطيبوا نفساً بدفعه، كما يطيبون نفساً بالنحل والهبة، قاله أبو عبيدة (٣)، وبعض المتأخرين (٤). والخامس: أن معنى «النحلة»: الديانة، فتقديره: وآتوهن صدقاتهن ديانة، يقال: فلان ينتحل كذا، أي: يدين به، ذكره الزجاج عن بعض العلماء (٥). قال الأخفش: " واحد «الصدقات»: صدقة وبنو تميم تقول: «صدقة»، ساكنة الدال مضمومة الصاد" (٦). وقرأ جمهور الناس والسبعة: ﴿صدقاتهن﴾، بفتح الصاد وضم الدال، وقرأ موسى بن الزبير وابن أبي عبلة وفياض بن غزوان وغيرهم: ﴿صدقاتهن﴾، بضم الصاد والدال، وقرأ قتادة وغيره «صدقاتهن» بضم الصاد وسكون الدال. وقرأ ابن وثاب والنخعي: ﴿صدقتهن﴾، بالإفراد وضم الصاد وضم الدال. والإفراد من هذا كله صدقة وصدقة (٧). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]، "أي: فإِن طابت نفوسهن بهبة شيءٍ من الصَّداق" (٨). قال عكرمة (٩)، ومقاتل بن حيان (١٠): " ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾: من المهر". وقال ابن جريج: " من الصداق " (١١). قال ابن عباس: " يقول: إذا كان من غير إضرار ولا خديعة، فهو هنيء مرئ كما قال الله " (١٢). قال مقاتل: " يقول: ما طابت به نفسها في غير كره أو هوان، فقد أحل الله لك أن تأكله هنيئا مريئا" (١٣). قال أبو صالح: " كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها، فنهوا عن ذلك" (١٤). قال سعيد بن جبير: " قوله: ﴿: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾، قال: هي للأزواج" (١٥). وروي عن مقاتل بن حيان مثل ذلك (١٦). قال الماوردي: " يعني: الزوجات إن طبن نفساً عن شيء من صداقهن لأزواجهن في قول من جعله خطاباً للأزواج، ولأوليائهن في قول من جعله خطاباً للأولياء " (١٧). عن الحسن في قول الله تعالى: " ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا﴾، إلى الممات، قال: فلها أن ترجع حتى الموت" (١٨). وروي عن أبي هريرة مثله، وعن مجاهد نحو ذلك (١٩).

стр. 2705

قوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، "أي: فخذوا ذلك الشيء الموهوب حلالاً طيباً" (١). قال ابن عباس: " يقول: إذا كان من غير إضرار، ولا خديعة، فهو هنيء مريء، كما قال الله جل وعز " (٢). قال الزمخشري: " فإن وهبن لكم شيئا من الصداق وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم فكلوه فأنفقوه. قالوا: فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة، علم أنها لم تطب منه نفسا (٣). قال ابن كثير: " ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حَتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النحلة طيبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالا طيبًا" (٤). قال أهل العلم: " «المريء»، يقال: مرئ الطعام: إذا انهضم، وحمدت عاقبته" (٥). وفي "الهنيء" ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ما تؤمن عاقبته (٦). والثاني: ما أعقب نفعا وشفاء (٧). والثالث: أنه الذي لا ينغصه شيء (٨). قال الطبري: " وأما قوله: ﴿هنيئًا﴾، فإنه مأخوذ من: «هنأت البعير بالقَطِران»، إذا جَرِب فعُولج به" (٩)، قال الشاعر (١٠): مُتَبَذِّلا تَبْدُو مَحَاسِنُهُ ... يَضَعُ الهِنَاء مَوَاضِعَ النُّقْبِ (١١) قال ابن عطية: " وهذا ضعيف، وإنما قال اللغويون: الطعام الهنيء هو السائغ المستحسن الحميد المغبة، وكذلك المريء، قال اللغويون: يقولون هنأني الطعام ومرأني على الإتباع، فإذا أفردوا قالوا: أمرأني، على وزن: أفعل" (١٢). أخرج ابن أبي حاتم (١٣)، وابن المنذر (١٤)، عن علي-﵇: "إذا اشتكى أحدكم شيئا، فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحو ذلك فليبتع عسلا، ثم يأخذ ماء السماء، فيجتمع هنيئا مريئا، وشفاء، ومباركا".

стр. 2706

أخرج ابن المنذر من طريق سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة، أنه كان يقول لامرأته: " أطعمينا من ذاك الهنيء المريء، ثم قال سفيان: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ " (١). قال الماتريدي: " وفي الآية دلالة جواز هبة المرأة من زوجها، وفساد قول من لا يجيز هبة المرأة بمالها حتى تلد أو تبقى في بيته سنة؛ فيجوز أمرها. وفي الآية -أيضا-: دليل أن المهر لها؛ حيث أضاف الإحلال والهبة إليهن بقوله: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ " (٢). قال الإمام الشافعي: " وحل للرجال ممل ما طاب نساؤهم عنه نفساً ... وقال : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ الآية، فبيَن الله في كتابه، أن مال المرأة ممنوع من زوجها - الواجب الحق عليها-إلا بطيب نفسها وأباحه بطيب نفسها؛ لأنَّها مالكة لمالها، ممنوع بملكها، مباح بطيب نفسها كما قضى الله في كتابه، وهذا بين أن كل من كان مالكا فماله ممنوع به، محرّم إلا بطيب نفسه بإباحته، فيكون مباحاً بإباحة مالكه له، لا فرق بين المرأة والرجل، وبين أن سلطان المرأة على مالها، كسلطان الرجل على ماله، إذا بلغت المحيض وجمعت الرشد" (٣). ذكر صاحب الكشاف عن الشعبي: "أن رجلا أتى مع امرأته شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع، فقال شريح: رد عليها. فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى: ﴿فإن طبن لكم﴾، قال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. وعنه: أقيلها فيما وهبت ولا أقيلة، لأنهن يخدعن" (٤). و"حكى أن رجلا من آل معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا كان لها عليه، فلبث شهرا ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرجل: أعطتنى طيبة بها نفسها، فقال عبد الملك: فأين الآية التي بعدها فلا تأخذوا منه شيئا؟ اردد عليها" (٥). وعن عمر رضى الله عنه أنه كتب إلى قضاته: «أن النساء، يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت» (٦). وقرىء: ﴿هنيا مريا﴾، دون همز، وهي قراءة الحسن بن أبي الحسن والزهري (٧). الفوائد: ١ - وجوب مهور النساء وحرمة الأكل منها بغير طيب نفس صاحبة المهر وسواء في ذلك الزوج، وهو المقصود في الآية أو الأب والأقارب. ٢ - ومنها: أن المهر يدفع إلى المرأة إذا كانت مكلفة، وأنها تملكه بالعقد، لأنه أضافه إليها، والإضافة تقتضي التمليك (٨). ٣ - وفي قوله: ﴿فكلوه هنيئا مريئا﴾ دليل على أن للمرأة التصرف في مالها -ولو بالتبرع- إذا كانت رشيدة، فإن لم تكن كذلك فليس لعطيتها حكم، وأنه ليس لوليها من الصداق شيء، غير ما طابت به (٩). القرآن ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥] التفسير: ولا تؤتوا -أيها الأولياء- من يُبَذِّر من الرجال والنساء والصبيان أموالهم التي تحت أيديكم فيضعوها في غير وجهها، فهذه الأموال هي التي عليها قيام حياة الناس، وأنفقوا عليهم منها واكسوهم، وقولوا لهم قولا معروفًا من الكلام الطيب والخلق الحسن.

стр. 2707

في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج الطبري عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: "زعم حضرميٌّ أن رجلا عمد فدفع ماله إلى امرأته، فوضعته في غير الحق، فقال الله ﵎: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ " (١). والثاني: أخرج الطبري عن ابن عباس، قال: "نزل ذلك في السفهاء، وليس اليتامى من ذلك في شيء" (٢). والثالث: أخرج الطبري عن سعيد بن جبير، قال: " هو مال اليتيم يكون عندك، يقول: لا تؤته إياه، وأنفقه عليه حتى يبلغ. وإنّما أضاف إلى الأولياء فقال: أموالكم، لأنهم قوّامها ومدبروها " (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، "أي: ولا تعطوا المبذرين من اليتامى أموالهم التي جعلها الله قياماً للأبدان ولمعايشكم فيضيعوها" (٤). قال ابن قتيبة: " أي: لا تعطوا الجهلاء أموالكم، والسفه الجهل. وأراد هاهنا النساء والصبيان" (٥). قال ابن عباس: " يقول: معاشا، يقول الله جل ثناؤه: لا تعمد إلى مالك، وما خولك الله، وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك أو بنتك، ثم تضطر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك، وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم، ورزقهم، ومؤنتهم " (٦). وأخرج سفيان عن ابن عباس: " ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، قال: المرأة، قال: تقول أريد مرطا بكذى أريد شيئا بكذى أو تقول هي أسفه السفهاء" (٧). قال مجاهد: " نهي الرجال أن يعطوا النساء أموالهم، وهن سفهاء من كن أزواج أو بنات أو أمهات، وأمروا أن يرزقوهم فيه، ويقولوا لهم قولا معروفا " (٨). وقال عكرمة: "في قول الله جل وعز " ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ قال: لا تعط ولدك السفيه مالك فيفسده، الذي هو قيامك بعد الله " (٩). وفي رواية أخرى عن عكرمة: " هو اليتيم يكون عندك، يقول: لا تؤته إياه، وأنفق عليه، حتى يبلغ " " (١٠). أخرج عبدالرزاق عن الحسن، قال: " «السفهاء ابنك السفيه, وامرأتك السفيهة» وقوله: ﴿قياما﴾ [آل عمران: ١٩١] قال: «قيام عيشك» (١١). قال عبدالرزاق: " وقد ذكر أن النبي ﷺ قال: " اتقوا الله في الضعيفين: اليتيم والمرأة" (١٢). قال ابن كثير: " ينهى تعالى عن تَمْكين السفهاء من التصرّف في الأموال التي جعلها الله للناس قياما، أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها. ومن هاهنا يُؤْخَذُ الحجر على السفهاء، وهم أقسام: فتارة يكون الحَجْرُ للصغر؛ فإن الصغير مسلوب العبارة. وتارة يكون الحجرُ للجنون، وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين، وتارة يكون الحجر للفَلَس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاقَ ماله عن وفائها، فإذا سأل الغُرَماء الحاكم الحَجْرَ عليه حَجَرَ عليه" (١٣). واختلفوا في المراد بالسفهاء في هذا الموضع على أربعة أقاويل:

стр. 2708

أحدها: أنهم الصغار والنساء، وهو قول سعيد بن جبير (١)، والحسن (٢)، والسدي (٣)، والضحاك (٤)، ومجاهد (٥)، والحكم (٦)، وقتادة (٧)، وأبي مالك (٨)، وابن عباس-في رواية علي بن أبي طلحة (٩). والثاني: أنهم الصبيان خاصة. قاله سعيد بن جبير في رواية سالم (١٠)، والحسن في رواية يونس عنه (١١). والثالث: أنهم النساء خاصة، وهو قول ابن عمر (١٢)، والحضرمي (١٣)، ومجاهد (١٤)، والحسن في رواية هشام (١٥)، والضحاك في رواية جوبير (١٦). والرابع: أنه عنى الأولاد المسرفين أن يقسم ماله فيهم فيصير عيالاً عليهم، وهو قول ابن عباس (١٧)، وابن زيد (١٨)، وأبي مالك (١٩). والرابع: أنه أراد كل سفيه استحق في المال حَجْراً، وهو معنى ما رواه الشعبي عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري أنه قال: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلِّقْها، ورجل أعطى ماله سفيهًا وقد قال الله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، ورجل كان له على رجل دين فلم يُشهد عليه" (٢٠). والراجح –والله أعلم-أن الله " يخصص سفيهًا دون سفيه. فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهًا ماله، صبيًا صغيرًا كان أو رجلا كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى" (٢١). قال الزجاج: " والسفهاء: يدل على أنه لا يعني به النساء وحدهن، لأن النساء أكثر ما يستعمل فيهن جمع سفيهة وهو سفائه، ويجوز سفهاء، كما يقال فقيرة وفقراء. وقال بعضهم: معناه لا تهبوا للسفهاء أموالكم، وهذا عندي – والله أعلم - غير جائز" (٢٢). قال الماتريدي: " فالسفيه -في الحقيقة- من يعمل عمل الجهال، كان جاهلا في الحقيقة أو لا؛ لما قد يلقب العالم به؛ إذا ضيع الحدود، وتعاطى الأفعال الذميمة؛ وعلى ذلك ما جاء من الكتاب بتسفيه علماء أهل الكتاب. ثم قد يسمى الجهال به؛ لما أن الجهل هو السبب الباعث على فعل السفه" (٢٣). وفي قوله تعالى: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] تأويلان: أحدهما: يعني أموال الأولياء، وهو قول ابن عباس (٢٤)، ووابن زيد (٢٥)، والسدي (٢٦).

стр. 2709

والثاني: أنه عنى به أموال السفهاء، وإنّما أضاف إلى الأولياء فقال: ﴿أموالكم﴾، لأنهم قوّامها ومدبروها، وهو قول سعيد بن جبير (١). قال الطبري: " وقد يدخل في قوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، أموالُ المنهيِّين عن أن يؤتوهم ذلك، وأموال السفهاء، لأن قوله: ﴿أموالكم﴾، غير مخصوص منها بعض الأموال دون بعض. ولا تمنع العرب أن تخاطب قومًا خِطابًا، فيخرج الكلام بعضه خبر عنهم، وبعضه عن غُيَّب، وذلك نحو أن يقولوا: أكلتم يا فلان أموالكم بالباطل، فيخاطب الواحد خطاب الجمع، بمعنى: أنك وأصحابك أو وقومك أكلتم أموالكم. فكذلك قوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء﴾، معناه: لا تؤتوا أيها الناس، سفهاءكم أموالكم التي بعضها لكم وبعضها لهم، فيضيعوها" (٢). وقال الزجاج: " كذلك قال أصحابنا البصريون بل السفيه أحق بالهبة لتعذر الكسب عليه، ولو منعنا من الهبة لهم لما جاز أن نورثهم، وإنما معنى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، لا تؤتوا السفهاء أموالهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وإنما قيل أموالكم لأن معناه الشيء الذي به قوام أمركم، كما قال الله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، ولم يكن الرجل منهم يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضا، أي تقتلون الجنس الذي هو جنسكم" (٣). قال الضحاك: " ﴿قياما﴾، قال: عصمة لدينكم وقياما لكم" (٤). وروي عن أبي مالك أنه قال: "قيامك بعد الله" (٥). قال أبو عبيدة: " ﴿التي جعل الله لكم قياما﴾، مصدر يقيمكم، ويجيئ في الكلام في معناه: قوام فيكسر، وإنما هو من الذي يقيمك، وإنما أذهبوا الواو لكسرة القاف، وتركها بعضهم، كما قالوا: ضياء للناس، وضواء للناس" (٦). وقرئت: ﴿اللاتي جعل الله لكم قياما﴾ (٧)، وقرأ نافع وابن عُمر: ﴿قِيَماً﴾، ومعناهما واحد، يريد أنها قُوامُ معايشكم سفائكم (٨). قوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، "أي: وأطعموهم منها واكسوهم" (٩). قال ابن عباس: " ﴿وارزقوهم﴾ أنفقوا عليهن " (١٠). قال الماتريدي: " يقول: لا تؤتوهم، ولكن ارزقوهم أنتم واكسوهم. وقيل: يقول: أنفقوا عليهم منها، وأطعموهم. وقيل: لما أضاف الأموال إلى الدافعين لا إلى المدفوعة إليهم؛ دل على وجوب نفقة الولد وكسوته على الرجل" (١١). قال الثعلبي: " أي أطعموهم واكسوهم لمن يجب عليكم رزقه ويلزمكم نفقته، والرزق من الله عطية غير محدودة، ومن الناس الإجراء الموظف بوقت محدود، يقال: ررزق فلان عياله كذا وكذا، أي أجرى عليهم، وإنما قال: فيها، ولم يقل: منها، لأنه أراد أن يجعل لهم فيها رزقا، كأنه أوجب عليهم ذلك" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]، أي: وقولوا لهم" قولاً ليناً" (١٣). قال الثعلبي: أي: " عدة جميلة" (١٤).

стр. 2710

قال مجاهد: في البر والصلة" (١). قال عكرمة: " رزقكم الله ليس أناسي" (٢). وقال عطاء: " ﴿قولا معروفا﴾: إذا ربحت أعطيتك كذا وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظا" (٣). وقال المفضل: "قولا لينا تطيب به أنفسهم، وكلما سكنت إليه النفس أحبته من قول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الوعد بالجميل، وهو قول مجاهد (٥). والثاني: الدعاء له كقوله بارك الله فيك، وهو قول ابن زيد (٦). والثاني: أي: علموهم - مع إطعامكم إياهم، وكسوتكم إياهم - أمر دينهم. قاله الزجاج (٧). والراجح، هو قول مجاهد أي، أن المراد: "قولوا، يا معشر ولاة السفهاء، قولا معروفًا للسفهاء: إن صَلحتم ورشدتم سلَّمنا إليكم أموالكم، وخلَّينا بينكم وبينها، فاتقوا الله في أنفسكم وأموالكم، وما أشبه ذلك من القول الذي فيه حث على طاعة الله، ونهي عن معصيته" (٨). روى الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل كانت عنده امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها. ورجل كان له دين فلم يشهد، ورجل أعطى سفيها مالا، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، أي الجهال بموضع الحق» (٩). روي عن أنس بن مالك قال: "جاءت امرأة سوداء جريئة المنطق ذات ملح إلى رسول الله ﷺ فقالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله قل فينا خيرا مرة واحدة، فإنه بلغني أنك تقول فينا كل شر. قال: «أي شيء قلت لكن؟ » قالت: سميتنا السفهاء في كتابه وسميتنا النواقص. فقال: «وكفى نقصانا أن تدعن من كل شهر خمسة أيام لا تصلين فيهن، أما يكفي إحداكن إذا حملت كان لها كأجر المرابط في سبيل الله، وإذا وضعت كانت كالمتشحط بدمه في سبيل الله، وإذا أرضعت كان لها بكل جرعة كعتق رقبة من ولد إسماعيل، وإذا سهرت كان لها بكل سهرة تسهرها كعتق رقبة من ولد إسماعيل، وذلك للمؤمنات الخاشعات الصابرات اللاتي لا يكفرن بالعشير. قالت السوداء: يا له فضلا لولا ما تبعه من الشرط" (١٠). الفوائد: ١ - مشروعية الحجر على السفيه لمصلحته. ٢ - استحباب تنمية الأموال في الأوجه الحلال لقرينة: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾. القرآن ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦] التفسير: واختبروا مَن تحت أيديكم من اليتامى لمعرفة قدرتهم على حسن التصرف في أموالهم، حتى إذا وصلوا إلى سن البلوغ، وعَلمتم منهم صلاحًا في دينهم، وقدرة على حفظ أموالهم، فسلِّموها لهم، ولا تعتدوا عليها بإنفاقها في غير موضعها إسرافًا ومبادرة لأكلها قبل أن يأخذوها منكم. ومَن كان صاحب مال منكم فليستعفف بغناه، ولا يأخذ من مال اليتيم شيئًا، ومن كان فقيرًا فليأخذ بقدر حاجته عند الضرورة. فإذا علمتم أنهم قادرون

стр. 2711

على حفظ أموالهم بعد بلوغهم الحُلُم وسلمتموها إليهم، فأَشْهِدوا عليهم; ضمانًا لوصول حقهم كاملا إليهم; لئلا ينكروا ذلك. ويكفيكم أن الله شاهد عليكم، ومحاسب لكم على ما فعلتم. في سبب نزول الآية: قال مقاتل (١)، والواحدي (٢)، والثعلبي (٣): " نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتا وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي ﷺ فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٤). وفي السياق نفسه أخرج الطبري عن قتادة: ": ﴿ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾، ذكر لنا أن عَمَّ ثابت بن رفاعة وثابت يومئذ يتيمٌ في حجره من الأنصار، أتى نبيّ الله ﷺ فقال: يا نبي الله، إن ابن أخي يتيمٌ في حجري، فما يحلُّ لي من ماله؟ قال: أن تأكل بالمعروف، من غير أن تقي مالك بماله، ولا تتخذ من ماله وَفْرًا، وكان اليتيم يكون له الحائط من النخل، فيقوم وليه على صلاحه وَسقيه، فيصيب من تمرته، أو تكون له الماشية، فيقوم وليه على صلاحها، أو يلي علاجها ومؤونتها، فيصيب من جُزَازها وَعوارضها ورِسْلها، فأما رقاب المال وأصول المال، فليس له أن يستهلكه" (٥). قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]، " أي: اختبروا اليتامى حتى إِذا بلغوا سنَّ النكاح" (٦). قال ابن عباس: " ﴿وابتلوا اليتامى﴾، قال: اختبروهم" (٧)، " حتى إذا بلغوا النكاح، قال: عند الحلم" (٨). قال قتادة والحسن: " يقول: اختبروا اليتامى" (٩). وقال السدي: أما ﴿ابتلوا اليتامى﴾، فجرِّبوا عقولهم" (١٠). قال ابن زيد: " اختبروه في رأيه وفي عقله كيف هو. إذا عُرِف أنه قد أُنِس منه رُشد، دفع ليه ماله. قال: وذلك بعد الاحتلام" (١١)، وفي روياة أخرى عنه: " ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾، قال: الحلم" (١٢). قال مجاهد: " ﴿وابتلوا اليتامى﴾، قال: عقولهم" (١٣)، " ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾، حتى إذا احتلموا" (١٤). قال الطبري: أي: " واختبروا عقول يتاماكم في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم" (١٥). قال الماوردي: " ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾، أي: اختبروهم في عقولهم وتمييزهم وأديانهم، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، يعني: الحُلُم في قول الجميع" (١٦). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، " أي: فإِن أبصرتم منهم صلاحاً في دينهم ومالهم فادفعوا إِليهم أموالهم بدون تأخير" (١٧). عن سعيد بن جبير: " في قول الله تعالى: ﴿فادفعوا إليهم أموالهم﴾، يعني: ادفعوا إلى اليتامى أموالهم إذا كبروا" (١٨).

стр. 2712

قال ابن عباس: " ﴿فإن آنستم منهم رشدًا﴾، قال: عرفتم منهم" (١). قال الزجاج: " ومعنى (الرشد): الطريقة المستقيمة التي تثقون معها بأنهم يحفظون أموالهم، فادفعوا إليهم أموالهم" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]، " ستة تأويلات: أحدها: أن الرشد العقل خاصة، وهو قول مجاهد (٣)، والشعبي (٤).وروي عن ابن عباس: " إذا أدرك اليتيم بحلم وعقل ووقار دفع إليه ماله" (٥). والثاني: أنه العقل والصلاح في الدين، وهو قول السدي (٦)، وقتادة (٧). والثالث: أنه صلاح في الدين وإصلاح في المال، وهو قول ابن عباس (٨)، والحسن (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، والشافعي (١١). والرابع: أنه الصلاح والعلم بما يصلحه، قاله ابن جريج (١٢). والخامس: أن الرشد: سنة بعد الإحتلام. قاله ابن شبرمة (١٣). والسادس: أن معنى: ﴿آنستم منهم رشدا﴾: إذا أقام الصلاة. وهذا قول عبيدة بن عمرو (١٤). والراجح-والله أعلم- أن بمعنى: "الرشد" في الآية الكريمة: العقل وإصلاح المال، وذلك لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك، لم يكن ممن يستحق الحجرَ عليه في ماله، وحَوْزَ ما في يده عنه، وإن كان فاجرًا في دينه. وإذْ كان ذلك إجماعًا من الجميع، فكذلك حكمه إذا بلغ وله مال في يَدي وصيِّ أبيه، أو في يد حاكم قد وَلي ماله لطفولته واجبٌ عليه تسليم ماله إليه، إذا كان عاقلا بالغًا، مصلحًا لماله غير مفسد، لأن المعنى الذي به يستحق أن يولَّى على ماله الذي هو في يده، هو المعنى الذي به يستحق أن يمنع يده من ماله الذي هو في يد وليّ، فإنه لا فرق بين ذلك (١٥). وفي قراءة عبدالله: ﴿فإن أحسيتم منهم رشدا﴾، بمعنى: أحسستم، أي: وجدتم (١٦). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦]، أي: " ولَا تأكلوا في مدة وصايتكم أموال اليتامى مسرفين في الأكل، أو مبادرين بالأخذ خشية أن يكبروا " (١٧). قال مقاتل: " ﴿ولا تأكلوها إسرافا﴾، يعني: بغير حق، ﴿وبدارا أن يكبروا﴾، يقول: يبادر أكلها خشية أن يبلغ اليتيم الحلم فيأخذ منه ماله" (١٨). قال الماوردي: " يعني: لا تأخذوها إسرافاً على غير ما أباح الله لكم" (١٩). قال الأخفش: " يقول لا تأكلوها مبادرة أن يشبوا" (٢٠). قال الواحدي: " أَيْ: لا تبادروا بأكل مالهم كبرَهم ورشدهم حذر أن يبلغوا فيلزمكم تسليم المال إليهم" (٢١).

стр. 2713

قال الراغب: " أي: متجاوزين حد القصد المباح لكم، ومبادرة أن يكبروا، فيمنعوا أموالهم" (١). قال السمين الحلبي: " أي مسارعة يعني أنهم كانوا يسرعون في أكل أموال اليتامى ويبادرون، ولذلك كرههم لئلا ينزعوها منهم" (٢). قال الطبري: " ﴿إسرافا﴾، أي: بغير ما أباحه الله لك ... يقول: لا تأكلوا أموالهم إسرافًا - يعني ما أباح الله لكم أكله - ولا مبادرة منكم بلوغَهم وإيناسَ الرشد منهم، حذرًا أن يبلغوا فيلزمكم تسليمه إليهم " (٣). قال الحسن: " يقول: لا تسرف فيها" (٤). قال ابن عباس: " ﴿ولا تأكلوها إسرافا وبدارا﴾، يعني: تأكل مال اليتيم" (٥). وفي رواية اخرى عن ابن عباس أيضا: " ﴿وبدارا﴾، يعني، يأكل مال اليتيم ببادرة، فعند أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله" (٦). وروي عن السدي نحو ذلك (٧). عن سعيد بن جبير: " ﴿ولا تأكلوها إسرافا﴾، يعني: في غير حق" (٨)، " أن يكبروا قال: خشية أن يبلغ الحلم فيأخذ ماله" (٩)، وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (١٠). وقال السدي: " يسرف في الأكل" (١١). فهذا نهي للأولياء والأوصياء، عن أكل أموال اليتامى: مسرفين في الإنفاق منها، ومتعجلين أكلها، مخافة أن يكبروا فينتزعوها من أيديهم. فإن الكثير من الأولياء، يستعجل بعض التصرفات التي يكون لهم فيها منفعة، حتى لا تفوتهم إذا كبر اليتيم وتسلَّم ماله (١٢). وأصل "الإسراف": تجاوز الحد المباح إلى ما لم يُبَحْ. وربما كان ذلك في الإفراط، وربما كان في التقصير، غير أنه إذا كان في الإفراط، فاللغة المستعملة فيه أن يقال: أسْرف يُسرف إسرافًا وإذا كان كذلك في التقصير، فالكلام منه: سَرِف يَسْرَفُ سَرَفًا، يقال: مررت بكم فسَرَفْتكم، يراد منه: فسهوت عنكم وأخطأتكم، كما قال جرير (١٣): أَعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوهَا ثَمَانِيَةٌ ... مَا فِي عَطَائِهِمُ مَنٌّ وَلا سَرَفُ فقوله: "ولا سرف"، أي: ولا خطأ فيه، يراد به: أنهم يصيبون مواضع العطاء فلا يخطئونها (١٤). قال الراغب: " السرف: تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] " (١٥). قال الماتريدي: " الإسراف: هو كل ما نهي عنه، وقيل: الإسراف: هو أكل في غير حق؛ وكأن الإسراف هو المجاوزة عن الحد، وهو كقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وكان القتر مذموما، فعلى ذلك الإسراف في النفقة في مال اليتيم، وقوله - تعالى -: ﴿إسرافا وبدارا﴾، قيل: البدار: هو المبادرة، وكلاهما لغتان، كالجدال والمجادلة، وهو أن يبادر بأكل مال اليتيم؛ خشية أن يكبر؛ فيحول بينه وبين ماله" (١٦). وفي حرف ابن مسعود ﵁: " ولا تأكلوها إسرافا وبدارا خشية أن يكبروا " (١٧).

стр. 2714

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦]، " أي: ومن كان منكم غنياً أيها الأولياء فليعف عن مال اليتيم ولا يأخذ أجراً على وصايته" (١). قال السمرقندي: " أي ليحفظ نفسه عن مال اليتيم" (٢). قال الواحدي: أي: " لا يأكل منه شيئاً" (٣). قال ابن كثير: أي: " من كان في غُنْية عن مال اليتيم فَلْيستعففْ عنه، ولا يأكل منه شيئا. قال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم" (٤). قال الطبري: أي: " ومن كان غنيًّا، من ولاة أموال اليتامى على أموالهم، فليستعفف بماله عن أكلها - بغير الإسراف والبدار أن يكبروا - بما أباح الله له أكلها به" (٥). قالت عائشة-﵂: " نزلت في والي اليتيم" (٦). وقال سعيد بن جبير: " يعني: الوصي" (٧). وروي عن السدي والحكم مثل قول سعيد بن جبير (٨). عن ابن عباس: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف﴾: فلا يحتاج إلى مال اليتيم (٩). وقال الحسسن: " والي مال اليتيم إن كان غنيا فليستعفف، أن يأكل من أموالهم شيئا" (١٠). وقال نافع ابن أبي نعيم -يعني: القارئ-: "سألت يحيى بن سعيد وربيعة عن قول الله تعالى: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف﴾، قالا: ذلك في اليتيم إن كان غنيا أنفق عليه بقدر غناه، ولم يكن للولي منه شيء" (١١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، " أي: ومن كان فقيراً فليأخذ بقدر حاجته الضرورية وبقدر أجرة عمله" (١٢). قال الواحدي: أي: " يقدِّر أجرة عمله" (١٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، أربعة وجوه: أحدها: أنه القرض يستقرض إذا احتاج ثم يرده إذا وجد، وهو قول عمر (١٤)، وابن عباس (١٥)، وجمهور التابعين (١٦). والثاني: أنه يأكل ما يسد الجوعة، ويلبس ما يواري العورة، ولا قضاء، وهو قول الحسن (١٧)، وإبراهيم (١٨)، ومكحول (١٩). روى شعبة عن قتادة" أن عم ثابت بن رفاعة - وثابت يومئذ يتيم في حجره-، أتى رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله؟ قال: «أَنْ تَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيرِ أن تقِيَ مَالَكَ بِمَالِهِ وَلا تَتَّخِذْ مِنْ مَالِهِ وَقْراً» " (٢٠). والثالث: أن يأكل من ثمره، ويشرب من رِسْلِ ماشيته من غير تعرض لِمَا سوى ذلك من فضة أو ذهب، وهو قول أبي العالية (٢١)، والشعبي (٢٢).

стр. 2715

روى القاسم بن محمد قال: "جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاماً، وإن لهم إبلاً، فماذا يحل لي منها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباءَها، وتلوط حوضها، وتفرط عليها يوم وِرْدِهَا، فاشرب من ألبانها غير مُضِرِّ بنسل، ولا بأهل في الحلب" (١). والرابع: أن يأخذ إذا كان محتاجاً أجرةً معلومة على قدر خدمته، وهو قول عطاء (٢). قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: المعروف الذي عناه الله ﵎ في قوله: ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف، أكل مال اليتيم عند الضرورة والحاجة إليه، على وجه الاستقراض منه فأما على غير ذلك الوجه، فغير جائز له أكله" (٣). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]، " أي: فإِذا سلمتم إِلى اليتامى أموالهم بعد بلوغهم الرشد فأشهدوا على ذلك لئلا يجحدوا تسلمها" (٤). قال الماوردي: " ليكون بيِّنةَ في دفع أموالهم إليهم" (٥). قال الواحدي: " لكي إنْ وقع اختلافٌ أمكن الوليِّ أن يقيم البيِّنة على ردِّ المال إليه" (٦). قال ابن كثير: " وهذا أمر الله تعالى للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم؛ لئلا يقع من بعضهم جُحُود وإنكار لما قبضه وتسلمه" (٧). قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]، " أي: وكفى بالله محاسباً ورقيباً" (٨). قال سعيد بن جبير: " يعني: لا شاهد أفضل من الله فيما بينكم وبينهم" (٩). قال الواحدي: أي: " محاسباً ومجازياً للمحسن والمسيء" (١٠). قال البيضاوي: أي: " محاسبا فلا تخالفوا ما أمرتم به ولا تتجاوزوا ما حد لكم" (١١). قال ابن كثير: " أي: وكفى بالله محاسبا وشهيدًا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال: هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مَبْخوسة مدخلة مروج حسابها مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله. ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأَمَّرَن على اثنين، ولا تَلِيَنَّ مال يتيم» (١٢) " (١٣). قال الشافعي: " فدلَّت هذه الآية، على أن الحجر ثابت على اليتامى حتى يجمعوا خصلتين: البلوغ والرشد، فالبلوغ استكمال خمس عشرة سنة، الذكر والأنثى في ذلك سواء، إلا أن يحتلم الرجل، أو تحيض المرأة قبل خمس عشرة سنة، فيكون ذلك البلوغ، ودلَّ قول اللَّه : ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، على أنهم إذا جمعوا البلوغ، والرشد، لم يكن لأحد أن يلي عليهم أموالهم، وكانوا أولى بولاية أموالهم من غيرهم. والرشد - واللَّه أعلم -: الصلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة، وإصلاح المال، وإنما يعرف إصلاح المال بأن: يختبر اليتيم، والاختبار يختلف بقدر حال المختَبر" (١٤). روي عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٦] قال: " فنسخ الله من ذلك الظلم والاعتداء نسخ: ﴿إن الذين يأكلون

стр. 2716

أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ [النساء: ١٠] " (١). وروي عن الضحاك نحوه (٢). وقد ردّ ابن العربي دعوى النسخ هنا ردا عنيفا فقال: "أما من قال: إنه منسوخ فهو بعيد لا أرضاه، لأن الله تعالى يقول: ﴿فليأكل بالمعروف﴾ وهو الجائز الحسن، وقال: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ فكيف ينسخ الظلم المعروف بل هو تأكيد له في التجويز، لأنه خارج عن مغاير له، وإذا كان المباح غير المحظور لم يصح دعوى النسخ فيه" (٣). الفوائد: ١ - وجوب اختبار اليتيم قبل دفع ماله إليه، إذ لا يدفع إليه المال إلا بعد وجود الرشد. ٢ - وجوب الإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه ورشده. ٣ - حرمة أكل مال اليتيم والسفيه مطلقاً. ٤ - الوالي على اليتيم إن كان غنياً فلا يأكل من مال اليتيم شيئاً، وإن كان فقيراً استقرض ورد عند الوجد واليسار، وإن كان مال اليتيم يحتاج إلى أجير للعمل فيه جاز للوفي أن يعمل بأجرة المثل. ٥ - إثبات اسمه تعالى «الحسيب»، أي: الحفيظ، والكافي، والشهيد، والمحاسب. قال الخطابي: "الحسيب: هو المكافىء. فعيل بمعنى: مفعل، كقولك: أليم، بمعنى: مؤلم. تقول العرب: نزلت بفلان فأكرمني وأحسبني، أي: أعطاني ما كفاني حتى قلت: حسبي. ومنه قول الشاعر (٤): ونقفي وليد الحي إن كان جائعا ... ونحسبه إن كان ليس بجائع والحسيب أيضا بمعنى: المحاسب، كقولهم: وزير، ونديم: بمغنى موازر ومنادم. ومنه قول الله -سبحانه-: ﴿كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ [الإسراء: ١٤] أي: محاسبا" (٥). جاء في الحديث: " إن كان أحدكم مادحا لا محالة؛ فليقل: أحسب كذا وكذا - إن كان يرى أنه كذلك -، وحسيبه الله، ولا يزكى على الله أحد" (٦). القرآن ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧] التفسير: للذكور -صغارًا أو كبارًا- نصيب شرعه الله فيما تركه الوالدان والأقربون من المال، قليلا كان أو كثيرًا، في أنصبة محددة واضحة فرضها الله لهؤلاء، وللنساء كذلك. في سبب نزول الآية وجهان: أحدهما: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: " وذلك أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ولا الولدان الصغار شيئا، يجعلون الميراث لذي الأسنان من الرجال، فنزلت: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ " (٧). وفي السياق نفسه، قال قتادة: " كانوا لا يورثون النساء فنزلت: ﴿وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ " (٨). والثاني: وأخرج ابن المنذر (٩)، وابن أبي حاتم (١٠)، عن ابن عباس: " نزلت في أم كلثوم، وبنت أم كحلة، وثعلبة بن أوس، وسويد كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها".

стр. 2717

وزاد ابن المنذر: " فقالت: يا رسول الله توفي زوجي، وتركني وابنته، ولم نورث من ماله، فقال عم ولدها: يا رسول الله لا تركب فرسا، ولا تنكي عدوا ويكسب عليها ولا تكسب ".قال ابن جريج: وقال آخرون: هي أم حجة، توفي زوجها، وتركها وبنات لها ذمائم، فقالت يا رسول الله: توفي زوجي وتركني وبناتي، فلم نورث" (١). وفي المعنى نفسه قال مقاتل: " قوله- سبحانه-: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾، نزلت في أوس بن مالك الأنصاري وذلك أن أوس بن مالك الأنصاري توفي وترك امرأته أم كحة الأنصارية (٢)، وترك ابنتين إحداهن صفية، وترك ابني عمه عرفطة وسويد ابني الحارث «فلم يعطياها ولا ولداها شيئا من الميراث. وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الولدان الصغار شيئا ويجعلون الميراث لذوي الأسنان منهم، فانطلقت أم كحة وبناتها إلى النبي- ﷺ فقالت: إن أباهن توفي، وإن سويد بن الحارث، وعرفطة منعاهن حقهن من الميراث. فأنزل الله- في أم كحة وبناتها: ﴿للرجال نصيب﴾ " (٣). وأخرجه أبو الشيخ ابن حبان من طريق الكلبي، (٤)، وذكره الواحدي (٥)، والثعلبي (٦). قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]، " للذكور -صغارًا أو كبارًا- نصيب شرعه الله فيما تركه الوالدان والأقربون من المال وللنساء كذلك" (٧). قال الطبري: أي: " للذكور من أولاد الرجل الميِّت حصة من ميراثه، وللإناث منهم حصة منه، من قليل ما خلَّف بعده وكثيره، حصة مفروضة، واجبةٌ معلومة مؤقتة" (٨). قال سعيد بن جبير: " يعني: حظا مما ترك الوالدان والأقربون" (٩). قال الزجاج: " كانت العرب لا تورث إلا من طاعن بالرماح وزاد عن المال وحاز الغنيمة، فأعلم الله أن حق الميراث على ما ذكر من الفرض، وجاءت امرأة إلى النبي ﷺ ومعها بنات لها توفي أبوهن وهو زوجها، وقد هم عما البنات بأخذ المال فنزلت: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ الآية. فقال العمان: يا رسول الله أيرث من لا يطاعن بالرماح ولا يزود عن المال ولا يحوز الغنيمة؟ فقال ﷺ : أعطيا البنات الثلثين، وأعطيا الزوجة - وهي أمهن - الثمن، وما بقي فلكما، فقالا: فمن يتولى القيام بأمرهما؟ فأمرهما النبي ﷺ أن يتوليا ذلك" (١٠). قال ابن أبي زمنين: " هذا حين بين الله فرائض المواريث، نزلت آية المواريث قبل هذه الآية، وهي بعدها في التأليف؛ وكان أهل الجاهلية لا يعطون النساء من الميراث، ولا الصغير شيئا، وإنما كانوا يعطون من يحترف وينفع ويدفع، فجعل الله لهم من ذلك" (١١). قال الزمخشري: " ﴿الأقربون﴾، هم المتوارثون من ذوى القرابات دون غيرهم" (١٢). قوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ [النساء: ٧]، " أي: سواء كانت التركة قليلة أو كثيرة" (١٣). قال سعيد بن جبير: " يعني: من الميراث" (١٤). قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]، "أي: نصيبا مقطوعا واجبا" (١٥). قال الضحاك: " ﴿نصيبا مفروضا﴾ ذلك وقفا معلوما " (١٦). وروي عنه أيضا: " مفروضا قال: وفيا" (١٧).

стр. 2718

قال سعيد بن جبير: "يعني: حظا" (١)، معلوما" (٢). قال الطبري: أي: " حصة مفروضة، واجبةٌ معلومة مؤقتة" (٣). قال ابن قتيبة: يعني: " موجبا فرضه الله. أي أوجبه" (٤). قال مقاتل: " يعني: حظا مفروضا، يعني: معلوما، فأخذت أم كحة الثمن وبناتها الثلثين وبقيته لسويد وعرفطة" (٥). قال الثعلبي: أي: " حظا معلوما واجبا، نظيرها فيما قال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨] " (٦). قال الزجاج: " هذا منصوب على الحال، المعنى لهؤلاء أنصبة على ما ذكرناها في حال الفرض، وهذا كلام مؤكد لأن قوله - جل ثناؤه -: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب. . .﴾، معناه: إن ذلك مفروض لهن" (٧). قال الراغب: " المفروض: المقطوع بإيجابه، والفرض الحز في شيةرالقوس، والفرضة مقطع الماء، إما اعتبارا بقطع الماء أو قطعرالخصومة فيه، وبعض الفقهاء فرق بين الفرض والواجب، فجعل الفرض أخص، روقال: إنه يقتضي فارضا، والواجب لا يقتضيه، قال: ولذلك يقال: ثواب المطيعين واجب على الله، رولا يقال: فرض عليه" (٨). قال أبو عبيدة: " ﴿نصيبا مفروضا﴾ نصب على الخروج من الوصف " وقال بعضهم في قوله جل وعز: ﴿نصيبا مفروضا﴾ نصب، وإنما جعله نصبا، جعل ذلك لهم نصيبا مفروضا، وانتصابه كانتصاب ﴿كتابا مؤجلا﴾ " (٩). قال الماتريدي: وفي الآية " دلالة نسخ الوصية للوارث؛ لأنه قال : ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب. . .﴾، إلى قوله: ﴿مفروضا﴾، أي: معلوما بما أوجب في كل قبيل" (١٠). أخرج ابن المنذر عن ابن عباس: " ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١١)، قال: نسختها هذه الآية: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ الآية " (١٢). قال ابن الجوزي: " قد زعم بعض من قل علمه وعزب فهمه من المتكلمين في الناسخ والمنسوخ، أن هذه الآية نزلت في إثبات نصيب النساء مطلقا من غير تحديد، لأنهم كانوا لا يورثون النساء ثم نسخ ذلك بآية المواريث (١٣). وهذا قول مردود في الغاية وإنما أثبتت هذه الآية ميراث النساء في الجملة وثبت آية المواريث مقداره ولا وجه للنسخ بحال" (١٤). الفوائد: ١ - بيان علة الميراث، وهي القرابة. ٢ - عموم القرابة كيفما تصرفت من قرب أو بعد.

стр. 2719

٣ - إجمال النصيب المفروض، فبيّن الله في آية المواريث خصوص القرابة ومقدار النصيب، وكان نزول هذه الآية توطئة للحكم وإبطالا لذلك الرأي الفاسد، حتى وقع البيان الشافي بعد ذلك على سيرة الله وسنته في إبطال آرائهم وسنتهم. القرآن ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [النساء: ٨] التفسير: وإذا حضر قسمةَ الميراث أقاربُ الميت ممن لا حقَّ لهم في التركة، أو حضرها من مات آباؤهم وهم صغار دون سن البلوغ، أو مَن لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم فأعطوهم شيئًا من المال على وجه الاستحباب قبل تقسيم التركة على أصحابها، وقولوا لهم قولا حسنًا غير فاحش ولا قبيح. في سبب نزول الآية: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: "كان الرجل ينفق على جاره وقرابته، فإذا مات حضروا، قال وليه: ما نملك منه شيئا، فأمرهم الله أن يقولوا قولا معروفا" (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ [النساء: ٨]، " وإذا حضر قسمة التركة أقاربُ الميت ممن لا حقَّ لهم في التركة، أو حضرها من مات آباؤهم وهم صغار دون سن البلوغ، أو مَن لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم" (٢). قال مقاتل: " يعني: قسمة المواريث فيها تقديم، وإذا حضر ﴿أولوا القربى﴾، يعني: قرابة الميت، واليتامى والمساكين قسمة المواريث" (٣). قال السمعاني: يعني: قسمة التركة في مواريث إذا حضرها من لا يرث الميت من أقاربه، أو اليتامى، والمساكين" (٤). قال ابن زيد: " القسمة الوصية، جعل الله للميت جزء من ماله يوصي به لمن يشاء إلى من لا يرثه" (٥). قال البغوي: " ﴿أولو القربى﴾: الذين لا يرثون" (٦). قوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨]، أي: " فأعطوهم شيئاً من هذه التركة تطييباً لخاطرهم" (٧). قال مقاتل: " يعني فأعطوهم من الميراث وإن قل وليس بموقت (٨)، هذه قبل قسمة المواريث" (٩). قال البغوي: " أي: فارضخوا لهم من المال قبل القسمة" (١٠). قال أبو السعود: " أي أعطوهم شيئا من المال المقسوم المدلول عليه بالقسمة وقيل الضمير لما وهو أمر ندب كلف به البالغون من الورثة تطييبا لقوب الطوائف المذكورة وتصدقا عليهم وقيل أمر وجوب" (١١). قال السعدي: " أي: أعطوهم ما تيسر من هذا المال الذي جاءكم بغير كد ولا تعب، ولا عناء ولا نَصَب، فإن نفوسهم متشوفة إليه، وقلوبهم متطلعة، فاجبروا خواطرهم بما لا يضركم وهو نافعهم" (١٢). قال الإمام الشافعي: " فأمر اللَّه أن يرزق من القسمة أولو القربى، واليتامى، والمساكين (الحاضرون القِسمة) ولم يكن في الأمر في الآية أن يرزق من القسمة من مثلهم في القرابة، واليتم، والمسكنة، ممن لم يحضر.

стр. 2720

وبهذا أشباه وهي: أن تُضيف من جاءك، ولا تُضيف من لم يقصد قصدك، ولو كان محتاجاً، إلا أن تتطوع، وقال لي بعض أصحابنا: قسمة الميراث. وقال بعضهم: قسمة الميراث وغيره من الغنائم، فهذا أوسع وأحبُّ إليَّ، أن يعطوا ما طاب به نفس المعطي، ولا يوقّت، ولا يحرمون" (١). قال الأخفش: " ثم قال ﴿فارزقوهم منه﴾، لأن معناه المال والميراث فذكر على ذلك المعنى" (٢). قال الشنقيطي: " ووصف بعض خلقه بأنه يفعل الرزق أيضا، قال: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ [النساء: آية ٨]، وقال: ﴿وعلى المولود له رزقهن﴾ [البقرة: آية ٢٣٣]، ورزق الله لخلقه ليس كرزق الناس بعضهم لبعض، فبين الفعل والفعل من المنافاة كمثل ما بين الذات والذات" (٣). قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨]، أي: " وقولوا لهم قولا حسنًا غير فاحش ولا قبيح" (٤). قال السمعاني: " أي: قولوا لهم: بورك فيكم" (٥). قال أبو السعود: " وهو أن يدعوا لهم ويستقلوا ما أعطوهم ويعتذروا من ذلك ولا يمنوا عليهم" (٦). قال السعدي: أي: " يردوهم ردًّا جميلا بقول حسن غير فاحش ولا قبيح، وكان الصحابة ﵃ -إذا بدأت باكورة أشجارهم- أتوا بها رسول الله ﷺ فبرَّك عليها، ونظر إلى أصغر وليد عنده فأعطاه ذلك، علما منه بشدة تشوفه لذلك، وهذا كله مع إمكان الإعطاء، فإن لم يمكن ذلك -لكونه حق سفهاء، أو ثَم أهم من ذلك- فليقولوا لهم ﴿قَولا مَعْرُوفًا﴾ " (٧). قال مجاهد: " قال أن يرضخوا لأقاربهم إن كان الورثة كبارا، وإن كانوا صغارا قال الوصي: هم صفار ولست أملك منه شيئا" (٨). قال مقاتل: " يقول- سبحانه- إن كانت الورثة صغارا فليقل أولياء الورثة لأهل هذه القسمة: إن بلغوا أمرناهم أن يدفعوا حقكم ويتبعوا وصية ربهم- وإن ماتوا وورثناهم وأعطيناكم حقكم فهذا القول المعروف يعني العدة الحسنة" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨] أربعة تأويلات: أحدها: أن يقول لهم الولي حين يعطيهم: يرزقكم الله: يعينكم الله ويرضخ لهم من الثمار، رواه سالم الأفطس، عن ابن جبير (١٠). والثاني: أن يقول الولي: إنه مال يتامى، وما لي فيه شيء، رواه أبو بشر عن ابن جبير (١١). وفي رواية أخرى عن ابن جبير، قال: إن كان الميت أوصى لهم بشيء أنفذت لهم وصيتهم، وإن كان الورثة كبارا رضخوا لهم، وإن كانوا صغارا، قال وليهم: إني لست أملك هذا المال، إنما هو للصغار، فذلك القول المعروف (١٢)، وروي عن إبراهيم (١٣)، ومقاتل بن حيان (١٤) نحو ذلك. والثالث: أنه العدة الحسنة، وهو أن يقول لهم أولياء الورثة: إن هؤلاء الورثة صغار، فاذا بلغوا أمرناهم أن يعرفوا حقكم. رواه عطاء بن دينار، عن ابن جبير (١٥). والرابع: أنهم يعطون من المال، ويقال لهم عند قسمة الأرضين والرقيق: بورك فيكم، وهذا القول المعروف (١٦).

стр. 2721

قال الحسن والنخعي: "أدركنا الناس يفعلون على على القرابات والمساكين. واليتامى من العين" (١). قال الزجاج: " يعنيان الورق، والذهب، فإذا قسم الورق والذهب وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك؛ قالوا لهم قولا معروفا. كانوا يقولون لهم: بورك فيكم" (٢). وقد أهل التأويل في حكم هذه الآية، هل هو محكم أو منسوخ؟ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ثابتة الحكم. قاله ابن عباس (٣) , ومجاهد (٤) , وإبراهيم (٥)، والشعبي (٦) , والحسن (٧) , ومنصور (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، والزهري (١٠)، ويحيى بن يعمر (١١). قال سعيد بن جبير: "هذه الآية يتهاون بها الناس. قال، وهما وليَّان، أحدهما يرث، والآخر لا يرث. والذي يرث هو الذي أمر أن يرزقهم قال، يعطيهم قال، والذي لا يرث هو الذي أمر أن يقول لهم قولا معروفا. وهي محكمة وليست بمنسوخة" (١٢). وقال الحسن: " هي ثابتة، ولكن الناس بخلوا وشحوا" (١٣). ورُوي عن عبيدة: " أنه وَلِي وصية، فأمر بشاة فذبحت وصنع طعامًا، لأجل هذه الآية، وقال، لولا هذه الآية لكان هذا من مالي" (١٤). والثاني: أنها منسوخة بآية المواريث , وهذا قول قتادة , وسعيد بن المسيب (١٥) , وأبي مالك (١٦) , والضحاك (١٧)، وابن عباس في إحدى الروايات (١٨)، والفقهاء. الثالث: أن المراد بها وصية الميت التي وصَّى بها أن تفرق فِيْمَنْ ذُكِرَ وفِيمَنْ حَضَرَ, فيكون ثبوت حكمها على غير الوجه الأول. وهو قول عائشة (١٩)، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر (٢٠)، وابن زيد (٢١)، وسعيد بن المسيب في قوله الآخر (٢٢). واختلف مَنْ قال: بثبوت حكمها على الوجه الأول في الوارث إذا كان صغيراً هل يجب على وليَّه إخراجها من سهمه على قولين: أحدهما: يجب, وهو قول ابن عباس (٢٣) , وسعيد (٢٤) , ويقول الولي لهم قولاً معروفاً. والثاني: أنه حق واجب في أموال الصغار على الأولياء , وهو قول عبيدة (٢٥) , والحسن (٢٦).

стр. 2722

والراجح-والله أعلم- أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، "وإنما عنى بها الوصية لأولي قربى الموصي وعنى باليتامى والمساكين: أن يقال لهم قول معروف" (١). قال ابن العربي: "وأكثر أقوال المفسرين أضغاث وآثار ضعاف، والصحيح أنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له منهم بأن يسهم لهم من التركة ويذكر لهم من القول ما يؤنسهم وتطيب به نفوسهم. وهذا محمول على الندب من وجهين: أحدهما: أنه لو كان فرضا لكان ذلك استحقاقا في التركة ومشاركة في الميراث لأحد الجهتين معلوم وللآخر مجهول؛ وذلك مناقض للحكمة وإفساد لوجه التكليف. الثاني: أن المقصود من ذلك الصلة، ولو كان فرضا يستحقونه لتنازعوا منازعة القطيعة" (٢). وقال الحافظ في الفتح وهو يناقش الآثار المروية عن ابن عباس في الباب –"أن ما روى البخاري عن ابن عباس من طريق عكرمة وسعيد بن جبير - وهو إحكام الآية - وهو المعتمد عليه وبقية الروايات كلها وردت من أوجه لا يعتمد عليها، والذي ثبت عن ابن عباس في الباب إحكام الآية لا نسخها" (٣). وفي السياق نفسه قال الزجاج: " وقد أجمعوا أن الأمر بالقسمة من الميراث للقرابة والمساكين واليتامى قد أمر بهما، ولم يجمعوا على نسخها، والأمر في ذلك على ما أجمع عليه، والله أعلم" (٤). الفوائد: ١ - أن هذه الآية ضمن أحكام الله الحسنة الجليلة الجابرة للقلوب. ٢ - وجوب النصح والإرشاد للمحتضر حتى لا يجور في وصيته عند موته، إذ تضمنت الآية: إرشاد الله تعالى للمؤمن الذي يحضر مريضاً على فراش الموت بأن لا يسمح له أن يحيف في الوصية بأن يوصي لوارث أو يوصي بأكثر من الثلث أو يذكر ديناً ليس عليه، وإنما يريد حرمان الورثة. ٣ - أن كل من له تطلع وتشوف إلى ما حضر بين يدي الإنسان، ينبغي له أن يعطيه منه ما تيسر، كما كان النبي ﷺ يقول: " إذا أتى أحدكم خادمه بطعام، فليجلسه معه، وليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي حره ودخانه" (٥). قال الشيخ السعدي: "وكان الصحابة ﵃ -إذا بدأت باكورة أشجارهم- أتوا بها رسول الله ﷺ فبرك عليها، ونظر إلى أصغر وليد عنده فأعطاه ذلك، علما منه بشدة تشوفه لذلك، وهذا كله مع إمكان الإعطاء" (٦). القرآن ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ [النساء: ٩] التفسير: ولْيَخَفِ الذين لو ماتوا وتركوا من خلفهم أبناء صغارًا ضعافًا خافوا عليهم الظلم والضياع، فليراقبوا الله فيمن تحت أيديهم من اليتامى وغيرهم، وذلك بحفظ أموالهم، وحسن تربيتهم، ودَفْع الأذى عنهم، وليقولوا لهم قولا موافقا للعدل والمعروف. في سبب نزول الآية: أخرج الطبري، وابن أبي حاتم (٧)، وابن المنذر (٨)، عن ابن عباس، قال: "فهذا في الرجل يحضره الموت فيسمعه يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله سبحانه الذي سمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يُصنع لورثته إذا خشي عليهم الضيَّعة" (٩).

стр. 2723

قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]، أي: " ولْيَخَفِ الذين لو ماتوا وتركوا من خلفهم أبناء صغارًا ضعافًا خافوا عليهم الظلم والضياع" (١). قال البغوي: " ﴿ضعافا﴾، أي: أولادا صغارا، ﴿خافوا عليهم﴾ الفقر، هذا في الرجل يحضره الموت، فيقول من بحضرته: انظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا، قدم لنفسك، أعتق وتصدق وأعط فلانا كذا وفلانا كذا، حتى يأتي على عامة ماله، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يأمروه أن ينظر لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث، ولا يجحف بورثته كما لو كان هذا القائل هو الموصي يسره أن يحثه من بحضرته على حفظ ماله لولده، ولا يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم" (٢). قال سعيد بن جبير: " قوله: ﴿من خلفهم﴾، يعني: من بعد موتهم" (٣)، قوله: ﴿ذرية ضعافا﴾، قال: ذرية ضعفاء" (٤)، يعني: "عجزة لا حيلة لهم" (٥)، "قوله: ﴿خافوا عليهم﴾، يعني: على ولد الميت الضيعة كما يخافون على ولد أنفسهم" (٦). قال قتادة: " يقول: من حضر ميتًا فليأمره بالعدل والإحسان، ولينهه عن الحَيْف والجور في وصيته، وليخش على عياله ما كان خائفًا على عياله لو نزل به الموت (٧). قال ابن عباس: " يعني: الرجل يحضره الموت فيقال له: تصدق من مالك، وأعتق، وأعط منه في سبيل الله، فنهوا أن يأمروا بذلك، يعني: أن من حضر منكم مريضا عند الموت فلا يأمره أن ينفق ماله في العتق أو في الصدقة أو في سبيل الله، ولكن يأمره أن يبين ماله وما عليه من دين، ويوصي من ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون، يوصي لهم بالخمس أو الربع، يقول: أليس أحدكم إذا مات وله ولد ضعاف، يعني: صغارا أن يتركهم بغير مال، فيكونون عيالا على الناس، ولا ينبغي لكم أن تأمروه بما لا ترضون به لأنفسكم ولا أولادكم، ولكن قولوا الحق من ذلك" (٨). وقال الكلبي: "هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم فليحسن إليه وليأت إليه في حقه ما يجب أن يفعل بذريته من بعده" (٩). قال أبو السعود: " أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم أو لمن حضر المريض من العواد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم أو يخشوا أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه أن يضر بهم بصرف المال عنهم أو للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافا مثلهم هل يجوزون حرمانهم أو للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية ولو بما في حيزها صلة للذين على معنى وليخش الذين حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا أن يخلفوا ورثة ضعافا خافوا عليهم الضياع وفي ترتيب الأمر عليه إشارة إلى المقصود إلى المقصود منه والعلة فيه وبعث على النساء الترحم وأن يحب لأولاد غيره ما يحب لأولاد نفسه وتهديد للمخالف بحال أولاده" (١٠). وقرأ حمزة وحده ﴿ضعفا﴾ بإمالة العين، وكذلك ﴿خافوا﴾، بإمالة الخاء، واختلف عنه في الإمالة، فروى عنه عبيد الله بن موسى ﴿ضعفا﴾ بالفتح، وروى خلف عن سليم بن عيسى عنه بالكسر (١١). قوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]، أي: "فليتقوا الله في أمر اليتامى، وليقولوا لهم قولا موافقا للعدل والمعروف" (١٢). قال مقاتل: " يعني عدلا فليأمره بالعدل في الوصية فلا يحرفها ولا يجر فيها" (١٣).

стр. 2724

قال البغوي: " أي: عدلا، والسديد: العدل، والصواب من القول، وهو أن يأمره بأن يتصدق بما دون الثلث ويخلف الباقي لولده" (١). قال السعدي: " أي: سدادا، موافقا للقسط والمعروف. وأنهم يأمرون من يريد الوصية على أولاده بما يحبون معاملة أولادهم بعدهم" (٢). قال سعيد بن جبير: " يقولوا للميت إذا جلسوا إليه قولا سديدا (٣). وثبت في الصحيحين: "أن رسول الله ﷺ لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال: يا رسول الله، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". قال: فالشطر؟ قال: "لا". قال: فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير". ثم قال رسول الله ﷺ : "إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" (٤). وفي الصحيح أن ابن عباس قال: "لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله ﷺ قال: «الثلث، والثلث كثير» " (٥). قال ابن كثير: " قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء استحب للميت أن يستوفي الثلث في وصيته وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص الثلث" (٦). قال أبو السعود: " أمرهم بالتقوى التي هي غاية الخشية بعد ما أمرهم بها مراعاة للمبدأ والمنتهى إذ لانفع للأول بدون الثاني ثم أمرهم بان بقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولاودهم بالشفقة وحسن الأدب أو للمريض ما يصده عن الإسراف في الوصية وتضييع الورثة ويذكره التوبة وكلمة الشهادة أو لحاضري القسمة عذرا ووعدا حسنا أو يقولوا في الوصية مالا يؤدي إلى تجاوز الثلث" (٧). وقد اختلف أهل العلم في تفسير الآية ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]، على أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: وليحذر الذين يحضرون مَّيتاً يوصي في ماله أن يأمروه بتفريق ماله وصية فيمن لا يرثه ولكن ليأمروه أن يبقى ماله لولده، كما لو كان هو الموصي لآثر أن يبقة ماله لولده، وهذا قول ابن عباس (٨)، وقتادة (٩)، ومجاهد (١٠)، والسدي (١١)، وسعيد بن جبير (١٢). والثاني: أن معناه وليحذر الذين يحضرون الميت وهو يوصي أن ينهوه عن الوصية لأقربائه، وأن يأمره بإمساك ماله والتحفظ به لولده، وهم لو كانوا من أقرباء الموصى لآثروا أن يوصي لهم، وهو قول مقسم (١٣)، وسليمان بن المعتمر (١٤). والثالث: أن ذلك أمر من الله تعالى لِوُلاةِ الأيتام، أن يلوهم بالإحسان إليهم في أنفسهم وأموالهم، كما يحبون أن يكون ولاة أولادهم الصغار من بعدهم في الإحسان إليهم لو ماتوا وترموا أولادهم يتامى صغاراً، وهو مروي عن ابن عباس (١٥). والرابع: أن من خشي على ذريته من بعده، وأحب أن يكف الله عنهم الأذى بعد موته، فليتقوا الله وليقولا قولاً سديداً، وهو قول أبي بشر بن الديلمي (١٦). والراجح أن المعنى: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم العَيْلة لو كانوا فرقوا أموالهم في حياتهم، أو قسموها وصية منهم بها لأولي قرابتهم وأهل اليُتم والمسكنة، فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العَيْلة عليهم بعدهم، مع ضعفهم وعجزهم عن المطالب، فليأمروا من حضروه وهو يوصي لذوي قرابته - وفي اليتامى والمساكين وفي غير ذلك - بماله بالعدل وليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا، وهو أن يعرّفوه ما أباح الله له من الوصية، وما اختاره للموصين من أهل الإيمان بالله وبكتابه وسنته" (١٧). وبذلك يمكن القول بأن في المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه خطاب للحاضرين عند الموصي. وهو على وجهين: الأول: أن المعنى: وليخش الذين يحضرون موصيا بوصي في ماله أن يأمروه بتفريق ما له فيمن لا يرثه فيفرقه ويترك ورثته. وهذا قول ابن عباس (١٨)، وقتادة (١٩)، ومجاهد (٢٠)، والسدي (٢١)، وسعيد بن جبير (٢٢). والثاني: على الضد، وهو أنه نهي لحاضري الموصي عند الموت أن يمنعوه عن الوصية لأقاربه، وأن يأمروه الاقتصار على ولده، وهو قول مقسم (٢٣)، وسليمان بن المعتمر (٢٤). القول الثاني: أنه خطاب لأولياء اليتامى، راجع إلى قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا﴾، فقال تعالى: - يعني أولياء اليتامى - ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله﴾ فيمن ولوه من اليتامى وليحسنوا إليهم في أنفسهم وأموالهم كما يحبون أن يحسن ولاة أولادهم لو ماتوا هم إليهم. وهذا ايضا مروي عن ابن عباس بسند ضعيف (٢٥). والقول الثالث: أنه خطاب للأوصياء بإجراء الوصية على ما رسم الموصي وأن يكون الوجوه التي فيها مرعية بالمحافظة كرعي الذرية الضعاف من غير تبديل ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٢]، فأمر بهذه الآية إذا وجد الوصي من الموصي في الوصية جنفا أو ميلا عن الحق فعليه الإصلاح في ذلك، واستعمال قضية الشرع ورفع الحال الواقع في الوصية. ذكره علي بن عبيد الله وغيره (٢٦). قال ابن الجوزي: " وعلى هذا القول تكون الآية منسوخة، وعلى الأقوال قبلها هي محكمة، والنسخ منها بعيد، لأنه إذا أوصى بجور لم يجز أن يجري على ما أوصى" (٢٧). ويجدر القول بان أصحاب أمهات كتب النسخ المتقدمة كابن حزم الأنصاري والنحاس ومكي بن أبي طالب فلم يتعرضوا لدعوى النسخ في هذه الآية أصلا، إنما ذكرها من المنسوخة، هبة الله في ناسخه (٢٨)، وابن هلال في ناسخه المخطوط (٢٩) بدون استناد إلى دليل. الفوائد: ١ - على من يخاف على أطفاله بعد موته أن يحسن إلى أطفال غيره فإن الله تعالى يكفيه فيهم. ٢ - أنه إذا حضر الرجل عند الوصية فليس ينبغي أن يقال: أوص بمالك، فإن الله رازق ولدك، ولكن يقال له: قدم لنفسك، واترك لولدك، فذلك القول السديد، كأن الذي يأمر بهذا يخاف على نفسه العيلة (٣٠).

стр. 2725

٣ - وفي الآية إشعار أن جزاء الإحسان الإحسان وهذا واضح ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]، فإن ما تصنعه مع أولاد الناس يصنعه الناس مع أولادك، وإن لم تكن صريحة في المعنى لكنها تدل عليه بقوة (١). ٤ - أن القول السديد سبب في صلاح الاعمال، كما أن القول المعوج سبب في فسادها، ومن ذلك قول الله سبحانه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠] التفسير: إن الذين يعْتَدون على أموال اليتامى، فيأخذونها بغير حق، إنما يأكلون نارًا تتأجّج في بطونهم يوم القيامة، وسيدخلون نارا يقاسون حرَّها. في سبب نزول الآية: نقل الواحدي والثعلبي (٢)، عن مقاتل بن حيان: "نزلت في رجل من غطفان يقال له: مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير، فأكله، فأنزل الله فيه هذه الآية" (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، أي: "إن الذين يأكلون أموال اليتامى بدون حق" (٤). قال سعيد بن جبير: " قوله: ﴿ظلما﴾، يعني: استحلالا بغير حق" (٥). قال ابن كثير: " أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب" (٦). قال السعدي: " أي: بغير حق. وهذا القيد يخرج به ما تقدم، من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى" (٧). قال الماوردي: " عبر عن الأخذ بالأكل لأنه مقصود الأخذ" (٨). قال الزجاج: " في هذا - أعني في قوله ﴿يأكلون أموال اليتامى﴾ - دليل أن مال اليتيم إن أخذ منه على قدر القيام له ولم يتجاوز ذلك جاز، بل يستظهر فيه إن أمكن ألا يقرب ألبتة لشدة الوعيد فيه، بأن لا يؤكل منه إلا قرضا، وإن أخذ القصد وقدر الحاجة على قدر نفعه فلا بأس إن شاء الله" (٩). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، أي: "ما يأكلون في الحقيقة إِلا ناراً تتأجج في بطونهم يوم القيامة" (١٠). قال ابن كثير: أي: "فإنما يأكلون نارًا تَأجَّج في بطونهم يوم القيامة" (١١). قال السعدي: " أي: فإن الذي أكلوه نار تتأجج في أجوافهم وهم الذين أدخلوها في بطونهم" (١٢). قال ابن المنذر: " وقال بعضهم في قوله : ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾ يقول في ﴿في بطونهم﴾ هنا، هي توكيد، لأنه لا يؤكل إلا في البطن" (١٣). عن أبي برزة أن رسول الله ﷺ قال: "يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا، فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ألم تر أن الله تعالى يقول: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾ الآية" (١٤).

стр. 2726

قال السدي: " إذا قام الرجل يأكل مال اليتيم ظلمًا، يُبعث يوم القيامة ولهبُ النار يخرج من فيه ومن مسامعه ومن أذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم" (١). وعن عبيد الله بن أبي جعفر أنه قال: "من أكل مال اليتيم فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة، فيملأ فوه جمرا، فيقال له: كل كما أكلته في الدنيا، ثم يدخل السعير الكبرى" (٢). عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "اجْتَنبوا السَّبْعَ الموبقات" قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشِّرْكُ بالله، والسِّحْر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزَّحْفِ، وقَذْفُ المحصنات المؤمنات الغافلات" (٣). وأخرج الطبري عن عن أبي سعيد الخدري قال: "حدثنا النبي ﷺ عن ليلة أسري به قال: «نظرت فإذا أنا بقوم لهم مَشافر كمشافر الإبل، وقد وُكِّل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرًا من نار يخرج من أسافلهم، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال، هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا» " (٤). قال ابن عباس: " لما نزلت: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما جعل كل رجل، في حجره يتيم- يعزل ماله على حدة، فشق ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (٥) فأحل لهم خلطتهم" (٦). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن مجاهد والحسن، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك نحو ذلك" (٧). قال الشنقيطي: " وهذه الآية الكريمة تدل على أن ظلم اليتيم حرام، ولما أنزل الله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾ [النساء: آية ١٠] خاف الصحابة الذين عندهم أيتام، وعزلوا مال الأيتام عن مالهم، وطعامهم عن طعامهم، حتى صار ما فضل عن اليتيم من طعامه يبقى ولا يجد من يأكله؛ خوفا منه، وربما فسد، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله آية البقرة المعروفة: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم﴾ " (٨). وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، وجهان (٩): أحدهما: يعني انهم يصيرون به إلى النار. والثاني: أنه تمتلىء بها بطونهم عقاباً يوجب النار. قوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، أي: "وسيدخلون ناراً هائلة مستعرة وهي نار السعير" (١٠). قال الطبري: أي: " وسيصلون نارا مسعرة، أي: موقودة مشعلة شديدًا حرُّها" (١١). قال السعدي: " أي: نارا محرقة متوقدة. وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر. نسأل الله العافية" (١٢). قال ابن زيد: " قال أبي: إن هذه لأهل الشرك، حين كانوا لا يورَّثونهم، ويأكلون أموالهم" (١٣). وقوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾: "الصلاء: لزوم النار" (١٤)، وذلك التسخن بها، كما قال الفرزدق (١٥): وَقَاتَلَ كَلْبُ الْحَيِّ عَنْ نَارِ أهْلِهِ ... لِيَرْبِضَ فِيهَا وَالصَّلا مُتَكنَّفُ وكما قال العجاج (١٦): مُحْرَنْجَمُ الجامِلِ والنُّؤِيُّ ... وَصَالِيَاتٌ لِلصَّلا صُلِيُّ ثم استعمل ذلك في كل من باشر بيده أمرًا من الأمور، من حرب أو قتال أو خصومة أو غير ذلك، كما قال الحارث بن عباد البكري (١٧): لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا، عَلِمَ اللهُ ... وَإِنِّي بِحَرِّهَا اليَوْمَ صَالِي فجعل ما باشر من شدة الحرب وأذى القتال، بمنزلة مباشرة أذى النار وحرِّها (١٨). والسعير: "إسعار النار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢] " (١٩)، "فوصفها بأنها مسعورة وهو شدة حر جهنم، ومنه قيل: استعرت الحرب إذا اشتدت، وإنما هو مَسعور، ثم صرف إلى سعير، كما قيل: كفّ خَضِيب، ولِحية دهين، وإنما هي مخضوبة، صرفت إلى فعيل" (٢٠). وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي ﴿وسيصلون﴾ بفتح الياء وقرأ ابن عامر ﴿وسيصلون﴾ بضم الياء، واختلف عن عاصم فروى أبان وأبو بكر بن عياش والمفضل عنه ﴿وسيصلون﴾ مثل ابن عامر بضم الياء و ﴿تصلى نارا حامية﴾ [الغاشية ٤]، بضم التاء أيضا، وروى عنه حفص ﴿وسيصلون﴾ بفتح الياء و ﴿تصلى نارا﴾ مفتوحة التاء ﴿ويصلى سعيرا﴾ [الانشقاق ١٢] مفتوحة الياء (٢١). قال الطبري: "والفتح بذلك أولى من الضم، لإجماع جميع القرأة على فتح الياء في قوله: ﴿لا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى﴾ [سورة الليل: ١٥]، ولدلالة قوله: ﴿إِلا مَنْ هُوَ صَالِي الْجَحِيمِ﴾ [سورة الصافات: ١٦٣]، على أن الفتح بها أولى من الضم" (٢٢). قال ابن الجوزي: " قد توهم قوم لم يرزقوا فهم التفسير وفقهه أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وأثبتوا ذلك في كتب الناسخ والمنسوخ، ورووه عن ابن عباس ﵄ وإنما المنقول عن ابن عباس: «﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ قال: كان يكون في حجر الرجل اليتيم فيعزل طعامه وشرابه، فاشتد ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، فأحل لهم طعامهم» (٢٣). وقال سعيد بن جبير: "لما نزلت: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ عزلوا أموالهم من أموال اليتامى، وتحرجوا من مخاطبتهم فنزل قوله: تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ ١. وهذا ليس على سبيل النسخ؛ لأنه لا خلاف أن أكل أموال اليتامى ظلما حرام" (٢٤). ثم نقل ابن الجوزي عن أبي جعفر النحاس: أن"هذه الآية لا يجوز فيها ناسخ ولا منسوخ، لأنها خبر ووعيد، ونهي عن الظلم والتعدي، ومحال نسخ هذا، فإن صح ما ذكروا عن ابن عباس فتأويله من اللغة: أن هذه الآية على نسخة تلك الآية" (٢٥). وقد وزعم بعضهم أن ناسخ هذه الآية قوله تعالى: ﴿من كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٦] (٢٦). قال ابن الجوزي: " وهذا قبيح؛ لأن الأكل بالمعروف ليس بظلم فلا تنافي بين الآيتين" (٢٧).

стр. 2727

الفوائد: ١ - حرمة أكل مال اليتامى ظلماً، والوعيد الشديد فيه. قال السعدي: " وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر. نسأل الله العافية" (١). ٢ - أن هذا القيد يخرج به ما تقدم، من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] أي: بمنزلة الإخوان، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. القرآن ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١] التفسير: يوصيكم الله ويأمركم في شأن أولادكم: إذا مات أحد منكم وترك أولادًا: ذكورًا وإناثًا، فميراثه كله لهم: للذكر مثل نصيب الأنثيين، إذا لم يكن هناك وارث غيرهم. فإن ترك بنات فقط فللبنتين فأكثر ثلثا ما ترك، وإن كانت ابنة واحدة، فلها النصف. ولوالِدَي الميت لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد: ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا أو أكثر. فإن لم يكن له ولد وورثه والداه فلأمه الثلث ولأبيه الباقي. فإن كان للميت إخوة اثنان فأكثر، ذكورًا كانوا أو إناثًا، فلأمه السدس، وللأب الباقي ولا شيء للإخوة. وهذا التقسيم للتركة إنما يكون بعد إخراج وصية الميت في حدود الثلث أو إخراج ما عليه من دَيْن. آباؤكم وأبْناؤكم الذين فُرِض لهم الإرث لا تعرفون أيهم أقرب لكم نفعًا في دنياكم وأخراكم، فلا تفضلوا واحدًا منهم على الآخر. هذا الذي أوصيتكم به مفروض عليكم من الله. إن الله كان عليمًا بخلقه، حكيمًا فيما شرعه لهم. في سبب نزول الآية أقوال: أحدها: أخرج الإمام البخاري وغيره (٢)، عن جابر بن عبد الله قال: "عادني رسولُ الله ﷺ وأبو بكر في بني سَلمَةَ ماشيين، فوجَدَني النبي ﷺ لا أعقل شيئا، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم رَش عَلَيَّ، فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ " (٣). الثاني: أخرج الإمام احمد وغيره (٤)، عن جابر قال: "جاءت امرأة سعد بن الرَّبيع إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما معك في أحُد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يَدَعْ لهما مالا ولا يُنْكَحَان إلا ولهما مال. قال: فقال: «يَقْضِي اللَّهُ في ذلك». قال: فنزلت آية الميراث، فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى عمهما فقال: «أعْطِ ابْنَتي سعد الثلثين، وأُمُّهُمَا الثُّمُنَ، وما بقي فهو لك» " (٥).

стр. 2728

والثالث: أخرج الطبري وابن ابي حاتم (١)، عن السدي: " كان أهل الجاهلية لا يورِّثون الجواريَ ولا الصغارَ من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها أم كجَّة، وترك خمس أخواتٍ، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كجَّة ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله ﵎ هذه الآية: ﴿فإن كُنَّ نساء فوق اثنتين فلهن ثُلُثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾، ثم قال في أم كجة: ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن﴾ " (٢). والرابع: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (٣)، عن ابن عباس: " ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾، وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا: تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة! ! اسكتوا عن هذا الحديث لعلّ رسول الله ﷺ ينساه، أو نقول له فيغيِّره. فقال بعضهم: يا رسول الله، أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ونعطي الصبيَّ الميراث وليس يغني شيئًا؟ ! وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، لا يعطون الميراث إلا من قاتل، يعطونه الأكبر فالأكبر" (٤)، «فنزلت ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾» (٥). قال ابن كثير: " والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة (٦) من هذه السورة كما سيأتي، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات، ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة، ولكن ذكرنا الحديث هاهنا تبعا للبخاري، ﵀، فإنه ذكره هاهنا. والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية، والله أعلم" (٧). قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، " أي: يأمركم الله ويعهد إِليكم بالعدل في شأن ميراث أولادكم، بأن للإِبن من الميراث مثل نصيب البنتين" (٨). قال ابن كثير: " أي: يأمركم بالعدل فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث" (٩). قال الزجاج: " معنى " يوصيكم ": يفرض عليكم، لأن الوصية من الله -فرض، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وهذا من المحكم علينا" (١٠). ةقد ذكرا في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وجهان (١١): أحدهما: أن المعنى: يفرضكم الله، وقد سمى الله - تعالى – الميراث فريضة في غير آى من القرآن بقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ [النساء: ٧]، ثم قال: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]، وقال -أيضا- في آخر هذه الآية: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، ولأنه شيء تولى الله إيجابه من غير اكتساب أهله؛ فهو كالفرائض التي أوجبها الله على عباده من غير اكتساب أهلها؛ فعلى ذلك سمى هذه فريضة؛ لأن الله - تعالى – أوجبه. والثاني: معناه: يبين الله في أولادكم. . . إلى آخر ما ذكر.

стр. 2729

قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، " أي: بأن للإِبن من الميراث مثل نصيب البنتين" (١). قال الزجاج: " المعنى: يستقر للذكر مثل حظ الأنثيين، له الثلثان وللابنة الثلث" (٢). قال ابن كثير: " فاوت بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين؛ وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتجشُّم المشقة، فناسب أن يُعْطَى ضعْفَيْ ما تأخذه الأنثى" (٣). عن ابن عباس: "قوله: ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾: صغيرا وكبيرا" (٤). عن السدي: " قوله: ﴿حظّ﴾، يقول: نصيب" (٥). وقد استنبط أهل العلم من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم (٦)، كما جاء في الحديث الصحيح، وقد رأى امرأة من السَّبْي تدور على ولدها، فلما وجدته أخذته فألْصَقَتْه بصَدْرها وأرضعته. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أتَروْن هذهِ طارحةَ ولدها في النار وهي تَقْدِرُ على ذلك؟ " قالوا: لا يا رسول الله: قال: "فَوَاللهِ للَّهُ أًرْحَمُ بعبادِهِ من هذه بِوَلَدِهَا" (٧). وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: "كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنَسَخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع" (٨). قال ابن المنذر: " وأجمعوا على أن مال الميت بين جميع ولده للذكر مثل خط الأُنثيين، إذا لم يكن معهم أحد من أهل الفرائض، إذا كان معهم من له فرض المعلوم، بدئ بفرضه فأعطيه، وجعل الفاضل من المال بين الولد: للذكر مثل حظ الأُنثيين" (٩). قوله تعالى ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]، أي: " إِن كان الوارث إِناثاً فقط اثنتين فأكثر، فللبنتين فأكثر ثلثا التركة" (١٠). قال مقاتل: " يعني بنات أم كحة، فلهن ثلثا ما ترك" (١١). عن سعيد بن جبير: " قوله: ﴿فإن كنّ نساء﴾، يعني: بنات" (١٢)، " قوله: ﴿فوق اثنتين﴾، يعني: أكثر من اثنتين، أو اثنتين ليس معهن ذكر" (١٣)، " قوله: ﴿فلهن ثلثا ما ترك﴾: الميت، والبقية للعصبة" (١٤). قال ابن المنذر: "وأجمعوا أن للأنثيين من البنات الثلثين" (١٥). قوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، أي: " أي وإِن كانت الوارثة بنتاً واحدة فلها نصف التركة" (١٦). قال مقاتل: " وإن كانت ابنة واحدة فلها النصف" (١٧). قال سعيد بن جبير: " ﴿وإن كانت واحدة﴾، يعني: ابنة واحدة" (١٨).

стр. 2730

وقوله ﴿وإن كانت واحدة﴾، كلهم قرءوا: ﴿وإن كانت وحدة﴾، نصبا، إلا نافعا فإنه قرأ: ﴿وإن كانت وحدة﴾، رفعا (١). قوله تعالى ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، أي: " أي للأب السدس وللأم السدس من تركة الميت، إِن وجد للميت ابن أو بنت" (٢). قال مقاتل: " ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك الميت إن كان له ولد" (٣). قال سعيد بن جبير: "قوله: ﴿ولأبويه﴾، يعني: أبوي الميت" (٤)، "قوله: ﴿لكل واحد منهما السدس مما ترك﴾: مما ترك الميت" (٥)، "قوله: ﴿إن كان له ولد﴾: يعني ذكرا كان أو كانتا انثيين فوق كل ذلك، ولم يكن معهن ذكر، فإن كان الولد ابنة واحدة فلها نصف المال، ثلثه أسداس، وللأب سدس ويبقى سدس واحد، فيرد ذلك على الأب لأنه هو العصبة" (٦). قال الماتريدي: " قال بعضهم: أراد بالولد الذكور خاصة؛ لأنه جعل للأبوين لكل واحد منهما السدس إذا كان الولد ذكرا، أما إذا كان الولد أنثى فللأب يكون الثلث. وأما عندنا: فإن اسم الولد يجمع الذكور والإناث جميعا" (٧). قوله تعالى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، أي: " فإِن لم يوجد للميت أولاد وكان الوارث أبواه فقط أو معهما أحد الزوجين، فللأم ثلث المال أو ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين والباقي للأب" (٨). قال مقاتل: " وبقية المال للأب" (٩). عن سعيد بن جبير: " قوله: ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه﴾، قال: فإن لم يكن له ذكر ولا أنثى" (١٠)، " ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾: فلأمه الثلث وبقية المال للأب" (١١). قال ابن المنذر: " وأجمعوا على أن بني الابن، وبنات الابن يقومون مقام البنين والبنات ذكورهم كذكورهم، وإناثهم كإناثهم، إذا لم يكن للميت ولد لصلبه" (١٢). وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ﴿فلأمه﴾ و ﴿من بطون أمهتكم﴾ [النحل ٧٨]، و ﴿في أمها﴾ [القصص ٥٩]، و ﴿في أم الكتاب﴾ [الزخرف ٤]، بالرفع، في حين قرأ حمزة والكسائي كل ذلك بالكسر. واختلفا في الميم من قوله ﴿أمهاتكم﴾ فكسرها حمزة وفتحها الكسائي (١٣). قوله تعالى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، أي: " فإِن وجد مع الأبوين إِخوة للميت «اثنان فأكثر» فللأم السدس، والباقي للأب" (١٤). قال مقاتل: " وما بقي فللأب" (١٥). عن سعيد بن جبير: ﴿فإن كان له﴾: فإن كان للميت" (١٦)، "قوله: ﴿فإن كان له إخوة﴾: أخوان فصاعدا أو أختان أو أخ أو أخت" (١٧)، "قوله: ﴿فلأمه السدس﴾ وما بقي فللأب، وليس للأخوة مع الأب شيء، ولكنهم حجبوا الأم عن الثلث" (١٨).

стр. 2731

قال ابن المنذر: " وأجمعوا على أن الأبوين إذا ورثاه: أن للأب الثلثين وللأم الثلث" (١). واختلف اختلف أهل العلم في عدد الإخوة الذين عناهم الله تعالى ذكره، على قولين: أحدهما: أنه عنى الله جل ثناؤه به: اثنين كان الإخوة أو أكثر منهما، أنثيين كانتا أو كن إناثًا، أو ذكرين كانا أو كانوا ذكورًا، أو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى. وهذا قول الجمهور (٢). والثاني: أن المراد: جماعة أقلها ثلاثة. وهذا الرأي ينكر أن يكون الله جل ثناؤه حجَب الأم عن ثلثها مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة. فكان يقول في أبوين وأخوين: للأم الثلث، وما بقي فللأب، كما قال أهل العلم في أبوين وأخ واحد. وهذا قول ابن عباس (٣). روي عن ابن عباس: "أنه دخل على عثمان ﵁ فقال، لم صار الأخوان يردَّان الأم إلى السدس، وإنما قال الله: فإن كان له إخوة، والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان- ﵀ هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس ومضى في الأمصار؟ " (٤). قال الطبري: " والصواب من القول في ذلك عندي، أن المعنيَّ بقوله: ﴿فإن كان له إخوة﴾، اثنان من إخوة الميت فصاعدًا، على ما قاله أصحابُ رسول الله ﷺ ، دون ما قاله ابن عباس ﵄، لنقل الأمة وراثةً صحةَ ما قالوه من ذلك عن الحجة، وإنكارهم ما قاله ابن عباس في ذلك" (٥). وقد اشتهر عند العرب "إخراج كل ما كان في الإنسان واحدًا إذا ضم إلى الواحد منه آخر من إنسان آخر فصارا اثنين من اثنين، بلفظ الجميع، أفصحَ في منطقها وأشهرَ في كلامها وكان الأخوان شخصين كل واحد منهما غير صاحبه، من نفسين مختلفين، أشبه معنياهما معنى ما كان في الإنسان من أعضائه واحدًا لا ثاني له، فأخرج اثناهما بلفظ اثنى العضوين اللذين وصفت، فقيل إخوة في معنى الأخوين، كما قيل ظهور في معنى الظهرين، وأفواه في معنى فموين، وقلوب في معنى قلبين، ومنه قول الفرزدق (٦): بِمَا فِي فُؤَادَيْنَا مِنَ الشَّوْقِ وَالْهَوَى ... فَيَبْرَأُ مُنْهَاضُ الفُؤَادِ الْمُشَعَّفُ وقد قال بعض النحويين: إنما قيل إخوة، لأن أقل الجمع اثنان. وذلك أن ذلك ضم شيء إلى شيء صارا جميعًا بعد أن كانا فردين، فجمعا ليعلم أن الاثنين جمع (٧). وأخرج الطبري بسنده عن طاوس عن ابن عباس: "السدس الذي حجبتْه الإخوة الأمَّ لهم، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أمهم" (٨). كما روي عن ابن عباس خلاف هذا القول، إذ قال: " الكلالة من لا ولد له ولا والِد" (٩). قال ابن المنذر: " وأجمعوا على أن الأخوة لا يرثون مع الأب شيئا، وانفرد ابن عباس فقال: السدس الذي حجبه الأخوة للأُم عنده" (١٠)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (١١). وقال قتادة: " أضروا بالأم ولا يرثون ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث، ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث، لأن أباهم يلي نكاحهم، ونفقته عليهم دون أمهم" (١٢). قال ابن كثير: "وهذا كلام حسن. لكن روي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم، وهذا قول شاذ، رواه ابن جرير (١٣) في تفسيره" (١٤).

стр. 2732

والصواب أن الله تعالى ذكره فرض للأم مع الإخوة السدس، لما هو أعلم به من مصلحة خلقه وقد يجوز أن يكون ذلك كان لما ألزم الآباء لأولادهم وقد يجوز أن يكون ذلك لغير ذلك. وليس ذلك مما كلَّفنا علمه، وإنما أمرنا بالعمل بما علمنا (١). قال الطبري: " وأما الذي روي عن طاوس عن ابن عباس، فقول لما عليه الأمة مخالف. وذلك أنه لا خلاف بين الجميع: أنْ لا ميراث لأخي ميت مع والده. فكفى إجماعهم على خلافه شاهدًا على فساده" (٢). قوله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، أي: " بعد تنفيذ وصية الميت وقضاء ديونه" (٣). قال مقاتل: " يعني: إلى الثلث أو دين عليه فإنه يبدأ بالدين من ميراث الميت بعد الكفن ثم الوصية بعد ذلك ثم الميراث" (٤). قال ابن كثير: " أجمع العلماء سلفًا وخلفًا: أن الدَّيْن مقدم على الوصية، وذلك عند إمعان النظر يفهم من فَحْوَى الآية الكريمة" (٥). قال الماتريدي: " ذكر الله - تعالى - الوصية قبل الدين، وأجمع أهل العلم أن الدين يبدأ به قبل الوصية والميراث" (٦). وقد روى عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: " شهدت رسول الله ﷺ يقضي بالدين قبل الوصية، وأنتم تقرؤون: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وأن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الإخوة للأب والأم، دون الإخوة للأم" (٧). وقرأ ابن عامر وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر ﴿يوصي بها﴾ بفتح الصاد في الحرفين، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي ﴿يوصي بها﴾ بكسر الصاد فيهما، وقال حفص عن عاصم الأولى بالكسر ﴿يوصي بها﴾ والثانية ﴿يوصي بها﴾ بفتح الصاد (٨). قوله تعالى ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]، أي: " آباؤكم وأبْناؤكم الذين فُرِض لهم الإرث لا تعرفون أيهم أقرب لكم نفعًا في دنياكم وأخراكم، فلا تفضلوا واحدًا منهم على الآخر" (٩). عن السدي قوله: ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا﴾، قال بعضهم: في نفع الآخرة، وقال بعضهم: في نفع الدنيا" (١٠). قال ابن عباس: " يقول: أطوعكم لله من الآباء والأبناء، أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله سبحانه يشفع المؤمنين بعضهم في بعض" (١١). قال مقاتل: " يعني: في الآخرة، فيكون معه في درجته، وذلك أن الرجل يكون عمله دون عمل ولده أو يكون عمله دون عمل والده، فيرفعه الله- في درجته لتقر أعينهم" (١٢).

стр. 2733

وعن ابن زيد: قال: أيهم خيرٌ لكم في الدين والدنيا، الوالد أو الولدُ الذين يرثونكم، لم يدخلِ عليكم غيرهم، فرَضَ لهم المواريث، لم يأت بآخرين يشركونهم في أموالكم" (١). قال الطبري: " يقول: أعطوهم حقوقهم من ميراث ميتهم الذي أوصيتُكم أن تعطوهموها، فإنكم لا تعلمون أيهم أدنى وأشد نفعًا لكم في عاجل دنياكم وآجل أخراكم" (٢). وقال مجاهد: " ﴿أيهم أقرب لكم نفعًا﴾، في الدنيا" (٣). قال ابن كثير: " أي: إنما فرضنا للآباء وللأبناء، وساوينا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية، وعلى خلاف ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من كون المال للولد وللوالدين الوصية، كما تقدم عن ابن عباس، إنما نسخ الله ذلك إلى هذا، ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم؛ لأن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيوي - أو الأخروي أو هما - من أبيه ما لا يأتيه من ابنه، وقد يكون بالعكس؛ فلهذا قال: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: كأن النفع متوقع ومرجو من هذا، كما هو متوقع ومرجو من الآخر؛ فلهذا فرضنا لهذا ولهذا، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث" (٤). قال الراغب: " قيل: القصد بذلك أن المنفعة بهما متفاوتة، فإن المنفعة بالآباء في الصغر، وبالأبناء في الكبر. وقيل: معناه تحروا ما أمرتم، ولا تعتبروا نفع الولد والوالد، فإن ذلك يختلف عند اعتبار الآحاد. وقيل: معناه لا يدري أحدكم أهو أقرب وفاة، فينتفع ولده بماله، أم الولد أقرب وفاة فينتفع الوالدان بماله، وإلى هذا المعنى أشار الشاعر (٥): ما علم ذي ولد أيثـ ... كله أم الولد اليتيم؟ وهذا الذكر في الآية كالاستطراد، والقصد به يجب أن يتحرى في ماله الوجه الذي جعل له المال، فلا يمنع ذا حق من حقه، شفقة على ورثته، ولا يضعه في غير حقه "تفاديا من انتقال ماله إلى ورثته، بل يجب أن يتحرى القصد في ذلك، فليس يدري عواقب الأمور، وجملة ذلك أن في الآية حثا على تفويض الأمر إلى الله، والرضا بحكمه" (٦). قوله تعالى ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، أي: " هذا الذي أوصيتكم به مفروض عليكم من الله" (٧). قال مقاتل: " قال في التقديم لهذه القسمة: فريضة ثابتة من الله" (٨). قال الطبري: أي: " سهامًا معلومة موقتة بيَّنها الله لهم" (٩). قال ابن كثير: " أي: من هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض - هو فرض من الله حكم به وقضاه" (١٠). قوله تعالى ﴿ِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١]، أي: " إِنه تعالى عليم بما يصلح لخلقه حكيم فيما شرع وفرض" (١١). قال ابن كثير: أي: " والله عليم حكيم الذي يضع الأشياء في محالها، ويعطي كلا ما يستحقه بحسبه" (١٢). قال الطبري: أي: " إنّ الله لم يزل ذا علم بما يصلح خلقه، أيها الناس، فانتهوا إلى ما يأمركم، يصلح لكم أموركم. حكيما، يقول: لم يزل ذا حكمة في تدبيره، وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض،

стр. 2734

وفيما يقضي بينكم من الأحكام، لا يدخل حكمه خَلَل ولا زلل، لأنه قضاء من لا تخفى عليه مواضع المصلحة في البدء والعاقبة" (١). الفوائد: ١ - أن الله تعالى تولى قسمة التركات بنفسه فلا يحل لأحد أن يغر منها شيئاً. ٢ - الاثنان يعتبران جمعاً. ٣ - ولد الولد حكمه حكم الولد نفسه في الحجب. ٤ - الأب عاصب فقد يأخذ فرضه مع أصحاب الفرائض وما بقي يرثه بالتعصيب لقوله ﷺ : «ألْحِقُوا الفرائِضَ بأهلها، فما بَقِيَ فهو لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٢). ٥ - في الآية دليل جواز القياس، والفكر فيها، والاعتبار؛ لأن ميراث الابنتين مستدل عليهما، غير منصوص، وكذلك ميراث الذكور من الأولاد بالانفراد مستدل عليه غير منصوص، وما يحرز الأب من الميراث بحق العصبة مستدل عليه لا منصوص، وما يستحق بالفريضة فهو منصوص عليه، وهكذا كل من يستحق شيئا بحق الفريضة فهو منصوص عليه؛ فدل أن ما ترك ذكره إنما ترك للاجتهاد، والتفكر فيه، والاعتبار. ٦ - ومن الفوائد: أنه يجوز ألا يطلع الله عباده على الأشياء بقوله - تعالى -: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾، إذ لم يبين أيهم أقرب نفعا. ٧ - إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما: «العليم»، و «الحكيم»: فمن أسمائه «العليم»، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٣). قال أبو سليمان: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم" (٤). و«الحكيم»: "هو المحكم لخلق الأشياء. صرف عن مفعل إلى فعيل، كقولهم: أليم بمعنى: مؤلم، وسميع بمعنى: مسمع؛ كقوله -جل وعز-: ﴿آلر، تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ [يونس: ١] وقال في موضع آخر: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ [هود: ١]. فدل على أن المراد بـ «الحكيم» هنا، الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها، إذ ليس كل الخليقة موصوفا بوثاقة البنية، وشدة الأسر كالبقة، والنملة، وما أشبههما من ضعاف الخلق، إلا أن التدبير فيهما، والدلالة بهما على كون الصانع وإثباته، ليس بدون الدلالة عليه بخلق السموات والأرض والجبال وسائر معاظم الخليقة، وكذلك. هذا في قوله -جل وعز-: ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه﴾ [السجدة: ٧] لم تقع الإشارة به إلى الحسن الرائق في المنظر، فإن هذا المعنى معدوم في القرد، والخنزير، والدب، وأشكالها من الحيوان، وإنما ينصرف المعنى فيه إلى حسن التدبير في إنشاء كل شىء من خلقه على ما أحب أن ينشئه عليه وإبرازه على الهيئة التي أراد أن يهيئه عليها. كقوله تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾ [الفرقان: ٢] " (٥). القرآن ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء: ١٢] التفسير:

стр. 2735

ولكم -أيها الرجال- نصف ما ترك أزواجكم بعد وفاتهن إن لم يكن لهن ولد ذكرًا كان أو أنثى، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن، ترثونه من بعد إنفاذ وصيتهن الجائزة، أو ما يكون عليهن من دَيْن لمستحقيه. ولأزواجكم -أيها الرجال- الربع مما تركتم، إن لم يكن لكم ابن أو ابنة منهن أو من غيرهن، فإن كان لكم ابن أو ابنة فلهن الثمن مما تركتم، يقسم الربع أو الثمن بينهن، فإن كانت زوجة واحدة كان هذا ميراثًا لها، من بعد إنفاذ ما كنتم أوصيتم به من الوصايا الجائزة، أو قضاء ما يكون عليكم من دَيْن. وإن مات رجل أو امراة وليس له أو لها ولد ولا والد، وله أو لها أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس. فإن كان الإخوة أو الأخوات لأم أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث يقسم بينهم بالسوية لا فرق بين الذكر والأنثى، وهذا الذي فرضه الله للإخوة والأخوات لأم يأخذونه ميراثًا لهم من بعد إنفاذ وصيته إن كان قد أوصى بشيء، أو قضاء ديون الميت، لا ضرر فيه على الورثة. بهذا أوصاكم ربكم وصية نافعة لكم. والله عليم بما يصلح خلقه، حليم لا يعاجلهم بالعقوبة. قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، " أي: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم من المال إِن لم يكن لزوجاتكم أولاد منكم أو من غيركم" (١). عن سعيد بن جبير قوله: ولكم يقول: للرجل" (٢)، " قوله: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ يقول: للرجل نصف ما تركت امرأته إذا ماتت" (٣)، "قوله: ﴿إن لم يكن لهن ولد﴾: إن لم يكن لها ولد من زوجها الذي ماتت عنه أو من غيره" (٤). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء: ١٢]، أي: "، فإن كان لكم ابن أو ابنة فلهن الثمن مما تركتم" (٥). عن سعيد بن جبير: " قوله: ﴿فإن كان لهن ولد﴾: فإن كان لها ولد ذكر أو أنثى" (٦)، قوله: ﴿فلكم الربع﴾، يعني: للزوج" (٧)، "قوله: ﴿مما تركن﴾، يعني: مما تركت من المال" (٨). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، " أي: من بعد الوصية وقضاء الدين" (٩). عن سعيد بن جبير قوله: ﴿من بعد وصية يوصين بها﴾: النساء" (١٠)، "قوله: ﴿أو دين﴾: دين عليهن، قال: فالدين قبل الوصية فيها تقديم" (١١). عن علي، قال: شهدت رسول الله ﷺ يقضي بالدين، ولفظ العدني، قال: " قضى رسول الله ﷺ أن الدين قبل الوصية، وأنتم تقرءون: ﴿من بعد وصية توصون بها أو دين﴾ وإن أعيان بني الأم يتوارثون، دون بني العلات الإخوة للأب والأم دون الإخوة للأب، ولفظ العدني الإخوة للأب والأم أقرب من الإخوة للأب يتوارثون دون الإخوة للأب " (١٢). قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، " أي: ولزوجاتكم واحدة فأكثر الربع مما تركتم من الميراث إِن لم يكن لكم ولد منهن أو من غيرهن" (١٣). عن سعيد بن جبير: " قوله: ﴿ولهنّ﴾ يعني: النساء" (١٤)، " قوله: ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾، يعني: للمرأة الربع" (١٥)، " قوله: ﴿مما تركتم﴾ يعني: مما ترك زوجها من الميراث" (١٦)، "قوله: ﴿إن لم يكن لكم﴾، يعني: لزوجها الذي مات عنها" (١٧)، " قوله: ﴿إن لم يكن لكم ولد﴾، قال: ولد منها ولا من غيرها" (١٨).
следующие страницы →